← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وَعَبْدَ الأَعْلَى، ــ أحدًا أشد تعجيلًا للظهر من رسول الله ﷺ . وقال عبيد الله بن موسى: عن فطر، عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم، عن علقمة، عن علي: "أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين". وروي عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن حكيم بن جبير، عن يعقوب بن سفيان، عن عبد العزيز بن مروان، عن أبي هريرة، عن سلمان قلت: يا رسول الله؛ أن الله لم يبعث نبيًّا إلا بين له من يلي بعده، فهل بين لك ذلك؟ قال: "نعم، علي" هذا حديث موضوع باطل، ثم كيف يروي هذا مثل عبد العزيز بن مروان وفيه انحراف عن علي ﵁. رواه ابن الجوزي في "الموضوعات" من طريق العقيلي عن أحمد بن الحسين عن ابن حميد وليس بثقة. اهـ "ميزان" (١/ ٥٨٣ - ٥٨٤). وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود، نسأل الله السلامة، غال في التشيُّعِ، وقال ابنُ مهدي: انما روى أحاديث يسيرة وفيها منكرات، وقال الساجي: غيرُ ثبْتٍ في الحديث فيه ضعف، وروى عنه الحسن بن صالح حديثًا منكرًا، وقال الآجري عن أبي داود: ليس بشيء. وسمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ (و) قد ضَعَّف (عبدَ الأعلى) يقول: فلانٌ ضعيفٌ، وهو عبد الأعلى بن عامر الثعلبيُّ الكوفيُّ. روى عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي ومحمد بن الحنفية وعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جُبَير ويلال بن أبي موسى الفزاري وأبي جميلة الطهوي وغيرهم، ويروي عنه (عم) وابنه علي وابن جُرَيج ومحمد بن جحادة وإسرائيل بن يونس وإبراهيم بن طَهْمان والثوري وشعبة وورقاء وأبو عَوَانة وأبو الأحوص وشريك وغيرهم. قال عبيد الله بن أبي الأسود عن يحيى بن سعيد: سألتُ الثَّوْرِيَّ عن أحاديثه عن ابن الحنفية فضَعَّفَها، وقال أحمد عن ابن مهدي: كُلُّ شيءٍ روى عبد الأعلى عن ابن الحنفية إنما هو كتابٌ أَخَذَه ولم يسمعه، وقال عمرو بن علي: كان عبد الرحمن لا يحدث، قال: وكان يحيى يحدثنا عنه، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ضعيف

стр. 457

وَضَعَّفَ يَحْيَى بْنَ مُوسَى بْنِ دِينَارٍ، قَال: حَدِيثُهُ رِيحٌ، ــ الحديث، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث ربما رَفَعَ الحديثَ وربما وقَفَه، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يقال: إنه رفع إليه صحيفةً لرجل يقال له عامرُ بن هَنِيٍّ كان يروي عن ابن الحنفية، وقال ابن عدي: يحدث بأشياء لا يُتابع عليها، وقال الساجي: صدوق يَهِم، وقال يحيى بن سعيد: تَعْرِفُ وتُنْكِر، قال أبو علي الكَرابيسي: كان مِنْ أَوْهَى الناس، وقال العقيلي: تركه ابن مهدي والقطان، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث، وصحح الطبري حديثه في الكسوف، وحسن له الترمذي، وصَحَّحَ له الحاكم وهو مِنْ تَسَاهُلِه، وقال أحمد: روايته عن ابن الحنفيةِ شبْه الريح، كأنه لم يصححها، وضعفها أيضًا سفيان الثوري. قيل: مات سنة تسع وعشرين ومائة. وقوله: (وضعَّفَ يحيى بن موسى بن دينار) قال النووي: هكذا وقع في الأصول كلها بإثبات لفظة (ابن) بين يحيى وموسى، وهو غلط بلا شك، والصواب حَذْفهَا، كذا قاله الحفاظ منهم أبو علي الغساني الجياني وجماعات آخرون، والغلط فيه من رواة "كتاب مسلم" لا من مسلم. ويحيى هو ابن سعيد القطان المذكور أولًا، فضَعَّفَ يحيى بن سعيد القطان حكيمَ بن جبير وعبدَ الأعلى بن عامر وموسى بن دينار وموسى بن دهقان وعيسى، وكُلُّ هؤلاء متفق على ضعفهم، وأقوالُ الأئمة في تضعيفهم مشهورة. وصوابُ العبارة هنا: (وضَعّف يحيى بن سعيد القطانُ موسى بن دينار) وهو موسى بن دينار المكي، روى عن سعيد بن جبير وجماعة، قال البخاري: ضعيف، وكان حفص بن غياث يكذبه، وقال علي: سمعتُ يحيى القطان يقول: دخلْتُ على موسى بن دينار أنا وحفص فجعلْتُ لا أريده على شيء إلَّا لقيته، وقال أبو حاتم: مجهول، وضعفه الدارقطني. اهـ من "الميزان". (قال) يحيى بن سعيد: (حديثه) أي: حديث موسى بن دينار، وهو مبتدأ خبره (ريح) أي: مثل ريح هابَّة تَمُرُّ على الشيء ولا أثر لها من قدامها ولا من ورائها ولا في نفسها، وفي الكلام تشبيه بليغ؛ أي: لا أصل ولا سند لحديثه.

стр. 458

وَضَعَّفَ مُوسَى بْنَ دِهْقَانَ وَعِيسَى بْنَ أَبِي عِيسَى الْمَدَنِيَّ، ــ (وضعف) يحيى بن سعيد أيضًا (موسى بن دهقان) بكسر الدال البصريَّ، مدني الأصل. روى عن أبي سعيد الخدري وابن عمر وأبان بن عثمان بن عفان والربيع بن أَبِي كعب - وقيل: الربيع بن كعب بن عجرة - ويروي عنه وكيع وأبو معشر البَراء وعثمان بن عمر بن فارس وغيرهم. قال علي بن المديني: سمعت يحيى القطان وذكر موسى بن دهقان فقال: أَفْسَدُوه، وأخَّره. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: شيخٌ ليس بالقوي، وقال الآجري: قيل لأبي داود: كان موسى بن دهقان ساحرًا؟ قال: كان عرافًا، وقال النسائي والدارقطني: ضعيف، وقال ابن عدي: ليس له كثير حديث، وقال العقيلي: قال ابن معين: ضعيف الحديث. وذكره ابن البرقي في (باب من كان الغالب عليه الضعف في حديثه وترك بعض أهل العلم حديثه) فرأيت بخط الذهبي: عاش إلى أيام الأوزاعي، ورأيته في "تاريخ البخاري": موسى بن دهقان يقولون: تغير بأَخَرة، وذكره ابن حبان في "الثقات". (و) ضعف يحيى بن سعيد القطان أيضًا (عيسى بنَ أبي عيسى المدني) قال النووي: (فهو عيسى بن ميسرة أبو موسى - ويقال: أبو محمد - الغفاري المدني، أصله كوفي، يقال له: الخياط والحناط والخباط، الأول إلى الخياطة، والثاني إلى الحنطة، والثالث إلى الخبط، قال يحمى بن معين: كان خياطا، ثم ترك ذلك وصار حناطًا، ثم ترك ذلك وصار يبيع الخبط) اهـ فهو عمل المعايش الثلاثة، قال ابن سعد: وكان يقول: أنا خياط وحناط وخباط، كلًّا قد عالجت، وكان قدم المدينة للتجارة فَلَقِيَ الشَّعْبِيَّ، مات سنة إحدى وخمسين ومائة في خلافة أبي جعفر. روى عن أنس والشعبي وأبي الزناد ونافع مولى ابن عمر وهشام بن عروة وعَمْرو بن شعيب وغيرهم، ويروي عنه (ق) ومروان بن معاوية ووكيع وابن أبي فديك

стр. 459

قَال: وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عِيسَى ــ وأبو خالد الأحمر وصفوان بن عيسى وعمر بن هارون البلخي وعبيد الله بن موسى وغيرهم، ضعفه أحمد وغيره، وقال الفلاس والنسائي: متروك، وقال أحمد: لا يساوي شيئًا، وقال ابن عدي: روى أحاديث لا يتابع عليها متنًا ولا سندًا، وقال عمرو بن علي: متروك الحديث ضعيف جدًّا، وقال النسائي في "التمييز": ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال حماد بن يونس: لو شئت أن يحدثني عيسى بكل ما يصنع أهل المدينة .. حدثني به، وقال ابن حبان: كان سيء الحفظ والفهم فاستحق الترك. وضعفه أيضًا العجلي والساجي والعقيلي ويعقوب بن شَيبَةَ وآخرون. وبالجملة اتفقوا على ضعفهِ وتركهِ وعدم الاحتجاج به. وقال يعقوب بن حميد: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن عيسى بن أبي عيسى، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قلت: يا رسول الله؛ من أسرع الناس فناءً؟ قال: "قومك، قال: يتبعون أفنادًا - جماعات - يضل بعضهم بعضًا". وقال ابن أبي فديك: أخبرني عيسى بن أبي عيسى، عن أبي الزناد، عن أنس مرفوعًا: "الحسد يأكل الحسنات" فذكره مروان بن معاوية. حدثني عيسى بن أبي عيسى - أظنه عن موسى بن أنس - مرفوعًا: "سيدُ إدامكم الملحُ". وقال صفوان بن عيسى: حدثنا عيسى الحناط، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال لجبريل: "هل أَصَبْنا نُسُكَنا؟ " فقال: لقد استبشر أهلُ السماء بنسككم. (قال) الإمامُ مسلمٌ رحمه الله تعالى على سبيلِ التجريدِ البَدِيعيّ: (وسَمِعْتُ الحَسَنَ بنَ عيسى) والواوُ فيه عاطفةٌ على محذوفٍ تقديرُه: سمعتُ غيرَ الحسنِ وسمعتُ الحسنَ بنَ عيسى بن ماسرْجس -بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها- أبا علي النيسابوريّ مولى ابن المبارك، أَسْلَم على يديه.

стр. 460

يَقُولُ: قَال لِي ابْنُ الْمُبَارَكِ: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى جَرِيرٍ .. فَاكْتُبْ عِلْمَهُ كُلَّهُ إلا حَدِيثَ ثَلَاثَةٍ: لَا تَكْتُبْ حَدِيثَ عُبَيدَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ، وَالسَّرِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ ــ روى عن مولاه وأبي الأحوص وجرير بن عبد الحميد، ويروي عنه (م د) وأحمدُ بن حنبل والبغوي وابنُ صاعد وخَلْقٌ. وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة، مات سنة أربعين ومائتين منصرِفًا من الحج. حالةَ كون الحسنِ (يقول: قال لي) عبدُ الله (بن المباركِ) بن واضح الحنظليُّ أبو عبد الرحمن المروزي، ثقة ثَبْت، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومائة: (إذا قَدِمْتَ) الكوفةَ (على جَرِيرِ) بن عبد الحميد ( .. فاكْتُبْ) يا حَسَنُ (عِلْمَه) أي: عِلْمَ جريرٍ وحديثَه (كُلَّه) أي: كُلَّ عِلْمِه وجميعَ حديثِه (إلَّا حديثَ ثلاثةٍ) أي: إلَّا حديثًا رواه جرير عن واحد من الثلاثة المذكورين فيما بَعْدُ. وجملةُ قولِه: (لا يَكْتُبْ حديثَ.) إلخ بيانٌ لمعنى الاستثناء المذكور قبله وتَفْصِيلٌ له؛ أي: لا تَكْتُبْ عنه حديثًا رواه جريرٌ عن (عُبَيدَةَ) بضم العين فقط، قال النوويُّ: (هذا هو الصحيحُ المشهورُ في كتب المؤتلف والمختلف وغيرهما، وحكى صاحبُ "المطالع" عن بعضِ رُواة البُخاري: أن ضَبْطه بضَمِّ العين وفَتْحِها). (بنِ مُعتِّبٍ) بضم الميم وفتح المهملة وكسر المثناة فوق المشددة، بعدها موحدة، وعُبيدة هذا ضَبِّيٌّ كوفي، كنيتُه: أبو عبد الكريم. (و) لا حديثًا رواه عن (السَّرِيِّ بنِ إسماعيلَ) هَمْدانِيّ - بإسكان الميم - كوفي. (و) لا حديثًا رواه عن (مُحَمَّدِ بنِ سالمٍ) هَمْداني كوفي أيضًا، فاستوى الثلاثةُ في كونهم كوفيِّينَ متروكين، فهؤلاء الثلاثة مشهورون بالضَّعْفِ والتَّرْكِ عندهم (١). أمَّا عُبيدةُ .. فترجمتهُ: هو عُبَيدَةُ بن مُعَتِّب الضبي، أبو عبد الكريم الكوفي الضريرُ.

стр. 461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ روى عن إبراهيم النَّخَعي والشعْبي وأبي وائل وعاصم بن بَهْدَلة وغيرِهم، ويروي عنه (خت د ت ق) وشعبةُ والثوري ووكيع وهُشيم وعبدُ الله بن نمير وعليُّ بن مسهر وآخرون. قال عَمرُو بن علي: رَآني يحيى بن سعيد القطان أكتبُ حديثَ عبيدة بن معتب فقال: لا تكتبه، وقال أيضًا: كان عبيدة الضبي سيء الحفظ ضريرًا، متروكَ الحديث، وذكره ابن المبارك فيمن تَرَك حديثه، وقال الذهبي: ضعفه أبو حاتم والنسائي، وقال أحمد بن حنبل: تركُوا حديثه، وروى عباس عن يحيى: ليس بشيء، وروى معاوية عن يحيى: عُبيدة بن معتب الضبي ضعيف. وقال ابن خزيمة في "صحيحه": لا يجوز الاحتجاجُ بخبره عندي، له معرفة بالأخبار، قال: وسمعت أبا قلابة يَحكِي عن هلال بن يحيى: سمعتُ يوسف بن خالد يقول: قلتُ لعبيدة بن معتب: هذا الَّذي تَرْويه عن إبراهيم سمعته كُلَّه؟ قال: منه ما سمعتُه ومنه ما لم أسمعه أَقِيس عليه، قال: قلت: فحدِّثْنِي بما سمعت؛ فإني أعلمُ بالقياس منك. وقال شعبة: أخبرني عبيدة قبل أن يتغير، وقال أبو موسى الزمِنُ: ما سمعتُ القطان وابنَ مهدي حدَّثا عن سفيان عن عبيدة بشيء قط. وقال الطيالسي: حدثني شعبة عن عبيدة بن معتب، عن إبراهيم، عن سهم بن مِنْجاب، عن قَزعة، عن قَرْثَع، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ : "أربعٌ قبل الظهر لا سلامَ بينهن تفْتَحُ عندها أبوابُ السماء". أما السَّرِي بن إسماعيل: بفتح السين المهملة وكسر الراء المخففة وتشديد الياء التحتانية، فترجمته: هو السَّرِيّ بن إسماعيل الكوفي، ابن عم الشعبي، روى عنه وعن سعيد بن وهب وقيس بن أبي حازم، ويروي عنه (ق) وابنه جرير وإسماعيل بن أبي خالد وخالد بن كثير ومحمد بن مسلم -قيل: هو أبو الزبير، وقيل: الزهري- ويونس بن بكير وجرير بن عبد الحميد ومكي بن إبراهيم وعبيد الله بن موسى وجماعة.

