Полный текст (11 982 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
(٢٢١٩) (٩٧٥) - (١٢٥) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, عَنْ بُرَيدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ قَال: "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ. ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ. وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً
ــ
يعني أنه قد استغنى عنها بما أخرجت الأرض كما قال في الحديث الآخر (تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب) قال الحافظ: يحتمل أن يكون ذلك قد وقع كما ذكر في خلافة عمر بن عبد العزيز وسببه بسط عمر العدل وإيصال الحقوق لأهلها حي استغنوا وأما فيض المال الذي يقع في زمن عيسى ﵇ فسببه كثرة المال وقلة الناس واستشعارهم بقيام الساعة وسيأتي بيان ذلك في حديث أبي هريرة والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٤/ ٣٠٦) والبخاري (١٤١١) والنسائي (٥/ ٧٧).
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث حارثة بن وهب بحديث أبي موسى الأشعري ﵄ فقال:
(٢٢١٩) (٩٧٥) (١٢٥) (وحدثنا عبد الله بن براد) بفتح الموحدة والراء المشددة ابن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى (الأشعري) أبو عامر الكوفي (وأبو كريب محمد بن العلاء) الهمداني الكوفي (قالا: حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي الكوفي (عن بريد) مصغرًا بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري أبي بردة الصغير الكوفي (عن) جده (أبي بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري الكوفي (عن) أبيه (أبي موسى) الأشعري عبد الله بن قيس الكوفي الصحابي المشهور ﵁ (عن النبي ﷺ وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون.
(قال) رسول الله ﷺ : والله (ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه) ويتجول في الناس (بالصدقة من الذهب) خصه بالذكر مبالغة في عدم من يقبلها وكذا قوله: (يطوف ثم لا يجد من يقبلها) (ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه ويُرى) بالبناء للمجهول (الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة) الظاهر أنه أريد بهذا العدد الكثرة ويؤيده ما في
стр. 4657
يَلُذْنَ بِهِ. مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ". وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ بَرَّادٍ" وَتَرَى الرَّجُلَ".
(٢٢٢٠) (٩٧٦) - (١٢٦) وحدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا
ــ
حديث أنس (وتكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد) أي من يقوم بأمرهن واللام للعهد إشعارًا بما هو معروف من كون الرجال قوامين على النساء.
وقال القرطبي في التذكرة: يحتمل أن يراد بالقيم من يقوم عليهن سواء كن موطوات أولًا ويحتمل أن يكون ذلك يقع في الزمان الذي لا يبقى فيه من يقول: الله الله فيتزوج الواحد بغير عدد جهلًا بالحكم الشرعي.
قال الحافظ: وقد وجد ذلك من أمراء التركمان من أهل هذا الزمان مع دعواه الإسلام والله المستعان.
(يلذن به) أي يلتجئن إليه ليقوم بحوائجهن ويذب عنهن من لاذ به يلوذ لوذًا ولياذًا إذا التجأ إليه واستغاث به وفي حديث الدعاء (اللهم بك أعوذ وبك ألوذ) كما في النهاية (من قلة الرجال وكثرة النساء). قال النواوي: معنى يلذن به أي ينتمين إليه ليقوم بحوائجهن ويذب عنهن كقبيلة بقي من رجالها واحد فقط وبقيت نساؤها فيلذن بذلك الرجل ليذب عنهن ويقوم بحوائجهن ولا يطمع فيهن أحد بسببه وأمّا سبب قلة الرجال وكثرة النساء فهو الحروب والقتال الذي يقع في آخر الزمان وتراكم الملاحم كما قال ﷺ : (ويكثر الهرج) أي القتل اهـ منه.
وقال القرطبي: معنى يلذن يستترن ويتحرزن من الملاذ الذي هو السترة لا من اللذة وذلك إنما يكون لكثرة قتل الرجال في الملاحم اهـ مفهم.
وقال الحافظ: والظاهر إنها علامة محضة لا لسبب آخر بل يقدر الله تعالى في آخر الزمان أن يقل من يولد من الذكر ويكثر من يولد من النساء.
(وفي رواية ابن براد: وترى الرجل) بفتح التاء من ترى مسندًا إلى ضمير المخاطب ونصب الرجل على المفعولية.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث حارثة بن وهب بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فقال:
(٢٢٢٠) (٩٧٦) (١٢٦) (وحدثنا قتيبة بن سعيد) بن طريف الثقفي البلخي (حدثنا
стр. 4658
يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) عَنْ سُهَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ. وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا"
ــ
يعقوب وهو ابن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله (القاري) بتشديد التحتانية نسبة إلى القارة قبيلة معروفة المدني حليف بني زهرة ثقة من (٨) روى عنه في (٧) أبواب (عن سهيل) بن أبي صالح المدني صدوق من (٦) (عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان المدني ثقة من (٣) (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة بن سعيد فإنه بلخي (أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة) أي القيامة (حثى يكثر المال ويفيض) بفتح الياء أي يسيل من كثرته من كل جانب كالسيل ليميل الخلق إليه كل الميل (حتى يخرج الرجل) أي الشخص (بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه وحتى تعود) أي تصير (أرض العرب) التي هي قليلة النبات والماء (مروجًا) أي رياضًا ومزارع بضم الميم جمع مرج وفي النهاية: المرج الأرض الواسعة ذات نبات كثير تمرج فيه الدواب أي تسرح مختلطة كيف شاءت (وأنهارًا) أي مياها كثيرة جارية في أنهارها قيل: كانت أكثر أراضيهم أولًا مروجًا وصحاري ذات مياه وأشجار فخربت ثم تكون معمورة باشتغال الناس في آخر الزمان بالعمارة يدل عليه قوله: (حتى تعود) وقال بعضهم: المرج هو الموضع الذي ترعى فيه الدواب فمعنى الحديث: إن أراضي العرب تبقى معطلة في آخر الزمان لا تزرع ولا ينتفع بها لقلة الرجال وتراكم الفتن لكن هذا المعنى لا يناسب قوله: (وأنهارًا) لأن الأنهار في الأراضي التي لا نهر فيها لا تكون إلا بالكرى والعمارة اهـ مبارق.
وقال النواوي: معناه والله أعلم أنهم يتركونها ويعرضون عنها فتبقى مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياهها وذلك لقلة الرجال وكثرة الحروب وتراكم الفتن وقرب الساعة وقلة الآمال وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به اهـ.
قال القرطبي: قوله: (حتى تعود أرض العرب مروجًا) أي حي تنصرف دواعي العرب عن مقتضى عاداتهم من انتجاع الغيث والارتحال في المواطن للحروب والغارات ومن نخوة (عزة) النفوس العربية الكريمة الأبية إلى أن يتقاعدوا عن ذلك فينشغلوا بغراسة
стр. 4659
(٢٢٢١) (٠) (٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ قَال: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ. فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ صَدَقَةً. وَيُدْعَى إِلَيهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لَا أَرَبَ لِي فِيهِ"
ــ
الأرض وعمارتها وإجراء مياهها كما قد شوهد في كثير من بلادهم وأحوالهم اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٤١٧) فقط.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٢٢١) (٠) (٠) (وحدثنا أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن سرح المصري (حدثنا) عبد الله (بن وهب) المصري (عن عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري المصري ثقة من (٧) (عن أبي يونس) سليم بن جبير الدوسي المصري ثقة من (٣) (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (عن النبي ﷺ وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم مصريون إلا أبا هريرة غرضه بسوقه بيان متابعة أبي يونس لأبي صالح في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة:
(قال) النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض) من فاض الماء إذا انصب عند امتلائه ففيض المال كناية عن كثرته (حتى يهم) ضبطوه بوجهين أجودهما وأشهرهما (يُهِم) بضم الياء وكسر الهاء ويكون (رب المال) منصوبًا على المفعولية والفاعل (من يقبله منه) من أهمه إذا أخرجه والمعنى يحزنه ويهتم له والثاني (يَهُم) بفتح الياء وضم الهاء من هم به إذا قصده ويكون رب المال مرفوعًا على الفاعلية والتقدير: حتى يهم رب المال من يقبل صدقته أي يقصده ويطلبه اهـ نواوي.
يعني يكثر المال في آخر الزمان حتى يجعل مغمومًا صاحب المال فقدان من يقبل صدقته منه وذلك يكون لانعدام رغبة الناس في الأموال لتعاقب أشراط الساعة وظهور الأهوال اهـ ابن الملك.
وقوله (صدقة) حال من ضمير يقبله العائد إلى المال أي من يقبل منه المال حالة كونه صدقة أي متصدقًا به (ويدعى إليه) أي إلى المال أي يطلب إلى أخذ المال (الرجل) الذي كان يأخذ الصدقة أولًا (فيقول) ذلك الفقير لصاحب المال اليوم (لا أرب لي) بفتح الهمزة والراء أي لا حاجة لي ولا رغبة (فيه) أي في المال لاستغنائي عنه.
стр. 4660
(٢٢٢٢) (٩٧٧) - (١٢٧) وَحَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى وَأَبُو كُرَيبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ
ــ
قوله: (حتى يكثر فيكم المال) قال الحافظ: والتقييد بقوله فيكم يشعر بأنه محمول على زمن الصحابة فيكون إشارة إلى ما وقع من الفتوح واقتسامهم أموال الفرس والروم ويكون قوله: (فيفيض حتى يهم رب المال) إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز فقد تقدم أنه وقع في زمنه أن الرجل كان يعرض ماله للصدقة فلا يجد من يقبل صدقته ويكون قوله (وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا أرب لي به) إشارة إلى ما سيقع في زمن عيسى ابن مريم فيكون في هذا الحديث إشارة إلى ثلاثة أحوال: الأولى: إلى كثرة المال فقط وقد كان ذلك في زمن الصحابة ومن ثم قيل فيه: (يكثر فيكم) الحالة الثانية: الإشارة إلى فيضه من الكثرة بحيث يحصل استغناء كل أحد عن أخذ مال غيره وكان ذلك في آخر عصر الصحابة وأول عصر من بعدهم ومن ثم قيل (حتى يهم رب المال) وذلك ينطبق على ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز الحالة الثالثة: فيه الإشارة إلى فيضه وحصول الاستغناء لكل أحد حتى يهتم صاحب المال بكونه لا يجد من يقبل صدقته ويزداد بأنه يعرضه على غيره ولو كان ممن لا يستحق الصدقة فيأبى أخذه فيقول: لا حاجة لي فيه وهذا في زمن عيسى ﵇ اهـ.
وقال في موضع آخر ويحتمل أن يكون هذا الأخير لاشتغال كل منهم بنفسه عند طروق الفتنة فلا يلوي على الأهل فضلًا عن المال وذلك في زمن الدجال وإما بحصول الأمن المفرط والعدل البالغ بحيث يستغني كل أحد بما عنده عما في يد غيره وذلك في زمن المهدي وعيسى ابن مريم وإما عند خروج النار التي تسوقهم إلى المحشر فيعز حينئذ الظهر وتباع الحديقة بالبعير الواحد ولا يلتفت أحد حينئذ إلى ما يثقله من المال بل يقصد نجاة نفسه ومن يقدر من ولده وأهله وهذا أظهر الاحتمالات وهو المناسب لصنيع البخاري والعلم عندالله تعالى اهـ منه.
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث حارثة بن وهب بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فقال:
(٢٢٢٢) (٩٧٧) (١٢٧) (وحدثنا واصل بن عبد الأعلى) بن هلال الأسدي أبو القاسم الكوفي ثقة من (١٠) (وأبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي (ومحمد بن يزيد) بن محمد بن كثير بن رفاعة العجلي (الرفاعي) أبو هشام الكوفي قاضي بغداد روى
стр. 4661
(وَاللَّفْظُ لِوَاصِلٍ) قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَقِيءُ الأَرْضُ أَفْلاذَ كَبِدِهَا. أَمْثَال الأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ
ــ
عن محمد بن فضيل في الزكاة والفتن ويروي عنه (م ت ق) وابن صاعد والمحاملي وابن أبي خثيمة وغيرهم قال ابن معين: لا أرى به بأسًا وقال العجلي: كوفي لا بأس به صاحب قرآن وقال البخاري: رأيتهم مجتمعين على ضعفه وقال النسائي: ضعيف ولا يقدح مسلمًا إدخاله في جامعه لكونه على طريق المقارنة كما ذكرناه في خلاصتنا وقال في التقريب: ليس بالقوي من صغار العاشرة مات سنة (٢٤٨) ثمان وأربعين ومائتين (واللفظ) الآتي (لواصل قالوا: حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي أبو عبد الرحمن الكوفي صدوق من (٩) روى عنه في (٢٠) عشرين بابا (عن أبيه) فضيل ابن غزوان الضبي الكوفي ثقة من (٧) (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي الكوفي (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا أبا هريرة.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : تقيء الأرض) مضارع من القيء أي تخرج الأرض (أفلاذ كبدها) أي قطع كبدها أي كنوزها وتطرحها على ظهرها والأفلاذ بفتح الهمزة جمع فلذ كأكتاف وكتف والفلذ جمع فلذة بكسر الفاء وهي قطعة من الكبد مقطوعة طولًا وخص الكبد لأنها من أطايب ما في الجزور اهـ من النهاية.
