← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لا يَرْفَعُ يَدَيهِ في شَيءٍ مِنْ دُعَائِهِ إلَّا في الاسْتِسْقَاءِ. حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبطيهِ. غَيرَ أَنَّ عَبْدَ الأَعْلَى قَال: يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ أَوْ بَيَاضُ إِبْطَيهِ ــ عبد الأعلى السامي بمهملة أبو محمَّد البَصْرِيّ ثقة من (٨) (عن سعيد) بن أبي عروية مهران اليشكري مولاهم أبي النضر البَصْرِيّ ثِقَة من (٦) (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البَصْرِيّ ثِقَة من (٤) (عن أنس) بن مالك الأَنْصَارِيّ البَصْرِيّ ﵁ وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة غرضه بسوقه بيان متابعة قتادة لثابت البناني في رواية هذا الحديث عن أنس (أن النَّبِيّ ﷺ كان لا يرفع يديه) أي رفعًا بليغًا لئلا يعارض الرواية السابقة (في شيء من دعائه إلَّا في الاستسقاء) فإنَّه كان يرفع يديه رفعًا بليغًا (حتَّى يرى بياض إبطيه) هكذا قال ابن أبي عدي (غير أن عبد الأعلى قال) في روايته حتَّى (يرى بياض إبطه) بالإفراد (أو) يرى (بياض إبطيه) بالتثنية بالشك في أي الصيغتين قال سعيد: وظاهر هذه الرواية تنفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء وهو معارض بما سبق في الرواية السابقة وبما سنذكره من الأحاديث المثبتة للرفع في سائر الأدعية فليحمل النفي في هذه الرواية على صفة مخصوصة إما الرفع البليغ كما يدل عليه قوله حتَّى يرى بياض إبطيه كما مر آنفًا وإما على صفة اليدين في ذلك كما ذكره في الرواية الآتية بقوله فأشار بظهر كفيه إلى السماء وعلى نفي رؤية أنس لذلك وهو لا يستلزم نفي رؤية غيره ورواية المثبت مقدمة على النافي. والحاصل استحباب الرفع في كل دعاء إلَّا ما جاء من الأدعية مقيدًا بما يقتضي عدم الرفع فيه كدعاء الركوع والسجود وغيرهما فقد ورد رفعه ﷺ يديه في مواضع كثيرة فمنها رفعه يديه حتَّى يرى عفرة إبطيه حين استعمل ابن اللتبية على الصدقة كما في الصحيحين ومنها رفعهما في قصة خالد بن الوليد قائلًا: اللهم إنِّي أبرأ إليك مما صنع خالد رواه البُخَارِيّ والنَّسائيّ ومنها رفعهما على الصفا رواه مسلم وأبو داود ومنها رفعهما ثلاثًا بالبقيع مستغفرا لأهله رواه البخاري في رفع اليدين ومسلم ومنها رفعهما حين تلا قوله تعالى ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ الآية قائلًا: اللهم أمتي أمتي رواه مسلم ومنها رفعهما حين بعث جيشًا فيهم علي قائلًا: اللهم لا تمتني حتَّى تريني عليًّا رواه التِّرْمِذِيّ

стр. 4237

(١٩٥٧) (٠) (٠) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ أن أنس بنِ مالِكٍ حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. (١٩٥٨) (٨٦٣) (٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ــ ومنها رفعهما حين جمع أهل بيته وألقى عليهم الكساء قائلًا: اللهم هؤلاء أهل بيتي رواه الحاكم وقد جمع النواوي في شرح المهذب نحوًا من ثلاثين حديثًا في ذلك من الصحيحين وغيرهما وللمنذري فيه جزءٌ قال الرُّوياني: ويكره رفع اليد النجسة في الدعاء ويحتمل أن يقال: لا يكره بحائل وفي مسلم وأبي داود عن أنس (أنه ﷺ كان يستسقي هكذا ومد يديه وجعل بطونها مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه) فقال أصحابنا الشافعية وغيرهم السنة في دعاء القحط ونحوه من رفع بلاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء وهي صفة الرهبة وإن سأل شيئًا يجعل بطونهما إلى السماء والحكمة أن القصد رفع البلاء بخلاف القاصد حصول شيء أو تفاؤلًا ليقلب الحال ظهرًا لبطن وذلك نحو صنيعه في تحويل الرداء أو إشارة إلى ما يسأله وهو أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصب مافيه من المطر اهـ من القسطلاني وشارك المؤلف في هذه الرواية البخاري والنسائي وابن ماجه والله أعلم ثم ذكر المؤلف ﵀ المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال: (١٩٥٧) (٠) (٠) (وحدثنا) محمد (بن المثنى) البصري (حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ القطان التميمي أبو سعيد البصري ثقة من (٩) (عن) سعيد (بن أبي عروبة) مهران اليشكري البصري (عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم) أي حدث قتادة ومن معه (عن النبي ﷺ وساق يحيى بن سعيد (نحوه) أي نحو حديث ابن أبي عدي وأفرد الضمير لأن المعتبر من المتقارنين المذكور أولًا لا الثاني وغرضه بسوقه بيان متابعة يحيى القطان لابن أبي عدي. ثم استدل المؤلف ﵀ على الجزء الأخير من الترجمة بحديث آخر لأنس بن مالك ﵁ فقال: (١٩٥٨) (٨٦٣) (٣) (وحدثنا عبد بن حميد) الكسي (حدثنا الحسن بن موسى) البغدادي أبو على الأشيب ثقة من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (حدثنا حَماد بن سلمة)

стр. 4238

عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى. فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيهِ إِلَى السَّمَاءِ ــ ابن دينار التميمي أبو سلمة البصري (عن ثابت) بن أسلم البصري (عن أنس بن مالك) ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد بغدادي وواحد كسي (أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء) وجعل باطنهما إلى الأرض تفاؤلًا برفع القحط وحصول الخصب. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود فقط كما في تحفة الأشراف ولم يذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب إلا حديثين كلاهما لأنس ذكر الأول منهما استدلالًا به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين وذكر الثاني منهما استدلالًا به على الجزء الأخير من الترجمة والله أعلم. ***

стр. 4239

٣٨٥ - (٣) - باب الدعاء في الاستسقاء في المسجد بغير صلاة (١٩٥٩) - (٨٦٤) (٤) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ. مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ ــ ٣٨٥ - (٣) باب الدعاء في الاستسقاء في المسجد بغير صلاة (١٩٥٩) (٨٦٤) (٤) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وبحيى بن أيوب) المقابري أبو زكريا البغدادي (وقتيبة) بن سعيد البلخي (و) علي (بن حجر) بن إياس السعدي أبو الحسن المروزي (قال يحيى) بن يحيى: (أخبرنا وقال الآخرون حدثنا إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الزرقي مولاهم أبو إسحاق المدني ثقة من (٨) (عن شريك) بن عبد الله (بن أبي نمر) القرشي أبي عبد الله المدني وثقه أبو داود وابن سعد ذكره ابن حبَّان في الثقات وقال في التقريب صدوق من (٥) (عن أنس بن مالك) ﵁ وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد بصري وواحد إما نيسابوري أو بغدادي أو بلخي أو مروزي وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والمقارنة (أن رجلًا) هو كعب بن مرة أو غيره. اهـ قسط (دخل المسجد) النبوي قال الأبي: هذا المُشِقُّ من القحط كان أكابر الصحابة ﵃ عالمين به ولم يقع منهم ما وقع من الرجل فيقوم منه أن الصبر على المشاق وعدم التسبب في كشفها أرجح لأنهم إنما يفعلون الأفضل اهـ. (يوم جمعة) بالتنكير وفي بعض روايات البخاري (يوم الجمعة) بالتعريف (من باب كان نحو) أي جهة (دار القضاء) وهي دار كانت لعمر بن الخطاب سميت دار القضاء لأنها بيعت في قضاء دين عمر بن الخطاب ﵁ الذي كتبه على نفسه لبيت مال المسلمين وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ماله فإن عجز ماله استعان ببني عدي ثم بقريش فباع عبد الله ابنه داره هذه لمعاوية بن أبي سفيان وباع ماله بالغابة وقضى دينه فكان يقال له دار قضاء دين عمر ثم اختصروا فقالوا دار القضاء وهي دار مروان وقد غلط من قال فيها دار قضاء الأمراء ووهم أيضًا من قال فيها دار الإمارة لأنه لمَّا بلغه أنها دار مروان ظنَّ أنها دار الإمارة وكان دين عمر الذي كتبه على نفسه ثمانية وعشرين ألفًا

стр. 4240

وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ. فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِمًا. ثُمَّ قَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ. فَادْعُ اللهِ يُغِثْنَا. قَال: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيهِ. ثُمَّ قَال: "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. اللَّهُمَّ أَغِثْنَا.". قَال أَنَسٌ: وَلَا وَاللهِ, مَا ــ قال النواوي: هذا غلط والصحيح أنها ستة وثمانون ألفًا وكذا ذكره البخاري في صحيحه وغيره من أصحاب السير هـ أبي (ورسول الله ﷺ قائم يخطب) خطبة الجمعة (فاستقبل) الرجل (رسول الله ﷺ بوجهه حالة كونه (قائمًا) اعتناءً بسؤاله (ثم قال) الرجل في هذا جواز كلام الداخل مع الخطيب في حال خطبته ويحتمل أن يكون إنما كلمه في حال سكتةٍ كانت من النبي ﷺ إما الاستراحة في النطق وإما في حال الجلوس والله أعلم: (يا رسول الله هلكت الأموال) أي المواشي وأصل المال كل ما يتموَّل وعرفه عند العرب الإبل لأنها معظم أموالهم وهلاكها لقلة الأقوات بسبب انعدام المطر والنبات (وانقطعت السبل) أي الطرق لهلاك الإبل ولعدم ما يؤكل في الطرق أي انقطعت الطرق فلم تسلكها الإبل إما لخوف الهلاك أو الضعف بسبب قلة الكلأ أو عدمه (فادع الله) لنا المطر إن دعوت الله لنا (يغثنا) بالجزم بالطلب السابق أي يمطر لنا الغيث بضم الياء من أغاث الرباعي يغيث إغاثة والمشهور في كتب اللغة أنه إنما يقال: غاث الله الناس والأرض يغيثهم بفتح الياء أي أنزل المطر قال القاضي عياض: قال بعضهم: هذا المذكور في الحديث من الإغاثة بمعنى الإعانة وليس من طلب الغيث إنما يقال في طلب الغيث: اللهم أغثنا قال القاضي: ويحتمل أن يكون من طلب الغيث أي هب لنا غيثًا وارزقنا غيثًا كما يقال سقاه الله وأسقاه أي جعل له سقيا على لغة من فرق بينهما اهـ (قال) أنس: (فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا) ثلاث مرات أي أنزل لنا الغيث أو أدركنا من جهد القحط بالغيث وبهذا الحديث استدلت الأحناف على عدم تحويل الرداء وعدم الصلاة في الاستسقاء فقد استسقى رسول الله ﷺ في هذا الحديث ولم يقلب رداءه ولم يصل له وثبت أن عمر استسقى كذلك ولو كان سنة لما تركها لأنه كان أشد الناس اتباعًا للسنة وهي لا تثبت إلا بالمواظبة اهـ من بعض الهوامش (قال أنس) ﵁: (ولا والله ما) تأكيد للنفي المفهوم من لا أو لا زائدة لتأكيد القسم