стр. 462

قَال مُسْلِم بْنُ الْحَجَّاجِ: ــ قال يحيى القطان: استبان لي كذبه في مجلس واحد، وكان يحيى لا يحدث عنه، وقال النسائي: متروك، وقال الحسن بن عيسى: سمعت ابن المبارك يقول: لا يكتب عن جرير بن عبد الحميد حديث السري بن إسماعيل ومحمد بن سالم وعبيدة. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي، وهو أحب إليَّ من عيسى الخياط، وقال أبو طالب عن أحمد: ترك الناس حديثه، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال الجوزجاني: يُضَعَّفُ حديثُهُ، وقال الآجري عن أبي داود: ضعيف متروك الحديث، يجيء عن الشعبي بأوابد، وقال ابن عدي: وأحاديثه التي يرويها لا يتابعه عليها أحد، خاصة عن الشعبي؛ فإن أحاديثه عنه منكرات، وهو إلى الضعف أقرب، وقال إبراهيم الحربي: كان كاتبَ الشعبي لما كان قاضيًا، وولي القضاء بعده، وفيه ضعف، وقال ابن سعد: كان قليلَ الحديث، وقال البزار: ليس بالقوي، وقال الساجي: ضعيف جدًّا، وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، وكان ابن معين شديد الحمل عليه. ومن مناكيره: حدثنا الشعبي، سمعتُ النعمانَ، سمعتُ النبي ﷺ يقول: "الخمر من خمس ... " الحديثَ، وقد رواه عنه جماعة. اهـ من "تهذيب التهذيب" (٣/ ٤٥٩ - ٤٦٠) و"الميزان" (٢/ ١١٧). أما محمد بن سالم: فترجمته: هو محمد بن سالم أبو سهل الهَمْداني - بسكون الميم - الكوفي صاحب الشعْبي، ضَعَّفُوه جدًّا، قال ابنُ المبارك: اضْرِبُوا على حديثه، وقال يحيى القطان: ليس بشيء، وكانَ أحمد لا يروي حديثه، وقال السعدي: غيرُ ثقة، وقال ابن معين: ضعيف، يُقال: له مُؤَلَّفٌ في الفرائض. اهـ من "الميزان" (٣/ ٥٥٦). وفي قولِ الإمام الحافظ الحجةِ أبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشان القشيري النيسابوري، المتوفى سنة إحدى وستين ومائتين، المدفون بنَصْر آباد ظاهر نيسابور، مؤلَّف هذا الجامع الصحيح: (قال مسلمُ بن الحَجَّاج) وفي بعض النسخ: (قال مسلمٌ) بإسقاط لفظِ (بن

стр. 463

وَأَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ في مُتَّهَمِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ ــ الحَجَّاج)، من المحسنات البديعية المعنوية: التجريدُ كما مَرَّ مرارًا وسيأتي كثيرًا، وهو أن يُجرِّدَ المُتَكَلِّمُ من نَفْسِه نَفْسًا مماثلةً لها ويُخْبِرَ عنها كأنَّها غيرُها؛ أي: أقولُ قاصدًا نَفْسِي. قال مسلمُ بن الحَجَّاجِ رحمه الله تعالى: (وأَشْبَاهُ ما ذَكَرْنا) أي: أمثالُ ما قَدَّمْناه ونظائرهُ، جمعُ شبه بكسر أوله وسكون ثانيه: مصدر بمعنى الشبيه، وفي "المختار": والشِّبه بكسر أوله وسكون ثانيه، والشبه بفتحتين لغتان بمعنىً، يقال: هذا شِبْهٌ وبينهما شَبَهٌ بالتحريك، والجمعُ: مَشَابِهُ على غيرِ قياس كما قالوا: مَحَاسِن ومذاكير. اهـ منه والفرقُ بين الشبيهِ والمثيلِ والنظيرِ: أن الشبيهَ هو الَّذي يشبه الشيء في أقلِّ الوجوه، والنظير هو الَّذي يشبه الشيء في كثرها، والمثيل هو الذي يشبه الشيء في جميعها، كما ذكرناه في شرحنا على "زيد أحمد بن رسلان" في الفقه الشافعي في مقدمته نقلًا عن كتاب "الفروق" للقرافي. وقَوْله: (من كلامِ أهلِ العِلْمِ) والحديثِ بيانٌ لِمَا الموصولةِ، حالٌ منها، وعائدها محذوفٌ، والمرادُ بـ (أهل العلم) هنا: أئمةُ الجَرْح والتعديل كشُعْبة بن الحَجَّاج وهو أولُ من ابْتكَرَ في فَن الجرح، ومحمدِ بنِ سَعْدٍ والدارقطنيِّ والنَّسائيِّ ويحيى القطَّان وغيرهم. وقوله: (في مُتَّهمِي رُوَاةِ الحديثِ) حالٌ من كلام أهل العلم، والمُتَّهَمُون: جمع مُتَّهم، اسمُ مفعول من اتهم الخماسي، أصله: اوْتَهم فهو مُوْتَهم؛ لأنَّ ثلاثيَّهُ: وَهِمَ، وفي "المختار": وَهِمَ في الحساب: غَلِطَ فيه وسها، وبابه فهم، ووَهَم في الشيء من باب وعد: إذا ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره، وتوفم: ظن، وأَوْهَم غَيرَه إيهاما، وهَّمَه أيضًا توهيما واتهمه بكذا، والاسم التُّهَمةُ بفتح الهاء، وأوهمَ الشيء؛ أي: تركه كُلَّه، يقال: أَوْهَمَ من الحساب مئةً؛ أي: أسقطَ، وأوهم من صلاته ركعةً. اهـ والرواةُ: جمعُ راوٍ، اسم فاعلٍ مِن رَوَى الحديث يَرْوي بالكسر من باب رَمَى إذا

стр. 464

وَإِخْبَارِهِمْ عَنْ مَعَايِبِهِمْ .. كَثيِرٌ، يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ عَلَى اسْتِقْصَائِهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ ــ نَقَلَه مِنْ غيره، وإضافةُ المُتهَمِين إلى الرُّواة من إضافةِ الصِّفة إلى الموصوف. وقولُه: (وإخْبَارِهِمْ) بكسر الهمزة معطوفٌ على (كلامِ أهلِ العِلْمِ) عطفًا تفسيريًّا؛ أي: ومن إِخْبارهم وكَشْفِهم (عن مَعَايِبِهمْ) متعلِّق بإِخْبَارِهم، والضميرُ عائدٌ إلى المُتَّهمين، والمعايبُ كالعيوب: جمعُ عيب على غير قياس، والعيبُ: النقيصة حسًّا أو معنىً. وقولُه: (كثيرٌ) خبرٌ عن قوله: (وأَشْبَاهُ) ولم يُجمع؛ لأنَّ فيه فعيلًا يُخْبَرُ به عن الجَمْع؛ لأنه يستوي فيه المفردُ والمثنَّى والجمع. وجملةُ قوله: (يَطُولُ الكتابُ بذِكْرِهِ) خبرٌ ثانٍ أو علةٌ لمحذوفٍ تقديره: أعرضنا عن ذِكْرِه بتمامه؛ لأنه يطولُ كتابُنا طولًا مُمِلًّا بذِكْر ما ذُكِرَ من الأشباه (على استقصائِه) وبلوغ غايته ونهايته، والضميرُ في قوله: (بذِكْرِه) وقوله: (على استقصائِه) عائدٌ على الأَشْبَاه، وأفرده في الموضعَينِ؛ لاكتسابه الإفرادَ من المضاف إليه الَّذي هو (ما) الموصولةُ، أو نظرًا إلى أنَّه بمعنى المذكور، والجارُّ والمجرورُ في قوله: (على استقصائه) متعلِّقٌ بالذِّكْرِ، و (على): بمعنى مع، يُقال: اسْتَقْصى في المسألة إذا بلغَ قُصواها وغايتَها في ذِكْرِهَا وبيانِها، واسْتَقْصَى في الكلام إذا أَكثَرَ وبَالغَ فيه. والمعنى: وأشباهُ ما قَدَّمْناه في كتابنا من أولِ الباب إلى هنا وأمثالُهُ حالة كَوْنِ ما قَدَّمْناه من كلامِ أهل العلم والجرح والتعديل في بيانِ خطإ رواة الحديث المُتهَمِينَ بالخطإ والغلَطِ والكذب في رواياتهم، ومن إخبار أهل العلم والجرح وكشفهم عن معايب الرواة المُتَّهَمِين بالخطإ والغلط والكذب كثيرٌ يَصْعُبُ علينا إيرادُه وتعدادُه في هذا الموضع، فأعْرَضْنَا عن استيفائِه واستقصائهِ صَفْحًا؛ لأنه يَطُولُ كتابنا وجامعُنا هذا بذكرِ أشباهِ ما قَدَّمْنَا مِنْ كلامهم في ذلك مع استقصائه واستيفاء جميعه بتمامه طُولًا مُملًا للراغب فيه. (و) لكنْ (فيما ذَكَرنا) هُ وقَدَّمْناه من كلامهم في ذلك (كفاية) أي: اكتفاءٌ به

стр. 465

لِمَنْ تَفَهَّمَ وَعَقَلَ مَذْهَبَ الْقَوْمِ فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ وَبَيَّنُوا. وَإِنَّمَا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الْكَشْفَ عَنْ مَعَايِبِ وُوَاةِ الْحَدِيثِ وَنَاقِلِي الأَخْبَارِ، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا ــ عما تركناه من كلامهم في ذلك، والكفاية بكسر الكاف: مصدر سماعي لكَفَى الثلاثي، يُقال: كفاه مؤُونته؛ أي: يَكْفِيه كفايةً إذا تحملها، واكتفى بالشيء إذا استغنى به عن طلبِ غيره، والكِفايةُ: الاكتفاء والاستغناءُ بالشيء عن طلب غيره. والجارُّ والمجرورُ في قوله: (لِمَنْ تَفَهَّمَ) متعلِّقٌ بالكفاية؛ أي: وفيما ذَكَرْنَاه استغناءٌ عن طلب غيره مْمَّا تَرَكناه لِمَنْ تَفَهَّمَ ما قَدَّمناه، وتَفَعَّلَ هنا بمعنى الثلاثي؛ أي: كفايةٌ واستغناء عن طلب غيره لِمَنْ فَهِمَ ما قَدَّمْنَاه حَقَّ الفَهْمِ منطوقًا ومفهومًا. وقولُه: (وعَقَلَ) معطوفٌ على (تَفَهَّمَ) أي: لمَنْ تَفَهَّمَ ما قَدَّمْنا وعَقَلَ مع ذلك وعَرَفَ (مَذْهَبَ القومِ) النُّقَّاد الذين هم أهلُ الجَرْح والتعديل، وطريقتَهم واصطلاحَهم (فيما قالوا من ذلك) الكلام الَّذي أوردوه في مُتَّهَمِي رُواة الحديث وغيرهم، كقولهم: فلانٌ صدوقٌ، أو لا بأس به، أو فيه لِين، أو ضَعفٌ، أو ضعيفٌ، أو متروكٌ، أو لا يُكتب حديثُه، أو يُكتب، أو يُعْتَبَرُ به، وكقولهم: فلان ثقةٌ، أو ثَبْتٌ، أو ثقةٌ ثَبْتٌ، أو ثقةٌ مُتْقِنٌ، أو مأمونٌ، إلى غير ذلك من عباراتهم في الجَرْح والتعديل. وقولُه: (وبَيَّنُوا) معطوفٌ على (قالوا) عطفَ رديفٍ؛ أي: عَرَفَ مذهبهم واصطلاحهم فيما قالوه من إِثْبَاتِ الجَرْحِ والتعديل، وفيما بيَنُوه من معايب الرواة المتَّهمين، (وإنَّما أَلْزَمُوا) أي: وإنما أَلْزَمَ علماءُ الجرح والتعديل (أنفسَهم) وأَوْجَبُوا عليها (الكَشْفَ) والبحث والتفتيشَ (عن مَعَايِبِ) ونقائصِ مُتَّهَمِي (رُوَاةِ الحديثِ) المرفوعِ إلى النبي ﷺ (و) معايبِ (ناقلي الأخبارِ) الموقوفةِ على الأصحاب أو الأتباع، ويحتملُ أنَّه من عطف المرادف. وقولُه: (وأَفْتَوْا بذلك) معطوفٌ على (أَلْزَمُوا)، واسمُ الإشارةِ راجعٌ إلى المعايب؛ أي: وإنما أَلْزَمُوا أنفسَهم الكَشْف والبَحْثَ والتفتيشَ عن معايب الرواة وَأَفْتَوْا بذلك أي: أجابوا وأخبروا بذلك المذكور من معايب الرواة (حِينَ سُئِلُوا)

стр. 466

لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الْخَطَرِ؛ إِذِ الأَخْبَارُ في أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأتِي بِتَحْلِيلِ ــ أي: حين سُئل علماءُ الجرح عن ذلك أي: عن تلك المعايب، وقولُه: (لما فيه) متعلِّق بأَلْزمُوا مُعلِّلٌ له، والضميرُ عائدٌ على الكشف والإفتاء. وقولُه: (مِنْ عَظيمِ الخطرِ) والهلاكِ على حَذْفِ مضافٍ؛ أي: وإنما أَلْزَمُوا أنفسَهم البَحْثَ عن معايب الرواة والإخبار بها لمن سألهم؛ لما في ذلك الكشفِ والإفتاءِ بها للناس السائلين عنها مِنْ دفع الخطر العظيم والهلاك الجسيم في الدِّين؛ لأنهم لو أعرضوا عن ذلك وتركوا الناسَ على حالهم .. لتناقَلُوا الأحاديثَ الضعيفةَ والأخبارَ الموضوعة عن قومِ غير مَرْضِيِّين وعَمِلوا بها في أحكام دينهم وسُننِ شريعتهم من التحليل والتحريم فضلُّوا وأضلُّوا، والضلالُ والإضلالُ من أعظمِ الهلاكِ الدِّينيِّ. فاللامُ في قوله: (لِمَا) حرفُ جرٍّ وتعليلٍ، و (ما) موصولةٌ في محلِّ الجر باللامِ، والجارُّ والمجرورُ في قوله: (فيه) صلةٌ لما الموصولة، وفي قولِهِ: (من عظيم الخطر) متعلِّقٌ بالاستقرار المحذوف الواقع صلةً لما الموصولةِ أو حالٌ من ما الموصولةِ أو من ضمير الاستقرار. والجارُّ والمجرورُ في (لما) تَنَازَعَ فيه كُلٌّ من (أَلْزَمُوا) و (أَفْتَوْا) والإضافةُ في قوله: (عظيمِ الخَطَرِ) من إضافة الصفة إلى الموصوف وهو على تقديرِ مضافِ كما مَرَّ، وتقديرُ الكلام: وإنَّما أَلْزَمُوا أنفسَهم البَحْثَ عن مَعايبِ الرواة وأَخْبَرُوا تلك المعايبَ حين سُئِلُوا عنها؛ لأَجْلِ الأمرِ الَّذي استقرَّ وثَبَتَ في ذلك البَحْثِ والإخبار عنها حالة كون ذلك الأمر المستقرِّ فيه من دفع الخطر العظيم والهلاك العميم عن الأُمَّةِ الإسلاميةِ الَّذي هو الهلاكُ الأبديُّ في الدِّين. و(إذ) من قوله: (إذِ الأَخْبَارُ) تعليليةٌ، و (الأَخْبارُ) بفتح الهمزة: جمعُ خَبَرٍ وهو مبتدأ، والجارُّ والمجرورُ في قوله: (في أَمْرِ الدِّين) وشأنِه: صفةٌ للأَخْبار؛ لأن ألْ فيه جنسيةٌ، فهو بمنزلة النكرة على حَدِّ قوله: ولقد أَمُرُّ على اللئيم يَسُبُّني ... فمضيتُ ثمّتَ قلتُ لا يَعْنِيني وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ". وجملةُ قولهِ: (إِنَّمَا تَأتِي بِتَحْلِيلٍ ... ) إلخ خَبرُ المبتدإ، والجملةُ الاسميةُ مع