وسمي ما في الأرض كبدًا تشبيهًا له بالكبد التي في بطن البعير لأنها أحب ما هو مخبأ فيها كما أن الكبد أطيب ما في بطن الجزور وأحبه إلى العرب وإنما قلنا في بطن البعير لأن ابن الأعرابي قال: الفلذ لا يكون إلا للبعير فالمعنى تظهر كنوزها وتخرجها من بطونها إلى ظهورها حالة كون أفلاذها (أمثال الأسطوان) أي أشباه العمد في العظم والكثرة والأسطوان بضم الهمزة والطاء وهو جنس والأسطوانة واحده وهي السارية والعمود وشبهه بالأسطوان لعظمه وكثرته.
وقوله: (من الذهب والفضة) بيان للأفلاذ أي حالة كون تلك الأفلاذ المخرجة المشبهة بالأسطوان من الذهب والفضة قيل: معناه إن الأرض تلقي من بطنها ما فيه من الكنوز وقيل: ما رسخ فيها من العروق المعدنية (فيجيء القاتل) أي فيحضر قاتل النفس
стр. 4662
فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ. وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي. وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي. ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيئًا".
(٢٢٢٣) وحدّثنا (٠) (٠) قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ , وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ,
ــ
لأجل الدنيا وينظر إليها (فيقول) بقلبه ولسانه: (في هذا) أي لأجل المخاصمة والمنازعة في هذا الكنز الذي أخرجته (قتلت) أي لأجل طلب هذا العرض ولأجل تحصيل هذا المرغوب عنه قتلت من قتلت من الأنفس (ويجيء القاطع) للرحم لشدة الحرص على المال فينظر إليها (فيقول: في هذا) أي لأجل عدم المواساة لهذا الكنز (قطعت رحمي) أي قطعت صلة أقاربي (ويجيء السارق) لمال الناس فينظر إليها (فيقول: في هذا) أي لأجل سرقة هذا الكنز (قطعت يدي) حدًّا (ثم) بعد ما نظروا إليه وقالوا ما قالوا (يدعونه) بفتح الدال أي يتركون ما قاءته الأرض من الكنز أو المعدن أو الذهب والفضة أي يتركون الذي أشاروا إليه مستحقرين له (فلا يأخذون منه شيئًا) قليلًا ولا كثيرًا لاستغنائهم عنه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث الترمذي فقط (٢٢٠٨).
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٢٢٣) (٠) (٠) (وحدثنا قتيبة بن سعيد) البلخي (حدثنا ليث) بن سعد المصري (عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري المدني (عن سعيد بن يسار) الهلالي المدني مولى ميمونة (أنه سمع أبا هريرة) ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد مصري وواحد بلخي حالة كون أبي هريرة (يقول: قال رسول الله ﷺ : ما تصدق أحد) منكم (بصدقة من) مال (طيب) أي حلال وجملة قوله: (ولا يقبل الله إلا الطيب) أي الحلال جملة معترضة بين الشرط والجزاء لغرض التأكيد وفيه إشارة إلى أن غير الحلال غير مقبول وأن الحلال المكتسب يقع بمحل عظيم.
قال القرطبي: وإنما لا يقبل الله الصدقة بالحرام لأنه غير مملوك للمتصدق وهو
стр. 4663
إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً. فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ. كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ"
ــ
ممنوع من التصرف فيه والتصدق به تصرف فيه فلو قبلت منه لزم أن يكون الشيء الواحد مأمورًا به منهيًا عنه من وجه واحد وهو محال ولأن أكل الحرام يفسد القلوب فتحرم الرقة والإخلاص فلا تقبل الأعمال وأشار الحديث إلى أنه إنما لم يقبل لأنه ليس بطيب فانتفت المناسبة بيه وبين الطيب بذاته اهـ.
(إلا أخذها) أي أخذ تلك الصدقة (الرحمن) أخذًا يليق به (بيمينه) المقدسة وأخذها باليمين يدل على حسن القبول ووقوع الصدقة منه موقع الرضا على أكمل الحصول لأن الشيء المرضي يتلقى باليمين في العادة اهـ. مرقاة و (إلا) أداة استثناء مفرغ والأخذ بمعنى القبول ولعل ذكر الرحمن للإشعار بأن هذا من فضل رحمته وسعة كرمه واليمين صفة ثابتة لله تعالى نثبتها ونعتقدها لا نؤولها ولا نكيفها ولا نمثلها ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (وإن كانت) تلك الصدقة (تمرة) أي حبة من تمر والذي في المشكاة (بعدل تمرة) أي بمثلها صورة أو قيمة اهـ مرقاة.
(فتربو) أي تزيد وتكبر (في كف الرحمن) المقدسة والكف صفة ثابتة لله تعالى نثبتها ونعتقدها ولا نمثلها (حتى تكون) تلك التمرة (أعظم من الجبل) الكبير مثل أحد والظاهر أن المراد بعظمها أن عينها تعظم لتثقل في الميزان ويحتمل أن يكون ذلك معبرًا به عن ثوابها (كما يربي) ويكبر (أحدكم فلوه) أي ولد فرسه (أو فصيله) أي ولد ناقته و (أو) إما للشك من الراوي أو للتنويع والفلو بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو وهو المهر أي ولد الفرس سمي فلوًّا لأنه فلي عن أمه أي فصل وعزل عنها وقيل هو كل فطيم من ذات حافر والجمع أفلاء كعدو وأعداء وقال أبو زيد: إذا فتحت الفاء شدت الواو وإذا كسرتها سكنت اللام كجرو وضرب به المثل لأنه يزيد زيادة بينة ولأن الصدقة نتاج العمل وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيمًا فإذا أحسن العناية به انتهى إلى حد الكمال وكذلك عمل ابن آدم لا سيما الصدقة فإن العبد إذا تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله إليها يكسبها نعت الكمال حتى ينتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم نسبة ما بين التمرة إلى الجبل اهـ فتح الملهم.
(أو فصيله) والفصيل ولد الناقة إذا فصل من إرضاع أمه فعيل بمعنى مفعول كجريح وقتيل بمعنى مجروح ومقتول اهـ منه.
стр. 4664
(٢٢٢٤) (٠) (٠) حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ) عَنْ سُهَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا يَتَصَدَّقُ أَحَدٌ بِتَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ. إِلَّا أَخَذَهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ. فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ قَلُوصَهُ. حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ, أَوْ أَعْظَمَ".
(٢٢٢٥) (٠) (٠) وحدّثني أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٥٣٨) والترمذي (٦٦١) والنسائي (٥/ ٥٧) وابن ماجه (١٨٤٢).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٢٢٤) (٠) (٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب يعني ابن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله (القاري) بتخفيف الراء وتشديد الياء نسبة إلى قارة قبيلة معروفة المدني (عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من خماسياته غرضه بسوقه بيان متابعة أبي صالح لسعيد بن يسار في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة (أن رسول الله ﷺ قال: لا يتصدق أحد) منكم (من كسب طيب) أي حلال معنى الكسب المكسوب والمراد به ما هو أعم من تعاطي التكسب أو حصول المكسوب بغير تعاط كالميراث وكأنه ذكر الكسب لكونه الغالب في تحصيل المال اهـ فتح الملهم.
(إلا أخذها الله) أخذًا يليق بجلاله (بيمينه) المقدسة (فيربيها) التربية كناية عن الزيادة أي يزيدها ويعظمها حتى تثقل في الميزان اهـ مرقاة.
(كما يربي أحدكم فلوه أو قلوصه) أو للشك أو للتنويع كما مر آنفًا والقلوص بفتح القاف وضم اللام وهي الناقة الفتية أي الشابة (حتى تكون) تلك التمرة غاية ليربيها (مثل الجبل) العظيم في الثقل (أو أعظم) أي بل أعظم منه فأو للإضراب وهذا تمثيل لزيادة التعظيم وفي الحديث اقتباس من قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] فالمراد بالربا جميع الأموال المحرمات والصدقات تقيد بالحلالات اهـ مرقاة.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في هذا الحديث فقال:
(٢٢٢٥) (٠) (٠) (وحدثني أمية بن بسطام) بمنع الصرف للعلمية والعجمة كما في شرح القاموس العيشي بتحتانية ثم معجمة أبو بكر البصري صدوق من (١٠) (حدثنا يزيد
стр. 4665
(يَعْنِي ابْنَ زُرَيعٍ) حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ. ح وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الأَوْدِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ. حَدَّثَنِي سُلَيمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ). كِلاهُمَا عَنْ سُهَيلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. فِي حَدِيثِ رَوْحٍ: "مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ فَيَضَعُهَا فِي حَقِّهَا". وَفِي حَدِيثِ سُلَيمَانَ: "فَيَضَعُهَا فِي مَوْضِعِهَا".
(٢٢٢٦) (٠) (٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ
ــ
يعني ابن زريع) التميمي العيشي أبو معاوية البصري ثقة ثبت من (٨) (حدثنا روح بن القاسم) التميمي العنبري أبو غياث البصري ثقة من (٦) (ح وحدثنيه أحمد بن عثمان) بن أبي عثمان عبد النور بن عبد الله بن سنان (الأودي) النوفلي أبو عثمان البصري ثقة من (١١) (حدثنا خالد بن مخلد) البجلي مولاهم أبو الهيثم الكوفي صدوق من (١٠) (حدثني سليمان يعني ابن بلال) التيمي مولاهم أبو محمد المدني ثقة من (٨) (كلاهما) أي كل من روح بن القاسم وسليمان بن بلال رويا (عن سهيل) بن أبي صالح (بهذا الإسناد) يعني عن أبيه عن أبي هريرة وهذان السندان من سداسياته غرضه بسوقهما بيان متابعة روح وسليمان ليعقوب بن عبد الرحمن في رواية هذا الحديث عن سهيل. ولكن (في حديث روح) بن القاسم وروايته لفظة: (من الكسب الطيب) أي الحلال بإدخال الألف واللام على الكسب والطيب ومع زيادة لفظة: (فيضعها) أي فيضع تلك التمرة ويتصدق بها (في حقها) أي في الموضع الذي تستحق فيه كأن أعطاها للمحتاج لا للأغنياء ولا للشربة (وفي حديث سليمان) بن بلال وروايته (فيضعها في موضعها) أي في الموضع اللائق بها يعني وقع في لفظ الحديث على رواية روح بن القاسم هذه المغايرة مع هذه الزيادة أعني (فيضعها في حقها) وفي رواية سليمان بن بلال زيادة (فيضعها في موضعها).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في هذا الحديث فقال:
(٢٢٢٦) (٠) (٠) (وحدثنيه أبو الطاهر) أحمد بن عمرو المصري (أخبرنا عبد الله بن وهب) المصري (أخبرني هشام بن سعد) المدني أبو عباد القرشي مولاهم يتيم زيد بن أسلم (عن زيد بن أسلم) العدوي المدني (عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي
стр. 4666
صلى الله عليه وسلم. نَحْوَ حَدِيثِ يَعْقُوبَ, عَنْ سُهَيلٍ.
