Полный текст (11 982 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
٣٦٦ - (٧٧) باب: فضل يوم الجمعة وهداية هذه الأمة له
١٨٦٧ - (٨١٨) (٢٢٢) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ الأَعْرَجُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَيرُ يَوْم طَلَعَتْ عَلَيهِ الشمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ. فِيهِ خُلِقَ آدَمُ. وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنةَ. وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا"
ــ
٣٦٦ - (٧٧) باب فضل يوم الجمعة وهداية هذه الأمة له
١٨٦٧ - (٨١٨) (٢٢٢) (وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأموي الأيلي (عن) محمَّد (بن شهاب) الزهريّ المدني (أخبرني عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج) الهاشمي أبو داود المدني (أنه سمع أبا هريرة يقول) وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي (قال رسول الله ﷺ خير يوم طلعت) أي أشرقت (عليه) أي على أهله (الشمس) يعني من أيام الأسبوع، وأما أيام السنة فخيرها يوم عرفة، قال السنوسي على يحتمل أن تكون بمعنى في أي طلعت فيه، والضمير يعود على اليوم، ويحتمل أن تكون على بابها والتقدير طلعت على ما سكن فيه كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾ اهـ سنوسي (يوم الجمعة) لأنه (فيه خلق آدم) ﵇ أي نفخ فيه الروح (و) لأن (فيه أدخل الجنة) حين أدخلها (و) لأن (فيه أخرج) أي أهبط (منها) أي من الجنة إلى الأرض، وفي الرواية الآتية زيادة (ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة) وكل هذه الأمور خيور فإن إهباط آدم من الجنة لا للطرد بل للخلافة ترتب عليها مصالح كثيرة، وأما قيام الساعة فذكر النواوي أنه سبب لتعجيل جزاء الصالحين.
[واعلم] أن كون يوم الجمعة أفضل الأيام لا يرجع ذلك إلى عين اليوم لأن الأيام متساوية في أنفسها، وإنما يفصّل بعضها بعضًا بما فيه من أمر زائد على نفسه ويوم الجمعة قد خص من جنس العبادات بهذه الصلاة المعهودة التي يجتمع لها الناس وتتفق هممهم ودواعيهم ودعواتهم فيها ويكون حالهم فيها كحالهم في يوم عرفة فيستجاب لبعضهم في بعض ويغفر لبعضهم ببعض ولذلك قال ﷺ : "الجمعة حج المساكين" ذكره في كشف الخفاء [١٠٧٦] وقال: رواه القضاعي عن ابن عباس، وفي
стр. 4097
١٨٦٨ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ (يَعْنِي الْحِزَامِيَ) عَنْ أبي الزنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَال: "خَيرُ يوْمٍ طَلَعَت عَلَيهِ الشمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ. فِيهِ خُلِقَ آدَمُ. وَفِيهِ أُدخِلَ الْجَنةَ. وَفِيهِ أُخرِجَ مِنهَا. وَلَا تَقُومُ السَّاعةُ إلا في يَوْمِ الْجُمُعَةِ"
ــ
سنده مقاتل فهو ضعيف؛ أي يحصل لهم فيها ما يحصل لأهل عرفة والله أعلم. ثم إن الملائكة يشهدونهم ويكتبون ثوابهم ولذلك سمي هذا اليوم اليوم المشهود ثم تخطر فيه لقلوب العارفين من الألطاف والزيادات بحسب ما يدركونه من ذلك ولذلك سمي بيوم المزيد، ثم إن الله تعالى قد خصه بالساعة التي فيه عمل ما سبق ذكرها، ثم إن الله تعالى قد خصه بأن أوقع فيه هذه الأمور العظيمة التي هي خلق آدم الذي هو أصل البشر، ومن ولده الأنبياء والأولياء والصالحون، ومنها إخراجه من الجنة التي حصل عنده إظهار معرفة الله وعبادته في هذا النوع الآدمي، ومنها توبة الله عليه بها ظهر لطفه تعالى عليه ورحمته لهذا النوع الآدمي مع اجترامه ومخالفته، ومنها موته الذي بعده وفي أجره ووصل إلى مامنه ورجع إلى المستقر الذي خرج منه، ومن فهم هذه المعاني فهم فضيلة هذا اليوم وخصوصيته بذلك فحافظ عليه وبادر إليه اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣٨٠] , وأبو داود [١٠٥٠] , والترمذي [٤٩٨] , وابن ماجه [١٠٩٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
١٨٦٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا قتيبة بن سعيد) البلخي (حدثنا المغيرة) بن عبد الرحمن الأسدي (يعني الحزامي) المدني، ثقة، من (٧) (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي المدني، ثقة، من (٥) (عن الأعرج عن أبي هريرة) ﵁، غرضه بيان متابعة أبي الزناد لابن شهاب (أن النبي ﷺ قال: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم) الذي هو مبنى البشر (وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها, ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة) ولفظ خير وشر يستعملان للمفاضلة ولغيرها فإذا كانتا للمفاضلة فاصلهما أخير وأشر على وزن أفعل، وقد نطق بأصله فجاء عنه ﷺ أنه قال: "توافون يوم القيامة سبعين أمة أنتم أخيرهم" ثم أفعل إن قرنت
стр. 4098
١٨٦٩ - (٨١٩) (٢٢٣) وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ،
ــ
بـ (من) كانت نكرة، ويستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والإثنان والجمع وإن لم تقرن بها لزم تعريفها بالإضافة أو بالألف واللام فهذا عرف بالألف واللام أُنث، وثني وجمع وإن أضيف ساغ فيه الأمران كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣] وقال: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] وأما إذا لم يكونا للمفاضلة فهما من جملة الأسماء كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وقال: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
وهي في هذا الحديث للمفاضلة غير أنها مضافة لنكرة موصوفة ومعناها في هذا الحديث: إن يوم الجمعة أفضل من كل يوم طلعت شمسه اهـ من المفهم.
قوله: (وفيه أخرج من الجنة) أي أنزل من الجنة إلى الأرض لعدم تعظيمه يوم الجمعة بما وقع له من الزلة ليتداركه بعد النزول في الطاعة والعبادة فيرتقي إلى أعلى درجات الجنة وليعلم قدر النعمة لأن المنحة تتبين عند المحنة، وفي رواية أبي داود: "وفيه أهبط من الجنة" والظاهر أن أهبط فيه بمعنى أخرج قيل: كان الإخراج من الجنة إلى السماء والإهباط منها إلى الأرض فيفيد أن كلًّا منهما كان يوم الجمعة إما في يوم واحد وإما في يومين والله أعلم اهـ من العون.
قال ابن العربي: جميع هذه المعدودات من الفضائل؛ خروج آدم ﵇ لهذا النسل العظيم الذي منه الأنبياء والرسل ﵈ ولم يخرج منها طردًا بل لقضاء أوطار ويعود إليها، وقيام الساعة سبب لتعجيل جزاء الثلاثة الأصناف والصديقين والأولياء وغيرهم وإظهار كرامتهم اهـ عارضه الأحوذي على الترمذي، قال السنوسي: ظاهر كلام ابن العربي حسن ولا خفاء لما في خروج آدم من الفضيلة بما هو أحرى بالفضيلة من دخول الجنة لما فيه من تكثير النسل وبث عباد الله في الأرضين، وظاهر العبادة التي خلق الخلق لأجلها وما أقيمت السماوات والأرض إلا بها اهـ منه.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى للجزء الأخير من الترجمة فقال:
١٨٦٩ - (٨١٩) (٢٢٣) (وحدثنا عمرو) بن محمَّد بن بكير (الناقد) أبو عثمان البغدادي، ثقة، من (١٠) (حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي، ثقة إمام، من (٨)
стр. 4099
عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيزةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَحْنُ الآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. بَيدَ أَن كُل أُمَّةٍ أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا. وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ. ثُمَّ هذَا الْيَوْمُ
ــ
(عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة) ﵁، وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد بغدادي (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ : نحن) أي أنا وأمتي (الآخرون) ظهورًا في الدنيا (ونحن السابقون يوم القيامة) أي حسابًا ودخولا في الجنة كما سيأتي مبينًا في أحاديث الباب، وهذا كله شرف لهذه الأمة بشرف نبيها ولأنهم خير أمة أخرجت للناس، ويروى الأولون بدل السابقون (بيد) هو مثل غير وزنًا ومعنى وإعرابًا فمعنى بيد (أن كل أمة) غير أن كل أمة من الأمم السابقة أي إلا أن كل أمة من الأمم السابقة (أوتيت الكتاب) أي أعطوه (من قبلنا) أي من قبل ظهورنا في الدنيا، والكتاب التوراة، ويحتمل أن يريد به التوراة والإنجيل بدليل أنه قد ذكر بعد هذا اليهود والنصارى، فأل في الكتاب على هذا للجنس وعلى الأول للعهد، قال أبو عبيد: (بيد) بفتح الباء وسكون الياء وفتح الدال يكون بمعنى غير وبمعنى على وبمعنى من أجل، وأنشد:
عمدًا فعلت ذاك بيد أني ... أخاف إن هلكت لم ترني
من الرنة الصيحة الحزينة قال الليث: ويقال (ميد وبيد) بالميم والياء بمعنى غير. (قلت): ونصبه إذا كان بمعنى غير على الاستثناء ويمكن أن يقال: إنه بمعنى مع ويكون نصبه على الظرفية الزمانية، قال السنوسي: وقيل معنى بيد أنهم على أنهم، وقيل معناه الاستثناء بمعنى غير أنهم وعليه فيكون من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، قال النابغة:
فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا
والمعنى نحن السابقون يوم القيامة بما منحنا من الفضائل والكمالات غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وهذا الإيتاء يؤكد مدح السابقين بما عقب من قوله: (وأوتيناه من بعدهم) لما أدمج فيه معنى النسخ لكتابهم، فالناسخ هو السابق في الفضل وإن كان مسبوقًا في الوجود؛ أي وأوتينا من بعدهم فهو سابق في الفضل والكمال، وإليه أشار ﷺ بقوله: "والناس لنا فيه تبع" اهـ منه (وأوتيناه) أي أعطينا الكتاب وهو القرآن الكريم، فأل فيه للعهد (من بعدهم) أي من بعد كل أمة (ثم هذا اليوم) يعني
стр. 4100
الذِي كَتَبَهُ اللهُ عَلَينَا. هَدَانَا اللهُ لَهُ. فَالناسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ. الْيَهُودُ غَدا. وَالنصَارَى بَعْدَ غَدٍ".
١٨٧٠ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. وَابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي
ــ
يوم الجمعة (الذي كتبه الله) أي فرض الله تعظيمه (علينا) بأنواع العبادات، قال القاضي: فيه وجوب الجمعة (هدانا الله) أي وفقنا (له) أي لهذا اليوم، وعينه لنا على لسان نبينا ﷺ وجزاه علينا خير الجزاء (فالناس) الذين سبقونا مبتدأ، وقوله (لنا فيه) متعلق بقوله (تبع) وهو خبر المبتدأ أي فالناس الذين سبقونا تبع لنا فيه أي في اليوم الذي يعظمونه أي فاليوم الذي يعيدونه تبع لليوم الذي نعيِّده أي عيدهم واقع بعد عيدنا متأخر عنه (اليهود) أي عيد اليهود يكون (غدا) أي يومًا بعد يوم عيدنا وهو السبت، فالغد اسم لليوم الذي يلي يومك الذي أنت فيه أي عيدهم يلي عيدنا (والنصارى) أي وعيد النصارى يكون (بعد غد) الذي هو عيد اليهود أي عيدهم يلي يوم عيد اليهود وهو يوم الأحد أي يكون كذلك بعد إلزام المشروعية لنا وبالاختيار لهم، وإنما قدرنا الظرفين كذلك لأن ظروف الزمان لا تكون أخبارًا عن الجثث "الأشخاص" فيقدر فيها معنى يمكن تقديرها خبرًا قاله النواوي، قال السنوسي: ويحتمل أن يقدر الخبر كونًا خاصًّا فلا يحتاج إلى تقدير المضاف، والتقدير اليهود تبع لنا في غد، والنصارى تبع لنا بعد غد وقرينة هذا المحذوف قوله والناس تبع لنا فيه لأنه تفصيل للمجمل وهذا الوجه أظهر والله تعالى أعلم اهـ سنوسي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٧٤] , والبخاري [٨٧٦] , والنسائي [٣/ ٨٥ و ٨٧].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
١٨٧٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا) محمَّد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي، صدوق، من (١٠) (حدثنا سفيان) بن عيينة الكوفي (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني (عن الأعرج عن أبي هريرة) ﵁ (وابن طاوس) بالجر معطوف على أبي الزناد، وحدثنا سفيان عن عبد الله بن طاوس (عن أبيه) طاوس بن كيسان (عن أبي
стр. 4101
هُرَيرَةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَحْنُ الآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" بِمِثْلِهِ.