стр. 467

أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ أَوْ نَهْي، أَوْ تَرْغِيب أَوْ تَرْهِيبٍ، فَإذَا كَانَ الرَّاوي لَهَا لَيسَ بِمَعْدِنٍ لِلصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرَفَهُ ــ ما عُطِفَ عليها جملةٌ تعليليةٌ لا مَحَل لها من الإعراب، فهي عِلَّةٌ للعلّة المذكورة قبلها أعني قوله: (لما فيه من عظيمِ الخَطَرِ)، والتقدير: وإنما قلنا لما في ذلك من دَفْعِ عظيمِ الخَطَر؛ لأن الأخبارَ والأحاديثَ الواردةَ في بيان أَمْرِ الدِّين وشؤونه إنما تأتي وتجيء بتحليلِ أمرٍ؛ أي: بإظهار حِلِّيَّةِ أَمْرٍ من الأمور. (أو) تأتي بـ (تحريمٍ) أي: بإظهارِ حُرْمَةِ أَمْرٍ من الأُمور، (أو) تأتي بـ (أَمْرٍ) بواجبٍ من الواجبات أو مندوب من المندوبات، (أو) تأتي بـ (نَهْيٍ) عن مُحَرَّمٍ من المُحَرَّمَات أو عن مكروهٍ من المَكروهات، (أو) تأتي بـ (ترغيبٍ) وتطميعٍ في مثوبةٍ من المَثُوبات، (أو) تأتي بـ (ترهيبٍ) وتخويفٍ عن عقوبةٍ من العقوبات. والفاءُ في قوله: (فإذا كان الراوي لها) عاطفةٌ لجملةِ إذا الشرطيةِ على الجملة الاسمية في قوله: (إذِ الأَخْبَارُ في أَمْر الدِّينِ) على كونها عِلّةَ للعلِّةِ؛ لأنَّ جملةَ إذا الشرطيةِ من تمام العلّة؛ أي: فإذا كان الراوي والناقلُ لتلك الأخبارِ الواردةِ في أمرِ الدِّين (ليس) أي: ذلك الراوي (بمَعْدِنٍ) أي: بَمَرْكَزٍ ومَحَلٍّ (للصِّدْقِ) وهو الإِخْبَارُ عن الشيء على وَفْقِ ما هو عليه (والأمانة) والديانة، والأمانةُ: حِفْظُ ما عنده من الحقوق حتَّى يُؤَدِّيَها إلى مُستحقيها، بأنْ كان محلٍّا للكذب والخيانة، أي: فإذا كان الراوي لها كاذبًا خائنًا غيرَ مستقيم اللِّسان والدِّينِ. و(ثُمَّ) في قوله: (ثُمَّ أَقْدَمَ على الروايةِ عنه) بمعنى الواو، أو بمعنى الفاء التي للتعقيب، والإقدامُ على الشيء: الهُجُومُ عليه بَغْتَةً من غيرِ تَرَوٍّ ولا تَفَكُّرٍ فيه. و(مَنْ) في قوله: (مَنْ قَدْ عَرَفَهُ) فاعلٌ لـ (أَقْدَمَ)، والجملةُ الفعليةُ معطوفةٌ على جملة الشرط، أعني جملة كان، والضميرُ البارزُ في (عَرَفَهُ) عائدٌ على الراوي الكاذبِ الخائنِ ولكنه على تقدير مضاف كما يبيّن قريبًا، والمعنى: أي: فإذا كان الراوي لتلك الأخبار الواردةِ في أُمور الدِّين عادمَ الصدق والأمانة غيرَ مستقيم اللسان والدِّين ثم أَقْدَمَ وهَجَمَ على رواية تلك الأخبار عن ذلك الكاذب الخائن ونَقَلَهَا عنه مَنْ قد عُرِفَ كذبُه وخيانتُه.

стр. 468

وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيرِهِ مِمَّنْ جَهِلَ مَعْرِفتَهُ .. كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، غَاشًّا لِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ؛ ــ وجملةُ قوله: (ولم يُبَيِّنْ ما فيه لغيرِه) حالٌ من فاعل (أَقْدَمَ) أي: ثُمَّ أَقْدَمَ على الرواية عن ذلك الكَذَّابِ الخائن مَنْ قد عَرَفَه؛ أي: مَنْ قد عَرَفَ خيانةَ ذلك الخائِنِ وكَذِبَه، والحالُ أن ذلك العارفَ لم يُبيِّنْ ولم يُخْبِرْ ما فيه؛ أي: ما في ذلك الكاذب الخائن من الكذب والخيانة لغيره؛ أي: لغير ذلك العارفِ حال كَوْنِ ذلك الغَيرِ (مِمَّنْ جَهِلَ معرفتَه) أي: معرفةَ ذلك الكاذب وجهله للحديث، ففي الكلام اكتفاءٌ، وهو عند البديعيين: ذِكْرُ أحدِ متقابلين وحَذْفُ الآخر؛ لعِلْمِه من المذكور كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أي: والبردَ، أو المرادُ بالمعرفة: الصِّدْقُ ومُقَابِلُه الكَذِبُ؛ أي: والحالُ أن ذلك الغيرَ ممَّنْ جَهِلَ صِدْقَ ذلك الخائن وكَذِبه. وجملةُ قوله: ( .. كان آثمًا) جوابُ (إذا)؛ أي: كان ذلك المُقْدِمُ العارفُ الَّذي رَوَى الحديثَ عن الكاذب الخائنِ غير مبين لحاله لمن يروي لهم ممن لا يعرفون حال ذلك الكاذب آثمًا عاصيًا. وقولُه: (بفِعْلِهِ) متعلِّقٌ بـ (آثمًا)، وهو من إضافة المصدرِ إلى فاعله، والضميرُ عائدٌ على المُقْدَمِ العارف الَّذي كتمَ حال الكاذب عن الناس. وقولُه: (ذلك) مفعولٌ به للمصدرِ المذكورِ، واسمُ الإشارة راجعٌ إلى إقدامه على الرواية عن الكاذب ونَقْلِ حديثه إلى مَنْ لا يعرفون حال الكاذب غيرَ مُبيِّنٍ حاله لهم؛ أي: كان ذلك المُقْدِمُ الهاجمُ على رواية الأحاديث الموضوعة عن الكاذب لمن لا يعرفون حاله وحالها من غير بيان لحالِه وحالها لهم آثمًا عاصيًا؛ بسبب فعلِ ذلك المُقدِم الهاجمِ ذلك الإقدامَ على الرواية للأحاديث الموضوعة لمن لا يعرفون حالها وحال راويها مع كِتمان حالِها وحاله عنهم؛ لدخوله في عُموم قوله ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا .. فَلْيَتَبَوَّأْ مقعدَه من النار"، وقوله ﷺ : "لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ؛ فإنه مَنْ يَكْذِبْ عَلَيَّ .. يَلجِ النارَ". وقولُه: (غَاشًّا لِعَوَامِّ المسلمين) خبرٌ ثانِ لـ (كان) أي: وكان ذلك المُقْدِمُ على رواية الأحاديث الكاذبة مع معرفته لحالها من غير بيان لحال راويها لمن يروي لهم غاشًّا

стр. 469

إِذْ لَا يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الأَخْبَارَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا، أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا وَأَقَلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا أَكَاذِيبُ لَا أَصْلَ لَهَا، مَعَ أَنَّ الأَخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ وَأَهْلِ الْقَنَاعَةِ ــ غارًّا لعوامِّ المسلمين في دينهم بسبب روايته تلك الأحاديث الموضوعة من غير بيان لحالها لهم، وكان كمن غَشَّ الناس ببَيع البضاعةِ الفاسدةِ لهم من غير بيان لعَيبِها لهم، ففي الكلامِ إمَّا استعارةٌ تصريحيةٌ تبعيةٌ أو تشبيهٌ بليغٌ، والعوامُّ: جمعُ عامة، وهم الدِّين لم يُرْزَقُوا التيقُّظَ والمعرفةَ بأسبابِ الحديث وعِلَلِهِ وأسبابِ الردِّ والقبولِ كما مَرَّ في أول الكتاب. و(إذْ) في قوله: (إذْ لا يُومَنُ) حرفُ تعليلٍ، عَلَّلَ بها جوابَ الشرط؛ أي: وإنما كان غاشًّا لعوامّ المسلمين؛ لأنه لا يُؤْمَنُ (على بعضِ مَنْ سَمعَ تلك الأخبارَ) الموضوعةَ والأحاديثَ الكاذبةَ (أَنْ يَسْتَعْمِلَها) كُلَّها (أو يَسْتَعْمِلَ بعضَها) في حُكْمٍ من الأحكام الشرعية من التحليل والتحريم والأَمْرِ والنَّهْي؛ أي: لا يُؤْمَنُ على مَنْ سَمِعَها العملُ بها في حُكْمٍ من الأحكام مُستدلًا بها لظَنِّه صحَتَها، فالمرادُ بالبعض: هُمُ العوامُّ الذين لم يرزقوا معرفةَ عِلَلِ الحديث وأسبابه. وجملةُ قوله: (وأَقَلُّها أو أَكْثَرُها أكاذيبُ) حالٌ مِنْ مفعولِ (يَسْتَعْمِلَها) أي: لا يُؤمن على بعض مَنْ سَمعها من العوامّ العملُ بها كُلّها أو ببعضها في حُكْمٍ من الأحكام، والحالُ أن أقلَّ تلك الأخبار التي أَقْدَم على الرواية بها من يعرف حالها وحال راويها من غير بيان لحالهما أو كثرَها، أي: معظمها أكاذيبُ باطلةٌ وأساطيرُ عاطلةٌ (لا أَصْلَ لها) أي: لا مَخْرَجَ ولا مأخَذَ ولا سَنَدَ لها، فيكون ذلك المُقْدِمُ على روايتها من غير بيان لحال مَنْ رَوَى عنه لمن يروي لهم غاشًّا لهم بظاهرِ صحتها حتَّى عَمِلُوا بها في حُكْمٍ من الأحكام فيستحقّ العقوبة الأُخروية؛ لدخوله في عموم قوله ﷺ : "مَنْ غَشَّ .. فليس منّا"، وفي بعض النُّسَخ: (ولعلَّها أو أكثرَها أكاذيبُ). والظرفُ في قوله: (مَعَ أَنَّ الأخبارَ الصِّحَاحَ) متعلِّقٌ بقوله: (ثُمَّ أَقْدَمَ) أي: ثُمَّ أَقْدَمَ على الرواية بالأحاديث الكاذبة مع أن الأخبارَ الصحيحةَ المتواترةَ (من روايةِ الثِّقَاتِ) الأَثْباتِ (و) من رواية (أهلِ القَنَاعةِ) الذين يقنعون ويكتفون بالأحاديث

стр. 470

أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى نَقْلِ مَنْ لَيسَ بِثِقَةٍ وَلَا مَقْنَعٍ. وَلَا أَحْسِبُ كَثيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ مِنَ النَّاسِ عَلى مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الضِّعَافِ وَالأَسَانِيدِ الْمَجْهُولَةِ ــ الصحيحة عن رواية الأحاديث الكاذبة (أكثرُ) مِنْ أَنْ تَقِلَّ وأَشْهَرُ (مِنْ أَنْ) تَخْفَى حتَّى (يُضْطَرَّ) ويُحْتَاجَ حاجةً ضروريةً (إلى نَقْلِ) ورواية أخبارِ (مَنْ ليس بِثِقَةٍ) ولا مأمونٍ في حديثه (ولا مَقْنَعٍ) أي: ولا صاحبِ قناعةٍ بالأحاديث الصحيحة عن نَقْلِ الأحاديث السقيمة .. كان آثمًا بِفِعْلِهِ ذلك غاشًّا لعوامّ المسلمين. وفي "المنهاج": (قوله: "وأهل القَناعة" هي بفتح القاف؛ أي: الذين يقنع بحديثهم لكمال حفظِهم وإتقانهم وعدالتهم، قوله: "ولا مَقْنَعٍ" هو بفتح الميم والنون) اهـ (١). قلتُ: والمقنع مصدر ميمي بمعنى القناعة، يقال: قنع من باب سلم قناعة ومقنعًا، والقناعةُ: الرِّضا بالقسم، فهو قَنِعٌ بوزن فَرِح وقَنُوع بوزن رَسُول، وأَقْنَعَهُ الشيءُ؛ أي: أَرْضَاه، وقال بعضُ أهل العلم: إنَّ القُنُوع بضمتين أيضًا قد يكون بمعنى الرِّضا، والقانع بمعنى الرَّاضي، وأنشد بعضُهم: وقالوا قَدْ زُهِيتَ فقلْتُ كَلَّا ... ولكنِّي أَعزَّنِيَ القُنُوعُ وقال لبيدٌ: فمنهم سعيدٌ آخذ بنصيبه ... ومنهم شَقِيٌّ بالمعيشة قانعُ وفي المثل: (خَيرُ الغنى القُنُوعُ، وشَرُّ الفقرِ الخُضُوعُ). قال: ويجوز أن يكون السائلُ سُمِّي قانعًا؛ لأنه يَرْضَى بما يُعْطَى قَلَّ أو كَثُرَ، ويقبله ولا يَرُدُّه، فيكون معنى الكلمتَينِ راجعًا إلى الرِّضا. اهـ "مختار". (ولا أَحْسِبُ) أي: لا أَظُنُّ (كثيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ) ويعتمدُ (من الناسِ) صفةٌ لـ (كثيرًا) وبيانٌ له (على ما وَصَفْنا) متعلِّقٌ بـ (يُعَرِّجُ) أي: ولا أَحْسِبُ كثيرًا من الناس حالة كونه مِمَّنْ يُعَرِّجُ ويُقِيمُ ويستمرُّ ويدومُ على نشْرِ وإفتاءِ ما وَصَفْنا وذكَرْنا (مِنْ هذه الأحاديثِ الضِّعَافِ) من حيث المتونُ (و) من (الأسانيدِ المجهولةِ) من حيث

стр. 471

وَيَعْتَدُّ بروَايَتِهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بمَا فِيهَا مِنَ التَّوَهُّنِ وَالضَّعْفِ. إِلا أَنَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى رِوَايَتِهَا وَالاعْتِدَادِ بِهَا إِرَادَةُ التَّكَثُّرِ بِذَلِكَ عِنْدَ الْعَوَامِّ، وَلأَنْ يُقَال: مَا أَكْثَرَ مَا جَمَعَ فُلَانٌ مِنَ الْحَدِيثِ وَألَّفَ مِنَ الْعَدَدِ! ! ــ الرجالُ، يُقال: عَرَّجَ فلانٌ على المنزل تَعْرِيجًا إذا حَبَسَ مَطِيَّتَهِ عليه وأقام، والتعريجُ على الشيء الإقامةُ عليه. اهـ من "المختار". وقولُه: (وَيَعْتَدُّ) معطوفٌ على (يُعَرِّجُ)، يُقال: اعْتَدَّ لكذا إذا تَهَيَّأ له، واعْتَدَّ به: اهْتَمَّ به؛ أي: ولا أَحْسِبُ كثيرًا من الناس مِمَّنْ يُعَرِّجُ ويستمرُّ على نشر ما ذكرنا من الأحاديثِ الضعيفةِ والأسانيدِ المجهولةِ ويَعْتَدُّ؛ أي: يَتَهَيَّأُ ويَهْتَمُّ (بروايتِها) أي: بروايةِ تلك الأحاديث الضعيفة ونشرِها بين الناس (بَعْدَ معرفتِه) أي: بعد معرفة ذلك المعرج (بما فيها) أي: بما في تلك الأحاديث الضعيفةِ والأسانيدِ المجهولة (من التَّوَهُّنِ) في الأسانيدِ (والضَّعْفِ) في المُتُونِ. والوهن: الضعف، والتوهن: المبالغة في الضَّعْف؛ لأن باب تَفَعّل يأتي للمبالغة، وفي "المختار": (وَهَنَ من باب وَعَدَ، ووَهَنَه غيرُه يَتَعَدَّى وَيَلْزَمُ، ووَهِنَ بالكسر يهِنُ وَهْنًا لغةٌ فيه، وأَوْهَنَهُ غيره وَوَهَّنَه تَوْهِينًا إذا أضعفه) اهـ منه. و(إلّا) في قوله: (إلا أن الَّذي يَحْمِلُه) ويَحَثُّهُ (على روايتها) أي: على رواية تلك الأحاديث الضعيفة (و) على (الاعتدادِ) والاهتمامِ (بها) أَي: بنشْرِ تلك الأسانيد المجهولة: أداةُ استثناءٍ مُفَرَّغ. وقولُه: (إرادةُ التَّكَثُّر) من الأحاديثِ وقَصْدُهُ (بذلك) أي: برواية تلك الأحاديث الضعيفة (عندَ العَوَامِّ) الدِّين لم يُرزقوا معرفةَ أسباب الحديث وعِلَلِه: خبرُ (أَنَّ)، وجملةُ (أَنَّ) في تأويلِ مصدرٍ منصوبٍ على كونه مفعولًا ثانيًا لـ (أحْسِبُ)، ولكنْ مع تأويله باسم الفاعل. واللامُ في قوله: (وَلأَنْ يُقَال) زائدةٌ، وجملةُ (أنْ) المصدريةِ مع صِلَتِها في تأويل مصدرٍ مجرورٍ على كونه معطوفًا على التكثُّر في قوله: (إرادة التَّكَثُّر). أي: وإرادةُ قول الناس فيه (ما أَكثَرَ ما جَمَعـ) ـهُ (فلانٌ من الحديثِ) في حفظِه (وَأَلَّفَـ) ـهُ وجَمَعَهُ في كتابٍ مُؤَلَّفٍ (من العَدَدِ! ) الكثيرِ.

