Полный текст (11 982 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ . قَال عَمرو: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. قَال: وَقَال ابْنُ جُرَيجٍ: عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِم، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النبِي ﷺ قَال: "مَثَلُ المُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ. كَمَثَلِ رَجُلٍ عَلَيهِ جُبَّتَانِ أَوْ جُنَّتَانِ. مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا
ــ
المدني (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنها وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد بغدادي (عن النبي ﷺ .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (قال) لنا (عمرو) الناقد حدثنا غير سفيان عن ابن جريج: (وحدثنا سفيان بن عيينة) عن ابن جريج قالوا: وحدثنا سفيان عاطفة على ما قدرناه (قال) سفيان حدثنا غير ابن جريج عن الحسن (وقال) أي وحدثنا: (ابن جريج) أيضًا (عن الحسن بن مسلم) بن يناق بفتح التحتانية وتشديد النون آخره قاف المكي (عن طاوس) بن كيسان اليماني الحميري مولاهم الفارسي (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مكيان وواحد مدني وواحد يماني وواحد كوفي وواحد بغدادي غرضه بيان متابعة طاوس للأعرج، (عن النبي ﷺ قال: مثل المنفق) أي صفة المنفق ماله في الخيرات.
وقوله: (والمتصدق) تحريف من النساخ أو تصحيف من الرواة والصواب: والبخيل.
وقوله: (كمثل رجل عليه جبتان) بتشديد الباء تثنية جبة وهو قميص محشو يلبس للبرد (أو جنتان) بالنون المشددة وبالشك تثنية جنة وهي درع من حديد سمي الدرع جنة لأنها تحصن صاحبها من السيف والرماح تصحيف من الرواة صوابه: (كمثل رجلين عليهما جنتان) بالنون بلا شك كما تدل عليه زيادة (من حديد) في الرواية الثانية سابغتان لهما كلتا الجنتين (من لدن ثديهما) بضم المثلثة وكسر الدال وبياء واحدة مشددة جمع ثدي والثدي خاص بالمرأة أو عام كذا في القاموس ويعني بهما جنبي الصدر كذا في المرقاة.
(إلى تراقيهما) جمع الترقوة بفتح التاء فيهما وهما عظمان ناتئان بين النحر والصدر من الجانبين وعبارة القسطلاني هما العظمان الناتئان في أعلى الصدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النحر اهـ.
стр. 4692
فَإِذَا أَرَادَ المُنْفِقُ (وَقَال الآخَرُ: فَإِذَا أَرَادَ الْمُتَصدِّقُ) أَنْ يَتَصَدَّقَ سَبَعَتْ عَلَيهِ أَوْ مَرتْ. وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ. قَلَصَتْ عَلَيهِ وَأَخَذَتْ كُل حَلْقَةِ مَوْضِعها. حَتى تُجِن بَنَانَهُ وَتعفُوَ أَثَرَهُ". قَال: فَقَال أَبُو هُرَيرَةَ: فَقَال: يُوَسعها فَلَا تَتَّسِعُ
ــ
وقال: أحد شيخَي سفيان وهما أبو الزناد وابن جريج: (فإذا أراد المنفق وقال الآخر) منهما: (فإذا أراد المتصدق) فالمخالفة بينهما في لفظ المنفق والمتصدق والمعنى واحد أي فإذا أراد المتصدق (أن يتصدق سبغت) جنته أي امتدت وانبسطت (عليه) وغطت جميع جسمه وسترت (أو) قال أبو هريرة شك من الراوي عنه (مرت) بالراء المشددة بدل سبغت وهذا تصحيف من الرواة أيضًا وصوابه: (مدت) بالدال بدل الراء أي امتدت وانبسطت وشملت على جميع جسمه وهذا كناية عن انشراح قلبه بالصدقة (وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت) جنته (عليه) بفتح اللام أي انضمت والتصقت عليه جنته وانقبضت وتضيقت عليه (وأخذت كل حلفة) وسلسلة (موضعها) أي صاحبتها أي اشتدت والتصقت الحلق بعضها ببعض أي ضاقت غاية التضييق فيجتهد أن يوسعها فلا يستطيع وهذا كناية عن ضيق قلبه بالصدقة وهذا مثل البخيل.
وقوله: (حتى تجن) بضم التاء وكسر الجيم وتشديد النون أي حتى تجن وتخفى جنته (بنانه) بفتح الموحدة ونونين الأولى خفيفة أي أصبعه غاية لقوله: (سبغت عليه) فهو مؤخر عن محله لأنه صفة المتصدق أي سبغت عليه جنته واتسعت وطالت حتى سترت أصابعه (وتعفو) أي تمحو جنته لطولها (أثره) أي أثر قدمه وموطئها وقوله: (وتعفو) بالنصب أي تستر أثره يقال: عفا الشيء وعفوته أنا لازمًا ومتعديًا ويقال: عفت الدار إذا غطاها التراب والمعنى أن الصدقة تستر خطاياه كما يغطي الثوب الذي يجر على الأرض أثر صاحبه وموطئ قدمه إذا مشى بمرور الذيل عليه اهـ فتح الملهم.
وهذا أيضًا من جملة الأوهام التي اختل بها نظام الكلام فإنهم جعلوا ما جاء في وصف المتصدق وصفًا للبخيل.
وقوله: (قال) الراوي عن أبي هريرة: (فقال أبو هريرة: فقال) رسول الله ﷺ في وصف البخيل: فهو يريد أن (يوسعها) أي أن يوسع جنته (فلا تتسع) له مؤخر عن قوله: (قلصت عليه وأخذت كل حلقة موضعها) لأنه من بعض أوصاف البخيل فصحفوه وجعلوه من أوصات المتصدق وقد عرفت موضعه ومعناه مما قررناه في حلنا.
стр. 4693
(٢٢٤١) (٠) (٠) حدّثني سُلَيمَانُ بْنُ عُبَيدِ الله أَبُو أَيوبَ الْغَيلانِي. حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ (يعنِي الْعَقَدِي). حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُس، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ
ــ
وقوله: (فقال أبو هريرة) الخ ليس بمدرج بل هو مرفوع كما صرح برفعه في طريق أخرى اهـ فتح الملهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦) والبخاري (١٤٤٢).
قال القاضي عياض: وقع في هذا الحديث أوهام كثيرة من الرواة وتصحيف وتحريف وتقديم وتأخير كما بيناها في مواضعها على التفصيل ويعرف صوابه من الروايات التي بعدها والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٢٢٤١) (٠) (٠) (حدثني سليمان بن عبيد الله) بن عمرو بن جابر (أبو أيوب) البصري المازني (الغيلاني) روى عن أبي عامر العقدي في الإيمان والزكاة والحج والدعاء وبهز بن أسد في الحج ويروي عنه (م س) قال أبو حاتم: صدوق ووثقه النسائي وقال في التقريب: صدوق من الحادية العشرة مات سنة (٢٤٦) ست وأربعين ومائتين.
(حدثنا أبو عامر يعني العقدي) القيسي عبد الملك بن عمرو البصري ثقة من (٩) روى عنه في (٩) أبواب.
(حدثنا إبراهيم بن نافع) المخزومي أبو إسحاق المكي روى عن الحسن بن مسلم في الزكاة وفي اللباس وعبد الله بن أبي نجيح في الحج وسليمان الأحول في اللباس ومسلم بن يناق ويروي عنه (ع) وأبو عامر العقدي وزيد بن الحباب وعمر بن أيوب الموصلي وأبو نعيم وابن المبارك وثقه أحمد وابن معين والنسائي وقال ابن مهدي كان أوثق شيخ بمكة وقال في التقريب: ثقة حافظ من السابعة.
(عن الحسن بن مسلم) بن يناق المكي (عن طاوس) اليماني (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مكيان واثنان بصريان وواحد مدني وواحد يماني غرضه بيان متابعة إبراهيم بن نافع لابن جريج في رواية هذا الحديث عن الحسن بن مسلم.
стр. 4694
قَال: ضَرَبَ رَسُولُ الله ﷺ "مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ. كَمَثَلِ رَجُلَينِ عَلَيهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ. قَدِ اضْطرتْ أَيدِيهِمَا إِلَى ثُدِيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا. فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ. حَتى تُغَشِّيَ أَنَامِلَهُ وَتَعفُوَ أَثَرَهُ. وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هم بِصدَقَةٍ قَلَصَتْ. وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَها". قَال: فأنا رَأَيتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ بِإِصبَعِهِ فِي جَيبِهِ. فَلَوْ رَأَيتَهُ يُوَسِّعُها وَلَا تَوَسعُ
ــ
(قال) أبو هريرة: (ضرب رسول الله ﷺ أي بين وجعل (مثل البخيل والمتصدق) أي صفتهما (كمثل رجلين) أي كتمثل رجلين (عليهما جنتان) أي درعان (من حديد قد اضطرت) بضم الطاء أي شدت (أيديهما) وعصرت وضمت وألصقت (إلى ثديهما وتراقيهما) وضمت إليها كأنها مغلولة إلى أعناقهما.
وفي كتاب الجهاد من صحيح البخاري: (ضطرت أيديهما) بفتح الطاء ونصب التحتانية الثانية من أيديهما على المفعولية أي ألصقت جنتهما أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما.
(فجعل المتصدق) أي فكان المتصدق (كلما تصدق) أي كل وقت أراد أن يتصدق (بصدقة) قليلة أو كثيرة (انبسطت) جنته وانفتحت (عنه) واتسعت له وطالت (حتى تغشي) بمعجمتين أي حتى تغطي وتستر وتخفي من غشيت الشيء بالتشديد إذا غطيته (أنامله) أي رؤوس أصابع رجليه (وتعفو) تلك الجنة أي تمحو (أثره) أي أثر مشيته وتطمسه لفضلها عن قامته يعني أن الصدقة تستر خطايا المتصدق كما يستر الثوب الذي يجر على الأرض أثر مشي لابسه بمرور الذيل عليه (وجعل البخيل) أي كان (كما هم) أي كل وقت قصد أن يتصدق (بصدقة قلصت) جنته وانقبضت وضاقت (وأخذت كل حلقة) أي لزمت (مكانها) وموضعها واستقرت فيه (قال: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول) أي يدخل (بإصبعه في جيبه) بفتح الجيم وسكون الياء بعدها موحدة هو ما يقطع.
(فلو رأيته يوسعها ولا توسع) ويقور من الثوب ليخرج منه الرأس أو اليد مثلًا أي يدخلها فيه مشيرًا إلى إرادة التوسيع بالاجتهاد فالقول فيه ليس على حقيقته بل هو مجاز عن الفعل ولو في قوله: (فلو رأيته) بفتح التاء للخطاب العام للتمني فلا تحتاج للجواب أي يدخل إصبعه في جيبه حالة كونه (يوسعها) أي يشير إلى توسعة جيبه بالقوة (و) الحال
стр. 4695
(٢٢٤٢) (٠) (٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَحمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِي، عَنْ وُهيبٍ. حَدَثَنَا عَبْدُ الله بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛
ــ
أنها (لا توسع) بفتحات مع تشديد السين بحذف إحدى التاءين أي ولا تتوسع.
قال النواوي: وفي هذا دليل على لباس القميص وكذا ترجم عليه البخاري: (باب جيب القميص من عند الصدر) لأنه المفهوم من لباس النبي ﷺ في هذه القصة مع أحاديث صحيحة جاءت به والله أعلم قال الحافظ ناقلًا عن ابن بطال: وموضع الدلالة منه أن البخيل إذا أراد إخراج يده أمسكت في الموضع الذي ضاق عليها وهو الثدي والتراقي وذلك في الصدر قال: فبان أن جيبه كان في صدره لأنه لو كان في يده لم تضطر يداه إلى ثدييه وتراقيه والله أعلم.