١٨٧١ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْب. قَالا: حَدَّثنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أبي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَحْنُ الآخِرُونَ الأوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يدخلُ الْجَنةَ. بَيدَ أنهُمْ أُوتُوا انكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ. فَاخْتَلَفُوا
ــ
هريرة) ﵁ فلسفيان سندان سند عن أبي الزناد عن الأعرج، وسند عن ابن طاوس عن أبيه، غرضه بسوق هذا السند متابعة ابن أبي عمر لعمرو الناقد في رواية هذا الحديث عن سفيان (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ : نحن الآخرون) في الدنيا (ونحن السابقون) إلى الجنة (يوم القيامة) وساق ابن أبي عمر (بمثله) أي بمثل حديث عمرو الناقد.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
١٨٧١ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا قتيبة بن سعيد وزهير بن حرب قالا حدثنا جرير) ابن عبد الحميد الضبي الكوفي، ثقة، من (٨) (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، من (٥) (عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني، ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي صالح السمان لعبد الرحمن الأعرج في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ : نحن الآخرون) خلقًا (الأولون) حسابًا (يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة بيد) أي غير (أنهم أوتوا) أي أعطوا (الكتاب من قبلنا) أي من قبل وجودنا وإيتائنا (وأوتيناه) أي وأعطينا الكتاب (من بعدهم) أي من بعد إيتائهم (فاختلفوا) في يوم الجمعة الذي فرض عليهم تعظيمه، وقد اختلف العلماء في كيفية ما وقع لهم من فريضة يوم الجمعة، فقالت طائفة: إن موسى أمرهم بيوم الجمعة وعينه لهم وأخبرهم بفضيلته على غيره، فناظروه أن السبت أفضل، فقال الله له: دعهم وما اختاروا لأنفسهم، ونقلوا هذا القول، ويؤيد هذا القول قوله ﷺ في الرواية الآتية "وهذا يومهم الذي فرض عليهم ثم اختلفوا" وقيل: إن الله لم يعينه لهم وإنما
стр. 4102
فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَق. فَهذَا يَوْمُهُمُ الّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ. هَدَانَا اللهُ لَهُ (قَال: يَوْمُ الْجُمُعَةِ) فَالْيَوْمَ لَنَا. وَغَدا لِليَهُودِ. وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى"
ــ
أمرهم بتعظيم يوم في الأسبوع فاختلف اجتهادهم في تعيينه فعينت اليهود السبت لأن الله فرغ فيه من الخلق، وعينت النصارى يوم الأحد لأن الله تعالى بدأ فيه الخلق فألزم كل واحد منهم ما أدى إليه اجتهاده وعينه الله لهذه الأمة من غير أن يكلهم إلى اجتهادهم فضلًا منه ونعمة، ويدل على صحة هذا القول قوله ﷺ : "فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه" أي في تعيينه (هدانا الله له) أي بتعيينه لنا لا باجتهادنا، ومما يؤيده أنه لو عين لهم فعاندوا فيه لما قيل اختلفوا فيه، وإنما كان ينبغي أن يقال فخالفوا فيه وعاندوا، ومما يؤيده أيضًا ما سيأتي في الرواية آخر الباب من قوله "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا" اهـ من المفهم.
قال المازري: الحديث يدل أن يوم الجمعة عين لهم وأمروا بتعظيمه فتركوه وغلبوا القياس فغلبت اليهود السبت للفراغ فيه من الخلق وظنت ذلك فضيلة توجب عظم اليوم، وعظمت النصارى الأحد لما كان ابتداء الخلق فيه، واتبع المسلمون الوحي الوارد في تعظيم الجمعة فعظموه اهـ. (قلت): الأظهر أنه عين لهم لأن السياق دل على ذمهم في العدول عنه فيجب أن يكون عين لهم لأنه لو لم يعين ووكل التعيين إلى اجتهادهم لكان الواجب عليهم تعظيم يوم لا بعينه اهـ من الأبي (فهدانا الله) أي وفقنا (لما اختلفوا فيه من الحق) الذي هو يوم الجمعة (فهذا) اليوم الذي نعظمه يعني يوم الجمعة هو (يومهم الذي) أمروا بتعظيمه و (اختلفوا فيه) ف (هدانا الله) أي وفقنا (له) أي لتعظيمه (قال) النبي ﷺ هو أي اليوم الذي اختلفوا فيه (يوم الجمعة) ولفظ النسائي (يعني يوم الجمعة) وهو واضح أي يعني النبي ﷺ بذلك اليوم يوم الجمعة وهو من كلام أبي هريرة (فاليوم) أي فهذا اليوم الذي نعظمه يعني يوم الجمعة عيد (لنا وغدا) بالنصب على الحكاية لأنه مبتدأ، وفي بعض النسخ وغد بالرفع فيقال في إعرابه غد مبتدأ محكي مرفوع بضمة مقدرة (لليهود) جار ومجرور خبر المبتدإ أي وغدًا من يومنا عيد لليهود (وبعد غد) مبتدأ محكي أيضًا (للنصارى) جار ومجرور خبره أي وبعد غد عيد للنصارى.
قال القرطبي: وحق (غدًا) و (بعد غد) أن يكونا مرفوعين على الابتداء وخبرهما
стр. 4103
١٨٧٢ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا محمدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَال: هذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ، عَنْ مُحمدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. بَيدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ من بَعْدِهِمْ. وَهذَا يَوْمُهُمُ الذِي فُرِضَ عَلَيهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ. فَهَدَانَا اللهُ لَهُ. فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ. فَالْيَهُودُ غَدًا. وَالنصَارَى بَعْدَ غَدٍ"
ــ
المجروران بعدهما، وقد قيدهما كذلك بعض من نعتمده، وقيدناهما أيضًا بالنصب بناء على أنهما ظرفان غير متمكنين والأول أولى لأنهما قد أخبر عنهما هنا فقد خرجا عن الظرفية اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
١٨٧٢ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا محمَّد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، ثقة، من (٩) (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من (٧) (عن همام بن منبه) بن كامل اليماني الصنعاني، ثقة، من (٤) (أخي وهب بن منبه) القصاص (قال) همام (هذا) الحديث الذي أحدثه لكم إما حدثنا أبو هريرة عن محمَّد رسول الله ﷺ قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ : نحن الآخرون) وجودًا (السابقون) فضلًا (يوم القيامة بيد أنهم) أي غير أن أهل الكتاب (أو توا الكتاب) أي أعطوه (من قبلنا وأوتيناه) أي أعطينا الكتاب الذي هو الفرقان (من بعدهم وهذا) اليوم الذي نعظمه يعني الجمعة هو (يومهم الذي فرض عليهم (تعظيمه (فاختلفوا فيه) وضلوا عنه (فهدانا الله له) أي وفقنا الله تعالى له فعظمناه (فهم) أي فاهل الكتاب (لنا فيه تبع) أي تابعون لنا في اليوم الذي يعيِّدونه (فاليهود) عيدوا (غدا) أي السبت (والنصارى) عيدوا (بعد غد) يعني الأحد.
قال السنوسي: استدل بعض شراح المصابيح على عدم تعيينه لهم بقوله في الحديث (فهدانا الله له) قال: ومعناه بعد قوله (فرض الله عليهم) أن الله تعالى أمر عباده وفرض عليهم أن يجتمعوا يوم الجمعة ليحمدوا خالقهم ويشكروه بالعبادة وما عين لهم بل أمرهم أن يستخرجوه بأفكارهم ويعينوه باتجهادهم فقالت اليهود: هو يوم السبت،
стр. 4104
١٨٧٣ - (٨٢٠) (٢٢٤) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأشْجَعِيِّ، عَنْ أبي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ
ــ
لأنه يوم فراغ وقطع عمل فإن الله تعالى فرغ فيه من خلق العالم فينبغي للخلق أن يعرضوا عن صنائعهم ويفرغوا للعبادة، وزعمت النصارى أن المراد به يوم الأحد فإنه يوم بدء الخلق الموجب للشكر والعبادة، فهدى الله هذه الأمة ووفقهم للإصابة حتى عينوا الجمعة وقالوا: إن الله تعالى خلق الإنسان للعبادة وكان خلقه يوم الجمعة إذ فيه خلق آدم فكانت العبادة فيه أولى، ولأنه تعالى أوجد في سائر الأيام ما ينتفع به الإنسان، وفي الجمعة أوجد نفس الإنسان والشكر على نعمة وجود نفسه أهم وأحرى، ولما كان مبدأ دور الإنسان وأول أيامه يوم الجمعة كان التعبد فيه باعتبار العبادة متبوعًا والمتعبد في اليومين بعده تابعًا اهـ.