стр. 472

وَمَنْ ذَهَبَ في الْعِلْمِ هَذَا الْمَذْهَبَ وَسَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ .. فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ بِأَنْ يُسَمَّى جَاهِلًا أَوْلَى مَنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى عِلْمٍ ــ و(ما) في قوله: (ما أَكْثَرَ ما جَمَعَ فلانٌ) تعجُّبيَّةٌ في محلّ الرفع مبتدأ، وجملةُ فعل التعجُّب خبرُ (ما)، وتقديرُ الكلام: ولا أَحْسِبُ كثيرًا من الناس مِمَّنْ يُعَرِّجُ ويستمرُّ على نشرِ ما وَصَفْنَا وذَكَرْنَا من الأحاديث الضعيفة والأسانيد المجهولة ويَهْتَمُّ بروايتها بعد معرفته ما فيها من التوهنِ والضَّعْفِ إلَّا كونَ الحاملِ له على روايتها والاهتمام بها إرادة التكثر بذلك عند العوام، وإرادة قولهم فيه: ما أَكْثَرَ ما جَمَعَهُ فُلانٌ من الحديث وأَلَّفَه من العدد الكثير! أي: ما أَظُنُّ حاملَه على ذلك إلَّا إرادة التكثُّر بذلك عند العوامّ وقولهم فيه: ما أَكْثَرَ ما جَمَعَ فلانٌ وأَلَّفَه من العدد! (ومَنْ ذَهَبَ) وقَصَدَ (في) هذا (العِلْمِ) أي: في عِلْمِ الحديثِ (هذا المَذْهَبَ) أي: هذا القصدَ؛ أي: إرادةَ التكثُّرِ بذلك عند العوامّ وقولهم فيه: ما أَكْثَرَ ما جَمَعَ فُلان (وسَلَكَ هذا الطريقَ) أي: دخل هذا السبيل المذموم من نشرِ الأحاديث الضعيفة والأسانيد المجهولة ( .. فلا نَصِيبَ له) أي: فلا حَظَّ له؛ أي: لذلك القاصِد ذلك المقصد (فيه) أي: في هذا العلم (وكان) ذلك القاصد، والجارُّ والمجرورُ في قوله: (بأَنْ يُسَمَّى جاهلًا) مُتَعَلِّقٌ بقوله: (أَوْلى) الَّذي هو خبرُ كان؛ أي: وكان ذلك القاصدُ أَوْلَى وأَحْرَى وأَحَقَّ بتسميتِه جاهلًا (مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إلى عِلْمٍ) من العلوم ويقال فيه: فلانٌ عالمَّ مُحَدِّث، فعِلْمُه زيوف لا نقود، وقَصْدُه خبيثٌ لا طيب. فصل في المسائل المَنْثُورَة والجُمل التي تتعلِّقُ بهذا الباب: الأُوْلى منها: قال النووي: (اعْلَمْ: أن جَرْح الرواة جائزٌ، بل واجبٌ بالاتفاق؛ للضرورة الداعية إليه لصيانة الشريعة المكرمة، وليس هو من الغيبة المُحَرَّمة، بل من النصيحة لله تعالى ورسوله ﷺ والمسلمين، ولم يَزَلْ فضلاء الأمة وأخيارُهم وأهلُ الورع منهم يفعلون ذلك كما ذكر مسلمٌ في هذا الباب عن جماعات منهم ما ذكره. ثمَّ على الجارح تقوى الله تعالى في ذلك، والتَّثَبُّتُ فيه، والحذرُ من التساهل

стр. 473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بجرحِ سليمٍ من الجرح أو بنقص من لم يظهر نقصه، فإنَّ مفسدة الجرح عظيمة، فإنها غيبةٌ مؤيَّدة مبطلة لأحاديثه، مسقِطةٌ لسُنَّةٍ عن النبي ﷺ ، ورادَّةٌ لحُكْمٍ من أحكام الدِّين. ثم إنما يجوزُ الجَرْحُ لعارفٍ به مقبول القول فيه، أمَّا إذا لم يكن الجارحُ من أهل المعرفة، أو لم يكن ممّن يُقبل قولُه فيه .. فلا يجوزُ له الكلامُ في أحد، فإنْ تَكلَّمَ .. كان كلامُه غيبةً مُحرَّمةً، كذا ذَكَرَه القاضي عِياضٌ رحمه الله تعالى (١)، وهو ظاهرٌ، قال: وهذا كالشاهد يجوز جَرْحُهُ لأهل الجرح، ولو عابه قائلٌ بما جُرِّح به .. أُدِّبَ وكان غيبة. الثانية: الجرحُ لا يُقبل إلَّا من عَدْلٍ عارفٍ بأسبابه، وهلْ يشترط في الجارح والمُعدِّل العدد؟ فيه خلافٌ للعلماء، والصحيحُ: أنَّه لا يشترط، بل يصيرُ مجروحًا أو عدلًا بقولِ واحدٍ؛ لأنه من باب الخبر فيُقبل فيه الواحد. وهل يُشترط ذِكْرُ سبب الجَرْح أم لا؟ اختلفوا فيه: فذهب الشافعي وكثيرون إلى اشتراطه؛ لكونه قد يعدّه مجروحًا بما لا يجرح لخفاء الأسباب ولاختلاف العلماء فيها. وذهب القاضي أبو بكر بن الباقلّاني في آخرين إلى أنَّه لا يُشترط. وذهب آخرون إلى أنَّه لا يُشترط من العارف بأسبابه ويشترط من غيره. وعلى مذهب من اشترط في الجرح التفسيرَ تقول: فائدةُ الجَرْح فيمن جرح مطلقًا: أن يتوقف عن الاحتجاج به إلى أن يبحث عن ذلك الجرح (٢). ثم مَنْ وُجِدَ في "الصحيحين" ممّن جَرَحَه بعضُ المتقدِّمين يُحمل ذلك على أنَّه لم يثبت جَرْحُه مفسَّرًا بما يجرح. ولو تَعارَضَ جَرْحٌ وتعديلٌ .. قُدِّمَ الجرحُ على المختار الَّذي قاله المحققون والجماهير، ولا فرق بين أن يكون عددُ المعدِّلين أكثر أو أقلَّ، وقيل: إذا كان

стр. 474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المعدِّلون أكثرَ .. قُدِّمَ التعديل، والصحيحُ الأول؛ لأن الجارح اطَّلَعَ على أَمْرِ خَفِيٌّ جَهِلَه المُعَدِّل (١). الثالثة: قد ذَكَرَ الإمامُ مسلمٌ رحمه الله تعالى في هذا الباب: أن الشَّعْبيُّ رَوَى عن الحارث الأعور وشَهِدَ أنَّه كاذب، وعن غيره: حَدَّثَني فلان وكان مُتَّهَمًا، وعن غيره الرواية عن المغفلين والضعفاء والمتروكين، فقد يُقال: لِمَ حَدَّثَ هؤلاء الأئمة عن هؤلاء مع علمهم بأنهم لا يُحْتَجُّ بهم؟ ويُجاب عنه بأجوبة: - أحدها: أنهم رَوَوْها ليَعْرِفُوها وليُبيِّنُوا ضَعْفَها؛ لئلّا يلتبس في وَقْتٍ عليهم، أو على غيرهم، أو يتشكَّكُوا في صحتها. - ثانيها: أن الضعيفَ يكتب حديثه ليعتبرَ به، أو يُستشهدَ، ولا يُحتجّ به على انفراده. - ثالثها: أن روايات الراوي الضعيف يكون فيها الصحيحُ والضعيف والباطلُ فيكتبونها، ثم يُمَيِّزُ أهلُ الحديث والإتقان بعضَ ذلك من بعض، وذلك سهل عليهم معروفٌ عندهم، وبهذا احْتَجَّ سفيانُ الثوريُّ رحمه الله تعالى حين نَهَى عن الرواية عن الكلبي، فقيل له: أنتَ تروي عنه؟ فقال: أنا أعلم صِدْقَه من كَذِبِه. - رابعها: أنهم قد يَرْوُون عنهم أحاديثَ الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال والقصص وأحاديث الزُّهْد ومكارم الأخلاق ونحو ذلك، مما لا يتعلَّقُ بالحلال والحرام وسائر الأحكام، وهذا الضرْبُ من الحديث يجوزُ عند أهلِ الحديث وغيرهم التساهلُ فيه، وروايةُ ما سوى الموضوع منه والعملُ به؛ لأن أصولَ ذلك صحيحةٌ مُقَرَّرَةٌ في الشرع، معروفةٌ عند أهله. وعلى كُلِّ حالٍ: فإن الأئمة لا يَرْوُونَ عن الضعفاء شيئًا يَحْتَجُّون به على انفرادِه في الأحكام؛ فإن هذا شيء لا يفعله إمامٌ من أئمة المحدِّثين، ولا مُحَقِّقٌ من غيرهم من العلماء، وأمَّا فِعْلُ كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم ذلك واعتمادهم عليه .. فليس بصواب، بل قبيح جدًّا، وذلك لأنه إن كان يَعْرِفُ ضَعْفَه .. لم يَحِلَّ له أنْ يَحْتَجَّ بِهِ؛

стр. 475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنهم مُتَّفِقُونَ على أنَّه لا يُحْتَجُّ بالضعيف في الأحكامِ، وإنْ كان لا يَعْرِفُ ضَعفَه .. لم يَحِلَّ له أن يهجمَ على الاحتجاج به من غير بَحْثٍ عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفًا أو بسؤال أهل العلم به إنْ لم يكن عارفًا، والله أعلم. الرابعة: في بيان أصناف الكاذبين في الحديث وحكمهم، وقد نقحها القاضي عياض (١) رحمه الله تعالى فقال: "الكاذبون ضَرْبان: أحدهما: ضَرْبٌ عُرِفُوا بالكذب في حديث رسول الله ﷺ وهم أنواع: منهم مَنْ يَضَعُ عليه ما لم يَقُلهُ أصلًا: إما تراقعًا واستخفافًا كالزنادقة وأشباههم ممن لم يَرْجُ للدِّين وقارًا، وإمَّا حِسْبَةً بزعمهم وتدينًا كجهلة المتعبِّدين الذين وَضَعُوا الأحاديثَ في الفضائل والرغائب، وإمّا إغرابًا وسمعةً كفسقة المحدِّثين، وإمّا تعصُّبًا واحتجاجًا كدعاة المبتدعة ومتعصبي المذاهب، وإمَّا اتباعًا لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه وطلبِ العذرِ لهم فيما أتوه، وقد تعيَّن جماعةٌ من كل طبقة من هذه الطبقات عند أهل الصنعة وعلمِ الرجال. ومنهم من لا يضع مَتْن الحديث ولكن ربما وضع للمتن الضعيف سندًا صحيحًا مشهورًا، ومنهم من يَقْلِب الأسانيدَ أو يزيدُ فيها، ويتعمَّد ذلك، إمَّا للإغراب على غيره، وإمَّا لرفعِ الجهالة عن نفسه. ومنهم من يَكذِبُ فيدَّعي سماع مَا لم يسمع ولقاءَ مَنْ لَمْ يَلْقَ ويُحدِّث بأحاديثهم الصحيحة عنهم. ومنهم من يعمدُ إلى كلام الصحابة وغيرهم وحِكَمِ العرب فينسبها إلى النبي ﷺ . وهؤلاء كُلُّهم كذابون متروكو الحديث، وكذلك من تجاسر بالحديث بما لم يحققه ولم يضبطه أو هو شاكٌّ فيه .. فلا يُحَدِّث عن هؤلاء ولا يقبل ما حدَّثُوا به، ولو لم يَقَعْ منهم ما جاؤوا به إلَّا مرة واحدة كشاهد الزُّور إذا تَعَمَّدَ ذلك .. سَقَطَتْ شهادته.

стр. 476

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واختُلف هل تُقبل روايتُه في المستقبل إذا ظَهَرَتْ توبتُه؟ قلتُ: المختارُ الأظهرُ قبولُ توبته كغيره من أنواع الفسق، وحُجَّةُ مَنْ رَدَّها أبدًا وإنْ حَسَنُتْ توبتُه: التغليظُ وتعظيمُ العقوبة في هذا الكذب، والمبالغة في الزَّجْر عنه كما قال ﷺ : "إنَّ كَذِبًا عليَّ ليس كَكَذِبٍ على أحد". قال القاضي: والضرب الثاني: مَنْ لا يستجيزُ شيئًا من هذا كُلِّه في الحديث، ولكنه يكذب في حديث الناس، قد عُرف بذلك، فهذا أيضًا لا تُقبل روايتُه ولا شهادتُه، وتنفعه التوبة ويرْجع إلى القبول. فأمَّا من يندر منه القليل من الكذب ولم يُعرف به .. فلا يقطع بجرحه بمثله؛ لاحتمال الغلط عليه والوهم، وإن اعترف بتعمُّد ذلك المرة الواحدة ما لم يضر به مسلمًا .. فلا يجرح بهذا وإنْ كانت معصيةً لندُورها، ولأنها لا تلحق بالكبائر الموبقات، ولأنَّ أكثر الناس فَلَّما يَسْلَمُون مِنْ مُواقعات بعض الهَنَات، وكذلك لا يسقطها كذبه فيما هو من بابِ التعريض أو الغلوِّ في القول؛ إذْ ليس بكَذِبٍ في الحقيقة وإنْ كانت في صورة الكذب؛ لأنه لا يدخل تحت حدِّ الكذب، ولا يُرِيدُ المُتكَلِّمُ به الإخبار عن ظاهر لفظه وقد قال ﷺ : (أمَّا أبو الجهم: فلا يَضَعُ العصا عن عاتِقِه! ، وقد قال إبراهيم الخليل ﵇: هذه أختي". هذا آخر كلام القاضي رحمه الله تعالى، وقد أتقن هذا الفصل، والله أعلم) اهـ (١) * * *

