سَمَاعُهُ مِنْهُ لِشَيءٍ مِنَ الْحَدِيثِ قَل أَوْ كَثُرَ في رِوَايَةِ مِثْلِ مَا وَرَدَ
ــ
ويحتملُ كونُ (على) على معناها متعلِّقةَ بقوله: (موقوفًا)، ففي الكلام حينئذٍ تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقديرُ: وكان هذا الخبرُ المَرْويُّ بالعنعنة عند هذا الزاعم (موقوفًا عليه) أي: على راويه المُعَنْعِنِ حتَّى يَرِدَ ويَثْبُتَ (سَمَاعُهُ) أي: سماعُ ذلك المُعَنْعِنِ (منه) أي: من صاحبه وشيخه (لشيءٍ من الحديث) سواءٌ (قَلَّ) ذلك الشيءُ الَّذي سمعه منه (أو كَثْرَ).
وقولُه: (في روايةٍ مِثْلِ مَا وَرَد) متعلِّقٌ بـ (يَرِد) أي: حتَّى يَرِدَ ويَثْبُتَ في روايةِ مَتْنٍ مُماثلٍ لما وَرَدَ ورُوي بالسَّنَدِ المُعَنعن سمَاعُهُ لشيءٍ من الحديث، وهذا على قراءة (مثل) بإضافة (رِوَايةٍ) إليه، وفي بعض النسخ بتنوين (رواية) وجَرِّ (مِثْلِ) على أنَّه صفةٌ لرواية، والمعنى: حتَّى يرد سماعُه منه في روايةٍ مماثلةٍ لما ورد ورُويَ بالعنعنة.
فصل
قال النوويُّ: (وحاصلُ ما في هذا الباب: أن مسلم رحمه الله تعالى ادَّعى إجماع العلماء قديمًا وحديثًا على أن المُعَنْعَن وهو الَّذي فيه (فُلانٌ عن فُلانٍ" محمولٌ على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاءُ مَنْ أضيفت العنعنةُ إليهم بعضهم بعضًا، يعني مع براءتهم من التدليس.
ونَقَلَ مسلمٌ رحمه الله تعالى عن بعض أهل عصره أنَّه قال: لا تقومُ الحُجَّةُ بها ولا يُحمل على الاتصال حتَّى يَثْبُتَ أنهما التَقَيَا في عُمُرِهما مَرَّةً فأكثرَ، ولا يكفي إمكانُ تلاقيهما، قال مسلمٌ: وهذا قولٌ ساقطٌ مخترَعٌ مستحدثٌ لم يُسْبَقْ قائله إليه، ولا مُسَاعِدَ له مِنْ أَهل العلم عليه، وأن القولَ به بدعةٌ باطلةٌ.
وأَطْنَبَ مسلمٌ رحمه الله تعالى في الشناعة على قائله، واحتج مسلم بكلام مختصَرُه: أن المعنعن عند أهل العلم محمولٌ على الاتصال إذا ثَبَتَ التلاقي مع احتمالِ الإرسال، وكذا إذا أمكن التلاقي).
وهذا الَّذي صارَ إليه مسلمٌ قد أنكره المحققون وقالوا: هذا الَّذي صارَ إليه مسلمٌ ضعيفٌ، والذي رَدَّه هو المختارُ الصحيحُ الَّذي عليه أئمَّةُ هذا الفنِّ كعليِّ بن المديني والبُخَاريِّ وغيرِهما.
стр. 492
وَهَذَا الْقَوْلُ - يَرْحَمُكَ اللهُ - في الطَّعْنِ في الأَسَانِيدِ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ مُسْتَحْدَثٌ، غَيرُ مَسْبُوقٍ صَاحِبُهُ إِلَيهِ،
ــ
وقد زادَ جماعةٌ من المتأخرين على هذا، فاشترط القابسيُّ أن يكونَ قد أَدْرَكَه إدراكًا بَيِّنًا، وزاد أبو المظفّر السَّمْعانيُّ الفقيهُ الشافعيُّ فاشترط طولَ الصُّحْبة بينهما، وزادَ أبو عَمْرٍو الدانيُّ المُقْرِئ فاشترط معرفتَه بالرواية عنه.
ودليلُ هذا المذهبِ المختار الَّذي ذَهَبَ إليه البُخَارِيُّ وغيرُه: أن المعنعن مع التلاقي إنما يُحمل على الاتصال؛ لأن الظاهرَ من المعنعن غير المدلِّس: أنَّه لا يُطلق ذلك إلَّا مع السماع، بخلاف ما إذا لم يُعرف التلاقي.
وذَهَبَ بعضُ أهل العلم إلى أن المعنعن لا يُحْتَجُّ به مطلقًا؛ لاحتمال الانقطاع، وهذا المذهبُ مردودٌ بإجماع السلف، ودليلُهم ما أَشَرْنا إليه من حصول غلبة الظن مع الاستقراء، هذا حُكْمُ المُعَنْعَن.
واخْتُلِفَ في كلمةِ "أَنَّ" كقوله: حدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أن سعيدَ بن المُسَيِّب قال كذا أو حدَّثَ بكذا أو نحوه، فالجمهورُ أن لفظةَ "أَنَّ" كعَنْ، فيُحمل على الاتصال بالشرط المتقدم، وقال أحمدُ بن حنبل ويعقوب بن شَيبة وأبو بكرِ البَرْدِيجِيُّ: لا تُحمل (أن) على الاتصال، والصحيحُ الأولُ، وكذا: قال وحدَّث وذَكَرَ وشِبْهُها، فكلُّه محمولٌ على الاتصالِ والسماع) اهـ (١).
هذا كُلُّه حُكْمُ غير المُدَلِّس، وأمَّا المُدَلِّسُ .. فقد مَرَّ الكلامُ فيه.
(وهذا القولُ) أي قول الَّذي شَرَطَ في صحة الاحتجاج بالمُعَنْعَنِ الاجتماعَ والتلاقيَ أو التشافُهَ أو إتيانَ روايةِ صحيحةٍ تَدُلُّ على ذلك.
وقولُه: (يَرْحَمُكَ الله) جملةٌ دعائيةٌ خاطبَ بها مَنْ سأله تأليفَ هذا الجامع كما مَرَّ في أول الكتاب.
أي: وهذا القولُ الَّذي قيل: (في الطعْنِ في الأسانيدِ) المُعَنْعَنَةِ وتضعيفها وعدمِ صحةِ الاحتجاج بها (قولٌ مُخْتَرَعٌ) أي: مختلقٌ اختلقه قائلُه مِنْ عندِ نفسه، (مُسْتَحْدَثٌ) أي: مُبْتَدَعٌ لم يَقُلْه أَحَدٌ من السَّلفِ (غَيرُ مسبوقٍ صاحبُه) أي: قائلُه (إليه) أي: إلى
стр. 493
وَلَا مُسَاعِدَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيهِ، وَذَلِكَ أَن الْقَوْلَ الشائِعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيهِ بَينَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوايَاتِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا: أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ثِقَةٍ رَوَى عَنْ مِثْلِهِ حَدِيثًا، وَجَائِزٌ مُمْكِنٌ لَهُ لِقَاؤُهُ وَالسَّمَاعُ مِنْهُ؛ لِكَوْنهِمَا جَمِيعًا كَانَا في عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَأتِ
ــ
قول هذا القول واختراعِه (ولا مُسَاعِدَ) أي: لا معضِّدَ ولا مُعِينَ ولا مُوَافِقَ (له) أي: لصاحب هذا القول أحَدٌ (مِنْ أهل العِلْمِ) والحديثِ الراسخين فيه (عليه) أي: على صِحَّةِ هذا القول الَّذي اخْتَرَعَهُ من اشتراط الشروط المذكورة في الأسانيدِ المعنعنة.
(وذلك) أي: ودليلُ ذلك الَّذي قُلْنا مِنْ أَنَّ هذا القولَ الَّذي يَشْتَرِطُ الشُّروطَ المذكورةَ في الأسانيد المعنعنة قولٌ مختَرعٌ مستحدَثٌ، وهو مبتدأٌ، خبرُه جملةُ أن في قوله: (أن القولَ الشائعَ) المستفيضَ بين الناس (المُتَّفَقَ عليه) أي: على صحته (بينَ أهلِ العلم) والمعرفةِ (بالأَخْبَارِ) والأحاديثِ أي: بأسبابها وصحتها وضعفها من حيثُ المتونُ (و) أهلِ العلمِ بـ (الرِّواياتِ) الصحيحة والضعيفة من حيثُ الأسانيدُ.
وقولُه: (قديمًا وحديثًا) منصوبان بنَزْعِ الخافضِ المتعلِّق بالمُتَّفَقِ عليه؛ أي: أن القولَ المُتَّفَقَ عليه بينهم في الزمنِ القديم والزمن الحديثِ؛ أي: الأخيرِ.
وجملةُ أن في قوله: (أَنَّ كُل رجلٍ ثِقَةٍ) خبرٌ لأن الأُولى، أعني قوله: (أن القولَ الشائعَ)، و (كُلَّ رجلٍ) اسمُ أن هذه؛ أي: أن كُلَّ راوٍ رجلًا كان أو امرأةً (ثقةٍ) صفةٌ لرجلٍ؛ أي: أن كُل راوٍ موثوقٍ به مأمونٍ (رَوَى) وحَدَّثَ بالعنعنة (عن) راوٍ (مِثْلِهِ) أي؛ مُمَاثِلٍ له في الموثوقية، وعدمِ التدليسِ (حديثًا) مفعول (رَوَى) أي: رَوَى عنه بالعنعنة حديثًا قلَّ أو كَثُرَ.
(وجائزٌ مُمْكِنٌ) أي: والحالُ أنَّه جائزٌ مُمْكِنٌ؛ أي: مُحْتَمِلٌ، فمُمْكِنٌ: عطفُ بيانٍ لجائزٌ (له) أي: لذلك الرجل الراوي (لقاوه) أي: لقاءُ مثلِه الَّذي رَوَى عنه؛ أي: وجائزٌ مُمْكِنٌ تلاقيهما (والسَّمَاعُ) أي: سماعُ الرجل الراوي الحديثَ (منه) أي: من مثله الَّذي رَوَى عنه (لِكَوْنِهِما) أي: لكَوْنِ كُلِّ من الراوي والمَرْويِّ عنه، فهو تعليل لإمكان اللقاء والسماع منه حالة كونهما (جميعًا) أي: مجتمعَينِ (كانا) أي: الراوي والمَرْويُّ عنه (في عصرٍ) وقَرْنٍ ووقتٍ (واحدٍ) أي: متَّحِدٍ.
و(إِنْ) في قوله: (وإنْ لم يَأْتِ) غائيةٌ بمعنى لَوْ، لا جوابَ لها على الأصحِّ،
стр. 494
في خَبَرٍ قَطُّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا، وَلَا تَشَافَهَا بِكَلَامٍ .. فَالرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ، وَالْحُجَّةُ بِهَا لَازِمَةٌ، إلا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلَالةٌ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذَا الرَّاويَ لَمْ يَلْقَ مَنْ رَوَى عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيئًا، فَأَمَّا وَالأَمْرُ مُبْهَمٌ عَلَى الإمْكَانِ الَّذِي فَسَّرْنَا
ــ
معترضة بين اسمِ أن وخبرها؛ أي: وإنْ لم يَجِيءْ (في) أيِّ (خبرٍ) قليلٍ أو كثير (قَط) أي: في زَمَنِ من الأزمنة الماضية.
وجملةُ (أن) من اسمها وخبرها في قوله: (أنَّهما اجْتَمَعَا ... ) إلخ، في تأويلِ مصدرٍ مرفوعِ على أنَّه فاعل (يَأتِ) أي: هانْ لم يَأتِ في خَبَرٍ من الأخبارِ أنهما اجتمعا بأبدانهما في مكانٍ واحدٍ (ولا) أنَّهما (تَشَافَهَا) وتخاطبا بشفتيهما (بكلامٍ) من حديثٍ أو غيرِه.
والجملةُ الابتدائيةُ في قوله: ( .. فالروايةُ ثابتةٌ) في محل الرفع خبر، لأنَّ المفتوحة في قوله: (أَنَّ كُلَّ رجلٍ ثقةٍ) أي: وذلك أن القولَ الشائِع المُتَّفَقَ عليه أن كُلَّ رجلٍ ثقةٍ رَوَى عن ثقةٍ مثله، فالروايةُ الجاريةُ بينهما ثابتةٌ؛ أي: صحيحةٌ مقبولةٌ.
وقولُه: (والحُجَّةُ بها لازمةٌ) معطوفٌ على الجملة التي قبلها، أي: والاحتجاجُ بتلك الرواية؛ أي: بما رُويَ فيها لازمةٌ؛ أي: مُلْزِمَةٌ مثبتةٌ لمقتضاها يجب بها ويلزم بها ما تَدُلُّ عليه من الأحكام الشرعية.
ثم استثنى عن كونها ثابتةً لازمةً قولَه: (إلَّا أن يكونَ هناك) أي: في محلّ تلك الرواية (دلالة بيِّنَةٌ) أي: قرينةٌ واضحةٌ تَدُلُّ على (أَنَّ هذا الراويَ) الَّذي رَوَى بالعنعنة (لم يَلْقَ) ولم يَرَ (مَنْ رَوَى عنه) أي: شيخَه الَّذي رَوى عنه (أو) لقيه، ولكنْ (لم يَسْمَعْ منه) أي: من شيخِه الَّذي رَوَى عنه (شيئًا) من الحديث قليلًا ولا كثيرًا.
(فأَمَّا) إنْ لم تكن قرينةٌ واضحةٌ تَدُلُّ على أنَّه لم يَلْقَه أو لم يَسْمَعْ منه شيئًا (والأَمْرُ) أي: والحالُ أن الأمر؛ أي: أَمْرَ تلاقيهما أو تشافُهِهما (مُبْهَمٌ) أي: مجهولٌ وقوعُه أو عدمُ وقوعِه (على الإِمْكَانِ) أي: مع الإمكان، فـ (ـعلى) بمعنى مع.
وقولُه: (الَّذي فَسَّرْنا) هـ وبَيَّنَّاه وذَكَرْنَاه آنفًا صفةٌ للإمكانِ؛ أي: فأمَّا إِنْ لم تكن
стр. 495
فالرِّوَايَةُ عَلَى السَّمَاعِ أَبَدًا حَتى تَكُونَ الدَّلَالةُ الَّتِي بَيَّنَّا.