стр. 4241

نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ. وَمَا بَينَنَا وَبَينَ سَلْعٍ مِنْ بَيتٍ وَلَا دَارٍ. فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ. فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ. ثُمَّ أَمْطَرَتْ. قَال: فَلَا وَاللَّهِ, مَا رَأَينَا الشَّمْسَ سَبْتًا. قَال: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ. فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا. فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ, هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ ــ كما في قوله تعالى ﴿لَا أُقسِمُ﴾ كلَّا أي ما (نرى في السماء من سَحَاب ولا قزعة) أي قطعة من سحاب من ذكر الجزء بعد الكل يجمع على قزع كقصبة وقصب قال أبو عبيد: وأكثر ما يكون في الخريف (وما بيننا) يعني أهل المدينة (وبين) جبل (سلع) بفتح السين المهملة وسكون اللام جبل مشهور بقرب المدينة (من بيت) صغير (ولا دار) كبير أي ليس بيننا وبينه من حائل يمنعنا من رؤية سبب المطر فنحن مشاهدون له وللسماء (فطلعت) أي ظهرت (من ورائه) أي من وراء ذلك الجبل (سحابة مثل الترس) أي شبه الحجفة والترس هو ما يتقى به السيف وتشبيه السحابة بالترس في كثافتها واستدارتها لا في القدر (فلما توسطت) السحابة (السماء) أي وصلت وسط السماء (انتشرت) وتفرقت في نواحي السماء (ثم أمطرت) السحابة أي أنزلت المطر الكثير وأمطر رباعيًّا ومطر ثلاثيًّا بمعنى واحد وقيل أمطر في العذاب ومطر في الرحمة والأول أشهر. (قال) أنس: (فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا) أي أسبوعًا من السبت إلى السبت كما نقول جمعةً أي من جمعة إلى جمعة والسبت في اللغة القطع وبه سمي يوم السبت وقد رواه الداودي سبتًا وفسره بستة أيام من الدهر وهو تصحيف (قال) أنس (ثم) بعد أُسبوع (دخل رجل) آخر (من هذا الباب) الذي كان من جهة دار القضاء (في الجمعة المقبلة) أي المستقبلة للجمعة الأولى وإنما فسرنا برجل آخر جريًا على القاعدة المشهورة عند البلغاء كما قال السيوطي في عقود الجمان: ثم من القواعد المشتهرةْ ... إذا أتت نكرة مكررةْ تغايرت وإن يعرِّف ثاني ... توافقا كذا المعرفان (ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله) ﷺ ذلك الرجل حالة كونه (قائمًا فقال يا رسول الله هلكت الأموال) أي المواشي من كثرة المطر لتعذر رعيها (وانقطعت السبل) لتعذر سلوكها فهلاك الأموال وانقطاع السبل في هذه

стр. 4242

فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا. قَال: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيهِ. ثُمَّ قَال: "اللَّهُمَّ حَوْلَنَا وَلَا عَلَينَا. اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ, وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ, وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ". فَانْقَلَعَتْ. وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ قَال شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قَال: لَا أَدْرِي. (١٩٦٠) (٠) (٠) وحدَّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيد. حدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ــ المرة من كثرة الأمطار لتعذر الرعي والسلوك (فادع الله) سبحانه لنا أن (يمسكها عنَّا) بالرفع على تقدير فهو يمسكها وبالجزم على جواب الطلب (قال) أنس (فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم) أنزله (حولنا ولا) تنزله (علينا اللهم) أمطره (على الآكام) بكسر الهمزة أو بفتحها مع المد قال في المصباح الأكمة تل والجمع أكم وأكمات مثل قصبة وقصب وقصبات وجمع الأكم إكام مثل جبل وجبال وجمع الإكام أكم بضمتين مثل كتاب وكتب وجمع الأكم آكام مثل عنق وأعناق اهـ (و) على (الظراب) أي على الجبال الصغار وهو بكسر الظاء المشالة جمع ظرب بفتحها وكسر الراء بمعنى الرابية الصغيرة فالظراب الجبال الصغار وهي دون الجبل الكبار والآكام هي التلال وهي دون الظراب (و) على (بطون الأودية و) على (منابت الشجر فانقلعت) أي فأمسكت السحابة الماطرة عن المدينة المنورة (وخرجنا) من المسجد حالة كوننا (نمشي في الشمس قال شريك) بن أبي نمر: (فسألت أنس بن مالك أهو) أي الرجل الثاني الذي اشتكى كثرة المطر هو (الرجل الأول) الذي اشتكى القحط أم لا (قال) أنس (لا أدري) أي ما أدري ولا أعلم هل هو الرجل الأول أم غيره والظاهر من القواعد أنه غير الأول كما مر ولكن قد جاء في رواية للبخاري وغيره أنه الأول اهـ نواوي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ١٠٤ و ١١٨٧) والبخاري (١٠١٣) وأبو داود (١١٧٤ و ١١٧٥) والنسائي (٣/ ١٥٤ و ١٥٥) وفي هذا الحديث استحباب طلب انقطاع المطر على المنازل والمرافق إذا كثر وتضرروا به ولكن لا يشرع له صلاة ولا اجتماع في الصحراء اهـ النواوي. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال: (١٩٦٠) (٠) (٠) (وحدثنا داود بن رشيد) بالتصغير الهاشمي مولاهم أبو الفضل البغدادي ثقة من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي الأموي

стр. 4243

عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَبَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. إِذْ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ, هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ. وَفِيهِ قَال: "اللَّهُمَّ حَوَالينَا وَلَا عَلَينَا" ــ مولاهم الدمشقي ثقة من (٨) (عن) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي) أبي عمرو الدمشقي ثقة عالم من (٧) (حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني (عن أنس بن مالك) الأنصاري البصري. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم دمشقيان وواحدٌ بصري وواحدٌ مدني وواحدٌ بغدادي وفيه التحديث إفرادًا وجمعا والعنعنةُ غرضه بسوقه بيان متابعة إسحاق بن عبد الله لشريك بن أبي نمر في رواية هذا الحديث عن أنس. (قال) أنس (أصابت الناس سنة) أي قحطٌ وجدب وهو انقطاع المطر ويبس الأرض (على عهد رسول الله ﷺ أي في زمان حياته (فبينا رسول الله ﷺ يخطب الناس) ويذكرهم (على المنبر يوم الجمعة إذ) فجائيةٌ رابطةٌ لجوابِ بينا (قام أعرابيٌّ) أي شخصٌ بدويٌّ والمعنى بينا أوقات خطبة رسول الله ﷺ الناس على المنبر فاجأهم قيامُ أعرابى (فقال) الأعرابي (يا رسول الله هلك المال) أي الإبل لقلة المرعى (وجاع العيال) أي الأولاد والنساء لقلة القوت (وساق) إسحاق بن عبد الله (الحديث) السابق (بمعناه) أي بمعنى حديث شريك بن أبي نمر (و) لكن (فيه) أي في الحديث الذي ساقه إسحاق بن عبد الله (قال) رسول الله ﷺ (اللهم) أنزل المطر (حوالينا) أي في الجهات المحيطة بنا (ولا) تنزله (علينا) وهو منصوب بالياء على الظرفية لأنه ملحق بالمثنى في إعرابه لأن المقصود منه التكرار لا التثنية قال الجوهري: يقال: قعدوا حوله وحواله وحوليه وحواليه بفتح اللام ولا يقال حواليه بكسرها اهـ. قال القاضي عياض: وفي قوله (اللهم حوالينا) الخ أدبه الكريم وخلقه العظيم إذ لم يدع برفعه لأنه رحمة بل دعاء بكشف ما يضرهم وتصييره إلى حيث يبقى فيه نفعه وخصبه ولا يستضر به ساكن ولا ابن سبيل فيجب التأدب بمثله في مثل هذا اهـ.

стр. 4244

قَال: فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ إِلَّا تَفَرَّجَتْ. حَتَّى رَأَيتُ الْمَدِينَةَ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ. وَسَال وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا. وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا أَخْبَرَ بِجَوْدٍ. (١٩٦١) (٠) (٠) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ. حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللَّهِ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَقَامَ إِلَيهِ النَّاسُ ــ (قال) أنس (فما يشير) رسول الله ﷺ (بيده) الشريفة (إلى ناحية) وجانب من نواحي المدينة (إلا تفرجت) السحب وتقطعت وزالت وانكشفت عنها (حتى رأيت المدينة) ونظرت إليها كأنها (في مثل الجوبة) وشبهها والجوبة بفتح الجيم وسكون الواو الفجوة والفجوة الفرجة بين الشيئين أو بين البيوت والفجوة أيضًا المكان المتسع وفجوة الدار ساحتها اهـ مصباح. والمعنى تقطعت السحب عن المدينة وانكشفت عنها وصارت مستديرة حولها حتى باينت المدينة ما جاورها من الأرض مباينة الجوبة لما حولها وصارت خالية منها (وسال) سيل (وادي قناة شهرًا) وقناة إسم واد من أودية المدينة وعليه زروع لهم فأضافه هنا إلى نفسه (ولم يجئ أحد من ناحية) من نواحي المدينة (إلا أخبر بجود) أي بمطر كثير والجود هو المطر الشديد. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال: (١٩٦١) (٠) (٠) (وحدثني عبد الأعلى بن حمّاد) بن نصر الباهلي مولاهم أبو يحيى البصري ثقة من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (ومحمد بن أبي بكر) بن علي بن عطاء بن مقدم (المقدمي) نسبة إلى هذا الجد أبو عبد الله الثقفي البصري ثقة من (١٠) روى عنه في (٥) أبواب (قالا: حدثنا معتمر) بن سليمان التيمي البصري ثقة من (٩) (حدثنا عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر العدوي العمري المدني ثقة من (٥) (عن ثابت) بن أسلم (البناني) نسبة إلى بنانة أبي محمد البصري ثقة من (٤) (عن أنس بن مالك) الأنصاري البصري. وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون إلا عبيد الله بن عمر وفيه التحديث إفرادًا وجمعًا والعنعنة والقول والمقارنة وغرضه بيان متابعة ثابت لإسحاق بن عبد الله في الرواية عن أنس. (قال) أنس: (كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فقام إليه الناس

стр. 4245

وَصَاحُوا وَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! قَحِطَ الْمَطَرُ, وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ, وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الأَعْلَى: فَتَقَشَّعَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ. فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوَاليهَا. وَمَا تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً. فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ. (١٩٦٢) (٠) (٠) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ, ــ وصاحوا) أي ضجوا ورفعوا أصواتهم بالشكوى في الرواية السابقة (جاء رجل) الخ فبين الروايتين معارضة فيجمع بينهما بأن الرجل ابتدأ بالشكوى فتبعه الناس فذكر في الأولى المبتدئ وفي هذه التابعين له في الشكوى ويحتمل أن يراد بالناس هنا الواحد نظير قوله تعالى ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ﴾ وإنما قال لهم واحد اهـ من إكمال المعلم بتصرف. (وقالوا) في صياحهم: (يا نبي الله قحط) بفتح القاف وبفتح الحاء وكسرها أي احتبس (المطر واحمر الشجر) كناية عن يبس ورقها وظهور عودها أي تغيرت لونه من الخضرة إلى الحمرة من اليبس (وهلكت البهائم) أي المواشي لفقدان الكلأ (وساق) ثابت أي ذكر (الحديث) السابق بمثل حديث إسحاق بن عبد الله (و) لكن (فيه) أي في حديث ثابت حالة كونه (من رواية عبد الأعلى) بن حمّاد لفظه (فتقشعت) السحابة أي زالت وانكشفت (عن المدينة فجعلت) أي شرعت (تمطر حواليها) أي حوالي المدينة وجوانبها (وما تمطر) السحابة بضم التاء من الأمطار (بالمدينة قطرة) من الماء بالنصب مفعول به وجملة النفي حالية قال أنس: (فنظرت إلى المدينة) أي إلى سمائها وإلى أرضها (وإنها) أي وإن سماءها أو إن أرضها (لفي مثل الإكليل) هو كل ما أحاط بالشيء وسمي التاج إكليلًا لإحاطته بالرأس شبه إحاطة المطر أو السحاب بها بإحاطة الإكليل بجوانب الرأس. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث أنس ﵁ فقال: (١٩٦٢) (٠) (٠) (وحدثناه أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي (حدثنا أبو أسامة) حمّاد بن أسامة الهاشمي مولاهم الكوفي (عن سليمان بن المغيرة) القيسي البصري من (٧) (عن ثابت) البناني (عن أنس) بن مالك ﵁ وساق سليمان بن