стр. 477

(٩) باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن إذا أمكن لقاء المُعَنْعِنينَ ولم يكن فيهم مدلس ــ (٩) باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن إذا أمكن لقاء المُعَنْعِنينَ ولم يكن فيهم مدلس هكذا هذه الترجمة في "النووي" (١)، وفي "السَّنوسي": (باب ما تَصِحُّ به رواية الرواة بعضهم عن بعض والتنبيه على من غلط في ذلك) أي: باب في بيان صحة الاحتجاج والاستدلال على حكم من الأحكام كالتحليل والتحريم والوجوب والندب مثلًا بالحديث المعنعن؛ أي: بالحديث الَّذي رُوي بلفظ العنعنة؛ أي: بلفظ: عن فلان عن فلان، وكذا أن فلانًا، قال: على الأصح إذا أمكن واحتمل لقاءُ المعنعنين؛ أي: تلاقي الذين نقل عنهم الحديث بلفظ عن فلان لا بلفظ حدثنا فلان مثلًا، ولم يكن فيهم؛ أي: في أولئك المعنعنين مُدَلِّسٌ؛ أي: مَنْ يفعل التدليس. والمُعَنْعَنُ بصيغة اسم المفعول لغةً: الكلامُ الَّذي كَثُر فيه لفظُ "عَنْ" من قولهم: عَنْعَنَ الكلامَ إذا ذكرَ فيه لفظَ عَنْ بكثرة. واصطلاحًا: هو الحديثُ الَّذي رُوي بلفظ "عن" من غير بيانِ للتحديث أو الإخبار أو السماع أو نحوها. ومثلُه المؤنَّنُ بنونين، أُولاهما مشددة بصيغة اسم المفعول أيضًا. وهو لغةَ: الكلامُ الَّذي ذكر فيه لفظ "أَن" من أَأَنَّ الكلامَ إذا ذكرَ فيه لفظَ "أن" بكثرة. واصطلاحًا: هو الحديث الَّذي رُوي بلفظ "أَنَّ" من غير تصريح للتحديث أو الإخبار أو السماع أو نحوها، وقيل: إنَّ المعنعن والمؤنَّن لفظان مولَّدان. مثال المعنعن كقول بعضِ الرواة: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ كذا وكذا، ومثال المؤنن كقول بعضهم: حدثنا فلان أن فلانًا قال كذا وكذا. وحُكْمُهَا الاتصال والصحة عند الجمهور بشرطين (٢):

стр. 478

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدهما: سلامةُ معنعنه أو مُؤَنِّنِهِ من التدليس. وثانيهما: ثبوت ملاقاته لمن روى عنه بعن أو بأن عند البخاري والجمهور، واكْتفَى مسلم عن الشرط الثاني بثبوت كونهما في عصر واحد كما سيأتي مبسوطًا) اهـ من "الباكورة". والتدليسُ لغةً: الإخفاءُ من قولهم دَلَّسَ العيب في المبيع إذا أخفاه وستره فيه. واصطلاحًا: قسمان: الأول: تدليس الإسناد، وهو: أن يسقط الراوي شيخه لكونه صغيرًا أو ضعيفًا، أو يرتقي إلى شيخ شيخه أو إلى من فوقه ممن هو معاصر لذلك الراوي، فيُسند ذلك إليه بلفظ لا يقتضي الاتصال؛ لئلَّا يكون كذبًا كقوله: عن فلان أو أن فلانًا قال كذا. والثاني: تدليس الشيوخ، وهو: أن يُسَمِّي الراوي شيخَه الَّذي سمع منه بغير اسمه المعروف عند الناس، أو يَكْنِيَهُ أو يُلقِّبه أو ينسبه بكنية غير مشهورة فيه أو لقب غير مشهور فيه؛ أو نسبة غير مشهورة فيه؛ لكي تصعب تلك الطريقُ على غيره (١). اهـ منها وعبارة النووي رحمه الله تعالى: (والتدليس قسمان: أحدهما: أَنْ يَرْويَ عَمَّنْ عَاصَرَهُ ما لم يسمعه منه مُوهمًا سماعَه منه قائلًا: قال فلان أو عن فلان أو نحوه، وربما لم يسقط شيخه وأسقط غيره؛ لكونه ضعيفًا أو صغيرًا تحسينًا لصورة الحديث. وهذا القسمُ مكروهٌ جدًّا، ذَفه أكثرُ العلماء، وكان شعبةُ مِنْ أَشَدِّهم ذمًّا له، وظاهرُ كلامه: أنَّه حرامٌ، وتحريمهُ ظاهرٌ؛ فإنه يُوهِمُ الاحتجاجَ بما لا يجوزُ الاحتجاجُ به، ويتسبَّبُ أيضًا إلى إسقاط العمل بروايات نفسه مع ما فيه من الغُرور، ثم إن مفسدته دائمة، وبعض هذا يكفي في التحريم فكيف باجتماع هذه الأمور؟ ! ثم قال فريق من العلماء: مَنْ عُرف منه هذا التدليس .. صار مجروحًا لا تُقبل له رواية في شيءٍ أبدًا وإنْ بَيَّنَ السماع، والصحيحُ: ما قاله الجماهير: أن ما رواه بلفظ محتمل لم يُبيِّن فيه السماع .. فهو مرسل، وما بَيَّنَهُ فيه كسمعتُ وحدَّثَنا وأخبَرَنا

стр. 479

وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ مُنْتَحِلِي الْحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا في تَصْحِيحِ الأَسَانِيدِ ــ وشِبْهِها .. فهو صحيحٌ مقبولٌ يُحْتَجُّ به، وفي "الصحيحين" وغيرِهما من كُتُب الأصول من هذا الضرب كثيرٌ لا يحصى، كقتادة والأعمش والسُّفْيَانَين وهُشَيم وغيرهم، ودليل هذا: أن التدليسَ ليس كذبًا وإذا لم يكن كذبًا .. فقد قال الجماهير: إنه ليس محرمًا، والراوي عدلٌ ضابط، وقد بيَّن سماعَه فوجَبَ الحُكْمُ بصحته، والله أعلم. واعْلَم: أن ما كان في "الصحيحين" عن المُدَلِّسين بعَنْ ونحوها .. فمحمولٌ على ثبوت السماع من جهةٍ أخرى، وقد جاء كثيرٌ منه في "الصحيحين" بالطريقين جميعًا، فيذكر رواية المدلِّس بعَنْ ثم يذكرها بالسماع ويقصد به هذا المعنى الَّذي ذكرتُه. وأمَّا القسم الثاني: فأنْ يُسَمِّي شيخَه أو غَيره أو ينسبَه أو يَصِفَه أو يَكْنِيَهُ بما لا يُعرف به كَرَاهَةَ أن يُعرف، ويَحْمِلُه على ذلك كونه ضعيفًا أو صغيِرًا أو يستنكف أن يروي عنه لمعنًى آخر، أو يكون مُكثرًا من الرواية عنه فيُرِيدُ أنْ يُغيِّرَه كراهةَ تكرير الرواية على صورةِ واحدةِ، أو لغير ذلك من الأسباب، وكراهةُ هذا القسم أَخَفُّ، وسببُها: توعيرُ طريقِ معرفته، والله أعلم) اهـ من "النووي" أيضًا (١). قال المؤلِّفُ رحمه الله تعالى: (وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ مُنْتَحِلِي) ومُدَّعي علم (الحديثِ) ومنتسبيه، يقال: انتحل شِعْر غيرِه أو قولَ غيرِه إذا ادَّعاه لنفسه، وتَنَحَّلَ مثله، وفلان ينتحل مذهب كذا وقبيلة كذا إذا انتسب إليه. اهـ "مختار". أي: وقد تَكَلَّمَ بعضُ العلماء الذين يَدَّعُون لأنفسهم معرفة علم مصطلح الحديث وينتسبون إليه حالة كونه (من أهلِ عَصْرِنا) وزماننا وقَرْينا، والعَصْر بفتح وسكون: الدهر، وكذا العُصْرُ بضم فسكون، والعُصُر بضمتين مثل عُسْر وعُسُر، قال امرؤ القيس الكندي من بحر الطويل: أَلَا عِمْ صباحًا أيها الطَّلَلُ البالي ... وهل يَعِمَنْ مَنْ كان في العُصُرِ الخالي والجمع: العُصُور اهـ "مختار" والجارُّ والمجرورُ في قوله: (في تصحيح الأسانيد) وتقويتها وتضعيف الأسانيد

стр. 480

وَتَسْقِيمِهَا بِقَوْلٍ لَوْ ضَرَبْنَا عَنْ حِكَايَتِهِ وَذِكْرِ فَسَادِهِ صَفْحًا .. لَكَانَ رَأْيًا مَتِينًا وَمَذْهَبًا صَحِيحًا؛ ــ (وتَسْقِيمِها) وتمريضها: متعلِّقٌ بـ (تَكَلَّم)، وكذلك قولُه: (بقَوْلٍ) بديعٍ وكلامٍ مختَرعٍ: متعلِّقٌ بـ (تكَلَّم). وجملةُ لو الشرطيةِ مع جوابها في قوله: (لو ضَرَبْنا) وأَعْرَضْنا (عن حكايتِهِ) وإيرادِ لفظِه: صفةُ لـ (قَوْلِ)، والحكايةُ لغةً: المماثلةُ، واصطلاحًا: إيرادُ اللفظِ المسموع بهيئته وصفته بلا تغييرٍ كما ذكره الخُضَري في باب الحكاية؛ أي: تَكَلَّمَ بِقَوْلٍ موصوفٍ بقولنا لو ضَرَبْنا وصَفَحْنا وأَعْرَضْنا عن حكاية ذلك القول وإيراد لفظه (وذِكْرِ فَسَادِهِ) أي: فساد معني ذلك القول ومُقْتَضَاه، وقوله: (صَفْحًا) أي: إعراضًا مصدرٌ معنويٌّ لقوله: (ضرَبْنَا) كقولهم: قعدتُ جلوسًا وقمتُ وقوفًا، وفي "المختار": وصَفَح عنه: أعرض عن ذنبه، وبابُه قطع، وضرَبَ عنه صَفْحَا أعرض عنه وتركه. اهـ وفي التنزيل: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الْذِّكْرَ صَفْحًا﴾. وقال النووي: (كذا هو في الأصول: "ضَرَبْنَا"، وهو صحيح وإن كان لُغَةً قليلةً، قال الأزهريُّ: يُقال: ضربْتُ عن الأمر وأَضْرَبْتُ عنه بمعنى كَفَفْتُ وأَعْرَضْتُ، والمشهورُ الَّذي قاله الأكثرون: أضربت بالألف) اهـ (١). وقولُه: ( .. لكان رَأْيًا متينًا) أي: قَويًّا (ومَذْهَبًا صحيحًا) أي: غيرَ فاسدٍ - جوابُ لو الشرطية، واللامُ رابطةُ الجواب بالشرط، يُقال: رأى في الفقه رأيًا إذا قال فيه باجتهاده من غير دليل، فالرَّأْيُ: القولُ بالاجتهاد، ويقال: متُن الشيء إذا صلب، وبابه ظرف، فهو متين؛ أي: صُلْبٌ قوي، ومَتْنا الظهر: مُكْتَنِفا الصلبِ عن يمين وشمال من عصب ولحم، يُذكر ويُؤنث. اهـ "مختار". والمذهبُ: الطريقُ، يُقال: ذَهَب يَذْهَب من باب قَطَعَ ذهابًا وذُهوبًا ومَذْهبًا بفتح الميم إذا مرَّ، والمذهبُ لغةً: الممرُّ والطريقُ، واصطلاحًا: حُكْمٌ مخصوصٌ لقومٍ مخصوصين اتفقوا عليه وذهبوا إليه.

стр. 481

إِذِ الإِعْرَاضُ عَنِ الْقَوْلِ الْمُطَّرَح أَحْرَى لإِمَاتَتِهِ وَإِخْمَالِ ذِكْرِ قَائِلِهِ، وَأَجْدَرُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْجُهَّالِ عَلَيهِ، ــ أي: تَكَلَّمَ بقولِ مخترعٍ موصوفٍ بكون الإعراض عنه فكرًا قويًّا وطريقًا صحيحًا؛ أي؛ أعرضنا إعراضًا عن إيراد لفظه وبيان فساد معناه. و(إذْ) في قوله: (إذِ الإعراضُ) حرفُ تعليلٍ، علّل بها كون الإعراض عنه رأيًا متينًا ومذهبًا صحيحًا؛ إذِ الإعراضُ (عن) ذِكْرِ (القَوْلِ المُطَّرَح) أي: الساقطِ الواهي وتَرْكُ إيرادِه لفظًا ومعنَى (أَخرَى) وأَوْلَى (لِأمَاتَتِهِ) أي: لَإماتَةِ ذلك القول وإعدامِه (وإخْمَالِ ذِكْرِ قائِلِهِ) أي: إسقاطِ ذِكْرِ قائل ذلك القَوْلِ عن ألسنة الناس حتَّى يصيرَ هو وقولُه نَسْيًا مَنْسيًّا عند الناس. وقولُه: (وأَجْدَرُ) وأَحَقُّ بـ (أَنْ لا يكونَ ذلك) أي: حكايتُه وذِكْرُ فسادِه (تنبيهًا) وإيقاظًا (للجُهَّال) والعوامّ (عليه) -أي: على نَشْرَهِ وإفشائهِ- معطوفٌ على (أَحْرَى)، وقولُه: (أَنْ لا يكونَ) على تقدير الباء المتعلِّقة بأَجْدَرُ، ويحتملُ أن تكون جملةُ: (أَنْ لا يكونَ) على تقديرِ لامٍ معلَّلة لمحذوف، و (أَجْدَرُ) عطف على (أَحْرَى)، والتقدير: وإنما كان الإعراضُ عن القَوْلِ المَطَّرَحِ أَحْرَى لإِمَاتَتِهِ وأَجْدَرَ بإخمال ذِكْرِ قائله؛ لئلا يكون ذلك المذكورُ من حكايته وذِكْرِ فسادهِ مُوقظًا للجُهَّالِ على إفشائِهِ ونشرِهِ. يُقال: طَرَحَ الشيءَ وبالشيء: رماه، وبابُه قَطَعَ، واطَّرحه بتشديد الطاء: أَبْعَدَه، والمَطَّرَحُ: القولُ المبعدُ عن الصواب، والمُطارحة: إلقاءُ القومِ المسائلَ بعضهم على بعض، تقول: طَارَحَه الكلامَ متعدِّيًا إلى مفعولين. وقولُه: (أَحْرَى لإِمَاتَتِه) أي: أَشَدُّ تحرِّيًا وقَصْدًا لإِماتَتِه، والتحرِّي في الأشياء: طَلَبُ ما هو أَحْرَى بالاستعمال في غالب الظَّنِّ؛ أي: أَجْدَرُ وأَخْلَقُ، واشتقاقُه من قولهم: هو حَرِيٌّ أَنْ يَفْعَلَ كذا؛ أي: أَجْدَرُ وخَلِيقٌ، وفلان يَتَحَرَّى كذا؛ أي: يتوخَّاه ويقصدُه. وإِمَاتَةُ القولِ: إسقاطُه وإخراجُه عن حَيِّزِ الاعتبار في اللِّسان والجَنان والآذان بحيث لا يُلفظ ولا يُعتقد ولا يُسمع، وفي "القاموس": يُقال: خَمَل ذِكْرُه وصَوْتُهُ