(٢٢٢٧) (٩٧٩) - (١٢٩) وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا فُضَيلُ بْنُ مَرْزُوقٍ. حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا. وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ
ــ
ﷺ وقوله: (نحو حديث يعقوب عن سهيل) عن أبي صالح مفعول ثان لأخبرني هشام بن سعد أي أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح نحو حديث يعقوب عن سهيل عن أبي صالح غرضه بيان متابعة هشام ليعقوب في رواية هذا الحديث عن أبي صالح ولكنها متابعة ناقصة لأن رواية هشام عن أبي صالح بواسطة زيد بن أسلم ورواية يعقوب عن أبي صالح بواسطة سهيل.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة هذا بحديث آخر له فقال:
(٢٢٢٧) (٩٧٩) (١٢٩) (وحدثني أبو كريب محمد بن العلاء) الهمداني الكوفي (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي الكوفي (حدثنا فضيل بن مرزوق) الأغر بالمعجمة والراء الرقاشي الكوفي صدوق من (٧) (حدثني عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي ثقة من (٤) (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي الكوفي (عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من سداسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا أبا هريرة.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : أيها الناس إن الله) (طيب) أي منزه عن النقائص في ذاته وصفاته وأفعاله (لا يقبل) الله من الصدقات (إلا طيبًا) أي حلالًا.
قال القاضي رحمه الله تعالى: الطيب ضد الخبيث فإذا وصف به تعالى يراد به أنه منزه من النقائص مقدس عن الآفات وإذا وصف به العبد مطلقًا يراد به أنه المتعري عن رذائل الأخلاق وقبائح الأعمال والمتحلي بأضداد ذلك وإذا وصف به الأموال يراد به كونه حلالًا من خيار الأموال ومعنى الحديث أنه تعالى منزه عن العيوب فلا يقبل ولا ينبغي أن يتقرب إليه إلا بما يناسبه في هذا المعنى وهو خيار أموالكم الحلال كما قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (وإن الله) تعالى (أمر المؤمنين بما أمر به
стр. 4667
الْمُرْسَلِينَ. فَقَال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ. أَشْعَثَ أَغْبَرَ
ــ
المرسلين) يعني لم يفرق الله تعالى بين الرسل وغيرهم في وجوب طلب الحلال والاجتناب عن الحرام اهـ ابن الملك.
(فقال) تعالى في أمر الرسل: (﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾) [المؤمنون: ٥١] وهذا النداء خطاب لجميع الأنبياء لا أنهم خوطبوا بذلك دفعة واحدة لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة بل على أن كلًّا منهم خوطب في زمانه ويمكن أن يكون هذا النداء يوم الميثاق لخصوص الأنبياء أو باعتبار أنه تعالى ليس عنده صباح ولا مساء وفيه تنبيه نبيه على أن إباحة الطيبات شرع قديم واعتراض على الرهبانية في رفضهم اللذات وإيماء إلى أن أكل الطيب مورث العمل الصالح وهو ما يتقرب به إلى الله تعالى اهـ فتح الملهم.
(وقال) تعالى في أمر المؤمنين: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾) [البقرة: ١٧٢] أي من حلالاته أو مستلذاته ونعمته ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وفيه إشارة إلى أن الله تعالى خلق الأشياء كلها لعبيده كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ وإنه خلق عبيده لمعرفته وطاعته كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾.
(ثم ذكر الرجل) هذه الجملة من كلام الراوي والضمير فيه للنبي ﷺ الرجل بالرفع مبتدأ مذكور على وجه الحكاية من لفظ رسول الله ﷺ ويجوز أن ينصب على أنه مفعول ذكر (يطيل السفر) أي يسافر من مكان في وجوه الطاعات كحج وزيارة مستحبة وصلة رحم وجهاد وتعلم العلم وغير ذلك وهذه الجملة على الوجه الثاني صفة للرجل لأنه في المعنى كالنكرة كما وجه كذا قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ويصح أن تكون حالًا منه نظرًا إلى لفظه كما في قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
أي ثم بعد ما ذكر رسول الله ﷺ الرجل يطيل السفر في وجوه الطاعات حالة كونه (أشعث) الرأس أي متلبد شعر الرأس متوسخه وحالة كونه (أغبر) الجسد أي متلطخ الغبار في جسده.
стр. 4668
يَمُدُّ يَدَيهِ إِلَى السَّمَاءِ. يَا رَبِّ! يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ, وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ, وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ, وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ. فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ"
ــ
قال القرطبي: والشعث في الشعر والغبرة في سائر الجسد اهـ.
أي حالة كونه ذا وسخ في الرأس وغبار في الجسد وهذا يدل على أن سفره في الحج حالة كونه (يمد يديه إلى السماء) أي يرفعهما إليها عند الدعاء لأنها قبلة الدعاء وهذا يدل على مشروعية مد اليدين إلى السماء عند الدعاء قائلًا في دعائه (يا رب) اغفر لي (يا رب) ارحمني وهذا حكاية قول ذلك الرجل في دعائه وهو كما ترى مرتان.
وقال ابن الملك: ذكره ثلاث مرات ظانًا أن هذه الحالات من إطالة السفر وتحمل الزحمات من مظان إجابة الدعوات اهـ.
أي قائلًا مكررًا: يا رب وفيه إشارة إلى أن الدعاء بلفظ الرب مؤثر في الإجابة لإيذانه بأن وجوده فائض عن تربيته وإحسانه وجوده وامتنانه (ومطعمه) أي والحال أن مطعمه أي مأكوله ومطعومه (حرام ومشربه) أي مشروبه (حرام وملبسه) أي لباسه (حرام و) الحال أنه قد (غذي) وربي في صغره (بالحرام) غذي بضم الغين وكسر الذال المعجمة المخففة كذا ضبطه النواوي رحمه الله تعالى وفي نسخ المصابيح وقعت مقيدة بالتشديد كذا ذكره الطيبي وهو كذلك في بعض نسخ المشكاة والمعنى أي ربي بالحرام من صغره إلى كبره.
قال الأشرف ذكر قوله وغذي بالحرام بعد قوله ومطعمه حرام لأنه لا يلزم من كون المطعم حرامًا التغذية به وإما تنبيهًا به على استواء حاليه أعني كونه منفقًا في حال كبره ومنفقًا عليه في حال صغره في وصول الحرام إلى باطنه فأشار بقوله: مطعمه حرام إلى كبره وبقوله وغذي بالحرام إلى حال صغره وهذا دال على أن لا ترتيب في الواو وذهب المظهر إلى الوجه الثاني ورجح الطيبي الوجه الأول ولا منع من الجمع فيكون إشارةً إلى أن عدم إجابة الدعوة إنما هو لكونه مصرًا على تلبس الحرام والله تعالى أعلم بالمرام.
(فأنى يستجاب لذلك) الرجل أي من أين يستجاب لمن هذه صفته أو كيف يستجاب له قال ابن الملك: هذا استبعاد لاستجابة الدعاء لا بيان لاستحالته قال القرطبي: أي كيف يستجاب له على جهة الاستبعاد ومعناه أنه ليس أهلًا لإجابة دعائه لكن يجوز أن يستجيب الله له تفضلًا ولطفًا وكرمًا اهـ مفهم.
وقوله: (لذلك) أي لذلك الرجل وقيل: هو إشارة إلى كون مطعمه ومشربه حرامًا
стр. 4669
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيكون علةً للاستبعاد لكن الوجه الأول أولى اهـ ابن الملك.
قال الأشرف رحمه الله تعالى وفيه إيذان بأن حل المطعم والمشرب مما تتوقف عليه إجابة الدعاء ولذا قيل: إن للدعاء جناحين أكل الحلال وصدق المقال.
قال التوربتشي رحمه الله تعالى: أراد بالرجل الحاج الذي أثر فيه السفر وأخذ منه الجهد وأصابه الشعث وعلاه الغبرة فطفق يدعو الله على هذه الحالة وعنده أنها من مظان الإجابة فلا يستجاب له ولا يعبأ ببؤسه وشقائه لأنه متلبس بالحرام وصارت النفقة من غير حلها.
قال الطيبي رحمه الله تعالى: فإذا كان حال الحاج الذي هو في سبيل الله هذا فما بال غيره وفي معناه أمر المجاهد في سبيل الله لقوله ﷺ (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث مغبرة قدماه) وكل هذه الحالات حالة على غاية استحقاق الداعي للإجابة ودلت تلك الخيبة على أن الصارف قوي والحاجز مانع شديد.
قال الأبي رحمه الله تعالى: قوله: (فأنى يستجاب لذلك) الأظهر أنه استبعاد لا إياس وعلى كل تقدير فالاستبعاد في حق من جمع بين الثلاث اهـ فتح الملهم.
وهذا الحديث انفرد به المؤلف عن أصحاب الأمهات ولكن شاركه أحمد (٢/ ٣٢٨).
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب سبعة أحاديث:
الأول: حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة.
والثاني: حديث حارثة بن وهب ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة.
والثالث: حديث أبي موسى الأشعري ذكره للاستشهاد به لحديث حارثة.
والرابع: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستشهاد له وذكر فيه متابعة واحدة.
والخامس: حديث أبي هريرة الثالث ذكره للاستشهاد لحديث حارثة أيضًا.
والسادس: حديث أبي هريرة الرابع ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات.
والسابع: حديث أبي هريرة الخامس ذكره للاستشهاد لما قبله فجملة أحاديث الباب سبعة خمسة منها لأبي هريرة وواحد لحارثة بن وهب وواحد لأبي موسى والله أعلم.
стр. 4670
٤٢٥ - (٤٣) باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة وحث الإمام على الصدقة إذا رأى فاقة
(٢٢٢٨) (٩٨٠) - (١٣٠) حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ. حَدَّثَنَا زُهَيرُ بْنُ مُعَاويَةَ الْجُعْفِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ؛ قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ, فَلْيَفْعَلْ"
ــ
٤٢٥ - (٤٣) باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة وحث الإمام على الصدقة إذا رأى فاقة
(٢٢٢٨) (٩٨٠) (١٣٠) (حدثنا عون بن سلام) بتشديد اللام الهاشمي مولاهم أبو جعفر (الكوفي) ثقة من (١٠) (حدثنا زهير بن معاوية) بن حديج مصغرًا (الجعفي) أبو خيثمة الكوفي ثقة من (٧) (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي ثقة من (٣) (عن عبد الله بن معقل) بن مقرن المزني أبي الوليد الكوفي روى عن عدي بن حاتم في الزكاة وكعب بن عمرو في الحج وثابت بن الضحاك في البيوع ويروي عنه (خ م ت س ق) وأبو إسحاق السبيعي وعبد الرحمن الأصبهاني وعبد الله بن السائب.
قال العجلي: كوفي تابعي ثقة من "خيار التابعين وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث وقال في التقريب: ثقة من كبار الثالثة مات سنة (٨٨) ثمان وثمانين (عن عدي بن حاتم) بن عبد الله بن سعد بن حشرج بن امرئ القيس بن عدي الطائي الجواد ابن الجواد أبي طريف الكوفي الصحابي المشهور ﵁.
وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون وفيه رواية تابعي عن تابعي.
(قال) عدي: (سمعت النبي ﷺ يقول: من استطاع) أي قدر (منكم) أيها المسلمون (أن يستتر) أي أن يتخذ سترًا وحجابًا (من) عذاب (النار ولو) قدر الاستتار عنها (بشق تمرة) بكسر الشين أي بنصف حبة تمرة أو بعدلها أي ولو قدر على الاستتار عنها بنصف تمرة أو بدونها (فليفعل) ذلك الاستتار والجملة جواب من الشرطية وجملة لو معترضة ومفعول يفعل محذوف كما قدرناه أو معنى ليفعل ليستتر أو ليتصدق ذكرًا للأعم وإرادة للأخص بقرينة ما قبله اهـ ابن الملك.
стр. 4671
(٢٢٢٩) (٠) (٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ (قَال ابْنُ حُجْرٍ: حَدَّثَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ خَيثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ. لَيسَ بَينَهُ وَبَينَهُ تُرْجُمَانٌ
ــ
وفي الحديث الحث على الصدقة وأنه لا يمتنع منها لقلتها وأن قليلها سبب للنجاة من النار اهـ نووي.
