← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِي ﷺ ، قَال: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله فِي ظِلهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظلُّهُ: ــ ابن خبيب بن يساف الأنصاري ثقة من (٤) وهو خال عبيد الله الراوي عنه (عن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العدوي المدني ثقة من (٣) (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (عن النبي ﷺ . وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان بصريان أو بصري ونسائي وفيه التحديث والإخبار والمقارنة. (قال) النبي ﷺ : (سبعة) العدد لا مفهوم له إذ قد ورد ما يدل على الزيادة وقد بسطها الحافظ في الفتح ثم قال وقد أوردت الجميع في الأمالي وقد أفردته في جزء سميته معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال وقد ذكر في إرشاد الساري ما ينيف على سبع وسبعين بأحاديثها أي سبعة من الأنفار (يظلهم الله) (في ظله) أي في ظل عرشه كما جاء في الحديث الآخر (يوم لا ظل إلا ظله) أي إلا ظل عرشه والمراد يوم القيامة إذا قام الناس في صعيدها وقربت الشمس من الرؤوس وأديرت النار بأهل الموقف فليس هناك إلا ظل العرش فأما ظل الصدقة فمن ظل العرش والله أعلم. ويحتمل أن يراد بالظل هنا الكنف والكرامة والوقاية من المكاره كما تقول العرب: أنا في ظل فلان أي في صيانته وكرامته وكنفه إلى هذا نحا عيسى بن دينار اهـ من المفهم. وقوله (سبعة) أي من الأشخاص ليدخل النساء فيما يمكن أن يدخلن فيه شرعًا اهـ قسطلاني. وهو مبتدأ وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه بصفة محذوفة كما قدرناها أو قصد الجنس. وقوله: (يظلهم في ظله) خبر المبتدإ قال في الفتح: قال عياض: إضافة الظل إلى الله إضافة ملك وكل ظل فهو ملكه كذا قال وكان حقه أن يقول: إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا عن غيره كما قيل للكعبة: بيت الله مع أن المساجد كلها ملكه وقيل: المراد بظله كرامته وحمايته كما يقال فلان في ظل الملك وهو قول عيسى بن ديناو وقواه عياض. وقيل المراد ظل عرشه ويدل عليه حديث سلمان عند سعيد بن منصور بإسناد حسن

стр. 4727

الإِمَامُ الْعَادِلُ. وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ الله. وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ ــ (سبعة يظلهم الله في ظله عرشه) فذكر الحديث وإذا كان المراد ظل العرش استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس فهذا أرجح وبه جزم القرطبي ويؤيده أيضًا تقييد ذلك بيوم القيامة كما صرح به ابن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر وهو عند البخاري في كتاب الحدود اهـ. الأول منهم: (الإمام العادل) أي الذي يتبع أمر الله وشرعه بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط والمراد به صاحب الولاية العظمى ويلتحق به كل من ولي شيئًا من أمر المسلمين فعدل فيه ويؤيده ما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ورفعه: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) وقدمه في الذكر لعموم النفع به لأن نفعه كثير ومتعد إلى غيره والخير المتعدى أولى من غيره اهـ مبارق. (و) الثاني: (شاب نشأ) أي نبت ونما وتربى ملتبسًا (بعبادة الله) سبحانه وتقواه مصاحبًا بها وخص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة من قوة الباعث على متابعة الهوى فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل على غلبة التقوى زاد حماد بن زيد عن عبيد الله بن عمر: (حتى توفى على ذلك) أخرجه الجوزقي وفي حديث سلمان (أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله تعالى). قال القرطبي: قوله: (شاب نشأ بعبادة الله) كذا الرواية: (بعبادة الله) بالباء وهذه الباء هي باء المصاحبة كما تقول: جاء زيد بسلاحه أي مصاحبًا لها ويحتمل أن تكون بمعنى في كما قد تكون في بمعنى الباء في مثل قوله تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] ونشأ نبت وابتدأ أي لم يكن له صبوة وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر (يعجب ربك من صبي ليست له صبوة) رواه أحمد (٤/ ١٥١) وإنما كان كذلك لغلبة التقوى عليه التي بسببها ارتفعت الصبوة اهـ من المفهم. (و) الثالث: (رجل قلبه معلق بالمساجد) أي يحب الكون فيها للصلاة والذكر وقراءة القرآن وهذا إنما يكون ممن استغرقه حب الصلاة والمحافظة عليها وشغف بها اهـ مفهم. قال النواوي: معناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيه وليس معناه دوام القعود في المسجد اهـ.

стр. 4728

وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي الله، اجْتَمَعَا عَلَيهِ وَتَفرَّقَا عَلَيهِ. وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَال: إِنِّي أَخَاف الله ــ قوله: (معلق بالمساجد) هكذا في الصحيحين وظاهره أنه من التعليق كأنّه شبهه بالشيء المعلق في المسجد كالقنديل مثلًا إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجًا عنه ويدل عليه رواية الجوزقي (كأن قلبه معلق في المسجد) ويحتمل أن يكون من العلاقة وهي شدة الحب ويدل عليه رواية أحمد (معلق بالمساجد) اهـ فتح الملهم. (و) الرابع (رجلان تحابا) بتشديد الباء وأصله تحاببا أي اشتركا في جنس المحبة وأحب كل منهما الآخر حقيقةً لا إظهارا فقط (في الله) أي لله أو في مرضاته لا لغرض دنيوي (اجتمعا عليه) أي على الحب في الله والمراد أنهما وإما على المحبة الدينية (وتفرقا عليه) لم يقطعاها بعارض دنيوي سواء اجتمعا حقيقة أم لا حتى فرق بينهما الموت. قال القاري: يعني يحفظان الحب في الحضور والغيبة. وقال الطيبي: تفرقا عليه من مجلسهما وقيل: التفرق بالموت. قال الحافظ وعدت هذه الخصلة واحدة مع أن متعاطيها اثنان لأن المحبة لا تتم إلا بالاثنين أو لما كان المتحابان بمعنى واحد كان محمد أحدهما مغنيًا عن محمد الآخر لأن الغرض عد الخصال لا محمد جميع من اتصف بها اهـ. وعبارة القرطبي: أي وإما على المحبة الصادقة الدينية المبرأة عن الأغراض الدنيوية ولم يقطعاها بعارض في حال اجتماعهما ولا في حال افتراقهما اهـ المفهم. (و) الخامس: (رجل دعته) أي طلبته (امرأة ذات منصب) بكسر الصاد أي صاحبة نسب شريف (و) ذات (جمال) بارع إلى نفسها للزنا أو للتزوج بها فخاف أن يشتغل عن العبادة بالاكتساب لها أو خاف أن لا يقوم بحقها لشغله بالعبادة عن التكسب بما يليق بها والأول أظهر كما يدل عليه السياق اهـ قسطلاني. (فقال) بلسانه أو بقلبه ليزجر نفسه (إني أخاف الله) تعالى أي عقوبته على الزنا. قال القرطبي: وقول المدعو في مثل هذا: إني أخاف الله وامتناعه لذلك دليل على عظيم معرفته بالله تعالى وشدة خوفه من عقابه ومتين تقواه وحيائه من الله تعالى وهذا هو المقام اليوسفي اهـ من المفهم.