стр. 482

غَيرَ أَنَّا لَمَّا تَخَوَّفْنَا مِنْ شُرُورِ الْعَوَاقِبِ، وَاغْتِرَارِ الْجَهَلَةِ بِمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، وإِسْرَاعِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ خَطَإ الْمُخْطِئِينَ وَالأَقْوَالِ السَّاقِطَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ .. رَأَينَا الْكَشْفَ عَنْ فَسَادِ قَوْلهِ وَرَدَّ مَقَالتِهِ بِقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الرَّدِّ أَجْدَى عَلَى الأَنَامِ، ــ خمولًا: خَفِيَ، وأَخْمَلَهُ اللهُ تعالى فهو خاملٌ: ساقِطٌ لا نَبَاهَة له، وهو من باب نَصَرَ كما صَرَّحَ به أئمةُ اللغة خلافًا لما نقله جماعةٌ من أئمة اللغة الأندلسيين أنَّه يقال: خَمُلَ خَمَالةً ككَرُمَ كَرَامةً. أفادَه شارح "القاموس" (١). ويقال: هو أَجْدَرُ بكذا؛ أي: أَحَقُّ به وجَدِيرٌ به؛ أي: خَلِيقٌ به. وقولُه: (غيرَ أنّا) استدراكٌ، على قوله: (لكان رَأْيًا مَتِينًا ومَذْهَبًا صحيحًا) أي: لكنْ أنا (لمَّا تَخَوَّفْنا) وخشينا (من شُرُورِ العَوَاقِبِ) أي: من ضَرَرِ عاقبةِ ذلك القولِ المَطَّرَحِ على غَالبِ الناسِ وفتنتِهم به ومَيلِهم إليه (و) من (اغْتِرَارِ الجَهَلةِ) وانخداع العوامّ (بمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ) ومُخْتَرَعَاتِهَا ومُبْتَدَعَاتِها (و) من (إسْرَاعِهم) أي: ومن إسراع الجَهَلَةِ ومبادرتهم (إلى اعتقادِ) حقية (خَطَإ المُخطئين) وانحرافِ المنحرفين عن الصواب (و) إلى اعتقادِ أرجحية (الأقوالِ الساقطةِ) والآراءِ الضعيفةِ المتروكةِ (عندَ العُلماءِ) الراسخين والجماهيرِ المحققين والحُفَّاظ المشهورين. و(لمَّا) هنا: حرفُ شرطٍ غيرُ جازمٍ كَـ (لَوْ)، وقولُه: (تَخَوَّفْنَا) فعلُ شرطٍ لها، وقولُه: (رَأَينا .. ) إلخ جوابُ الشَّرْطِ لها. أي: رَأَينا (الكَشْفَ) والبيانَ (عن فَسَادِ قولِه) أي: عن خطإ قول ذلك المنتحل، وفسادِ زعمِه، وقولُه: (الكَشْفَ) مفعولٌ أولُ لـ (رأينا)، وقولُه: (ورَدَّ مَقَالتِهِ) بالنصبِ معطوفٌ على (الكَشْفَ) أي: رَأَينَا الكَشْفَ وَرَدَّ مقالتِه الساقطةِ؛ أي: وَرَدَّ مقالةِ ذلك المنتحل وإنكارَها (بقَدْرِ ما يَلِيقُ) ويُنَاسِبُ (بها) أي: بتلك المقالة (من الرَّدِّ) والإنكار، وهو بيانٌ لما الموصولةِ في قوله: (بقَدْرِ ما يَلِيقُ). وقولُه: (أَجْدَى) وأَنفَعُ: مفعولٌ ثانٍ لِـ (رَأَينا)، وكلمةُ (على) في قوله: (على الأنام) بمعنى اللام؛ أي: رأينا الكَشْفَ والبيانَ عن فسادِ قولهِ، ورأينا رَدَّ مقالتِه بقَدْرِ ما يَلِيقُ بها أَنْفَعَ وَأَفْيَدَ للعوامِّ والجُهَّالِ الذين هُمْ كالأنعام والبهائمِ في عدم

стр. 483

وَأَحْمَدَ لِلْعَاقِبَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ ــ معرفة مصالحهم، وهو اعتقادُ أصوبية القول السديد واتباعُ المذهب الصحيح عند العلماءِ الأخيار والأئمةِ الأعلام. وعبارةُ النووي: ("أَجْدَى" بالجيم و"الأنام" بالنون، ومعناه: أَنْفَع للناس، هذا هو الصواب، ووَقَعَ في كثيرٍ من الأُصول: "أَجْدَى عن الآثام" بالثاء المثلثة، وهذا وإنْ كان له وَجْهٌ .. فالوَجْهُ هو الأول، ويُقال في الأنام أيضًا: الأنيم، حكاه الزبيديُّ والواحديُّ وغيرُهما) اهـ (١). (وأَحْمَدَ) بالنصب معطوفٌ على (أَجْدى) أي: رأينا ذلك الكَشْفَ والرَدَّ أَنْفَعَ وأَفْيَدَ للأنام والعوامِّ الذين لم يُرْزَقُوا التيقُّظَ في الحديث، وأَحْسَنَ (للعاقبةِ) أي: لعاقبة أمرهم الَّذي هو اعتقادُ خطإ المخطئين؛ لأنه ربما يكون هذا الكَشْفُ والردُّ سببًا لرجوعهم عن ذلك الاعتقادِ السيء، فتكون عاقبتُهم محمودةً بالرجوع عن ذلك الاعتقاد، وأَتَى بقوله: (إنْ شاءَ اللهُ) كَشْفَنا فسادَ قوله وَرَدَّنا مقالتَه؛ لِمَا مَرَّ في أول الكتاب فَجَدَّدَ العَهْدَ به. اللغة: (لَمَّا تَخَوَّفْنا) يقال: تخوفت عليه الشيء؛ أي: خفت، وتفعَّل هنا لمبالغة الثلاثي، وفيِ "القاموس": خاف يخاف إذا فزع خوفا وخَيفًا ومخافَةً وخِيفةً بالكسر، وأصلها: خِوْفة وجمعها: خيف؛ أي: لمَّا خفنا مخافةً بليغةً (من شُرُورِ العَوَاقِبِ). و(الشرور): جمع شَرّ، والشرُّ بفتح الشين ويُضمّ: نقيضُ الخير، يقال: شرَّ يَشُرُّ وَيشِرُّ من بابي ضرب ونصر (٢)، شرًّا وشرارة إذا فعل ضررًا. و(العواقب): جمع عاقبة، وعاقبةُ كُل شيءٍ: آخِرهُ ومآلُه. و(الاغترار): الانخداعُ بما ظاهرهُ صحيحٌ وباطِنُهُ فاسدٌ. و(الجَهَلَةُ): جمع جاهل، ككَمَلَةٍ جمع كامل، والمرادُ بالجاهل هنا: العامِّيُّ

стр. 484

وَزَعَمَ الْقَائِلُ الَّذِي افْتَتَحْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْحِكَايَةِ عَنْ قَوْلِهِ وَالإِخْبَارِ عَنْ سُوءِ رَويَّتِهِ: ــ الَّذي لم يُرْزَقْ معرفةَ أسباب الحديث وعلله. وإضافةُ (مُحْدَثات) إلى (الأُمور) من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: بالأمور المُحْدَثة، والمُحْدَثَةُ: كُل ما أُحدث واختُرع على غير مثالٍ سابقٍ. و(الأُمورُ): جمعُ أَمْر بمعنى الشيء، لا الأمر بمعنى الطلب؛ فإنه يُجمع على الأوامر. و(الخطأ): ضِدُّ الصواب، والمخطئين: جمع مخطئ، والمخطئ: هو مَنْ خَالفَ الصوابَ في اعتقادهِ أو قوله أو فعلِه. و(ساقطة القول): خطؤُه ورديئه، وساقطة الناس: لئيمهم في حسبه ونفسه، وقوم سَقْطَى بوزن مَرْضَى: لئامُهم، يقال سقط الشيء من يده من باب دخل. و(الكشف): إزالة الستر عن الشيء والبيان والشرح، و (ردّ المقالة): إنكاره على قائله. (وأَجْدَى على الأنام): من جداه جدوى: أعطاه جدوى، والجدوى: ما ينفع ويغني عن الغير، وفي "القاموس": الأنام كسحابٍ وساباطٍ وأميرٍ: الخَلْقُ، أو الجن والإنس، أو جميع ما على وجه الأرض. اهـ (وزَعَمَ) أي: قال قولًا فاسدًا لا دليلَ عليه هذا (القائلُ)؛ لأن الزعمَ: القولُ الرديء الَّذي لا دليلَ عليه (الَّذي افْتَتَحْنَا) وابتَدأْنا الآن (الكلامَ على الحكايةِ) والرواية (عن قولِهِ) أي: قولِ ذلك الزاعم، وقد قدَّمْنا آنفًا أن الحكايةَ: إيراد الكلام المسموع بهيئته وصفته، و (على) في قوله: (على الحكاية) بمعنى في، و (عَنْ) في قوله: (عَنْ قوله) زائدةٌ في المعنى؛ أي: وزعم هذا القائل الَّذي افتتحنا الكلام في حكايةِ قوله وإيرادِ لفظه. وقولُه: (والِأخْبَارِ) بالجرِّ معطوفٌ على الحكاية؛ أي: وافتتحنا الكلامَ في الإخبار (عن سُوءِ) وقُبْحِ (رَويَّتِهِ) وفِكْرِه، والرَّويَّةُ بفتح الراء وكسر الواو وتشديد الياء المفتوحة: الفِكْرُ والعقيدةُ، يُقال: روَّى في الأمر ترويةَ نَظَرَ فيه وفكَّرَ، والاسمُ: الروية.

стр. 485

أَن كُلَّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ فِيهِ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا قَدْ كَانَا في عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَجَائِزٌ ــ وجملةُ أن في قوله: (أن كُلَّ إسنادٍ لحديثٍ) سَادة مسدّ مفعولي (زَعَمَ)، وفي "الكواكب الدرية" (١/ ١٣٧): (والأكثرُ وقوعُها على أنْ بالتخفيف وأنَّ بالتشديد وصِلَتِهما فيسدّان مسدّ مفعوليها كما قاله سيبويه والجمهورُ. وقال الأخفشُ: إنَّ المفعولَ الثاني محذوفٌ. قال السيرافي: والزعمُ: قولٌ يقترن به اعتقادٌ صَحَّ أو لم يَصِحَّ) اهـ. وبمعناه قولُ غيره: الزعمُ: قولٌ يُطْلَقُ على الحقّ والباطل، وأكثرُ ما يقال فيما شُكَّ فيه، ولم يستعمل في القرآن إلَّا للباطل، وقد استُعمل في غيره للصحيح كقول هِرَقْل لأبي سفيان: زعمت، وكقول أبي طالب في مدح النبي ﷺ : ودعوتَني وزعمتَ أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا قال السُّبْكِيُّ: ولكنْ إذا تَأَمَّلْته .. وجدتَه يُستعمل حيث يكون المتكلِّمُ شاكًّا، فهو كقَوْلٍ لم يَقُم الدليلُ على صحته، وإنْ كان صحيحًا في نفس الأمر. اهـ والجارُّ والمجرورُ في قوله: (لحديثٍ) صفةٌ أُولى لـ (إسْنَادِ) أي: أن كُلَّ إسنادٍ كائنٍ لحديث، والجارُّ والمجرورُ في قوله: (فيه) أي: في ذلك الإسناد متعلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ لقوله: (فُلانٌ عن فُلانٍ) وهو مبتدأٌ مؤخرٌ محكيٌّ، والجملةُ الاسميةُ في محل الجر صفة ثانية لإسنادٍ؛ أي: زَعَمَ أن كُلَّ إسنادٍ كائنٍ لحديث موصوفٍ ذلك الإسناد بكَوْنِ فلانٍ عن فلان موجودًا فيه؛ أي: موصوفٍ بوجود العَنْعَنة فيه. والواو في قوله: (وقد أحاط العِلْمُ) واليقينُ: حاليةٌ، والجملةُ حالٌ من الضمير المستكنّ في الجاز والمجرور في قوله: (فيه فُلانٌ عن فُلانٍ) أي: والحالُ أنَّه قد أحاط عِلْمُ أهل عصرهما، والجارُّ والمجرورُ في قوله: (بأنَّهما) متعلِّقٌ بأحاط؛ أي: وقد أحاطَ عِلْمُ أهل عصرهما بأنَّ فلانًا الراوي وفلانًا المروى عنه (قد كانا) ووُجدا (في عصرٍ واحدٍ) وقَرْنٍ واحدٍ؛ أي: والحالُ أنَّه قد تَيَقَّنَ أهلُ عصرِهما بوجدانهما في زمنٍ واحدٍ. وجملةُ قوله: (وجائزٌ ... ) إلخ في محلّ النصب على الحال معطوفة على جملة

стр. 486

أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَى الرَّاوي عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ وَشَافَهَهُ بِهِ، غَيرَ أَنَّهُ ــ قوله: (وقد أحاطَ العِلْمُ ... ) إلخ؛ أي: زَعَمَ هذا القائلُ أن كُلَّ إسنادٍ فيه فُلانٌ عن فُلانٍ والحالُ أنَّه قد أحاط العِلْمُ بأنهما قد وُجدَا في عصرِ واحدٍ وأنه جائزٌ أي: مُمْكِنٌ (أَنْ يكونَ الحديثُ الَّذي رَوَا) هـ (الراوي) بالعنعنة. وقولُه: (عَمَّنْ رَوَى عنه) متعلَّقٌ بقوله: (قد سَمِعَه)، وقولُه: (منه) حَشْوٌ في هذه النسخة كما هو ساقطٌ في بعض النُّسخ، وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، وضميرُ المفعول في (سَمِعَه) راجعٌ إلى الحديث، والتقديرُ: والحالُ أنَّه جائزٌ مُمْكِنٌ أن يكون الحديثُ الَّذي رواه الراوي بالعنعنة قد سَمِعَه عمَّنْ روى عنه بِأُذُنِه بلا واسطة. وقولُه: (وشَافَهَهُ بهِ) معطوفٌ على (سَمِعَه) تأكيدًا له، وضميرُ الفاعلِ المستترُ في شَافَه عائدٌ على الشيخَ الَّذي روى عنه، وضميرُ المفعولِ البارزُ فيه عائدٌ على التلميذ الراوي، وضميرُ (به) عائدٌ على الحديث، والجملةُ موكِّدةٌ لما قبلها كما قُلْنا آنفًا؛ أي: وشَافَه الشيخُ المَرْويُّ عنه التلميذَ الراويَ عنه بالحديث وخَاطَبه وكَلَّمَه به بلسانه بلا واسطة، وفي "المختار": المشافهة: المخاطبةُ مِنْ فِيه إلى فِيه) اهـ. والحاصلُ: أن قولَه: (جائزٌ) مبتدأٌ ليس له خبرٌ، بل استغنى بمرفوعه، و (الحديثُ) اسمُ يكون، و (الَّذي) صفةٌ للحديث، وجملةُ (رَوَى الراوي) صلةُ الموصول، والعائدُ محذوفٌ كما قَدَّرْناه، وقولُه؛ (عَمَّنْ رَوَى عنه) متعلِّقٌ بقوله: (قد سَمِعَه)، وجملةُ: (قد سَمِعَه) خبرُ يكون، وقولُه: (منه) حَشْوٌ لا حاجةَ إليه، وقولُهُ: (وشَافَهَه به) معطوفٌ على (قد سَمِعَه) والتقديرُ: وجائزٌ أن يكون الحديثُ الَّذي رواه الراوي بالعنعنة مسموعًا له عمَّنْ رَوَى عنه بأذنه أو مشفوهًا به عنه بلسانه، وجملة (يكون) مع (أَنْ) المصدرية في تأويل مصدرٍ مرفوعٍ على الفاعلية لـ (جائزٌ)، والتقديرُ: والحالُ أنَّه جائزٌ كونُ الحديثِ الَّذي رواه الراوي بالعنعنة مسموعًا عمَّنْ روى عنه باُذُنِه أو مشفوهًا به عنه بلسانه. وقولُه: (غيرَ أنَّه) استثناءٌ واستدراكٌ من احتمال كون الحديث مسموعًا له عمَّنْ رَوَى عنه المذكور بقوله: (وجائزٌ أنْ يكونَ الحديثُ ... ) إلخ؛ أي: غَيرَ أن الشأن