فلا يحقر الإنسان ما يتصدق به وإن كان يسيرًا فإنه يستر المتصدق به من النار.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد (٤/ ٢٥٨ و ٢٥٩) والبخاري (١٤١٧).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٢٢٩) (٠) (٠) (حدثنا علي بن حجر) بن إياس (السعدي) المروزي ثقة من (٩) (وإسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي المروزي (وعلي بن خشرم) بزنة جعفر بن عبد الرحمن المروزي ثقة من (١٠) (قال ابن حجر: حدثنا وقال الآخران: أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي أبو عمرو الكوفي ثقة من (٨) (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي (عن خيثمة) بفتح المعجمة وسكون الياء ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة بفتح المهملة وسكون الموحدة الجعفي الكوفي ثقة من (٣) (عن عدي بن حاتم) الطائي الكوفي.
وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم كوفيون وواحد مروزي وفيه المقارنة والتحديث والإخبار والعنعنة وفيه رواية تابعي عن تابعي غرضه بسوقه بيان متابعة خثيمة بن عبد الرحمن لعبد الله بن معقل في رواية هذا الحديث عن عدي بن حاتم وكرر المتن لما في هذه الرواية من الزيادة الكثيرة.
(قال) عدي: (قال رسول الله ﷺ : ما منكم من أحد) ظاهر الخطاب للصحابة ويلحق بهم المؤمنون كلهم سابقهم ومقصرهم أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة أي ما من أحد منكم (إلا سيكلمه الله) يوم القيامة والحال أنه (ليس بينه) أي بين الله (وبينه) أي وبين أحد منكم (ترجمان) بفتح التاء وضم
стр. 4672
فَيَنْظُرُ أَيمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ. وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ. وَيَنْظُرُ بَينَ يَدَيهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ. فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"
ــ
الجيم وفتحها فيضمان ويفتحان وهو الذي يترجم الكلام أي ينقله من لغة إلى أخرى والمراد إن الله يكلم ويخاطب العبد بلا واسطة ولم يذكر في هذه الرواية ما يقول له ولكن بينه في رواية أخرى (ثم ليقولن له: ألم أرتك مالًا فليقولن: بلى ثم ليقولن: ألم أرسل إليك رسولًا فليقولن: بلى) اهـ فتح الملهم.
والمراد بالترجمان هنا الرسول لأن الله تعالى لا يخفى عليه لغة فيكون كلامه تعالى في الآخرة بالوحي لا بالرسول اهـ من بعض الهوامش.
(فينظر) أحدكم حينما كلمه تعالى (أيمن منه) أي إلى جانبه الأيمن (فلا يرى إلا ما قدم) من أعماله الصالحة (وينظر أشأم منه) أي إلى جانبه الشمال (فلا يرى إلا ما قدم) من أعماله السيئة (وينظر بين يديه) أي قدامه (فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه) أي قبالة وجهه إذا سمعتم ما قلت لكم وأردتم بيان ما تتقون به من تلك النار (فـ) أقول لكم (اتقوا النار) أي اجعلوا الوقاية والستارة بينكم وبين النار (ولو بشق تمرة) أي ولو كان الذي تتقون به منها بعض حبة تمر أي ولو كان الاتقاء بتصدق تمرة اهـ من المبارق.
وفي فتح الملهم: قوله: (فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم) أي ما قدمه من أعماله السيئة وفي رواية محل بن خليفة (فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار وينظر عن شماله فلا يرى إلا النار) ورواية خثيمة هي المعتمدة في ذلك وقوله: أيمن وأشأم بالنصب فيهما على الظرفية والمراد بهما اليمين والشمال قال ابن هبيرة: نظر اليمين والشمال هنا كالمثل لأن الإنسان من شأنه إذا دهمه أمر أن يلتفت يمينًا وشمالًا يطلب الغوث.
(قلت): ويحتمل أن يكون سبب الالتفات أنه يترجى أن يجد طريقًا يذهب فيها ليحصل النجاة من النار فلا يرى إلا ما يفضي به إلى النار كما وقع في رواية محل بن خليفة كذا في الفتح. قوله: (فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه) قال ابن هبيرة: والسبب في ذلك أن النار تكون في ممره فلا يمكنه أن يحيد عنها إذ لا بد له من المرور على الصراط وفيه دليل على قرب النار من أهل الموقف وقد أخرج البيهقي في البعث من مرسل عبد الله بن باباه بسند رجاله ثقات رفعه كأني أراكم بالكوم جثى من دون جهنم وقوله جثى بضم الجيم بعدها مثلثة مقصور جمع جاث والكوم بفتح الكاف وسكون الواو
стр. 4673
زَادَ ابْنُ حُجْرٍ: قَال الأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ, عَنْ خَيثَمَةَ, مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ" وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ".
وَقَال إِسْحَاقُ: قَال الأَعْمَشُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيثَمَةَ.
(٢٢٣٠) (٠) (٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ
ــ
المكان العالي الذي يكون عليه أمة محمد ﷺ كما ثبت في حديث كعب بن مالك عند مسلم أنهم يكونون يوم القيامة على تل عالٍ.
قوله: (ولو بشق تمرة) بكسر المعجمة نصفها أو جانبها أي اجعلوا بينكم وبينها وقاية من الصدقة وعمل البر ولو بشيء يسير وفي الحديث الحث على الصدقة بما قل وما جل وأن لا يحتقر ما يتصدق به وأن اليسير من الصدقة يستر المتصدق من النار.
(زاد) علي (بن حجر) على غيره لفظة: (قال) لنا (الأعمش) حدثني خيثمة بن عبد الرحمن ما سبق بلا واسطة (وحدثني) أيضًا (عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق الهمداني المرادي الجملي أبو عبد الله الأعمى الكوفي ثقة من (٥) (عن خيثمة) بن عبد الرحمن (مثله) أي مثل ما حدثني خيثمة بلا واسطة (و) لكن (زاد) عمرو بن مرة (فيه) أي في حديثه وروايته عن خثيمة لفظة: (ولو بكلمة طيبة) بعد قوله: (ولو بشق تمرة) قال ابن هبيرة: المراد بالكلمة الطيبة هي ما يدل على هدي أو يرد عن ردى أو يصلح بين ائنين أو يفصل بين متنازعين أو يحل مشكلًا أو يكشف غامضًا أو يدفع ثائرًا أو يسكن غضبًا والله أعلم.
وقال ابن بطال: وجه كون الكلمة الطيبة صدقة أن إعطاء المال يفرح به قلب الذي يعطاه ويذهب ما في قلبه وكذلك الكلام الطيب فاشتبها من هذه الحيثية (وقال إسحاق) بن إبراهيم في روايته: (قال الأعمش: عن عمرو بن مرة عن خيثمة) بصيغة العنعنة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عدي بن حاتم ﵁ فقال:
(٢٢٣٠) (٠) (٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب) الكوفيان (قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الكوفي (عن الأعمش عن عمرو بن مرة) الكوفي (عن خيثمة) ابن عبد الرحمن الكوفي (عن عدي بن حاتم) الطائي الكوفي.
стр. 4674
قَال: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّارَ فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ. ثُمَّ قَال: "اتَّقُوا النَّارَ". ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ كَأَنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيهَا. ثُمَّ قَال: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ, فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ".
وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو كُرَيبٍ: كَأَنَّمَا. وَقَال: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ
ــ
وهذا السند من سداسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون وأن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض الأعمش وعمرو وخيثمة.
(قال) عدي: (ذكر رسول الله ﷺ النار) الأخروية (فأعرض) بوجهه عنها كأنه يراها (وأشاح) أي بالغ في إعراضه عنها أو حذر عنها كأنه ينظر إليها أو جد على الإيصاء باتقائها قال الخليل: أشاح عن كذا تنحى عنه وهذا يطابق أعرض وعلى هذا فعطفه على أعرض من عطف المرادف قال الجرمي: أشبه الوجوه ما قاله الخليل من أنها التنحية بمعنى الإعراض.
(ثم قال: اتقوا النار) أي اجعلوا الوقاية بينكم وبين النار (ثم أعرض) وتنحى عنها (وأشاح) أي عدل وأقبل إلينا كأنه يهرب منها (حتى ظننا) من شدة إعراضه وإشاحته عنها (أنه كأنما) زائدة بدليل سقوطها في رواية أبي كريب وجملة: (ينظر إليها) خبر أن أي حتى ظننا أنه ناظر إليها أي حتى ظننا من كثرة ما رأينا من تغيره من حالة إلى حالة أخرى وعدم ثباته على حالة واحدة أنه ناظر إليها لما فيه من الدلالة على الاضطراب والتحير والتدهش.
(ثم قال) ثانيًا: (اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد) تمرة (فـ) ـليتق (بكلمة طيبة ولم يذكر أبو كريب) في روايته لفظة (كأنما وقال) أبو كريب في روايته: (حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش) بصيغة التحديث عن الأعمش ولم يعنعن عنه.
فمعنى هذا الكلام (فمن لم يجد) أي شيئًا يتقى به من النار (فبكلمة طيبة) أي فليتق بها قال النواوي: فيه أن الكلمة الطيبة سبب للنجاة من النار وهي الكلمة التي فيها تطييب قلب إنسان إذا كانت مباحة أوطاعة اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث عدي بن حاتم ﵁ فقال:
стр. 4675
(٢٢٣١) (٠) (٠) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ ذَكَرَ النَّارَ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا. وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ. ثَلاثَ مِرَارٍ. ثُمَّ قَال: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ. فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا, فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ".
(٢٢٣٢) (٩٨١) - (١٣١) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيفَةَ, عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ،
ــ
(٢٢٣١) (٠) (٠) (وحدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (و) محمد (بن بشار) العبدي البصري (قالا: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري (حدثنا شعبة) بن الحجاج البصري (عن عمرو بن مرة عن خيثمة عن عدي بن حاتم عن رسول الله ﷺ .
وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وثلاثة بصريون وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة غرضه بسوقه بيان متابعة شعبة لسليمان الأعمش في رواية هذا الحديث عن عمرو بن مرة.
(أنه) ﷺ (ذكر النار فتعوذ) أي استعاذ (منها) بالله (وأشاح) أي أعرض (بوجهه) عنها كأنه ينظر إليها وقوله: (ثلاث مرار) تنازع فيه كل من تعوذ وأشاح (ثم) بعد استعاذته وإشاحته ثلاث مرار (قال) ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا) ما تتقون به منها من المال (فـ) ـاتقوا منها (بكلمة طيبة) أي صالحة مبشرة للسائل ومفرحة له.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث جرير ﵁ فقال:
(٢٢٣٢) (٩٨١) (١٣١) (حدثني محمد بن المثنى العنزي) البصري (أخبرنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري (حدثنا شعبة) بن الحجاج البصري (عن عون بن أبي جحيفة) وهب بن عبد الله السوائي الكوفي (عن المنذر بن جرير) بن عبد الله البجلي الكوفي روى عن أبيه في الزكاة والعلم ويروي عنه (م د س ق) وعون بن أبي جحيفة في الزكاة وعبد الملك بن عمير في الزكاة وأبو إسحاق السبيعي والضحاك بن منذر وأبو حيان التيمي
стр. 4676
عَنْ أَبِيهِ؛ قَال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ. فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَو الْعَبَاءِ. مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ. عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ. بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ. فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا رَأَى
ــ
ذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب: مقبول من الثالثة (عن أبيه) جرير بن عبد الله بن جابر البجلي اليماني أبي عمرو الكوفي الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وثلاثة كوفيون وفيه رواية تابعي عن تابعي.
(قال) جرير: (كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار) أي في أول النهار ويقال له: وجه النهار أيضًا (فجاءه) ﷺ (قوم) من الأعراب كما صرح به في الرواية الأخيرة (حفاة) أي ماشون بلا نعال (عراة) أي يغلب عليهم العري حالة كونهم (مجتابي النمار) حال من قوم لتخصصه بالصفة أي لابسيها خارقين أوساطها مقورين لها اسم فاعل من الاجتياب وهو تقوير أوساطها ليدخلوا فيها الرأس كالقميص ومنه قوله تعالى ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ أي نقبوا وخرقوا يقال اجتبيت القميص أي دخلت فيه.
قال ابن الأثير: وكل شيء قطع وسطه فهو مجوب ومجوب وبه سمي جيب القميص.
قال القرطبي: أي مقطوعي أوساط النمار من الاجتياب وهو التقطيع والخرق اهـ.