قال الخطابي وغيره: وهذا مثل ضربه النبي ﷺ للبخيل والمتصدق فشبههما برجلين أراد كل واحد منهما أن يلبس درعًا يستتر به من سلاح عدوه فصبها على رأسه ليلبسها والدروع أول ما تقع على الصدر والثديين إلى أن يدخل الإنسان يديه في كميها فجعل المنفق كمن لبس درعا سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه وهو معنى قوله: (حتى تعفو أثره) أي تستر جميع بدنه وجعل البخيل كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه كما أراد لبسها اجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته وهو معنى قوله قلصت أي تضامت واجتمعت والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة انفسح لها صدره وطابت نفسه فتوسعت في الإنفاق والبخيل إذا حدث نفسه بالصدقة شحت نفسه فضاق صدره وانقبضت يداه ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون وقال المهلب: المراد أن الله يستر المنفق في الدنيا والآخرة بخلاف البخيل فإنه يفضحه اهـ فتح الملهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٢٢٤٢) (٠) (٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أحمد بن إسحاق) بن زيد بن عبد الله (الحضرمي) نسبة إلى حضرموت بلدة باقصى اليمن أبو إسحاق البصري ثقة من (٩) (عن وهيب) بن خالد الباهلي البصري ثقة من (٧) (حدثنا عبد الله بن طاوس) بن كيسان اليماني الحميري ثقة من (٦) (عن أبيه) طاوس بن كيسان ثقة من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم يمانيان واثنان بصريان
стр. 4696
قَال: قَال رَسُول الله ﷺ : "مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدَّقِ مَثَلُ رَجُلَينِ عَلَيهِمَا جُنتَانِ مِنْ حَدِيدِ. إِذَا هَم الْمُتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ اتَّسَعَتْ عَلَيهِ. حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ. وَإذَا همَّ الْبَخِيلُ بِصَدَقَةٍ تَقلَّصَتْ عَلَيهِ. وَانْضمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ. وَانْقَبَضَتْ كُل حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتها". قَال: فَسَمِعتُ رَسُول الله ﷺ يَقُول: "فَيَجهدُ أَنْ يُوسِّعها فَلَا يَسْتَطِيعُ"
ــ
وواحد مدني وواحد كوفي غرضه بيان متابعة عبد الله بن طاوس لحسن بن مسلم (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ : مثل البخيل والمتصدق) أي صفتهما (مثل رجلين) أي كصفة رجلين ففيه تشبيه بليغ وفي هذه الرواية حذف الكاف.
وهذه الرواية هي الرواية الصحيحة وهي المذكورة في زكاة البخاري وجهاده ولباسه وهي المأخوذة في المشارق والجامع الصغير والحديث جاء على التمثيل ليس خبرًا عن كائن (عليهما جنتان) أي درعان (من حديد) وفي أكثر روايات البخاري: (جبتان) بالباء تثنية جبة اللباس المعروف ولا مانع من إطلاقها على الدرع خصوصًا مع معونة قوله: (من حديد).
(إذا هم) وأراد (المتصدق) أن يتصدق (بصدقة اتسعت) جنته وانبسطت (عليه) وطالت وانجرت على الأرض (حتى تعفي) بتشديد الفاء من التعفية وتمحو (أثره) أي أثر قدمه بذيلها لكونها سابغة وهذا كناية عن انشراح قلبه بالصدقة كما (وإذا هم البخيل) وقصد أن يتصدق (بصدقة تقلصت) الجنة وانقبضت (عليه) وضاقت (وانضمت يداه) أي صارتا منضمتين (إلى تراقيه) أي إلى عظام ثغرة نحره (وانقبضت) أي انضمت (كل حلقة) بسكون اللام أي كل حلقة من حلق الدرع (إلى صاحبتها) وقرينتها أي إلى التي في جنبها ولزقت بها وما انبسطت (قال) أبو هريرة: (فسمعت رسول الله ﷺ يقول: فيجهد) ذلك البخيل أي يجتهد ويحاول (أن يوسعها) أي أن يوسع تلك الجنة من التوسعة (فلا يستطيع) أي لا يطيق توسعتها لشدة التصاقها وانضمامها والله أعلم.
قال القرطبي: وهذان المثلان للبخيل والمتصدق واقعان لأن كل واحد منهما إنما يتصرف بما يجد من نفسه فمن غلب الإعطاء والبذل عليه طاعت نفسه وطابت بالإنفاق وتوسعت فيه ومن غلب عليه البخل كان كما خطر بباله إخراج شيء مما بيده شحت نفسه بذلك فانقبضت يده للضيق الذي يجده في صدره ولشح نفسه الذي من وقيه فقد
стр. 4697
(٢٢٤٣) (٩٨٦) - (١٣٦) حدّثني سُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيسَرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: "قَال رَجُلٌ: لأَتصَدَّقَنَّ الليلَةَ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَها فِي يَدِ زَانِيَةٍ. فَأصبَحُوا يَتَحدثُونَ: تُصُدِّقَ الليلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ
ــ
أفلح كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
وقد وقع حديث أبي هريرة هكذا في الأم من طرق فيها تشبيج وتخليط (شبج الكتاب والكلام تشبيجًا إذا لم يبينه وقيل: إذا لم يأت به على وجهه) اهـ من اللسان وما أثبتناه هنا أحسنها مساقًا والله أعلم اهـ من المفهم.
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث آخر لأبي هريرة ﵁ فقال:
(٢٢٤٣) (٩٨٦) (١٣٦) (حدثني سويد بن سعيد) بن سهل الحدثاني نسبة إلى الحديثة اسم بلدة على الفرات صدوق من (١٠) (حدثني حفص بن ميسرة) العقيلي مصغرًا أبو عمر الصنعاني ثقة من (٨) (عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي المدني ثقة من (٥) (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي المدني ثقة من (٥) (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم المدني ثقة من (٣) (عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد صنعاني وواحد حدثاني.
(قال) النبي ﷺ : (قال رجل) من بني إسرائيل كما في شروح البخاري: والله (لأتصدقن) هذا من باب الالتزام كالنذر مثلًا والقسم فيه مقدر كأنه قال: والله لأتصدقن كذا في الفتح هذه (الليلة) الحاضرة فيه فضل صدقة السر وفضل الإخلاص (بصدقة) خالصة لوجه الله تعالى (فخرج) ذلك الرجل في جوف الليل (بصدقته) ليضعها في يد مستحق (فوضعها في يد زانية) وهو لا يعلم أنها زانية وكذا الكلام في اثنين بعدها (فأصبحوا) أي فاصبح الناس وكانوا (يتحدثون) في الصباح ويقولون من عجيب أمر الله (تصدق الليلة) بضم أوله على البناء للمفعول (على زانية) وفي الحديث دلالة على أن الصدقة كانت عندهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير
стр. 4698
قَال: اللهم! لَكَ الْحَمدُ عَلَى زَانِيَةٍ. لأَتَصَدقَن بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَها فِي يَدِ غَنِي. فَأَصبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصدِّقَ عَلَى غَنِي. قَال: اللَهم لَكَ الْحَمدُ عَلَى غَنِي. لأتصَدقَنَ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَها فِي يَدِ سَارِقٍ. فَأَصبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَال: اللهم! لَكَ الْحَمدُ عَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ وَعَلَى سَارِقٍ. فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ قَدْ قُبِلَتْ
ــ
ولهذا تعجبوا من الصدقة على الأصناف الثلاثة (قال) الرجل المتصدق: (اللهم لك الحمد على) وقوع صدقتي في يد (زانية) حيث كان ذلك بإرادتك لا بإرادتي فإن إرادتك كلها جميلة ولا يحمد على المكروه سواك فسلم الأمر وفوضه إلى الله تعالى ورضي بقضائه فحمد الله على تلك الحال لأنه المحمود على جميع الحال لا يحمد على المكروه سواه وقد ثبت أن النبي ﷺ كان إذا راى ما لا يعجبه قال اللهم: لك الحمد على كل حال اهـ فتح الملهم بتصرف.
والله (لأتصدقن بصدقة) أخرى لعلها تقع في محلها وفيه استحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع (فخرج بصدقته) في جوف الليل (فوضعها في يد غني فأصبحوا) أي فأصبح الناس وكانوا (يتحدثون) في الصباح ويقولون في حديثهم من عجيب أمر الله (تصدق) الليلة (على غني) فـ (ـقل) الرجل المتصدق: (اللهم لك الحمد على) وقوع صدقتي في يد (غني) والله (لأتصدقن بصدقة) أخرى (فخرج بصدقته) في جوف الليل (فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون) ويقولون (تصدق) الليلة (على سارق فقال) الرجل المتصدق: (اللهم لك الحمد على) تصدقي على (زانية وعلى) تصدقي على (غني وعلى) تصدقي على (سارق فأتي) ذلك الرجل في منامه أي أتاه آت في منامه كما في شروح البخاري.
وفي رواية الطبراني في مسند الشاميين: (فساءه ذلك فأتي في منامه).
(فقيل له) في منامه: (أما صدقتك) كلها (قد قبلت) فلا تتاسف على ما وقع فيها أي أما صدقاتك كلها فمقبولة حقًّا فلا تخلو عن مثوبة متضمنة لحكمة سنبيّنها وفيه أن نية المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته ولو لم تقع الموقع واختلف الفقهاء في الإجزاء إذا كان ذلك في زكاة فرض ولا دلالة في الحديث على الإجزاء وعلى عدمه والمسألة عند الأحناف أنه لو دفع الزكاة بتحر لمن يظنه مستحقًا فبان أنه غني أو أبوه أو ابنه لا
стр. 4699
أَما الزانِيَةُ فَلَعَلَّها تَسْتَعِفُّ بِها عَنْ زِنَاها. وَلَعَل الْغَنِي يَعتَبِرُ فَيُنْفِقُ بِمَا أَعطَاهُ الله. وَلَعَلَّ السارِقَ يَسْتَعف بِها عَنْ سَرِقَتِهِ"
ــ
يعيد لأنه أتى بما في وسعه حتى لو دفع بلا تحر لم يجز إن أخطأ خلافًا للشافعية فإنها لا تجزئ مطلقًا ظنه فقيرًا أم لا وفي الحديث بركة التسليم والرضا وذم التضجر بالقضاء كما قال بعض السلف: لا تقطع الخدمة ولو ظهر لك عدم القبول.
(أما الزانية) أي أما حكمة وقوع صدقتك في يد الزانية (فلعلها نستعف بها) أي بصدقتك (عن زناها) إن كان لضرورة الفقر (ولعل الغني يعتبر) بصدقتك أي يتعظ ويتذكر (فينفق بما أعطاه الله) تعالى في الخيرات (ولعل السارق يستعف بها) أي بصدقتك (عن سرقته) أي إما مطلقًا أو مدة الاكتفاء وفيه إيماء إلى أن الغالب في السارق والزانية أنهما يرتكبان المعصية للحاجة وهو أحد معاني ما ورد (كاد الفقر أن يكون كفرًا).
قال القرطبي: (قول المتصدق: اللهم لك الحمد على زانية) فيه إشعار بألم قلبه إذ ظن أن صدقته لم توافق محلها وأن ذلك لم ينفعه ولذلك كرر الصدقة فلما علم الله سبحانه صحة نيته تقبلها منه وأعلمه بفوائد صدقاته ويستفاد منه صحة الصدقة وإن لم توافق محلًا مرضيًا إذا حسنت نية المتصدق فأما لو علم المتصدق أن المتصدق عليه يستعين بتلك الصدقة على معصية الله لحرم عليه ذلك فإنه من باب التعاون على الإثم والعدوان اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٣٥٠) والبخاري (١٤٢١) والنسائي (٥/ ٥٥ - ٥٦).
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب خمسة أحاديث:
الأول: منها حديث أبي مسعود ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة.
والثاني: حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة.
والثالث: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستشهاد لما قبله.
والرابع: حديث أبي هريرة الثالث ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعتين.
والخامس: حديث أبي هريرة الرابع ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وكلها لأبي هريرة إلا الأول فإنه لأبي مسعود الأنصاري.
стр. 4700
٤٢٧ - (٤٥) باب أجر الخازن الأمين والمرأة تنفق من طعام بيتها والعبد من مال سيده
(٢٢٤٤) (٩٨٧) - (١٣٧) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو عَامِرٍ الأشعَري وَابْنُ نُمَيرٍ وَأَبُو كُرَيبٍ. كُلهُم عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. قَال أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا بُرَيدٌ، عَنْ جَدِّهِ، أَبِي بُردَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: "إِن الْخَازِنَ الْمُسْلِمَ الأَمِينَ الذي يُنْفِذُ (وَربَّمَا قَال: يُعطِي) مَا أُمِرَ لَهُ بِهِ،
٤٢٧ - (٤٥) باب أجر الخازن الأمين والمرأة تنفق من طعام بيتها والعبد من مال سيده
(٢٢٤٤) (٩٨٧) (١٣٧) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (وأبو عامر الأشعري) عبد الله بن براد بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي صدوق من (١٠) (و) محمد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي (وأبو كريب) محمد بن العلاء الكوفي (كلهم) رووا (عن أبي أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (قال أبو عامر: حدثنا أبو أسامة حدثنا بريد) بن عبد الله بن أبي بردة الأشعري الكوفي (عن جده أبي بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري الكوفي (عن أبي موسى) الأشعري عبد الله بن قيس الكوفي ﵁.
وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون.
(عن النبي ﷺ قال: إن الخازن) وفي زكاة البخاري: (الخازن) بدون إن وهو المأخوذ في المشارف برمز مسلم وهو مبتدأ ولكن هو هنا اسم إن خبره قوله في آخر الحديث: أحد المتصدقين والخازن هو الذي بيده النفقة الحافظ لها. (المسلم) قيده به لتصحيح حصول الأجر له إذ لا نية لكافر (الأمين) وهو الذي لا يخون في أخذه وإعطائه (الذي ينفذ) ويمضي بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه مخففًا اخره ذال معجمة مضارع أنفذ ويجوز فتح النون وتشديد الفاء مضارع نفذ المضعف وهو على الأول من الإنفاذ وعلى الثاني من التنفيذ وهو الإمضاء وقوله: (وربما قال: يعطي) هو من كلام الراوي أي وربما قال ﷺ بدل (ينفذ): (يعطي) وهو الذي في المشارق والجامع الصغير وفي رواية للبخاري: (ينفق) بدل ينفذ أيضًا (ما أمر له به) من
стр. 4701
فَيعطِيهِ كَامِلًا مُوَفرًا، طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدفَعُهُ إِلَى الذي أُمِرَ لَهُ بِهِ، أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَينِ"
ــ
الصدقة مفعول ينفذ أي الذي يعطي ما أمره صاحب المال بإعطائه (فيعطيه) حالة كونه (كاملًا) غير ناقص من حيث العدد (موفرًا) بفتح الفاء المشددة أي تامًّا من حيث الصفة فهو صفة مؤكدة لكاملًا ومؤسسة على حلنا وبكسرها حال من الفاعل أي مكملًا عطاءه (طيبة به نفسه) أي راضية غير شحيحة بالعطاء ونفسه بالرفع فاعل طيبة.
وقوله: (كاملًا موفرًا طيبة به نفسه) ثلاثتها حال من ما أمر به والضمير المجرور في نفسه للخازن وطيب نفسه يظهر بعدم إيذائه الفقير في إعطائه.
(فيدفعه) أي فيدفع ذلك المال (إلى) الشخص (الذي أمر له) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول أي فيدفعه إلى الشخص الذي أمره الآمر لأجله (به) أي بالدفع.
قال الحافظ: قيد الخازن بكونه مسلمًا لإخراج الكافر لأنه لا نية له وبكونه أمينًا لإخراج الخائن لأنه مأزور ورتب الأجر على إعطائه ما أمر به غير ناقص لكونه خائنًا أيضًا وبكون نفسه طيبة بذلك لئلا يعدم النية فيفقد الأجر وهي قيود لا بد منها اهـ.
وعبارة القرطبي: هذه الأوصاف لا بد من اعتبارها في تحصيل أجر الصدقة للخازن فإنه إن لم يكن مسلمًا لم يصح منه التقرب وإن لم يكن أمينًا كان عليه وزر الخيانة فكيف يحصل له أجر الصدقة كان لم يطب بذلك نفسًا لم يكن له نية فلا يؤجر اهـ من المفهم.
وقال القاري: فيه شروط أربعة شرط الإذن لقوله: (ما أمر له به) وعدم نقصان ما أمر به لقوله: (كاملًا موفرًا) وطيب النفس بالتصدق إذ بعض الخزان والخدام لا يرضون بما أمروا به من التصدق والبخيل كل البخيل من بخل بمال غيره دماعطاء من أمر له لا إلى مسكين آخر (أحد المتصدقين) بفتح- القاف على صيغة التثنية خبر إن أي هو ورب الصدقة في الأجر سواء وإن اختلف مقداره لهما لأن أجره غير مضاعف له عشر حسنات بخلاف رب المال.
وفي فتح الملهم: قوله: (أحد المتصدقين) ضبط في جميع روايات الصحيحين بفتح القاف على التثنية كما يقال: القلم أحد اللسانين مبالغة أي الخادم والمتصدق بنفسه متصدقان لا ترجيح لأحدهما على الآخر في أصل الأجر ومعناه أنه بما فعل متصدق والذي أخرج الصدقة بما أخرج متصدق آخر فهما متصدقان اهـ مفهم قالوا: ولا يلزم منه أن يكون مقدار ثوابهما سواء لأن الأجر فضل من الله يؤتيه من يشاء وذكر القرطبي إنه لم يرو إلا بالتثنية ويصح أن يقال على الجمع ويكون معناه إنه متصدق من جملة المتصدقين وبنحوه ذكره ابن التين وغيره.
стр. 4702
(٢٢٤٥) (٩٨٨) - (١٣٨) حدثنا يَحيَى بْنُ يَحيَى وَزُهيرُ بْنُ حربٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعًا عَنْ جَرِير. عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا أَنْفَقَتِ الْمرأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيتِها غَيرَ مُفْسِدَةٍ،
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٤/ ٣٩٤) والبخاري (١٤٣٧) وأبو داود (١٦٨٤) والنسائي (٥/ ٧٩ - ٨٠).
ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث عائشة ﵂ فقال:
(٢٢٤٥) (٩٨٨) (١٣٨) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وزهير بن حرب) بن شداد النسائي (وإسحاق بن إبراهيم) بن مخلد الحنظلي المروزي حالة كونهم (جميعًا) أي مجتمعين في الرواية (عن جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي (عن منصور) ابن المعتمر السلمي أبي عتاب الكوفي (عن شقيق) بن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي (عن مسروق) بن الأجدع الهمداني أبي عائشة الكوفي ثقة مخضرم من (٢) (عن عائشة) ﵂ وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد إما نيسابوري أو نسائي أو مروزي وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة ورواية تابعي عن تابعي عن صحابي (قالت) عائشة: (قال رسول الله ﷺ : إذا أنفقت المرأة) على عيال زوجها وأضيافه ونحو ذلك أو تصدقت كما في رواية للبخاري وفي أخرى له (إذا أطعمت المرأة) (من طعام) زوجها أي من الذخيرة الموجودة في (بيتها) من مال زوجها كما هو المفهوم من الروايات الآتية المتصرفة بإذنه الصريح أو العرفي وعلمت رضاه بذلك حالة كونها (غير مفسدة) أي غير مسرفة في الإنفاق بأن لم تتجاوز العادة ولا يضر نقصانه وقيد بالطعام لأن الزوج يسمح به عادة بخلاف الدراهم والدنانير فإن إنفاقها منها بغير إذنه لا يجوز فلو اضطرب العرف أو شكت في رضاه أوكان شحيحًا يشح بذلك وعلمت ذلك من حاله أو شكت فيه حرم عليفا التصدق من ماله إلا بصريح أمره وليس في هذا الحديث تصريح بجواز التصدق بغير إذنه إلا ما سيأتي في حديث أبي هريرة الآتي في آخر الباب من قوله: (وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له) لكن قال النووي: معناه من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره إما بالصريح أو بالمفهوم كما سيأتي هناك والله أعلم.
стр. 4703
كَانَ لَها أَجْرُها بِمَا أَنْفَقَتْ. وَلِزَوْجِها أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ. وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذلِكَ. لَا يَنْقُصُ بَعضُهُم أَجْرَ بَعضِ شَيئًا".
(٢٢٤٦) (٠) (٠) وحدثناه ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا فُضَيلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَقَال: "مِنْ طَعَامِ زَوْجها"
ــ
(كان لها) أي للمرأة (أجرها بما أنفقت) أي بإنفاقها غير مفسدة (ولزوجها أجره بما كسب) أي بسبب كسبه (وللخازن) الذي يكون بيده حفظ الطعام المتصدق به (مثل ذلك) أي مثل ما لهما من الأجر لكن بالشروط المذكورة في حديث أبي موسى.
(لا ينقص بعضهم) أي أجر بعض هؤلاء الثلاثة (أجر بعض) أي من أجر بعض آخر (شيئًا) من النقص فشيئًا منصوب على المفعولية المطلقة بينقص كما أشرنا إليه في الحل أو مفعول ثان لينقص والأول أجر بعض لأن ينقص يتعدى إلى مفعولين كيزيد قال تعالى ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠] اهـ قسط بتصرف.
فهم في أصل الأجر سواء كان اختلف مقداره قال في الفتح: المراد عدم المساهمة والمزاحمة في الأجر ويحتمل أن يراد مساوة بعضهم بعضًا والله أعلم اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في الزكاة والبيوع وأبو داود والترمذي في الزكاة وأخرجه النسائي في عشرة النسائي وابن ماجه في التجارات قاله المنذري.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عائشة ﵂ فقال:
(٢٢٤٦) (٠) (٠) (وحدثناه) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني أبو عبد الله المكي صدوق من (١٠) (حدثنا فضيل بن عياض) بن مسعود اليربوعي أبو علي المكي المشهور بشيخ الحرم الخراساني الأصل ثقة من (٨) روى عنه في (٥) أبواب (عن منصور) بن المعتمر السلمي الكوفي (بهذا الإسناد) يعني عن شقيق عن مسروق عن عائشة غرضه بيان متابعة فضيل لجرير بن عبد الحميد (و) لكن (قال) فضيل: (من طعام زوجها) بدل رواية جرير: (من طعام بيتها).
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيا في هذا الحديث فقال:
стр. 4704
(٢٢٤٧) (٥) (٥) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرأَةُ مِنْ بَيتِ زَوْجِها غَيرَ مُفْسِدَةٍ. كَانَ لَها أَجْرُها. وَلَهُ مِثْلُهُ. بِمَا اكْتَسَبَ. وَلَها بِمَا أَنْفَقَتْ. وَللْخَازِنِ مِثْلُ ذلِكَ. مِنْ غَيرِ أنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِم شَيئا"
ــ
(٢٢٤٧) (٠) (٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن مسروق عن عائشة) ﵂.
وهذا السند من سداسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا عائشة وفيه ثلاثة من التابعين الأعمش ومن بعده غرضه بسوقه بيان متابعة الأعمش لمنصور في رواية هذا الحديث عن شقيق وكرر المتن لما بين الروايتين من المخالفة.
(قالت) عائشة: (قال رسول الله ﷺ : إذا أنفقت المرأة) وتصدقت (من) طعام (بيت زوجها) بإذنه الصريح أو العرفي (غير مفسدة) أي مسرفة في الإنفاق (كان لها) أي للمرأة (أجرها) أي أجر إنفاقها (وله) الأوّللزوج (مثله) أي مثل مالها من الأجر وقوله: (بما اكتسب ولها بما أنفقت) تفسير لقوله: (كان لها أجرها وله مثله) على سبيل النشر واللف المشوش أي له أجره بكسبه ولها أجرها بإنفاقها (وللخازن) الذي يحفظ الطعام (مثل ذلك) أي مثل ما لهما من الأجر (من غير أن ينتقص) الانتقاص كما جاء مطاوعًا جاء متعديًا وهو هنا بمعنى الثلاثي فيكون متعديًا أي من غير أن ينقص الله (من أجورهم) أي من أجور الثلاثة (شيئًا) من النقص بسبب إعطائه للآخر.
قال العلامة السندي: أي من غير أن ينقص ذلك وهو ثبوت الأجر لكل مثل ما للآخر (من أجورهم) أي من أجور الثلاثة الذين هم المرأة والزوج والخازن (شيئًا) ولعل هذا أقرب مما ذكره النووي رحمه الله تعالى والله تعالى أعلم اهـ من فتح الملهم.
قال النواوي: قوله: (من غير أن ينتقص من أجورهم شيئًا) هكذا وقع في جميع النسخ شيئًا بالنصب فيقدر له ناصب فيحتمل أن يكون تقديره: من غير أن ينقص الله من أجورهم شيئًا ويحتمل أن يقدر من غير أن ينقص الزوج من أجر المرأة والخازن شيئًا وجمع ضميرها مجازًا على قول الأكثرين: إن أقل الجمع ثلاثة أو حقيقة على قول من قال: أقل الجمع اثنان اهـ.