стр. 4729

وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاها حتَّى لَا تَعلَمُ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ ــ والصبر عن الموصوفة بما ذكر من أكمل المراتب لكثرة الرغبة في مثلها وعسر تحصيلها لا سيما وقد أغتنت عن مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها ويلتحق بهذه الخصلة من وقع له نحوها كالذي دعا شابًّا جميلًا لأن يزوجه ابنةَ له جميلة كثيرة الجهاز جدًّا لينال منه الفاحشة ضعف الشاب عن ذلك وترك المال والجهاز وقد شاهد ذلك اهـ فتح الملهم. (و) السادس (رجل تصدق بصدقة) تطوعًا نكرها ليشمل كل ما يتصدق به من قليل وكثير وظاهره أيضًا يشمل المندوبة والمفروضة. قال القرطبي هذه صدقة التطوع في قول ابن عباس وأكثر العلماء. (فأخفاها حتى لا تعلم) بنصب تعلم نحو سرت حتى تغيب الشمس وبرفعه نحو مرض زيد حتى لا يرجونه فعلامة الرفع فيه ثبوت النون (يمينه ما تنفق شماله) هذا مقلوب من المعروف في الحديث إنما هو (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) كذا في هامش نسخة ويوافقه شرح النواوي ووقع في معظم روايات البخاري وغيره (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه). قال عياض قوله (حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله) هكذا في جميع النسخ التي وصلت إلينا من صحيح مسلم وهو مقلوب والصواب الأول وله وجه لأن السنة المعهودة في الصدقة إعطاؤها باليمين. وقد ترجم عليه البخاري في الزكاة (باب الصدقة باليمين) قال ويشبه أن يكون الوهم فيه ممن دون مسلم اهـ قاله القاضي. والصواب أن الوهم ليس ممن دون مسلم ولا منه بل هو من شيخه أو من شيخ شيخه يحيى القطان. قوله (فأخفاها) الخ هو أقوى الأدلة على أفضلية إخفاء الصدقة وهو موضع الترجمة من الحديث وأما آية (﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] فظاهرة في تفضيل صدقة السر أيضًا ولكن ذهب الجمهور إلى أنها نزلت في صدقة التطوع ونقل الطبري وغيره الإجماع على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء وصدقة التطوع على العكس من ذلك ونقل الزجاج أن إخفاء الزكاة في زمن النبي ﷺ كان أفضل فأما بعده فإن الظن يساء بمن أخفاها فلهذا

стр. 4730

وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَينَاهُ". (٢٢٦٢) (٠) (٠) وحدّثنا يَحيَى بْنُ يَحيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ خُبَيبِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِي (أَوْ عَنْ أَبِي ــ كان إظهار الزكاة المفروضة أفضل له اهـ فتح الملهم. ومعنى: (حتى لا تعلم شماله) إلخ أي حتى لو قدرت الشمال رجلًا متيقظًا لما علم صدقة اليمين للمبالغة في الإخفاء وصور بعضهم إخفاء الصدقة بأن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه فيدفع له مثلًا درهمًا فيما يساوي نصف درهم فالصورة مبايعة والحقيقة صدقة وأنبئت عن بعضهم أنه كان يطرح دراهمه في المسجد ليأخذها المحتاج والله الموفق اهـ قسطلاني. (و) السابع (رجل ذكر الله) تعالى (خاليًا) من الناس أو من الالتفات إلى غير المذكور تعالى كان كان في ملإ (ففاضت) أي سألت (عيناه) أسند الفيض إلى العين مع أن الفائض هو الدمع لا العين مبالغة لأنه يدل على أن العين صارت دمعًا فياضًا وفيض العين بكاؤها وهو على حسب حال الذكر وبحسب ما ينكشف له من أوصافه تعالى فإن انكشف له غضبه فبكاؤه عن خوف كان انكشف له جماله وجلاله فبكاؤه عن محبة وشوق وهكذا يتلون الذكر بتلون ما يذكر من الأسماء والصفات اهـ مفهم. وقوله: (ذكر الله) إلخ أي بقلبه من التذكر أو بلسانه من الذكر و (خاليًا) أي من الخلو لأنه يكون حينئذ أبعد من الرياء والمراد خاليًا عن الالتفات إلى غير الله ولو كان في ملإ ويؤيده رواية (ذكر الله بين يديه) ويؤيد الأول رواية ابن المبارك وحماد بن زيد (ذكر الله في خلاء) أي في موضع خال وهي أصح. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٤٣٩) والبخاري (٦٦٠) والترمذي (٢٣٩). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة فقال: (٢٢٦٢) (٠) (٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال: قرأت على مالك) بن أنس المدني (عن خبيب بن عبد الرحمن) الأنصاري المدني (عن حفص بن عاصم) بن عمر المدني (عن أبي سعيد الخدري أو) قال خبيب بن عبد الرحمن (عن أبي

стр. 4731

هُرَيرَةَ)؛ أَنهُ قَال: قَال رَسُول الله ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيدِ الله. وَقَال: "وَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ، إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتى يَعُودَ". (٢٢٦٣) (٩٩٦) - (١٤٦) حدَّثنا زُهيرُ بْنُ حَربٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقعقَاعِ، عَنْ أَبِي زرعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: أَتَى رَسُول اللهِ ﷺ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُول اللهِ! أيُ الصدَقَةِ أعظَمُ؟ فَقَال: "أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيح ــ هريرة) ﵄ والشك من مالك فيما قاله خبيب (أنه) أي أن أبا سعيد أو أبا هريرة (قال: قال رسول الله ﷺ وساق مالك (بمثل حديث عبيد الله) غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة مالك لعبيد الله في الرواية عن خبيب (و) لكن (قال) مالك في روايته لفظة: (ورجل معلق بالمسجد) بدل رواية عبيد الله: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) مع زيادة لفظة: (إذا خرج منه حتى يعود). ثم استدل المؤلف على الجزء الثالث من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال: (٢٢٦٣) (٩٩٦) (١٤٦) (حدثنا زهير بن حرب) النسائي (حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي (عن عمارة بن القعقاع) بن شبرمة بضم المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة الضبي الكوفي ثقة من (٦) (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي ثقة من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد نسائي. (قال) أبو هريرة: (أتى رسول الله ﷺ رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه قيل: يحتمل أن يكون أبا ذر لأنه ورد في مسند أحمد (أنه سأل أي الصدقة أفضل) وكذا عند الطبرني لكنه أجيب (جهد من مقل أو سر إلى الفقير) (فقال) الرجل: (يا رسول الله أي الصدقة أعظم) أي أكثر أجرأ (فقال) رسول الله ﷺ أعظم الصدقة (أن تصدق) بتخفيف الصاد وحذف إحدى التاءين أصله أن تتصدق وبتشديدها بإبدال إحدى التاءين صادًا وإدغامها في الصاد وهي في تأويل مصدر مرفوع على أنه خبر لمبتدإ محذوف كما قدرناه أي أعظمها تصدقك (وأنت صحيح) جملة اسمية حالية. والمراد بالصحيح في الحديث من لم يدخل في مرض مخوف فيتصدق عند انقطاع أمله من الحياة كما أشار إليه في آخره بقوله: (ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم).

стр. 4732

شَحِيحٌ. تَخشَى الفَقْرَ وَتَأمُلُ الْغِنَى. وَلَا تُمهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلتَ: لِفُلانٍ كَذَا. وَلِفُلانٍ كَذَا. وَقَد كَانَ لِفُلانٍ كَذَا" ــ (شحيح) من الشح وهو البخل مع الحرص أي بخيل حريص حال كونك (تخشى الفقر وتأمل الغنى) بضم الميم أي تطمع الغنى لمجاهدة النفس حينئذ على إخراج المال مع قيام المانع وهو الشح إذ فيه دلالة على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة قال الخطابي: الشح أعم من البخل وكان الشح جنس والبخل نوع وأكثر ما يقال البخل في أفراد الأمور والشح عام كالوصف اللازم وما هو من قبل الطبع قال: فمعنى الحديث أن الشح غالب في حال الصحة فإذا سمع فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره بخلاف من أشرف على الموت وأيس من الحياة ورأى مصير المال لغيره فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حالة الصحة والشح ورجاء البقاء وخوف الفقر اهـ نواوي. وعبارة القرطبي هنا: والشح المنع مطلقًا يعم المال وغيره وهو من أوصاف النفس المذمومة ولذلك قال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] والبخل بالمال فكأنه نوع من الشح قال معناه الخطابي. وقد دل على صحة هذا قوله ﷺ : (إياكم والشح فإنه أهلك من قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالفجور ففجروا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا) رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمر أي شح النفس وهو منعها من القيام بالحقوق المالية وغيرها اهـ من المفهم. وقوله: (وتخشى الفقر) أي تقول في نفسك لا تتلف مالك كيلا تفسير فقيرًا فتحتاج إلى الناس. وقوله: (وتأمل الغنى) بضم الميم بمعنى تطمع وترجو أي وتقول اترك مالك في بيتك لتكون غنيًّا ويكون لك عز عند الناس بسبب غناك. (ولا تمهل) بالإسكان على أنه نهي وبالرفع على أنه نفي ويجوز النصب عطفًا على أن تصدق أي ولا تؤخر الصدقة (حتى إذا بلغت) الروح وقاربت (الحلقوم) بضم الحاء المهملة مجرى النفس والمرئ مجرى الطعام والشراب والمراد قاربت بلوغه إذ لو بلغت حقيقة لم يصح شيء من تصرفاته ولم يجر للروح ذكر استغناء بدلالة السياق (قلت لفلان كذا ولفلان كذا) كناية عن الموصى له والموصي به فيهما (وقد كان لفلان كذا) أي وقد