فَيُقَالُ لِمُخْتَرعِ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي وَصَفْنَا مَقَالتَهُ، أَوْ لِلذَّابِّ عَنْهُ: قَدْ أَعْطَيتَ في جُمْلَةِ قَوْلكَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ عَنِ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةٌ يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهِ،
ــ
قرينةٌ تدلُّ على عدم تلاقيهما أو تشافههما والحالُ أن أَمْرَ تلاقيهما أو تشافههما مجهولٌ وقوعه أو عدمُ وقوعه مع إمكان واحتمال وقوعه الَّذي فَسَّرْناه وَبيَّنَاه آنفًا بقولنا: (وجائزٌ مُمْكِنٌ له لقاؤُه والسماعُ منه لكَوْبهما جميعًا كانا في عصرٍ واحدٍ ... ) إلخ.
وقولُه: ( .. فالروايةُ ... ) إلخ، جوابُ أمَّا الشرطية؛ أي: فروايةُ ذلك الرجل الثقةِ عن مثلة محمولةٌ (على السَّمَاع) أي: على سماع ذلك الثقة عن مثله للإمكان المذكور، فقوله: (فالرواية) مبتدأٌ (على السَّمَاعِ) خبرُه، والجملةُ جوابُ أمَّا.
وقولُه: (أبدًا) أي: في جميع الأحاديث التي رَوَى عنه ظرفٌ متعلِّق بالاستقرار الَّذي تَعَلَّقَ به الخبر، (حتَّى تكونَ) وتُوجَدَ (الدَّلالةُ) والقرينةُ (التي بَيَّنَّا) ها وذَكَرْناها بقَوْلنا: (إلَّا أنْ يكون هناك دلالةٌ بيِّنةٌ أن هذا الراويَ لم يَلْقَ مَنْ رَوَى عنه ... ) إلخ.
(فيُقَالُ لمُخْتَرِعِ هذا القولِ) ومختلقه وزَاعِمِهِ، وقولُه: (الَّذي وَصَفْنا) وذَكَرْنَا صفةٌ للمخترع (مقالتَه) التي هي اشتراطُ التلاقي والتشافُه بحديثٍ؛ أي: يُقال لمختلق هذا القول إن رأيناه (أو لِلذَّابِّ) والدافع (عنه) والناصرِ والمتعصِّب له إنْ لم نَره، وفي بعض النَّسَخ العطفُ بواو بدل (أو) وهي أوضح؛ أي: يقال له أو لمن يَذُبُّ عنه: إنك (قد أَعْطَيتَ) وأَقْرَرْتَ (في جُمْلَةِ قولِكَ) أي: في بعضِ مُحاوراتِكَ في غيرِ هذا المقام، ومفعولُ أَعْطى قولُهُ: (أَنَّ خَبرَ الواحدِ) بفتح همزة أن؛ أي: أن الحديث الذي ثَبَتَ عن الرسول ﷺ برواية الراوي الواحدِ المنفردِ (الثَّقَةِ) أي: الموثوق به المأمونِ (عن الواحدِ الثِّقَةِ) مثله (حُجَّةٌ) شرعيةٌ (يَلْزَمُ العملُ بهِ) في حُكْمٍ من الأحكام الشرعية مطلقًا، سواء عُلِمَ اجتماعهما وتلاقيهما أم لا.
والمعنى: فيقال لمخترع هذا القول الَّذي هو اشتراطُ التلاقي أو للذاب عنه: إنك قد أعطيت وأقررت في جملةِ مقالاتك الخارجية في غيرِ المقام أن خبرَ الواحدِ الثقة عن
стр. 496
ثُمَّ أَدْخَلْتَ فِيهِ الشَّرْطَ بَعْدُ فَقُلْتَ: حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُمَا قَدْ كَانَا الْتَقَيَا مَرَّةَ فَصَاعِدًا، أَوْ سَمِعَ مِنْهُ شَيئًا، فَهَلْ تَجِدُ هَذَا الشرْطَ الَّذِي اشْتَرَطْتَهُ عَنْ أَحَدٍ يَلْزَمُ قَوْلُهُ؟ وَإِلَّا .. فَهَلُمَّ دَلِيلًا عَلَى مَا زَعَمْتَ
ــ
الواحد الثقة حُجَّةٌ يَلْزَمُ العملُ به كما هو مذهبُ جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم؛ أي: أنتَ أقرَرْتَ ذلك في غير هذا المقام كما أَقَرَّ به جماهيرُ المسلمين.
(ثُمَّ أَدْخَلْتَ) أنتَ أيها المخترعُ (فيه) أي: في كونِ خبر الواحدِ الثقةِ حُجَّةً (الشَّرْط) المذكورَ لك من اشتراط اجتماعهما وتلاقيهما وتشافُهِهما بالحديثِ بينهما (بَعْدُ) أي: بَعْدَ ما أقررت أولًا كونَه حُجَّةً مطلقًا كما أقرَّ به الجماهيرُ.
وقوله: (فقُلْتَ) في إدخالِ الشرط: معطوفٌ على قوله: (ثُمَّ أَدْخَلْتَ) وتفسيرٌ له؛ أي: فقُلْتَ: لا يكون خبرُ الواحدِ الثقةِ عن الواحد الثقة حُجَّةً (حتَّى نَعْلَمَ) نحن (أنهما) أي: أن الراويَ والمَرْويَّ عنه (قد كانا الْتَقَيَا) واجْتَمَعَا (مَرَّةَ) واحدةً من دهرهما (فصَاعِدًا) أي: فما فوقها من المرَّات؛ أي: فازداد عددُ التقائهما على مَرَّةٍ واحدةٍ حالة كونه صاعدًا وعاليًا.
والمعنى: لا يكون خبرُ الواحد حُجَّةً حتَّى نعلم تلاقيهما مَرَّةً واحدةً فأكثرَ (أو) حتَّى نعلمَ بروايةٍ صحيحةٍ أن الراويَ (سَمعَ منه) أي: من المَرْويِّ عنه (شيئًا) من الحديث قَلَّ أو كثر.
(فهل تَجِدُ) أي: فهل وجدتَ أيها المخترع (هذا الشَّرْطَ الَّذي اشْتَرَطْتَهُ) وأوجبته في قبولِ خبر الواحدِ الَّذي هو شرط التلاقي والتشافه؟ أي: هل وجدتَ ورأيتَ هذا الشرط منقولًا (عن أحدٍ) من العلماء (يَلْزَمُ) ويثبتُ (قولُه) ويقبل وَيصِح الاحتجاج به؟ (وإلَّا) أي: وإن لِم تَجِدْه منقولًا عن أحدِ من العلماء المقبولينَ ( .. فهَلُمَّ) لنا؛ أي: هَاتِ لنا (دليلًا) تسْتَدِلُّ به (على ما زعمت) وقلت واخترعْتَ من اشتراط هذا الشرطِ في قبولِ خبرِ الواحد الثقة.
وفي "المختار": (هَلُمَّ يا رجلُ بفتح الميم بمعنىً، يَسْتَوي فيه الواحد والجمع والمؤنث في لغة أهل الحجاز قال تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَينَا﴾. وأهْل نجدٍ
стр. 497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يصرفونه فيقولون للاثنين: هَلُمَّا، وللجمع: هَلُمُّوا، وللمرأة هَلُمِّي، وللنساء هلممن، والأول أفصح) اهـ
تنبيه:
قال النووي: (هذا الَّذي قاله مسلمٌ رحمه الله تعالى تنبيهٌ على القاعدة العظيمة التي يَنْبَني عليها معظمُ أحكام الشرع وهو وجوب العمل بخبر الواحد، فينبغي الاهتمامُ بها والاعتناءُ بتحقيقها، ونذكر هنا طرفًا في بيان خبرِ الواحد والمذاهبِ فيه مختصرًا.
قال العلماء: الخبرُ ضربان: متواترٌ، وآحادٌ.
فالمتواترُ: ما نقله عددٌ لا يمكن مواطأتهم على الكذب عن مثلهم، ويستوي طرفاه والوسطُ، ويخبرون عن حِسِّيٍّ لا عن مظنون، ويحصل العلم بقولهم، ثم المختارُ الَّذي عليه المحققون والأكثرون أن ذلك لا يضْبَطُ بعددٍ مخصوصٍ، ولا يشترط في المخبرين الإسلام ولا العدالة، وفيه مذاهب أخرى ضعيفة وتفريعات معروفة مستقصاة في كتب الأصول.
وأمَّا خبرُ الواحد: فهو ما لَمْ يوجَدْ فيه شروطُ المتواتر، سواء كان الراوي له واحدًا أو أكثر، واخُتلف في حُكْمه.
فالذي عليه جماهيرُ المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول: أن خبرَ الواحدِ الثقةِ حُجَّةٌ من حجج الشرع يَلزم العمل به، ويفيد الظن ولا يفيدُ العِلْمَ، وأن وجوبَ العملِ به عرفناه بالشرع لا بالعقل.
وذهبت القدريَّة والرافضةُ وبعضُ أهل الظاهر إلى أنَّه لا يجبُ العملُ به، ثمَّ منهم مَنْ يقول: مَنَع من العمل به دليلُ العقل، ومنهم مَنْ يقول: مَنَع ذلك دليل الشرع، وذهب طائفة إلى أنَّه يجب العملُ به من جهة دليلِ العقل.
وقال الجُبَّائيُّ من المعتزلة: لا يجب العملُ إلَّا بما رواه اثنان عن اثنين، وقال غيره: لا يَجِبُ العملُ إلَّا بما رواه أربعةٌ عن أربعةٍ.
وذَهَبَتْ طائفةٌ من أهل الحديث إلى أنَّه يُوجِبُ العلم، وقال بعضهم: يُوجبُ العِلْمَ الظاهرَ دون الباطن.
стр. 498
فَإنِ ادَّعَى قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ بِمَا زَعَمَ مِنْ إِدْخَالِ الشَّرِيطَةِ فِي تَثْبِيتِ الْخَبَرِ .. طُولبَ بِهِ،
ــ
وذَهَبَ بعض المحدِّثين إلى أن الآحادَ التي في "صحيح البخاري" أو "صحيح مسلم" تفُيد العِلْمَ دون غيرها من الآحاد، وهذا القول باطل لا يَصِح.
وهذه الأقاويل كُلُّهَا -سوى قول الجمهور- باطلةٌ، فإبطال مذهب من قال: لا حُجَّةَ فيه ظاهرٌ، فلم تزل كتب النبي ﷺ وآحاد رسله يُعمَلُ بها، ويُلزمهم النبي ﷺ العملَ بذلك، واستمرَّ على ذلك الخلفاءُ الراشدون فمَنْ بعدهم، ولم تَزَل الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة فمَنْ بعدَهم من السلف والخلف على امتثال خبر الواحد إذا أَخْبَرَهم بسُنَّةٍ، وقضائهم به، ورجوعهم إليه في القضاء والفُتْيا، ونَقضهم به ما حَكَمُوا به على خلافه، وطلبهم خبرَ الواحد عند عدم الحُجَّة ممَّنْ هو عنده، واحتجاجهم بذلك على مَنْ خالفهم، وانقياد المُخَالف لذلك، وهذا كُلُّه معروفٌ لا شَك في شيءِ منه، والعقل لا يُحيل العملَ بخبر الواحد، وقد جاء الشرع بوجوب العمل به، فوجب المصيرُ إليه.
وأمَّا من قال: يُوجِبُ العِلْمَ .. فهو مكابر للحِس، وكيف يحصلُ العِلْمُ واحتمالُ الغلط والوَهَمِ والكذبِ وغير ذلك مُتَطَرِّقٌ إليه؟ والله أعلم) اهـ (١).
(فإنِ ادَّعَى) هذا المخترعُ (قولَ أحدِ من عُلَمَاءَ السَّلَفِ) والسَّلَفُ: هُمْ مَنْ كانوا قبل الأربعمائة سنةٍ، والخَلَفُ من كانوا بعدها كما مَرَّ في أول الكتاب، أي: فإن ادَّعى هذا الزاعم الاستدلال بقولِ أحدٍ من علماء السَّلَف (بما زَعَم) أي: على ما زَعَمَه وقاله باختراعه.
وقولُه: (مِنْ إدْخَالِ) هذه (الشَّرِيطَةِ) التي شرطها: بيانٌ لما زعم، والشريطة: لغة في الشرط كما مرَّ؛ أي: من اشتراطِه هذه الشريطة التي هي عِلْمُ التَّلقي والاجتماع (في تثبيتِ الخَبَرِ) أي: في إثبات الخبرِ المعنعن وقبوله ( .. طُولبَ) هذا الزاعمُ (به) أي: ببيان ذلك القولِ؛ أي: ببيانِ صاحب ذلك القول.
стр. 499
وَلَنْ يَجِدَ هُوَ وَلَا غَيرُهُ إِلَى إِيجَادِهِ سَبيلًا. وَإِنْ هُوَ ادَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلًا يَحْتَجُّ بِهِ .. قِيلَ لَهُ: وَمَا ذَاكَ الدَّلِيلُ؟ فَإنْ قَالً: قُلْتُهُ؛ لأَنِّي وَجَدْتُ رُوَاةَ الأَخْبَارِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَرْوي أَحَدُهُمْ عَنِ الآخَرِ الْحَدِيثَ وَلَمْ يُعَايِنْهُ وَلَا سَمعَ مِنْهُ شَيئا قَطُّ،
ــ
(ولن يَجِدَ) هذا الزاعمُ، وقولُه: (هو) تأكيدٌ لضمير الفاعل المستتر في (يَجِدَ) ليعطف عليه قولَهُ: (ولا غَيرُهُ) كما هو القاعدة عند النُّحاة؛ أي: ولن يَجِدَ هذا الزاعم هو ولا غيره ممَّنْ يَذُبُّ عنه.
وقوله: (إلى إيجاده) أي: إيجاد قول أحدٍ من علماء السلف متعلِّقٌ بمحذوف صفة لقوله: (سبيلًا) أي: ولن يَجِدَ هو ولا غيره سبيلًا موصلًا لهم إلى تحصيل قول أحدٍ من علماء السلف؛ لعدم وجوده.