стр. 487

لَا نَعْلَمُ لَهُ مِنْهُ سَمَاعًا، وَلَمْ نَجِدْ في شَيءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا الْتَقَيَا قَطُّ، أَوْ تَشَافَهَا بِحَدِيثٍ أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ عِنْدَهُ ــ والحال (لا نَعْلَمُ له) أي لذلك الراوي بالعنعنة (منه) أي: ممَّنْ رَوَى عنه متعلِّقٌ بقوله: (سماعًا) أي: لكنْ أن الشأنَ والحال لا نعلم له سماعًا منه. وجملةُ قوله: (ولم نَجِدْ) نحن (في شيءٍ من الروايات) الجارية بينهما: معطوفةٌ على جملة قوله: (لا نَعْلَمُ) على كَوْنِها خبرًا لأَنَّ، وجملةُ (أن) في قوله: (أنَّهما) أي: أن الراويَ والمَرْويَّ عنه (التقيا) واجْتَمَعا في مكانٍ واحدٍ: في تأويلِ مصدرٍ منصوبٍ على أنَّه مفعولٌ به لـ (نَجِدْ)، إنْ قلنا: إنه من وُجدان الضالّة؛ لأنه يتعدَّى إلى مفعول واحدٍ، أو سادٌّ مسدَّ مفعوليها إن قلنا: إنه بمعنى عَلِمَ. وقولُه: (قَطُّ) ظرفٌ مستغرقٌ لِمَا مَضَى من الزمان متعلِّقٌ بـ (لَمْ نَجِدْ)؛ لأنه لا يتعلَّقُ إلَّا بالماضي المَنْفِيِّ لفظًا أو معنًى. وقولُه (أو تَشَافَها) أي: تَشَافَهَ الراوي والمَرْويُّ عنه وتَخَاطَبَا (بحديثٍ) ما، قليلٍ أو كثيرٍ: في محل الرفع معطوف على (التَقَيَا) على كونه خبرًا لأنَّهما، وجملةُ أنَّهما في تأويلِ مصدرٍ منصوبٍ على أنَّه مفعولٌ به لـ (نَجِدْ)، والتقديرُ: ولم نَجِدْ قَطُّ في شيءٍ من الروايات الواقعة بينهما التقاءَهما أو تشافُهَهما بحديثٍ. وجملةُ: (لم نَجِدْ) في محلّ الرفع معطوفة على جملة قوله: (لا نَعْلَمُ) على كونها خبرًا لأنَّ في قوله: (غيرَ أنَّه) والتقدير: غير أنَّه عادِمٌ عِلمُنا سماعًا له منه، وعادم وجدانُنَا في زمن من الأَزْمِنَةِ الماضية في شيء من الروايات الجارية بينهما التقاءَهما بأبدانهما أو تشافهَهما بحديث. والاستثناء في (غيرَ) منقطعٌ، فهو بمعنى لكن الاستدراكية، وجملة أن من اسمِها وخبرِها في تأويلِ مصدرٍ مرفوعٍ على كونه مبتدأ، خبرُه محذوفٌ، والتقديرُ: لكنْ عدمُ عِلْمِنا سماعًا له منه وعدم وجداننا في زمن من الأزمنة في شيءٍ من الروايات التقاءهما بأبدانهما أو تشافُهَهُما بحديثٍ موجود، والجملةُ الاسميةُ جملة استدراكية لا مَحَلَّ لها من الإعراب. وجملةُ أن في قوله: (أن الحُجَّة لا تقومُ عنده ... ) إلخ في محلّ الرفع خبر لأنَّ

стр. 488

بِكُل خَبَرٍ جَاءَ هَذَا الْمَجِيءَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا مِنْ دَهْرِهِمَا مَرَّةً ــ في قوله: (أن كُلَّ إسنادٍ لحديثٍ فيه فُلانٌ عن فُلانٍ)، والتقديرُ: وزَعَمَ هذا القائلُ الَّذي افْتَتَحْنَا الكلامَ في حكايةِ قوله أن كُلَّ إسنادٍ لحديثٍ فيه عَنْعَنَةٌ أن الحُجَّة لا تقومُ به، أي: أن الاحتجاجَ والاستدلال على حُكْمٍ من الأحكام الشرعية من التحريم والتحليل مثلًا لا يَصِحُّ عنده (بكُلِّ خَبَرٍ) وحديثٍ (جاءَ) وخَرَجَ (هذا المجيءَ) أي: هذا المَخْرجَ؛ أي: مخرجَ العنعنة. وجملةُ (لا تقومُ) خبر أن، والجارُّ والمجرورُ في قوله: (بكُلِّ خبرٍ) متعلِّقٌ (بالحُجَّةَ)؛ لأنه اسمُ مصدرٍ بمعنى الاحتجاج. وجملةُ (جاء) صفةٌ لـ (خَبَرٍ)، والتقديرُ: أن الاحتجاج والاستدلال بكُلِّ خَبَرٍ جاء هذا المجيءَ على حُكْمٍ من الأحكام الشرعية غيرُ صحيح عنده، وجملةُ أن هذه - أعني الثانيةَ - في محل الرفع خبر لأنَّ الأولى -أعني قوله: (أن كُلَّ إسنادٍ ... ) إلخ - تقديره: زَعَمَ هذا القائلُ أن كُلَّ إسنادٍ فيه فلانٌ عن فلانٍ غيرُ صحيحِ الاحتجاجِ والاستدلالِ به عنده، وجملةُ أن الأُولى في تأويل مصدرٍ سادٍّ مَسَدَّ مفعولَي زَعَمَ، تقديرُه: زَعَمَ هذا القائلُ الَّذي افْتَتَحْنَا الكلامَ في حكايةِ قوله والإخبارِ عن سُوء رَويَّتِه عدم صحةِ الاحتجاجِ عنده بكلِّ خبرِ جاء مجيءَ العنعنة. و(حتَّى) في قوله: (حتَّى يكونَ عندَه) جازةٌ متعلِّقةٌ بتقومُ، قال النوويُّ: (هكذا ضبطناه "حتَّى يكونَ" بالتاء المثناة من فوق في "حتَّى" وبالياء المثناة من تحت في "يكونَ"، وهكذا هو في الأصُول الصحيحة المعتمدة، ووقَعَ في بعض النَّسخ: "حين نكون" بالياء في "حين" وبالنون في "نكون"، وهو تصحيف، والله أعلم) (١). أي: أن الحُجَّةَ لا تقومُ عنده بكُلِّ خَبَرٍ جاء هذا المجيءَ حتَّى يكونَ ويَحْصُلَ عنده أي: عند ذلك الزاعم (العِلْمُ) أي: عِلْمُ أهلِ عصرهما (بأنَّهما) أي: بأنَّ الراويَ والمَرْويَّ عنه (قد اجْتَمَعَا) في زَمَنٍ (مِنْ دَهْرِهِما) أي: من عُمُرِهما (مَرَّةً) أي:

стр. 489

فَصَاعِدًا، أَوْ تَشَافَهَا بِالْحَدِيثِ بَينَهُمَا، أَوْ يَرِدَ خَبَرٌ فِيهِ بَيَانُ اجْتِمَاعِهِمَا وَتَلَاقِيهِمَا مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِمَا فَمَا فَوْقَهَا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ، وَلَمْ تَأْتِ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ تُخْبِرُ أَنَّ هَذَا الرَّاويَ عَنْ صَاحِبِهِ ــ اجتماعًا مرَّةَ، فمرَّةَ: منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفةٌ لمصدرٍ محذوف، ويصح نصبه على الظرفية، والمعنى حينهحذ: قد اجتمعا زمانًا مَرَّةً من دهرهما. والفاءُ في قوله: (فصَاعِدًا) عاطفةٌ لمحذوفٍ على (اجْتَمَعَا)، وصاعدًا؛ حالٌ مفيدةٌ لازدياد العدد حُذِفَ عاملُها وصاحبُها وجوبًا، والتقدير: بأنهما قد اجتمعا مرَّة واحدةً من دهرهما فزادَ العددُ؛ أي: عَدَدُ مَرَّاتِ اجتماعِهما حال كونه صاعدًا؛ أي: زائدًا على مَرَّةٍ واحدةٍ، وقد بسطنا الكلام على هذه الحال في شرحنا "نزهة الألباب على ملحة الإعراب"، فراجعه إن أردت الخوضَ في هذه الحال. (أو) حتَّى يَحْصُلَ العِلْمُ بأنهما قد (تَشَافَها) وتخاطبا بشفتيهما (بالحديث) الَّذي جَرَتْ روايتُه (بينَهما) أي: بين الراوي والمَروي عنه، وقولُه: (أو يَرِدَ) معطوفٌ على (يكونَ) أي: لا تقومُ الحُجَّةُ به حتَّى يَحْصُلَ العِلْمُ باجتماعهما مرَّةً واحدةً أو بتشافههما بالحديث أو حتَّى يَرِدَ (خَبَرٌ) وحديثٌ (فيه) أي: في سَنَدِ ذلك الحديثِ (بيانُ) وتصريحُ (اجتماعِهما) بأبدانهما (وتلاقِيهما) بأعْيُنِهما (مَرَّةً) واحدةً، ظرفٌ تَنَازَعَ فيه المصدران؛ أي: وقتًا واحدًا (مِنْ دَهْرِهِما) وعُمْرِهِما (فَمَا فوقَها) معطوفٌ على (مَرَّةَ) أي: فيه بيانُ اجتماعِهما وتلاقيهما في وقتٍ واحدٍ من دهرِهما أو في وقتٍ فوقَ مَرَّةٍ واحدةٍ. و(ما) في قوله: (فمَا فوقَها) موصوفةٌ، و (فوقَها) صفةٌ لها؛ أي: اجتماعهما مَرَّةً واحدةً فوقتًا كائنًا فوقَها؛ أي: فوقَ المرَّةِ الواحدة. (فإنْ لم يَكُنْ) ولم يُوجَدْ (عندَه) أي: عندَ ذلك الزاعم (عِلْمُ ذلك) أي: عِلْمُ اجتماعِهما مَرَّةً من دَهْرِهِما أو عِلْمُ تَشَافُهِهِما بالحديث (ولم تَأْتِ) أي: ولم تَجِيءْ (روايةٌ صحيحةٌ) مَتْنًا وسَنَدًا (تُخْبِرُ) تلك الروايةُ وتدُلُّ على (أن هذا الراويَ عن صاحبِه) وشيخه بالعنعنة.

стр. 490

قَدْ لَقِيَهُ مَرَّةً وَسَمعَ مِنْهُ شَيئًا .. لَمْ يَكُنْ في نَقْلِهِ الْخَبَرَ عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ ذَلِكَ - وَالأَمْرُ كَمَا وَصَفْنَا - حُجَّةٌ، وكَانَ الْخَبَرُ عِنْدَهُ مَوْقُوفًا حَتى يَرِدَ عَلَيهِ ــ وقولُه: (قد لَقِيَه) خبرُ (أن) أي: تدلُّ على أن هذا الراويَ قد لَقِيَ صاحبَه ورآه ولو (مَرَّةً) واحدةً من دهرِهما (وسَمعَ منه) أي: من صاحبه (شيئًا) من الحديث قليلًا أو كثيرًا. وقولُه: (فإنْ لم يَكُنْ ... ولم تَأْتِ) فعلُ شرطِ جوابُه قولُه: ( .. لم يَكُنْ في نَقْلِهِ) أي؛ في نقل ذلك الراوي (الخبرَ) والحديث (عمن روى عنه ذلك) الخبر، والجارُّ والمجرور في قوله: (في نَقْلِه) خبرٌ لـ (يكُن) مُقَدَّمٌ على اسمها الآتي، وقولُه: (الخَبَرَ) مفعولٌ لـ (نَقْلِهِ)؛ لأنه مصدرٌ مضافٌ إلى فاعله، والجارُّ والمجرورُ في قوله: (عَمَّنْ رَوَى عنه) متعلِّقٌ بـ (نَقْلِه). وقولُه: (ذلك) مفعولُ (روى)، وفي بعض النسخ: (علم ذلك) بزيادة لفظة: (عِلْم) قبل ذلك، وهو تصحيف من النُّسَّاخ، والإشارةُ في (ذلك) راجعة إلى (الخَبَرَ) وهو حَشْوٌ لا حاجة إليه، وكذلك قوله: (والأَمْرُ كما وَصَفْنا) حَشْوٌ لا حاجة إليه. أي: والحالُ أن الأمر والشأن كائن كما وصفنا وذكرنا من عدم علم اجتماعهما وتلاقيهما وعدم إتيانِ روايةٍ صحيحةٍ تدلُّ على ذلك، وهذه الجملةُ معترضةٌ بين (يَكُنْ) واسمها وهو قولُه: (حُجَّةٌ)، والتقديرُ: فإنْ لم يكن عنده عِلْمُ ذلك ولم تَرِدْ رواية صحيحة تدلُّ على ذلك ... لم يَكُنْ في نَقْلِهِ ذلك الخَبَرَ عَمَّنْ رَوَى عنه بالعنعنة حُجَّةٌ والأمرُ كما وَصَفْنا؛ أي: لم يَكُنْ في ذلك الخبرِ فائدةُ احتجاجٍ ولا استدلالٍ على حُكْمٍ من الأحكام الشرعية، ولم يَثْبُتْ به حُكْمٌ من الأحكام (١). (وكان) ذلك (الخَبَرُ) الَّذي في إسناده: عَنْ فلانٍ عن فلان (عندَه) أي: عندَ هذا الزاعمِ الَّذي اشترط الاجتماعَ والتلاقيَ أو إتيان روايةِ صحيحةٍ تدُلُّ على التلاقي (موقوفًا) على مَنْ رَواه بالعنعنة (حتَّى يَرِدَ عليه) أي: عنده؛ أي: عند هذا الزاعم، فـ (ـعلى) هنا بمعنى عندَ؛ أي: كان الخبرُ موقوفًا على راويه حتَّى يرد ويثْبت عند هذا الزاعم سماعُه منه لشيءٍ من الحديث.

стр. 491

سَمَاعُهُ مِنْهُ لِشَيءٍ مِنَ الْحَدِيثِ قَل أَوْ كَثُرَ في رِوَايَةِ مِثْلِ مَا وَرَدَ ــ ويحتملُ كونُ (على) على معناها متعلِّقةَ بقوله: (موقوفًا)، ففي الكلام حينئذٍ تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقديرُ: وكان هذا الخبرُ المَرْويُّ بالعنعنة عند هذا الزاعم (موقوفًا عليه) أي: على راويه المُعَنْعِنِ حتَّى يَرِدَ ويَثْبُتَ (سَمَاعُهُ) أي: سماعُ ذلك المُعَنْعِنِ (منه) أي: من صاحبه وشيخه (لشيءٍ من الحديث) سواءٌ (قَلَّ) ذلك الشيءُ الَّذي سمعه منه (أو كَثْرَ). وقولُه: (في روايةٍ مِثْلِ مَا وَرَد) متعلِّقٌ بـ (يَرِد) أي: حتَّى يَرِدَ ويَثْبُتَ في روايةِ مَتْنٍ مُماثلٍ لما وَرَدَ ورُوي بالسَّنَدِ المُعَنعن سمَاعُهُ لشيءٍ من الحديث، وهذا على قراءة (مثل) بإضافة (رِوَايةٍ) إليه، وفي بعض النسخ بتنوين (رواية) وجَرِّ (مِثْلِ) على أنَّه صفةٌ لرواية، والمعنى: حتَّى يرد سماعُه منه في روايةٍ مماثلةٍ لما ورد ورُويَ بالعنعنة. فصل قال النوويُّ: (وحاصلُ ما في هذا الباب: أن مسلم رحمه الله تعالى ادَّعى إجماع العلماء قديمًا وحديثًا على أن المُعَنْعَن وهو الَّذي فيه (فُلانٌ عن فُلانٍ" محمولٌ على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاءُ مَنْ أضيفت العنعنةُ إليهم بعضهم بعضًا، يعني مع براءتهم من التدليس. ونَقَلَ مسلمٌ رحمه الله تعالى عن بعض أهل عصره أنَّه قال: لا تقومُ الحُجَّةُ بها ولا يُحمل على الاتصال حتَّى يَثْبُتَ أنهما التَقَيَا في عُمُرِهما مَرَّةً فأكثرَ، ولا يكفي إمكانُ تلاقيهما، قال مسلمٌ: وهذا قولٌ ساقطٌ مخترَعٌ مستحدثٌ لم يُسْبَقْ قائله إليه، ولا مُسَاعِدَ له مِنْ أَهل العلم عليه، وأن القولَ به بدعةٌ باطلةٌ. وأَطْنَبَ مسلمٌ رحمه الله تعالى في الشناعة على قائله، واحتج مسلم بكلام مختصَرُه: أن المعنعن عند أهل العلم محمولٌ على الاتصال إذا ثَبَتَ التلاقي مع احتمالِ الإرسال، وكذا إذا أمكن التلاقي). وهذا الَّذي صارَ إليه مسلمٌ قد أنكره المحققون وقالوا: هذا الَّذي صارَ إليه مسلمٌ ضعيفٌ، والذي رَدَّه هو المختارُ الصحيحُ الَّذي عليه أئمَّةُ هذا الفنِّ كعليِّ بن المديني والبُخَاريِّ وغيرِهما.