[قلت]: وهذا الكلام يؤذن بأن تعيين الجمعة لهذه الأمة إنما كان أولًا بالاجتهاد ثم انكشف الوحي أنه موافق لما أمرهم الله تعالى، وفيه بعد ويصح أن يقال: لم يعين لغير هذه الأمة ووكلوا في تعيينه إلى اجتهادهم، أما هذه الأمة فقد تفضل الله تعالى عليها ولم يكلها في تعيين هذا اليوم المأمور به إلى نفسها بل أوحى بتعيينه لهم أولًا ويكون هذا معنى قوله (فهدانا الله له) ويحتمل أن يكون عين للجميع لكن لم يوفق من قبلنا لقوله (ووفقت هذه الأمة) للتفويض للمولى الكريم واختيار ما اختاره لهم والله أعلم اهـ من السنوسي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أبي هريرة مع استشهاده له بحديث حذيفة رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٨٧٣ - (٨٢٠) (٤ ٢٢) (وحدثنا أبو غريب) محمَّد بن العلاء الهمداني الكوفي (وواصل بن عبد الأعلى) بن هلال الأسدي أبو القاسم الكوفي، ثقة، من (١٠) كلاهما (قالا: حدثنا) محمَّد (بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي، صدوق، من (٩) روى عنه في (٢٠) بابا (عن أبي مالك) سعد بن طارق بن أشيم (الأشجعي) الكوفي، ثقة، من (٤) روى عنه في (٦) أبواب (عن أبي حازم) الأشجعي سلمان مولى عزة الكوفي، جليس أبي هريرة خمس سنوات، ثقة، من كبار (٣) (عن أبي هريرة) ﵁، وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا أبا هريرة، وفيه التحديث
стр. 4105
وَعَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيفَةَ. قَالا: قَال رَسول اللهِ ﷺ : "أَضَل اللهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبلَنَا. فَكَانَ لِليَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ. وَكَانَ لِلنصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ. فَجَاءَ اللهُ بِنَا. فَهَدَانَا اللهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ. فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسبتَ وَالأَحَدَ. وَكَذلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَومَ الْقِيَامَةِ. نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا. وَالأَوَّلُونَ يَومَ الْقِيَامَةِ. الْمَقْضِي لَهُمْ قَبْلَ الْخَلائقِ". وَفِي رِوَايَةِ وَاصِلٍ: "الْمَقْضِي بَينَهُم"
ــ
والعنعنة والمقارنة، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي حازم لمن روى عن أبي هريرة أعني الأعرج وأبا صالح وهمامًا ابن منبه، وقوله (وعن ربعي بن حراش) معطوف على أبي حازم أي وروى أبو مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش العبسي أبي مريم الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) (عن حذيفة) بن اليمان العبسي أبي عبد الله الكوفي، وهذا السند أيضًا من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم قاطبة كوفيون، وغرضه بسوقه الاستشهاد بحديث حذيفة لحديث أبي هريرة ﵁ (قالا) أي قال كل من أبي هريرة وحذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما (قال رسول الله ﷺ : أضل الله) أي حكم الله تعالى بالخطإ والضلال (عن) موافقة تعظيم يوم (الجمعة من كان قبلنا) من أهل الكتاب (فكان) عيدًا (لليهود يوم السبت وكان) عيدًا (للنصارى يوم الأحد فجاء الله) (بنا) معاشر الأمة المحمدية أي خلقنا من بعدهم (فهدانا الله) سبحانه أي وفقنا (لـ) (تعظيم (يوم الجمعة فجعل) الله سبحانه وتعالي أعيادنا وأعيادهم (الجمعة) لنا (والسبت) لليهود (والأحد) للنصارى (وكذلك) أي وكما جعلهم الله تبعًا لنا في أيام العيد الذي اختاروه (هم تبع لنا) أي تابعون لنا (يوم القيامة) في دخول الجنة يدخلون بعد دخولنا، يعني أن ما اختاروه من الأيام تابعان ليوم الجمعة يجيئان بعده فكذلك هم تابعون لنا يوم القيامة في دخول الجنة لا يدخلون حتى ندخل اهـ ابن الملك (نحن الآخرون من أهل الدنيا) في الزمان والوجود (والأولون يوم القيامة) في الفضل ودخول الجنة فتدخل هذه الأمة الجنة قبل سائر الأمم، وقوله (المقضي لهم) صفة للأولين أي ونحن الأولون الذين يقضى لهم بدخول الجنة (قبل الخلائق) أي قبل قضائه لسائر الأمم هكذا في رواية أبي غريب (وفي رواية واصل: المقضي بينهم) أي الذي يقضى بينهم فيما يتعلق بحقوقهم. وشارك المؤلف في رواية حديث حذيفة النسائي [٣/ ٨٧].
стр. 4106
١٨٧٤ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ أبي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ. حَدَّثَنِي رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيفَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُدِينَا إِلَى الْجُمُعَةِ وَأَضَلَّ اللهُ عَنْهَا مَنْ كَانَ قَبْلَنَا" فَذَكَرَ بِمَعْنَى الحَدِيثِ ابْنِ فُضَيلٍ
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث حذيفة ﵁ فقال:
١٨٧٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو كريب) الهمداني الكوفي (أخبرنا) يحيى بن زكرياء (بن أبي زائدة) خالد بن ميمون الهمداني أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن، من كبار (٩) روى عنه في (١٢) بابا (عن سعد بن طارق) الأشجعي الكوفي (حدثني ربعي بن حراش) العبسي الكوفي (عن حذيفة) بن اليمان العبسي الكوفي، وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم جميعًا كوفيون، غرضه بسوقه بيان متابعة يحيى بن أبي زائدة لابن فضيل في رواية هذا الحديث عن سعد بن طارق، وفيه التحديث إفرادا وجمعًا والإخبار والعنعنة (قال) حذيفة (قال رسول الله ﷺ هدينا) معاشر الأمة المحمدية أي هدانا الله (إلى) تعظيم يوم (الجمعة وأضل الله) (عنها) أي عن تعظيم يوم الجمعة (من كان قبلنا) من الأمم من اليهود والنصارى (فذكر) يحيى بن زكريا في باقي الحديث (بمعنى الحديث) محمَّد (بن فضيل) بن غزوان دون لفظه والله أعلم. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث الأول حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه أربع متابعات، والثالث حديث حذيفة بن اليمان ذكره للاستشهاد به لحديث أبي هريرة الثاني وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
***
стр. 4107
٣٦٧ - (٧٨) باب: فضل التهجير إلى الجمعة وفضل من أنصت واستمع إلى الخطبة
١٨٧٥ - (٨٢١) (٢٢٥) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ (قَال أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب). أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ الأغَرُّ؛ أَنهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُل بَاب من أَبْوَاب الْمَسْجِدِ مَلائِكَة يَكْتُبُونَ الأولَ فَالأوَّلَ
ــ
٣٦٧ - (٧٨) باب فضل التهجير إلى الجمعة وفضل من أنصت واستمع إلى الخطبة
قال الخليل: التهجير التبكير، وقال الفراء: هو السير في الهاجرة أي وقت اشتداد الحر، والصحيح أنه هو التبكير.
١٨٧٥ - (٨٢١) (٢٢٥) (وحدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن سرح الأموي مولاهم الفقيه المصري، ثقة، من (١٠) (وحرملة) بن يحيى التجيبي المصري، ثقة، من (١١) (وعمرو بن سواد العامري) السرحي أبو محمَّد المصري، ثقة، من (١١) (قال أبو الطاهر: حدثنا وقال الآخران: أخبرنا) عبد الله (بن وهب) القرشي المصري، ثقة متقن، من (٩) (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي الأموي، ثقة، من (٧) (عن) محمَّد بن مسلم (بن شهاب) الزهريّ المدني، ثقة حجة مشهور، من (٤) (أخبرني أبو عبد الله) سلمان الجهني مولاهم (الأغر) لقبًا، الأصبهاني أصلًا، المدني وطنًا، ثقة، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (أنه سمع أبا هريرة) ﵁ (يقول) وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي، وفيه التحديث إفرادًا وجمعًا والإخبار إفرادًا وجمعًا والسماع والعنعنة والقول والمقارنة ورواية تابعي عن تابعي عن صحابي (قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة) وقوله (يكتبون) جملة فعلية صفة للملائكة أو حال منها ومفعوله محذوف تقديره يكتبون ثواب من يأتي (الأول فالأول) قال في المصابيح نصب على الحال، وجاءت معرفة لأنها في تأويل المشتق وهو قليل اهـ فهو حال مركبة مبني
стр. 4108
فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ وَجَاؤُا يَسْتَمِعُونَ الذكْرَ. وَمَثَلُ الْمُهَجرِ كَمَثَلِ الذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ. ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَة. ثُم كَالذِي يُهْدِي الْكَبْشَ. ثُمّ كَالَّذِي يُهْدِي الدجَاجَةَ. ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَيضَةَ"
ــ
على فتح الجزأين كخمسة عشر، وصاحب الحال محذوف أي يكتبون من يأتي المسجد حال كونهم مرتبين في الكتابة أي يكتبون ثواب من يأتي في الوقت الأول ثم من يأتي في الوقت الثاني، قال ابن الملك: سماه أول لأنه سابق على من يأتي في الوقت الثالث فالأول هنا بمعنى الأسبق فالأسبق (فهذا جلس الإِمام) على المنبر أي سعد المنبر، قال الجوهري: يقال جلس الرجل إذا أتى نجدًا وهو الموضع المرتفع، وفي المشكاة: فإذا خرج الإِمام وهو لفظ البخاري وفسر الخروج بالصعود فلا يتوقف وجوب الإنصات على شروع الخطيب في الخطبة بل يجب بخروجه كما هو مذهب الأحناف اهـ من بعض الهوامش (طووا) أي الملائكة ولفوا (الصحف) أي صحفهم التي كتبوا فيها درجات السابقين على من يليهم في الفضيلة (وجاؤوا) إلى المسجد حالة كونهم (يستمعون الذكر) أي الخطبة، وأتى بصيغة المضارع لاستحضار صورة الحال اعتناء بهذه المرتبة وحملًا على الاقتداء بالملائكة، قال التيمي: في استماع الملائكة حض على استماعها والإنصات إليها، وقد ذكر كثير من المفسرين أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ نزل في الخطبة، وسميت قرآنًا لاشتمالها عليه، والإنصات السكوت مطلقًا، والاستماع شغل السمع بالسماع فبينهما عموم وخصوص من وجه اهـ من الإرشاد (ومثل) بفتح الميم والمثلثة (المهجر) بضم الميم وتشديد الجيم المكسورة أي وصفة المبكر إلى الجمعة والتبكير إلى كل شيء هو المبادرة إليه كما في النهاية، أو صفة الذي يأتي في الهاجرة فيكون دليلًا للمالكية وسبق البحث عنه (كمثل) أي كصفة (الذي يهدي) بضم أوله وكسر ثالثه أي يقرب (البدنة) من الإبل خبر عن قوله مثل المهجر، والكاف لتشبيه صفة بصفة أخرى من الإهداء ويختص ما يهدي إلى البيت باسم الهدي كما قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (ثم) الثاني (كالذي يهدي بقرة ثم) الثالث (كالذي يهدي الكبش ثم) الرابع (كالذي يهدي الدجاجة ثم) الخامس (كالذي يهدي البيضة) الدجاجة والبيضة ليستا من الهدي فهو محمول على حكم ما تقدمه من الكلام وحسن إطلاق اسم الهدي عليهما المشاكلة لأنه لما أطلق اسم الهدي على ما قبلهما وجيء بهما
стр. 4109
١٨٧٦ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِي، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِي ﷺ . بِمِثلِهِ.
١٨٧٧ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ) عَنْ سُهَيلٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "عَلَى كُلِّ بَابٍ
ــ
بعده لزمهما حكمه وحملا عليه كقوله: (متقلدًا سيفًا ورمحا) أي وحاملا رمحًا فكأنه قال: كالذي يقرب الدجاجة الخ اهـ أبي، وإنما قدر بالثاني لأنه كما قال في المصابيح لا يصح العطف على الخبر لئلا يقعا معًا خبرًا عن واحد وهو مستحيل وحينئذ فهو خبر مبتدإ محذوف مقدر بما مر وكذا ما بعده. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٣٩ و ٢٦٤] والبخاري [٩٢٩]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه فقال:
١٨٧٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وعمرو) بن محمَّد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي، ثقة، من (١٠) (عن سفيان) بن عيينة الهلالي الكوفي (عن) محمَّد بن مسلم (الزهريّ) المدني (عن سعيد) بن المسيب بن حزن المخزومي أبي محمَّد المدني، ثقة، من (٢) (عن أبي هريرة) ﵁، وهذا السند من خماسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة سعيد بن المسيب لأبي عبد الله الأغر (عن النبي ﷺ وساق سعيد بن المسيب (بمثله) أي بمثل حديث أبي عبد الله الأغر، وفائدتها تقوية السند الأول.
ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة فيه ثانيًا فقال:
١٨٧٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (حدثنا يعقوب يعني ابن عبد الرحمن) بن محمَّد القاري المدني، ثقة، من (٨) (عن سهيل) بن أبي صالح السمان أبي يزيد المدني، صدوق، من (٦) (عن أبيه) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁، وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة بن سعيد، غرضه بسوقه بيان متابعة أبي صالح لسلمان الأغر، وفائدتها بيان كثرة طرقه (أن رسول الله ﷺ قال: على كل باب
стр. 4110
من أَبْوَابِ المَسْجِدِ مَلَك يَكْتُبُ الأَوَّلَ فَالأوَّلَ (مَثلَ الْجَزُورَ ثُمَّ نَزلَهُمْ حَتى صَغرَ إلى مَثَلِ البَيضَةِ) فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طُويَتِ الصُّحُفُ وَحَضَرُوا الذكْرَ".