وقولُه: (وإنْ هو ادَّعَى) من باب الاشتغال؛ أي وإن ادَّعى هو؛ أي: هذا الزاعم (فيما زَعَمَ) أي: على ما زَعَمَ واخْتَرع وقال من اشتراط الشرط المذكور (دليلًا) غير أقوال السلف (يَحْتَجُّ به) أي: يَستدل به على ما زَعَمَ؛ أي: فإن ادَّعى هذا الزاعم وجودَ دليلٍ له يحْتَجُّ بذلك الدليل على ما زعم غيرَ أقوال العلماء ( .. قيلَ له) أي: لهذا الزاعم (وما ذاك الدليلُ) الذي تستدلُّ به على ما زعمت من اشتراط الشرط المذكور لك؟
(فإنْ قال) هذا الزاعم في بيان دليله الذي طلبناه منه: (قُلْتُه) أي: قلتُ ذلك الشرط وشرطته في قبول الخبر المعنعن (لأنّي وَجَدْتُ رُواةَ الأَخْبَارِ) والأحاديثِ ونُقَّالها (قديمًا وحديثًا) أي: في الزمن القديم والزمن الحديث؛ أي: في الأزمنةِ الأُولى أزمنة السلف والأزمنة الأخيرة أزمنة الخلف؛ أي: قلته لأني رأيتهم (يَرْوي) وينقل (أحدُهم) أي: بعضُهم (عن) البعض (الآخَرِ الحديثَ و) الحالُ أن البعض الراوي (لم يعاينه) أي: لم يعاين البعض الآخر الذي روى عنه ولم يشاهده ولم يجتمع معه وفي بعض النسخ: ولمَّا.
(ولا سَمعَ) ذلك الراوي (منه) أي: من صاحبه الذي رَوَى عنه (شيئًا) من الحديث قليلًا ولا كثيرًا مشافهةً؛ أي: وجدتُهم يروي بعضُهم عن بعضٍ الحديثَ والحالُ أن الراوي لم يجتمع (قَطُّ) مع صاحبه الذي روى عنه ولم يسمع منه الحديثَ قطُّ مشافهةً.
стр. 500
فَلَمَّا رَأَيتُهُمُ اسْتَجَازُوا رِوَايَةَ الْحَدِيثِ بَينَهُمْ هكَذَا عَلَى الإِرْسَالِ مِنْ غَيرِ سَمَاعٍ - وَالْمُرْسَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ قَوْلنَا وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ لَيسَ بِحُجَّةٍ - احْتَجْتُ لِمَا وَصَفْتُ مِنَ الْعِلَّةِ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ سَمَاعِ رَاوي كُل خَبَرٍ عَنْ رَاويهِ، فَإذَا أنا هَجَمْتُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُ
ــ
(فلمَّا رأيتُهم) أي: فلمَّا رأيتُ رواةَ الأخبارِ ووجدتُهم (اسْتَجَازُوا) فالسين والتاء زائدتان، فلمَّا رأيتهم أجازوا وصحَّحُوا (روايةَ الحديثِ) ونقله فيما (بينَهم) حالة كونهم (هكذا) أي: لم يُعاين بعضُهم بعضًا ولم يسمع منه شيئًا من الحديث مشافهةً.
وقولُه: (على الإرسالِ) متعلِّقٌ باسْتَجَازوا، وكذا يتعلَّق به قوله: (من غيرِ سماعِ) بعضهم من بعض مشافهةً؛ أي: فلمَّا أجازوا رواية الحديث فيما بينهم هكذا مع إمكانِ الإرسال والانقطاع من غير سماع بعضهم من بعض بلا واسطة، والمرادُ بالإرسال هنا: الانقطاعُ لا الإرسالُ المتعارفُ بينهم.
(والمُرْسَلُ) أي: والحالُ أن المرسلَ والمنقطعَ (من الروايات في أَصْلِ قولِنا) أي: في أرجح قولنا، أراد المؤلف بنون العظمة نفسه؟ لما مَر في أول الكتاب؟ أي: في أرجح قولي (و) أرجح (قولِ أهل العِلْمِ بالأَخْبَار) والأحاديث.
وقوله: (ليس بحُجَّةٍ) يُحْتَجُّ بها على حُكْمٍ من الأحكام الشرعية: خبرٌ عن قوله: (والمُرْسَلُ).
وقولُه: (احْتَجْتُ) أنا جواب لما في قوله: (فلمَّا رأيتهم اسْتَجَازُوا ذلك ... احتجتُ (لِمَا وَصَفْتُ) وذَكَرْتُه (من العِلَّةِ) وهي عدمُ كون المرسل حُجَّةً في أصل قولنا وقول أهل العلم.
وقولُه: (إلى البَحْثِ) متعلِّقٌ باحْتَجْتُ؛ أي: احْتَجْتُ وافتقَرْتُ لأجل العلَّة المذكورة إلى البحث والتفتيش (عن سماعِ راوي كلِّ خَبَر) وحديثِ (عن رَاويه) أي: عن راوي ذلك الراوي وصاحبه الذي روى له وهو متعلق بـ (سماع).
وقولُه: (فإذا أنا هَجَمْتُ) واطَّلَعْتُ: من باب الاشتغال؛ أي: فإذا هَجَمْتُ واطَّلَعْتُ أنا (على سَمَاعِهِ) أي: على سماع الراوي (منه) أي: من صاحبه الذي
стр. 501
لِأَدْنَى شَيءٍ .. ثَبَتَ عِنْدِي بِذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَرْوي عَنْهُ بَعْدُ، فَإنْ عَزَبَ عَنِّي مَعْرِفَةُ ذَلِكَ .. أَوْقَفْتُ الْخَبَرَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَوْضِعَ حُجَّةٍ لإِمْكَانِ الإِرْسَالِ فِيهِ
ــ
رَوَى له (لأَدْنَى شيءٍ) من الحديث وأَقَلِّهِ مشافهةً؛ أي: اطَّلعتُ على سماعه منه مشافهةً لشيءٍ قليلٍ من الحديث.
وقولُه: (ثَبَتَ عندي بذلك) جواب إذا، وفي بعض النُّسَخ: (ثَبَتَ عنه عندي) بزيادة (عنه)، وهي تحريف من النسَّاخ؛ أي: قُبل عندي بسبب سماعه منه أدنى شيءٍ من الحديث (جميعُ ما يَرْوي) ذلك الراوي الذي ثبت له سماعُه لأدنى شيءٍ (عنه) أي: عن صاحبه الذي ثَبَتَ سماعُه منه لأدنى شيءٍ فيما (بَعْدُ) متعلِّقٌ بَـ (يرِوي) أي: جميعُ ما يَرْوي عنه بعد ذلك الأدنى الذي ثَبَتَ سماعه منه.
(فإنْ عَزَبَ) وبَعُدَ (عنّي) ولم يَحْصُلْ لي (معرفةُ ذلك) أي: معرفة سماعه منه لأدنى شيءٍ من الحديث ( .. أَوْقَفْتُ الخَبَر) أي: حَكَمْتُ بكون ذلك الخبر الذي حَدَّثه من لم يَثْبُتْ سماعُه لأدنى شيءٍ موقوفًا على راويه لا متصلًا (ولم يَكُنْ) ذلك الخبرُ (عندي مَوْضِعَ حُجَّةٍ) أي: موضع احتجاجٍ واستدلالٍ به (لإِمْكَانِ الإِرْسَالِ) والانقطاع (فيه) أي: في ذلك الخبر الذي رواه مَنْ لم يَثْبُتْ سماعُه لأدنى شيء.
قال النووي: (قولُه: "فإنْ عَزَب عني معرفةُ ذلك أَوْقَفْتُ الخَبَر" يُقال: عَزَب الشيءُ عنّي بفتح الزاي، يَعْزِبُ بكسرها وَيعْزُب بضمّها -من بابَي ضَرَب ونَصَر- لغتان فصيحتان قُرئ بهما في السبع، والضمُّ أكثرُ وأشهرُ، ومعناه: ذهب، وقوله: "أَوْقَفْتُ الخَبَر"، كذا هو في الأُصول "أَوْقَفْتُ"، وهي لُغَةٌ قليلة، والفصيحُ المشهورُ: وَقَفْتُ بغير ألف.
وقال أيضًا: قولُه: "والمُرْسَلُ في أصلِ قولنا وقولِ أهل العلم بالأَخْبَارِ ليس بُحَجَّةٍ" هذا الذي قاله هو المعروفُ من مذاهب المحدِّثين، وهو قولُ الشافعي وجماعة من الفقهاء، وذهب مالكٌ وأبو حنيفة وأحمدُ وأكثرُ الفقهاء إلى جواز الاحتجاج بالمرسل) (١).
стр. 502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل
في بيان اصطلاحاتٍ في ألقاب الحديث التي يُحتاج إليها وقد ذكرناها فيما سبق، ولكن هذا الموضع يليق بذِكْرها أيضًا:
فمنها المرفوع: وهو لغة: كل ما رُفِعَ على غيره حسًّا كان أو معنىً، وسُمّي الحديثُ به لارتفاع درجته بإضافته إلى النبي ﷺ .
واصطلاحا: كُل ما أُضيفَ إلى النبي ﷺ خاصةً، لا يقعُ مُطْلَقُه على غيره، قولًا كان أو فعلًا أو همًّا أو تقريرًا أو صفةً، سواء كان صريحًا أو حكمًا، وسواء أضافه صحابيُّ أو تابعيُّ أو من دونهما، فدخل فيه المتصل والمرسل والمنقطع والمعضل والمعلَّق، وخرج الموقوف والمقطوع.
ومنها الموقوف: وهو لغةً: الشيءُ المحبوسُ كالمال الموقوف على سبيل الخير، واصطلاحًا: كُل ما أُضِيفَ إلى الصحابي قولًا كان أو فعلًا أو نحوه، وخلا عن قرينةِ الرفع، سواء اتَّصَلَ إسنادُه إلى الصحابي أم لا، فدخل فيه المنقطع والمعضل والمعلَّق.
وخرج بقولنا: (وخلا عن قرينة الرفع) ما إذا وجدتْ فيه قرينة الرفع بأنْ لم يكن للاجتهاد فيه مَدْخل .. فهو في حُكْم المرفوع، كلما في رواية البخاري: (كان ابنُ عمر وابنُ عباس يُفْطِرانِ ويَقْصُران في أربعة بُرُد) (١)، فمثْلُ هذا لا يُفعل بالاجتهاد.
ويُستعمل في غيره مقيدًا فيقال: حديثُ كذا وَقَفَه فلانٌ على عطاءٍ مثلًا.
ومنها المقطوع: وهو لغةً: الشيءُ الذي قُطع وانفصل عن الغير كالعضو المقطوع.
واصطلاحا: كُلُّ ما أُضيفَ إلى التابعي أو إلى مَنْ دونه، قولًا كان أو فعلًا، حيث خلا عن قرينة الرفع أو الوقف، وإلا .. فيكون مرفوعًا أو موقوفًا، وقرينةُ الرفع كقول الراوي عن التابعي: من السُّنَّة كذا.
стр. 503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها المنقطع: وهو لغةً: الشيءُ المنفصلُ عن غيره كالعُضْو المنقطع عن الجسد.
واصطلاحا: الحديثُ الذي سَقَطَ من سنده قبل الصحابي راوٍ واحدٌ أو راويان في موضعين، أو ذُكِرَ في سنده راوٍ مُبْهَمٌ، فإنْ كان الساقطُ رجلين فأكثر .. سُمِّيَ أيضًا معضَلًا بفتح الضاد المعجمة.
ومنها المرسل: وهو لغةً: الشيءُ المطلق كالبهيمة المرسلة للرعي.
واصْطلاحًا: الحديثُ الذي سَقَطَ من سنده صحابيٌّ، وهو خلافُ الصحيح عندهم؛ إذْ لو عُلِمَ أن الساقط هو الصحابيُّ .. لما ساغ لأحدٍ أن يختلف في حُجيَّتِهِ، فالصحيحُ أن يقال في ضابطه: إن المرسل هو ما رَفَعَه التابعيُّ إلى النبي ﷺ ، سواء كان التابعيُّ صغيرًا أو كبيرًا.
وهو عند الفقهاء وأصحابِ الأُصول والخطيب الحافظ أبي بكر البغدادي وجماعةٍ من المحدّثين: ما انقطع إسنادُه على أيِّ وجْهٍ كان انقطاعه، فهو عندهم بمعنى المنقطع.
وقال جماعة من المُحدّثين أو أكثرهم: لا يُسَمَّى مرسلًا إلّا ما أَخْبَرَ فيه التابعيُّ عن رسول الله ﷺ .
ثم مذهب الشافعي والمُحدّثين أو جمهورهم وجماعةٍ من الفقهاء أنه يُحتجّ به، وذهب مسلمٌ رحمه الله تعالى وجماعة إلى الاحتجاج به إلى آخر ما تَقَدَّم ذكره في اصطلاحات أنواع الحديث.
هذا في مرسل غير الصحابي، وأمّا مرسل الصحابي-: وهو روايته ما لم يُدركه أو يحضره كقول عائشة ﵂: (أولُ ما بُدِئَ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة) -: فمذهب الشافعي والجماهير أنه يُحْتَجُّ به، وقال أبو إسحاق الإسفرائيني الشافعي: لا يُحْتَجُّ به إلا أن يقول: إنه لا يروي إلّا عن صحابي، والصواب الأول.
стр. 504
فَيُقَالُ لَهُ: فَإنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي تَضْعِيفِكَ الْخَبَرَ وَتَرْكِكَ الاحْتِجَاجَ بِهِ إِمْكَانَ الإِرْسَالِ فِيهِ .. لَزِمَكَ أَنْ لَا تُثْبِتَ إِسْنَادا مُعَنْعَنًا حَتى تَرَى فِيهِ السَّمَاعَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِه.
وَذلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَلَينَا بِإِسْنَادِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
ــ
قُلتُ: (وفي جَعْلِهم قولَ عائشة هذا من باب المرسل نظرٌ؛ لاحتمال أن تكون سمعته من قول النبي ﷺ ، ويترجَّحُ ذلك؛ إذ لا مانع منه فلا يكون مرسلًا كغيره، وقد يُجاب بأنَّ مرادهم: أنه في حكم المرسل لمَّا لم يتحقق سماعها له من النبي ﷺ بناءً على التمسُّك بالأقلِّ وأنَّ الاتصال لا يثبت إلا باليقين وما يَقْرُبُ منه) اهـ سنوسي مع زيادة من "الباكورة".