والنمار بكسر النون جمع نمرة بفتحها وهي كل شملة مخططة من مآزر الأعراب كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض أراد أنه جاءه قوم لابسي أزر مخططة من صوف (أو) قال الراوي لابسي (العباء) بالشك من الراوي وفي فتح الملهم: الظاهر أنه شك من الراوي أو للتنويع والعباء بفتح العين وبالمد جمع عباءة وعباية لغتان وفي القاموس: إنه كساء معروف وقال القرطبي: هي أكسية غلاظ مخططة اهـ مفهم.
(متقلدي السيوف) أي لابسي السيوف في أعناقهم بعلاقتها (عامتهم) أي أكثرهم ومعظمهم (من) قبيلة (مضر) بوزن عمر قبيلة معروفة أي أكثرهم منها (بل كلهم من مضر) إضراب لغرض المبالغة (فتمعر) بتشديد العين المهملة من باب تفعل الخماسي أي تغير (وجه رسول الله ﷺ وظهر عليه آثار الحزن (لما رأى) أي لأجل ما رأى
стр. 4677
بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ. فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ. فَأَمَرَ بِلالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ. فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَال: " ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. وَالآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨] تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ, مِنْ دِرْهَمِهِ, مِنْ ثَوْبِهِ, مِنْ صَاعِ بُرِّهِ,
ــ
(بهم من) آثار (الفاقة) والفقر الشديد يعني لما لم يكن عنده من المال ما يجبر كسرهم ويغني فقرهم ويكسوهم ويعطيهم وما يعينهم وهذا من كمال رأفته ورحمته خصوصًا في حق أمته قوله: (فتمعر) قال ابن الأثير: وأصل التمعر قلة النضارة وعدم إشراق اللون من قولهم: مكان أمعر وهو الجدب الذي لا خصب فيه ومعر الرأس بفتحتين قلة شعره والأمعر أيضًا القليل الشعر اهـ.
(فدخل) رسول الله ﷺ حجرته لعله يلقى شيئًا من زيادة النفقة أو لتجديد الطهارة والتهيئة للموعظة قاله القاري (ثم خرج) من بيته فرجع إلى المسجد (فأمر بلالًا) مؤذنه ﷺ بأن يؤذن للظهر كما صرح في رواية أخرى (فأذن) بلال (وأقام) للصلاة (فصلى) بهم رسول الله ﷺ صلاة الظهر (ثم) بعد ما فرغ من الصلاة صعد المنبر و (خطب) الناس فيه استحباب جمع الناس للأمور المهمة ووعظهم وحثهم على مصالحهم وتحذيرهم من القبائح (فقال) في خطبته أي قرأ في خطبته قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] إلى آخر الآية) يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ قال عياض: قراءته ﷺ لها كلها لما فيها من قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ وقال النواوي: يريد كأنهم إخوة وقال الأبي: يعني من قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وهو تنبيه على سبب التواصل (و) قرأ (الآية التي) في سورة (الحشر) يعني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ) إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي ولتتفكر النفوس ولتتأمل بأي شيء من العبادات والخيرات هيأته وادخرته لغد من الزمان وهو يوم القيامة.
وقوله (تصدق رجل) بفتح القاف خبر بمعنى الأمر أي ليتصدق كل رجل منكم (من ديناره) الذي عنده و (من درهمه) الذي عنده و (من ثوبه) الذي عنده و (من صاع بره)
стр. 4678
مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ (حَتَّى قَال): وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ" قَال: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا. بَلْ قَدْ عَجَزَتْ
ــ
الذي عنده و (من صاع تمره) الذي عنده أي فليتصدق كل رجل منكم بما تيسر له مما عنده.
قال القاري: قوله: (تصدق رجل) بفتح القاف وتسكن قال الطيبي لعل الظاهر ليتصدق رجل ولام الأمر للغائب محذوفة وجوزه ابن الأنباري ولو حمل تصدق على الفعل الماضي لم يساعده قوله: (حتى قال: ولو بشق تمرة) فالمعنى ليتصدق رجل ولو بشق تمرة وكذا قوله: (فجاء رجل إلخ) لأنه بيان لامتثال أمره ﷺ عقيب الحث على الصدقة ولمن يجريه على الإخبار وجه لكن فيه تعسف غير خاف اهـ.
قال الأبهري: ويأبى عن الحمل على حذف اللام عدم حرف المضارعة فيتعين حمله على أنه خبر لفظًا وأمر معنى وإتيان الإخبار بمعنى الإنشاء كثير في الكلام فليس فيه تكلف فضلًا عن تعسف وعلى هذا جرى حلنا وهو الظاهر الموافق لقاعدتهم اهـ من فتح الملهم.
وقوله: (رجل من ديناره) إلح قال الطيبي: رجل نكرة وضعت موضع المعرف لإفادة الاستغراق في الإفراد وإن لم تكن في سياق النفي كشجرة في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] فإن شجرة وقعت موقع الأشجار ومن ثم كرر في الحديث مرارًا بلا عطف أي ليتصدق رجل من ديناره ورجل من درهمه وهلم جرًا ومن في من ديناره إما تبعيضية أي ليتصدق مما عنده من هذا الجنس وإما ابتدائية متعلقة بالفعل فالإضافة بمعنى اللام أي ليتصدق بما هو مختص به وهو مفتقر إليه على نحو قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ وقوله: (من صاع تمره) إعادة العامل تفيد الاستقلال وتدفع أن يكون الصاع منهما.
وقوله: (حتى قال) غاية لمحذوف معلوم من السياق أي أمر كلهم بتصدقه مما عنده حتى قال: تصدقوا (ولو) كان تصدقكم (بشق تمرة) أي بنصفها (قال) جرير بن عبد الله (فجاء رجل من الأنصار) لم أر من ذكر اسمه (بصرة) بضم الصاد وتشديد الراء أي بربطة وكيس من الدراهم والدنانير والصرة ما تعقد فيه الدراهم (كادت) وقربت (كفه) أن (تعجز عنها) أي عن حملها أي عن حمل الصرة لثقلها لكثرة ما فيها (بل قد عجزت) إضراب
стр. 4679
قَال: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ. حَتَّى رَأَيتُ كَوْمَينِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ. حَتَّى رَأَيتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ. كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً, فَلَهُ أَجْرُهَا, وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ
ــ
لغرض المبالغة (قال) الراوي: (ثم) بعد ما جاء ذلك الرجل بالصرة (تتابع الناس) ذلك الرجل وتلاحقوه بصدقاتهم فجمعوا أموالًا كثيرة (حتى رأيت كومين) أي صبرتين مجموعتين (من طعام وثياب) والكومان ثنية كوم بالفتح وبالضم الصبرة.
قال القرطبي: قوله: (كومين) بفتح الكاف تثنية كوم بالفتح والكوم الرابية أي التل المرتفع والمعنى حتى رأيت جمعًا كثيرًا من مأكول وملبوس وقد قيد كومين بضم الكاف قال أبو مروان بن سراج: هو بالضم اسم لما كوم أي جمع وبالفتح المرة الواحدة والكومة الصبرة والكوم العظيم من كل شيء والكوم المرتفع كالرابية والفتح هنا أولى لأنه إنما شبه ما اجتمع هناك بالكوم الذي هو الرابية.
وقوله: (حتى رأيت) غاية لمحذوف تقديره: فجمعوا كومين إحداهما من طعام والأخرى من ثياب حتى رأيت (وجه رسول الله ﷺ يتهلل) أي يتنور فرحًا وسرورًا حتى صار وجهه كأنه مذهبة) بضم الميم وسكون الذال وفتح الهاء بعدها موحدة أي فضة مموهة بالذهب في إشراقه.
قال القرطبي: والرواية الصحيحة المشهورة فيه هكذا بالذال المعجمة والباء الموحدة من الذهب.
ووقع في بعض الرواية: (مدهنة) بضم الميم وسكون الدال المهملة وضم الهاء بعدها نون والمدهن نقرة في الجبل يستنقع فيه ماء المطر والمدهن أيضًا ما جعل فيه الدهن وَالمدهنة من ذلك شبه صفاء وجهه بإشراق السرور بصفاء هذا الماء في الحجر أو بصفاء الدهن وسروره ﷺ فرح بما ظهر من المسلمين من سهولة البذل عليهم ومبادرتهم لذلك وبما كشف الله تعالى من فاقات أولئك المحاويج اهـ من المفهم.
(فقال رسول الله ﷺ : من سن في الإسلام سنة حسنة) أي من فعل فعلًا جميلًا في الإسلام فاقتدى به فيه (فله أجرها) أي أجر فعل تلك السنة بنفسه (وأجر) عمل (من عمل بها بعده) اقتداءً به لأن عمله بنفسه كان سببًا في عملهم فالأجر الأول على مباشرته والأجر الثاني على تسببه في عملهم فإذا لا يعارض بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيسَ
стр. 4680
مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً, كَانَ عَلَيهِ وزْرُهَا وَوزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ. مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ".
(٢٢٣٣) (٠) (٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، الْعَنْبَرِيُّ
ــ
لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾ (من غير أن ينقص من أجورهم) أي من أجور العاملين بها (شيء) قليل ولا كثير لأنه أجر على تسببه في عملهم لا على عملهم.
وعبارة فتح الملهم: قوله: (من سن سنة حسنة) أي أتى بطريقة مرضية يقتدى به فيها (فله أجرها) أي أجر تلك السنة أي ثواب العمل بها والإضافة لأدنى ملابسة لأن السنة سبب ثبوت الأجر فجازت الإضافة (وأجر من عمل بها بعده) أي من بعد ما سنه قال الأبي: وظاهره وإن لم ينو المبتدئ أن يتبع ففيه ثبوت الأجر على ما لم ينو الفاعل فيكون مخصصًا لحديث (إنما الأعمال بالنيات).
(ومن سن في الإسلام سنة سيئة) أي فعل فعلًا قبيحًا فاقتدى به فيه (كان عليه وزرها) أي وزر عمله تلك السيئة بنفسه (ووزر) عمل (من عمل بها من بعده) إلى يوم القيامة أي عليه وزر تسببه في عملهم (من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) قليل ولا كثير.
ويفيد هذا الحديث الترغيب في الخير المتكرر أجره بسبب الاقتداء والتحذير من الشر المتكرر إثمه بسبب الاقتداء اهـ من المفهم.
قال النواوي: وفي الحديث الحث على الابتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات وسبب هذا الكلام في هذا الحديث أنه قال في أوله (فجاء رجل بصرة كادت كفه تعجز عنها فتتابع الناس) وكان الفضل العظيم للبادئ والفاتح لباب هذا الإحسان اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٤/ ٣٥٧ و ٣٥٨) والترمذي (٢٦٧٥) والنسائي (٥/ ٧٥ - ٧٧) وابن ماجه (٢٠٣).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جرير ﵁ فقال:
(٢٢٣٣) (٠) (٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي (ح وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري) البصري
стр. 4681
حَدَّثَنَا أَبِي. قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيفَةَ. قَال: سَمِعْتُ الْمُنْذِرَ بْنَ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَدْرَ النَّهَارِ. بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُعَاذٍ مِنَ الزِّيَادَةِ قَال: ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ خَطَبَ.
(٢٢٣٤) (٠) (٠) حَدَّثَنِي عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ وَأَبُو كَامِلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَويُّ. قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ؛
ــ
(حدثنا أبي) معاذ بن معاذ البصري (قالا) أي قال أبو أسامة ومعاذ بن معاذ حالة كونهما (جميعًا) أي مجتمعين في الرواية عن شعبة: (حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي البصري (حدثنا عون بن أبي جحيفة) وهب بن عبد الله السوائي الكوفي (قال سمعت المنذر بن جرير) بن عبد الله البجلي الكوفي (عن أبيه) جرير بن عبد الله البجلي الكوفي.
وهذان السندان من سداسياته رجال الأول منهما خمسة منهم كوفيون وواحد بصري ورجال الثاني منهما ثلاثة منهم بصريون وثلاثة كوفيون وغرضه بسوقهما بيان متابعة أبي أسامة ومعاذ بن معاذ لمحمد بن جعفر في رواية هذا الحديث عن شعبة.