стр. 4705
(٢٢٤٨) (٠) (٠) وحدثناه ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو مُعَاويةَ، عَنِ الأعمَشِ، بِهذَا الإِسْنَادِ، نَحوه.
(٢٢٤٩) (٩٨٩) - (١٣٩) وحدّثنا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَابْنُ نُمَيرٍ وَزهيرُ بْنُ حَربٍ. جَمِيعًا عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ. قَال ابْنُ نُمَيرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيدٍ، عَنْ عُمَيرٍ مَوْلى آَبِي اللحمِ
ــ
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
(٢٢٤٨) (٠) (٠) (وحدثناه) محمد بن عبد الله (بن نمير حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (وأبو معاوية عن الأعمش بهذا الإسناد) يعني عن شقيق عن مسروق عن عائشة (نحوه) أي نحو ما حدث أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية.
غرضه بيان متابعة محمد بن نمير لأبي بكر بن أبي شيبة في رواية هذا الحديث عن أبي معاوية لكن زاد محمد بن نمير على أبي بكر الرواية عن أبيه عبد الله بن نمير.
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث عمير مولى آبي اللحم رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٢٤٩) (٩٨٩) (١٣٩) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة و) محمد بن عبد الله (بن نمير وزهير بن حرب جميعًا عن حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي ثقة من (٨) (قال ابن نمير: حدثنا حفص) بصيغة السماع (عن محمد بن زيد) بن المهاجر بن قنفذ بن عمير بن جدعان القرشي التيمي المدني روى عن عمير مولى آبي اللحم في الزكاة وأبيه وأبي أمامة وابن المسيب وجماعة ويروي عنه (م عم) وحفص بن غياث والزهري ومالك وبشر بن المفضل وطائفة وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وقال أبو داود والعجلي: ثقة وقال البرقاني عن الدارقطني: يحتج به وقال: مرة يعتبر به وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب: ثقة من (٥) وقال في التهذيب: وقد عمر حتى بلغ مائة سنة (١٠٠) (عن عمير مولى آبي اللحم) أي مملوكه الغفاري المدني الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه شهد خيبر وعاش إلى نحو السبعين (٧٥) سنة له أحاديث انفرد له (م) بحديث ويروي عنه (م عم) ومحمد بن زيد في الزكاة ويزيد بن أبي عبيد بن الهاد ومحمد بن إبراهيم التيمي وجماعة (وأبي اللحم) هو بهمزة ممدودة وكسر الباء قيل له ذلك لأنه كان لا يأكل اللحم وقيل: لا يأكل ما ذبح للأصنام واسمه عبد الله وقيل:
стр. 4706
قَال: كُنْتُ مَملُوكًا. فَسَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ : أَأَتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَالِي بِشَيءٍ؟ قَال: "نَعَم. وَالأجرُ بَينَكُمَا نِصفَانِ".
(٢٢٥٠) (٠) (٠) وحدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حدَثَنَا حَاتم (يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيل) عَنْ يَزِيدَ (يَعنِي ابْنَ أَبِي عُبَيدٍ) قَال: سَمِعْتُ عُمَيرا مَوْلَى آبِي اللحمِ. قَال: أَمَرَنِي مَوْلايَ أَنْ أُقدِّدَ لَحمًا
ــ
خلف وقيل: الحويرث الغفاري وهو صحابي استشهد يوم حنين روى عمير مولاه قال: كنت مملوكًا الخ قاله النووي.
والأظهر أن وجه تسميته أنه أبي مولاه عميرًا أن يعطي اللحم إلى المسكين كما تدل عليه الرواية الآتية اهـ ملا علي.
وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان مدنيان واثنان كوفيان.
(قال) عمير: (كنت مملوكًا) أي رقيقًا (فسألت رسول الله ﷺ أأتصدق) أي هل يجوز في أن اتصدق (من مال موالي) بتشديد الياء جمع مولى بمعنى السيد جمعه للتعظيم أي من مال سيدي (بشيء) أي تافه أو ماذون فيه عادة (قال) رسول الله ﷺ : (نعم) لك التصدق (والأجر بينكما نصفان) أي لكل منكما أجر وليس المراد أن أجر نفس المال يتقاسمانه كما مر أفاده النواوي وهذا محمول على ما سبق أنه استأذن في الصدقة بقدر يعلم رضا سيده به وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عمير رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢٢٥٠) (٠) (٠) (وحدثنا قتيبة بن سعيد) بن طريف الثقفي البلخي (حدثنا حاتم يعني ابن إسماعيل) مولى بني عبد الدار أبو إسماعيل المدني صدوق من (٨) (عن يزيد يعني ابن أبي عبيد) المدني أبي خالد الأسلمي مولاهم مولى سلمة بن الأكوع وثقه أبو داود وابن معين وقال العجلي: حجازي تابعي ثقة وقال في التقريب: ثقة من (٤) روى عنه في (٦) أبواب (قال) يزيد: (سمعت عميرًا مولى أبي اللحم) أي مملوكه. وهذا السند من رباعياته غرضه بيان متابعة يزيد بن أبي عبيد لمحمد بن زيد في رواية هذا الحديث عن عمير مولى آبي اللحم.
(قال) عمير: (أمرني مولاي) أي سيدي (أن أقدد لحمًا) أي أن أشققه وأيبسه في
стр. 4707
فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ فَأَطْعَمتُهُ مِنْهُ. فَعَلِمَ بِذلِكَ مَوْلايَ فَضَرَبَنِي. فَأَتَيتُ رَسُولَ الله ﷺ فَذَكَرتُ ذلِكَ لَهُ. فَدَعَاهُ فَقَال: "لِمَ ضرَبْتَهُ؟ " فَقَال: يُعطِي طَعَامِي بِغَيرِ أَنْ آمُرَهُ. فَقَال: "الأَجْرُ بَينَكُمَا".
(٢٢٥١) (٩٩٠) - (١٤٠) حدَّثنا مُحَمدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا
ــ
الشمس وهو الشق طولًا (فجاءني مسكين) أي فمر علي وأنا عند اللحم (فأطعمته) أي فأعطيت المسكين (منه) أي من ذلك اللحم شيئًا تافهًا يسمح فيه عرفًا (فعلم بذلك) أي بإطعامي المسكين منه (مولاي) أي سيدي أبي اللحم (فضربني) ضربًا شديدًا (فأتيت) أي فجئت (رسول الله ﷺ فذكرت ذلك) أي ضربه إياي لأجل اللحم (له) ﷺ وشكوته إليه (فدعاه) أي فدعا النبي ﷺ سيدي وطلبه فجاءه (فقال) النبي ﷺ (لم ضربته) أي لأي سبب ضربته (فقال) مولاي ضربته لأنه: (يعطي) الناس (طعامي) أي لحمي (بغير أن آمره) بالإعطاء أي بغير إذني له (فقال) النبي ﷺ : له لا تضربه ولا تغضب عليه فإن (الأجر بينكما) نصفين.
قال النواوي: هذا محمول على أن عميرًا تصدق بشيء يظن أن مولاه يرضى به ولم يرض به مولاه فلعمير أجر لأنه فعل شيئًا يعتقده طاعة بنية الطاعة ولمولاه أجر لأن ماله تلف عليه.
ومعنى قوله: (الأجر بينكما) أي لكل منكما أجر وليس المراد أن أجر نفس المال يتقاسمانه وقد سبق لك هذا قريبًا فهذا الذي ذكرته من تأويله هو المعتمد وقد وقع في كلام بعضهم ما لا يرتضى من تفسيره.
وقال الطيبي: لم يرد به إطلاق يد العبد بل كره صنيع مولاه في ضربه على أمر تبين رشده فيه فحث السيد على اغتنام الأجر والصفح عنه فهذا تعليم وإرشاد لابي اللحم لا تقرير لفعل العبد والله أعلم اهـ من فتح الملهم.
ثم استشهد المؤلف ﵀ لحديث عائشة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فلو قدمه على حديث عمير مولى آبي اللحم لكان أنسب وأولى ولعل تأخيره إلى هنا لأجل مناسبته لحديث عمير في وفوع الإنفاق بغير الإذن الصريح فقال:
(٢٢٥١) (٩٩٠) (١٤٠) (حدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حدثنا
стр. 4708
عَبْدُ الرَّزاقِ. حَدَّثَنَا مَعمَر، عَنْ همَامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَال: هذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ، عَنْ مُحَمدٍ رَسُولِ الله ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْها. وَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَصُمِ الْمَرأةُ وَبَعلُها شَاهِدٌ إلا بِإِذْنِهِ
ــ
عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني (حدثنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (عن همام بن منبه) بن كامل الصنعاني ثقة من (٤) (قال) همام (هذا) الحديث الآتي (ما حدثنا) به (أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر) أبو هريرة (أحاديث) كثيرة (منها) قال رسول الله ﷺ كذا وكذا (و) منها (قال رسول الله على الله عليه وسلم) الحديث.
وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم صنعانيان وواحد مدني وواحد بصري وواحد نيسابوري.
(لا تصم المرأة) صوم التطوع ولا الواجب الذي ليس به وقت معين كالنذر المطلق (وبعلها) أي والحال أن زوجها وسيدها (شاهد) أي حاضر مقيم في البلد لأن له حق التمتع بها في كل وقت والصوم يمنعه وهو معنى الجملة الحالية التي تليه أعني قوله: (وبعلها شاهد) أي وزوجها حاضر مقيم في البلد أما إذا لم يكن حاضرا بأن كان مسافرًا فلها الصوم لأنه لا يتأتَّى منه الاستمتاع معه كما في النواوي ومثل التطوع الواجب الذي ليس له زمان معين كما في المبارق.
وفي بعض الروايات: (وزوجها حاضر) قال الحافظ ﵀: وبعلها أفيد لأن ابن حزم نقل عن أهل اللغة أن البعل اسم للزوج والسيد فإن ثبت وإلا ألحق السيد بالزوج للاشتراك في المعنى يعني يلتحق به السيد بالنسبة لأمته التي يحل له وطؤها (إلا بإذنه).
قال النواوي وهذا محمول على صوم التطوع والواجب الذي ليس له زمان معين وهذا النهي للتحريم صرح به أصحابنا وسببه أن الزوج له حق الاستمتاع بها في كل الأيام والأوقات وحقه فيه واجب على الفور فلا تفوته بتطوع ولا بواجب على التراخي فإن قيل: ينبغي أن يجوز لها الصوم بغير إذنه فإن أراد الاستمتاع بها كان له ذلك ويفسد صومها فالجواب أن صومها يمنعه من الاستمتاع في العادة لأنه كتاب انتهاك الصوم بالإفساد اهـ.
وفي معنى الغيبة أن يكون مريضًا بحيث لا يستطيع الجماع قال الحافظ: وفي
стр. 4709
وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيتِهِ وَهُوَ شَاهِد إلا بِإِذْنِهِ
ــ
الحديث أن حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير لأن حقه واجب والقيام بالواجب مقدم على القيام بالتطوع اهـ.
وفي رواية الحسن بن علي عن عبد الرزاق: لا تصوم المرأة من غير رمضان وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعًا في أثناء حديث ومن حق الزوج على زوجته أن لا تصوم تطوعًا إلا بإذنه فإن فعلت لم يقبل منها.
(ولا تأذن) المرأة لأحد (في) الدخول في (بيته) أي في بيت الزوج (وهو شاهد) أي حاضر.
قال الحافظ: وهذا القيد لا مفهوم له بل خرج مخرج الغالب وإلا فغيبة الزوج لا تقتضي الإباحة للمرأة أن تأذن لمن يدخل بيته بل يتأكد حينئذ عليها المنع لثبوت الأحاديث الواردة في النهي عن الدخول على المغيبات أي من غاب عنها زوجها ويحتمل أن يكون له مفهوم وذلك أنه إذا حضر يتيسر استئذانه وإذا غاب تعذر فلو دعت الضرورة إلى الدخول عليها لم تفتقر إلى استئذانه لتعذره.