стр. 4246

بِنَحْوهِ. وَزَادَ: فَأَلَّفَ اللَّهُ بَينَ السَّحَابِ. وَمَكَثْنَا حَتَّى رَأَيتُ الرَّجُلَ الشَّدِيدَ تُهِمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ. (١٩٦٣) (٠) (٠) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي أُسَامَةُ؛ أَنَّ حَفْصَ بْنَ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ, وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ ــ المغيرة (بنحوه) أي بنحو حديث عبيد الله بن عمر فغرضه بيان متابعة سليمان لعبيد الله (و) لكن (زاد) سليمان بن المغيرة على عبيد الله لفظة (فألف الله) بعد دعاء النبي ﷺ أي ركّب وجمع (بين السحاب ومكثنا) أي جلسنا أسبوعًا يمطر السحاب المؤلف وكثر المطر (حتى رأيت الرجل الشديد) أي القوي منا فضلًا عن الضعيف (تهمه نفسه) بضم التاء مع كسر الهاء من أهم الرباعي أو بفتح التاء مع ضم الهاء من همّ الثلاثي يقال همّه الشيء وأهمّه أي اهتم له واغتنم به أي تدخل عليه نفسه الهم والغم. وجملة قوله (أن يأتي أهله) وعياله ويرجع إليهم في تأويل مصدر مرفوع على أنه بدل اشتمال من نفسه أي يهمه إتيان أهله والرجوع إليهم لكثرة المطر. ثم ذكر المؤلف المتابعة رابعًا في حديث أنس فقال: (١٩٦٣) (٠) (٠) (وحدثنا هارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي أبو جعفر (الأيلي) المصري (حدثنا) عبد الله (بن وهب) المصري (حدثني أسامة) بن زيد الليثي أبو زيد المدني صدوق من (٧) (أن حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك) الأنصاري البصري صدوق من (٣) (حدّثه) أي حدّث لأسامة بن زيد (أنه) أي حفص بن عبيد الله (سمع أنس بن مالك) الأنصاري البصري ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم بصريان واثنان مصريان وواحد مدني غرضه بسوقه بيان متابعة حفص بن عبيد الله لثابت في رواية هذا الحديث عن أنس بن مالك حالة كون أنس. (يقول: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة وهو) ﷺ (على المنبر واقتص) أي ذكر حفص بن عبيد الله (الحديث) السابق الذي

стр. 4247

وَزَادَ: فَرَأَيتُ السَّحَابَ يَتَمَزَّقُ كَأَنَّهُ الْمُلاءُ حِينَ تُطْوَى ــ رواه ثابت (و) لكن (زاد) حفص بن عبيد الله على ثابت لفظة (فرأيت السحاب يتمزق) أي يتقطع ويتفرق قطعًا قطعًا حتى يكون (كأنه الملاء) بضم الميم وبالمد جمع ملاءة بالمد أيضًا وهي الريطة أي الملحفة تلتحف بها المرأة وترتدي بها (حين تطوى) وتلف أي كأنه الملحفة أي مثل الملحفة المطوية بعد نشرها شبه انقشاع السحاب وانكشافه عن المدينة بلف الملاءة والملحفة المنشورة للبسها أولًا ثم طويت. قال النواوي: لا خلاف أن الملاءة في الجمع والإفراد ممدودة ورأيت في كلام القاضي أنها مقصورة في الجمع وهو غلط من الناسخ وإن كان من الأصل فهو خطأ لا شك فيه اهـ. وفي بعض الهوامش شبه تفرق الغيم واجتماع بعضه إلى بعض في أطراف السماء بلف الملاءة المضموم بعضها إلى بعض بعد نشرها للبسها اهـ. وانفرد مسلم بهذه الرواية ولا يخفى ما في هذا الحديث من الأحكام ومن كرامات النبي ﷺ ولم يذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب إلا حديث أنس وذكر فيه أربع متابعات والله أعلم. (تنبيه): (فإن قلت) لمَ لمْ يبدأ النبي ﷺ بالاستسقاء حتى سألوه مع أنه ﷺ أشفق عليهم منهم وأولى بهم من أنفسهم. (قلت) إنما ترك البداية به قبل سؤالهم به لأن مقامه ﷺ التوكل والصبر على البأساء والضراء ولذلك كان أصحابه الخواص يقتدون به في ذلك وهذا المقام لا يصل إليه العامة وأهل البوادي ولهذا والله أعلم كان السائل في الاستسقاء بدويًّا فلما سألوه أجاب رعاية لهم وإقامةً لسنة هذه العبادة فيمن بعده من أهل الأزمنة التي يغلب على أهلها الجزع وقلة الصبر على اللأواء فيؤخذ منه أن الأفضل للأئمة الاستسقاء ولمن ينفرد بنفسه في صحراء أو سفينة الصبر والتسليم للقضاء لأنه ﷺ قبل السؤال فوّض ولم يستسق اهـ من الإرشاد.

стр. 4248

٣٨٦ - (٤) باب التبرك بالمطر والفرح به والتعوذ عند الريح والغيم وما ورد في الصبا والدبور (١٩٦٤) (٨٦٥) - (٥) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ. قَال: قَال أَنَسٌ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَطَرٌ. قَال فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَوْبَهُ. حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَال: "لأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالى" ــ ٣٨٦ - (٤) باب التبرك بالمطر والفرح به والتعوذ عند الريح والغيم وما ورد في الصبا والدبور (١٩٦٤) (٨٦٥) (٥) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا جعفر بن سليمان) الضبعي بضم الضاد وفتح الموحدة نسبة إلى ضبيعة مصغرًا أبو سليمان البصري صدوق من (٨) روى عنه في (٨) أبواب (عن ثابت البناني) البصري (عن أنس) ابن مالك البصري. وهذا السند من رباعياته رجاله كلهم بصريون إلا يحيى بن يحيى فإنه نيسابوري. (قال) ثابت: (قال أنس: أصابنا) أي نزل بنا (ونحن مع رسول الله ﷺ مطر) بالرفع على الفاعلية لأصاب (قال) أنس (فحسر) أي كشف (رسول الله ﷺ ثوبه) عن بعض بدنه ليصيبه المطر (حتى أصابه) أي فأصابه شيء (من المطر فقلنا) معاشر الحاضرين معه: (يا رسول الله لم صنعت هذا) أي كشف ثوبك ليصيبك المطر (قال) رسول الله ﷺ : (لأنَّه) أي لأن هذا المطر (حديث عهد) أي قريب زمن (بربه تعالى) أي بإيجاد ربه وخلقه تعالى إياه والمعنى أن المطر رحمة وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها فيتبرك بها اهـ نواوي. قال القاضي: قيل: المعنى حديث عهد بالكون بإرادة الرحمة لأن المطر رحمة لقوله تعالى ﴿بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ﴾. وسماه الله تعالى مباركًا بقول ﴿مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾. قال الأبي: الأظهر قرب عهد بالإيجاد قبل أن تمسه الأيدي الخاطئة ولم تدركه ملاقاة أرض عبد عليها غير الله تعالى. قال القرطبي: وهذا منه ﷺ تبرُّك بالمطر واستشفاء به لأن

стр. 4249

(١٩٦٥) (٨٦٥) - (٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ) عَنْ جَعْفَرٍ (وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ) عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيمِ, عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ, ــ الله تعالى قد سمَّاه رحمة ومباركًا وطهورًا وجعله سبب الحياة ومبعدًا عن العقوبة ويستفاد منه احترام المطر وترك الاستهانة به باستعماله في النجاسات كصبه في المراحيض واختار بعضهم استعمال ماء المطر دون ماء الآبار لهذا الحديث والأطباء يقولون: إنه أنفع المياه ما لم يختزن كاختزانه في المراجل. قال النواوي: وفي الحديث دليل لقول أصحابنا: إنه يستحب عند أول المطر أن يكشف غير عورته ليناله المطر. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ٣٦٧) وأبو داود (١١٠٠). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حديث عائشة رضي الله تعالى عنها مستدلًّا به على الفرح والتعوذ عما ذكر فقال: (١٩٦٥) (٨٦٥) - (٦) (حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) الحارثي القعنبي البصري ثقةٌ من (٩) (حدثنا سليمان يعني ابن بلال) التيمي مولاهم أبو محمد المدني ثقة من (٨) (عن جعفر) الصادقِ (وهو ابن محمد) الباقر علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني صدوق من (٦) (عن عطاء بن أبي رباح) أسلم القرشي مولاهم أبي محمد اليماني المكي ثقة من (٣) (أنه سمع عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها (زوج النبي ﷺ تقول). وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد مكي وواحد بصري وفيه التحديث والعنعنة والعناية والهوية والسماع والقول. (كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم الريح) العاصف (والغيم) المظلم (عرف) أثر خوفه من (ذلك) الريح والغيم (في وجهه) أي ظهر أثر الخوف من ذلك في وجهه وهو تغير وجهه تغير الخائف من شيء مخافة أن يكون في ذلك الريح وذلك السحاب ما فيه ضرر الناس وهذا الحديث خلاف الحديث الأول إذ فيه التبرك بما هو قريب عهد بآثار الرحمة وهذا فيه الخوف بما يتقى أن يكون قريب عهد بإرادة غضب أو سخط وحذّر ﷺ أن تصيبهم العقوبة بذنوب العاصين منهم اهـ من إكمال

стр. 4250

أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ. فَإِذَا مَطَرَتْ, سُرَّ بِهِ, وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ. قَالتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ. فَقَال: "إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ عَلَى أُمَّتِي". وَيَقُولُ, إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: "رَحْمَةٌ". (١٩٦٦) (٠) (٠) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. قَال: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيجٍ يُحَدِّثُنَا, عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ, عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهَا قَالتْ: ــ المعلم قال الأبي: ففيه إيثار الخوف عند نزول أسبابه اهـ. (وأقبل) على الناس أو دخل أو جاء (وأدبر) إلى الناس أو خرج أوذهب يعني ليس مطمئنًا على حال واحدة لشدة خوفه أن يكون ذلك عذابًا (فإذا أمطرت) أي أمطرت السحابة ونزل المطر (سرّ به) أي فرح بذلك المطر (وذهب عنه ذلك) أي أثر الخوف (قالت عائشة: فسألته) ﷺ عن سبب إقباله وإدباره وتغير وجهه (فقال: إني خشيت) وخفت (أن يكون) ذلك المذكور من الريح والغيم (عذابًا سلط) وأرسل (على أمتي) يعني على العتاة عليه من العصاة له من أمته وكان ﷺ لعظيم حلمه ورأفته وشفقته يرتجى لهم الفلاح والرجوع إلى الحق وهذا كما قال يوم أحد: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون رواه أحمد والبخاري من حديث ابن مسعود وقيل: خاف أن تعمهم عقوبة بسبب العصاة منهم والأول أوضح (ويقول) ﷺ (إذا رأى المطر) هذا (رحمة) لنا وفضل من الله تعالى علينا. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٦/ ٦٦) والبخاري (٤٨٢٩) وأبو داود (٥٠٩٨) والترمذي (٣٢٥٧). قال النواوي: في هذا الحديث الاستعداد بالمراقبة لله والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه وكان خوفه ﷺ أن يعاقبوا بعصيان العصاة منهم وسروره لزوال سبب الخوف اهـ. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: (١٩٦٦) (٠) (٠) (وحدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن سرح المصري (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) المصري (قال: سمعت) عبد الملك (بن جريج) الأموي المكي (يحدثنا عن عطاء بن أبي رباح) المكي (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها (زوج النبي ﷺ أنها قالت) - وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مكيان