(فيُقَالُ له) أي: لهذا الزاعم: (فإنْ كانت العِلَّةُ) والسببُ (في تَضْعِيفِكَ) وتسقيمك (الخَبَرَ) والحديثَ المعنعن (و) في (تَرْكِكَ الاحتجاجَ) والاستدلال (بهِ) أي: بالحديثِ المعنعنِ (إمْكَانَ الإِرْسَالِ) والانقطاعِ (فيه) أي: في الحديث ( .. لَزِمَكَ) أيها الزاعمُ: جوابُ (إِنْ) الشرطية في قوله: (فإنْ كانت العِلَّةُ) أي: لَزِمَك بمقتضى هذه العلّة (أَنْ لا تُثْبتَ) ولا تَقْبَلَ (إسنادًا مُعَنْعَنًا) أي: إسنادًا فيه (عن فُلان عن فُلان)، وجملةُ أن المصدرية مع ما في حيِّزها في تأويلِ مصدرٍ مرفوعٍ على الفاعلية لـ (لَزِمَكَ) أي: فإنْ كانت العِلَّةُ في تضعيفك الخبرَ وعدم قبوله إمكان الإرسال فيه .. لَزِمَك عدم إثباتك إسنادًا معنعنًا وعدمُ قبوله (حتى تَرَى) وتعلمَ (فيه) أي: في الإسنادِ المعنعنِ (الشمَاعَ) أي: سماعَ كُل راو من رجاله عَمَّنْ رَوَى عنه (مِنْ أَوَّلِهِ) أي: من طرفي الأول، وهو الذي يلينا (إلى آخرِهِ) أي: إلى طرفه الآخر، وهو الذي يلي الصحابيَّ، ولَزِمَك أيضًا تضعيفُ الأحاديثِ الصحيحةِ المشهورةِ.
(وذلك) اللُّزومُ في الموضعين (أَنَّ الحديثَ) المعنعنَ (الوَارِدَ علينا) أي: الواصلَ إلينا (بإسنادِ هشامِ بنِ عُرْوَةَ) بنِ الزبَير بنِ العَوَّام (عن أبيه) عروةَ (عن عائشة) أُمِّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
стр. 505
فَبيَقِينٍ نَعْلَمُ أَنَّ هِشَامًا قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ، وَأَن أَبَاهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ، كَمَا نَعْلَمُ أَن عَائِشَةَ قَدْ سَمِعَتْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَدْ يَجُوزُ -إِذَا لَمْ يَقُلْ هِشَامٌ فِي رِوَايَةِ يَرْويهَا عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ أَوْ أَخْبَرَنِي- أَنْ يَكُونَ بَينَهُ وَبَينَ أَبِيهِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ إِنْسَانٌ آخَرُ
ــ
وقوله: (فَبِيَقِينٍ) متعلِّقٌ بقوله: (نَعْلَمُ)، وجملةُ (نعْلَمُ) في محل الرفع خبر (أن) في قوله: (أن الحديث)، وجملة أن في تأويل مصدرِ مرفوع على كونه خبرًا لذلك، والجملةُ الاسميةُ مستانفةٌ استئنافًا بيانيًّا؛ أي: نَعْلَمُ علمًا مُلْتَبسًا بيقين وإدراكٍ جازمٍ (أَن هشامًا) وإنْ عَنْعَنَ (قد سَمعَ من أبيه) عُرْوَةَ بلا واسَطةٍ (و) نَعْلَمُ بيقينٍ (أن أباه) عروةَ وإنْ عَنْعَنَ (قد سَمعَ من عائشة) أُمِّ المؤمنين ﵂.
وقوله: (كما نَعْلَمُ) الكافُ صفةٌ لمصدر محذوفٍ، و (ما) مصدريةٌ، والتقديرُ: فنَعْلَمُ سماعَ هشامٍ عن أبيه عن عائشةَ عِلْمًا يقينيًا كائنًا كعلمنا يقينًا (أَنَّ عائشةَ قد سَمِعَتْ من النبيِّ ﷺ .
(و) مع علمنا يقينًا سماع هشام عن أبيه وسماع أبيه عن عائشة (قد يَجُوزُ) ويحتمل (إذا لم يَقُلْ هشامُ) بن عروة (في روايةٍ يَرْويها) أي: يروي تلك الروايةَ (عن أبيه) عروة.
وقولُه: (سَمِعْتُ أو أخبرني) مقول محكي ل (يقُلْ)، و (إذا) ظرفٌ مُجَرَّدٌ عن معنى الشرط متعلِّقٌ بيجُوزُ.
وجملةُ قوله: (أَنْ يكونَ بينَه) أي: بينَ هشامٍ (وبينَ أبيه) عروةَ: في تأويلِ مصدرٍ فاعلُ (يَجُوزُ)، والظرفان خبرٌ مُقَدَّم لـ (يكونَ).
والجارُّ والمجرورُ في قوله: (في تلك الروايةِ) التي لم يُصَرِّحْ فيها بسَمِعْتُ أو أخبرني متعلِّق بالاستقرار الذي تعلق الظرفان به.
وقولُه: (إنسان آخَرُ) أي: غيرُ عروة: اسمُ يكونَ مؤخَّرٌ، والتقديرُ: ومع عِلْمِنا
стр. 506
أَخْبَرَهُ بِهَا عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَسْمَعْهَا هُوَ مِنْ أَبِيهِ لَمَّا أَحَبَّ أَنْ يَرْويَهَا مُرْسَلًا،
ــ
السماع المذكور علمًا يقينيًّا قد يحتمل كون إنسان آخر كائنا بينه وبين أبيه وقتَ عدم قوله: سَمِعْتُ أو أخبرني.
وقولُه: (أَخْبرهُ) أي: أَخْبَرَ ذلك الإنسانُ هشامًا (بها) أي: بتلك الرواية التي لم يُصَرّح فيها بالسماع أو بالإخبار: صفةٌ ثانيةٌ لإنسانٌ؛ أي: إنسانٌ آخَرُ مخْبِرٌ إياهُ بها (عن أبيه و) الحالُ أن هشامًا (لم يَسْمَعْهَا) أي: لم يَسْمَعْ تلك الرواية (هو) أي: هشامٌ، و (هو) تأكيدٌ لضمير الفاعل المستتر في (يَسْمَعْها) أي: يحتملُ أنْ يكونَ بينه وبينَ أبيه إنسانٌ آخرُ مخبر له إيَّاها والحالُ أنه لم يسمعها (مِنْ أَبيه) عروةَ.
ويحتمل كون جملة قوله: (ولم يسمعها هو من أبيه) معطوفةً على جملة قوله: (أن يكونَ) على كونها فاعلًا لـ (يجوزُ)، والتقديرُ: ومع علمنا ذلك قد يجوزُ ويحتملُ كونُ إنسانٍ آخرَ بينه وبين أبيه وعدمُ سماعِه إياها من أبيه وقت عدم قوله: سمعتُ أو أخبرني.
وقوله: (لَمَّا) بفتح اللام وتشديد الميم ظرفٌ بمعنى حينَ متعلِّقٌ بقوله: (لَمْ يَقُلْ)، وجملة (أَحَبَّ) مضافٌ إليه ل (لمَّا)، والتقدير: وقد يجوز إذا لم يَقُلْ هشامٌ: سمعتُ أو أخبرني حين محبَّتِه.
وجملةُ قوله: (أَنْ يَرْويها) في تأويل مصدرٍ منصوبٍ على المفعولية لـ (أحَبَّ) أي: حينَ محبته رواية تلك الرواية حالة كون الحديث (مُرْسلًا) بفتح السين؛ أي: منقطعًا، وضُبِطَ (لِمَا) بكسر اللام على أنها جارة معللة لعدم قوله، وتخفيف (ما) على أنها مصدرية، وجملة (أَنْ يَرْويَها) مفعول أَحَبَّ، (مُرْسلًا) بكسر السين على أنه حالٌ من فاعل (يَرْويها)، والجار والمجرورُ متعلِّقٌ بيقُلْ أيضًا، والتقديرُ: وقد يجوزُ أنْ يكونَ بينه وبين أبيه إنسانٌ آخَرُ إذا لم يَقُلْ: سمعتُ أو أخبرني لمحبته روايتَه إياها حالة كونه مرسِلًا؛ أي: مُسْقِطًا الواسطةَ بينَه وبينَ أبيه.
وقوله: (لَمَّا أَحَبَّ) قال النوويُّ: (ضَبَطْناه "لَمَّا" بفتح اللام وتشديد الميم،
стр. 507
وَلَا يُسْنِدَهَا إِلَى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ، وَكَمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ .. فَهُوَ أَيضًا مُمْكِنٌ فِي أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَكَذَلِكَ كُل إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ لَيسَ فِيهِ ذِكْرُ سَمَاعِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ عُرِفَ فِي الْجُمْلَةِ
ــ
و"مُرْسلًا" بفتح السين، ويجوزُ تخفيف "لما" وكسر سين "مُرْسِلا") اهـ (١).
قلت (٢): يَعْني مع كسر اللام في (لما) على أنها للتعليل.
وقولُه: (ولا يُسْنِدَها) بالنصب معطوفٌ على (يَرْويَها)، والتقديرُ: حينَ أحبَّ أنْ يَرْويها مُرْسلًا وأَحَبَّ أنْ لا يُسْنِدَ تلك الرواية ولا يَنْسُبَها (إلى مَنْ) قد (سَمِعَها منه) الذي هو الواسطة بينه وبين أبيه، وجملة قوله: (ولا يُسْنِدَها) مفسِّرةٌ لجملةِ قوله: (أَنْ يَرْويَها مُرْسَلًا).
وجملةُ قوله: (وَكَمَا يُمْكِنُ ذلك ... ) إلخ مستأنفةٌ، والكافُ فيه صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، و (ما) مصدريةٌ؛ أي: وكَمَا يُمْكِنُ ذلك؛ أي: كَوْنُ إنسانٍ آخر (في) رواية (هشامٍ عن أبيه .. فهو) أي: كونُ إنسانٍ آخر.
وقولُه: (أيضًا) مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ محذوفٍ مُقَدَّم على مَحَلِّه؛ أي: إضت أيضًا؛ أي: رجعتُ رُجوعًا إلى بيان الإمكان (مُمْكِنٌ) خبرٌ عن ضمير الغائب؛ أي: فهو مُمْكِنٌ أيضًا (في) رواية (أبيه عن عائشةَ) رضي الله تعالى عنها، والمعنى: فكَوْنُ إنسانٍ آخَرَ مُمْكِن أيضًا في رواية أبيه عن عائشة إمكانا كإمكانه في روايةِ هشامٍ عن أبيه.
(وكذلك) أي: ومثل ذلك المذكور من إسناد هشام عن أبيه في الاحتمال المذكور (كل إسنادٍ لحديثٍ) أيَّ: إسنادٍ كان (ليس فيه) أي: في ذلك الإسنادِ (ذِكْرُ) وتصريحُ (سماع بعضهم من بعضٍ) وإخباره عنه (وإنْ كان) الشأنُ والحالُ، فـ (كان) شأنيةٌ (قد عُرِفَ) وصُرِّحَ (في الجُمْلَةِ) أي: في بعض الأسانيد غير ذلك الإسناد المعنعن.
стр. 508
أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُم قَدْ سَمعَ مِنْ صَاحِبِهِ سَمَاعًا كَثيرًا .. فَجَائِزٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزِلَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ فيَسْمَعَ مِنْ غَيرِهِ عَنْهُ بَعْضَ أَحَادِيثِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ عَنْهُ أَحْيَانا وَلَا يُسَمِّيَ مَنْ سَمعَ مِنْهُ، وَيَنْشَطَ أَحْيَانًا فَيُسَمِّيَ الرجُلَ الَّذِي حَمَلَ عَنْهُ الْحَدِيثَ وَيَتْرُكَ الإِرْسَال
ــ
وجملةُ قوله: (أن كُلَّ واحدٍ منهم) نائبُ فاعلٍ لـ (ـعُرِفَ) أي: وإنْ كان الشأنُ قد عُرِفَ وعُلِمَ في الأسانيد أن كُل واحدٍ من رُواته (قد سَمعَ منْ صاحبه) وشيخه الذي رَوَى له (سماعًا كثيرًا).
وقولُه: (فجائز) إلى آخره تصريحٌ بما عُلِمَ من التشبيه في كذلك؛ أي: فكَما جازَ ذلك في إسنادِ هشام عن عروة .. يجوزُ ويحتمل (لِكُلِّ واحدٍ منهم)، وفي بعض النُّسخ: (على كُل واحدٍ منهم) والحرفان بمعنى في؛ أي: فكذلك يَحْتَمِلُ في كُلِّ واحدٍ من هؤلاء الرُّواة (أَنْ يَنْزِلَ) من شيخِه وصاحبه الذي رَوَى عنه أولًا (في بعضِ الروايةِ فيَسْمَعَ) وَيرْويَ (من غَيره) أي: من غير صَاحبه الذي رواه أولًا حالة كون ذلك الغير راويًا (عنه) أي: عن صاحبه وشيخه الأول.
وقولُه: (بعضَ أحاديثه) مفعولُ (يَسْمَع) أي: أَنْ يَنْزِلَ ويَسْمَعَ بعضَ أحاديثِ صاحبه وشيخه عن غيره حالة كون ذلك الغير راويا عن صاحبه وشيخه.
وقولُه: (ثُمَّ يُرْسِلَه) كسلًا في بعض الأحيان: معطوفٌ على (يَسْمَعَ) أي: ثم يروي بعد سماعه من ذلك الغيرِ كسلًا عن ذِكْرِه (عنه) أي: عن صاحبه وشيخهِ الأولِ كأنَّه سَمِعَه منه لا من ذلك الغير.
وقولُه: (أحيانًا) أي: في بعض الأزمنة: ظرفٌ متعلِّقٌ بـ (يُرْسِلَهُ).
وجملةُ قوله؛ (ولا يُسَمِّي) أي: والحالُ أنه لا يذْكُرُ في السند اسمَ (مَنْ سَمعَ منه) ذلك البعض وهو ذلك الغيرُ: حالٌ من فاعل (يُرْسِلَه).
(وَينْشَطَ أحيانًا) بفتح الياء والشين من نَشِطَ الرجلُ بالكسر إذا خَفَّ جِسْمُه، يَنْشَطُ بالفتح من باب عَلِمَ نشاطًا بالفتح فهو نشيط ضد كَسِلَ؛ أي: وينشط ويخف في بعض الأحيان.
(فيُسَمِّيَ) أي: فيَذْكُرَ في السَّنَدِ (الرجلَ الذي حَمَلَ) وروى (عنه الحديثَ ويَتْرُكَ الإرْسَال) أي: إسقاطَه من السند.
стр. 509
وَمَا قُلْنَا مِنْ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ مُسْتَفِيضٌ مِنْ فِعْلِ ثِقَاتِ الْمُحَدِّثِينَ وَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَسَنَذْكُرُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَلَى الْجهَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَدَدا يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى. فَمِنْ ذَلِكَ: أَن أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِي وَابْنَ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعًا وَابْنَ نُمَيرٍ وَجَمَاعَةً غَيرَهُمْ رَوَوْا عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ [ ﷺ ] لِحِلِّهِ
ــ
(وما قُلْنا) هـ وذَكَرْناه (مِنْ هذا) المذكور من الإرسال وتركه (موجودٌ في) رواياتِ أهل (الحديث مُسْتَفِيضٌ) شائعٌ فيها حالة كونه (مِنْ فِعْلِ ثِقَاتِ المُحَدِّثين) وعَمَلِهم (و) من عادةِ (أئمَّةِ أهلِ) هذا (العِلْمِ) والحديث، والله أعلم.