(قال) جرير بن عبد الله: (كنا عند رسول الله ﷺ صدر النهار) وأوله وساقا (بمثل حديث) محمد (بن جعفر) الهذلي (و) لكن (في حديث) معاذ (بن معاذ) العنبري (من الزيادة) لفظة (قال) جرير: (ثم صلى) النبي ﷺ (الظهر ثم خطب) بدل رواية ابن جعفر: (فصلى ثم خطب) ففي هذه الرواية تعيين الصلاة التي صلى بهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جرير رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٢٣٤) (٠) (٠) (حدثني عبيد الله بن عمر) بن ميسرة (القواريري) الجشمي مولاهم أبو شعيب البصري (وأبو كامل) فضيل بن حسين الجَحْدَري البصري (ومحمد بن عبد الملك) بن أبي الشوارب محمد بن عبد الرحمن (الأموي) البصري (قالوا: حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي (عن عبد الملك بن عمير) اللخمي الفرسي نسبة إلى فرس له سابق أبي عمر الكوفي (عن المنذر بن جرير عن أبيه) وهذا السند من خماسياته غرضه بسوقه بيان متابعة عبد الملك بن عمير لعون بن أبي جحيفة في رواية
стр. 4682
قَال: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ . فَأَتَاهُ قَوْمٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ. وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَفِيهِ: فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ صَعِدَ مِنْبَرًا صَغِيرًا. فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ. ثُمَّ قَال: "أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ الآيَةَ.
(٢٢٣٥) (٠) (٠) وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ
ــ
هذا الحديث عن المنذر بن جرير (قال) جرير: (كنت جالسًا عند النبي ﷺ فأتاه قوم مجتابي النمار وساقوا) أي ساق عبيد الله بن عمر وأبو كامل ومحمد بن عبد الملك (الحديث) السابق يعني حديث ابن المثنى (بقصته) أي بقصة الحديث التي اشتمل عليها حديث ابن المثنى يعني بمساقه فحينئذ غرضه بسوقه بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لابن المثنى في رواية هذا الحديث عن منذر بن جرير ولكنها متابعة ناقصة وفي هذه المتابعة بعد من وجهين كثرة الوسائط بينهم وبين شيخ المتابع وعدم وقوع المتابعة في أول السند بل في وسطه أو في آخره.
والظاهر أن قوله: (وساقوا) تحريف من النساخ والصواب: (وساق) عبد الملك بن عمير (الحديث) أي الحديث السابق (بقصته) أي بمساق عون بن أبي جحيفة وترتيبه يعني بمثله والضمير راجع إلى المتابع وهو عون بن أبي جحيفة هكذا ظهر لفهمي السقيم والله أعلم.
(و) لكن (فيه) أي في حديث عبد الملك بن عمير زيادة لفظة: (فصلى الظهر ثم صعد منبرًا صغيرًا فحمد الله) أي شكر الله على آلائه (وأثنى عليه) سبحانه بكمالاته (ثم) بعد حمد الله وثنائه (قال: أما بعد فإن الله) سبحانه (أنزل في كتابه) العزيز قوله: (﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾) ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أكمل (الآية) إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] وهذا بيان لمحل المخالفة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث جرير ﵁ فقال:
(٢٢٣٥) (٠) (٠) (وحدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن جرير بن قرط الضبي أبو عبد الله الكوفي (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي (عن موسى بن عبد الله بن يزيد) الأنصاري الخطمي الكوفي روى عن عبد الرحمن بن هلال في الزكاة والعلم وأبيه وأبي حميد الساعدي
стр. 4683
وَأَبِي الضُّحَى, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلالٍ الْعَبْسِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَال: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . عَلَيهِمُ الصُّوفُ. فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ. فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ
ــ
وعبد الرحمن بن أبي قتادة وغيرهم ويروي عنه (م د ق) والأعمش ومنصور وإسماعيل بن أبي خالد ومعتمر بن سليمان وثقه ابن معين والعجلي والدارقطني وقال في التقريب: ثقة من الرابعة (وأبي الضحى) مسلم بن صبيح مصغرًا القرشي العطار الكوفي وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وقال العجلي: تابعي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب ثقة فاضل مشهور بكنيته من (٤) روى عنه في (٥) أبواب كلاهما (عن عبد الرحمن بن هلال العبسي) بسكون الموحدة وبالسين المهملة الكوفي قال العجلي: كوفي تابعي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب: ثقة من (٣) روى عنه في (٣) أبواب (عن جرير بن عبد الله) الكوفي ﵁.
وهذا السند من سداسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا زهير بن حرب فإنه نسائي وفيه ثلاثة من التابعين الأعمش ومن بعده وغرضه بسوقه بيان متابعة عبد الرحمن بن هلال لمنذر بن جرير في رواية هذا الحديث عن جرير بن عبد الله وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول لأن منذر بن جرير مقبول وعبد الرحمن بن هلال متفق على توثيقه.
(قال) جرير: (جاء ناس من الأعراب) أي من سكان البوادي (إلى رسول الله ﷺ عليهم الصوف) ثوب من شعر الغنم (فرأى) رسول الله ﷺ (سوء حالهم) أي ضيق معاشهم (قد أصابتهم حاجة) أي فاقة وفقر شديد.
وقوله: (فذكر) زهير بن حرب (بمعنى حديثهم) أي بمعنى حديث مشايخ المؤلف من ابن المثنى ومن بعده فيه بعد لوجهين كما مر آنفًا ولعله تحريف من النساخ في ضمير الجمع والصواب (فذكر) عبد الرحمن بن هلال (بمعنى حديثه) أي بمعنى حديث منذر بن جرير كما مر آنفًا في بيان غرضه في هذه المتابعة والله أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان:
الأول: حديث عدي بن حاتم ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات.
والثاني: حديث جرير ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات والله أعلم.
стр. 4684
٤٢٦ - (٤٤) باب النهي عن لمز المتصدق والترغيب في صدقة المنيحة وبيان مثل المتصدق والبخيل وقبول الصدقة وإن وقعت في يد غير مستحق
(٢٢٣٦) (٩٨٢) - (١٣٢) حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ) عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ
ــ
٤٢٦ - (٤٤) باب النهي عن لمز المتصدق والترغيب في صدقة المنيحة وبيان مثل المتصدق والبخيل وقبول الصدقة وإن وقعت في يد غير مستحق
(٢٢٣٦) (٩٨٢) (١٣٢) (حدثني يحيى بن معين) بن عون بن زياد بن عون الغطفاني مولاهم أبو زكريا البغدادي أصله من سرخس إمام الجرح والتعديل الحافظ الإمام العلم روى عن محمد بن جعفر في الزكاة ومروان بن معاوية في النكاح وأبي أسامة في البيوع وعبد الله بن المبارك وحفص بن غياث وعبد الرزاق وخلائق ويروي عنه (ع) وأحمد وداود بن رشيد قريناه وخلق قال أحمد: كل حديث لا يعرفه يحيى فليس بحديث ثقة ثبت حافظ حجة وقال في التقريب: ثقة حافظ مشهور من العاشرة مات سنة (٢٣٣) ثلاث وثلاثين ومائتين بالمدينة وهو حاج وغسل على أعواد النبي ﷺ وحمل على نعش رسول الله ﷺ ومناد ينادي بين جنازته: معشر المسلمين هذا ذاب الكذب عن رسول الله ﷺ كذا وكذا عامًا.
(حدثنا غندر) محمد بن جعفر الهذلي البصري (حدثنا شعبة ح وحدثنيه بشر بن خالد) الفرضي نسبة إلى علم الفرائض أبو محمد العسكري ثم البصري ثقة من (١٠) (واللفظ) الآتي (له) أي لبشر بن خالد لا ليحيى بن معين: (أخبرنا محمد يعني ابن جعفر) البصري (عن شعبة عن سليمان) بن طرخان التيمي أبي المعتمر البصري ثقة من (٤) (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي ثقة مخضرم من (٢) (عن أبي مسعود) الأنصاري البدري عقبة بن عمرو بن ثعلبة الكوفي ﵁.
وهذان السندان من سداسياته رجال الأول منهما ثلاثة منهم بصريون واثنان كوفيان وواحد بغدادي ورجال الثاني أربعة منهم بصريون واثنان كوفيان وفيه رواية تابعي عن تابعي.
стр. 4685
قَال: أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ. قَال: كُنَّا نُحَامِلُ. قَال: فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ قَال: وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْهُ
ــ
(قال) أبو مسعود: (أمرنا) بالبناء للمفعول (بالتصدق) على المحاويج لتكون وقاية لنا من النار أي أمرنا رسول الله ﷺ بالتصدق فهو في حكم الرفع لأنه قول صحابي والآمر لا يكون إلا النبي ﷺ كما هو مقرر في علم الاصطلاح والصدقة صرف المال أوغيره للمحتاج طلبًا للثواب الأخروي.
(قال) أبو مسعود: فـ (كنا) معاشر الصحابة (نحامل) الحمولة للناس طلبًا للأجرة أي نحمل على ظهورنا بالأجرة يقال: حاملت بمعنى حملت كسافرت وقال الخطابي: يريد نكلف الحمل بالأجرة لنكتسب ما نتصدق به ويؤيده ما ورد في بعض الروايات (انطلق أحدنا إلى السوق فيحامل) أي يطلب الحمل بالأجرة والمحاملة مفاعلة من الجانبين وهي تكون بين اثنين والمراد هنا أن الحمل من أحدهما والأجرة من الآخر كالمساقاة والمزارعة اهـ فتح الملهم.
وفي بعض الهوامش: (قوله: كنا نحامل) وفي الرواية الثانية (كنا نحامل على ظهورنا) معناه نحمل الحمل على ظهورنا بالأجرة ونتصدق من تلك الأجرة أو نتصدق بها كلها ففيه التحريض على الاعتناء بالصدقة وأنه إذا لم يكن له مال يتوصل إلى تحصيل ما يتصدق به من حمل بالأجرة أو غيره من الأسباب المباحة اهـ نووي.
وقال ابن الأثير في تفسير المحاملة: أي نحمل لمن يحمل لنا من المفاعلة أو هو من التحامل وهو تكلف الحمل على مشقة اهـ.
(قال) أبو مسعود: (فتصدق أبو عقيل) بفتح العين الأنصاري قال الحافظ في الإصابة اسمه حثحاث بمهملتين مفتوحتين ومثلثتين الأولى ساكنة اهـ وفي فتح الملهم اسمه حبحاب بمهملتين بينهما موحدة ساكنة وآخره مثلها اهـ وفي تفسير مراح لبيد في سورة التوبة اسمه عبد الرحمن بن بيجان اهـ والله أعلم بالصواب (بنصف صاع) من تمر.
وفي رواية البخاري: (فتصدق بصاع) أي من تمر وكان قد آجر نفسه على النزع من البئر بالحبل على صاعين فترك صاعًا لعياله وجاء بالآخر اهـ قسط ويجمع بين الروايتين بحمل رواية البخاري على تكميل الكسر (قال) أبو مسعود: (وجاء إنسان) هو عبد الرحمن بن عوف (بشيء أكثر منه) أي من نصف صاع جاء بنصف ماله ثمانية آلاف
стр. 4686
فَقَال الْمُنَافِقُونَ: إِن الله لَغَنِيٌّ عَنْ صدَقَةِ هذَا. وَمَا فَعَلَ هذَا الآخَرُ إلَّا رِيَاءً. فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩].
وَلَم يَلْفِظْ بِشْر بِالْمُطوعِينَ.
(٢٢٣٧) (٠) (٠) وحدّثنا مُحَمدُ بْنُ بَشارٍ. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الربِيعِ. ح وَحدَثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ
ــ
درهم كما هو الأصح مع اختلاف الروايات وقيل: أربعة آلاف ذكره الواقدي وقيل: هو عاصم بن عدي وكان تصدق بمائة وسق اهـ قسط.
(فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا) الذي تصدق بنصف صاع (وما فعل هذا الآخر) الذي تصدق بمال كثير (إلا رياء) أي إلا مراءاة للناس (فنزلت) آية ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ أي يعيبون ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ أصله المتطوعين فابدلت التاء طاء وأدغمت الطاء في الطاء أي المتبرعين ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ كالذي جاء بشيء كثير (﴿و﴾) يلمزون (﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾) أي طاقتهم كالذي تصدق بنصف صالح قال الحافظ: الحق أنه معطوف على المطوعين ويكون من عطف الخاص على العام والنكتة فيه التنويه بالخاص لأن السخرية من المقل أشد من المكثر غالبًا والله تعالى أعلم اهـ.