стр. 4251

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَال: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيرَهَا, وَخَيرَ مَا فِيهَا, وَخَيرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ. وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا, وَشَرِّ مَا فِيهَا, وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ" قَالتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ, تَغَيَّرَ لَوْنُهُ, وَخَرَجَ وَدَخَلَ, وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ. فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ. فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. قَالتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ. فَقَال: "لَعَلَّهُ, يَا عَائِشَةُ, كَمَا قَال قَوْمُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا ــ واثنان مصريان وواحد مدني غرضه بسوقه بيان متابعة ابن جريج لجعفر بن محمد في رواية هذا الحديث عن عطاء - (كان رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح) أي هبت هبوبًا شديدًا وبردت دعا الله من خيرها واستعاذ من شرها و (قال) في دعائه: (اللهم إني أسألك من خيرها) أي نفعها من سوقها السحاب وإدرارها المطر كما تدر اللقحة من الإبل (وخير ما فيها) من المطر (وخير ما أرسلت به) لأنها مرسلة إما بالرحمة أو بالعذاب (وأعوذ بك من شرها) أي ضررها كهدمها البيوت وكسرها الأشجار (وشر ما فيها) من العذاب (وشر ما أرسلت به قالت) عائشة: (وإذا تخيلت السماء) أي كثرت فيها المخيلة أي سحابة يخال فيها المطر والمخيلة بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وبعد التحتية الساكنة لام مفتوحة هي سحابة فيها رعد وبرق لا ماء فيها يخيل إلى الناظر إليها أنها ماطرة (تغير لونه) أي لون وجهه من البياض إلى الحمرة خوفًا من أن يحصل من تلك السحابة ما فيه ضرر بالناس (وخرج) من البيت أو المسجد تارة (ودخل) فيه أخرى (وأقبل) على الناس تارة أو جاء (وأدبر) أخرى أي ولى إليهم أو ذهب (فإذا أمطرت) السماء أي أمطرت (سرِّى) بضم السين وتشديد الراء المكسورة مبنيًّا للمجهول أي كشف (عنه) الخوف وانكشف عنه الهم قال ابن الأثير: وقد تكرر ذكر هذه اللفظة في الحديث وخاصة في ذكر نزول الوحي عليه وكلها بمعنى الكشف والإزالة يقال سروت الثوب وسريته إذا خلعته والتشديد فيه للمبالغة (فعرفت ذلك) الذي عرض له أولًا وآخرًا من الحزن والسرور (في وجهه) ﷺ (قالت عائشة: فسألته) ﷺ عن سبب ما عرض له في الحالتين (فقال) النبي ﷺ (لعله) أي لعل الشأن (يا عائشة) أن يكون الأمر (كما قال قوم عاد) الأولى وهم قوم هود ﵇ (﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾) أي العذاب (﴿عَارِضًا﴾) أي سحابًا عرض في أفق السماء (﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾) أي متوجه أوديتهم (﴿قَالُوا﴾) أي قال بعضهم لبعض (﴿هَذَا﴾) الغيم

стр. 4252

عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. (١٩٦٧) (٠) (٠) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ, عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهَا قَالتْ: مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا. حَتَّى أَرَى مِنْهُ ــ الذي ظهر لنا (﴿عَارِضٌ﴾) أي سحاب عرض في أفق السماء (﴿مُمْطِرُنَا﴾) أي يأتينا بالمطر بإذن الله (الأحقاف: الآية ٢٤). وشارك المؤلف في هذه الرواية البخاري (٣٢٠٦) والترمذي (٣٤٤٩) والنسائي في الكبرى (١٠٧٧٦) ثم ذكر المؤلف ﵀ المتابعة ثانيًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: (١٩٦٧) (٠) (٠) (وحدثني هارون بن معروف) الخزَّاز البصري ثقة من (١٠) (حدثنا) عبد الله (بن وهب) المصري ثقة من (٩) (عن عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري المصري ثقة من (٧) (ح وحدثني أبو الطاهر) المصري (أخبرنا عبد الله بن وهب) المصري (أخبرنا عمرو بن الحارث) المصري (أن أبا النضر) سالم بن أبي أمية التيمي مولاهم المدني ثقة من (٥) (حدثه) أي حدث عمرو بن الحارث (عن سليمان بن يسار) الهلالي مولاهم مولى ميمونة المدني أحد الفقهاء السبعة ثقة من (٣) (عن عائشة زوج النبي ﷺ . وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة مصريون إلا هارون بن معروف فإنه بصري غرضه بيان متابعة سليمان بن يسار لعطاء بن أبي رباح في رواية هذا الحديث عن عائشة. (أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا) أي متهيئًا للضحك مستعدًا له مبالغا فيه والمستجمع المجد في الشيء القاصد له (ضاحكًا) أي مظهرًا للصوت ففي الكلام قلب أي ما رأيته ضاحكًا مجدًا في ضحكه (حتى أرى منه) صلى الله عليه وسلم

стр. 4253

لَهَوَاتِهِ. إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. قَالتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيمًا أَوْ رِيحًا, عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَرَى النَّاسَ, إِذَا رَأَوُا الْغَيمَ, فَرِحُوا. رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ. وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيتَهُ, عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ؟ قَالتْ: فَقَال: "يَا عَائِشَةُ, مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ. قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ. وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ " [الأحقاف: ٢٤]. (١٩٦٨) (٨٦٧) - (٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، ــ (لهواته) جمع لهاة وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أعلى الحنك قاله الأصمعي (إنما كان) ﷺ (يتبسم) أي يظهر أسنانه لا صوته (قالت) عائشة: (وكان) ﷺ (إذا رأى غيمًا) أي سحابًا مظلمًا (أو ريحًا) عاصفةً (عرف ذلك) أي عرف أثر مخافته من ذلك (في وجهه) الشريف (فقالت) له عائشة يومًا مقتضى السياق أن يقول (فقلت) بتاء المتكلم: (يا رسول الله) إني (أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا) به (رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته) أي رأيت الغيم (عرفت في وجهك الكراهية) والخوف منه أي أثر الكراهية من تغير اللون وفي لفظ البخاري عن أنس: كانت الريح الشديدة إذا هبت عرف ذلك في وجه النبي ﷺ (قالت) عائشة: (فقال) لي رسول الله ﷺ في جواب سؤالي: (يا عائشة ما يؤمنني) أي أيُّ شيء حصَّل لي الأمان وعدم الخوف من (أن يكون فيه) أي في ذلك الغيم (عذاب) وعقوبة بسبب عصيان من عصاني لأنه (قد عذب) وأهلك (قوم) من الأمم المخالفة لأنبيائها (بالريح) العقيم كعاد وثمود (وقد رأى قوم) منهم (العذاب) المستقبل لهم بصورة السحاب (فقالوا) مستبشرين (هذا) الغيم المستقبل لأوديتنا (عارض) أي سحاب (ممطرنا) أي ينزل لنا المطر قال الأبي: ودل خوفه ﷺ عند رؤيته الريح والسحاب على رأفته بالخلق ودل نفي الضحك البليغ على أنه لم يكن فرحًا لعبًا بطرًا ودل إثبات التبسم له على طلاقة وجهه وبشاشته وهذا هو الخلق العظيم اهـ منه. ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: (١٩٦٨) (٨٦٧) (٧) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (حدثنا غندر) محمد

стр. 4254

عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَال: "نُصِرْتُ بِالصَّبَا. وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ". (١٩٦٩) (٠) (٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ ــ ابن جعفر الهذلي البصري (عن شعبة) بن الحجاج البصري (ح وحدثنا محمد بن المثنى و) محمد (بن بشار) البصريان (قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الحكم) بفتحتين بن عتيبة مصغرًا الكندي الكوفي (عن مجاهد) بن جبر المخزومي مولاهم المكي الإمام في التفسير (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذان السندان من سداسياته الأول منهما رجاله اثنان منهما بصريان واثنان كوفيان وواحد طائفي وواحد مكيّ والثاني منهما ثلاثة منهم بصريون وواحد طائفي وواحد مكيّ وواحد كوفي وفيهما التحديث والعنعنة والمقارنة. (عن النبي ﷺ أنه قال: نصرت) يوم الأحزاب على الكفار وكانوا زهاء اثنى عشر ألفًا حين حاصروا المدينة (بالصبا) بفتح الصاد مقصورًا وهي الريح التي تهب إلى جهة الشمال وقيل هي الريح التي تجيئ من جهة ظهرك إذا استقبلت باب الكعبة وتسمى القبول (وأُهلكت) بضم الهمزة وكسر اللام (عاد) قوم هود (بالدبور) بفتح الدال هي التي تهب إلى جهة الجنوب وقيل هي الريح التي تجيئ من قبل وجهك إذا استقبلت باب الكعبة. وقال القاضي الصبا الريح الشرقية والدبور الريح الغربية فالقبول نصرت أهل القبول والدبور أهلكت أهل الأدبار وفي المبارق الريح مأمورة مرة للنصرة وتارة للإهلاك. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (١/ ٣٢٤ و ٣٤١) والبخاري (٣٣٤٣). ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: (١٩٦٩) (٠) (٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب) محمد بن العلاء الكوفيان (قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي (ح وحدثنا عبد الله بن

стр. 4255

عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانِ الْجُعْفِي. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ (يَعْنِي ابْنَ سُلَيمَانَ). كِلاهُمَا عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ ــ عمر بن محمد بن أبان) بن صالح بن عمير الأموي مولاهم مولى عثمان ويقال له (الجعفي) كما في صحيح مسلم نسبة إلى خاله حسين بن علي الجعفي أبو عبد الرحمن الكوفي روى عن عبدة بن سليمان وعبد العزيز بن أبي حازم وابن المبارك ويروى عنه (م د) والبغوي والسراج وزكريا الساجي وقال في التقريب: صدوق فيه تشيُّع من العاشرة مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين (٢٣٨) (حدثنا عبدة يعني ابن سليمان) الكلابي الكوفي ثقة من (٨) (كلاهما) أي كل من معاوية وعبدة بن سليمان رويا (عن الأعمش) الكوفي (عن مسعود بن مالك) الأسدي أبي رزين الكوفي ثقة فاضل من (٢) مات سنة (٨٥) روى عنه في (٣) أبواب (عن سعيد بن جبير) الوالبي مولاهم الكوفي ثقة من (٣) (عن ابن عباس عن النبي ﷺ . وهذا السند من سداسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا ابن عباس غرضه بسوقه بيان متابعة سعيد بن جبير لمجاهد بن جبر في رواية هذا الحديث عن ابن عباس. وقوله: (بمثله) متعلق بما عمل في المتابع وهو سعيد بن جبير والضمير عائد إلى المتابع وهو مجاهد بن جبر والتقدير حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس بمثل ما حدّث مجاهد عن ابن عباس ﵄. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث: الأول حديث أنس ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة. والثاني حديث عائشة ذكره للاستدلال به على وسط الترجمة وذكره فيه متابعتين. والثالث حديث ابن عباس ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم. (تتمة) قوله: (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور) قال الطيبي: ونُصرته ﷺ بالصبا هو حين حاصرت الأحزاب بالمدينة يوم الخندق وسبب ذلك أنه صلى الله