قال القرطبي: قوله: (ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه) تخصيص المنع بحضور الزوج يدل على أن ذلك لحق الزوج في زوجته إذ قد يكون المأذون له في تلك الحال ممن يشوش على الزوج مقصوده وخلوته بها وعلى هذا تظهر المناسبة بين هذا النهي وبين النهي عن الصوم المتقدم وقال بعض الأئمة: إن ذلك معلل بأن البيت ملك الزوج وإذنها في دخوله تصرف فيما لا تملك وهذا فيه بعد إذ لو كان معللًا بذلك لاستوى حضور الزوج وغيبته والله أعلم اهـ من المفهم.
(إلا بإذنه) أي إلا بإذن الزوج.
قال النواوي: في هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يفتات على الزوج وغيره من مالكي البيوت وغيرها بالإذن في أملاكهم إلا بإذنهم وهذا محمول على ما لا يعلم رضا الزوج ونحوه به فإن علمت المرأة ونحوها رضاه به جاز كما سبق في الإنفاق اهـ.
وقوله: (ولا تأذن في بيته) بالجزم معطوف على لا تصم قال ابن الملك: يعني لا يحل لامرأة أن تأذن لأحد بالدخول في بيت زوجها إلا بإذنه وهذا محمول على ما إذا لم تعلم الزوجة رضي الزوج به فإن علمت جاز إذنها به كمن جرت عادته بإدخال الضيفان
стр. 4710
وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيرِ أمرِهِ فَإِن نصفَ أَجْرِهِ لَهُ"
ــ
موضعًا معدًا لهم سواء كان حاضرًا أو غائبًا فلا يفتقر إدخالهم إلى إذن خاص لذلك وحاصله أنه لا بد من اعتبار إذنه تفصيلًا أو إجمالًا كذا في الفتح.
(وما أنفقت) المرأة وتصدقت به (من كسبه) أي من مال زوجها الذي كسبه (من غير أمره) أي من غير إذنه الصريح في ذلك القدر المعين ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره وذلك الإذن الذي قد بيناه سابقا في حديث عائشة إما بالصريح وإما بالعرف لا بد من هذا التأويل لأنه ﷺ جعل الأجر مناصفة ومعلوم أنها إذا أنفقت من غير إذن صريح أو معروف فلا أجر لها بل عليها وزر فتعين تأويله (فإن نصف أجره له) أي لزوجها والضمير في أجره لمصدر أنفقت ومعنى فنصف أجره أي فقسم من أجره كان كان أحدهما أكثر كما في ابن الملك.
وقال القاضي عياض: إن ثوابهما سواء كما هو المفهوم من ظاهر الحديث لأن الأجر فضل من الله تعالى لا يعرف مقداره بمقياس الأعمال اهـ.
والمختار الأول ومعلوم أن هذا كله مفروض في قدر يسير ككسرة خبز ونحوها مما جرت العادة به واطرد العرف فيه وعلم بالعرف رضا الزوج به فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلم واعلم أن المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال وغلمانه ومصالحه وقاصديه من ضيف وابن سبيل ونحوهما وكذلك صدقتهم المأذون فيها بالصريح أو بالعرف والله أعلم اهـ من العون.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بالتنصيف في حديث الباب الحمل على المال الذي يعطيه الرجل في نفقة المرأة فإذا أنفقت منه بغير علمه كان الأجر بينهما للرجل لكونه الأصل في اكتسابه ولكونه يؤجر على ما ينفقه على أهله كما ثبت من حديث سعد بن أبي وقاص وللمرأة لكونه من النفقة التي تختص بها ويؤيد هذا الحمل ما أخرجه أبو داود وعقب حديث أبي هريرة هذا قال في المرأة تصدق من بيت زوجها قال: (لا إلا من قوتها والأجر بينهما ولا يحل لها أن تصدق من مال زوجها إلا بإذنه) اهـ فتح الملهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٣١٦) والبخاري (٥١٩٢) وأبو داود (٢٤٥٨).
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث أربعة.
стр. 4711
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأول: حديث أبي موسى الأشعري ذكره للاستدلال على الجزء الأول من الترجمة.
والثاني: حديث عائشة ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات.
والثالث: حديث عمير مولى آبي اللحم ذكره للاستدلال على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة.
والرابع: حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد به لحديث عائشة بالنظر إلى الطرف الأخير منه وإلا فهو ليس من أحاديث الزكاة ولو قدمه على حديث عمير لكان أنسب وأولى كما والله أعلم.
***
стр. 4712
٤٢٨ - (٤٦) باب فضل من جمع الصدقة وأعمال الخير والحث على الأنفاق والنهي عن الإحصاء
(٢٢٥٢) (٩٩١) - (١٤١) حدّثني أَبُو الطاهِرِ وَحرمَلَةُ بْنُ يَحيَى التجِيبِي (وَاللفْظُ لأَبِي الطاهِرِ) قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهاب، عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرحمنِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ الله ﷺ قَال: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَينِ فِي سَبِيلِ الله نُودِيَ فِي الْجَنةِ: يَا عَبْدَ الله! هذَا خَير
ــ
٤٢٨ - (٤٦) باب فضل من جمع الصدقة وأعمال الخير والحث على الإنفاق والنهي عن الإحصاء
(٢٢٥٢) (٩٩١) (١٤١) (حدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن السرح الأموي المصري (وحرملة بن يحيى النجيبي) المصري (واللفظ) الآتي (لأبي الطاهر قالا: حدثنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأموي الأيلي (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهريّ المدني (عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدني (عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والمقارنة ورواية تابعي عن تابعي.
(أن رسول الله ﷺ قال: من أنفق زوجين) أي شفعًا من جنس كدرهمين أو دينارين أو فرسين أو بعيرين أو مدين من الطعام ويحتمل أن يراد التكرير والمداومة على الصدقة والمعنى أنه يشفع صدقته بأخرى ويمكن أن يراد بهما صدقتان إحداهما سر والأخرى علانية لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ اهـ مرقاة.
(في سبيل الله) أي في مرضاته من أبواب الخير وقيل: في الجهاد خاصة والأصح العموم كما في النواوي والمطلوب تشفيع صدقته بأخرى والتنبيه على فضل الصدقة والنفقة في الطاعة والاستكثار منها (نودي في الجنة) وفي رواية عند البخاري: (نودي من أبواب الجنة) (يا عبد الله هذا) الباب فيما نعتقده (خير) لك من غيره من الأبواب لكثرة ثوابه ونعيمه فتعال فادخل منه ولا بد من تقدير ما ذكرناه إذ كل مناد يعتقد أن ذلك الباب أفضل من غيره كذا في الشرح.
стр. 4713
فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصلاةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصلاةِ. وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهادِ. وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصدَقَةِ. وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الريانِ"
ــ
وقال الحافظ ﵀: قوله: هذا خير ليس اسم التفضيل على بابه بل المعنى هذا خير من الخيرات والتنوين فيه للتعظيم وبه تظهر الفائدة يعني أن لفظ خير بمعنى فاضل لا بمعنى أفضل كان كان اللفظ قد يوهم ذلك ففائدته زيادة ترغيب السامع في طلب الدخول من ذلك الباب والمعنى دعته كل الخزنة من جميع أبوابها تكريمًا له وإعزازًا يا عبد الله هذا الباب خير لك في الدخول من غيره من الأبواب فادخل من ها هنا يقوله كل خازن رغبة في دخوله من الباب الذي هو موكل به.
(فمن كان من أهل الصلاة) أي من المكثرين لصلاة التطوع وكذلك غيرها من أعمال البر المذكورة في هذا الحديث لأن الواجبات لا بد منها لجميع المسلمين ومن ترك شيئًا من الواجبات إنما يخاف عليه أن ينادى من أبواب جهنم فيستوي في القيام بها المسلمون كلهم وإنما يتفاضلون بكثرة التطوعات التي بها يحصل تلك الأهلية التي بها ينادونك من تلك الأبواب (دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد) أي أكثر عمله الجهاد (دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة) أي أكثر عمله الصدقة (دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام) أي أكثر عمله صيام التطوع يقال فيه مثل ما قيل في الصلاة آنفًا (دعي من باب الريان) وعند أحمد: الكل أهل عمل باب يدعون منه بذلك العمل فلأهل الصيام باب يدعون منه يقال له: الريان) كذا في القسطلاني.
والريان ضد العطشان يعني أن الصائم بتعطشه في الدنيا يدخل من باب ليأمن من العطش كما في المرقاة.
قال العلماء: سمي باب الريان تنبيهًا على أن العطشان بالصوم في الهواجر سيروى وعاقبته إليه وهو مشتق من الري وهو الشبع من الماء.
قال القرطبي: والريان فعلان من الري على جهة المبالغة وسمي بذلك على جهة مقابلة العطشان لأنه جوزي على عطشه بالري الدائم في الجنة التي يدخل إليها من ذلك الباب اهـ من المفهم.
стр. 4714
قَال أَبُو بَكْرٍ الصديقُ: يَا رَسُولَ الله، مَا عَلَى أَحَدٍ يُدعَى مِنْ تِلْكَ الأبوَاب مِنْ ضَرُورَةٍ. فَهلْ يُدعَى أَحدٌ مِنْ تِلْكَ الأبوَابِ كُلِّها؟ قَال رَسُولُ الله ﷺ : "نَعَم. وَأَرجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُم"
ــ
ولما فهم أبو بكر ﵁ هذا المعنى (قال أبو بكر الصديق) ﵁ (يا رسول الله ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة) أي من ضرر وتعب فمن زائدة استغراقية وضرورة اسم ما مؤخر وعلى أحد خبرها أي أي أليس تعب وضرر كائنًا على أحد يدعى من تلك الأبواب المختلفة (فهل يدعى أحد من تلك الأبواب) المختلفة (كلها) أي فهل يحصل لأحد من أهل الإكثار من تطوعات البر المختلفة ما يتأهل به لأن تدعوه خزنة الجنة من كل باب من أبوابها فـ (ـقال) له (رسول الله ﷺ : نعم) أي يدعى منها كلها على سبيل التخيير في الدخول من أيها شاء لاستحالة الدخول من الكل معًا اهـ قسطلاني أي يكون جماعة يدعون من جميع الأبواب تعظيمًا وتكريمًا لهم لكثرة صلاتهم وجهادهم وصيامهم وغير ذلك من أبواب الخير (وأرجو أن تكون) أنت يا أبا بكر (منهم) أي من الذين يدعون من كل باب تكرمة لهم.
قال العلماء: الرجاء من الله ومن نبيه واقع بهذا التقرير، قال الحافظ: وفي الحديث إشعار بقلة من يدعى من تلك الأبواب كلها وفيه إشارة إلى أن المراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة لا واجباتها لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها بخلاف التطوعات فقل من يجتمع له العمل بجميع أنواع التطوعات ثم من يجتمع له ذلك إنما يدعى من جميع الأبواب على سبيل التكريم له وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد ولعله باب العمل الذي يكون أغلب عليه والله أعلم وأما ما أخرجه مسلم عن عمر (من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله) الحديث وفيه: (فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) فلا ينافي ما تقدم كان كان ظاهره أنه يعارضه لأنه يحمل على أنها تفتح له على سبيل التكريم ثم عند دخوله لا يدخل إلا من باب العمل الذي يكون أغلب عليه كما تقدم وليس فيه ذكر المناداة والله أعلم.
(تنبيه) وذكر مسلم في هذا الحديث من أبواب الجنة أربعة فذكر باب الصلاة وباب الصدقة وباب الصيام وباب الجهاد وزاد غيره بقية الثمانية فذكر فيها باب التوبة وباب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس وباب الراضين لقضاء الله تعالى والباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه حكاه القاضي أبو الفضل اهـ من المفهم.
стр. 4715
(٢٢٥٣) (٠) (٠) حدّثني عَمرو الناقِدُ وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِي وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ. ح وَحَدَثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاقِ. أَخْبَرَنَا معمر. كِلاهُمَا عَنِ الزهْرِي. بِإِسْنَادِ يُونُسَ، وَمَعنى حَدِيثِهِ.