(وسَنَذْكُرُ) قريبًا إن شاء الله تعالى (من رواياتهم) أي؛ من روايات ثقاتِ المحدِّثين وأئمتهم (على الجهة التي ذكرنا) ها والكيفية التي بيناها من إرسالهم في حالة عدم النشاط وتركه في حالة نشاطهم (عددًا) قليلًا يكون سِمةً (يُسْتَدَلُّ بها على) عَدَدٍ (أَكْثَرَ منها إنْ شاءَ الله) سبحانه و (تعالى) ذِكْرَنا إياها.
وأنَّثَ الضمير العائد على العدد مع كونه مذَكَّرًا؛ نظرًا إلى كونه بمعنى الأفراد.
(فـ) ـنقول (مِنْ ذلك) العدد الذي وَعَدْنا ذكره ليكون سمةً يُسْتَدَلُّ بها على غيره: (أن أيوبَ) بنَ أبي تميمة كَيسانَ (السَّخْتِيَانيَّ) العنَزيَّ البصريَّ، ثقة ثَبْت حُجَّة من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، (و) عبدَ اللهِ (بنَ المُبَارَكِ) بن واضح الحنظلى المَرْوزِيَّ، ثقة ثَبْت من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومائة، (ووَكِيعًا) هو ابنُ الجَرَّاح بن مليح الرُّؤَاسيُّ الكوفي، ثقة حافظٌ من كبار التاسعة، مات في آخر سنة ست وأول سنة سبع وتسعين ومائة، (و) عبدَ الله (ابنَ نُمَيرٍ) بالنون مصغرًا الهمداني الكوفي، ثقة صاحب حديث، من كبار التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومائة، (و) أن (جماعةً غيرَهم) أي: غير هؤلاء الأربعة كابن جُرَيج وشُعْبة ومَعْمَر واللَّيث ويونس بن يزيد (رَوَوْا) أي: رَوَى كُلٌّ من هؤلاء (عن هشام بن عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوام (عن أبيه) عُرْوةَ (عن عائشةَ) أُمِّ المؤمنين ﵂ قالتْ) عائشةُ: (كنتُ أُطَيِّبُ رسول الله [ ﷺ ] لحِلِّهِ) أي: عند حِلّه التحلُّلَ
стр. 510
وَلحُرْمِهِ بِأطْيَبِ مَا أَجِدُ، فَرَوَى هَذِهِ الرِّوايَةَ بِعَينهَا اللَّيثُ بْنُ سَعْدٍ وَدَاوُدُ الْعَطَارُ وَأَبُو أُسَامَةَ
ــ
الأولَ (ولِحُرْمِهِ) أي: وقَبْلَ إحرامه عند إرادة الإحرام (بأَطْيَب ما أَجدُ) أي: بأحسنِ ما أَجِدُ من أنواع الطِّيب.
قال النوويُّ: (يُقال: حُرْمه بضم الحاء وكسرها لغتان، ومعناه: لإحرامه، قال القاضي عياضٌ (١) رحمه الله تعالى: قَيَّدْناه عن شيوخنا بالوجهين، قال: وبالضم قيَّدَه الخَطَّابيُّ والهَرويُّ، وخطَّأ الخطَّابيُّ أصحابَ الحديث في كسره، وقَيَّدَه ثابتٌ بالكسر، وحَكَى عن المُحدِّثين الضمَّ وخطأهم فيه وقال: صوابه الكسر كما قال: لحلِّه.
وفي هذا الحديث استحبابُ التطيُّب عند الإحرام، وقد اختلف فيه السَّلَفُ والخَلَفُ، ومذهب الشافعيِّ وكثيرين: استحبابه، ومذهبُ مالك في آخرين: كراهته، وسيأتي بَسْطُ المسألة إن شاء الله تعالى في كتاب الحجّ) اهـ (٢).
وروى هشامٌ في هذه الرواية عن أبيه عروةَ مُرْسِلًا؛ أي: مُسْقِطًا لعثمان بن عروة الذي كان واسطةً بينه وبين أبيه (فَرَوَى هذه الروايةَ بعَينِها) أي: بلفظها عن هشام بن عروة: (اللَّيثُ بن سَعْدِ) بن عبد الرحمن الفهمي -بفتح أوله وسكون ثانيه- نسبةٌ إلى بني فهم مولاهم، أبو الحارث المصري، ثقة ثَبْت إمام فقيه مشهور، من السابعة، مات في شعبان سنة خمسٍ وسبعين ومائة.
(وداودُ) بن عبد الرحمن (العَطارُ) أبو سليمان المكيُّ.
روى عن عَمْرو بن دينار ومنصور بن صفية وابن جُرَيج وغيرهم، ويروي عنه (ع) وقتيبة ويحيى بن يحيى وابن وهب، ثقة من الثامنة، مات سنة خمس وسبعين ومائة له في (خ) فرد حديث.
(و) حَمَّادُ بن أسامة الهاشميُّ مولاهم (أبو أسامةَ) (٣) الكوفي.
стр. 511
وَحُمَيدُ بْنُ الأَسْوَدِ وَوُهَيبُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ هِشَامٍ قَال: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
ــ
قال في "التقريب": ثقةٌ ثبتٌ ربما دَلَّسَ، من كبار التاسعة، مات سنة إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين سنة.
(وحُمَيدُ بن الأسود) بن الأشقر البصريُّ، أبو الأسود الكرابيسيُّ نسبة إلى بيع الكرابيس وهي الثيابُ كما في "اللباب" (٣/ ٩٨).
روى عن هشام بن عروة وابن عَوْن وعبد العزيز بن صُهَيب وعبد الله بن سعيد بن أبي هند وغيرهم، ويروي عنه (خ عم) وحفيده أبو بكر بن محمد بن أبي الأسود وعبد الرحمن بن مهدي وبكر بن خلف وابن المبارك وسعيد بن عامر ومُسَدَّد وابن المديني وآخرون.
وقال في "التقريب": صدوقٌ يهم قليلًا، من الثامنة، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال الساجيُّ والأزدي: صدوقٌ عنده مناكير.
(ووُهَيبُ بن خالدِ) بن عجلان الباهليُّ مولاهم، أبو بكر البصريُّ.
روى عن حُمَيد الطويل وأيوب وخالد الحذَّاء وداود بن أبي هند وغيرهم، ويروي عنه (ع) وإسماعيل ابن عُلَيَّة وابن المبارك وابن مهدي والقطان وغيرهم.
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ لكنه تغيَّرَ قليلًا بآخَرَةٍ، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومائة.
كلهم (عن هشامِ) بن عروة (قال: أخبرني) أخي (عثمانُ بن عُرْوَةَ) بن الزبَير بن العَوَّام الأسديُّ المدنيُّ.
روى عن أبيه في (خ م) فرد حديث، ويروي عنه (خ م دس ق) وأخوه هشام وابن عُيَينة، وثَّقَه ابنُ مَعِين والنسائيُّ.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، من السادسة، مات قبل الأربعين ومائة.
(عن عُرْوَةَ) بنِ الزُّبَير (عن عائشةَ) أُمِّ المؤمنين ﵂ (عن النبي ﷺ فَرَوَى هشامٌ في هذه الطريقة مُسْنِدًا بذِكْر عثمان الذي سَمِع من
стр. 512
وَرَوَى هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالتْ: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ .. يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَأنَا حَائِضٌ،
ــ
عروة، لا مُرْسلًا كما في الطريقة الأولى، فالإسنادُ في حالة النشاط والإرسالُ في غيرها من دأبِ المحدِّثين وأئمَّةِ أهلِ العلم، فلا يَقْتَضِي ضَعْفَ الحديث وعدم الاحتجاج به (١).
(وَرَوَى هشامُ) بن عروة (عن أبيه) عروة (عن عائشةَ) مُرْسلًا (قالت: كان النبي ﷺ إذا اعتكفَ) ولبث في المسجد بنيه العبادة ( .. يُدْنِي) ويُقَرِّبُ من طاقة المسجد وهو في المسجد (إليَّ رأسَه) وأنا في حجرتي لأُرَجِّل شَعَره (فأُرَجِّلُه) أي: فَأُرَجِّلُ شَعَرَه وأسَرِّحُه (وأنا حائضٌ) أي: والحالُ أني غيرُ طاهرٍ، فأَرْسَلَ هشامٌ بإسقاط عمرة بين عروة وعائشة.
قال النووي: (وفي هذا الحديث جُمَلٌ من العِلْم:
منها: أن أعضاءَ الحائضِ طاهرةٌ، وهذا مُجْمَعٌ عليه، ولا يَصِحُّ ما حُكِيَ عن أبي يوسف من نجاسة يدها.
وفيه: جوازُ ترجيل المعتكف شَعَرَه، ونَظَرُهُ إلى امرأته، ولمسها شيئًا منه بغير شهوةٍ منه.
واستدلَّ بهذا الحديث أصحابُنا وغيرُهم على أن الحائضَ لا تدخل المسجد، وأنَّ الاعتكافَ لا يكونُ إلا في المسجد، ولا يظهر فيه دلالةٌ لواحدِ منهما؛ فإنه لا شكَّ في كون هذا هو المحبوبَ، وليس في هذا الحديث أكثرُ من هذا، فأمَّا الاشتراطُ والتحريمُ في حقِّها .. فليس فيه، لكنْ لذلك دلائلُ، أُخَرُ مقرَّرَةٌ في كتب الفقه.
واحْتَجَّ القاضي عِيَاضٌ (٢) رحمه الله تعالى به على أن قليلَ الملامسة لا تَنْقُضُ الوضوءَ ورَدَّ به على الشافعي، وهذا الاستدلالُ منه عَجَبٌ، وأيُّ دلالة فيه لهذا؟ ! وأين في هذا الحديث أن النبيَّ ﷺ لمس بشرة عائشة ﵂
стр. 513
فَرَوَاهَا بِعَينهَا مَالِكُ بْنُ أَنسٍ، عَنِ الزهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النبِيِّ ﷺ
ــ
وكان على طهارةٍ ثمَّ صلَّى بها؟ فقد لا يكون متوضئًا، ولو كان .. فما فيه أنه ما جَدَّدَ طهارةً، ولأن الملموس لا ينتقض وضوؤه على أحد قولي الشافعية، ولأن لمس الشعر لا ينقض عند الشافعي، كذا نَصَّ في كُتُبِهِ، وليس في الحديث أكثرُ من مسّها الشعر، والله أعلم) اهـ (١).
(فَرَوَاها) أي: فَرَوَى هذه الروايةَ (بَعْيِنها) أي: بلفْظِهَا (مالكُ بن أنَّسٍ) بن مالك أبو عبد الله المدنيُّ الإمامُ الأعظمُ الفقيهُ، من السابعة، مات سنة تسعٍ وسبعين ومائة، وله تسعون سنة، ودُفن بالبقيع، وقبره مشهورٌ هناك.
(عن) محمد بن مسلم بن عُبَيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي (الزُّهْرِيِّ) أبي بكر المدني، عالم الحجاز والشام.
قال في "التقريب": حافظٌ مُتْقِنٌ مُتَّفَقٌ على جلالته وإتقانِه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة خمسٍ وعشرين ومائة، (عن عُرْوَةَ) بنِ الزُّبَيرِ المدنيِّ، (عن عَمْرَةَ) بنتِ عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة الأنصارية المدنيةِ الفقيهةِ، سَيّدة نساء التابعين.
رَوَتْ عن عائشة وأُمّ حبيبة وأُمّ سلمة وطائفة، ويروي عنها (ع) وأبو بكر بن حَزْم وسُلَيمان بن يَسَار والزهري وخلق، وثَّقَها ابنُ المديني وفخَّمَ شأنَها.
وقال في "التقريب": ثقةٌ من الثالثة ماتت قبل المائة.
(عن عائشة) مسندًا ﵂ (عن النبي ﷺ فأَرْسَلَ هشامٌ في الطريقة الأولى بإسقاط عَمْرة بنت عبد الرحمن التي روى عنها عروةُ بن الزبَير، وأسند الزهْرِيُّ بذكْرِها ولم يُرْسِلْ كما أرسل هشامٌ في روايته.
стр. 514
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ وَصَالِحُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ،
ــ
(ورَوَى) محمدُ بن مسلمٍ (الزُّهْرِيُّ) المدنيُّ. (وصالحُ بن أبي حَسَّان) المدنيُّ.
روى عن عبد الله بن حنظلة بن الرَّاهب وسعيد بن المُسَيّب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الله بن أبي قتادة، ويروي عنه (ت س) بواسطة وابنُ أبي ذئب وخالدُ بن إلياس وبُكَير بن الأَشجّ.
قال الترمذيُّ: سمعتُ محمدًا يقول: صالحُ بن حَسَّان منكرُ الحديث، وصالحُ بن أبي حسان الذي روى عنه ابنُ أبي ذئب ثقة، وقال النسائيُّ: مجهول، وقال أبو حاتم: ضعيفُ الحديث، قلتُ: وقال السَّاجِيُّ: مستقيمُ الحديث، وذكره ابنُ حِبّان في "الثقات".
وقال مسلمٌ في مقدّمة صحيحه: رَوَى الزُّهْرِيُّ وصالح بن أبي حَسَّان عن أبي سلمة عن عائشة في قُبْلة الصائم، وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة فأَدْخل بينه وبين أبي هريرة اثنين، أوردَ مسلمٌ ذلك فيما اختلفَ فيه الثقاتُ بالزيادةِ والنَّقْصِ. اهـ من "تهذيب التهذيب" (٤/ ٣٨٥ - ٣٨٦).
وقال في "التقريب": صالح بن أبي حسان المدني، صدوقٌ من الخامسة (ت س).
قال النووي: (قوله: "ورَوَى الزهْرِي وصالحُ بن أبي حَسَّان" هكذا هو في الأُصول ببلادنا، وكذا ذكره القاضي عياضٌ (١) عن معظم الأصول ببلادهم، وذَكَرَ أبو علي الغَسَّاني (٢) أنه وَجَدَ في نسخة الرازي أحد رواتهم: صالح بن كيسان، قال أبو علي: وهو وَهَمٌ، والصوابُ: صالح بن أبي حَسَّان، وقد ذَكَرَ هذا الحديث النسائي (٣) وغيرُه من طريق ابن وَهْب عن ابن أبي ذئب عن صالح بن أبي حَسَّان، عن أبي سلمة.