стр. 4256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه وسلم أجلى بني النضير من موضعهم عند المدينة إلى خيبر فاجتمعت جماعة منهم ومن غيرهم من اليهود وخرجوا إلى مكة مستنفرين قريشًا إلى حرب رسول الله ﷺ وجرؤوهم على ذلك وأجمعت قريش السير إلى المدينة ونهض اليهود إلى غطفان وبني أسد ومن أمكنهم من أهل نجد وتهامة فاستنفروهم إلى ذلك فتحزب الناس وساروا إلى المدينة واتصل خبرهم برسول الله ﷺ فأمر بحفر الخندق حول المدينة وحصنها وكان أمرًا لم تعهده العرب وإنما كان من أعمال فارس والروم وأشار به سلمان الفارسي ﵁ فورد الأحزاب قريش وكنانة والأحابيش في نحو عشرة آلاف عليهم أبو سفيان بن حرب ووردت غطفان عليهم عيينة بن حصن الفزاري وورد بنو عامر وغيرهم عليهم عامر بن الطفيل إلى غير هؤلاء فحصروا المدينة المشرفة في شوال سنة خمس وقيل سنة أربع وكانت بنو قريظة عاهدت رسول الله ﷺ على الهدنة وعاهدوه على أن لا يلحقه منهم ضرر فلما تمكن هذا الحصار داخلهم بنو النضير فغدروا رسول الله ﷺ ونقضوا العهد وصاروا من الأحزاب فضاقت الحال على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين ونجم النفاق وساءت الظنون ورسول الله ﷺ يبشر ويعد بالنصر من الله تعالى فألقى الله الرعب في قلوب المشركين ويئسوا من الظفر لمنعة الخندق ولما رأوا من صبر المؤمنين. وجاء رجل من قريش اسمه نوفل بن الحارث واقتحم الخندق برأسه فقتل فيه فكان حاجزًا بينهم ثم إن الله تعالى بعث ريح الصبا لنصرة نبيه ﷺ على الكفار فأسرت ذريتهم وتهدمت بيوتهم وأطفئت نارهم وقطعت حبالهم وأُكفئت قدورهم ولم يمكنهم معها قرار وبعث الله تعالى مع الصبا ملائكة تشدد الريح وتفعل نحو فعلها وتلقي الرعب في قلوب الكفرة حتى أزمعوا الرحلة بعد بضع وعشرين ليلة للحصر فانصرفوا خائبين وفي القصة أنزل الله تعالى ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية فكان ذلك معجزة لرسول الله ﷺ . (فإن قلت) كل من الريحين وقع فيه نصر وهلاك فبالصبا نصرته ﷺ وهلكة قومه وبالدبور نصر هود ﵇ وهلكة قومه فلم روعى في الصبا طرف النصرة وفي الدبور طرف الهلاك.

стр. 4257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (قلت) روعي في كل من الريحين ما جاءت له فالصبا إنما جاءت لنصرته ﷺ على الأحزاب والدبور إنما جاءت لهلاك عاد حين عتوا. اهـ من الأبي. (واعلم) أن الريح تنقسم إلى قسمين رحمة وعذاب ثم إن كل قسم ينقسم إلى أربعة أقسام ولكل قسم اسم فأسماء أقسام الرحمة المبشرات والنشر والمرسلات والرخاء وأسماء أقسام العذاب العاصف والقاصف وهما في البحر والعقيم والصرصر وهما في البر وقد جاء القرآن بكل هذه الأسماء. وقد جعل الله تعالى بلطف قدرته الهواء عنصرًا لأبداننا وأرواحنا فيصل إلى أبداننا بالتنفس فينمي الروح الحيواني ويزيد في النفساني فما دام معتدلًا صافيًا لا يخالطه جوهر غريب فهو يحفظ الصحة ويقويها وينعش النفس ويحييها ومن خاصيته أن الله تعالى جعله واسطة بين الحواس ومحسوساتها فلا ترى العين شيئًا ما لم يكن بينه وبينها هواء وكذلك لا تسمع الأذن ولايصدق الذوق ولو أن الإنسان فقد الهواء ساعة لمات وقال كعب الأحبار لو أن الله حبس الهواء عن الناس لأنتن ما بين السماء والأرض ولقد أحسن بعض الشعراء حيث قال: إذا خلا الجو من هواء ... فعيشهم غُمَّة وبوس فهو حياة لكل حي ... كأن أنفاسه نفوس اهـ من الإرشاد

стр. 4258

أبواب الكسوف ٣٨٧ - (٥) - باب كيفية العمل في صلاة الكسوف وأن فيها ركوعين في كل ركعة (١٩٧٠) (٨٦٨) - (٨) وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ (وَاللَّفْظُ لَهُ) قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ــ (أبواب الكسوف) قال القاضي عياض: في هذه الأحاديث استعمال الكسوف والخسوف في كل من الشمس والقمر في قوله ﷺ لا يخسفان ولا يكسفان فإذا يقال: خسف القمر وانكسفت الشمس وقيل: لا يقال في الشمس إلا الخسف وهو في الأُم عن عروة ولا يصح لأن القرآن يرده قال الله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ وإنما عنه ما تقدم في الشمس ثم اختلف فقيل: هما بمعنى وقال الليث: الخسوف ذهاب الكل والكسوف ذهاب البعض وقال أبو عمر: الخسوف ذهاب لونها والكسوف تغيره اهـ. وقال القرطبي: الكسوف التغير إلى سواد ومنه كسف وجهه إذا تغير والخسوف النقصان قاله الأصمعي والخسف أيضًا الذل ومنه سامه خطة خسف أي ذل فكسوف الشمس والقمر وخسوفهما تغيرهما ونقصان ضوئهما فهما بمعنى واحد هذا هو المستعمل في القرآن وفي الأحاديث وقد قال بعض اللغويين: لا يقال في الشمس إلا كسفت وفي القمر إلا خسف وذَكَر هذا عن عروة وقال الليث، بن سعد: الخسوف في الكل والكسوف في البعض يعني في الشمس والقمر اهـ مفهم. ٣٨٧ - (٥) باب كيفية العمل في صلاة الكسوف وأن فيها ركوعين في كل ركعة (١٩٧٠) (٨٦٨) (٨) (وحدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (عن مالك بن أنس) الأصبحي المدني (عن هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي المدني (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني (عن عائشة) ﵂ (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (واللفظ) الآتي (له) أي لأبي بكر (قال: حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي (حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.

стр. 4259

قَالتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي. فَأَطَال الْقِيَامَ جِدًّا. ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَال الرُّكُوعَ جِدًّا. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَال الْقِيَامَ جِدًّا. وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ. ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَال الرُّكُوعَ جِدًّا. وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ. ثُمَّ سَجَدَ. ثُمَّ قَامَ فَأَطَال الْقِيَامَ. وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ. ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَال الرُّكُوعَ. وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ. فَأَطَال الْقِيَامَ. وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ. ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَال الرُّكُوعَ. وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ. ثُمَّ سَجَدَ. ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ. فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ ــ وهذان السندان من خماسياته الأول منهما رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد بلخي والثاني منهما رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان. (قالت) عائشة: (خسفت الشمس) أي تغيرت وزال عنها ضوءها (في عهد) أي في زمن حياة (رسول الله ﷺ يوم مات ابنه إبراهيم (فقام رسول الله ﷺ حالة كونه (يصلي) صلاة الكسوف (فأطال القيام) الأول (جدًّا) أي تطويلًا مبالغًا لطول القراءة فيه (ثم ركع فأطال الركوع) الأول تطويلًا (جدًّا) أي مبالغًا بالتسبيح وقدروه بمائة آية من البقرة (ثم رفع رأسه) من الركوع (فأطال القيام) الثاني تطويلًا (جدًّا) أي مبالغًا (وهو) أي والحال أن القيام الثاني (دون القيام الأول ثم ركع) الركوع الثاني (فأطال الركوع جدًّا وهو دون الركوع الأول ثم سجد) سجدتين (ثم قام) بعد السجدتين إلى الركعة الثانية (فأطال القيام) الأول من الركعة الثانية (وهو دون القيام الأول) أي الأخير من الركعة الأولى (ثم ركع) الركوع الأول من الركعة الثانية (فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول) أي الأخير من الركعة الأولى (ثم رفع رأسه) من هذا الركوع (فقام) القيام الثاني من الركعة الثانية (فأطال القيام وهو دون القيام الأول) من الركعة الثانية (ثم ركع) الركوع الثاني من الركعة الثانية (فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول) يعني من الركعة الثانية (ثم سجد) سجدتين ولم يذكر التطويل في السجود في الركعتين (ثم انصرف) أي فرغ (رسول الله ﷺ من صلاته وسلم (و) الحال أنه (قد تجلت الشمس) أي صفت وعاد نورها (فخطب الناس) أي وعظ الناس وذكرهم خطبتين كالجمعة (فحمد الله) بتنزيهه من النقائص (وأثنى عليه)

стр. 4260

ثُمَّ قَال: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ. وَإِنَّهُمَا لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ. فَإِذَا رَأَيتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا. وَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا. يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ ــ تعالى بوصفه بالكمالات يعني بدأ خطبته بحمد الله وثنائه (ثم قال) رسول الله ﷺ (إن الشمس والقمر) آيتان (من آيات الله) تعالى الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته أو على تخويف عباده من بأسه وسطوته (وإنهما لا ينخسفان لموت أحد) من الناس (ولا لحياته) وإنما يخوف الله سبحانه بكسوفهما عباده. (فإن قلت): أي فائدة في قوله ولا لحياته وقد كان توهم انكسافهما لموت عظيم من العظماء؟ (قلنا) دفع به توهم من كان يتوهم منهم أن الانكساف يقع لولادة شرير اهـ ابن الملك وقيل ذكره تتميمًا للأقسام وإلا فلم يدع أحد أن الكسوف لحياة أحد أو ذكر لدفع توهم من يقول لا يلزم من نفى كونه سببًا للفقد أن لا يكون سببًا للإيجاد فعمم الشارع النفي لدفع هذا التوهم اهـ من الإرشاد. وقد أخرج البخاري عن المغيرة بن شعبة بسنده قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات ابنه من مارية القبطية (إبراهيم) بالمدينة في السنة العاشرة من الهجرة وجزم النواوي بأنها كانت سنة الحديبية اهـ قسط. (فإذا رأيتموهما) أي إذا رأيتم انخسافهما أو إذا رأيتموهما منخسفين (فكبروا) الله عن شركة كل معبود سواه (وادعوا الله) سبحانه انكشاف ما نزل بكم (وصلوا) ركعتين في كل ركعة ركوعان كما مر آنفًا أو ركعتين كسنة الظهر (وتصدقوا) من أموالكم صدقة تطوع لأن الصدقة تدفع البلاء ثم قال رسول الله ﷺ (يا أمة محمد إن) نافية بمعنى ما (من) زائدة (أحد) مبتدأ سوغ الابتداء بالنكرة تقدم النفي عليه (أغير) خبر المبتدأ (من الله) متعلق بأغير وغيرة الله صفة ثابتة له نثبتها ونعتقدها ولا نمثلها ولا نكيفها أثرها المنع من المعاصي وكراهته لها (أن يزني عبده) متعلق بأغير بتقدير من الجارة للمصدر المؤول وحذف من قبل أن المصدرية قياس مطرد وأو في قوله (أو تزني أمته) للتنويع لا للشك والمعنى ما من أحد أمنع من المعاصي من الله ولا أحد أشد كراهة لزنا عبده أو زنا أمته من الله تعالى.