وذكر الخطيب في المتفق في ترجمة زيد بن أسلم من طريق مغازي الواقدي من اللامزين معتب بن قشير وعبد الرحمن بن نبتل بنون ومثناة فوقية مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة ثم لام اهـ قسط.
(ولم يلفظ بشر) بن خالد أي لم يذكر في روايته لفظة: (بالمطوعين) وما بعده فاقتصر على قوله فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ [التوبة: ٧٩] ولم يذكر ما بعده.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته البخاري (١٤١٥) والنسائي (٥/ ٥٩ - ٦٠) وابن ماجه ذكره في الزهد والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي مسعود رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٢٣٧). (٠). (٠) (وحدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري (حدثني سعيد بن الربيع) العامري الحرشي أبو زيد الهروي البصري كان يتجر في الثياب الهروية ثقة من (٩) (ح وحدثنيه إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي النيسابوري ثقة من (١١)
стр. 4687
أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ. كِلاهُمَا عَنْ شُعبَةَ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الربِيعِ قَال: كُنا نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنَا.
(٢٢٣٨) (٩٨٣) - (١٣٣) حدثنا زُهيرُ بْنُ حَربٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ أَبِي الزنَادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. يَبْلُغُ بِهِ: "أَلا رَجُل يَمنَحُ أَهْلَ بَيتِ نَاقَةً. تَغْدُو بِعُسٍّ. وَتَرُوحُ بِعُسٍّ. إِن أَجْرَها لَعَظِيم"
ــ
(أخبرنا أبو داود) الطيالسي سليمان بن داود بن الجارود البصري ثقة من (٩) (كلاهما) أي كل من سعيد وأبي داود رويا (عن شعبة) بن الحجاج غرضه بيان متابعتهما لمحمد بن جعفر (بهذا الإسناد) السابق في السند الأول يعني عن سليمان عن أبي وائل عن أبي مسعود مثله (و) لكن (في حديث سعيد بن الربيع قال) أبو مسعود: (كنا نحامل على ظهورنا) بزيادة لفظة (ظهورنا) والله أعلم.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة فقال:
(٢٢٣٨) (٩٨٣) (١٣٣) (حدثنا زهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي ثم المكي (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني (عن أبي هريرة) المدني وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد نسائي حالة كون أبي هريرة (يبلغ به) أي يوصل بهذا الحديث إلى رسول الله ﷺ ويرفعه ويسنده إليه يعني لم يوقفه على نفسه فكأنه قال: عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا رجل يمنح) إلخ ولا فرق بين هاتين الصيغتين باتفاق العلماء والله أعلم.
(ألا) حرف استفتاح وتنبيه (رجل) مبتدأ وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه بما بعده وتقدم حرف الاستفتاح عليه.
وجملة قوله: (يمنح أهل بيت ناقة) صفة رجل أي يعطيهم ناقة يشربون لبنها وينتفعون بوبرها مدة من الزمان ثم يردونها إليه وتسمى الناقة المعطاة على هذا الوجه منيحة ومنحة، وجملة قوله: (تغدو) أي تدر وتحلب وقت الغدوة والصباح (بعس) أي بملء عس وقدح لبنًا صفة مادحة لناقة وكذا قوله: (وتروح) أي تدر وتحلب وقت الرواح والمساء (بعس) أي بملء عس لبنًا وجملة إن في قوله: (إن أجرها) أي إن أجره وثوابه عليها (لعظيم)
стр. 4688
(٢٢٣٩) (٩٨٤) - (١٣٤) حدّثني مُحَمدُ بْنُ أحمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ. حَدَّثَنَا زَكَرياءُ بْنُ عَدِي. أَخْبَرَنَا عُبَيدُ الله بْنُ عَمرٍو، عَنْ زَيدٍ،
ــ
أي لجزيل كثير عند الله تعالى خبر المبتدإ الذي هو لفظ رجل والرابط محذوف كما قدرناه في الحل والعمس بضم العين وتشديد السين المهملتين القدح الكبير يجمع على أعساس كأقفال وعلى عساس كسهام والقدح إناء يروى رجلين كما في المصباح والقاموس وأما العساء بالمهملة والمد فقيل بمعنى العس أيضًا.
وقد وقع في بعض النسخ: (بعشاء) بالمعجمة والمد ولم يتعرض له أحد من الشراح والظاهر أن المراد به بقدر ما يتعشى به والله تعالى أعلم ذكره السندي رحمه الله تعالى.
والمعنى يحلب من لبنها ملء إناء يسمى عسًا صباحًا ومساء.
وقوله: (وتروح بعس) قال الحافظ: إشارة إلى أن المستعير لا يستأصل لبنها.
وقوله: (إن أجرها لعظيم) قال القاري: ولعل بعض أسخياء العرب كانوا يذمون هذه العطية لأنها مخالفة لطبع الكرام على مقتضى السجية فمدحها الشارع ردًّا عليهم بأن ما لا يدرك كله لا يترك كله كان القليل له أجر جزيل وثناء جميل.
وقال القرطبي: (والعس) إناء ضخم يحلب فيه والرواية الصحيحة المعروفة (بعس) بعين مهملة مضمومة ووقع للسمرقندي: (تروح بعشاء وتغدو بعشاء) ورواه الحميدي (بعساء) بعين مهملة مفتوحة وسين مهملة وبالمد والهمز وفسره في غير الأم بالعس الكبير اهـ من المفهم.
وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لهذا الحديث بحديث آخر لأبي هريرة ﵁ فقال:
(٢٢٣٩) (٩٨٤) (١٣٤) (حدثني محمد بن أحمد بن أبي خلف) محمد السلمي مولاهم أبو عبد الله البغدادي القطيعي بفتح القاف نسبة إلى قطيعة محلة ببغداد ثقة من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا زكرياء بن عدي) بن الصلت التيمي مولاهم أبو يحيى الكوفي ثقة من كبار (١٠) (أخبرنا عبيد الله بن عمرو) بن أبي الوليد الأسدي مولاهم أبو وهب الجزري الرقي وثقه ابن معين والنسائي وابن سعد وقال في التقريب: ثقة من (٧) السابعة روى عنه في (٨) أبواب (عن زيد) بن أبي أنيسة مصغرًا اسمه زيد
стр. 4689
عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابت، عَنْ أبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ ؛ أَنهُ نَهى فَذَكَرَ خِصَالا وَقَال: "مَنْ مَنَحَ مَنِيحَة، غَدَتْ بِصَدَقَةٍ، وَرَاحَتْ بِصَدَقَةٍ، صَبُوحِها وَغَبُوقها"
ــ
الغنوي الجزري شيخ الجزيرة أصله من الكوفة ثقة من (٦) روى عنه في (١٠) أبواب (عن عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي ثقة من (٤) روى عنه في (٩) أبواب (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي الكوفي ثقة من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان جزريان وواحد مدني وواحد بغدادي وفيه التحديث والإخبار والعنعنة.
(عن النبي ﷺ أنه نهى) عن أشياء من المنكرات وأمر بأشياء من المعروفات (فذكر) رسول الله ﷺ منها (خصالًا) أي أمورًا كثيرة (و) منها أنه (قال: من منح منيحة) أي من أعطى بهيمة ذات لبن للمحتاج إليها ليشرب لبنها وينتفع بوبرها وصوفها وشعرها ثم يردها إليه ومن اسم موصول في محل الرفع مبتدأ والخبر جملة قوله: (غدت بصدقة) أي درت في الغداة بصدقة مكتوبة عند الله تعالى.
وقوله: (وراحت بصدقة) معطوف على ما قبله أي ودرت في الرواح والمساء بصدقة مكتوبة له عند الله تعالى وقوله (صبوحها وفبوقها) بفتح أولهما وبالجر بدل من صدقة على سبيل النشر واللف المرتب والصبوح ما يحلب من اللبن في الصباح والغبوق ما يحلب في المساء أي درت في الغداة بالصبوح المكتوب له عند الله تعالى ودرت في الرواح بالغبوق المكتوب له عند الله تعالى والإضافة في صبوحها وغبوقها لأدنى ملابسة أي بالصبوح والغبوق المحلوبين منها ويصح نصبهما على الظرفية ويتعلقان بغدت وراحت على سبيل النشر واللف المرتب والصبوح حينئذ بمعنى الصباح والغبوق بمعنى المساء والمعنى من منح منيحة غدت أي درت في صباحها بصدقة مكتوبة له عند الله تعالى وراحت أي ودرت في مسائها بصدقة مكتوبة له عند الله تعالى ويحتمل كون من شرطية في محل الرفع على الابتداء والجواب محذوف وجملة غدت وراحت صفة لمنيحة والتقدير: من منح منيحة تدر في الغداة بصدقة صبوحها أو في صباحها وتدر في الرواح بصدقة غبوقها أو في غبوقها فقد فاز أجرًا جزيلًا وجمع ثوابًا كثيرًا.
وقوله: (من منح منيحة) وفي بعض النسخ منحة بحذف الياء وكسر الميم والمنيحة
стр. 4690
(٢٢٤٠) (٩٨٥) - (١٣٥) حدثنا عَمرو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ أبِي الزنَادِ،
ــ
بفتح الميم وبالنون وبالمهملة بوزن كريمة وكذا المنحة بلا ياء هي في الأصل العطية وقال أبو عبيد: المنيحة عند العرب على وجهين: أحدهما: أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون ملكًا له والآخر: أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها زمانًا ثم يردها إليه والمراد في حديث الباب عارية ذوات الألبان ليؤخذ لبنها ثم ترد هي لصاحبها وقال القزاز: قيل: لا تكون المنيحة إلا ناقة أو شاة والأول أشهر.
قوله: (غدت بصدقة) إلح قال الحافظ؛ لا تلازم بين الصدقة والعطية فكل صدقة عطية وليس كل عطية صدقة وإطلاق الصدقة على المنيحة مجاز ولو كانت صدقة لما حلت للنبي ﷺ بل هي من جنس الهبة والهدية اهـ.
قوله: (صبوحها وغبوقها) الصبوح بفتح الصاد ما يحلب من اللبن بالغداة والغبوق ما يحلب منه بالعشي كما في القاموس فيكونان مجرورين على البدل من صدقة ويجوز نصبهما على الظرفية فيتعلقان بغدت وراحت أي غدت في صباحها وراحت في مسائها.
قال القرطبي: قوله: (من منح منيحة) ويروى (منحةً) (غدت بصدقة وراحت بصدقة) المنحة والمنيحة عطية ذوات الألبان لينتفع المعطى له باللبن ثم يرد المحلوب (ومن) اسم شرط في محل رفع بالابتداء جوابه: (غدت بصدقة وراحت بصدقة) وهو خبر المبتدإ على قول والصحيح: أن خبرها مابعدها لأن من الشرطية لا تحتاج إلى صلة بل هي اسم تام وإنما لم يتم الكلام بما بعدها لما تضمنته من معنى الشرط فتدبره فإنه الصحيح ومعنى الكلام أن من منح منيحة كان للمانح صدقة كما غدت أو راحت لأجل ما ينال منها في الصباح والمساء والغدو والبكرة والرواح العشي والصبوح شرب الصباح والغبوق شرب العشي والجاشرية شرب نصف النهار اهـ من المفهم.
وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
ثم استدل المؤلف على الجزء الثالث من الترجمة فقال:
(٢٢٤٠) (٩٨٥) (١٣٥) (حدثنا عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي (حدثنا سفيان بن عيينة) الكوفي (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان
стр. 4691
عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ . قَال عَمرو: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. قَال: وَقَال ابْنُ جُرَيجٍ: عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِم، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النبِي ﷺ قَال: "مَثَلُ المُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ. كَمَثَلِ رَجُلٍ عَلَيهِ جُبَّتَانِ أَوْ جُنَّتَانِ. مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا
ــ
المدني (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنها وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد بغدادي (عن النبي ﷺ .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (قال) لنا (عمرو) الناقد حدثنا غير سفيان عن ابن جريج: (وحدثنا سفيان بن عيينة) عن ابن جريج قالوا: وحدثنا سفيان عاطفة على ما قدرناه (قال) سفيان حدثنا غير ابن جريج عن الحسن (وقال) أي وحدثنا: (ابن جريج) أيضًا (عن الحسن بن مسلم) بن يناق بفتح التحتانية وتشديد النون آخره قاف المكي (عن طاوس) بن كيسان اليماني الحميري مولاهم الفارسي (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مكيان وواحد مدني وواحد يماني وواحد كوفي وواحد بغدادي غرضه بيان متابعة طاوس للأعرج، (عن النبي ﷺ قال: مثل المنفق) أي صفة المنفق ماله في الخيرات.