стр. 4733

(٢٢٦٤) (٠) (٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيبَةَ وَابْنُ نُمَيرٍ. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرعَةَ، عَنْ أَبي هُرَيرَةَ؛ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ الله، أي الصدَقَةِ أَعظَمُ أَجْرا؟ فَقَال: "أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبأنَّهُ: ــ صار ما أوصى به للوارث فيطلبه إن شاء إذا زاد على الثلث أو أوصى به لوارث آخر والمعنى: تصدق مالك في حال صحتك واختصاص بك لا في حال سقمك وسياق موتك لأن المال حينئذ خرج منك وتعلق بغيرك اهـ قسط. وفي الفتح: قال الخطابي: فلان الأول والثاني الموصى له وفلان الأخير الوارث اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٢٥ و ٢٣١) والبخاري (١٤١٩) وأبو داود (٢٨٦٥) والنسائي (٨٦١٥) وابن ماجه (٢٧٠٦). ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: (٢٢٦٤) (٠) (٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة و) محمد بن عبد الله (بن نمير قال: حدثنا) محمد (بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي (عن عمارة) بن قعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو البجلي الكوفي (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم كوفيون إلا أبا هريرة غرضه بيان متابعة ابن فضيل لجرير بن عبد الحميد في الرواية عن عمارة. (قال) أبو هريرة: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرًا فقال) رسول الله ﷺ : (أما وأبيك) أما بالتخفيف حرف تنبيه والواو في وأبيك للقسم لكنه جرى على اللسان كعادة العرب بلا قصد اليمين وإلا فالحلف بغير الله تعالى منهي عنه (لتنبأنه) بالبناء للمجهول من باب التفعيل جواب القسم والمعنى: أما وأبيك لتخبرن ما سألته لأنك سقطت على خبير اهـ ابن الملك. قال بعض المعلقين على حاشية السندي: ربما يتوهم من هذه اللفظة المباركة أنها كلمة قسم أقسم بها النبي ﷺ ثم يختلج في خاطره معارضة بقوله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد أشرك) فتغلب عليه الحيرة وأنت ترى أن

стр. 4734

أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيح شَحِيح. تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأمُلُ الْبَقَاءَ. وَلَا تُمهِل حَتى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذَا. وَلِفُلانٍ كَذَا. وَقَد كَانَ لِفُلان". (٢٢٦٥) (٠) (٠) حدثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحدَرِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدٍ. حَدَّثَنَا عمَارَةُ بْنُ الْقَعقَاعِ، بِهذَا الإِسْنَادِ، نَحوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ. غَيرَ أنهُ قَال: أَي الصدَقَةِ أَفْضَلُ ــ الحلف لا يكون من الحالف عقلًا إلا بشيء معظم أو محبوب وهذه الكلمة لو فرضنا أنها حلف لكان صطى الله عليه وسلم قد حلف بكافر عدو لله فضلًا عن أن يكون محبوبًا له فضلًا عن أن يكون معظمًا فيشهد بذلك عقل عاقل لا والله فقد ثبت أن هذا ليس بحلف بل هو تعجب من حال الأعرابي والعرب كما يستعملون الواو في محاواراتهم في مقام القسم كذلك يستعملونها في مقام التعجب ولهذا في كلامهم نظائر كثيرة والله أعلم اهـ فتح الملهم. وقيل: إن النهي عن الحلف بالمخلوق في حق من يعظمه والنبي ﷺ معصوم من تعظيم المخلوق فلا يمنع في حقه الحلف بالمخلوق. والمعنى: انتبه واستمع ما أقول لك والعجب لأبيك حيث أولدك وأنا أخبرك عن سؤالك وأقول أعظم الصدقة أجرًا وأكثرها ثوابًا (أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء) أي الحياة (ولا تمهل حتى إذا بلغت) الروح (الحلقوم قلت): أوصيت (لفلان كذا) من مالي (ولفلان كذا وقد كان) ذلك المال (لفلان) بطريق الإرث. ثم ذكر المؤلف المتابعة فيه ثانيًا فقال: (٢٢٦٥) (٠) (٠) (حدثنا أبو كامل الجَحدري) فضيل بن حسين البصري (حدثنا عبد الواحد) بن زياد العبدي البصري ثقة من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (حدثنا عمارة بن القعقاع) الضبي الكوفي (بهذا الإسناد) يعني عن أبي زرعة عن أبي هريرة (نحو حديث جرير) بن عبد الحميد غرضه بيان متابعة عبد الواحد لجرير في الرواية عن عمارة (غير أنه) أي لكن أن عبد الواحد (قال) في روايته: (أي الصدقة أفضل) بدل قول جرير: أي الصدقة أعظم والله أعلم. ثم استدل المؤلف على الجزء الرابع من الترجمة بحديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:

стр. 4735

(٢٢٦٦) (٩٩٧) - (١٤٧) حدثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. فِيمَا قُرِئَ عَلَيهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ؛ أَن رَسُولَ الله ﷺ قَال، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتعَففَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَير مِنَ الْيَدِ السفْلى. وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ. وَالسفْلَى المسائِلَةُ" ــ (٢٢٦٦) (٩٩٧) (١٤٧) (حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس فيما قرئ عليه عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد مكي وواحد نسائي (أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر) النبوي (وهو) أي والحال أنه ﷺ (يذكر) شؤون (الصدقة) وأجورها وهو تمليك المحتاج لوجه الله تعالى (و) يذكر فضائل (التعفف عن المسألة) أو عن مسألة الناس وهو متعلق بالتعفف ومعناه تعاطي العفة عن السؤال من الناس. وقال الأبي: التعفف كشف النفس عن الحرام وسؤال الناس والمعنى أنه كان يحض الغني على الصدقة والفقير على التعفف عن المسألة وجملة قوله: (وهو يذكر) حال من فاعل قال. وقوله: (اليد العليا) أي المعطية (خير من اليد السفلى) أي الآخذة مقول قال والمراد بالعلو علو الفضل ونيل الثواب ثم فسر النبي ﷺ اليد العليا بالمنفقة والسفلى بالسائلة حيث قال: (واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة) وهو نص يرفع تعسف من تعسف في تأويله وهو تفسير من النبي ﷺ لا من ابن عمر كما يصرح بذلك قول الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى حيث قال: وتفسير من فسر العليا بالآخذة باطل قطعًا من أوجه: أحدها: أن تفسير النبي ﷺ بالمنفقة يدل على بطلانه الثاني: أنه ﷺ أخبر أنها خير من اليد السفلى ومعلوم بالضرورة أن العطاء خير وأفضل من الأخذ فكيف تكون يد الآخذ أفضل من يد المعطي الثالث: أن يد المعطي أعلى من يد السائل حسًّا ومعنى وهذا معلوم بالضرورة الرابع أن العطاء صفة كمال دال على الغنى والكرم والإحسان والمجد والأخذ صفة نقص مصدره عن الفقر والحاجة فكيف تفضل يد المعطي وهذا عكس الفطرة والحس والشريعة والله أعلم اهـ ابن القيم.