стр. 4261

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ, لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا. أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ". وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ" ــ قال الطيبي: ووجه اتصال هذا المعنى بما تقدم من قوله فكبروا وادعوا الله هو أنه ﷺ لما خوف أمته من الكسوفين وحرضهم على الفزع والالتجاء إلى الله تعالى بالتكبير والدعاء والصلاة والصدقة أراد أن يردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب حدوث البلاء وخص منها الزنا لأنه أعظمها والنفس إليه أميل وخص العبد والأمة بالذكر رعاية لحسن الأدب اهـ من الإرشاد. ثم كرر الندبة فقال (يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم) أي من عظمة الله تعالى وعظيم انتقامه من أهل الجرائم وشدة عقابه لهم وأهوال القيامة وما بعدها ما علمت وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره (لبكيتم) بكاء (كثيرًا ولضحكتم) ضحكًا (قليلًا) لتفكركم فيما علمتموه والقلة هنا بمعنى العدم كما في قوله (قليل التشكي) أي عديمه وقوله تعالى ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] أي غير منقطع ثم قال: (ألا هل بلغت) وألا حرف تنبيه والاستفهام تقريري (وفي رواية مالك) بن أنس: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله) بزيادة لفظة (آيتان) دون رواية عبد الله بن نمير فإن قيل: إن الخطاب في بكيتم وضحكتم إن كان للكافرين فليس لهم ما يوجب ضحكًا أصلًا وإن كان للمؤمنين فعاقبتهم الجنة مخلدين فيها وإن دخلوا النار فما يوجب البكاء بالنسبة إلى ما يوجب الضحك شيء يسير فينبغي أن يكون الأمر بالعكس قلنا: الخطاب للمؤمنين لكن خرج هذا الحديث في مقام ترجيح الخوف على الرجاء اهـ ابن الملك. قال القرطبي: ذهب الجمهور إلى أن صلاة كسوف الشمس ركعتان في كل ركعة ركوعان على ما في حديث عائشة ﵂ وما في معناه قال أبو عمر: وهذا أصح ما في هذا الباب وأما غيره من الروايات التي خالفته فمعلولة ضعيفة وأما الأحاديث الآتية بعد هذا التي تدل على أن في كل ركعة ثلاث ركوعات أو أربع ركوعات أو خمس ركوعات على ما في حديث أُبيّ فقد قال بكل حديث منها طائفة من الصحابة وغيرهم ومن أهل العلم من ذهب إلى أن ذلك الاختلاف إنما هو بحسب طول مدة الكسوف وقصرها وفي هذا نظر اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٦/ ١٦٨) والبخاري (١٠٤٦) وأبو داود (١١٩٠) والترمذي (٥٦١) والنسائي (٣/ ١٣٧) وابن ماجه (١٣٦٣).

стр. 4262

(١٩٧١) (٠) (٠) حَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: ثُمَّ قَال: "أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ" وَزَادَ أَيضًا: ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ فَقَال: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ". (١٩٧٢) (٠) (٠) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ. فَقَامَ وَكَبَّرَ ــ ثمَّ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: (١٩٧١) (٠) (٠) (حدثناه يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم التميمي الكوفي (عن هشام بن عروة بهذا الإسناد) يعني عن أبيه عن عائشة غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي معاوية لمالك بن أنس (و) لكن (زاد) أبو معاوية لفظة (ثمَّ قال) رسول الله ﷺ (أما بعد فإنَّ الشمس والقمر من آيات الله وزاد) أبو معاوية (أيضًا ثمَّ رفع) رسول الله ﷺ (يديه فقال اللهم هل بلغت). ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث عائشة ﵂ فقال: (١٩٧٢) (٠) (٠) (حدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (أخبرني) عبد الله (بن وهب) القرشي المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي (ح وحدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو المصري (ومحمد بن سلمة) بن عبد الله بن أبي فاطمة (المرادي) الجملي أبو الحارث المصري ثقة من (١١) (قالا: حدثنا) عبد الله (بن وهب) المصري (عن يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ غرضه بسوقه بيان متابعة ابن شهاب لهشام ابن عروة (قالت) عائشة: (خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ يوم مات ابنه إبراهيم بالمدينة سنة الحديبية كما جزم به النواوي. (فخرج رسول الله ﷺ من الحجرة إلى المسجد) لا إلى الصحراء لخوف الفوات بالانجلاء والمبادرة إلى الصلاة مشروعة (فقام وكبر) تكبيرة الإحرام

стр. 4263

وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ. فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةً طَويلَةً. ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَال: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" ثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَويلَةً. هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى. ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا. هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ. ثُمَّ قَال: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" ثُمَّ سَجَدَ (وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الطَّاهِرِ: ثُمَّ سَجَدَ) ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ــ (وصف الناس) بالرفع فاعل أي اصطفوا (وراءه) ﷺ وصف يتعدى ويلزم. قال العسقلاني: ويجوز النصب في الناس والفاعل محذوف فالمراد به النبي ﷺ أي جعلهم صفوفًا وراءه (فاقترأ) مبالغة في قرأ أي فقرأ (رسول الله ﷺ قراءة طويلة) في قيامه نحوًا من سورة البقرة بعد الفاتحة والتعوذ ولأبي داود قالت: فقام فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة (ثم كبَّر) للركوع (فركع ركوعًا طويلًا) مسبحًا فيه قدر مائة آية من البقرة (ثم رفع رأسه) من الركوع (فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم قام) من الركوع (فاقترأ قراءة طويلة) في قيامه (هي) أي تلك القراءة (أدنى) أي أقل (من القراءة الأولى) نحوًا من سورة آل عمران بعد قراءة الفاتحة والتعوذ ولأبي داود: قالت: فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة آل عمران (ثم كبر) للركوع الثاني (وركع ركوعًا طويلًا هو أدنى) وأقل (من الركوع الأول) مسبحًا فيه قدر ثمانين آية (ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم سجد) مسبحًا قدر مانة آية (ولم يذكر أبو الطاهر) في روايته لفظة (ثم سجد ثم فعل في الركعة الأخرى) أي الأخيرة (مثل ذلك) أي مثل ما فعل في الركعة الأولى لكن القراءة في أولهما كالنساء وفي ثانيهما كالمائدة وهذا نص الشافعي في البويطي قال السبكي: وقد ثبت بالأخبار تقدير القيام الأول بنحو البقرة وتطويله على الثاني والثالث ثم الثاني على الرابع وأما نقص الثالث عن الثاني أو زيادته عليه فلم يرد فيه شيء فيما أعلم فلأجله لا بعد في ذكر سورة النساء فيه وآل عمران في الثاني نعم إذا قلنا بزيادة ركوع ثالث فيكون أقصر من الثاني كما ورد في الخبر اهـ. والتسبيح في أولهما قدر سبعين وفي الرابع خمسين قال الأذرعي: وظاهر كلامهم استحباب هذه الإطالة وإن لم يرض بها المأمومون وقد يفرق بينها وبين المكتوبة بالندرة

стр. 4264

حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ. ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ. فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ. ثُمَّ قَال: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ــ أو يقال: لا يطيل بغير رضا المحصورين لعموم حديث: إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف وتحمل إطالته ﷺ على أنه علم رضا أصحابه أو أن ذلك مغتفر لبيان تعليم الأكمل بالفعل (حتى استكمل أربع ركعات) أي ركوعات في ركعتين يعني أن النبي ﷺ صلى ركعتين كل ركعة بركوعين وسمى الركوع الزائد ركوعًا باعتبار المعنى اللغوي وإن كانت الركعة الشرعية إنما هي الكاملة قيامًا وركوعًا وسجودًا اهـ قسط (و) سجد (أربع سجدات) في ركعتين كما هو المعتاد في كل صلاة وفائدة ذكره بيان أن الزيادة منحصرة في الركوع دون السجود وهذا قول الأئمة الثلاثة وأما الأحناف فيقولون تؤول رواية تلك الزيادة على رفع بعض القوم رؤوسهم من طول الركوع ثم عودهم إليه فعندهم صلاة الكسوف على الأصول المعهودة في الصلوات لما رواه أبو داود عن قبيصة بإسناد صحيح أنه ﷺ صلى ركعتين فأطال فيهما القيام ثم انصرف وانجلت الشمس فقال: إنما هذه الآيات يخوف الله بها عباده فإذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة قال ابن الهمام: وهي الصبح فإن الكسوف كان عند ارتفاع الشمس قيد رمحين والأخذ بهذا أولى لوجود الأمر به وهو مقدم على الفعل اهـ من بعض الهوامش. (وانجلت الشمس) بنون قبل الجيم أي صفت (قبل أن ينصرف) من صلاته (ثم قام) أي خطيبًا (فخطب الناس) أي وعظهم وذكرهم وهذا دليل لمن قال: من سنة صلاة الكسوف الخطبة وهم الشافعي وإسحاق والطبري وفقهاء أصحاب الحديث وخالفهم في ذلك أبو حنيفة ومالك وقالا: إن هذه الخطبة إنما كان مقصودها زجر الناس عما قالوا من أن الكسوف إنما كان لموت إبراهيم وليخبرهم بما شاهده في تلك الصلاة مما اطلع عليه من الجنة والنار اهـ من المفهم (فأثنى على الله) أي وصف الله (بما) أي بوصف (هو) أي ذلك الوصف (أهله) أي لائق بالله تعالى من سائر الكمالات (ثم قال) رسول الله ﷺ في خطبته: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله) أي دليلان على وجود الحق سبحانه وقهره وكمال الإلهية وقد خصهما بالذكر لما وقع للناس من أنهما ينخسفان لموت عظيم وهذا إنما صدر عمن لا علم عنده ممن ضعف عقله واختل فهمه فرد النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 4265

لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ. فَإِذَا رَأَيتُمُوهَا فَافْزَعُوا لِلصَّلاةِ". وَقَال أَيضًا: "فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللَّهُ عَنْكُمْ". وَقَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَأَيتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ ــ عليهم جهالتهم وضمن ذلك الرد على من قال بتأثيرات النجوم ثم أخبر بالمعنى الذي لأجله ينكسفان وهو أن الله تعالى يخوف بهما عباده لأن ذلك مذكر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها ولذلك قام ﷺ فزعًا يخشى أن تكون الساعة وكيف لا وقد قال الله ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٧, ٨] وخص هنا خسوفهما بالتخويف لأنهما أمران علويان نادران طارئان عظيمان والنادر العظيم مخوف موجع بخلاف ما يكثر وقوعه فإنه لايحصل منه ذلك غالبًا فلما وقع فيهما من الغلط الكثير للأمم التي كانت تعبدهما ولما وقع من الجهال من اعتقاد تأثيرهما اهـ من المفهم. (لا ينخسفان لموت أحد) من الناس كإبراهيم ابنه ﷺ (ولا لحياته) أي حياة أحد من الناس وولادته كولادة شرِّير ذكره تميمًا للمقابلة كما مر (فإذا رأيتموها) أي رأيتم الكسفة في أحدهما أو رأيتم تلك الآية وهي المدلول عليها بقوله آيتان وفي بعض النسخ (فإذا رأيتموهما) أي كسوف الشمس وخسوف القمر (فافزعوا) بفتح الزاي أي التجؤوا وتوجهوا (للصلاة) أي إلى الصلاة المعهودة الخاصة السابق فعلها منه ﷺ قبل الخطبة لأنها ساعة خوف وفي رواية البخاري (فافزعوا إلى الصلاة) فاللام هنا بعنى إلى (وقال) النبي ﷺ (أيضًا فصلوا حتى يفرج الله) بضم الياء وتشديد الراء المكسورة من فعل المضعف أي حتى يكشف الله سبحانه ويرفع (عنكم) ما نزل بكم من الكسوف قال القاضي يجب تطويل القراءة ما لم تنجل فإن أتم الصلاة بسنتها قبل أن تنجلي لم يلزمه إعادة الصلاة بسنتها وللناسي أن يصلي ركعتين أفذاذًا كسائر النوافل وإن انجلت وهو في الصلاة فقيل: يتمها بسنتها وقيل: بركعة واحدة كسائر النوافل اهـ أبي. واستنبط من قوله (فافزعوا) أن الجماعة ليست شرطًا في صحتها لأن فيه إشعارًا بالمبادرة إلى الصلاة والمسارعة إليها وانتظار الجماعة قد يؤدي إلى فواتها أو إخلاء بعض الوقت من الصلاة نعم يستحب لها الجماعة اهـ من الإرشاد. (وقال رسول الله ﷺ أيضًا: (رأيت في مقامي) أي في مكاني (هذا كل شيء وعدتم) في الآخرة أي أخبرتم به على سبيل الوعد أو الوعيد يعني الجنة والنار ثم يحتمل أن يكون رؤية عين برفع الحجب بينه وبينها كما كشف له عن المسجد