١٨٧٨ - (٨٢٢) (٢٢٦) حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ. حَدَّثنَا يَزِيدُ (يَعْنِي ابْنَ زُريعٍ)
ــ
من أبواب المسجد ملك) يوم الجمعة (يكتب) صفة لملك أي يكتب ثواب من يأتي الجمعة حالة كونهم (الأول فالأول) أي مرتبين في الكتابة بكتابة الأسبق في الحضور ثم الأسبق، والفاء هنا للتعقيب بلا مهلة (مثل) بفتح الميم والثاء المثلثة المشددة فعل ماض من التمثيل بمعنى التشبيه أي ذكر النبي ﷺ في بيان مثل الجائي أولًا (الجزور) أي شبه ثوابه بثواب من تصدق الجزور، والجزور ما ينحر من الإبل، ويسمى موضع النحر والذبح مجزرة (ثم نزلهم) بتشديد الزاي المفتوحة من التنزيل أي ثم ذكر منازلهم ومراتبهم في السبق والفضيلة (حتى صغر) بتشديد الغين المعجمة أي حتى قلل منازلهم (إلى) أن ذكر أقلهم درجة ومثله بـ (مثل البيضة) أي شبه ثوابه بثواب من تصدق بالبيضة، ومثل هنا بفتح الميم والثاء المخففة بمعنى صفة (فهذا) خرج من بيته و (جلس الإِمام) على المنبر (طويت الصحف) أي طوتها الملائكة (وحضروا الذكر) أي الخطبة يستمعونها، قال النواوي: تقدم في الحديث السابق (فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) فبينهما تعارض إلا أن يجمع بينهما أنهم بخروج الإِمام يحضرون المسجد ولا يطوون الصحف فهذا جلس الإِمام على المنبر طووها، وفيه استحباب الجلوس للخطبة أول صعوده حتى يؤذن المؤذن وهو مستحب عند الشافعي ومالك والجمهور، وقال أبو حنيفة ومالك في رواية عنه: لا يستحب، ودليل الجمهور هذا الحديث مع أحاديث كثيرة في الصحيح، والدليل على أنه ليس بواجب أنه ليس من الخطبة والله أعلم اهـ منه.
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث آخر لأبي هريرة ﵁ فقال:
١٨٧٨ - (٨٢٢) (٢٢٦) (حدثنا أمية بن بسطام) بكسر الباء وسكون السين وفتح الطاء، وحكي في المغني فتح الباء، والصرف وعدمه، العيشي نسبة إلى بني عائش بن مالك بن تيم الله سكنوا البصرة، أبو بكر البصري، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٣) أبواب (حدثنا يزيد يعني ابن زريع) مصغرًا لتيمي العيشي أبو معاوية البصري، ثقة، من
стр. 4111
حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ سُهَيلٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيُّ ﷺ قَال: "مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ. ثُمّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ. ثُمَّ يُصَلِّيَ مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَينَهُ وَبَينَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلاثةِ أَيامٍ".
١٨٧٩ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
ــ
(٨) روى عنه في (١٢) بابا (حدثنا روح) بن القاسم التميمي العنبري أبو غياث البصري، ثقة، من (٦) روى عنه في (١١) بابا (عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة بصريون، وفيه التحديث والعنعنة ورواية ولد عن والد (قال) النبي ﷺ : (من اغتسل) يوم الجمعة غسل الجنابة في بيته ففيه فضيلة الغسل، وعدم وجوبه للرواية الثانية (ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له) في علم الله أزلًا من النوافل (ثم أنصت) أي سكت عن الكلام مع الاستماع للخطبة، قال القاضي: كذا للجمهور، وفي رواية الباجي (انتصت) بزيادة التاء المثناة من فوق وهو وهم، قال النواوي: ليس بوهم، قال الأزهري: يقال: نصت وأنصت وانتصت اهـ (حتى يفرغ) الإِمام، فضمير الفاعل عائد على الإِمام فحذفه للعلم به وإن لم يكن مذكررًا (من خطبته ثم يصلي) بالنصب عطفًا على يفرغ فيفيد الإنصاف فيما بين الخطبة والصلاة أيضًا قاله ملا علي أي حتى يفرغ الإِمام ثم يصلي صلاة الجمعة (معه) أي مع الإِمام (غفر له) أي لذلك المغتسل الذي فعل جميع ما ذكر (ما بينه) من الصغائر أي ما بين ذلك المغتسل أو ما بين ذلك اليوم (وبين الجمعة الأخرى) يعني الماضية أو الآتية والأول أظهر أي غفر له ما ارتكبه من الصغائر بين ذلك اليوم وبين الجمعة الماضية أي غفر له ذنوب سبعة أيام (وفضل ثلاثة أيام) بالرفع معطوف على ما الموصولة على كونه نائب فاعل لغفر أي وغفر له ذنوب ثلاثة أيام فاضلة أي زائدة على السبعة لتكون الحسنة بعشر أمثالها، وبالنصب على أنه مفعول معه ذكره ملا علي، واقتصر النواوي على النصب فيه وفي قوله (وزيادة ثلاثة أيام) ثم إن أيام الأسبوع سبعة، والسبعة مع الثلاثة عشرة فتصير الحسنة بعشر أمثالها.
وهذا الحديث من أفراد المؤلف رحمه الله تعالى لم يذكره أحد من الجماعة، ثم ذكر المتابعة فيه فقال:
١٨٧٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وأبو بكر بن
стр. 4112
أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ) عَنِ الأعمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: قَال رَسُول اللهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوضُوءَ. ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ. غُفِرَ لَهُ مَا بَينَهُ وَبَينَ الْجُمُعَةِ. وَزِيَادَةُ ثَلاثةِ أَيَّامٍ. وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا"
ــ
أبي شيبة) العبسي الكوفي (وأبو كريب) محمَّد بن العلاء الهمداني الكوفي (قال يحيى: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا أبو معاوية) محمَّد بن خازم الضرير الكوفي (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة) ﵁، وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان، غرضه بسوقه بيان متابعة الأعمش لسهيل بن أبي صالح (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ : من توضأ فأحسن الوضوء) باستيفائه ثلاثًا ثلاثًا ودلك الأعضاء وإطالة الغرة والتحجيل وتقديم الميامن والإتيان بسننه المشهورة (ثم أتى الجمعة فاستمع) أي فأشغل سمعه بسماع الخطبة (وأنصت) أي كف لسانه عن الكلام، قال النواوي: هما شيئان متمايزان وقد يجتمعان فالاستماع الإصغاء والإنصات السكوت ولهذا قال الله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا اهـ فظهر أن الاستماع بالأذن والإنصات باللسان (كفر له ما بينه وبين الجمعة) الأخرى وهو ذنوب سبعة أيام من الصغائر (وزيادة) بالرفع والنصب نظير ما مر كما أشرنا إليه هناك أي مع زيادة (ثلاثة أيام) على السبعة فتكون عشرة أيام، ومعنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة أيام أن الحسنة بعشر أمثالها، وصار يوم الجمعة الذي فعل فيه هذه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي تجعل بعشر أمثالها، قال بعض أصحابنا: والمراد بما بين الجمعتين من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل الوقت من الجمعة الثانية حتى تكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقصان ويضم إليها ثلاثة فتصير عشرة اهـ نواوي (ومن مس الحصى) وغيره بيده في حال الخطبة لتسويته في موضع سجوده أو في موضع جلوسه أو للعبث به كأخذه من الأرض وتناقله من يد إلى أخرى، وقال ملا علي: قوله (ومن ص الحصى) أي سواه للسجود غير مرة في الصلاة وقيل بطريق اللعب في حال الخطبة (فقد لغا) وأعرض عن استماع الخطبة فينبغي له ترك ذلك ليفوز ثوابًا كاملًا، قال النواوي: ففيه النهي عن ص الحصى وغيره من أنواع العبث في حالة الخطبة، وفيه إشارة إلى أنه لا ينبغي الإقبال على الخطبة بالقلب والجوارح، والمراد باللغو هنا الباطل المذموم المردود اهـ.
стр. 4113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان كلاهما لأبي هريرة الأول منهما ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
***
стр. 4114
٣٦٨ - (٧٩) باب: وقت صلاة الجمعة حين تزول الشمس
١٨٨٥ - (٨٢٣) (٢٢٧) وَحَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَال: كُنا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ الله ﷺ . ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا. قَال حَسَنْ: فَقُلتُ لِجَعْفَرٍ: في أَيِّ سَاعَةٍ تِلْكَ؟ قَال:
ــ
٣٦٨ - (٧٩) باب وقت صلاة الجمعة حين تزول الشمس
١٨٨٠ - (٨٢٣) (٢٢٧) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (قال أبو بكر: حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي مولاهم أبو زكرياء الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٩) أبواب، وأما إسحاق فروى عنه بالعنعنة (حدثنا حسن بن عياش) بن سالم الأسدي مولاهم أبو محمَّد الكوفي أخو أبي بكر بن عياش، روى عن جعفر بن محمَّد في الصلاة، والأعمش والمغيرة، ويروي عنه (م ت س) ويحيى بن آدم وابن مهدي وأحمد بن يونس، وثقه العجلي والطحاوي والنسائي وابن معين، وقال في التقريب صدوق، من الثامنة، مات سنة (١٧٢) اثنتين وسبعين ومائة (عن جعفر بن محمَّد) الباقر بن علي بن الحسين الهاشمي أبي عبد الله المدني المعروف بالصادق، صدوق، من (٦) روى عنه في (٦) أبواب (عن أبيه) محمَّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبي جعفر المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (٦) أبواب (عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي أبي عبد الله المدني الصحابي المشهور ﵁، وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة كوفيون، وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة (قال) جابر: (كنا) معاشر الصحابة (نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الجمعة كما يعلم من الرواية الآتية (ثم نرجع) من المسجد إلى بيوتنا (فنريح) من الإراحة أي نعطي الراحة من تعب العمل والسقي (نواضحنا) ونخليها من الشغل، وأشار القاضي إلى أنه يجوز أن يكون أراد الرواح للرعي اهـ نووي، جمع ناضح والناضح البعير الذي يسقي عليه النخل ويستقي به أهل البيت سمي بذلك لأنه ينضح الماء أي يصبه تحت النخل مثلًا (قال حسن) بن عياش (فقلت لجعفر) بن محمَّد (في أي ساعة تلك) الصلاة (قال) جعفر
стр. 4115
زَوَال الشَّمْسِ.
١٨٨١ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرحْمنِ الدارِميُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسان. قَالا جَمِيعًا:
ــ
يصلونها (زوال الشمس) أي وقت زوالها، قال القاضي عياض: اشتركت أحاديث الباب في الدلالة على تعجيلها أول الوقت، والوقت الزوال فلا تصلى قبله خلافًا لأحمد وإسحاق ولا حجة له في قوله (نتتبع الفيء) وذلك للتبكير بها وقصر حيطانهم، قال الأبي: أول وقتها الزوال كما ذكر، ولا يجزئ أن يخطب قبل الزوال، ولا يصلي إلا بعد الزوال، فإن فعل فكمن لم يصل، ونقل بعض من صنف في الخلاف عن مالك صحة ذلك ونسبه المازري إلى الوهم، واختلف في آخر وقتها فقال ابن القاسم من المالكية: ما لم يدخل وقت العصر، قال ابن القصار: ويدرك بركعة قبل دخوله، وقال الأبهري: وبركعة بسجدتيها وإلا أتمها ظهرًا، وقال أصبغ: آخره ما لم تصفر الشمس، وقال سحنون: ما لم يبق أربع ركعات للغروب، وفي المدونة: ما لم تبق ركعة، وقال أبو عمر عن ابن القاسم: إن صلى ركعة فغربت أتمها اهـ من الأبي، وقال القاضي أبو الفضل: لا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الجمعة لا تصلى إلا بعد الزوال إلا أحمد وإسحاق، وروي من هذا عن الصحابة أشياء لم تصح عنهم إلا ما عليه الجمهور، وقد روي عن مجاهد أنها صلاة عيد اهـ إكمال المعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٢٣١] , والنسائي [٣/ ١٠٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
١٨٨١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني القاسم بن زكرياء) بن دينار القرشي أبو محمَّد الكوفي الطحاوي وربما نسب إلى جده، ثقة، من (١١) روى عنه في (٣) أبواب (حدثنا خالد بن مخلد) البجلي مولاهم أبو الهيثم الكوفي، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (ح وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي) أبو محمَّد السمرقندي صاحب المسند والتفسير، ثقة متقن، من (١١) روى عنه في (١٤) بابا (حدثنا يحيى بن حسان) بن حيان التيمي البكري أبو زكرياء البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (قالا) أي قال كل من خالد بن مخلد ويحيى بن حسان حالة كونهما (جميعًا) أي مجتمعين
стр. 4116
حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: مَتَى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ قَال: كَانَ يُصَلي. ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا. زَادَ عَبْدُ اللهِ في حَدِيثِهِ: حِينَ تَزُولُ الشمْسُ، يَعْنِي النوَاضِحَ.