стр. 4736

(٢٢٦٧) (٩٩٨) - (١٤٨) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ. جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ. قَال ابْنُ بَشارٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ. قَال: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ؛ أَن حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ (أَوْ ــ لكن ادعى أبو العباس الداني في أطراف الموطإ أن التفسير المذكور مدرج في الحديث ولم يذكر مستندًا لذلك ثم وجدت في كتاب العسكري في الصحابة بإسناد له فيه انقطاع عن ابن عمر أنه كتب إلى بشر بن مروان أني سمعت النبي ﷺ يقول: (اليد العليا خير من اليد السفلى) ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة ولا العليا إلا المعطية فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: (كنا نتحدث أن العليا هي المنفقة) كذا في الفتح اهـ فتح الملهم. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد (٢/ ٦٧) والبخاري (١٤٢٩) وأبو داود (١٦٤٨) والنسائي (٥/ ٦١). ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث حكيم بن حزام ﵃ فقال: (٢٢٦٧) (٩٩٨) (١٤٨) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري (ومحمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي (وأحمد بن عبدة) بن موسى الضبي البصري (جميعًا عن يحيى) بن سعيد (القطان) البصري (قال ابن بشار: حدثنا يحيى) بصيغة السماع (حدثنا عمرو بن عثمان) بن عبد الله بن موهب التيمي مولاهم أبو سعيد الكوفي ثقة من (٦) (قال: سمعت موسى بن طلحة) بن عبيد الله القرشي التيمي أبا عيسى المدني نزل الكوفة ثقة من (٣) حالة كونه (يحدث أن حكيم بن حزام) بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي أبا خالد المدني ابن أخي خديجة الكبرى رضي الله تعالى عنهما الصحابي المشهور له (٤٠) حديثًا ولد في جوف الكعبة وعمر وعاش في الجاهلية (٦٠) وفي الإسلام (٦٠). وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان بصريان وواحد كوفي. (حدثه أن رسول الله ﷺ قال: أفضل الصدقة) أي أكثرها أجرًا (أو)

стр. 4737

خَيرُ الصَّدَقَةِ) عَنْ ظَهْرِ غِنًى ــ قال رسول الله ﷺ : (خير الصدقة) والشك من الراوي أو ممن دونه (عن ظهر غنى) قال ابن الملك: يعني أفضل الصدقة ما بقي بعدها غنى لصاحبها ليستظهر وششعين به على مصالحه وحوائجه لأن من لم يكن كذلك يندم غالبًا أو لفظ ظهر مقحم لتأكيد الكلام فإن قلت: ثبت أن النبي ﷺ لما سأله أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن أفضل الصدقة قال ﷺ : (جهد المقل) يعني ما يتصدقه الفقير مع احتياجه إليه بجهد ومشقة فكيف الجمع بينهما (قلنا): الغنى في حديث حكيم أعم من أن يكون غنى النفس أو غنى المال وصدقة المقل إنما تكون خيرًا إذا كانت عن غنى النفس فيكون كلاهما خيرًا فلا معارضة بين الحديثين. وأجاب عنه الطيبي بأن الفضيلة تتفاوت بحسب تفاوت الأشخاص وقوة التوكل فلما كان أبو هريرة فقيرًا متوكلًا على الله وكان حكيم بن حزام وجيهًا في الجاهلية والإسلام أجاب كلًّا منهما بما يناسب حالهما وقيل: المراد بالغنى غنى الفقير الآخذ يعني أفضل الصدقة ما يتغنى به الفقير اهـ من المبارق. وقوله (عن ظهر غنى) قال الحافظ: معنى الحديث أن أفضل الصدقة ما وقع من غير محتاج إلى ما يتصدق به لنفسه ولمن تلزمه نفقته قال الخطابي: ولفظ الظهر يرد في مثل هذا إشباعًا للكلام والمعنى أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية ولذلك قال بعده: (وابدأ بمن تعول). وقال البغوي: المراد غنى يستظهر به ويستعين على النوائب التي تنوبه ونحوه قولهم: (ركب متن السلامة) والتنكير في قوله: (غنىً) للتعظيم هذا هو المعتمد في معنى الحديث وقيل: المراد خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة وقيل: عن للسببية والظهر زائد أي خير الصدقة ما كان سببها غنى في المتصدق. قال النواوي: مذهبنا أن التصدق بجميع المال مستحب لمن لا دين عليه ولا له عيال لا يصبرون ويكون هو ممن يصبر على الإضافة والفقر فإن لم يجمع هذه الشروط فهو مكروه. وقال القرطبي في المفهم يرد على تأويل الخطابي بالآيات والأحاديث الواردة في فضل المؤثرين على أنفسهم ومنها حديث أبي ذر (أفضل الصدقة من مقل).

стр. 4738

وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى. وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ". (٢٢٦٨) (٩٩٩) - (١٤٩) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو ــ والمختار أن معنى الحديث أفضل الصدقة ما وقع بعد القيام بحقوق النفس والعيال بحيث لا يصير المتصدق محتاجًا بعد صدقته إلى أحد فمعنى الغنى في هذا الحديث حصول ما تدفع به الحاجة الضرورية كالأكل عند الجوع المشوش الذي لا صبر عليه وستر العورة والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى وما هذا سبيله فلا يجوز الإيثار به بل يحرم وذلك أنه إذا آثر غيره به أدى إلى إهلاك نفسه والإضرار بها أو كشف عورته فمراعاة حقه أولى على كل حالى فإذا سقطت هذه الواجبات صح الإيثار وكانت صدقته هي الأفضل لأجل ما يتحمله من مضض الفقر وشدة مشقته فبهذا يندفع التعارض بين الأدلة إن شاء الله تعالى. قال القاري: المراد إما غنى مالي فضلًا عما أعطاه وإما غنى قلبي متكل على فضل مولاه ولهذا لما تصدق أبو بكر بجميع ماله قرره ﷺ لما عرف من كمال حاله وأراد غيره من الصحابة ذلك فأمره بإمساك بعض ماله والله أعلم. (واليد العليا) أي المعطية (خير من السفلى) أي الآخذة (وابدأ) في الإنفاق والصرف (بمن تعول) وتمون أي بمن تنفقهم من العيال. قال الحافظ: قوله: (وابدأ بمن تعول) أي بمن يجب عليك نفقته يقال: عال الرجل أهله إذا مانهم أي قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة وهو أمر بتقديم ما يجب على ما لا يجب وقال ابن المنذر: اختلف في نفقة من بلغ من الأولاد ولا مال له ولا كسب فأوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد أطفالًا كانوا أو بالغين إناثًا وذكرانًا إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها وذهب الجمهور إلى أن الواجب أن ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر أو تتزوج الأنثى ثم لا نفقة على الأب إلا إن كانوا زمنى فإن كانت لهم أموال فلا وجوب على الأب والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري (١٤٧٢) والنسائي (٥/ ٦٩). ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث آخر لحكيم بن حزام رضي الله تعالى عنهما فقال: (٢٢٦٨) (٩٩٩) (١٤٩) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (وعمرو) بن محمد