стр. 4266

حَتَّى لَقَدْ رَأَيتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيتُمُونِي جَعَلْتُ أُقَدِّمُ. (وَقَال الْمُرَادِيُّ: أَتَقَدَّمُ) وَلَقَدْ رَأَيتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا, حِينَ رَأَيتُمُونِي تَأَخَّرْتُ ــ الأقصى حين كان يصفه وقريش تسأله عنه اهـ. (حتى) والله (لقد رأيتني أريد) أي لقد رأيت نفسي مريدة (أن آخذ قطفًا) أي عنقودًا (من) عنب (الجنة) أي مريدة أخذ قطف من ثمار الجنة والقطف بكسر القاف وسكون الطاء هو ما يجتنى من الثمار والجمع قطوف قال تعالى ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ أي ثمارها قريبة يتناولها القائم والقاعد والمضطجع (حين رأيتموني جعلت) أي شرعت أن (أقدم) نفسي أو رجلي هو بضم الهمزة وفتح القاف وكسر الدال المشددة من التقديم بمعنى أتقدم هذا لفظ غير المرادى (وقال المرادي: أتقدم) من تفعَّل الخماسي (و) الله (لقد رأيت جهنم يحطم) من باب ضرب أي يكسر ويحرق (بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت) عن مقامي إلى جهتكم فيه التأخر عن مواضع العذاب والهلاك وفي المفهم: قوله (يحطم) أي يكسر بعضها ويسقط كما يفعل البحر والحطم الكسر يحتمل أن يريد بذلك أن بعضها يأكل بعضًا وبذلك سميت جهنم الحطمة والرجل الحطمة وهو الأكول اهـ منه. وقوله (وقد رأيت في منامي هذا) الخ هذه الرؤية رؤية عيان حقيقية لا رؤية علم بدليل أنه رأى في الجنة والنار أقوامًا بأعيانهم ونعيمًا وقطفًا من عنب وتناوله وغير ذلك ولا إحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها لا سيما على مذهب أهل السنة في أن الجنة والنار قد خلقتا. ووجدنا كما دل عليه الكتاب والسنة وذلك أنه راجع إلى أن الله تعالى خلق لنبيه ﷺ إدراكًا خاصًّا به أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما كما قد خلق له إدراكًا لبيت المقدس فطفق يخبرهم آياته وهو ينظر إليه ويجوز أن يقال: إن الله تعالى مثل له الجنة والنار وصورهما له في عرض الحائط كما تتمثل صور المرئيات في المرآة ويعتضد بما رواه البخاري من حديث أنس في غير حديث الكسوف قال ﷺ : (لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار متمثلتين في قبلة هذا الجدار) رواه البخاري (٧٤٩) وفي لفظ آخر: (عرضت علي الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي) رواه البخاري أيضًا (٥٤٠) وقال في مسلم: (إني صورت لي الجنة والنار فرأيتهما دون هذا الحائط) رواه مسلم (٢٣٥٩) من حديث أنس ولا يستبعد هذا حيث إن الانطباع في المرآة إنما هو في الأجسام الصقيلة لأنا نقول: إن ذلك شرط عادي لا عقلي ويجوز أن نخرق العادة وخصوصًا في مدة النبوة ولو سلم أن تلك الشروط عقلية فيجوز أن تكون تلك الأمور

стр. 4267

وَرَأَيتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ" ــ موجودة في جسم الحائط ولا يدرك ذلك إلا النبي ﷺ وقوله (أن آخذ قطفًا من الجنة) وقطف الثمرة ما يقطف منها أي يقطع ويجني وهو هنا عنقود من العنب كما قد جاء مفسرًا في الرواية الأخرى اهـ من المفهم. (ورأيت فيها) أي في النار عمرو (بن لحي) بضم اللام وفتح الحاء بن قمعة بفتحات بن إلياس الخزاعي ولحي لقب أبيه واسمه مالك وهو الذي كناه في الحديث الآخر بأبي ثمامة وقد جاء في رواية أخرى: عمرو بن عامر الخزاعي وفيه دليل على أن بعض الناس معذب في نفس جهنم اليوم عافانا الله منها وجميع المسلمين والله أعلم. وكان عمرو هذا أول من غيَّر دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي فيما ذكر ابن إسحاق وهو الذي عنى الله تعالى بقوله ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] (وهو) أي عمرو بن لحي (الذي سيب السوائب) أي أرسلها وأعتقها وخلّاها تذهب حيث شاءت والسوائب جمع سائبة: الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر سيبت فلم يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف فما نتجت بعد ذلك من أنثى شقت أذنها ثم خُلِّي سبيلها مع أمها على حكمها وهي البحيرة بنت السائبة وسميت بذلك لأنها بحرت أذنها أي شقت شقًا واسعًا وهذا قول ابن إسحاق وقال غيره: السائبة هي التي ينذرها الرجل أي إن برأ من مرضه أو أصاب أمرًا يطلبه فإذا كان ذلك أسابها فسابت لا ينتفع بها. قال ابن إسحاق: والوصيلة الشاة إذا أتأمت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر قالوا: وصلت فكانت ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث إلا أن يموت شيء منها فيشترك فيه ذكورهم وإناثهم وقال كثير من أهل اللغة: إن الشاة كانت إذا ولدت أنثى فهي لهم وإذا ولدت ذكرًا ذبحوه لآلهتهم وإذا ولدت ذكرًا وأنثى لم يذبحوا الذكر وقالوا: وصلت أخاها فيسيبون أخاها ولا ينتفعون به. والحامي الفحل إذا ركب ولد ولده وقيل: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن قالوا حمي ظهره فلا يركب ولا ينتفع به ولا يمنع من ماء ولا كلإ اهـ من المفهم.

стр. 4268

وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: "فَافْزَعُوا لِلصَّلاةِ". وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ. (١٩٧٣) (٠) (٠) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. قَال: قَال الأَوْزَاعِيُّ أَبُو عَمْرٍو وَغَيرُهُ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ يُخْبِرُ, عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَبَعَثَ مُنَادِيًا "الصَّلاةَ جَامِعَةً" ــ (وانتهى حديث أبي طاهر) وروايته (عند قوله: فافزعوا للصلاة ولم يذكر) أبو الطاهر (ما بعده) أي ما بعد قوله: فافزعوا ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: (١٩٧٣) (٠) (٠) (وحدثنا محمد بن مهران) بكسر أوله وسكون ثانيه الجمّال بالجيم أبو جعفر (الرازي) ثقة من (١٠) (حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي الأموي مولاهم الدمشقي ثقة من (٨) (قال) الوليد: (قال) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي أبو عمرو) الشامي ثقة من (٧) (وغيره) أي وغير الأوزاعي معطوف على الأوزاعي أي قال كل منهما: (سمعت) محمد بن مسلم (بن شهاب الزهري) المدني (يخبر عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها وهذا السند من سداسياته غرضه بسوقه بيان متابعة الأوزاعي ليونس بن يزيد في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب وفائدتها تقوية السند الأول (أن الشمس خسفت) أي تغيرت من البياض إلى السواد (على عهد رسول الله ﷺ أي في زمن حياته قال القسطلاني: الأصح أن الخسوف والكسوف المضافين إلى الشمس والقمر بمعنى واحد يقال: كسفت الشمس والقمر وخسفا بفتح الكاف والخاء مبنيًّا للفاعل وخُسفا بضمهما مبنيًّا للمفعول وانكسفا وانخسفا بصيغة انفعل ومعنى المادتين واحد أو يختص ما بالكاف بالشمس وما بالخاء بالقمر وهو المشهور على ألسنة الفقهاء اهـ والمراد استتارهما بعارض مخصوص والله أعلم. (فبعث) رسول الله ﷺ أي أمر (مناديًا) بأن ينادي (الصلاة) أي هذه الصلاة (جامعة) تجمع الناس في المسجد برفعهما على الابتداء والخبر وبنصبهما الأول على الإغراء والثاني على الحال أي احضروا الصلاة حالة كونها جامعة ويجوز رفع الأول ونصب الثاني وبالعكس كما بسطنا الكلام عليه في نزهة الألباب. وفي بعض النسخ (بالصلاة جامعة) فيكون الإغراب على حاله فإن حروف الجر لا

стр. 4269

فَاجْتَمَعُوا. وَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ. وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَينِ. وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. (١٩٧٤) (٠) (٠) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يُخْبِرُ, عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ فِي صَلاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ. فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَينِ. وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ــ يظهر عملها في باب الحكاية اهـ أي فأمر مناديًا ينادي بالصلاة جامعة فنادى (فاجتمعوا) أي فاجتمع الناس لصلاة الكسوف (وتقدم) النبي ﷺ (فكبر) تكبيرة الإحرام (وصلى) بهم (أربع ركعات) أي أربع ركوعات (في ركعتين و) سجد (أربع سجدات) في ركعتين أيضًا يعني في كل ركعة ركوعان وسجودان فصار جملة ما في الركعتين أربع ركوعات وأربع سجودات والله تعالى أعلم. قال النواوي: وفي الحديث دليل للشافعي ومن وافقه على أنه يستحب أن ينادى لصلاة الكسوف الصلاة جامعة وأجمعوا على أنه لا يؤذن لها ولا يقام ثم ذكر المؤلف المتابعة رابعًا في حديث عائشة فقال: (١٩٧٤) (٠) (٠) (وحدثنا محمد بن مهران) الرازي أبو جعفر الجمّال (حدثنا الوليد بن مسلم) الدمشقي ثقة من (٨) (أخبرنا عبد الرحمن بن نمر) بفتح النون وكسر الميم اليحصبي أبو عمرو الدمشقي روى عن الزهري في (خ م) فرد حديث ومكحول ويروي عنه (خ م د س) والوليد بن مسلم فقط وثقوه في الزهري وقال أبو داود ليس به بأس وقال ابن معين ضعيف وذكره ابن حبان في الثقات وقال من ثقات أهل الشام ومتقنيهم وقال أبو أحمد الحاكم مستقيم الحديث وقال ابن البرقي: ثقة وقال في التقريب: ثقة لم يرو عنه غير الوليد من الثامنة (أنه سمع ابن شهاب يخبر عن عروة عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته غرضه بسوقه بيان متابعة عبد الرحمن بن نمر لعبد الرحمن الأوزاعي في رواية الحديث عن ابن شهاب. (أن النبي ﷺ جهر) أي رفع الصوت (في صلاة الخسوف بقراءته فصلّى) بهم (أربع ركعات) أي ركوعات (في ركعتين وأربع سجدات) في ركعتين كما هو العادة في الصلاة قال القرطبي: أخذ بظاهر هذا الحديث جماعة من السلف ومحمد بن الحسن وأبو يوسف وأحمد وإسحاق وفقهاء الحديث ورواه معن والواقدي عن مالك