١٨٨٢ - (٨٢٤) (٢٢٨) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَب وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى
ــ
متفقين في الرواية عن سليمان بن بلال (حدثنا سليمان بن بلال) التيمي مولاهم أبو محمَّد المدني، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٣) بابا (عن جعفر) الصادق بن محمَّد الهاشمي المدني (عن أبيه) محمَّد الباقر بن علي بن الحسين الهاشمي المدني (أنه) أي أن محمدًا (سأل جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني ﵁، وهذان السندان من سداسياته الأول منهما رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان كوفيان، والثاني منهما رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد بصري وواحد سمرقندي، وغرضه بسوقهما بيان متابعة سليمان بن بلال لحسن بن عياش في رواية هذا الحديث عن جعفر بن محمَّد، وفائدتها تقوية السند الأول، أي سأل جابرًا (مني كان رسول الله ﷺ أي في أي وقت كان رسول الله ﷺ (يصلي) صلاة (الجمعة قال) جابر (كان) رسول الله ﷺ (يصلي) الجمعة (ثم) بعد الصلاة معه (نذهب) ونرجع (إلى جمالنا) جمع جمل ذكر الإبل، والمراد بها النواضح كما مر وسيفسر التي شغلنا بها قبل الذهاب إلى الجمعة (فنريحها) أي فنعطي لها الراحة من تعب الشغل ومشقة النضح ونفك عنها أدوات النضح لتستريح أو نخليها إلى المرعى (زاد عبد الله) بن عبد الرحمن الدارمي (في حديثه) أي في روايته لفظة (حين تزول الشمس) أي قال في روايته: كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة حين تزول الشمس، وزاد عبد الله بن عبد الرحمن أيضًا لفظة (يعني) جابر بجمالنا (النواضح) جمع ناضح وهو الإبل يستقى عليه كما مر.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث جابر بحديث سهل بن سعد الساعدي الأنصاري رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٨٨٢ - (٨٢٤) (٢٢٨) (وحدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) بن عتاب بن الحارث التميمي الحارثي أبو عبد الرحمن البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٩) أبواب (ويحيى بن يحيى) بن بكير التميمي النيسابوري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٩) بابا (وعلي بن حجر) بن إياس السعدي المروزي، ثقة، من (٩) روى عنه في
стр. 4117
وَعَلِي بْنُ حُجرٍ. (قَال يَحْيَى: أخبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ) عَنْ أبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ. قَال: مَا كُنا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إلا بَعْدَ الْجُمُعَةِ. (زَادَ ابْنُ حُجْرٍ): في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
١٨٨٣ - (٨٢٥) (٢٢٩) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَالا: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيِّ،
ــ
(١١) بابا (قال يحيى) بن يحيى (أخبرنا وقال الآخران: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المخزومي مولاهم المدني الفقيه، صدوق، من (٨) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبيه) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٢) بابا (عن سهل) بن سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي الساعدي المدني ﵁، وهذا السند من رباعياته ثلاثة منهم مدنيون وواحد إما نيسابوري أو مروزي أو بصري (قال) سهل بن سعد (ما كنا نقيل) من القيلولة وهو استراحة نصف النهار سواء كان معها نوم أم لا؛ أي ما نستريح استراحة وسط النهار (ولا نتندى) أي ولا نأكل الغداء وهو ما يؤكل أول النهار (إلا بعد) رجوعنا من صلاة (الجمعة زاد) على (ابن حجر) في روايته على غيره لفظة (في عهد رسول الله ﷺ أي قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى في عهد رسول الله ﷺ وفي زمن حياته إلا بعد صلاة الجمعة. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري والترمذي وابن ماجه اهـ تحفة الأشراف.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث جابر بحديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٨٨٣ - (٨٢٥) (٢٢٩) (وحدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي النيسابوري (وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (قالا: أخبرنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من (٩) (عن يعلى بن الحارث) بن حرب بن جرير (المحاربي) أبي الحارث الكوفي، روى عن إياس بن سلمة في الصلاة، وإسماعيل بن أبي خالد وأشعث بن أبي الشعثاء وغيرهم، ويروي عنه (خ م ت س ق) ووكيع وهشام بن عبد الملك أبو الوليد وابن مهدي وغيرهم، وثقه ابن مهدي وابن معين وابن المديني والنسائي ويعقوب بن شيبة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من
стр. 4118
عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأكوَعِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَال: كُنا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا زَالتِ الشمْسُ. ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيءَ.
١٨٨٤ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. حَدَّثنَا يَعْلَى بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ؛
ــ
الثامنة، مات سنة (١٦٨) ثمان وستين ومائة (عن للناس بن سلمة بن الأكوع) واسم الأكوع سنان بن عبد الله بن قشير بن خزيمة بن مالك الأسلمي أبي سلمة المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبيه) سلمة بن الأكوع السلمي أبي مسلم المدني الصحابي المشهور ﵁، وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان كوفيان وواحد نيسابوري أو مروزي، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والمقارنة ورواية ولد عن والد (قال) سلمة بن الأكوع (كنا) معاشر الصحابة (نجمع) بضم النون وتشديد الميم المكسورة من التجميع أي نصلي الجمعة (مع رسول الله ﷺ إذا) ظرف مجرد عن معنى الشرط لا جواب لها متعلق بنجمع، وقوله (زالت الشمس) جملة فعلية مضاف إليه لإذا أي نجمع معه ﷺ وقت زوال الشمس وميلها عن كبد السماء، وقوله (ثم نرجع) معطوف على نجمع أي ثم بعد صلاتنا معه ﷺ نرجع إلى بيوتنا حالة كوننا (نتتبع) أي نتطلب في طريق رجوعنا (الفيء) أي مواقع الفيء ومواضعه لشدة التبكير وقصر الحيطان، ونتتبع من التتبع من باب التفعل، والفيء الظل بعد الزوال. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [١٠٨٥] فقط.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث سلمة ﵁ فقال:
١٨٨٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا هشام بن عبد الملك) الباهلي مولاهم أبو الوليد البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (حدثنا يعلى بن الحارث) المحاربي أبو الحارث الكوفي (عن إياس بن سلمة بن الأكوع) المدني (عن أبيه) سلمة بن الأكوع المدني ﵁، وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد كوفي وواحد بصري وواحد مروزي، غرضه بسوقه بيان متابعة هشام بن عبد الملك لوكيع بن الجراح في رواية هذا الحديث
стр. 4119
قَال: كُنا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْجُمُعَةَ. فَنَرْجِعُ وَمَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ فَيئًا نستَظِل بِهِ
ــ
عن يعلى بن الحارث (قال) سلمة بن الأكوع: (كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة فنرجع) إلى منازلنا (وما نجد للحيطان) أي لجدران البيوت (شيئًا) أي ظلًا واسعًا (نستظل به) من حر الشمس لقلته وصغره، قال القرطبي: يعني أنه كان يفرغ من صلاة الجمعة قبل تمكن الفيء من أن يستظل به كما قال (ثم نرجع نتتبع الفيء) وهذا يدل على إيقاعه ﷺ الجمعة في أول الزوال اهـ مفهم. قال النواوي: هذه الأحاديث ظاهرة في تعجيل الجمعة ولا تجوز إلا بعد الزو الذي قول جماهير العلماء، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم فجوزاها قبل الزوال، وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجيلها وأنهم كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها، وقوله في الرواية الأولى (نتتبع الفيء) إنما كان ذلك لشدة التبكير وقصر حيطانهم، وفيه تصريح بأنه كان قد صار فيء يسير، وقوله في الرواية الأخيرة (وما نجد فيئًا نستظل به) موافق لتلك الرواية فإنه لم ينف الفيء من أصله وإنما نفى ما يستظل به وهذا مع قصر الحيطان ظاهر في أن الصلاة كانت بعد الزوال متصلة به اهـ.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث الأول حديث جابر ذكره للاستدلال به وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث سهل الساعدي ذكره للاستشهاد، والثالث حديث سلمة بن الأكوع ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
***
стр. 4120
٣٦٩ - (٨٠) باب: الخطبتين قبل صلاة الجمعة وما يشترط فيهما من القيام فيهما والجلوس بينهما والدعاء والقراءة
١٨٨٥ - (٨٢٦) (٢٣٠) وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَاريرِي وأبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِي، جَمِيعًا عَنْ خَالِدٍ. قَال أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا
ــ
٣٦٩ - (٨٠) باب الخطبتين قبل صلاة الجمعة وما يشترط فيهما من القيام فيهما والجلوس بينهما والدعاء والقراءة
١٨٨٥ - (٨٢٦) (٢٣٠) (وحدثنا عبيد الله بن عمر) بن ميسرة الجشمي مولاهم أبو شعيب (القواريري) البصري، ثقة ثبت، من (١٠) روى عنه في (١٠) أبواب (وأبو كامل) فضيل بن حسين (الجحدري) البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٨) أبواب (جميعًا عن خالد) بن الحارث (قال أبو كامل: حدثنا خالد بن الحارث) بن عبيد الهجيمي أبو عثمان البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (حدثنا عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عثمان المدني (عن نافع) العدوي مولاهم أبي عبد الله المدني (عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما، وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان بصريان وواحد مكي، وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة (قال) ابن عمر: (كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة) خطبتين حالة كونه (قائما) فيهما فيه أن القيام حال الخطبة مشروع، قال ابن المنذر: وهو الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار اهـ واختلف في وجوبه فذهب الجمهور إلى الوجوب، ونقل عن أبي حنيفة أن القيام سنة وليس بواجب قاله الشوكاني، وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال: لم يكن أبو بكر وعمر يقعدان على المنبر، وأول من جلس على المنبر معاوية بن أبي سفيان، وروى ابن أبي شيبة عن جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: إنما خطب معاوية قاعدًا حيث أكثر شحم بطنه ولحمه، وقال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمَّد، حدثني صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر أْنهم كانوا يخطبون يوم الجمعة خطبتين قيامًا يفصلون بينهما بالجلوس حتى جلس معاوية في الخطبة الأولى فخطب جالسًا وخطب في الثانية
стр. 4121
ثُمّ يَجْلِسُ. ثُمّ يَقُومُ. قَال: كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ.
١٨٨٦ - (٨٢٧) (٢٣١) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَحَسَنُ بْنُ
ــ
قائمًا. (قلت) إن الثابت بمجرده لا يفيد الوجوب اهـ من العون (ثم) بعد الخطبة الأولى (يجلس) جلسة خفيفة (ثم يقوم) فيخطب خطبة ثانية (قال) ابن عمر بالسند السابق يفعل النبي ﷺ في الخطبتين يوم الجمعة (كما يفعلون) بالتحتانية أي كما يفعل الأمراء (اليوم) في خطبهم من القيام فيهما والجلوس بينهما، وبالفوقانية أي يفعل كما تفعلون اليوم أيها الناس في خطبكم.