(٢٢٥٤) (٠) (٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا مُحَمدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيرِ. حَدَثَنَا شَيبَانُ. ح وَحَدثَنِي مُحَمدُ بْنُ حَاتِمٍ (وَاللفْظُ لَهُ) حدَثَنَا شَبَابَةُ. حَدَثَنِي شَيبَانُ بْنُ
ــ
وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ١٦٦) والبخاري (١٨٩٧) والترمذي (٣٦٧٤) والنسائي (٤/ ١٦٨ - ١٦٩).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٢٢٥٣) (٠) (٠) (حدثني عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي (والحسن) بن علي بن محمد بن علي (الحلواني) المكي أبو علي الخلال الهذلي ثقة من (١١) (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي نسبة إلى كس مدينة فيما وراء النهر (قالوا: حدثنا يعقوب وهو ابن إبراهيم بن سعد) الزهريّ أبو يوسف المدني ثقة من (٩) (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ أبو إسحاق المدني ثقة من (٨) (عن صالح) بن كيسان الغفاري مولاهم أبي محمد المدني ثقة من (٤) (ح وحدثنا عبد بن حميد) الكسي (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (كلاهما) أي كل من أبي صالح ومعمر بن راشد رويا (عن الزهريّ بإسناد يونس و) بـ (معنى حديثه) أي حديث يونس غرضه بسوقهما بيان متابعة صالح ومعمر ليونس في الرواية عن الزهريّ.
ثم ذكر المؤلف المتابعة فيه ثانيًا فقال:
(٢٢٥٤) (٠) (٠) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير) بن عمرو بن درهم الأسدي الزبيري مولاهم أبو أحمد الكوفي ثقة من (٩) (حدثنا شيبان) بن عبد الرحمن التميمي أبو معاوية البصري ثم البغدادي ثقة من (٧) (ح وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي (واللفظ) الآتي (له) أي لمحمد بن حاتم (حدثنا شبابة) بن سوار الفزاري أبو عمرو المدائني (حدثني شيبان بن
стр. 4716
عَبْدِ الرحمنِ، عَنْ يَحيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحمن؛ أَنهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَينِ فِي سَبِيلِ الله دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنةِ. كُل خَزَنَةِ بَابٍ: أَي فُلُ! هلُم". فَقَال أبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ! ذلِكَ الذي لَا تَوَى عَلَيهِ. قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِنِّي لأرجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُم"
ــ
عبد الرحمن) التميمي البصري (عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) الزهريّ المدني (أنه سمع أبا هريرة يقول):
وهذا السند من سداسياته غرضه بسوقه بيان متابعة أبي سلمة بن عبد الرحمن لحميد بن عبد الرحمن في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة.
(قال رسول الله ﷺ : من أنفق زوجين) أي صنفين من المال (في سبيل الله) تعالى أي في طاعته من كل بر (دعاه) أي ناداه (خزنة الجنة) أي بوابها (كل خزنة باب) بالرفع بدل من خزنة الجنة بدل الكل وتنوين باب للتكثير فدعوتهم من كل باب تعظيم له ورغبة إليه اهـ ابن الملك.
قال الحافظ: كأنه من المقلوب لأن المراد خزنة كل باب اهـ.
(أي فل) مرخم فلان على لغة من لا ينتظر المحذوف أي يا فلان (هلم) أي أقبل إلينا لتدخل من هذا الباب.
قال النواوي: هكذا ضبطناه أي فل بضم اللام وهو المشهور ولم يذكر القاضي وآخرون غيره وضبطه بعضهم بإسكان اللام والأول أصوب.
قال القاضي: معناه أي فلان فرخم ونقل إلى إعراب الكلمة على إحدى اللغتين في الترخيم قال: فقيل: فل لغة في فلان في غير النداء والترخيم اهـ.
(فقال أبو بكر: يا رسول الله ذلك) مبتدأ خبره (الذي) وجملة (لا توى عليه) بفتح التاء والقصر أي لا ضياع ولا هلاك ولا خسارة صلة الموصول أي ذلك المدعو من كل باب هو الذي لا هلاك ولا ضياع ولا خسارة عليه أي هو من الفائزين الذين نجوا من المهالك (قال رسول الله ﷺ : اني لأرجو أن تكون منهم) أي من الذين يدعون من كل باب قال العلماء: الرجاء من الله ومن نبيه واقع.
стр. 4717
(٢٢٥٥) (٩٩٢) - (١٤٢) حدثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا مروَانُ (يَعْنِي الْفَزَارِيَّ) عَنْ يَزِيدَ (وَهُوَ ابْنُ كَيسَانَ) عَن أَبِي حَازِم الأشجَعِي، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أصبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائمًا؟ " قَال أَبُو بَكْرٍ ﵁: أنَا. قَال: "فَمَنْ تَبعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ " قَال أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا. قَال:
ــ
وبهذا التقرير يدخل الحديث في فضائل أبي بكر ووقع في حديث ابن عباس عند ابن حبان في نحو هذا الحديث التصريح بالوقوع لأبي بكر ولفظه: (قال أجل وأنت هو يا أبا بكر) أي لأنه ﵁ كان جامعًا لهذه الخيرات كلها أما التعبير بعنوان الرجاء في حديث الباب فقيل: إنه خرج مخرج الأدب مع الله تعالى إذ لا يجب عليه سبحانه شيء وهو سبحانه أكرم من أن يخلف رجاء رسول الله ﷺ والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث آخر له فقال:
(٢٢٥٥) (٩٩٢) (١٤٢) (حدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (حدثنا مروان) بن معاوية بن الحارث بن أسماء (يعني الفزاري) أبو عبد الله الكوفي ثقة من (٨) روى عنه في (١٣) بابا (عن يزيد وهو ابن كيسان) اليشكري أبي إسماعيل الكوفي صدوق من (٦) روى عنه في (٦) أبواب (عن أبي حازم) سلمان (الأشجعي) الكوفي مولى عزة (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد مكي.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من أصبح منكم اليوم صائما) أي من الذي اتصف منكم بالصيام في صباح هذا اليوم (قال أبو بكر ﵁: أنا) أصبحت اليوم صائمًا قال الطيبي: ذكر أنا هنا للتعيين في الإخبار لا للاعتداد بنفسه كما يذكر في مقام المفاخرة وهو الذي كره الصوفية رد لكراهة طائفة هذا القول لكن إنما محلها إذا صدر عن إثبات النفس ورعونتها وتوهم كمال ذاتها وحقيقتها كما صدر عن إبليس حيث قال أنا خير منه وأما حديث جابر في الصحيح (أتيت النبي ﷺ في دين كان علي فدققت الباب فقال: من ذا؟ فقلت: أنا فقال: أنا أنا كأنه كرهها) فسبب كراهته له الاقتصار عليه المؤدي إلى عدم تعريفه نفسه ولو عرفه بصوته لما استفهمه اهـ فتح الملهم.
(قال) النبي ﷺ : (فمن تبع منكم اليوم جنازة) لتجهيزها (قال أبو بكر ﵁: أنا) الذي تبعها (قال) رسول الله ﷺ :
стр. 4718
"فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينا؟ " قَال أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا. قَال: "فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ " قَال أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا. فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "مَا اجْتَمَعنَ فِي امرِئٍ، إلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ".
(٢٢٥٦) (٩٩٣) - (١٤٣) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا حَفص (يَعنِي ابْنَ غِيَاثٍ) عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂
ــ
(فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا قال أبو بكر ﵁ أنا) الذي أطعمه (قال) رسول الله ﷺ : (فمن عاد منكم اليوم مريضًا قال أبو بكر ﵁: أنا) الذي عاد مريضًا والمعاد هو عبد الرحمن بن عوف كذا في مسند أبي موسى قاله ابن بشكوال اهـ من تنبيه المعلم على صحيح مسلم.
(فقال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن) هذه الخصال الأربعة ولا وجدن (في امرئ) أي في يوم واحد من الأيام ولم يعن ذلك اليوم الذي قاله فيه اهـ أبي (إلا دخل الجنة) ففيه الشهادة له بالجنة.
والمعنى أي هذه الخصال الأربعة المذكورة ما وجدت وحصلت في امرئ في يوم واحد إلا دخل الجنة أي بلا محاسبة وإلا فمجرد الإيمان يكفي لمطلق الدخول أو معناه دخل الجنة من أي باب شاء كما تقدم.
وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم.
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ فقال:
(٢٢٥٦) (٩٩٣) (١٤٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص يعني ابن غياث) ابن طلق النخعي الكوفي ثقة من (٨) (عن هشام) بن عروة بن الزبير الأسدي المدني ثقة من (٥) (عن) زوجته (فاطمة بنت المنذر) بن الزبير بن العوام الأسدية المدنية ثقة من (٣) (عن) جدتها (أسماء بنت أبي بكر) الصديق ﵂ التيمية المدنية المسماة ذات النطاقين من كبار الصحابة عاشت مائة (١٠٠) سنة وماتت سنة (٧).
стр. 4719
قَالتْ: قَال لِي رَسُولُ الله ﷺ : "أَنْفِقِي (أَو انْفَحِي، أَو انْضَحِي) وَلَا تحصِي، فَيُحصِيَ الله عَلَيكِ".
(٢٢٥٧) (٠) (٠) وحدّثنا عَمرٌو الناقِدُ
ــ
وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان.
(قالت) أسماء: (قال لي رسول الله ﷺ : أنفقي أو انفحي): بفتح الفاء وحاء مهملة (أو) قال رسول الله ﷺ : (انضحي) بفتح الضاد وأو للشك من الراوي أو ممن دونه ومعنى انفحي وانضحي أعطي.
قال النواوي: النفح والنضح العطاء ويطلق النضح أيضًا على الصب فلعله المراد هنا ويكون أبلغ من النفح اهـ.
ومعنى الثلاثة: اصرفي ما عندك في الخيرات (ولا تحصي) من الإحصاء وهو معرفة قدر الشيء وزنًا أو عددًا أو المراد به هنا عده للتبقية أو ادخاره للاعتداد به وترك النفقة منه في سبيل الله تعالى ومعناه الحث على النفقة في الطاعة والنهي عن الإمساك والبخل وعن ادخار المال في الوعاء اهـ نووي.
وقيل: معنى (لا تحصي) لا تعدي ما تعطي فتستكثري به فتمتنعي من الإعطاء وهذا أولى ما يقال في الحديث اهـ سنوسي.
وقوله: (فيحصي الله عليك) بنصب يحصي لوقوعه في جواب النهي بكسر الكاف خطابًا لأسماءَ من باب المشاكلة والمقابلة كقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وإحصاء الله قطع البركة عنه أو حبس مادة الرزق أو المحاسبة عليه في الآخرة كذا في الفتح والمعنى النهي عن منع الصدقة خشية النفاد فإن ذلك أعظم الأسباب لقطع مادة البركة لأن الله تعالى يثيب على العطاء بغير حساب ومن لا يحسب عند العطاء لا يحاسب عليه عند الجزاء ومن علم أن الله يرزقه من حيث لا يحتسب فحقه أن يعطي ولا يحسب وقيل: المراد بالإحصاء محمد الشيء لأن يدخر ولا ينفق منه اهـ فتح الملهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٦/ ٣٤٥ و ٣٤٦) والبخاري (١٤٣٣) والنسائي (٥/ ٧٣ - ٧٤).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أسماء رضي الله تعالى عنها فقال:
(٢٢٥٧) (٠) (٠) (وحدثنا عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان
стр. 4720
وَزُهيرُ بْنُ حَربٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعًا عَن أَبِي مُعَاويةَ. قَال زهير: حَدَّثَنَا مُحَمدُ بْنُ خَازِمٍ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبادِ بْنِ حمزَةَ، وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ. قَالتْ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "انْفَحِي (أو انْضَحِي، أَوْ أَنْفِقِي)
ــ
البغدادي (وزهير بن حرب) الحرشي النسائي (وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (جميعًا عن أبي معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي (قال زهير) في روايته: (حدثنا محمد بن خازم) بصيغة السماع مع التصريح باسمه قال أبو معاوية: (حدثنا هشام بن عروة عن عباد بن حمزة) بن عبد الله بن الزبير القرشي الأسدي روى عن أسماء بنت أبي بكر في الزكاة وعائشة ويروي عنه (م س) وهشام بن عروة وثقه النسائي وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب: ثقة من (٣) الثالثة (وعن فاطمة بنت المنذر) بن الزبير كلاهما (عن أسماء) بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته غرضه بسوقه بيان متابعة أبي معاوية لحفص بن غياث في رواية هذا الحديث عن هشام بن عروة.