стр. 4270

(١٩٧٥) (٨٦٩) - (٩) قَال الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَني كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ، ــ فقالوا يجهر بها في صلاة كسوف الشمس ومشهور قول مالك الإسرار فيها وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والليث وسائر أصحاب الرأي متمسكين بقول ابن عباس أنه ﷺ قرأ فيها نحو سورة البقرة قالوا: ولو جهر لعلم ما قرأ وبما خرجه النسائي من حديث سمرة بن جندب ووصف صلاة النبي ﷺ في الكسوف قال صلى فقام كأطول قيام قام بنا في الصلاة قط ما سمع له صوتًا وذكر الحديث وتأولوا الحديث الأول على أنه كان في خسوف القمر بالليل وخيَّر الطبري بين الجهر والإسرار عملًا بالحديثين اهـ من المفهم. وفي بعض الهوامش: (قوله جهر في صلاة الخسوف) لعل المراد خسوف القمر كما هو المتبادر فإنه يكون بالليل وصلاة الليل جهرية فيكون المراد من المثلية الآتية في قوله (إن ابن عباس كان يحدث عن صلاة الرسول ﷺ يوم كسفت الشمس بمثل ما حدث عروة عن عائشة) المثلية في الكمية دون كيفية القراءة لكن قال فقهاؤنا: إن القمر خسف مرارًا في زمن النبي ﷺ ولم ينقل أنه ﷺ جمع الناس له دفعًا للفتنة اهـ. ويؤيد إسرار القراءة في صلاة الكسوف رواية تخمينها بقدر سورة البقرة على ما يأتي ذكرها في حديث ابن عباس إذا كانت القراءة جهرًا لما احتيج إلى الحزر والتقدير وفي مشكاة المصابيح عن سمرة بن جندب قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في كسوفٍ لانسمع له صوتًا رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وروي مثله عن ابن عباس كما في المرقاة اهـ. ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث ابن عباس بطريق العطف على السند الأول فقال: (١٩٧٥) (٨٦٩) (٩) (قال الزهري) بطريق العطف على سنده في حديث عائشة (وأخبرني كثير بن عباس) وتقدير الكلام: وحدثنا محمد بن مهران حدثنا الوليد بن مسلم أخبرنا عبد الرحمن بن نمر أنه قال (قال) لنا (الزهري) أخبرني عروة عن عائشة (وأخبرني) أيضًا (كثير بن عباس) بن عبد المطلب الهاشمي أبو تمام بالتخفيف المدني روى عن أخيه عبد الله بن عباس في الصلاة وأبيه العباس في الجهاد ويروي عنه (خ م د س) والزهري وجماعة له في (خ) فرد حديث وكان صالحًا عابدًا فقيهًا سيدًا وقال في التقريب: صحابي صغير مات بالمدينة أيام عبد الملك وقال ابن حبان في الثقات: كان

стр. 4271

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ فِي رَكْعَتَينِ. (١٩٧٦) (٠) (٠) وَحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَال: كَانَ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ. بِمِثْلِ مَا حَدَّثَ عُرْوَةُ, عَنْ عَائِشَةَ ــ رجلًا صالحًا فاضلًا فقيهًا وقال ابن سعد: كان رجلًا صالحًا فقيهًا ثقة قليل الحديث (عن ابن عباس) ﵄ (عن النبي ﷺ أنه صلى أربع ركعات وأربع سجدات في ركعتين) وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في صلاة الكسوف وأبو داود في الصلاة والنسائي اهـ من تحفة الأشراف. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث ابن عباس ﵄ فقال: (١٩٧٦) (٠) (٠) (وحدثنا حاجب بن الوليد) بن ميمون الشامي أبو محمد الأعور صدوق من (١٠) روى عنه (م) فقط (حدثنا محمد بن حرب) الخولاني أبو عبد الله الحمصي الأبرش ثقة من (٩) (عن محمد بن الوليد) بن عامر (الزبيدي) مصغرًا أبي الهذيل الحمصي ثقة من (٧) (عن الزهري قال: كان كثير بن عباس يحدث أن ابن عباس كان يحدث عن رسول الله ﷺ يوم كسفت الشمس) وساق كثير (بمثل ما حدث عروة عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وقد سبق آنفًا بيان معنى المماثلة بين الحديثين وقد تقدم لك مرارًا أن ذكر المتابعة في الشواهد نادر. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم شاميون واثنان مدنيان وواحد طائفي وغرضه بسوقه بيان متابعة الزبيدي لعبد الرحمن بن نمر في رواية هذا الحديث أعني حديث ابن عباس عن الزهري. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان: الأول حديث عائشة ﵂ ذكره للاستدلال به على الترجمة وذكر فيه أربع متابعات. والثاني حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعةً واحدةً والله أعلم.

стр. 4272

٣٨٨ - (٦) باب ما جاء أن في كل ركعة ثلاث ركعات (١٩٧٧) (٨٧٠) - (١٠) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. قَال: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَيدَ بْنَ عُمَيرٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدِّقُ (حَسِبْتُهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ) أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَامَ قِيَامًا شَدِيدًا. يَقُومُ قَائِمًا ثُمَّ يَرْكَعُ. ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ. ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ. رَكْعَتَينِ فِي ثَلاثِ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. فَانْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ. وَكَانَ ــ ٣٨٨ - (٦) باب ما جاء أن في كل ركعة ثلاث ركعات أي ثلاث ركوعات (١٩٧٧) (٨٧٠) (١٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا محمد بن بكر) الأزدي البرساني أبو عثمان البصري صدوق من (٩) (أخبرنا ابن جريج) المكي الأموي (قال) ابن جريج (سمعت عطاء) بن أبي رباح اليماني المكي ثقة من (٣) (يقول: سمعت عبيد بن عمير) بن قتادة الليثي أبا عاصم المكي القاصَّ ثقة مخضرم من (٣) (يقول: حدثني من أصدّق) وأثق حديثه كما هو مصرح في بعض النسح قال عطاء (حسبته) أي أظن عبيد بن عمير (يريد) ويقصد بمن أصدقه (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وكلاهما لقيا عائشة وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مكيون وواحد مدني وواحد بصري وواحد مروزي وفيه التحديث والإخبار والسماع والقول ورواية تابعي عن تابعي (أن الشمس انكسفت) أي تغير بياضها وانمحى ضوءها (على عهد رسول الله ﷺ فقام قيامًا شديدًا) أي طويلًا نحو البقرة حالة كونه (يقوم قائمًا) أي يقوم القيام الأول مستويًا معتدلًا لا منحنيًا ولا مائلًا (ثم يركع) الركوع الأول (ثم يقوم) القيام الثاني (ثم يركع) الركوع الثاني (ثم يقوم) القيام الثالث (ثم يركع) الركوع الثالث يصلي (ركعتين في) كل ركعة (ثلاث ركعات) أي ركوعات إطلاقًا للكل وإرادة للجزء تعني في كل ركعة ركع ثلاث مرات فيكون مجموع ركوع الركعتين ستًّا كما سيصرح به (و) يصلي ركعتين في (أربع سجدات) فيكون مجموع سجود الركعتين أربع سجدات كما هو عادة كل صلاة فلا زيادة في السجود (فانصرف) رسول الله ﷺ أي فرغ من الصلاة (وقد تجلت الشمس) أي تنورت (وكان) صلى الله عليه

стр. 4273

إِذَا رَكَعَ قَال: "اللَّهُ أَكْبَرُ" ثُمَّ يَرْكَعُ. وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَال: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ. ثُمَّ قَال: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَكْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ. وَلَكِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ. فَإِذَا رَأَيتُمْ كُسُوفًا, فَاذْكُرُوا اللَّهَ حَتَّى يَنْجَلِيَا" ــ وسلم (إذا ركع) أي إذا أراد الهُوي إلى الركوع (قال: الله أكبر ثم يركع) أي يهوي إلى الركوع (وإذا رفع رأسه) من الركوع أي أراد أن يرفع رأسه (قال: سمع الله لمن حمده) وقوله (فقام) معطوف على قوله فانصرف أي قام خطيبًا. (فحمد الله وأثنى عليه) من ذكر العام بعد الخاص كما في الإرشاد (ثم قال) رسول الله ﷺ : (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد) من الناس (ولا) يكسفان (لحياته) أي ولادته (ولكنهما) أي لكن كسوفهما آيتان (من آيات الله) تعالى الدالة على وجوده وألوهيته (يخوف الله) (بهما) أي بكسوفهما (عباده) من عقوبته وشدة بأسه إن لم يتوبوا عما هم عليه من المعاصي والمظالم (فإذا رأيتم) بهما (كسوفًا) أي تغيرهما وانمحاق نورهما (فاذكروا الله) بالصلاة والدعاء والاستغفار (حتى ينجليا) أي حتى ينكشف عنهما كسوفهما ويعود إليهما نورهما وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى ثم ذكر المتابعة فيه فقال: ***

стр. 4274

٣٨٩ - (٧) باب: ذكر عذاب القبر في صلاة الخسوف (١٩٧٨) (٠) (٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُبَيدِ بْنِ عُمَيرٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ــ ٣٨٩ - (٧) باب: ذكر عذاب القبر في صلاة الخسوف (١٩٧٨) (٠) (٠) (وحدثنا أبو غسان) مالك بن عبد الواحد (المسمعي) نسبة إلى أجداده البصري ثقة من (١٠) (ومحمد بن المثنى) العنزي البصري (قالا: حدثنا معاذ وهو ابن هشام) الدستوائي البصري صدوق من (٩) (حدثني أبي) هشام بن أبي عبد الله سنبر الدستوائي أبو بكر البصري ثقة من (٧) (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري ثقة من (٤) (عن عطاء بن أبي رباح) المكي ثقة من (٣) (عن عبيد بن عمير) بالتصغير فيهما المكي (عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم بصريون واثنان مكيان وواحد مدني غرضه بسوقه بيان متابعة قتادة لابن جريج في رواية هذا الحديث عن عطاء بن أبي رباح. (أن نبي الله ﷺ صلى ست ركعات وأربع سجدات) في ركعتين تعني صلى ست ركعات وأربع سجدات في ركعتين لم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث عائشة وذكر فيه متابعة واحدة.

стр. 4275

٣٨٩ - (٧) باب التعوذ من عذاب القبر في صلاة الخسوف (١٩٧٩) (٨٧١) - (١٠) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ. حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ) عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ؛ أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ عَائِشَةَ تَسْأَلُهَا. فَقَالتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. قَالتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يُعَذَّبُ النَّاسُ فِي الْقُبُورِ؟ قَالتْ عَمْرَةُ: فَقَالتْ عَائِشَةُ: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَائِذًا بِاللَّهِ" ــ ٣٨٩ - (٧) باب التعوذ من عذاب القبر في صلاة الخسوف (١٩٧٩) (٨٧١) (١٠) (وحدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي) أبو عبد الرحمن البصري المدني ثقة من (٩) (حدثنا سليمان يعني ابن بلال) التيمي مولاهم أبو محمد المدني ثقة من (٨) (عن يحيى) بن سعيد بن قيس الأنصاري أبي سعيد المدني ثقة من (٥) (عن عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعيد بن زرارة الأنصارية المدنية ثقة من (٣) (أن يهودية) أي امرأة من اليهود قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها (أتت عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أي جاءتها في بيته حالة كون اليهودية (تسألها) أي تسأل عائشة العطاء وتطلب منها الصدقة. وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون إلا القعنبي فإنه بصري مدني فلما أعطتها السيدة عائشة ما سألته دعت لها. (فقالت) اليهودية في دعائها لها (أعاذك الله) سبحانه أي أجارك وأمَّنك وسلَّمك (من عذاب القبر قالت عائشة) فلما جاء رسول الله ﷺ (قلت) له: (يا رسول الله) أ (يعذب الناس في القبور) بتقدير همزة الاستفهام الاستخباري قالته مستفهمة منه ﷺ عن قول اليهودية ذلك لكونها لم تعلمه بعد ولفظ البخاري: أيعذب الناس في قبورهم (قالت عمرة: فقالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : عائذًا بالله) على وزن فاعل وهو من الصفات القائمة مقام المصدر وناصبه محذوف أي أعوذ عياذًا به كقولهم: عُوفي عافية أو منصوب على الحال المؤكدة النائبة مناب المصدر والعامل فيه محذوف أي أعوذ حال كوني عائذًا بالله من ذلك أي من عذاب القبر وروى بالرفع أي عائذٌ ومناسبة التعوذ من عذاب القبر عند الكسوف أن ظلمة النهار بالكسوف تشابه ظلمة القبر وإن كان نهارًا والشيء بالشيء يذكر فيخاف من هذا كما يخاف من هذا فيحصل الاتعاظ بهذا في التمسك بما ينجي من غائلة الآخرة قاله ابن
следующие страницы →