стр. 4739

النَّاقِدُ. قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ وَسَعِيدٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ؛ قَال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي. ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي. ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي. ثُمَّ قَال: "إِنَّ هذَا الْمَال خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ. فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ــ (الناقد) البغدادي (قالا: حدثنا سفيان) بن عيينة الكوفي (عن) محمد بن مسلم (الزهري) المدني (عن عروة بن الزبير) الأسدي المدني (وسعيد) بن المسيب بن حزن المخزومي المدني (عن حكيم بن حزام) القرشي المدني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان أو كوفي وبغدادي وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة وراوية تابعي عن تابعي. (قال) حكيم بن حزام: (سألت النبي ﷺ المال (فأعطاني) مرة (ثم سألته) ثانيًا (فأعطاني) ثانية (ثم سألته) ثالثًا (فأعطاني) ثالثة (ثم) بعد المرة الثالثة (قال) لي: (إن هذا المال) الدنيوي (خضرة) أي شهية في المنظر يميل إليه الطبع كما تميل العين إلى النظر إلى الخضرة وفي القرطبي أي روضة خضراء أو شجرة ناعمة غضة (حلوة) في المذاق مستحلاة الطعم تميل إليه النفس كما يميل الفم إلى أكل الحلو والتأنيث واقع على التشبيه أي إن هذا المال كبقلة أو كفاكهة خضرة حلوة أو التاء للمبالغة كما في تيسير المناوي وذكر الحديث في الجامع الصغير بالتذكير والتأنيث. قوله: (خضرة) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين. قال الحافظ: معناه أن صورة الدنيا حسنة مونقة والعرب تسمي كل شيء مشرف ناضرًا أخضر والحاصل أنه ﷺ شبهه في الرغبة فيه والميل إليه وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلذة فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده بالنسبة إلى اليابس والحلو مرغوب فيه على انفراده بالنسبة إلى الحامض فالإعجاب بهما إذا اجتمعا أشد وفيه إشارة إلى عدم بقائه لأن الخضراوات لا تبقى ولا تراد للبقاء. (فمن أخذه بطيب نفس) أي بسخاوتها وقلة حرصها وفي بعض الروايات (بسخاوة نفس) أي بغير شره ولا إلحاح أي من أخذه بغير سؤال وهذا بالنسبة إلى الآخذ ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى المعطي أي بسخاوة نفس المعطي وطيبها أي انشراحه بما يعطيه (بورك له فيه) أي في هذا المال أي انتفع به صاحبه في الدنيا بالتنمية وفي الآخرة بأجر

стр. 4740

وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ. وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ ــ النفقة (ومن أخذه بإشراف نفس) أي بطمع نفس وحرصها عليه. قال العلماء: إشراف النفس تطلعها إليه وتعرضها له وطمعها فيه. (لم يبارك له فيه) أي لا ينتفع به صاحبه إذ لا يجد له لذة نفقته ولا ثواب صدقته بل يتعب بجمعه ويذم بمنعه ولا يصل إلى شيء من نفعه ولا شك في أن الحرص على الحياة الدنيا وعلى المال مذموم مفسد للدين كما قال ﷺ : (ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) رواه أحمد والترمذي من حديث كعب بن مالك. (وكان) الذي يأخذه بحرص النفس وإشرافها (كالذي يأكل) الطعام (ولا يشبع) منه أي كان هذا السائل الآخذ الصدقة في هذه الصورة لما يسلط عليه من عدم البركة وكثرة الشره والنهمة كذي آفة يزداد سقمًا بالأكل وهو المعبر عنه بجوع البقر وفي معناه مرض الاستسقاء وقيل: إن التشبيه بالبهيمة الراعية وفي هذا الحديث وما قبله وما بعده الحث على التعفف والقناعة والرضا بما تيسر في عفاف وإن كان قليلًا والإجمال في الكسب وأنه لا يغتر الإنسان بكثرة ما يحصل له بإشراف نفس ونحوه فإنه لا يبارك له فيه وهو قريب من قول الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وقال ابن أبي جمرة: في حديث حكيم فوائد: منها: أنه قد يقع الزهد مع الأخذ فإن سخاوة النفس هو زهدها يقال: سخت بكذا أي جادت وسخت عن كذا أي لم تلتفت إليه ومنها أن الأخذ بسخاوة النفس يحصل أجر الزهد والبركة في الرزق فتبين أن الزهد يحصل خيري الدنيا والآخرة وفيه ضرب المثل لما لا يعقله السامع من الأمثلة لأن الغالب من الناس لا يعرف البركة إلا في الشيء الكثير فتبين بالمثال المذكور أن البركة هي خلق من خلق الله تعالى وضرب لهم المثل بما يعهدون فالآكل إنما يأكل للشبع فإذا أكل ولم يشبع كان عناءً في حقه بغير فائدة وكذلك المال ليست الفائدة في عينه وإنما هي لما يتحصل به من المنافع فإذا كثر عند المرء بغير تحصيل منفعة كان وجوده كالعدم وفيه أنه ينبغي للإمام أن لا يبين للطالب ما في مسألته من المفسدة إلا عند قضاء حاجته لتقع موعظته له الموقع لئلا يتخيل إليه أن ذلك سبب لمنعه من حاجته وفيه جواز تكرار السؤال ثلاثًا وجواز المنع في الرابعة والله أعلم اهـ. وفي الحديث أيضًا أن سؤال الأعلى ليس بعار وأن رد السائل بعد ثلاث ليس

стр. 4741

وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى". (٢٢٦٩) (١٠٠) - (١٥٠) حدَّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنَا شَدَّادٌ. قَال: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا ابْنَ آدَمَ! إِنكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيرٌ لَكَ. وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ ــ بمكروه وفي مسند إسحاق بن راهويه زيادة: (أن النبي ﷺ أعطى حكيم بن حزام دون ما أعطى أصحابه فقال حكيم: يا رسول الله ما كنت أظن أن تقصر بي دون أحد من الناس فزاده ثم استزاده حتى رضي فذكر نحو الحديث) اهـ فتح الملهم. وقد مر شرح قوله: (واليد العليا خير من اليد السفلى). وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ٣٣٤) والنسائي (٥/ ٦٠ و ١٠٠). ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث ابن عمر بحديث أبي أمامة ﵄ فقال: (٢٢٦٩) (١٠٠) (١٥٠) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان الأزدي البصري (الجهضمي وزهير بن حرب) النسائي (وعبد بن حميد) الكسي (قالوا: حدثنا عمر بن يونس) بن القاسم الحنفي أبو حفص اليمامي ثقة من (٩) (حدثنا عكرمة بن عمار) العجلي الحنفي أبو عمار اليمامي صدوق من (٥) (حدثنا شداد) بن عبد الله القرشي الأموي مولى معاوية أبو عمار الدمشقي ثقة من (٤) (قال: سمعت أبا أمامة) صدي بن عجلان بن والبة الباهلي الشامي الصحابي المشهور. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم شاميان واثنان يماميان وواحد إما بصري وإما نسائي وإما كسي وفيه التحديث والسماع والمقارنة. (قال) أبو أمامة: (قال رسول الله ﷺ : يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل) وتعطيه للمحتاج بفتح همزة أن والجملة الفعلية في تأويل مصدر مرفوع على أنه مبتدأ خبره قوله: (خير لك) والجملة الابتدائية في محل الرفع خبر إن والتقدير إنك بذلك الفاضل عن حاجتك وحاجة عيالك خير لك من إمساكه لبقاء ثوابه (وأن تمسكه) بفتح همزة أن والجملة في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء خبره (شر لك) أي وإمساكك الفاضل عن حاجتك وحاجتهم شر وضرر لك في الآخرة لأنه إن أمسكه عن الواجب استحق العقاب