قال النواوي: فيه دليل لمذهب الشافعي والأكثرين أن خطبة الجمعة لا تصح من القادر على القيام إلا قائمًا في الخطبتين، ولا تصح حتى يجلس بينهما وأن الجمعة لا تصح إلا بخطبتين، قال القاضي: ذهب عامة العلماء إلى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة، وعن الحسن البصري وأهل الظاهر في رواية ابن الماجشون عن مالك أنها تصح بلا خطبة، وحكى ابن عبد البر إجماع العلماء على أن الخطبة لا تكون إلا قائمًا لمن أطاقه، وقال أبو حنيفة: تصح قاعدًا وليس القيام بواجب، وقال مالك: هو واجب ولو ترك أساء وصحت الجمعة، وقال أبو حنيفة ومالك والجمهور: الجلوس بين الخطبتين سنة ليس بواجب ولا شرط، ومذهب الشافعي أنه فرض وشرط لصحة الخطبة، قال الطحاوي: لم يقل هذا غير الشافعي، دليل الشافعي أنه ثبت هذا عن رسول الله ﷺ مع قوله "صلوا كما رأيتموني أصلي" انتهى كلامه، وقال الرافعي: واظب النبي ﷺ على الجلوس بينهما اهـ واستشكل ابن المنذر البخاري الجلوس بين الخطبتين، وقال: إن استفيد من فعله فالفعل بمجرده عند الشافعي لا يقتضي الوجوب ولو اقتضاه لوجب الجلوس الأول قبل الخطبة الأولى، ولو وجب لم يدل على إبطال الجمعة بتركه اهـ من العون. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته البخاري [٩٢٠] , وأبو داود [١٠٩٢] , والترمذي [٥٠٦] , والنسائي [٣/ ١٠٩] , وابن ماجه [١١٠٣].
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما فقال:
١٨٨٦ - (٨٢٧) (٢٣١) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وحسن بن
стр. 4122
الربيعِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛ قَال: كَانَتْ لِلنبِي ﷺ خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَينَهُمَا. يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ويذَكِّرُ الناسَ
ــ
الربيع) البجلي أبو علي الكوفي، ثقة، من (١٠) (وأبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة حافظ متقن، من (١٠) (قال يحيى) بن يحيى (أخبرنا) أبو الأحوص (وقال الآخران: حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي الكوفي، ثقة، من (٧) (عن سماك) بن حرب بن أوس الذهلي أبي المغيرة الكوفي، وثقه النسائي وابن نمير، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق، من (٤) روى عنه في (١٤) بابا (عن جابر بن سمرة) بن جنادة السوائي الكوفي، الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، وهذا السند من رباعياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا يحيى بن يحيى، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والمقارنة والقول (قال) جابر: (كانت للنبي ﷺ خطبتان) يوم الجمعة (يجلس بينهما) جلسة خفيفة على المنبر للفصل بينهما كالفصل بين السجدتين (يقرأ القرآن) فيهما (ويذكّر الناس) أي يعظ فيهما بذكر الوعد والوعيد. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ١٠١] , وأبو داود [١١٠١] , والترمذي [٥٠٧] , والنسائي [٣/ ١١٠] , وابن ماجه [١١٠٥].
قال النواوي: في هذا الحديث دليل للشافعي على أنه يشترط في الخطبة الوعظ والقرآن، قال الشافعي: لا تصح الخطبتان إلا بحمد الله تعالى والصلاة على رسول الله ﷺ فيهما والوعظ وهذه الثلاثة واجبات في الخطبتين، وتجب قراءة آية من القرآن في إحداهما على الأصح، ويجب الدعاء للمؤمنين في الثانية على الأصح، وقال مالك وأبو حنيفة والجمهور: يكفي من الخطبة ما يقع عليه الاسم، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك في رواية عنه: يكفي تحميدة أو تسبيحة أو تهليلة، وهذا ضعيف لأنه لا يسمى خطبة ولا يحصل به مقصودها مع مخالفته ما ثبت عن النبي ﷺ اهـ منه.
وفي العون: (قلت) (وقوله يذكر الناس) فيه دليل صريح على أن الخطبة وعظ وتذكير للناس، وأن النبي ﷺ يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإِسلام وشرائعه ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي كما أمر الداخل وهو
стр. 4123
١٨٨٧ - (٨٢٨) (٢٣٢) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيثَمَةَ، عَنْ سِمَاكٍ
ــ
يخطب أن يصلي ركعتين، ونهى المتخطي رقاب الناس عن ذلك وأمره بالجلوس، وكان يدعو الرجل في خطبته: تعال اجلس يا فلان، وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته فلا بد للخطيب أن يقرأ القرآن ويعظ به ويأمر وينهى ويبين الأحكام المحتاج إليها فإن كان السامعون أعاجم يترجم بلسانهم، فإن أثر التذكير والوعظ في غير بلاد العرب لا يحصل ولا يفيد إلا بالترجمة بلسانهم، وحديث جابر هذا هو أدل دليل على جواز ذلك وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ الآية، قال في جامع البيان: أي ليُبَينَ لهم ما أمروا به فيفهموه بلا كلفة ورسول الله ﷺ وإن بعث إلى الأحمر والأسود بصرائح الدلائل لكن الأولى أن يكون بلغة من هو يهم حتى يفهموا ثم ينقلوه ويترجموه. انتهى (فإن قلت) إن كانت الترجمة تجوز في الخطبة فتجوز قراءة ترجمة القرآن أيضًا في الصلاة، فإن صلى واحد وقرأ ترجمة سورة الفاتحة مثلًا مكان الفاتحة صحت صلاته.
[قلت] كلا ولا يجوز ذلك في الصلاة قط، والقياس على الخطبة قياس مع الفارق لأن الخطبة ليس فيها ألفاظ مخصوصة وأذكار معينة بل إنما هي التذكير كما مر، والصلاة ليست بتذكير بل إنما هي ذكر وبين الذكر والتذكير فرق واضح، ولابد في الصلاة من قراءة القرآن للإمام والمأموم والمنفرد لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ فلفظ اقرءوا صيغة أمر يدل على الوجوب، ولا يمتثل الأمر إلا بقراءة القرآن بالنظم العربي كما أنزل عليه ووصل إلينا بالنقل المتواتر لأن من يقرأ ترجمة القرآن في الصلاة لا يطلق عليه قراءة القرآن بل هو خالف الأمر المأمور به، فكيف يجوز قراءة ترجمة القرآن في الصلاة؟ ! بل هو ممنوع، وأما الخطبة فهي تذكير فلا بد للخطيب أن يفهم معاني القرآن بعد قراءته ويذكر السامعين بلسانهم وإلا فيفوت مقصود الخطبة كذا في غاية المقصود ملخصًا اهـ من العون.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث آخر لجابر بن سمرة ﵃ فقال:
١٨٨٧ - (٨٢٨) (٢٣٢) وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا أبو خيثمة) زهير بن معاوية الجعفي الكوفي (عن سماك) بن حرب بن أوس الذهلي الكوفي
стр. 4124
قَال: أَنْبَأَنِي جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا. ثُمّ يَجْلِسُ. ثُم يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا. فَمَنْ نَبأَكَ أَنهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ. فَقَدْ، وَاللهِ، صَلَّيتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَي صَلاةٍ.
١٨٨٨ - (٨٢٩) (٢٣٣) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أبي شَيبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. كِلاهُمَا عَنْ جَرِير. قَال عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَينِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ
ــ
(قال) سماك (أنبأني) أي أخبرني (جابر بن سمرة) ﵄، وهذا السند من رباعياته رجاله كلهم كوفيون إلا يحيى بن يحيى، وفيه التحديث والإخبار والإنباء والعنعنة (أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائما) في الخطبة الأولى (ثم يجلس) بعدها (ثم) بعد جلوسه (يقوم فيخطب) الخطبة الثانية (قائما) فيها, ثم قال جابر لسماك (فمن نبأك) أي فمن أخبرك يا سماك (أنه) ﷺ (كان يخطب جالسًا فقد كذب) على الرسول ﷺ بما لم يفعله فليتب إلى الله تعالى (فقد والله صليت) أي هو الله قد صليت (معه) ﷺ ، ومن المعلوم أن قد مختصة بالفعل وهي معه كالجزء فلا تفصل منه بشيء اللهم بالقسم، نص عليه ابن هشام في المغني (أكثر من ألفي) بصيغة التثنية (صلاة) مفروضة ما بين جمعة وغيرها، قال القرطبي: ظاهر هذا الكلام أنه أراد ألفي صلاة جمعة وهو محال لأن هذا القدر من الجمع إنما يكون في نيف وأربعين سنة، ولم يصل النبي ﷺ هذا المقدار من الجمع فيتعين أن يراد به الصلوات المفروضات أو قصد به الإغياء والتكثير والله أعلم اهـ مفهم. وهذا الحديث مما انفرد به الإِمام مسلم رحمه الله تعالى.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث ابن عمر بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم فقال:
١٨٨٨ - (٨٢٩) (٢٣٣) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي أخو أبي بكر، أسن منه بسنتين (وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (كلاهما) رويا (عن جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي (قال عثمان: حدثنا جربر عن حصين بن عبد الرحمن) السلمي الكوفي (عن سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، من (٣) (عن
стр. 4125
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَن النبِي ﷺ كَانَ يَخْطبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجمعَةِ. فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ فَانْفَتَلَ الناسُ إِلَيهَا. حَتى لَمْ يَبْقَ إلا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا. فَأُنْزِلَتْ هذِهِ الآيَةُ التِي في الْجُمُعَةِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]
ــ
جابر بن عبد الله) بن عمرو الأنصاري السلمي أبي عبد الله المدني، وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم كوفيون إلا جابر بن عبد الله أو إسحاق بن إبراهيم، وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة (أن النبي ﷺ كان يخطب) حالة كونه (قائمًا يوم الجمعة) هكذا سنة الخطبة ليكون أبلغ في الإسماع كالمؤذن إلا أن تدعوه ضرورة من ضعف أو غيره (فجاءت عير) أي إبل حاملة الطعام والتجارة، وهي المسماة في الرواية الأخرى بسويقة تصغير سوق (من الشام فانفتل) أي انصرف (الناس) من عند النبي ﷺ وذهبوا مقبلين (إليها) أي إلى تلك العير (حتى لم يبق) عند النبي ﷺ (إلا اثنا عشر رجلًا) فيه رد على من يقول: إن الخطبة لا تقام إلا على أربعين فصاعدًا وحكي ذلك عن الشافعي، وقد تمسك بهذا الحديث طائفة من أهل العلم على أن أقل ما تنعقد به الجمعة اثنا عشر، ولا حجة فيه على ذلك لأنه ﷺ إنما عقدها وشرع فيها بأكثر من هذا العدد ثم عرض لهم أن تفرقوا ولم يبق منهم غير ذلك العدد، وقد روي في بعض روايات هذا الحديث أنه بقي معه أربعون رجلًا والأول أصح وأشهر اهـ من المفهم.