قلتُ: قال الترمذيُّ عن البخاري: صالحُ بن أبي حسَّان ثقة، وكذا وثَّقه غيره،
стр. 515
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَقَال يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثيرٍ
ــ
وإنما ذَكَرْتُ هذا؛ لأنه ربَّما اشْتَبَهَ بصالح بن حسَّان أبي الحارث البصري المدني -ويُقال: الأنصاري- وهو في طبقة صالح بن أبي حَسَّان هذا، فإنهما يرويان جميعًا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ويروي عنهما جميعًا ابنُ أبي ذئب، ولكن صالح بن حَسَّان مُتَّفَقٌ على ضَعْفِه، وأقوالُهم في ضَعْفِه مشهورةٌ، وقال الخطيبُ البغداديُّ في "الكفاية": أجمع نُقَّادُ الحديثِ على تَرْكِ الاحتجاج بصالح بن حَسَّان، هذا لسوءِ حفظه وقلّة ضبطه، والله أعلم. اهـ (١).
(عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أحدِ الأئمة، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته.
روى عن أبيه وعثمان بن عفان وطلحة وعُبادة بن الصامت وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابنه عمر وأولاد إخوته سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن وعبد المجيد بن سُهيل بن عبد الرحمن وزرارة بن مصعب بن عبد الرحمن والأعرجُ وغيرُهم.
وقال ابنُ سعد: كان ثقة فقيهًا كثير الحديث، مات سنة أربع وتسعين.
(عن عائشةَ) مرسلًا عنها - رضي الله تعالى عنها - قالت: (كان النبيُّ ﷺ يُقَبِّلُ) بعض نسائهِ (وهو صائمٌ).
(فقال يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، أحد الأعلام.
روى عن أنسٍ وجابرٍ وأبي أُمامة وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وهلال بن أبي ميمونة وآخرين، ويروي عنه (ع) وابنُه عبد الله وأيوبُ ويحيى بن سعيدِ الأنصاريُّ والأوزاعي وآخرون.
قال شعبة: يحيى بن أبي كثيرِ أحسنُ حديثًا من الزهْري، وقال أبو حاتم: إمامٌ لا يُحَدِّثُ إلا عن ثِقَةٍ.
стр. 516
فِي هَذَا الْخَبَرِ فِي الْقُبْلَةِ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ: أَن عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ
ــ
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ لكنه يُدَلّسُ ويرْسِلُ، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
وقال النووي: (وأمَّا يحيى بن أبي كثير: فتابعيٌّ صغيرٌ، كنيته أبو نصر، رأى أنس بن مالك، وسمع السائبَ بنَ يزيد، وكان جليل القَدْر، واسمُ أبي كثير: صالحٌ، وقيل: يسار، وقيل: نشيط، وقيل: دينار) اهـ (١).
(في هذا الخَبَرِ) والحديثِ الواردِ (في) شَأْنِ (القُبْلَةِ) أي: في قُبْلَةِ الصائم المرأةَ، قال: (أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف، قال النوويُّ: (واسمُ أبي سلمة هذا عبدُ الله بن عبد الرحمن، هذا هو المشهور، وقيل: اسمه إسماعيل، وقال عَمْرو بن علي: لا يُعرف اسمه، وقال أحمد بن حنبل: كُنْيَتُه هي اسمه، حَكَى هذه الأقوال فيه الحافظ أبو محمد عبد الغني المقدسيُّ رحمه الله تعالى، وأبو سلمة هذا من أَجَلِّ التابعين ومن أَفْقَهِهم، وهو أحدُ الفقهاء السبعة على أحد الأقوال فيهم) اهـ (٢).
أي: أخبرني أبو سلمة مسندًا: (أن عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم الأُموي الحافظ، أمير المؤمنين من الرابعة، مات سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة (أخبره) أي أخبر أبا سلمة (أن عروة) بن الزبير (أخبره) أي: أخبر عمر بن عبد العزيز (أن عائشة أخبرته) أي: أخبرتْ عروة بن الزبير (أن النبي ﷺ كان يقبلها) أي: يقبل: عائشة (وهو) ﷺ (صائم).
قال النوويُّ: (اجتمَعَ في هذه الروايةِ أربعةٌ من التابعين يروي بعضهم عن بعض: أولهم: يحيى بن أبي كثير، وهو من أغرب لطائف الإسناد.
стр. 517
وَرَوَى أبْنُ عُيَينَةَ وَغَيرُهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ قَال: أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لُحُومَ الْخَيلِ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ،
ــ
وفيه لطيفةٌ أخرى أيضًا: وهو أنه من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ فإنَّ أبا سلمة من كبار التابعين، وعُمَرُ بن عبد العزيز من أصاغرهم سنًّا وطبقةً وإنْ كان من كبارهم علمًا وقدرًا ودينًا ووَرَعًا وزُهْدًا وغير ذلك) (١).
(وَرَوَى) سفيانُ (بن عُيَينة) بن أبي عمران ميمون الهلاليُّ مولاهم، أبو محمدِ الأعورُ الكوفيُّ ثم المكيُّ.
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ إمامٌ حُجَّةٌ إلا أنه تغيَّرَ حفظُه في أَخَرَةٍ، من رؤوس الطبقة الثامنة، مات في رجب سنة ثمانٍ وتسعين ومائة وله إحدى وتسعون سنة.
و(وغيرُه) أي: وغير ابنِ عُيَينة كالثَّوْري وشعبة والحَمَّادَينِ مُرْسِلِين (عن عَمْرِو بن دينارٍ) الجمحي مولاهم، أبي محمد المكي أحد الأئمة الأعلام.
قال في التقريب: ثقة ثَبْت، من الرابعة، مات سنة خمس أو ست وعشرين ومائة في أولها.
(عن جابرِ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي أبي محمد المدني ﵁ صحابي ابن صحابي مشهور، مات في المدينة بعد السبعين وهو ابن أربع وتسعين.
وقال الفلَّاسُ: مات سنة ثمان وسبعين عن أربع وتسعين سنة.
(قال) جابرٌ: (أَطْعَمَنا) أي: أَحَلَّ لنا (رسولُ الله ﷺ لُحُومَ الخيلِ ونهانا عن) أَكْلِ (لُحُومِ الحُمُرِ الأهلية) أي: الإنسية، خَرَجَ بالأهلية الوحشية؛ فهي حلال، وفي بعض النُّسَخ إسقاطُ (الأهليَّةِ) وهو خطأٌ من النُّساخ؛ لأنه قيدٌ لا بُدَّ منه لصحة المعنى.
стр. 518
فَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَهَذَا النَّحْوُ فِي الرِّوَايَاتِ كَثيِرٌ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا
ــ
(فرواه) أي: فَرَوَى هذا الحديثَ بعينه مسندًا (حَمَّادُ بْنُ زيدِ) بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصريُّ، ثقةٌ ثبت فقيهٌ، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون سنة (عن عَمْرِو) بن دينار الجمحي، (عن مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ) بن أبي طالب الهاشمي المدني أبي محمد الإمام المعروف بابن الحنفية، نسب إلى خولة بنت جعفر الحنفية المنسوبة إلى بني حنيفة.
روى عن أبيه وعثمان وعمار، ويروي عنه (ع) وبنوه إبراهيم وعبد الله والحسن وعَمْرو بن دينار وخلق.
وقال في "التقريب": ثقة عالم، من الثانية، مات سنة ثمانين.
(عن جابرِ) بن عبد الله الصحابيِّ الجليل، (عن النبيِّ ﷺ فأَرْسَلَ ابنُ عُيَينة عن عَمْرو بن دينارٍ بإسقاط محمد بن علي، وأسند حَمَّادٌ بذِكْرِه (١).
(وهذا النَّحْوُ) أي: وهذا المِثْلُ -وفي هذا التركيب تقديمٌ وتأخيرٌ- أي: ونَحْوُ هذا المذكور من الإرسال في بعض الروايات والإسناد في بعضها وهو مبتدأٌ، وقوله، (في الرِّوايات) متعلَّقٌ بقوله: (كثيرٌ)، وهو خبرُ المبتدإ؛ أي: ومِثْلُ هذا المذكور كثيرٌ في رواياتهم (يَكْثُرُ تَعْدَادُه) ويَصْعُبُ إحصاؤهُ بحيث يطولُ الكلام علينا.
وقولُه: (وفيما ذَكَرْنَاه) (منها) أي: من الروايات المرسلة والمسندة: خبرٌ مقدمٌ.
стр. 519
كِفَايَةٌ لِذَوي الْفَهْمِ. فَإذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ عِنْدَ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ فِي فَسَادِ الْحَدِيثِ وَتَوْهِينهِ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الرَّاويَ قَدْ سَمعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ شَيئًا: إِمْكَانَ الإِرْسَالِ فِيهِ .. لَزِمَهُ تَرْكُ الاحْتِجَاجِ فِي قِيَادِ قَوْلهِ
ــ
وقوله: (كِفَايةٌ) وغنىً عن الزيادة عليها (لذوي الفَهْمِ) الثاقب ولأصحاب العقل الكامل: مبتدأٌ مؤخَّرٌ فلا حاجة إلى إكثارها وتعدادها وإطالةِ الكلام بها؛ لأنَّ الذكيَّ يعرفُ بالإشارة ما لا يعرفه الغبيُّ بألف عبارة.
والفاء في قوله: (فإذا كانت العِلَّةُ) والسبب فاءُ الفصيحة؛ لأنها أفصحتْ عن جواب شرطٍ مقدَّرٍ تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك من التفاصيل وأردتَ بيان حاصله .. فأقول لك: فإذا كانت العِلَّةُ ... وإذا شرطيةٌ، وجملةُ كان فعل شرطها، و (العِلَّةُ) اسمُ كان، والعلَّةُ: المرضُ وَحَدثٌ يشغل صاحِبَهُ عن وجهه، كأنَّ تلك العلَّةَ صارت شُغْلًا ثانيًا منعه عن شُغله الأول اهـ "مختار".
أي: فإذا كان السببُ (عندَ مَنْ وَصَفْنا) وذكرنا (قولَه) وزَعْمَه الفاسدَ (مِنْ قَبْلُ) متعلِّقٌ بوصفنا، وهو الذي يَشْتَرِطُ التلاقي والاجتماعَ في الاحتجاج بالحديث المعنعن (في فَسَادِ الحديثِ) وضَعْفِه في نفسه (وتَوْهِينِهِ) أي: وتضعيف الحديث والحُكْمِ بضعفه، والجارُّ والمجرورُ متعلِّق بالعِلَّةِ.
و(إذا) في قوله: (إذا لم يُعْلَمْ) مُجَرَّدٌ عن معنى الشرط تَنَازَعَ فيه المصدران قبله؛ أي: وإنْ كان السببُ عنده في ضَعْفِ الحديث وتوهينه وَقْتَ عدمِ عِلْمِ (أَنَّ الراويَ قد سَمعَ مِمَّنْ رَوَى عنه شيئًا) من الحديث قليلًا ولا كثيرًا؛ أَي: وقتَ عدم سماع الراوي مَمَّنْ رَوَى عنه شيئًا) من الحديث.
وقولُه: (إمْكَانَ الإِرْسَالِ) والانقطاع خبرُ كان، (فيه) أي: في إسنادِ الحديثِ المعنعنِ وقولُه: ( .. لَزِمَه) أي: لَزِمَ ذلك الزاعمَ جوابُ إذا، وقولُه: (تَرْكُ الاحتجاجِ) والاستدلال فاعلُ لَزِمَ.
وقولُه: (في قِيَادِ قوله) أي: بمقتضَى قوله ومُوجَبِ زَعْمِه: متعلِّقٌ بـ (لَزِمَه)، وهو بقاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحتُ؛ أي: بمقتضى قوله وما يقوده إليه، و (في) بمعنى الباء.
стр. 520
بِرِوَايَةِ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ سَمعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ، إِلَّا فِي نَفْسِ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ السَّمَاعِ؛ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ عَنِ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ نَقَلُوا الأَخْبَارَ أَنَّهُمْ كَانَتْ لَهُمْ تَارَاتٌ يُرْسِلُونَ فِيهَا الْحَدِيثَ إِرْسَالًا وَلَا يَذْكُرُونَ مَنْ سَمِعُوهُ مِنْهُ، وَتَارَاتٌ يَنْشَطُونَ فِيهَا فَيُسْنِدُونَ الْخَبَرَ عَلَى هَيئَةِ مَا سَمِعُوا، فَيُخْبِرُونَ بِالنُّزُولِ فِيهِ إِنْ نَزَلُوا
ــ
وقولُه: (بروايةِ مَن يُعْلَمُ) متعلِّقٌ بالاحتجاج؛ أي: لَزمَه بمقْتَضَى قولي وموجَبِ زعمه الفاسدِ تركُ الاحتجاج والاستدلال برواية مَنْ يُعْلَمُ (أنَّه قد سَمعَ مِمَّنْ) أي: من شيخهِ الذي (رَوَى عنه) مشافهةً.
والاستثناء في قوله: (إلَّا في نَفْسِ الخَبَرِ) مُفَرَّغٌ، والجار والمجرورُ متعلِّقٌ بـ (تَرْكُ) أي: تَرْكُ الاحتجاج بروايتِه المعنعنة إلّا في نَفْسِ الخبرِ والحديثِ (الذي فيه) أي: في ذلك الخبر (ذِكرُ السَّمَاعِ) أي: ذِكْرُ سماعه من شيخه والتصريحُ به.
وقولُه: (لِمَا بيَّنَّا مِنْ قَبْلُ) علَّةٌ لمحذوفٍ تقديرُه: وإنما قلنا: لزمَه في حديثِ راوٍ واحدٍ الاحتجاجُ بحديثه إذا صرَّحَ بالسَّماع؛ وتَرْكُه إذا لم يُصَرِّحْ بالسماع لما بيّنّا وذكَرْنا من قبل هذا المكان من الحالات الواقعةِ (عن الأئمَّةِ الذين نقلوا الأخبارَ) والعاداتِ الجاريةَ على ألسنتهم مِنْ (أنَّهم كانتْ لهم تاراتٌ) وجملة أن المفتوحة في محل الجرِّ بمن البيانية سِيقت لبيانِ ما الموصولةِ في قوله: (لِمَا بيَّنَّا)؛ لأن حذف الجارِّ مع أن وأَنْ مُطَّرِد كما هو القاعدةُ عندهم.