стр. 4742

وَلَا تُلامُ عَلَى كَفَافٍ. وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ. وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى". (٢٢٧٠) (١٠٠١) - (١٥١) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ الْحُبَاب. أَخْبَرَنِي مُعَاويةُ بْنُ صَالِحٍ. حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِي، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصُبِيِّ. قَال: سَمِعْتُ مُعَاويةَ ــ وإن أمسكه عن المندوب فقد نقص ثوابه وفوت مصلحة نفسه في آخرته وهذا كله شر. (ولا تلام) أي لا تعاتب ولا تؤاخذ ولا تذم (على) إمساك قدر (كفاف) بفتح الكاف أي قدر كفايتك لحاجتك وحاجة عيالك والكفاف من الرزق القوت سمي كفافًا لكفه عن سؤال الناس وإغنائه عنهم والمعنى أن قدر الحاجة لا لوم على صاحبه في حفظه وإمساكه وهذا إذا لم يتوجه في الكفاف حق شرعي كمن كان له نصاب زكوي ووجبت عليه الزكاة بشروطها وهو محتاج إلى ذلك النصاب لكفافه وجب عليه إخراج زكاته ويحصل كفايته من جهة مباحة كذا قال النواوي. (وابدأ) في الإنفاق (بمن تعول) وتنفق عليهم (واليد العليا خير من اليد السفلى). وقوله: (وابدأ بمن تعول) أي ابدأ في إعطاء الزائد على قدر الكفاف بمن تمونه ويلزمك نفقته والغرض أن العيال والقرابة أحق من الأجانب اهـ فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث الترمذي (٢٣٤٤). ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث معاوية بن أبي سفيان ﵄ فقال: (٢٢٧٠) (١٠٠١) (١٥١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب) بضم المهملة وبموحدتين العكلي بضم المهملة وسكون الكاف نسبة إلى عكل بطن من تميم أبو الحسين الكوفي (أخبرني معاوية بن صالح) الحضرمي أبو عمرو الحمصي صدوق من (٧) (حدثني ربيعة بن يزيد) الإيادي القصير أبو شعيب (الدمشقي) فقيه أهل دمشق مع مكحول ثقة من (٤) (عن عبد الله بن عامر) بن زيد (اليحصبي) بفتح التحتانية وسكون المهملة وضم الصاد وفتحها بعدها موحدة نسبة إلى بني يحصب أبي عمران الدمشقي أحد القراء السبعة ثقة من (٣) (قال: سمعت معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية القرشي الأموي أبا عبد الرحمن الشامي الصحابي الخليفة ﵁.

стр. 4743

يَقُولُ: إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ. إلا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ. فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ فِي اللهِ . سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ". وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ ــ وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم شاميون واثنان كوفيان. حالة كون معاوية (يقول: إياكم) منصوب على التحذير بعامل محذوف وجوبًا (وأحاديث) معطوف على الضمير أي باعدوا أنفسكم عن رواية أحاديث عن رسول الله بغير تثبت لئلا تدخلوا في وعيد (من كذب علي متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار). وفي بعض النسخ: (والأحاديث) ومراد معاوية النهي عن الإكثار من الأحاديث بغير تثبت فيها لما شاع في زمنه من التحدث عن أهل الكتاب وما وجد في كتبهم حين فتحت بلدانهم وأمرهم بالرجوع في الأحاديث إلى ما كان في زمن عمر بن الخطاب لضبطه الأمر وشدته فيه وخوف الناس من سطوته ومنعه الناس من المسارعة إلى الأحاديث وطلبه الشهادة على ذلك حتى استقرت الأحاديث واشتهرت السنن اهـ فتح الملهم. (إلا حديثًا كان) مشهورًا (في عهد عمر) بن الخطاب ﵁ (فإن عمر كان يخيف) من أخاف الرباعي أي يخوف (الناس) بدرته (في) حقوق (الله وأمور دينه لئلا يدخله التحريف والتبديل ثم قال معاوية: (سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: من يرد الله به خيرًا) كاملًا وهو الإيمان مع الفقه لأن التنوين يدل على الكمال (يفقهه) أي يصيره فقيهًا عالمًا (في) أحكام (الدين) المحمدي ويفهمه فيها وهو بسكون الهاء لام الكلمة لأنه جواب الشرط يقال فقُه بالضم إذا صار الفقه سجية له وفقَه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم وفقِه بالكسر إذا فهم. قال العيني: (يفقهه) أي يجعله فقيهًا في الدين والفقه لغة الفهم وعرفًا العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية بالاستدلال ولكن لا يناسب هنا إلا المعنى اللغوي ليتناول فهم كل علم من علوم الدين ونكر خيرًا على أن التنكير للتعظيم لأن المقام يقتضيه أي خيرًا عظيمًا وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم. (و) قاله معاوية أيضًا: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما أنا خازن)

стр. 4744

فَمَنْ أَعْطَيتُهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ. وَمَنْ أَعْطَيتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَشَرَهٍ، كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ". (٢٢٧١) (١٠٠٢) - (١٥٢) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ هَمَّامٍ، عَنْ مُعَاوَيةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ ــ أي حافظ على ما عندي من خزائن رزق الله قاسم ما أمرت بقسمته على حسب ما أمرت به فالأمور كلها بمشيئة الله تعالى وتقديره والإنسان مصرف مربوب (فمن أعطيته عن طيب نفس) أي بطيب نفس أي بسخاوة نفس منه أي بغير شره ولا إلحاح أي بغير سؤال ولا حرص منه (فيبارك) أي فهو يبارك (له فيه) أي فيما أعطيته فينتفع به في الدنيا والآخرة (ومن أعطيته عن مسألة) أي بسؤال منه (وشره) أي حرص منه وفي المصباح: الشره أشد الحرص (كان كالذي يأكل ولا يشبع) لمرض في معدته يسمى جوع البقر كما مر. قال النووي: غرضه النهي عن السؤال وهو موضع الترجمة من الحديث واتفق العلماء عليه إذا لم تكن ضرورة واختلف أصحابنا في مسئلة القادر على الكسب على وجهين: أصحهما: أنها حرام لظاهر الأحاديث والثاني: حلال مع الكراهة بثلاثة شروط أن لا يذل نفسه ولا يلح في السؤال ولا يؤذي المسؤول فإن فقد أحد هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق والله أعلم اهـ منه. وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم كما في تحفة الأشراف. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث معاوية بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه فقال: (٢٢٧١) (١٠٠٢) (١٥٢) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي (حدثنا سفيان) بن عيينة الهلالي الكوفي (عن عمرو) بن دينار الجمَحي المكي (عن وهب بن منبه) بن كامل اليماني أبي عبد الله الصنعاني ثقة من (٣) (عن أخيه همام) بن منبه بن كامل اليماني أبي عقبة الصنعاني ثقة من (٤) (عن معاوية) بن أبي سفيان القرشي الشامي وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم صنعانيان واثنان كوفيان وواحد شامي وواحد مكي وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض (قال) معاوية: (قال رسول الله ﷺ : لا تلحفوا) أي لا تبالغوا ولا تلحوا (في المسألة) أي في سؤال الناس أموالهم.

стр. 4745

فَوَاللهِ! لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيئًا، فَتُخْرِجُ لَهُ مَسْألتُهُ مِنِّي شَيئًا، وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ، فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيتُهُ". (٢٢٧٢) (٠) (٠) حدَّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا ــ قال النواوي: هكذا هو في بعض الأصول: (في المسألة) وفي بعضها: (بالمسألة) بالباء وكلاهما صحيح والمسألة مصدر بمعنى السؤال والإلحاف هو الإلحاح من ألحف في المسألة إذا ألح وبالغ فيها واشتقاق ألحف من اللحاف لأنه يشتمل على وجوه الطلب كاشتمال اللحاف في التغطية وقيل: معنى الإلحاف في المسألة مأخوذ من قولهم: ألحف الرجل إذا مشى في لحف الجبل وهو أصله كأنه استعمل الخشونة في الطلب اهـ فتح الملهم. (فوالله) أي فقد أقسمت لكم بالإله الذي لا إله غيره (لا يسألني أحد منكم) بالإلحاف (شيئًا) من هذا المال (فتخرج) بالتأنيث والتذكير منصوبًا ومرفوعًا والنسبة مجازية سببية في الإخراج اهـ ملا علي، أي فتخرج (له) أي لأحدكم (مسألته) أي سؤاله (مني) أي من يدي (شيئًا) من المال (وأنا له كاره) جملة حالية والضمير المجرور لذلك الشيء يعني كاره لإعطائه أو لذلك الإخراج الدال عليه تخرج (فيبارك له) بالبناء للمجهول وبالنصب في جواب النفي والنفي وارد عليه في المعنى يعني لا يبارك له (فيما أعطيته) على تقدير الإلحاف في المسألة كما يقال ما تأتينا فتحدثنا معناه نفي التحدث على تقدير عدم الإتيان اهـ ابن الملك. والمعنى: إن لم يكن إتيانك إيانا فتحديثك إيانا وقال الطيبي: نصبه على معنى الجمعية أي لا يجتمع إعطائي كارها مع البركة وفي نسخة بالرفع فيقدر هو كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] اهـ ملا علي. قال الغزالي ﵀: من أخذ شيئًا مع العلم بأن باعث المعطي الحياء منه أو من الحاضرين ولولا ذلك لما أعطاه فهو حرام إجماعًا ويلزمه رده أورد بدله إليه أو إلى ورثته اهـ فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٤/ ٩٨) والنسائي (٥/ ٩٧ - ٩٨)، ثم ذكر المؤلف المتابعة فيه فقال: (٢٢٧٢) (٠) (٠) (حدثنا) محمد (بن أبي عمر المكي) العدني الأصل (حدثنا