(قالت) أسماء: (قال رسول الله ﷺ : انفحي أو انضحي أو أنفقي) بقطع الهمزة معنى الكل أعطى وأوفي الموضعين للشك وأصل النفخ الضرب بالعصا أو بالسيف وكأن الذي ينفق يضرب المعطأنه بما يعطيه ويحتمل أن يكون من نفح الطيب إذا تحركت رائحته إذ العطية تستطاب كما تستطاب الرائحة الطيبة أو من نفحت الريح إذا هبت باردة فكأنه أمر بعطية سهلة كثيرة.
وفي حديث أبي ذر: (ونفح به يمينًا وشمالًا) أي أعطاه في كل وجه وأصل النضح الرش وكأنه أمره بالتصدق بما تيسر وإن كان قليلًا.
وفي الحديث ارضخي أي أعطي بغير تقدير، ومنه أن النبي ﷺ كان يرضخ للنساء من الغنيمة ولا يضرب لهم بسهم رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن عباس.
ويفيد تكرار هذه الألفاظ تأكيد أمر الصدقة والحض عليها على أي حال تيسرت بكثير أو قليل بمقدر أو غير مقدر والله أعلم اهـ من المفهم.
стр. 4721
وَلَا تُحصِي، فَيُحصِيَ اللهُ عَلَيكِ. وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيكِ".
(٢٢٥٨) (٠) (٠) وحدّثنا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدثَنَا مُحَمًدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عَبادِ بْنِ حَمزَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّ النبِيَّ ﷺ قَال لَها نَحوَ حَدِيثِهم
ــ
(ولا تحصي) أي لا تعديه للتبقية والادخار وقد سبق قريبًا معنى الإحصاء وهو الإحاطة بالشيء حصرًا وعدًا (فيحصي الله) (عليك) بالنصب لوقوعه في جواب النهي أي يقطع عنك مادة الرزق أو يرفع البركة عنه والمعنى لا تبخلي فتجازين على بخلك (ولا توعي) بضم التاء وكسر العين من الإيعاء وهو جعل الشيء في الوعاء وأصله الحفظ والمراد به هنا منع الفضل عمن افتقر إليه يقال: أوعيت المتاع في الوعاء أوعيه إيعاءً إذا جعلته فيه ووعيت الشيء حفظته (فيوعي الله عليك) بضم الياء وكسر العين وبالنصب في جواب النهي وإسناد الإيعاء إلى الله مجاز عن الإمساك.
قال النواوي: هو من مقابلة اللفظ باللفظ للتجنيس كما في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] اهـ.
والمعنى لا تجمعي في الوعاء وتبخلي بالنفقة فتجازي بمثل ذلك اهـ فتح الملهم.
وقال الأبي: ومعنى (فيحصي الله عليك ويوعي عليك) يمنعك فضله ويقتر عليك كما منعت وقترت وهو من مجاز المقابلة اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أسماء رضي الله تعالى عنها فقال:
(٢٢٥٨) (٠) (٠) (وحدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي (حدثنا محمد بن بشر) العبدي الكوفي (حدثنا هشام عن عباد بن حمزة عن أسماء أن النبي ﷺ قال لها) الحديث.
وقوله: (نحو حديثهم) بضمير الجمع تحريف من النساخ والصواب نحو حديثهما أي وساق محمد بن بشر نحو حديث حفص بن غياث وأبي معاوية.
غرضه بسوقه بيان متابعته لهما وهذا هو الصواب لأن أغلب متابعات مسلم هي التامة ويحتمل على بعد أن ضمير الجمع عائد إلى مشايخ المؤلف في السندين السابقين فيكون غرضه بيان متابعة محمد بن نمير لأبي بكر وعمرو الناقد وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم فتكون المتابعة ناقصة والله أعلم.
стр. 4722
(٢٢٥٩) (٠) (٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَهارُونُ بْنُ عَبْدِ الله. قَالا: حَدَّثَنَا حَجاجُ بْنُ مُحَمدٍ. قَال: قَال ابْنُ جُرَيجٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيكَةَ؛ أن عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيرِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْر؛ أَنها جَاءَتِ النَّبِي ﷺ . فَقَالتْ: يَا نَبِيَّ الله! لَيسَ لِي شَيءٌ إِلَّا مَا أَدخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيرُ. فَهلْ عَلَيَّ جُنَاح أَنْ أرضَخَ مِما يُدخِلُ عَلَيَّ؟ فَقَال: "ارضَخِي مَا اسْتَطَعتِ
ــ
ثم ذكر المؤلف المتابعة فيه ثالثًا فقال:
(٢٢٥٩) (٠) (٠) (وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي (وهارون بن عبد الله) بن مروان البزاز أبو موسى البغدادي (قال: حدثنا حجاج بن محمد) مولى سليمان بن مجالد المصيصي الأعور البغدادي ثقة من (٩) (قال) حجاج: (قال) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي المكي: (أخبرني) عبد الله بن عبيد الله (بن أبي ملكية) زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي ثقة من (٣) (أن عباد بن عبد الله بن الزبير) ثقة من (٣) (أخبره عن أسماء بنت أبي بكر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان مكيان واثنان بغداديان غرضه بسوقه بيان متابعة عباد بن عبد الله بن الزبير لفاطمة بنت المنذر في رواية هذا الحديث عن أسماء وكرر المتن لما بينهما من المخالفة.
(أنها جاءت النبي على الله عليه وسلم فقالت) له: (يا نبي الله ليس في شيء) من المال أي ليس في شيء من المال مملوكًا في فاتصدق به (إلا ما أدخل عليَّ) بتشديد الياء وسلم إليَّ بسبب نفقة زوجي (الزبير) بن العوام الأسدي تعني ما يدخل عليها للإنفاق عليها وعلى أهل بيتها (فهل علي جناح) أي ذنب في (أن أرضخ) وأعطي شيئًا يسيرًا (مما يدخل عليَّ) ويسلمه إليَّ والرضخ إعطاء شيء ليس بالكثير (فقال) لها النبي ﷺ (ارضخي) بهمزة مكسورة إذا لم توصل فعل أمر المؤنث من الرضخ بالضاد والخاء المعجمتين وهو العطاء اليسير أي أنفقي من غير إجحاف (ما استطعت) أي ما دمت مستطيعة قادرة على الرضخ اهـ قسط.
أي مما يرضى به الزبير يقال: أرضخه أعطاه عطاءً غير كثير أو قليلًا من كثير. قال النواوي: هذا محمول على ما أعطاها الزبير لنفسها بسبب النفقة وغيرها أو مما هو ملك الزبير ولا يكره الصدقة منه بل يرضى بها على عادة غالب الناس.
стр. 4723
وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيكِ"
ــ
وقوله: (ما استطعت) معناه مما يرضى به الزبير وتقديره: إن لك في الرضخ مراتب مباحة بعضها فوق بعض وكلها يرضاه الزبير فافعلي أعلاها أو يكون معناه ما استطعت مما هو ملك لك اهـ نووي.
(ولا توعي) أي لا تمسكي ما عندك عن الإنفاق أي لا تمسكي المال في الوعاء فيمسك الله فضله وثوابه عنك (فيوعي الله عليك) أي فيمسك الله رزقه عنك مجازاة على عملك من الإيعاء وهو جعل المتاع في الوعاء والمراد لازم الإيعاء وهو الإمساك والله أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين.
والثاني: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستشهاد للحديث الأول.
والثالث: حديث أسماء ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات والله أعلم.
***
стр. 4724
٤٢٩ - (٤٧) باب النهي عن احتقار قليل الصدقة وفضل إخفائها وأي الصدقة أفضل وفضل اليد العليا والتعفف عن المسألة
(٢٢٦٠) (٩٩٤) - (١٤٤) حدثنا يَحيَى بْنُ يَحيَى. أخْبَرَنَا الليثُ بْنُ سَعد. ح وَحَدثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيد. حَدَّثَنَا اللَيثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيد، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَقُولُ: "يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ،
ــ
٤٢٩ - (٤٧) باب النهي عن احتقار قليل الصدقة وفضل إخفائها وأي الصدقة أفضل وفضل اليد العليا والتعفف عن المسألة
(٢٢٦٠) (٩٩٤) (١٤٤) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا الليث بن سعد) الفهمي المصري (ح وحدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري المدني (عن أبيه) أبي سعيد كيسان المقبري المدني الليثي مولاهم سمي بالمقبري لأنه كان يحفظ مقبرة بني دينار ثقة من (٢) (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد مصري وواحد إما نيسابوري أو بلخي.
(أن رسول الله ﷺ كان يقول: يا نساء المسلمات) قال النووي: ذكر القاضي في إعرابه ثلاثة أوجه أصحها وأشهرها نصب النساء وجر المسلمات على الإضافة وهي من إضافة الشيء إلى نفسه والموصوف إلى صفته والأعم إلى الأخص كمسجد الجامع وجانب الغربي ولدار الآخرة وعند الكوفيين جائز على ظاهره والبصريون يقدرون فيه أي مسجد المكان الجامع وجانب المكان الغربي ولدار الحياة الآخرة وتقدر هنا يا نساء الأنفس المسلمات أو الجماعات المؤمنات وقيل: تقديره يا فاضلات المؤمنات كما يقال: هؤلاء رجال القوم أي ساداتهم وأفاضلهم والوجه الثاني رفع النساء ورفع المسلمات أيضًا على معنى النداء والصفة أي يا أيها النساء المسلمات.
قال الباجي: هكذا يرويه أهل بلادنا والوجه الثالث رفع نساء وكسر التاء من المسلمات على أنه منصوب على الصفة عن المحل كما يقال: يا زيد العاقل برفع زيد ونصب العاقل والله أعلم.
стр. 4725
لَا تحقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِها. وَلَوْ فرسِنَ شَاةٍ"
ــ
(٢٢٦١) (٩٩٥) - (١٤٥) حدّثني زُهيرُ بْنُ حَربٍ وَمُحَمدُ بْنُ الْمُثَنى. جَمِيعًا عَنْ يَحيَى الْقَطَّانِ. قَال زُهيرٌ: حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيدِ الله. أَخْبَرَنِي خُبَيبُ بْنُ عَبْدِ الرحمنِ،
ــ
(لا تحتقرن جارة) بفتح حرف المضارعة وبنون التوكيد الثقيلة أي لا تستحقر جارة إهداء (لجارتها) أي هدية مهداة لجارتها (ولو) كان الذي تهديه لها (فرسن شاة) أي ظلف شاة معناه لا تمتنع جارة من الصدقة والهدية لجارتها لاستحقارها الموجود عندها بل تجود بما تيسر وإن كان قليلًا كفرس شاة اهـ نووي.
والفرسن بكسر الفاء وفتح المهملة بينهما راء ساكنة آخره نون هو عظم قليل اللحم وهو للبعير كالحافر للفرس والقدم للإنسان واستعير هنا للشاة ونونه زائدة وقيل: أصلية وأريد به هنا المبالغة الأوّلو شيئًا قليلًا.
وعبارة فتح الملهم: وأشار بذلك إلى المبالغة في إهداء الشيء اليسير وقبوله لا إلى حقيقة الفرسن لأنه لم تجر العادة بإهدائه أي لا تمتنع جارة من الهدية لجارتها الموجود عندها لاستقلاله بل ينبغي أن تجود لها بما تيسر كان كان قليلًا فهو خير من العلم وذكر الفرسن على سبيل المبالغة ويحتمل أن يكون النهي إنما وقع للمهدى إليها وأنها لا تحتقر ما يهدى إليها ولو كان قليلا وحمله على الأعم من ذلك أولى.
وفي الحديث الحض على التهادي ولو باليسير ولأن الكثير قد لا يتيسر كل وقت وإذا تواصل اليسير صار كثيرًا وفيه استحباب المودة وإسقاط التكلف وخص النهي بالنساء لأنهن موارد المودة والبغضاء ولأنهن أسرع انفعالًا في كل منهما قاله الحافظ في أبواب الهبة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٢٦٤ و ٤٣٢) والبخاري (٦٠١٧) والترمذي (٢١٣٠).
ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث آخر لأبي هريرة ﵁ فقال:
(٢٢٦١) (٩٩٥) (١٤٥) (حدثني زهير بن حرب ومحمد بن المثنى جميعًا عن يحيى) بن سعيد (القطان) التميمي البصري (قال زهير: حدثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم العمري المدني (أخبرني خبيب بن عبد الرحمن)
стр. 4726
عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِي ﷺ ، قَال: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله فِي ظِلهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظلُّهُ:
ــ
ابن خبيب بن يساف الأنصاري ثقة من (٤) وهو خال عبيد الله الراوي عنه (عن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العدوي المدني ثقة من (٣) (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان بصريان أو بصري ونسائي وفيه التحديث والإخبار والمقارنة.
(قال) النبي ﷺ : (سبعة) العدد لا مفهوم له إذ قد ورد ما يدل على الزيادة وقد بسطها الحافظ في الفتح ثم قال وقد أوردت الجميع في الأمالي وقد أفردته في جزء سميته معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال وقد ذكر في إرشاد الساري ما ينيف على سبع وسبعين بأحاديثها أي سبعة من الأنفار (يظلهم الله) (في ظله) أي في ظل عرشه كما جاء في الحديث الآخر (يوم لا ظل إلا ظله) أي إلا ظل عرشه والمراد يوم القيامة إذا قام الناس في صعيدها وقربت الشمس من الرؤوس وأديرت النار بأهل الموقف فليس هناك إلا ظل العرش فأما ظل الصدقة فمن ظل العرش والله أعلم.
ويحتمل أن يراد بالظل هنا الكنف والكرامة والوقاية من المكاره كما تقول العرب: أنا في ظل فلان أي في صيانته وكرامته وكنفه إلى هذا نحا عيسى بن دينار اهـ من المفهم.
وقوله (سبعة) أي من الأشخاص ليدخل النساء فيما يمكن أن يدخلن فيه شرعًا اهـ قسطلاني.
وهو مبتدأ وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه بصفة محذوفة كما قدرناها أو قصد الجنس.
وقوله: (يظلهم في ظله) خبر المبتدإ قال في الفتح: قال عياض: إضافة الظل إلى الله إضافة ملك وكل ظل فهو ملكه كذا قال وكان حقه أن يقول: إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا عن غيره كما قيل للكعبة: بيت الله مع أن المساجد كلها ملكه وقيل: المراد بظله كرامته وحمايته كما يقال فلان في ظل الملك وهو قول عيسى بن ديناو وقواه عياض.
وقيل المراد ظل عرشه ويدل عليه حديث سلمان عند سعيد بن منصور بإسناد حسن
стр. 4727
الإِمَامُ الْعَادِلُ. وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ الله. وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ
ــ
(سبعة يظلهم الله في ظله عرشه) فذكر الحديث وإذا كان المراد ظل العرش استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس فهذا أرجح وبه جزم القرطبي ويؤيده أيضًا تقييد ذلك بيوم القيامة كما صرح به ابن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر وهو عند البخاري في كتاب الحدود اهـ.
الأول منهم: (الإمام العادل) أي الذي يتبع أمر الله وشرعه بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط والمراد به صاحب الولاية العظمى ويلتحق به كل من ولي شيئًا من أمر المسلمين فعدل فيه ويؤيده ما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ورفعه: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) وقدمه في الذكر لعموم النفع به لأن نفعه كثير ومتعد إلى غيره والخير المتعدى أولى من غيره اهـ مبارق.
(و) الثاني: (شاب نشأ) أي نبت ونما وتربى ملتبسًا (بعبادة الله) سبحانه وتقواه مصاحبًا بها وخص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة من قوة الباعث على متابعة الهوى فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل على غلبة التقوى زاد حماد بن زيد عن عبيد الله بن عمر: (حتى توفى على ذلك) أخرجه الجوزقي وفي حديث سلمان (أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله تعالى).
قال القرطبي: قوله: (شاب نشأ بعبادة الله) كذا الرواية: (بعبادة الله) بالباء وهذه الباء هي باء المصاحبة كما تقول: جاء زيد بسلاحه أي مصاحبًا لها ويحتمل أن تكون بمعنى في كما قد تكون في بمعنى الباء في مثل قوله تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] ونشأ نبت وابتدأ أي لم يكن له صبوة وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر (يعجب ربك من صبي ليست له صبوة) رواه أحمد (٤/ ١٥١) وإنما كان كذلك لغلبة التقوى عليه التي بسببها ارتفعت الصبوة اهـ من المفهم.
(و) الثالث: (رجل قلبه معلق بالمساجد) أي يحب الكون فيها للصلاة والذكر وقراءة القرآن وهذا إنما يكون ممن استغرقه حب الصلاة والمحافظة عليها وشغف بها اهـ مفهم.
قال النواوي: معناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيه وليس معناه دوام القعود في المسجد اهـ.
стр. 4728
وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي الله، اجْتَمَعَا عَلَيهِ وَتَفرَّقَا عَلَيهِ. وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَال: إِنِّي أَخَاف الله
ــ
قوله: (معلق بالمساجد) هكذا في الصحيحين وظاهره أنه من التعليق كأنّه شبهه بالشيء المعلق في المسجد كالقنديل مثلًا إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجًا عنه ويدل عليه رواية الجوزقي (كأن قلبه معلق في المسجد) ويحتمل أن يكون من العلاقة وهي شدة الحب ويدل عليه رواية أحمد (معلق بالمساجد) اهـ فتح الملهم.
(و) الرابع (رجلان تحابا) بتشديد الباء وأصله تحاببا أي اشتركا في جنس المحبة وأحب كل منهما الآخر حقيقةً لا إظهارا فقط (في الله) أي لله أو في مرضاته لا لغرض دنيوي (اجتمعا عليه) أي على الحب في الله والمراد أنهما وإما على المحبة الدينية (وتفرقا عليه) لم يقطعاها بعارض دنيوي سواء اجتمعا حقيقة أم لا حتى فرق بينهما الموت.
قال القاري: يعني يحفظان الحب في الحضور والغيبة.
وقال الطيبي: تفرقا عليه من مجلسهما وقيل: التفرق بالموت.
قال الحافظ وعدت هذه الخصلة واحدة مع أن متعاطيها اثنان لأن المحبة لا تتم إلا بالاثنين أو لما كان المتحابان بمعنى واحد كان محمد أحدهما مغنيًا عن محمد الآخر لأن الغرض عد الخصال لا محمد جميع من اتصف بها اهـ.
وعبارة القرطبي: أي وإما على المحبة الصادقة الدينية المبرأة عن الأغراض الدنيوية ولم يقطعاها بعارض في حال اجتماعهما ولا في حال افتراقهما اهـ المفهم.
(و) الخامس: (رجل دعته) أي طلبته (امرأة ذات منصب) بكسر الصاد أي صاحبة نسب شريف (و) ذات (جمال) بارع إلى نفسها للزنا أو للتزوج بها فخاف أن يشتغل عن العبادة بالاكتساب لها أو خاف أن لا يقوم بحقها لشغله بالعبادة عن التكسب بما يليق بها والأول أظهر كما يدل عليه السياق اهـ قسطلاني.
(فقال) بلسانه أو بقلبه ليزجر نفسه (إني أخاف الله) تعالى أي عقوبته على الزنا.
قال القرطبي: وقول المدعو في مثل هذا: إني أخاف الله وامتناعه لذلك دليل على عظيم معرفته بالله تعالى وشدة خوفه من عقابه ومتين تقواه وحيائه من الله تعالى وهذا هو المقام اليوسفي اهـ من المفهم.
стр. 4729
وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاها حتَّى لَا تَعلَمُ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ
ــ
والصبر عن الموصوفة بما ذكر من أكمل المراتب لكثرة الرغبة في مثلها وعسر تحصيلها لا سيما وقد أغتنت عن مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها ويلتحق بهذه الخصلة من وقع له نحوها كالذي دعا شابًّا جميلًا لأن يزوجه ابنةَ له جميلة كثيرة الجهاز جدًّا لينال منه الفاحشة ضعف الشاب عن ذلك وترك المال والجهاز وقد شاهد ذلك اهـ فتح الملهم.
(و) السادس (رجل تصدق بصدقة) تطوعًا نكرها ليشمل كل ما يتصدق به من قليل وكثير وظاهره أيضًا يشمل المندوبة والمفروضة.
قال القرطبي هذه صدقة التطوع في قول ابن عباس وأكثر العلماء.
(فأخفاها حتى لا تعلم) بنصب تعلم نحو سرت حتى تغيب الشمس وبرفعه نحو مرض زيد حتى لا يرجونه فعلامة الرفع فيه ثبوت النون (يمينه ما تنفق شماله) هذا مقلوب من المعروف في الحديث إنما هو (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) كذا في هامش نسخة ويوافقه شرح النواوي ووقع في معظم روايات البخاري وغيره (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
قال عياض قوله (حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله) هكذا في جميع النسخ التي وصلت إلينا من صحيح مسلم وهو مقلوب والصواب الأول وله وجه لأن السنة المعهودة في الصدقة إعطاؤها باليمين.
وقد ترجم عليه البخاري في الزكاة (باب الصدقة باليمين) قال ويشبه أن يكون الوهم فيه ممن دون مسلم اهـ قاله القاضي.
والصواب أن الوهم ليس ممن دون مسلم ولا منه بل هو من شيخه أو من شيخ شيخه يحيى القطان.
قوله (فأخفاها) الخ هو أقوى الأدلة على أفضلية إخفاء الصدقة وهو موضع الترجمة من الحديث وأما آية (﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] فظاهرة في تفضيل صدقة السر أيضًا ولكن ذهب الجمهور إلى أنها نزلت في صدقة التطوع ونقل الطبري وغيره الإجماع على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء وصدقة التطوع على العكس من ذلك ونقل الزجاج أن إخفاء الزكاة في زمن النبي ﷺ كان أفضل فأما بعده فإن الظن يساء بمن أخفاها فلهذا
стр. 4730
وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَينَاهُ".
(٢٢٦٢) (٠) (٠) وحدّثنا يَحيَى بْنُ يَحيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ خُبَيبِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِي (أَوْ عَنْ أَبِي
ــ
كان إظهار الزكاة المفروضة أفضل له اهـ فتح الملهم.
ومعنى: (حتى لا تعلم شماله) إلخ أي حتى لو قدرت الشمال رجلًا متيقظًا لما علم صدقة اليمين للمبالغة في الإخفاء وصور بعضهم إخفاء الصدقة بأن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه فيدفع له مثلًا درهمًا فيما يساوي نصف درهم فالصورة مبايعة والحقيقة صدقة وأنبئت عن بعضهم أنه كان يطرح دراهمه في المسجد ليأخذها المحتاج والله الموفق اهـ قسطلاني.
(و) السابع (رجل ذكر الله) تعالى (خاليًا) من الناس أو من الالتفات إلى غير المذكور تعالى كان كان في ملإ (ففاضت) أي سألت (عيناه) أسند الفيض إلى العين مع أن الفائض هو الدمع لا العين مبالغة لأنه يدل على أن العين صارت دمعًا فياضًا وفيض العين بكاؤها وهو على حسب حال الذكر وبحسب ما ينكشف له من أوصافه تعالى فإن انكشف له غضبه فبكاؤه عن خوف كان انكشف له جماله وجلاله فبكاؤه عن محبة وشوق وهكذا يتلون الذكر بتلون ما يذكر من الأسماء والصفات اهـ مفهم.
وقوله: (ذكر الله) إلخ أي بقلبه من التذكر أو بلسانه من الذكر و (خاليًا) أي من الخلو لأنه يكون حينئذ أبعد من الرياء والمراد خاليًا عن الالتفات إلى غير الله ولو كان في ملإ ويؤيده رواية (ذكر الله بين يديه) ويؤيد الأول رواية ابن المبارك وحماد بن زيد (ذكر الله في خلاء) أي في موضع خال وهي أصح.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٤٣٩) والبخاري (٦٦٠) والترمذي (٢٣٩).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة فقال:
(٢٢٦٢) (٠) (٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال: قرأت على مالك) بن أنس المدني (عن خبيب بن عبد الرحمن) الأنصاري المدني (عن حفص بن عاصم) بن عمر المدني (عن أبي سعيد الخدري أو) قال خبيب بن عبد الرحمن (عن أبي
следующие страницы →