وقوله: (والمتصدق) تحريف من النساخ أو تصحيف من الرواة والصواب: والبخيل.
وقوله: (كمثل رجل عليه جبتان) بتشديد الباء تثنية جبة وهو قميص محشو يلبس للبرد (أو جنتان) بالنون المشددة وبالشك تثنية جنة وهي درع من حديد سمي الدرع جنة لأنها تحصن صاحبها من السيف والرماح تصحيف من الرواة صوابه: (كمثل رجلين عليهما جنتان) بالنون بلا شك كما تدل عليه زيادة (من حديد) في الرواية الثانية سابغتان لهما كلتا الجنتين (من لدن ثديهما) بضم المثلثة وكسر الدال وبياء واحدة مشددة جمع ثدي والثدي خاص بالمرأة أو عام كذا في القاموس ويعني بهما جنبي الصدر كذا في المرقاة.
(إلى تراقيهما) جمع الترقوة بفتح التاء فيهما وهما عظمان ناتئان بين النحر والصدر من الجانبين وعبارة القسطلاني هما العظمان الناتئان في أعلى الصدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النحر اهـ.
стр. 4692
فَإِذَا أَرَادَ المُنْفِقُ (وَقَال الآخَرُ: فَإِذَا أَرَادَ الْمُتَصدِّقُ) أَنْ يَتَصَدَّقَ سَبَعَتْ عَلَيهِ أَوْ مَرتْ. وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ. قَلَصَتْ عَلَيهِ وَأَخَذَتْ كُل حَلْقَةِ مَوْضِعها. حَتى تُجِن بَنَانَهُ وَتعفُوَ أَثَرَهُ". قَال: فَقَال أَبُو هُرَيرَةَ: فَقَال: يُوَسعها فَلَا تَتَّسِعُ
ــ
وقال: أحد شيخَي سفيان وهما أبو الزناد وابن جريج: (فإذا أراد المنفق وقال الآخر) منهما: (فإذا أراد المتصدق) فالمخالفة بينهما في لفظ المنفق والمتصدق والمعنى واحد أي فإذا أراد المتصدق (أن يتصدق سبغت) جنته أي امتدت وانبسطت (عليه) وغطت جميع جسمه وسترت (أو) قال أبو هريرة شك من الراوي عنه (مرت) بالراء المشددة بدل سبغت وهذا تصحيف من الرواة أيضًا وصوابه: (مدت) بالدال بدل الراء أي امتدت وانبسطت وشملت على جميع جسمه وهذا كناية عن انشراح قلبه بالصدقة (وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت) جنته (عليه) بفتح اللام أي انضمت والتصقت عليه جنته وانقبضت وتضيقت عليه (وأخذت كل حلفة) وسلسلة (موضعها) أي صاحبتها أي اشتدت والتصقت الحلق بعضها ببعض أي ضاقت غاية التضييق فيجتهد أن يوسعها فلا يستطيع وهذا كناية عن ضيق قلبه بالصدقة وهذا مثل البخيل.
وقوله: (حتى تجن) بضم التاء وكسر الجيم وتشديد النون أي حتى تجن وتخفى جنته (بنانه) بفتح الموحدة ونونين الأولى خفيفة أي أصبعه غاية لقوله: (سبغت عليه) فهو مؤخر عن محله لأنه صفة المتصدق أي سبغت عليه جنته واتسعت وطالت حتى سترت أصابعه (وتعفو) أي تمحو جنته لطولها (أثره) أي أثر قدمه وموطئها وقوله: (وتعفو) بالنصب أي تستر أثره يقال: عفا الشيء وعفوته أنا لازمًا ومتعديًا ويقال: عفت الدار إذا غطاها التراب والمعنى أن الصدقة تستر خطاياه كما يغطي الثوب الذي يجر على الأرض أثر صاحبه وموطئ قدمه إذا مشى بمرور الذيل عليه اهـ فتح الملهم.
وهذا أيضًا من جملة الأوهام التي اختل بها نظام الكلام فإنهم جعلوا ما جاء في وصف المتصدق وصفًا للبخيل.
وقوله: (قال) الراوي عن أبي هريرة: (فقال أبو هريرة: فقال) رسول الله ﷺ في وصف البخيل: فهو يريد أن (يوسعها) أي أن يوسع جنته (فلا تتسع) له مؤخر عن قوله: (قلصت عليه وأخذت كل حلقة موضعها) لأنه من بعض أوصاف البخيل فصحفوه وجعلوه من أوصات المتصدق وقد عرفت موضعه ومعناه مما قررناه في حلنا.
стр. 4693
(٢٢٤١) (٠) (٠) حدّثني سُلَيمَانُ بْنُ عُبَيدِ الله أَبُو أَيوبَ الْغَيلانِي. حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ (يعنِي الْعَقَدِي). حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُس، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ
ــ
وقوله: (فقال أبو هريرة) الخ ليس بمدرج بل هو مرفوع كما صرح برفعه في طريق أخرى اهـ فتح الملهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦) والبخاري (١٤٤٢).
قال القاضي عياض: وقع في هذا الحديث أوهام كثيرة من الرواة وتصحيف وتحريف وتقديم وتأخير كما بيناها في مواضعها على التفصيل ويعرف صوابه من الروايات التي بعدها والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٢٢٤١) (٠) (٠) (حدثني سليمان بن عبيد الله) بن عمرو بن جابر (أبو أيوب) البصري المازني (الغيلاني) روى عن أبي عامر العقدي في الإيمان والزكاة والحج والدعاء وبهز بن أسد في الحج ويروي عنه (م س) قال أبو حاتم: صدوق ووثقه النسائي وقال في التقريب: صدوق من الحادية العشرة مات سنة (٢٤٦) ست وأربعين ومائتين.
(حدثنا أبو عامر يعني العقدي) القيسي عبد الملك بن عمرو البصري ثقة من (٩) روى عنه في (٩) أبواب.
(حدثنا إبراهيم بن نافع) المخزومي أبو إسحاق المكي روى عن الحسن بن مسلم في الزكاة وفي اللباس وعبد الله بن أبي نجيح في الحج وسليمان الأحول في اللباس ومسلم بن يناق ويروي عنه (ع) وأبو عامر العقدي وزيد بن الحباب وعمر بن أيوب الموصلي وأبو نعيم وابن المبارك وثقه أحمد وابن معين والنسائي وقال ابن مهدي كان أوثق شيخ بمكة وقال في التقريب: ثقة حافظ من السابعة.
(عن الحسن بن مسلم) بن يناق المكي (عن طاوس) اليماني (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مكيان واثنان بصريان وواحد مدني وواحد يماني غرضه بيان متابعة إبراهيم بن نافع لابن جريج في رواية هذا الحديث عن الحسن بن مسلم.
стр. 4694
قَال: ضَرَبَ رَسُولُ الله ﷺ "مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ. كَمَثَلِ رَجُلَينِ عَلَيهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ. قَدِ اضْطرتْ أَيدِيهِمَا إِلَى ثُدِيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا. فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ. حَتى تُغَشِّيَ أَنَامِلَهُ وَتَعفُوَ أَثَرَهُ. وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هم بِصدَقَةٍ قَلَصَتْ. وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَها". قَال: فأنا رَأَيتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ بِإِصبَعِهِ فِي جَيبِهِ. فَلَوْ رَأَيتَهُ يُوَسِّعُها وَلَا تَوَسعُ
ــ
(قال) أبو هريرة: (ضرب رسول الله ﷺ أي بين وجعل (مثل البخيل والمتصدق) أي صفتهما (كمثل رجلين) أي كتمثل رجلين (عليهما جنتان) أي درعان (من حديد قد اضطرت) بضم الطاء أي شدت (أيديهما) وعصرت وضمت وألصقت (إلى ثديهما وتراقيهما) وضمت إليها كأنها مغلولة إلى أعناقهما.
وفي كتاب الجهاد من صحيح البخاري: (ضطرت أيديهما) بفتح الطاء ونصب التحتانية الثانية من أيديهما على المفعولية أي ألصقت جنتهما أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما.
(فجعل المتصدق) أي فكان المتصدق (كلما تصدق) أي كل وقت أراد أن يتصدق (بصدقة) قليلة أو كثيرة (انبسطت) جنته وانفتحت (عنه) واتسعت له وطالت (حتى تغشي) بمعجمتين أي حتى تغطي وتستر وتخفي من غشيت الشيء بالتشديد إذا غطيته (أنامله) أي رؤوس أصابع رجليه (وتعفو) تلك الجنة أي تمحو (أثره) أي أثر مشيته وتطمسه لفضلها عن قامته يعني أن الصدقة تستر خطايا المتصدق كما يستر الثوب الذي يجر على الأرض أثر مشي لابسه بمرور الذيل عليه (وجعل البخيل) أي كان (كما هم) أي كل وقت قصد أن يتصدق (بصدقة قلصت) جنته وانقبضت وضاقت (وأخذت كل حلقة) أي لزمت (مكانها) وموضعها واستقرت فيه (قال: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول) أي يدخل (بإصبعه في جيبه) بفتح الجيم وسكون الياء بعدها موحدة هو ما يقطع.
(فلو رأيته يوسعها ولا توسع) ويقور من الثوب ليخرج منه الرأس أو اليد مثلًا أي يدخلها فيه مشيرًا إلى إرادة التوسيع بالاجتهاد فالقول فيه ليس على حقيقته بل هو مجاز عن الفعل ولو في قوله: (فلو رأيته) بفتح التاء للخطاب العام للتمني فلا تحتاج للجواب أي يدخل إصبعه في جيبه حالة كونه (يوسعها) أي يشير إلى توسعة جيبه بالقوة (و) الحال
стр. 4695
(٢٢٤٢) (٠) (٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَحمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِي، عَنْ وُهيبٍ. حَدَثَنَا عَبْدُ الله بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛
ــ
أنها (لا توسع) بفتحات مع تشديد السين بحذف إحدى التاءين أي ولا تتوسع.
قال النواوي: وفي هذا دليل على لباس القميص وكذا ترجم عليه البخاري: (باب جيب القميص من عند الصدر) لأنه المفهوم من لباس النبي ﷺ في هذه القصة مع أحاديث صحيحة جاءت به والله أعلم قال الحافظ ناقلًا عن ابن بطال: وموضع الدلالة منه أن البخيل إذا أراد إخراج يده أمسكت في الموضع الذي ضاق عليها وهو الثدي والتراقي وذلك في الصدر قال: فبان أن جيبه كان في صدره لأنه لو كان في يده لم تضطر يداه إلى ثدييه وتراقيه والله أعلم.
قال الخطابي وغيره: وهذا مثل ضربه النبي ﷺ للبخيل والمتصدق فشبههما برجلين أراد كل واحد منهما أن يلبس درعًا يستتر به من سلاح عدوه فصبها على رأسه ليلبسها والدروع أول ما تقع على الصدر والثديين إلى أن يدخل الإنسان يديه في كميها فجعل المنفق كمن لبس درعا سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه وهو معنى قوله: (حتى تعفو أثره) أي تستر جميع بدنه وجعل البخيل كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه كما أراد لبسها اجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته وهو معنى قوله قلصت أي تضامت واجتمعت والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة انفسح لها صدره وطابت نفسه فتوسعت في الإنفاق والبخيل إذا حدث نفسه بالصدقة شحت نفسه فضاق صدره وانقبضت يداه ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون وقال المهلب: المراد أن الله يستر المنفق في الدنيا والآخرة بخلاف البخيل فإنه يفضحه اهـ فتح الملهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٢٢٤٢) (٠) (٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أحمد بن إسحاق) بن زيد بن عبد الله (الحضرمي) نسبة إلى حضرموت بلدة باقصى اليمن أبو إسحاق البصري ثقة من (٩) (عن وهيب) بن خالد الباهلي البصري ثقة من (٧) (حدثنا عبد الله بن طاوس) بن كيسان اليماني الحميري ثقة من (٦) (عن أبيه) طاوس بن كيسان ثقة من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم يمانيان واثنان بصريان
следующие страницы →