стр. 492

وَهَذَا الْقَوْلُ - يَرْحَمُكَ اللهُ - في الطَّعْنِ في الأَسَانِيدِ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ مُسْتَحْدَثٌ، غَيرُ مَسْبُوقٍ صَاحِبُهُ إِلَيهِ، ــ وقد زادَ جماعةٌ من المتأخرين على هذا، فاشترط القابسيُّ أن يكونَ قد أَدْرَكَه إدراكًا بَيِّنًا، وزاد أبو المظفّر السَّمْعانيُّ الفقيهُ الشافعيُّ فاشترط طولَ الصُّحْبة بينهما، وزادَ أبو عَمْرٍو الدانيُّ المُقْرِئ فاشترط معرفتَه بالرواية عنه. ودليلُ هذا المذهبِ المختار الَّذي ذَهَبَ إليه البُخَارِيُّ وغيرُه: أن المعنعن مع التلاقي إنما يُحمل على الاتصال؛ لأن الظاهرَ من المعنعن غير المدلِّس: أنَّه لا يُطلق ذلك إلَّا مع السماع، بخلاف ما إذا لم يُعرف التلاقي. وذَهَبَ بعضُ أهل العلم إلى أن المعنعن لا يُحْتَجُّ به مطلقًا؛ لاحتمال الانقطاع، وهذا المذهبُ مردودٌ بإجماع السلف، ودليلُهم ما أَشَرْنا إليه من حصول غلبة الظن مع الاستقراء، هذا حُكْمُ المُعَنْعَن. واخْتُلِفَ في كلمةِ "أَنَّ" كقوله: حدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أن سعيدَ بن المُسَيِّب قال كذا أو حدَّثَ بكذا أو نحوه، فالجمهورُ أن لفظةَ "أَنَّ" كعَنْ، فيُحمل على الاتصال بالشرط المتقدم، وقال أحمدُ بن حنبل ويعقوب بن شَيبة وأبو بكرِ البَرْدِيجِيُّ: لا تُحمل (أن) على الاتصال، والصحيحُ الأولُ، وكذا: قال وحدَّث وذَكَرَ وشِبْهُها، فكلُّه محمولٌ على الاتصالِ والسماع) اهـ (١). هذا كُلُّه حُكْمُ غير المُدَلِّس، وأمَّا المُدَلِّسُ .. فقد مَرَّ الكلامُ فيه. (وهذا القولُ) أي قول الَّذي شَرَطَ في صحة الاحتجاج بالمُعَنْعَنِ الاجتماعَ والتلاقيَ أو التشافُهَ أو إتيانَ روايةِ صحيحةٍ تَدُلُّ على ذلك. وقولُه: (يَرْحَمُكَ الله) جملةٌ دعائيةٌ خاطبَ بها مَنْ سأله تأليفَ هذا الجامع كما مَرَّ في أول الكتاب. أي: وهذا القولُ الَّذي قيل: (في الطعْنِ في الأسانيدِ) المُعَنْعَنَةِ وتضعيفها وعدمِ صحةِ الاحتجاج بها (قولٌ مُخْتَرَعٌ) أي: مختلقٌ اختلقه قائلُه مِنْ عندِ نفسه، (مُسْتَحْدَثٌ) أي: مُبْتَدَعٌ لم يَقُلْه أَحَدٌ من السَّلفِ (غَيرُ مسبوقٍ صاحبُه) أي: قائلُه (إليه) أي: إلى

стр. 493

وَلَا مُسَاعِدَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيهِ، وَذَلِكَ أَن الْقَوْلَ الشائِعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيهِ بَينَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوايَاتِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا: أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ثِقَةٍ رَوَى عَنْ مِثْلِهِ حَدِيثًا، وَجَائِزٌ مُمْكِنٌ لَهُ لِقَاؤُهُ وَالسَّمَاعُ مِنْهُ؛ لِكَوْنهِمَا جَمِيعًا كَانَا في عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَأتِ ــ قول هذا القول واختراعِه (ولا مُسَاعِدَ) أي: لا معضِّدَ ولا مُعِينَ ولا مُوَافِقَ (له) أي: لصاحب هذا القول أحَدٌ (مِنْ أهل العِلْمِ) والحديثِ الراسخين فيه (عليه) أي: على صِحَّةِ هذا القول الَّذي اخْتَرَعَهُ من اشتراط الشروط المذكورة في الأسانيدِ المعنعنة. (وذلك) أي: ودليلُ ذلك الَّذي قُلْنا مِنْ أَنَّ هذا القولَ الَّذي يَشْتَرِطُ الشُّروطَ المذكورةَ في الأسانيد المعنعنة قولٌ مختَرعٌ مستحدَثٌ، وهو مبتدأٌ، خبرُه جملةُ أن في قوله: (أن القولَ الشائعَ) المستفيضَ بين الناس (المُتَّفَقَ عليه) أي: على صحته (بينَ أهلِ العلم) والمعرفةِ (بالأَخْبَارِ) والأحاديثِ أي: بأسبابها وصحتها وضعفها من حيثُ المتونُ (و) أهلِ العلمِ بـ (الرِّواياتِ) الصحيحة والضعيفة من حيثُ الأسانيدُ. وقولُه: (قديمًا وحديثًا) منصوبان بنَزْعِ الخافضِ المتعلِّق بالمُتَّفَقِ عليه؛ أي: أن القولَ المُتَّفَقَ عليه بينهم في الزمنِ القديم والزمن الحديثِ؛ أي: الأخيرِ. وجملةُ أن في قوله: (أَنَّ كُل رجلٍ ثِقَةٍ) خبرٌ لأن الأُولى، أعني قوله: (أن القولَ الشائعَ)، و (كُلَّ رجلٍ) اسمُ أن هذه؛ أي: أن كُلَّ راوٍ رجلًا كان أو امرأةً (ثقةٍ) صفةٌ لرجلٍ؛ أي: أن كُل راوٍ موثوقٍ به مأمونٍ (رَوَى) وحَدَّثَ بالعنعنة (عن) راوٍ (مِثْلِهِ) أي؛ مُمَاثِلٍ له في الموثوقية، وعدمِ التدليسِ (حديثًا) مفعول (رَوَى) أي: رَوَى عنه بالعنعنة حديثًا قلَّ أو كَثُرَ. (وجائزٌ مُمْكِنٌ) أي: والحالُ أنَّه جائزٌ مُمْكِنٌ؛ أي: مُحْتَمِلٌ، فمُمْكِنٌ: عطفُ بيانٍ لجائزٌ (له) أي: لذلك الرجل الراوي (لقاوه) أي: لقاءُ مثلِه الَّذي رَوَى عنه؛ أي: وجائزٌ مُمْكِنٌ تلاقيهما (والسَّمَاعُ) أي: سماعُ الرجل الراوي الحديثَ (منه) أي: من مثله الَّذي رَوَى عنه (لِكَوْنِهِما) أي: لكَوْنِ كُلِّ من الراوي والمَرْويِّ عنه، فهو تعليل لإمكان اللقاء والسماع منه حالة كونهما (جميعًا) أي: مجتمعَينِ (كانا) أي: الراوي والمَرْويُّ عنه (في عصرٍ) وقَرْنٍ ووقتٍ (واحدٍ) أي: متَّحِدٍ. و(إِنْ) في قوله: (وإنْ لم يَأْتِ) غائيةٌ بمعنى لَوْ، لا جوابَ لها على الأصحِّ،

стр. 494

في خَبَرٍ قَطُّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا، وَلَا تَشَافَهَا بِكَلَامٍ .. فَالرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ، وَالْحُجَّةُ بِهَا لَازِمَةٌ، إلا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلَالةٌ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذَا الرَّاويَ لَمْ يَلْقَ مَنْ رَوَى عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيئًا، فَأَمَّا وَالأَمْرُ مُبْهَمٌ عَلَى الإمْكَانِ الَّذِي فَسَّرْنَا ــ معترضة بين اسمِ أن وخبرها؛ أي: وإنْ لم يَجِيءْ (في) أيِّ (خبرٍ) قليلٍ أو كثير (قَط) أي: في زَمَنِ من الأزمنة الماضية. وجملةُ (أن) من اسمها وخبرها في قوله: (أنَّهما اجْتَمَعَا ... ) إلخ، في تأويلِ مصدرٍ مرفوعِ على أنَّه فاعل (يَأتِ) أي: هانْ لم يَأتِ في خَبَرٍ من الأخبارِ أنهما اجتمعا بأبدانهما في مكانٍ واحدٍ (ولا) أنَّهما (تَشَافَهَا) وتخاطبا بشفتيهما (بكلامٍ) من حديثٍ أو غيرِه. والجملةُ الابتدائيةُ في قوله: ( .. فالروايةُ ثابتةٌ) في محل الرفع خبر، لأنَّ المفتوحة في قوله: (أَنَّ كُلَّ رجلٍ ثقةٍ) أي: وذلك أن القولَ الشائِع المُتَّفَقَ عليه أن كُلَّ رجلٍ ثقةٍ رَوَى عن ثقةٍ مثله، فالروايةُ الجاريةُ بينهما ثابتةٌ؛ أي: صحيحةٌ مقبولةٌ. وقولُه: (والحُجَّةُ بها لازمةٌ) معطوفٌ على الجملة التي قبلها، أي: والاحتجاجُ بتلك الرواية؛ أي: بما رُويَ فيها لازمةٌ؛ أي: مُلْزِمَةٌ مثبتةٌ لمقتضاها يجب بها ويلزم بها ما تَدُلُّ عليه من الأحكام الشرعية. ثم استثنى عن كونها ثابتةً لازمةً قولَه: (إلَّا أن يكونَ هناك) أي: في محلّ تلك الرواية (دلالة بيِّنَةٌ) أي: قرينةٌ واضحةٌ تَدُلُّ على (أَنَّ هذا الراويَ) الَّذي رَوَى بالعنعنة (لم يَلْقَ) ولم يَرَ (مَنْ رَوَى عنه) أي: شيخَه الَّذي رَوى عنه (أو) لقيه، ولكنْ (لم يَسْمَعْ منه) أي: من شيخِه الَّذي رَوَى عنه (شيئًا) من الحديث قليلًا ولا كثيرًا. (فأَمَّا) إنْ لم تكن قرينةٌ واضحةٌ تَدُلُّ على أنَّه لم يَلْقَه أو لم يَسْمَعْ منه شيئًا (والأَمْرُ) أي: والحالُ أن الأمر؛ أي: أَمْرَ تلاقيهما أو تشافُهِهما (مُبْهَمٌ) أي: مجهولٌ وقوعُه أو عدمُ وقوعِه (على الإِمْكَانِ) أي: مع الإمكان، فـ (ـعلى) بمعنى مع. وقولُه: (الَّذي فَسَّرْنا) هـ وبَيَّنَّاه وذَكَرْنَاه آنفًا صفةٌ للإمكانِ؛ أي: فأمَّا إِنْ لم تكن

стр. 495

فالرِّوَايَةُ عَلَى السَّمَاعِ أَبَدًا حَتى تَكُونَ الدَّلَالةُ الَّتِي بَيَّنَّا. فَيُقَالُ لِمُخْتَرعِ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي وَصَفْنَا مَقَالتَهُ، أَوْ لِلذَّابِّ عَنْهُ: قَدْ أَعْطَيتَ في جُمْلَةِ قَوْلكَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ عَنِ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةٌ يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهِ، ــ قرينةٌ تدلُّ على عدم تلاقيهما أو تشافههما والحالُ أن أَمْرَ تلاقيهما أو تشافههما مجهولٌ وقوعه أو عدمُ وقوعه مع إمكان واحتمال وقوعه الَّذي فَسَّرْناه وَبيَّنَاه آنفًا بقولنا: (وجائزٌ مُمْكِنٌ له لقاؤُه والسماعُ منه لكَوْبهما جميعًا كانا في عصرٍ واحدٍ ... ) إلخ. وقولُه: ( .. فالروايةُ ... ) إلخ، جوابُ أمَّا الشرطية؛ أي: فروايةُ ذلك الرجل الثقةِ عن مثلة محمولةٌ (على السَّمَاع) أي: على سماع ذلك الثقة عن مثله للإمكان المذكور، فقوله: (فالرواية) مبتدأٌ (على السَّمَاعِ) خبرُه، والجملةُ جوابُ أمَّا. وقولُه: (أبدًا) أي: في جميع الأحاديث التي رَوَى عنه ظرفٌ متعلِّق بالاستقرار الَّذي تَعَلَّقَ به الخبر، (حتَّى تكونَ) وتُوجَدَ (الدَّلالةُ) والقرينةُ (التي بَيَّنَّا) ها وذَكَرْناها بقَوْلنا: (إلَّا أنْ يكون هناك دلالةٌ بيِّنةٌ أن هذا الراويَ لم يَلْقَ مَنْ رَوَى عنه ... ) إلخ. (فيُقَالُ لمُخْتَرِعِ هذا القولِ) ومختلقه وزَاعِمِهِ، وقولُه: (الَّذي وَصَفْنا) وذَكَرْنَا صفةٌ للمخترع (مقالتَه) التي هي اشتراطُ التلاقي والتشافُه بحديثٍ؛ أي: يُقال لمختلق هذا القول إن رأيناه (أو لِلذَّابِّ) والدافع (عنه) والناصرِ والمتعصِّب له إنْ لم نَره، وفي بعض النَّسَخ العطفُ بواو بدل (أو) وهي أوضح؛ أي: يقال له أو لمن يَذُبُّ عنه: إنك (قد أَعْطَيتَ) وأَقْرَرْتَ (في جُمْلَةِ قولِكَ) أي: في بعضِ مُحاوراتِكَ في غيرِ هذا المقام، ومفعولُ أَعْطى قولُهُ: (أَنَّ خَبرَ الواحدِ) بفتح همزة أن؛ أي: أن الحديث الذي ثَبَتَ عن الرسول ﷺ برواية الراوي الواحدِ المنفردِ (الثَّقَةِ) أي: الموثوق به المأمونِ (عن الواحدِ الثِّقَةِ) مثله (حُجَّةٌ) شرعيةٌ (يَلْزَمُ العملُ بهِ) في حُكْمٍ من الأحكام الشرعية مطلقًا، سواء عُلِمَ اجتماعهما وتلاقيهما أم لا. والمعنى: فيقال لمخترع هذا القول الَّذي هو اشتراطُ التلاقي أو للذاب عنه: إنك قد أعطيت وأقررت في جملةِ مقالاتك الخارجية في غيرِ المقام أن خبرَ الواحدِ الثقة عن
следующие страницы →