(فأنزلت هذه الآية النبي في) سورة (الجمعة) وهي قوله تعالى (﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾) أي عيرًا تحمل تجارة أو ميرة (﴿أَوْ﴾) سمعوا (﴿لَهْوًا﴾) أي طبلًا كانوا يضربونه عند قدوم العير (﴿انْفَضُّوا﴾) أي تفرقوا من عندك ذاهبين (﴿إِلَيهَا﴾) أي إلى تلك العير المفهومة من التجارة أو اللهو (﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾) تخطب، فهذا ذم لمن ترك الجمعة بعد الشروع فيها، ونهي للمسلمين أن يتفرقوا عن إمامهم، وقد استدل به على اشتراط الخطبة في الجمعة وفيه بعد، وأحسن متمسك فيه قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" رواه أحمد والبخاري من حديث مالك بن الحويرث ﵁، قوله (فجاءت عير من الشام) العير بالكسر الإبل تحمل الميرة ثم غلب على كل قافلة كذا في المصباح، والميرة الطعام أعني الذخيرة، قوله (فانفتل الناس إليها) أي انصرفوا، قوله (انفضوا) أي تفرقوا
стр. 4126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
متوجهين (إليها) وإفراد التجارة برد الكناية لأنها المقصودة كما في أنوار التنزيل، ثم إن خطبة النبي ﷺ هذه إنما كانت بعد الصلاة كخطبة العيد كما في مراسيل أبي داود فإن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ما كانوا يدعون الصلاة مع النبي ﷺ ولكنهم ظنوا أنه لا شيء في الانفضاض عن الخطبة بعد انقضاء الصلاة وبعد هذه القضية كان يخطب قبل الصلاة اهـ من بعض الهوامش. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الصلاة والبيوع والتفسير، والترمذي في التفسير، والنسائي [٣/ ١١٠].
فقد اختلف العلماء في العدد المشروط في وجوب الجمعة، وفي العدد الذي تصح ببقائهم إذا تفرقوا عن الإِمام بعد شروعه فيها على أقوال كثيرة فلنرسم فيه مسئلتين: - المسألة الأولى: اختلف هل يشترط في وجوب الجمعة عدد أم لا؟ فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى اشتراطه، وذهب داود إلى أنه لا يشترط ذلك في وجوبها وتلزم المنفرد وهي ظهر ذلك اليوم عنده لكل أحد، قال القاضي عياض: وهو خلاف الإجماع، واختلف المشترطون هل هو مختص بعدد محصور أم لا؟ فعدم الحصر هو مذهب مالك فإنه لم يشترط في ذلك حدًّا محدودًا، وإنما قال: يكونون: بحيث يمكنهم الثواء في بلدهم وتتقرى بهم قرية، وفسره بعض أصحابنا بنصب الأسواق فيها حكاه عياض، والمشترطون للعدد اختلفوا في تعيينه فمن قائل: مائتان، ومن قائل: خمسون قاله عمر بن عبد العزيز، ومن قائل: أربعون قاله الشافعي، ومن قائل: ثلاثون بيتًا قاله مطرف وعبد الملك ومالك، ومن قائل: اثنا عشر، ومن قائل: أربعة قاله أبو حنيفة لكن إذا كانوا في مصر وقال غيره: ثلاثة، وقيل: واحد مع الإِمام وهذه أقوال متكافئة وليس على شيء منها دليل فالأصل ما صار إليه مالك من عدم التحديد والتمسك بفعل النبي ﷺ والعمل المتصل في ذلك فإنهم كانوا يجمعون في الأمصار الكبار والقرى الصغار كجواثا وغيرها.
وأما المسألة الثانية: فقد اختلفوا فيما إذا كمل ما تنعقد به الجمعة ثم تفرقوا عن الإِمام، فقيل: إنها تجزئ وإن بقي وحده قاله أبو ثور وحكي عن الشافعي، وقيل: إذا بقي معه اثنان وهو قول الثوري والشافعي، وقيل: إذا بقي معه اثنا عشر رجلًا تمسكًا بهذا الحديث وحكاه أبو يعلى العبدي عن أصحاب مالك وبه قال إسحاق، ثم اختلفوا
стр. 4127
١٨٨٩ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَينِ، بِهذَا الإِسْنَادِ. قَال: وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ. وَلَمْ يَقُلْ: "قَائِمًا".
١٨٩٥ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيثَمِ الْوَاسِطِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي الطَّحَّانَ) عَنْ
ــ
في الحال التي يتفرقون عنها فقال أبو حنيفة: إن عقد بهم ركعة وسجدة ثم تفرقوا عنه أجزأه أن يتمها جمعة وإن كان قيل ذلك استقبل ظهرًا، وقال مالك والمزني: إن صلى بهم ركعة بسجدتيها أتمها جمعة وإلا لم تجزه، وقال زفر: متى تفرقوا قبل الجلوس للتشهد لم تصح جمعة وإن جلس وتفرقوا عنه قبل السلام صحت وقال ابن القاسم وسحنون: إن تفرقوا عنه قبل سلامه لم تجزئ الجمعة، وللشافعي قول ثالث: إنها لا تجزئه حتى يبقى معه أربعون رجلًا إلى تمام الصلاة، والأصح من هذه الأقوال ما يعضده هذا الحديث وهو قول إسحاق وأصحابنا والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
١٨٨٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه) أي حدثنا الحديث المذكور يعني حديث جابر بن عبد الله (أبو بكر) عبد الله بن محمَّد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان الكوفي (حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد الأودي الكوفي، ثقة ثقة، من (٨) (عن حصين) بن عبد الرحمن التميمي الكوفي (بهذا الإسناد) يعني عن سالم بن أبي الجعد عن جابر، غرضه بيان متابعة عبد الله بن إدريس لجرير بن عبد الحميد في رواية هذا الحديث عن حصين، ولكن (قال) عبد الله بن إدريس في روايته لفظة (ورسول الله ﷺ يخطب ولم يقل) عبد الله لفظة (قائما) وهذا بيان لمحل المخالفة بين المُتابع والمُتابَع.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر ﵁ فقال:
١٨٩٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا رفاعة بن الهيثم) بن الحكم (الواسطي) أبو سعيد، روى عن خالد الطحان في الصلاة، ويروي عنه (م) وعبد الله بن محمَّد بن شيرويه وهو مقل، وقال في التقريب: مقبول، من العاشرة (حدثنا خالد) بن عبد الله بن عبد الرحمن المزني مولاهم أبو الهيثم الواسطي (يعني الطحان) لقبه، ثقة، عن (٨) (عن
стр. 4128
حُصَينٍ، عَنْ سَالِمٍ وَأَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَال: كُنا مَعَ النبِيّ ﷺ يَوْمَ الجمعةِ. فَقَدِمَتْ سُوَيقَةٌ. قَال: فَخَرَجَ الناسُ إِلَيهَا. فَلَمْ يَبْقَ إلا اثْنَا عَشَرَ رَجُلا. أَنَا فِيهِمْ. قَال: فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] إلى آخرِ الآيَةِ.
١٨٩١ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ. أَخْبَرَنَا هُشيمٌ. أَخْبَرَنَا حُصَينٌ،
ــ
حصين) بن عبد الرحمن التميمي الكوفي (عن سالم) بن أبي الجعد (وأبي سفيان) طلحة بن نافع الواسطي كلاهما (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني، وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم كوفيان واثنان واسطيان وواحد مدني أو ثلاثة واسطيون وواحد كوفي وواحد مدني، غرضه بيان متابعة خالد الطحان لجرير بن عبد الحميد، وكرر المتن لما بين الروايتين من المخالفة (قال) جابر: (كنا مع النبي ﷺ يوم الجمعة فقدمت سويقة) من الشام إي إبل حاملة الطعام، تصغير سوق؛ وهي العير المذكورة في الرواية السابقة وهي الإبل التي تحمل الطعام أو التجارة، ولا تسمى عيرًا إلا إذا كانت هكذا، وسميت سوقًا لأن البضائع تساق إليها أو لقيام الناس فيها على ساقهم (قال) جابر (فخرج الناس) الذين صلوا الجمعة مع النبي ﷺ من المسجد ذاهبين (إليها) أي إلى تلك السويقة (فلم يبق) مع النبي ﷺ (إلا اثنا عشر رجلًا أنا فيهم) أي أنا واحد منهم (قال) جابر (فأنزل الله) تعالى بسبب انفضاضهم قوله جل ذكره (﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾) في الخطبة وحدك (إلى آخر الآية) يعني قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ مِنَ اللَّهْو وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث جابر ﵁ فقال:
١٨٩١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا إسماعيل بن سالم) الصائغ بمكة البغدادي ثم المكي، ثقة، من (١٠) (أخبرنا هشيم) بن بشير السلمي الواسطي، ثقة، من (٧) (أخبرنا حصين) بن عبد الرحمن الكوفي، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة هشيم لجرير بن
стр. 4129
عَنْ أَبِي سُفْيَانَ وَسَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَال جَابِرٌ: بَينَا النبِيُّ ﷺ قَائِم يَوْمَ الْجُمُعَةِ. إِذْ قَدِمَتْ عِيرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَابْتَدَرَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا. فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. قَال: وَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا﴾ [الجمعة: ١١].
١٨٩٢ - (٨٣٠) (٢٣٤) وَحَدَّثَنَا محمدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيدَةَ،
ــ
عبد الحميد في رواية هذا الحديث عن حصين، وكرر المتن لما بين الروايتين من المخالفة (عن أبي سفيان) طلحة بن نافع الواسطي (وسالم بن أبي الجعد) الكوفي (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄: (قال جابر: بينا) زيدت فيها الألف فلازمت الإضافة إلى الجملة وهي هنا قوله (النبي ﷺ قائم يوم الجمعة) وإذ في قوله (إذ قدمت عير إلى المدينة) فجائية رابطة لجواب بينا وجملة (فابتدرها) أي تسابق إليها (أصحاب رسول الله ﷺ معطوفة على جملة قدمت، والمعنى بينا أوقات قيام النبي ﷺ في يوم الجمعة خطيبًا فاجأهم قدوم عير من الشام إلى المدينة فابتدر أصحاب رسول الله ﷺ إليها (حتى لم يبق معه) ﷺ في المسجد (إلا اثنا عشر رجلًا فيهم) أي في جملة الباقين (أبو بكر) الصديق (وعمر) بن الخطاب، ففيه فضلهما وفضل من بقي فيها حيث لم يستفزهم ذلك اهـ أبي (قال) جابر (ونزلت) بسبب ذلك الانفضاض (هذه الآية) يعني قوله تعالى (﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا﴾) الآية.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث ابن عمر بحديث كعب بن عجرة ﵃ لقال:
١٨٩٢ - (٨٣٠) (٢٣٤) (وحدثنا محمَّد بن المثنى) العنزي البصري (و) محمَّد (بن بشار) العبدي البصري (قالا: حدثنا محمَّد بن جعفر) الهذلي البصري (حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي البصري (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي الكوفي (عن عمرو بن مرة) بن عبد الله الهمداني الكوفي، ثقة، من (٥) (عن أبي عبيدة) مصغرًا عامر
стр. 4130
عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ؛ قَال: دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ ابْنُ أُمّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا. فَقَال: انْظُرُوا إلى هذَا الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا. وَقَال اللهُ تَعَالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]
ــ
ابن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي، ثقة، من كبار (٣) (عن كعب بن عجرة) بن أمية الأنصاري المدني الصحابي المشهور ﵁، وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وثلاثة بصريون وواحد مدني، وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة، وفيه رواية تابعي عن تابعي (قال) أبو عبيدة (دخل) كعب بن عجرة (المسجد) النبوي (وعبد الرحمن بن أم الحكم) بفتحتين، قال الطيبي: أظنه من بني أمية قلت أو من أتباعهم اهـ ملا علي؛ أي والحال أن عبد الرحمن (يخطب قاعدًا فقال) كعب بن عجرة لمن عنده (انظروا) أيها الناس (إلى هذا الخبيث) الذي لا يراعي السنة حيث (يخطب قاعدًا و) قد (قال الله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾) وجه استدلاله بالآية أن الله سبحانه أخبر أنه ﷺ يخطب قائمًا والاقتداء به واجب، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ مع قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ وقوله ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ مع قوله ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" وهذا الكلام من كعب يتضمن إنكار المنكر والإنكار على ولاة الأمور إذا خالفوا السنة اهـ نواوي، ويدل أيضًا على خلاف قول أبي حنيفة حيث رأى أن الخطيب إن شاء قام، وإن شاء قعد في خطبته اهـ مفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النسائي [٢/ ١٠٢].