أَي: مِنْ أنهم كانتْ لهم حالاتٌ ليس لهم فيها نشاطٌ فـ (يُرْسِلُون فيها) أي: فيَرْوون في تلك الحالات (الحديثَ إرْسالًا) أي: روايةً مرسلةً أي: منقطعةً (ولا يَذْكُرُون) فيها (مَنْ سَمِعُوه منه) أي: مَنْ سَمِعُوا الحديثَ منه، وعَطْفُ جملة (لا يَذْكُرون) على (يُرْسِلُون) للتفسير.
(و) كانت لهم (تاراتٌ) أي: حالاتٌ (يَنْشَطُون فيها) أي: يَجِدُون فيها خِفَّةً
ونشاطًا (فيُسْنِدُونَ الخَبرَ) أي: فيَرْوُون فيها الخبر والحديث روايةً مسندةً (على هَيئَةِ ما سمِعُوا) أي: على صفة ما سمعوه من غير إرسالٍ ولا إسقاطِ راوٍ.
وقوله: (فيُخْبِرُون) معطوفٌ على يُسْنِدون؛ أي: فَيُخْبرُونَ الحديثَ (بالنُّزُولِ) والإسنادِ والإتمامِ (فيه) في سَنَدِه بلا إسقاط راوٍ (إنْ نَزَلُوا) أي: إنْ أَرادوا النُّزول والاتمامَ في السَّنَد.
стр. 521
وَبِالصُّعُودِ إِنْ صَعِدُوا كَمَا شَرَحْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ. وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ الأَخْبَارَ
ــ
(و) يَرْوُون (بالصُّعُودِ) والعُلُوِّ (إنْ صَعِدُوا) أي: إنْ أرادوا الصُعُودَ والعُلُوِّ في السند (١).
وهو راجعٌ إلى قوله: (فيُرْسِلُون) (كَمَا شَرَحْنَا) وبيَّنَّا (ذلك) الإرسال والإسنادَ حالة كونه منقولًا (عنهم) أي: عن أئمةِ الحديث ونُقالِ الأخبار بقولنا: (فجائزٌ لكُلِّ واحدٍ منهم أنْ يَنْزِلَ في بعض الرواية فيَسْمَعَ من غيره عنه بعضَ أحاديثِه ثُمَّ يُرْسِلَه عنه) ... إلخ.
(وما عَلِمْنا) ولا عَرَفْنا (أحدًا من أئمَّةِ السَّلَفِ مِمَّنْ يَستَعْمِلُ الأخبارَ) والأحاديثَ
стр. 522
وَيَتَفَقَّدُ صِحَّةَ الأَسَانِيدِ وَسَقَمَهَا .. مِثْلَ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَابْنِ عَوْنٍ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَيَحْيى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيِّ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فتَّشُوا عَنْ مَوْضِعِ السَّمَاعِ فِي الأَسَانِيدِ كَمَا ادَّعَاهُ الَّذِي وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ، وإنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ
ــ
ويَستدِلُّ بها، فالسين والتاء فيه زائدتان؛ أي: ممَّن يبحث عن صحة العمل بالأخبار لصحتها وعدمها لضَعْفِها (وَيَتَفَقَّدُ) أي: ومِمَّن يُفتِّشُ ويبحث (صِحَّةَ الأسانيد) أي: يبحث عن صحتها بسلامتها من العلل والانقطاع والإرسالِ (وسَقَمَها) أي: عن ضَعْفِها بعدم سلامتها من ذلك، يعني بهم أئمةَ الجَرْح والتعديل (مِثْلَ أيوبَ) بن أبي تميمة (السَّخْتِيَانِيِّ و) وعبدِ الله (ابنِ عَوْنٍ ومالكِ بنِ أَنَسً) الإمامِ الأعظم (وشُعْبَةَ بنِ الحَجَّاجِ) العتكيِّ -وهو أوَّلُ من ابتكر في فن الجَرْح والتعديل- (ويحيى بنِ سعيدٍ القَطَّان وعبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيٍّ ومَنْ بعدَهم مِنْ أَهْلِ الحديثِ) وأئمّةِ الجَرْحِ والتعديل كالثَّوْرِيِّ والأوزاعيِّ وابنِ المديني وابنِ سَعْدٍ وابنِ مَعِينٍ والنَّسائيِّ والعِجْلِى والسَّاجيِّ.
وقوله: (فَتَّشُوا) وبَحَثُوا مفعولٌ ثانٍ لقوله: (وما عَلِمْنا) أي: وما عَلِمْنا أحدًا من أئمّةِ السلف أهلِ الجَرْح والتعديل كهؤلاء المذكورين آنفا فتَّشُوا وبَحَثُوا (عن مَوْضِعِ السَّمَاعِ) ووجُودِه (في) كُل (الأسانيد) سواء كان الراوي مُدَلِّسًا أم لا.
والكافُ في قوله: (كما ادَّعَاهُ الذي وَصَفْنا قولَه مِنْ قَبْلُ) صفةٌ لمصدر محذوفٍ، و (ما) موصولة بدليل ذِكْرِ العائد في قوله: (ادَّعَاهُ)، والموصولُ فاعلُ (ادَّعَاهُ)، والتقديرُ: وما عَلِمْنا أحدًا من علماء السلف فتَّشُوا عن موضع السماعِ في كُل الأسانيدِ تفتيشا مِثْلَ التفتيش الذي ادَّعاهُ وشَرَطَهُ هذا الزاعمُ الذي وَصَفْنا وذكَرْنَا قوله من قبل هذا المقام من أول الباب إلى هنا.
(وإنّما كان تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ) أي: طَلَبُ منْ طَلَبَ (منهم) أي: من أئمة السلف واشتراطُ مَنْ شَرَطَ منهم (سَمَاعَ) كُل راوٍ مِنْ (رُوَاةِ الحديثِ مِمَّنْ رَوَى عنهم) أي: ممَّنْ رَوَى عنه من الرواة، ولعلَّ الصوابَ: (مِمَّنْ رَوَوْا عنهم)؛ لأن مرجعَ ضمير الفاعل جمعٌ.
стр. 523
إِذَا كَانَ الرَّاوي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي الْحَدِيثِ وَشُهِرَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ، وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ كَي تَنْزَاحَ عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ، فَمَنِ ابْتَغَى ذَلِكَ مِنْ غَيرِ مُدَلِّسٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ مَنْ حَكَينَا قَوْلَهُ
ــ
وقولُه: (سماعَ) مفعولُ (تَفَقَّد)، وخبرُ (كان) متعلَّقُ الظرفِ في قوله: (إذا كان الراوي)؛ لأن (إذا) ظرفٌ مُجَرَّدٌ عن معنى الشرط متعلِّقٌ بمحذوفٍ خبرِ (كان)، والتقديرُ: وإنما كان شَرْطُ من شَرَطَ سماعَ كُل راوٍ عَمَّنْ رَوَى عنه وقْتَ كونِ الراوي (مِمَّنْ عُرِفَ) وعُلِمَ عندهم (بالتدليسِ) أي: بإسقاطِ مَنْ روى عنه أو بتسميته بغير اسمه المعروف (في) حال رواية (الحديثِ وشُهِرَ بهِ) أي: بالتدليس، وقد تقدَّمَ لك بيانُ أن التدليس عندهم قسمان:
تدليسُ الإسناد: وهو أنْ يُسْقِطَ الراوي شيخه لكونه ضعيفًا ويرتقيَ إلى شيخ شيخه ويذكرَه.
وتدليسُ الشيوخ: وهو أنْ يُسَمِّي شيخَه بغير اسمه المعروفِ عند الناس.
(فحينئذٍ) أي: فحِينَ إذْ كان الراوي ممَّنْ عُرِفَ بالتدليس وشُهِرَ به (يَبْحَثُون) ويُفَتِّشُون (عن سَمَاعِهِ) أي: عن سماع ذلك الراوي عمَّنْ رَوَى عنه (في روايتِهِ) أي: في قبول روايته ذلك الحديثَ (ويَتَفَقَّدُون) أي: يَطْلُبون (ذلك) السماعَ (منه) أي: من ذلك الراوي المُدَلِّسِ ولا يقبلونَ الرواية عنه؛ لإمكان إرساله وتدليسه.
وقوله: (كَي تَنْزَاحَ) وتَبْعُدَ عِلَّةٌ لقوله: (يَتَفَقَّدُون) أي: يَطْلُبون السماعَ منه لكي تنزاحَ وتبعدَ وتَزُولَ (عنهم) أي: عن أئمّة السلف (عِلَّةُ) احتمالِ (التدليسِ) والإرسالِ التي تُوجِبُ عدمَ قبولِ حديثه وتَرْكَ الاحتجاج به.
والفاءُ في قوله: (فمَنِ ابْتَغَى ذلك) للإفصاح، و (منْ) شرطيةٌ، جوابُها محذوفٌ كما سنُقَدِّره فيما بَعْدُ، تقديرُه: إذا عَرَفْتَ قانونَ أئمةِ السلف وأردتَ بيان حُكْمِ مَنْ خَالفَهُمْ .. فأقول لك: مَنِ ابْتَغَى وطَلَبَ ذلك السماعَ (من) راوٍ (غيرِ مُدَلِّسٍ) أي: غير مُتَّهَمٍ بالتدليس.
وقولُه: (على الوَجْهِ) متعلِّقٌ بـ (ابْتَغَى) أي: طَلَبَ السماعِ على الوجه والطريق (الذي زَعَمَ) وقال: (مَنْ حَكَينا) وذَكَرنَا (قولَه) فيما تَقدَّمَ من اشتراط العلم
стр. 524
فَمَا سَمِعْنَا ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ سَمَّينَا وَلَمْ نُسَمِّ مِنَ الأَئِمَّةِ. فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ
ــ
بالتلاقي والاجتماع في الحديث المعنعن مطلقًا .. فليس بمصيبِ، ولا مُوافِقٍ لاصطلاحاتِ السلف.
والفاءُ في قوله: ( .. فما سَمِعْنا ذلك) معلِّلَةٌ للجواب المحذوف الذي قَدَّرْناه آنفًا؛ أي: فليس بمُصِيبٍ للحق ولا موافقا لهم؛ لأنّا ما سَمِعْنا ذلك التفتيش عن السماع في الحديث المعنعن، سواء كان الراوي مُدَلِّسًا أم لا؛ أي: ما سَمِعْنا ذلك التفتيش (عن أَحَدٍ) كائنٍ (مِمَّنْ سَمَّينا) وذَكَرْنا أسماءهم آنفًا بقولنا: مِثْلَ أيوبَ وابنِ عَوْنٍ ... إلخ (و) عن أحدِ كائنٍ ممَّنْ (لم نُسَمِّ) ولم نَذْكُرْ أسماءهم هنا (من الأئمَّة) أي: من أئمة السلف كابن المديني والبخاري وابنِ سَعْدٍ وابن مَعِين، وقولُه: (من الأئمة) بيانٌ لكُل مَنْ سَمَّى ومَنْ لم يُسَمِّ.
قال النوويُّ: ("قوله: فما ابتغى ذلك ... " إلخ هكذا وقع في أكثر الأصول "فما ابْتُغِيَ" بضم التاء وكسر الغين المعجمة على ما لم يُسَمّ فاعله.
قلتُ: وعلى هذا: فالفاءُ استئنافيةٌ، و"ما" نافيةٌ، و"ذلك" نائبُ فاعل، وفي بعضها: "فما ابْتَغَى" بفتح التاء والغين -أي: فما ابْتَغَى ذلك أحدٌ من أئمة السلف- وفي بعض الأصول المحققة: "فمن ابْتَغَى" وهي أصوبُ ولكل واحدٍ وَجْهٌ) اهـ بزيادة (١).
والفاءُ في قوله: (فمِنْ ذلك) للإفصاح؛ لأنها أفصحتْ عن جواب شرطٍ مُقَدَّرٍ تقديرُه: إذا عَرَفْتَ أن العنعنة الواقعة من غير المدلِّس محمولة على السماع وإنْ لم يحصل العِلْمُ بالتلاقي والاجتماع والمشافهة بحديثِ عند أهل الحديث وأئمة السلف وأردتَ التمثيلَ لها .. فأقول لك: من ذلك المذكور من العنعنة المحمولة على السماع إذا كانتْ من غير المُدَلِّس (أن عبدَ اللهِ بنَ يَزِيدَ) بن زيد بن الحصين (الأنصاريّ) الأوسيَّ الخطميَّ أبا موسى الصحابي الجليلَ، شَهِدَ الحديبية وهو ابنُ سَبع عَشْرَةَ سنة،
стр. 525
- وَقَدْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَوَى عَنْ حُذَيفَةَ وَعَنْ أَبي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ،
ــ
له سبعةٌ وعشرون حديثًا، يروي عنه (ع) وابْنُهُ موسى والشعْبِيُّ وابنُ سيرين، وله في البخاري حديثان.
(و) هو صحابيٌّ؛ لأنه (قد رأى النبيَّ ﷺ وهذه الجملةُ معترضةٌ بين أن وخبرِها وهو قولُه: (قد رَوَى) اعْتُرِضَ بها لغرض تأكيد الصحبة، وجملة أن في تأويل مصدرٍ مرفوعٍ على كونه مبتدأ مؤخرًا لقوله: (فَمِنْ ذلك)، تقديرُه: فروايةُ عبد الله بن يَزِيد كائنةٌ من العنعنة المحمولة على السماع، والجملةُ في محل النصب مقولٌ لجواب إذا المقدَّرة.
أي: أن عبدَ الله بنَ يزيدَ قد رَوَى (عن حُذَيفَةَ) بنِ اليَمَان- واسمُ اليمانِ: حُسَيلٌ مصغرًا، ويُقال: حِسْل -بكسر فسكون- العَبْسِيِّ -بموحدة ساكنة- أبي عبد الله الكوفيِّ حليف الأنصار، الصحابيِّ الجليل من السابقين، وقد صَحَّ في "صحيح مسلم" عنه: أن رسولَ الله ﷺ أَعْلَمَه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعةُ من الفتن والحوادث، وأبوه صحابيٌّ أيضًا، استشهد يومَ أحدٍ، له مائة حديث، يروي عنه (ع) وأبو الطفيل والأسود بن يزيد وزيد بن وهب ورِبْعي بن حِراش، مات في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين، وقال عمرو بن علي: بعد قَتْل عثمان بأربعين ليلة.