стр. 4746

سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ. حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ (وَدَخَلْتُ عَلَيهِ فِي دَارِهِ بِصَنْعَاءَ فَأَطْعَمَنِي مِنْ جَوْزَةٍ فِي دَارِهِ) عَنْ أَخِيهِ. قَال: سَمِعْتُ مُعَاويةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ. فَذَكَرَ مِثْلَهُ. (٢٢٧٣) (١٠٠٣) - (١٥٣) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَال: حَدَّثَنِي حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ قَال: سَمِعْتُ مُعَاويَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ يَخْطُبُ يَقُولُ: إِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُفَقهْهُ فِي الدِّينِ ــ سفيان) بن عيينة (عن عمرو بن دينار) قال عمرو: (حدثني وهب بن منبه و) الحال أني (دخلت عليه) أي على وهب (في داره بصنعاء) اليمن (فأطعمني) وهب (من جوزة في داره) أي أطعمني حبة من ثمر شجرة يسمى ثمرها الجوز نابت في فناء داره والجوز ثمر معروف وشجر الجوز كثير بأرض العرب من بلاد اليمن ذكر ذلك إشعارًا بتثبته في الحديث أي حدثني وهب بن منبه (عن أخيه) همام بن منبه (قال) أخوه همام: (سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول) هذا الحديث السابق (فذكر) ابن أبي عمر (مثله) أي مثل ما حدثني محمد بن نمير. غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة ابن أبي عمر لمحمد بن نمير. ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث معاوية الأول بحديث آخر لمعاوية أيضًا فقال: (٢٢٧٣) (١٠٠٣) (١٥٣) (وحدثني حرملة بن بحيى) التجيبي المصري (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) القرشي المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري المدني (قال) ابن شهاب: (حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري المدني (قال) حميد: (سمعت معاوية بن أبي سفيان) الأموي الشامي رضي الله تعالى عنه (وهو) أي والحال أن معاوية (يخطب) أي يعظ الناس ويذكرهم وجملة (يقول) بدل من جملة يخطب: (إني سمعت رسول الله ﷺ يقول). وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان مصريان وواحد شامي وواحد أيلي. (من يرد الله به خيرًا) كاملًا (يفقهه) أي يصيره فقيهًا (في) أحكام (الدين) الإسلامي

стр. 4747

وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِي اللهُ" ــ (وإنما أنا قاسم) بينكم أي أقسم ما أمرت بقسمته على حسب ما أمرت به (ويعطي الله) ما شاء لمن شاء ولست أنا معطيًا ولا مانعًا فالأمور كلها بمشيئة الله تعالى وتقديره فهو المانع والمعطي فغيره مجبور مأمور. وقال التوربشتي: اعلم أن النبي ﷺ أعلم أصحابه أنه لم يفضل في قسمة ما أوحى الله إليه أحدًا من أمته بل سوى في البلاغ وعدل في القسمة وإنما التفاوت في الفهم وهو واقع من طريق العطاء ولقد كان بعض الصحابة ﵃ يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي ويسمعه آخر منهم أو ممن بعدهم فيستنبط منه مسائل كثيرة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده. وقال الشيخ قطب الدين في شرحه: (إنما أنا قاسم) يعني أنه لم يستأثر بشيء من مال الله وقال النبي ﷺ : (مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس وهو مردود عليكم) صيانما قال أنا قاسم تطييبًا لنفوسهم لمفاضلته في العطاء فالمال لله والعباد لله وأنا قاسم بإذن الله ماله بين عباده. (قلت): بين الكلامين بون لأن الكلام الأول يشعر بأن القسمة في تبليغ الوحي وبيان الشريعة وهذا الكلام صريح في قسمة المال ولكل منهما وجه كذا في عمدة القاري. ويؤيد المعنى الثاني ما مر في الطريق الأول: (ومن أعطيته عن مسئلة وشره) إلخ والله أعلم. وفي بعض الهوامش قوله (من يرد الله به خيرًا) تنكيره للتفخيم (يفقهه في الدين) أي يجعله عالمًا بالأحكام الشرعية ذا بصيرة فيها بحيث يستخرج المعاني الكثيرة من الألفاظ القليلة اهـ مبارق. وفي تيسير المناوي: (من يرد الله به خيرًا) أي عظيمًا كثيرًا (يفقهه في الدين) أي يفهمه أسرار أمر الشارع ونهيه بنور رباني قوله: (إنما أنا قاسم) أي أقسم بينكم تبليغ الوحي من غير تخصيص (والله يعطي) كل واحد منكم من الفهم على قدر ما تعلقت به إرادة الله تعالى فالتفاوت في أفهامكم منه كذا في القسطلاني في كتاب العلم من صحيح البخاري.

стр. 4748

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في العلم وفي الاعتصام وفي الخمس اهـ من تحفة الأشراف. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب عشرة أحاديث: الأول: حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة. والثاني: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة. والثالث: حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعتين. والرابع: حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الرابع من الترجمة. والخامس: حديث حكيم بن حزام ذكره استشهادًا لحديث ابن عمر. والسادس: حديث حكيم بن حزام الثاني ذكره أيضًا استشهادًا لحديث ابن عمر. والسابع: حديث أبي أمامة ذكره أيضًا استشهادًا لحديث ابن عمر. والثامن: حديث معاوية الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة. والتاسع: حديث معاوية الثاني ذكره استشهادًا لحديثه الأول. والعاشر: حديث معاوية الثالث ذكره أيضًا استشهادًا لحديثه الأول والله أعلم. ***

стр. 4749

٤٣٠ - (٤٨) باب من أحق باسم المسكنة وكراهة المسألة للناس وبيان من تحل له المسألة (٢٢٧٤) (١٠٠٤) - (١٥٤) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ (يَعْنِي الْحِزَمِيَّ) عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَيسَ الْمِسْكِينُ بِهذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ. فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ. وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ " ــ ٤٣٠ - (٤٨) باب من أحق باسم المسكنة وكراهة المسألة للناس وبيان من تحل له المسألة (٢٢٧٤) (١٠٠٤) (١٥٤) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن طريف الثقفي البلخي (حدثنا المغيرة) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام القرشي الأسدي (يعني الحزامي) بكسر الحاء وبالزاي المدني ثقة من (٧) (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم أبي عبد الرحمن المدني ثقة من (٥) (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم أبي داود المدني القارئ ثقة من (٣) (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة بن سعيد. (أن رسول الله ﷺ قال: ليس المسكين) الكامل المسكنة الذي هو أحق بالصدقة وأحوج إليها (بهذا الطواف) أي الجوال (الذي يطوف) ويجول (على) أبواب (الناس) ويدور على مجالسهم لطلب المال (فترده) من الطواف على أبواب الناس وترجعه إلى منزله (اللقمة واللقمتان) أي وجدان اللقمة واللقمتين (والتمرة والتمرتان) أي وجدانها أي ليس المسكين الكامل من يتردد على الأبواب ويأخذ لقمة أو لقمتين فإن من شأنه هذا ليس بمسكين لأنه يقدر على تحصيل قوته فلا يعد مسكينًا والمراد ذم من هذا فعله إذا لم يكن مضطرًا والمسكين مفعيل من السكون فكأنه من عدم المال سكنت حركاته ووجوه مكاسبه ولذلك قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أي لاصقًا بالتراب وعند الأصمعي أنه أسوأ حالًا من الفقير وعند غيره عكس ذلك وقيل: هما لمسمى واحد اهـ مفهم.