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب خمسة أحاديث الأول حديث ابن عمر ذكره للاستدلال، والثاني حديث جابر بن سمرة الأول ذكره للاستشهاد، والثالث حديث جابر بن سمرة الثاني ذكره للاستشهاد، والرابع حديث جابر بن عبد الله ذكره للاستشهاد أيضًا وذكر فيه ثلاث متابعات، والخامس حديث كعب بن عجرة ذكره للاستشهاد أيضًا والله أعلم.
***
стр. 4131
٣٧٠ - (٨١) باب: التغليظ في ترك الجمعة واستحباب كون الصلاة والخطبة قصدًا
١٨٩٣ - (٨٣١) (٢٣٥) وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيُّ الْحُلْوَانِي. حَدَّثنَا أَبُو تَوْبَةَ. حَدَّثَنَا مُعَاويَةُ (وَهُوَ ابْنُ سَلام) عَنْ زَيدٍ (يَعْنِي أَخَاهُ) أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلام قَال: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيرَةَ حَدَّثَاهُ؛ أنهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ:
ــ
٣٧٠ - (٨١) باب التغليظ في ترك الجمعة واستحباب كون الصلاة والخطبة قصدًا
١٨٩٣ - (٨٣١) (٢٣٥) (وحدثني الحسن بن علي) بن محمَّد الهذلي أبو محمَّد (الحلواني) المكي، ثقة، من (١١) (حدثنا أبو توبة) الربيع بن نافع الحلبي الطرسوسي، ثقة، من (١٠) (حدثنا معاوية وهو ابن سلام) بالتشديد بن أبي سلام ممطور الحبشي أبو سلام الدمشقي، ثقة، من (٧) (عن زيد) بن سلام بن أبي سلام (يعني أخاه) أي أخا معاوية بن سلام الدمشقي، ثقة، من الرابعة (أنه) أي أن زيد بن سلام (سمع) جده (أبا سلام) ممطورًا الحبشي الأسود الدمشقي الأعرج، وقيل النوبي، ثقة، من (٣) (قال) أبو سلام (حدثني الحكم بن ميناء) -بكسر الميم بعدها تحتانية ثم نون ومد- الأنصاري المدني، روى عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة في الصلاة، وعائشة وبلال، ويروي عنه (م س ق) وأبو سلام ممطور الحبشي ويحيى بن أبي كثير وغيرهم، قال أبو زرعة: ثقة له عندهم فرد حديث، ولأبيه صحبة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق، من الثانية، من أولاد الصحابة (أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة حدثاه) أي حدثا للحكم بن ميناء (أنهما سمعا رسول الله ﷺ وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم شاميون واثنان مدنيان وواحد مكي أو مكيان وواحد مدني وواحد طرسوسي وفيه التحديث إفرادًا وجمعًا والسماع والعنعنة والمقارنة ورواية تابعي عن تابعي؛ أي سمعا رسول الله ﷺ حالة كونه (يقول على أعواد منبره) لم يختلف في أن المنبر سنة للخطيب الخليفة وأما غير الخليفة فمخير بين المنبر والأرض، قال مالك: ومن لم يرق فجلهم يقف عن يساره وبعضهم يقف عن يمينه وكل واسع (قلت) رجح ابن يونس اليمين لمن يمسك العصا واليسار لتاركها ليضع يمينه على عود
стр. 4132
"لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ. أَوْ لَيَخْتِمَن اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ. ثُمَّ لَيَكُونُن مِنَ الْغَافِلِينَ"
ــ
المنبر لأن المشهور استحباب توكؤ الخطيب على عصا، والمنبر مستحب، ومحله في الوضع يمين المحراب اهـ أبي، واللام في قوله (لينتهين) موطئة لقسم محذوف تقديره والله لينْزجرن (أقوام) أخفاء الأحلام لا يعتنون بدينهم (عن ودعهم) أي عن تركهم (الجمعات) جمع جمعة، قال القاضي: قال شمر: هذا الحديث يرد على النحاة في دعواهم أن العرب أماتت مصدر يدع وماضيه، فإنه ﷺ أفصح الخلق، وقد نطق بالمصدر في هذا الحديث، وبالماضي في حديث: "إذا لم ينكر الناس المنكر فقد تودع منهم" أي تركوا وما استوجبوه من العقوبة، وقد قرأ ابن أبي عبلة: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] بتخفيف الدال أي ما تركك، والأكثر في الكلام ما ذكره شمر عن النحويين (أو ليختمن الله) أي ليغطين الله (على قلوبهم) حتى لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا ولا تعي خيرًا لأن من خالف أمرًا من أوامر الله تعالى يظهر في قلبه نكتة سوداء فإذا تكررت المخالفة تكررت النكتات فيسود قلبه ويغلب عليه الغفلة والبعد من الله تعالى، ولهذا قال ﷺ (ثم ليكونن من الغافلين) أي يكونن معدودين من جملتهم، قال السنوسي: والمعنى إن أحد الأمرين كائن لا محالة إما الانتهاء عن ترك الجمعات أو ختم الله تعالى على قلوبهم وذلك يؤدي بهم إلى أن يكونوا من الغافلين، وأدخلت ثم في قوله (ثم ليكونن من الغافلين) للتراخي في الرتبة فإن كونهم من جملة الغافلين المشهود فيهم بالغفلة أدعى لشقائهم وأنطق لخسرانهم من مطلق كونهم مختومًا عليهم اهـ.
والختم هو الطبع والتغطية وأصله من ختمت الكتاب إذا طبعته بطابعه، وهو في الحقيقة عبارة عما يخلقه الله في قلوبهم من الجهل والجفاء والقسوة وهذا مذهب أهل السنة، والمراد به هنا إعدام اللطف وأسباب الخير في حقه، وفي بعض الفتاوى: ترك الجمعة ثلاث مرات وقيل مرة يسقط العدالة اهـ من المبارق، وهذا الحديث حجة واضحة في وجوب الجمعة وفرضيتها، وجمهور الأئمة على أنها فرض من فروض الأعيان اهـ مفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٢٣٩ و ٢٥٤ و ٢/ ٨٤] , والنسائي [٣/ ١٨٨ و ١٨٩] , وابن ماجه [٧٩٤].
стр. 4133
١٨٩٤ - (٨٣٢) (٢٣٦) حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛ قَال: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصلَوات. فَكَانَتْ صَلاتهُ قَصْدًا. وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا.
١٨٩٥ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَابْنُ نُمَيرٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثنَا زَكَرِيَّاءُ. حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْب، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛
ــ
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث جابر بن سمرة ﵄ فقال:
١٨٩٤ - (٨٣٢) (٢٣٦) (حدثنا حسن بن الربيع) البجلي أبو علي الكوفي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (وأبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (قالا: حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي الكوفي، ثقة، من (٧) (عن سماك) بن حرب بن أوس الذهلي الكوفي، صدوق، من (٤) (عن جابر بن سمرة) بن جنادة السوائي الكوفي ﵄، وهذا السند من رباعياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون (قال) جابر: (كنت أصلي مع رسول الله ﷺ الصلوات) الخمس (فكانت صلاته) ﷺ في أغلب الأحوال (قصدا) أي وسطًا بين الطول والقصر (و) كانت (خطبته قصدا) أي متوسطة بين الإفراط والتفريط من التقصير والتطويل اهـ مرقاة، ومنه القصد من الرجال والقصد في المعيشة، وكان يفعل ذلك لئلا يطول على الناس، وقد قال ﷺ : "من صلى بالناس فليخفف" والإكثار في الخطبة مكروه لما في الطول من التشدق والتصنع والإملال اهـ مفهم، والسنة فيها كونها بين الطول الظاهر والتخفيف الماحق اهـ نووي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث ابن ماجه [١١٠٦].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر بن سمرة ﵄ فقال:
١٨٩٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة و) محمَّد بن عبد الله (بن نمير) الكوفيان (قالا: حدثنا محمَّد بن بشر) العبدي الكوفي (حدثنا زكرياء) بن أبي زائدة خالد بن ميمون، ويقال هبيرة بن ميمون بن فيروز الهمداني أبو يحيى الكوفي، ثقة، من (٦) (حدثني سماك بن حرب) بن أوس الذهلي الكوفي (عن جابر بن سمرة) ﵄،
стр. 4134
قَال: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِي ﷺ الصَّلَوَاتِ. فَكَانَتْ صَلاتهُ قَصْدًا. وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: زَكَرِياءُ عَنْ سِمَاكٍ
ــ
وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون، غرضه بسوقه بيان متابعة زكرياء بن أبي زائدة لأبي الأحوص في رواية هذا الحديث عن سماك، وفيه تصريح بسماع زكرياء عن سماك (قال) جابر: (كنت أصلي مع النبي ﷺ الصلوات) الخمس (فكانت صلاته) ﷺ (قصدا) أي وسطًا بين الطول والقصر (وخطبته قصدا) أي متوسطة بين الطول الممل والقصر المخل، وقوله (حدثني سماك بن حرب) هو في رواية ابن نمير (وفي رواية أبي بكر) حدثنا (زكرياء عن سماك) بالعنعنة. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان الأول حديث ابن عمر وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني حديث جابر بن سمرة ﵄ ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة.
***
стр. 4135
٣٧١ - (٨٢) باب: ما يقال في الخطبة من الحمد والثناء على الله تعالى والإتيان بأما بعد ورفع الصوت بها
١٨٩٦ - (٨٣٣) (٢٣٧) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحمدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرتْ عَينَاهُ، وَعَلا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ. حَتى كَأَنهُ مُنْذِرُ جَيشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمسَّاكُمْ
ــ
٣٧١ - (٨٢) باب ما يقال في الخطبة من الحمد والثناء على الله تعالى والإتيان بأما بعد ورفع الصوت بها
١٨٩٦ - (٨٣٣) (٢٣٧) (وحدثني محمَّد بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد) الثقفي البصري (عن جعفر) الصادق (بن محمَّد) الباقر الهاشمي المدني، صدوق، من (٦) (عن أبيه) محمَّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني، ثقة، من (٤) (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني ﵁، وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان بصريان، وفيه التحديث إفرادًا وجمعًا والعنعنة ورواية ولد عن والده (قال) جابر كان رسول الله ﷺ إذا خطب) وذكر الناس بالوعد والوعيد والأمر والنهي (احمرت عيناه) أي اشتدت حمرتهما على ما كانت في العادة لأن باب أفعل الخماسي بناؤه لمبالغة معنى ثلاثيه كما بيناه في مناهل الرجال (وعلا صوته) أي ارتفع صوته (واشتد غضبه) لتغافلهم عن الله تعالى، قال النواوي: ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا وتحذيره خطبًا جسيمًا اهـ وفي المرقاة، قوله (احمرت عيناه) لما ينزل عليه من بوارق أنوار الجلال الصمدانية ولوامع أضواء الكمال الرحمانية وشهود أحوال الأمة المرحومة وتقصير أكثرهم في امتثال الأمور المعلومة من الدين اهـ، قال القاضي عياض: وهذا حكم المنذر المخوف، ويعني بشدة الغضب أن صفته صفة الغضبان، ويحتمل أنه لنهي خولف فيه شرعه، وهكذا تكون صفة الواعظ مطابقة للذي هو يتكلم فيه حتى لا يأمر بشيء وضده ظاهر عليه (حتى كأنه) ﷺ (منذر جيش) أي كمن ينذر قومه بقرب جيش عظيم من عدوهم قصدوا الإغارة عليهم في الصباح والمساء، وهو معنى قوله (يقول) ذلك المنذر لقومه (صبحكم) جش العدو (ومساكم)
следующие страницы →