(وعن أبي مسعودٍ) عقبةَ بن عَمْرو بن ثعلبة بن أسيرة -بفتح الهمزة وكسر السين المهملة- ابن عطية بن جدارة -بجيم- ابن عوف بن الخَزْرَج (الأنصاريِّ) البَدْرِيِّ، عَدَّه فيمن شهد بدرًا البُخَاري تبعًا لابن شهاب، وكذا عَدَّه منهم: الحكم ومحمدُ بن إسحاق التابعيون، وقال سعيدُ بن إبراهيم: لم يَشْهَدْها (١)، له مائة وحديثان، يروي عنه (ع) وابنه بَشِير بن أبي مسعود وأبو وائل وقيس بن أبي حازم، مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها.
стр. 526
عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثًا يُسْنِدُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَيسَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُمَا
ــ
رَوَى عبدُ اللهِ بن يَزِيدَ (عن كُل واحدٍ منهما) أي: عن كُلٍّ من حُذَيفة وأبي مسعود (حديثًا) حديثًا، وفي بعض النُّسَخ: (وعن كُل واحدٍ منهما) بزيادة الواو.
قال النوويُّ: (هكذا وقع في الأصول: "وعن" بالواو، والوَجْهُ حذْفُها؛ لأنها تُغَيِّرُ المعنى) (١).
ومن لطائف هذا السَّنَدِ: روايةُ صحابي عن صحابي؛ أي: رَوَى عن كُلٍّ منهما حديثًا (يُسْنِدُه) وَيرْفَعهُ (إلى النبيِّ ﷺ .
أمَّا حديثُه عن أبي مسعودٍ: فهو حديثُ نفقةِ الرجل على أهله، وقد أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ في "صحيحَيهما" (٢).
وأمَّا حديثه عن حُذَيفة .. فقولُه: "أخبرني النبيِّ ﷺ بما هو كائنٌ ... " الحديثَ، أخرجه مسلمٌ في "صحيحه" (٤/ ٢٢١٧) (٣).
(وليس في روايته) أي: في رواية عبد الله بن يزيدَ (عنهما) أي: عن حُذَيفَة
стр. 527
ذِكْرُ السَّمَاعِ مِنْهُمَا، وَلَا حَفِظْنَا فِي شَيءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ شَافَهَ حُذَيفَةَ وَأَبَا مَسْعُودٍ بِحَدِيثٍ قَطُّ، وَلَا وَجَدْنَا ذِكْرَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمَا فِي رِوَايَةٍ بِعَينهَا، وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ مَضَى وَلَا مِمَّنْ أَدْرَكْنَا أَنَّهُ طَعَنَ فِي هَذَينِ الْخَبَرَينِ اللَّذِينِ رَوَاهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ عَنْ حُذَيفَةَ وَأَبِي مَسْعُودٍ بِضَعْفٍ فِيهِمَا، بَلْ هُمَا وَمَا أشْبَهَهُمَا عِنْدَ مَنْ لاقَينَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ
ــ
وأبي مسعودٍ (ذِكْرُ السماعِ) أي: ذِكْرُ سماعِه (منهما) ولا تصريحُه (ولا حَفِظْنا) ولا سَمِعْنا (في شيءٍ من الرواياتِ) عن عبد الله (أن عبدَ اللهِ بنَ يَزِيدَ شَافَهَ) وخَاطَبَ (حُذَيفَةَ وأبا مسعودٍ بحديثٍ) أي: بنقْلِ حديثٍ عنهما (قَط): ظرفٌ مستغرِقٌ لمِا مَضَى متعلِّقٌ بـ (حفظْنا) أي: ما حَفِظْنا ولا سَمِعْنا في زَمَنٍ من الأزمنةِ الماضيةِ في شيءٍ من الروايات أنه شافههما بحديث.
(ولا وَجَدْنا) ولا رأينا (ذِكْرَ رُويَتِهِ) أي: ذِكْرَ رؤيةِ عبد الله (إيَّاهُمَا) أي: حُذَيفَةَ وأبا مسعودٍ (في روايةٍ) أي: في روايته عنهما (بعَينها) أي: بعين تلك الرواية؛ أي: في روايةٍ معينةٍ عنهما.
(ولم نَسْمَعْ) نحن (عن أَحَدٍ مِنْ أهلِ العِلْمِ) والحديثِ وأئمةِ السلف (ممَّنْ مَضَى) ومَرَّ زَمَنُهُ قبلنا وسَبَقَنَا (ولا) عن أحدٍ (ممَّنْ أَدْرَكْنا) ولَحِقْنا زمنَه واجتمَعْنا معه (أنَّهُ) أي: أن أحدًا من هؤلاء المذكورين؛ أي: لم نسمع أن أحدًا من هؤلاء (طَعَنَ) وجَرَحَ (في هذَينِ الخَبرَينِ) والحديثين (اللَّذَينِ) صفة للخبرينِ (رَوَاهُمَا) وحَدَّثَهُما (عبدُ الله بن يَزِيدَ) الأنصاريُّ (عن حُذَيفَةَ) بنِ اليمان (وأبي مسعودٍ) الأنصاريَّ البَدْرِيِّ.
وقولُه: (بضَعْفٍ) متعلِّقٌ بـ (طَعَنَ) أي: جرحهما بضَعْفٍ وعلَّةٍ (فيهما) أي: في هذينِ الخبرَينِ.
(بَلْ هُمَا) أي: هذان الخبران وهو مبتدأٌ (وما أَشْبَهَهُما) أي: وما أشبهَ هذَينِ الخبرَين في عدم ذِكْر السماع والملاقاة وعدم العلم بالمشافهة، وهو معطوفٌ على المبتدإ.
وقولُه: (عندَ مَنْ لاقَيْنا) ورَأَينا حال كونه (مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) والمعرفة
стр. 528
بالْحَدِيثِ مِنْ صِحَاحِ الأَسَانِيدِ وَقَويِّهَا يَرَوْنَ اسْتِعْمَال مَا نُقِلَ بِهَا وَالاحْتِجَاجَ بمَا أَتتْ مِنْ سُنَنٍ وَآثَارٍ، وَهِيَ فِي زَعْمِ مَنْ حَكَينَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ وَاهِيَةٌ مُهْمَلَةٌ، حتَّى يُصِيبَ سَمَاعَ الرَّاوي عَمَّنْ رَوَى
ــ
(بالحديث) متعلِّقٌ بالاستقرار الذي تعلَّقَ به الخبرُ في قوله: (من صِحَاح الأسانيدِ وقَويِّها) لا من سقام الأسانيد وضعافها اللاتي (يَرَوْنَ) ويعتقدونَ (استعمال ما نُقِلَ) ورُويَ (بها) أي: بتلك الأسانيد؛ أي: يَرَوْنَ ويَعْتقدون العمل بالأحاديث التي نُقِلَتْ بها في حُكْمٍ من الأحكام الشرعية.
وإضافة (صِحَاحِ الأسانيد) من إضافة الصِّفة إلى الموصوف؛ أي: من الأسانيد الصحيحة وقويِّها، وقولُه: (يَرَون) صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ وقع صفةً للأسانيد كما قَدَّرْناه آنفًا.
(و) يَرَون (الاحتجاجَ) والاستدلال (بما أَتَتْ) وجاءت به تلك الأسانيد (مِنْ سُنَنٍ) مرفوعة (وآثارٍ) موقوفة على حكم من الأحكام الشرعية (وهي) أي: تلك الأسانيد (في زَعْم) بفتح الزاي وضمّها وكسرها ثلاث لغات مشهورات، وهو القولُ بلا دليل، وهي مبَتدأٌ.
والجارُّ والمجرورُ في قوله: (في زَعْم) (مَنْ حَكَينا) وذكرنا (قوله) الفاسدَ (مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل هذا المقام: متعلِّقٌ بقوله: (واهيةٌ) وهو خبرُ المبتدأ، والتقديرُ: وهي شديدةُ الضعف (مُهْمَلَةٌ) أي: مُعَطَّلَةٌ عن الاستعمال غيرُ مقبولةٍ في زعْمِ مَنْ حَكَينا قوله من قبل.
قال النووي: (ولو قال: "ضعيفةٌ" بدلَ "واهيةٌ" .. لكان أحسن؛ فإنَّ هذا القائل لا يدَّعِي أنها واهيةٌ شديدةُ الضعْفِ متناهيةٌ فيه كما هو معنى واهية، بل يَقْتَصِرُ على أنها ضعيفة لا تقومُ بها الحُجَّة) اهـ (١).
أي: وفي زعم من حكينا قوله مهملة مُعَطَّلة عن الاستعمال (حتى يُصِيبَ) ويجدَ ذلك الزاعمُ ويَعْلَمَ (سماعَ الراوي عَمَّنْ رَوَى) عنه والتصريحَ به.
стр. 529
وَلَوْ ذَهَبْنَا نُعَدِّدُ الأخْبَارَ الصِّحَاحَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّا يَهِنُ بِزَعْمِ هَذَا الْقَائلِ وَنُحْصِيهَا .. لَعَجَزْنَا عَنْ تَقَصِّي ذِكْرِهَا وَإِحْصَائِهَا كُلِّهَا، وَلَكِنَّا أَحْبَبْنَا أنْ ننصِبَ مِنْهَا عَدَدًا يَكُونُ سِمَةً لِمَا سَكَتْنَا عَنْهُ مِنْهَا
ــ
(ولو ذَهَبْنا) وأجرينا في الكلام وأطلْناه حالة كوننا (نُعَدِّدُ) ونحسُبُ (الأخبار الصِّحَاحَ) والأسانيدَ السليمةَ (عندَ أهلِ العِلْمِ) بالحديث وأئمة السلف حالةَ كَوْنِ تلك الأخبار (مِمَّا يَهِنُ) ويضعفُ (بزَعْمِ هذا) الزاعمِ (القائل) بالقول المخترع؛ أي: ممَّا يَهِنُ عنده لعدم توفُّر الشروط التي يعتبرها.
وقولُه: (ممَّا يهنُ) هكذا في الأصول المحققَّة والنسخ القديمة بلفظ ما الموصولة وهي الصواب، وفي بعض النُّسخ: (مِمَّنْ) بلفظ (مَنْ) التي هي للعاقل وهي تحريفٌ من النُّسَّاخ؛ لأنَّ الأخبارَ ليستْ من العُقلاء.
وقولُه: (ونُحْصِيها) أي: ونُحْصِي تلك الأخبارَ ونضبطُها بعددٍ معينٍ: معطوفٌ على (نُعَدِّدُ) أي: ولو ذَهَبْنا نُعَدِّدُها وشرعنا في تعدادها بأنْ قُلْنا: واحد اثنان ثلاثة إلى آخرها، ونحصيها ونجمعها ونضبطها في عدد معين كمائة وألف مثلًا.
وقولُه: ( .. لَعَجَزْنا) جوابُ لو الشرطية في قوله: (ولو ذَهَبْنا)، (عن تَقَصِّي ذِكْرِها) أي: لَعَجَزْنا عن ذِكْرِ قصواها وغايتها في تعدادنا إياها (و) عن (إحصائها) وضَبْطِها (كُلِّها) وجَمْعِها في عددٍ مُعَيَّنٍ؛ لخروجها عن قبول ذلك بالكثرة.
وقولُه: (كُلِّها) بالجرِّ تأكيدٌ للضمير المجرور، يُقال: قصا المكان بَعُدَ، وبابه سما، فهو قاصٍ وقَصِيٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ وقصَا عن القوم: تباعدَ عنهم، فهو قاص وقَصِيٌّ، وبابه أيضًا سما، واستقصى في المسألة وتقصَّى فيها؛ أي: بلغ غايتها في البحث عنها. اهـ "مختار" بتصرف
(ولكنَّا أَحْبَبْنَا) وقَصَدْنا (أَنْ ننصِبَ) ونَذْكُرَ (منها) أي: من تلك الأخبار الصحاح التي تَهِنُ بزَعْمِ هذا القائل (عددًا) قليلًا (يكونُ سِمَة) وعلامةً (لِـ) معرفةِ (ما سَكَتْنا عنه منها) أي: من تلك الأخبار؛ أي: نذْكُر منها عددًا قليلًا يكون علامة عليها لِمَنْ أرادَ معرفة ما سكتنا عن ذكره منها؛ أي: عددًا يكون له كالنُّصُب المنصوبة على الطريق ليهتدي بها مَنْ لا يَعْرفُ الطريق، كالألواح المكتوب عليها أسماء الجهات
стр. 530
وَهَذَانِ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَأَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ - وَهُمَا
ــ
المركوزة عند مقاطع الطريق، وفي قوله: (ننصِبُ) استعارةٌ تصريحيةٌ تبعية.
ومِنْ ذلك العددِ القليلِ الذي أحببنا جعله سمة لما سكتنا عنه منها ما ذَكَرْناه في ضمن قولنا: (وهذان أبو عثمان النَّهْدِيُّ وأبو رافعٍ الصائغُ) (هذان): مبتدأ، و (أبوَ عثمانَ وأبو رَافعٍ): بَدَلٌ منه أو عطف بيانٍ له، والخبرُ يأتي في قوله: (قد أَسْنَدَ كُلُّ واحدٍ منهما) وما بينهما اعتراضٌ، وفي كثير من النسخ: (وهذا أبو عثمان) بالإفراد، ولعلَّه تحريفٌ من النُّسَّاخ، والصوابُ ما قُلنا.
وأما أبو عثمان النهدي: فهو عبد الرحمن بن ملّ -بتثليث الميم ولام مشددة- ابن عمرو بن عدي النهدي -بفتح النون وسكون الهاء نسبة إلى نهد بن زيد بن قضاعة كما في "اللباب"- مشهور بكنيته، مخضرمٌ، الكوفي، أسلم وصدَّق ولم ير النبي ﷺ .
روى عن عمر وعلي وأبي ذر، ويروي عنه (ع) وقتادة وأيوب وأبو التياح والجريري وخلق، وثقه ابن المديني وأبو حاتم والنسائي.
وقال في "التقريب": ثقة ثبت من كبار الثانية، مات سنة خمس وتسعين وله أكثر من مائة وثلاثين سنة.
وأما أبو رافع الصائغ: فهو نفيع المدني، مولى ابنة عمر بن الخطاب، نزيل البصرة.
روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابنه عبد الرحمن وحسن وحميد بن هلال وخِلاس بن عمرو وثابت البناني وقتادة وسليمان التيمي وغيرهم.
وقال ثابت: لما أعتق أبو رافع .. بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: كان لي أجران فذهب أحدهما.
وثقه العجلي، وقال في "التقريب": ثقة مشهور بكنيته، من الثانية.
وقوله: (وهما) أي: أبو عثمان وأبو رافع، والواو اعتِرَاضِيَّة، (هما) مبتدأ