стр. 4750

قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَال: "الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ. وَلَا يُفْطَنُ لَهُ، فَيُتَصَدَّقَ عَلَيهِ. وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيئًا" ــ وقال الشافعي: الفقير الذي لا حرفة له أو له حرفة لا تقع من حاجته موقعًا والمسكين من له حرفة تقع من حاجته موقعًا ولا تكفيه وعياله. (قالوا) أي قال الحاضرون عنده ﷺ : (فما المسكين يا رسول الله قال) رسول الله ﷺ في جوابهم المسكين الكامل الذي هو الأحق باسم المسكنة هو: (الذي لا يجد غنىً يغنيه) أي مالًا يغنيه عن سؤال الناس أي الذي لا يجد شيئًا أو مالًا يغنيه عن غيره ويكفيه مؤنته ومؤنة عياله (ولا يفطن له) أي لا يعرف بمسكنته (فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئًا) من المال أو من السؤال أي الأحق باسم المسكين هذا الذي لا يجد غنىً ولا يتصدق عليه وهذا كقوله: (ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) ومثل هذا كثير اهـ من المفهم. قال الحافظ ﵀: قوله: (لا يجد غنى يغنيه) فيه دلالة لمن يقول إن الفقير أسوأ حالًا من المسكين وأن المسكين هو الذي له شيء لكنه لا يكفيه والفقير الذي لا شيء له أصلًا ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة يعملون فيها وهذا قول الشافعي رحمه الله تعالى وجمهور أهل الحديث والفقه وعكس آخرون فقالوا المسكين أسوأ حالًا من الفقير وقال آخرون: هما سواء وهذا قول ابن القاسم وأصحاب مالك وقيل الفقير الذي يسأل والمسكين الذي لا يسأل حكاه ابن بطال والأول هو الأصح وهو المذهب اهـ فتح الملهم. وقوله: (ولا يفطن له) بصيغة المجهول أي لا يعلم باحتياجه (فيتصدق عليه) بالرفع والنصب مجهولًا (ولا يسأل الناس شيئًا) بل يخفي حال نفسه وفيه أن المسكنة إنما تحمد مع العفة عن السؤال والصبر على الحاجة وفيه استحباب الحياء في كل الأحوال وحسن الإرشاد لوضع الصدقة وأن يتحرى وضعها فيمن صفته التعفف دون الإلحاح اهـ منه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٢٦٠ و ٤٦٩) والبخاري (١٤٧٦) وأبو داود (١٦٣١) والنسائي (٥/ ٨٤ - ٨٥). ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:

стр. 4751

(٢٢٧٥) (٠) (٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. قَال ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) أَخْبَرَنِي شَرِيكٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى مَيمُونَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَيسَ الْمِسْكِينُ بِالَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ. وَلَا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ. إِنمَا الْمِسْكِينُ الْمُتَعَفِّفُ. اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. (٢٢٧٦) (٠) (٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ــ (٢٢٧٥) (٠) (٠) (حدثنا يحيى بن أيوب) المقابري أبو زكريا البغدادي (وقتيبة بن سعيد) البلخي (قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي مولاهم أبو إسحاق المدني ثقة من (٨) (أخبرني شريك) بن عبد الله بن أبي نمر أبو عبد الله المدني صدوق من (٥) (عن عطاء بن يسار) الهلالي (مولى ميمونة) المدني (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد إما بغدادي أو بلخي غرضه بسوقه بيان متابعة عطاء بن يسار لعبد الرحمن الأعرج (أن رسول الله ﷺ قال: ليس المسكين) أي الكامل المسكنة (بالذي ترده التمرة والتمرتان ولا) بالذي ترده (اللقمة ولا اللقمتان إنما المسكين) الكامل المسكنة هو (المتعفف) أي الذي يعف نفسه عن مسألة الناس (اقرووا إن شئتم) أيها الأصحاب مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. روى أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه مرفوعًا: (من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف) وفي رواية ابن خزيمة (فهو ملحف) والأوقية أربعون درهمًا ولأحمد من حديث عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد رفعه: (من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا) ولأحمد والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: (من سأل وله أربعون درهمًا فهو ملحف). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال: (٢٢٧٦) (٠) (٠) (وحدثنا أبو بكر) محمد (بن إسحاق) الصاغاني الخراساني الأصل البغدادي ثقة من (١١) (حدثنا) سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم (بن أبي

стр. 4752

مَرْيَمَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنِي شَرِيكٌ. أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ. (٢٢٧٧) (١٠٠٥) - (١٥٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأعلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ ــ مريم) الجمحي مولاهم أبو محمد المصري ثقة من كبار (١٠) (أخبرنا محمد بن جعفر) ابن أبي كثير الزرقي المدني أخو إسماعيل السابق ثقة من (٧) (أخبرني شريك) بن عبد الله بن أبي نمر المدني (أخبرني عطاء بن يسار) الهلالي المدني (وعبد الرحمن بن أبي عمرة) الأنصاري النجاري المدني قال ابن سعد: ثقة وقال في التقريب: ولد في عهد النبي ﷺ وقال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة (أنهما سمعا أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه (يقول: قال رسول الله ﷺ الحديث السابق وساق محمد بن جعفر (بمثل حديث) أخيه (إسماعيل) بن جعفر. غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة محمد بن جعفر لإسماعيل بن جعفر في الرواية عن شريك بن عبد الله. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: (٢٢٧٧) (١٠٠٥) (١٥٥) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى) السامي بالمهملة أبو محمد البصري ثقة من (٨) (عن معمر) بن راشد الأزدي البصري ثقة من (٧) (عن عبد الله بن مسلم) بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن الحارث بن زهرة الزهري أبي محمد المدني (أخي الزهري) الإمام روى عن حمزة بن عبد الله بن عمر في الزكاة وأخيه الزهري في النكاح وأنس ويروي عنه (م د ت س) ومعمر وبكير بن الأشج وغيرهم قال ابن معين: ثقة وقال النسائي: ثقة ثبت وقال في التقريب: ثقة من الثالثة مات قبل أخيه. (عن حمزة بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب العدوي المدني ثقة من (٣) (عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄.

стр. 4753

أَن النَّبِيَّ ﷺ قَال: "لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتى يَلْقَى اللهَ، وَلَيسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ" ــ وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان بصريان وواحد مكي وواحد كوفي. (أن النبي ﷺ قال: لا تزال المسألة) أي سؤال المال للناس مذلة (بأحدكم) قائمة به (حتى يلقى الله) يوم القيامة (و) الحال أنه (ليس في وجهه مزعة لحم) بضم الميم مع سكون الزاي بعدها عين مهملة أي قطعة يسيرة من اللحم. قال القرطبي: يقال: مزعت المرأة الصوف إذا قطعته لتهيئه للغزل وتمزع أنفه أي تشقق وهذا كما قيل في الحديث الآخر (المسألة كدوح أو خدوش يخدش بها الرجل وجهه يوم القيامة) رواه أبو داود والنسائي والترمذي من حديث سمرة بن جندب ﵁. وهذا محمول على كل من سال سؤالًا لا يجوز له وخص الوجه بهذا النوع لأن الجناية وقعت به إذ قد بذل من وجهه ما أمر بصونه عنه وتصرف به في غير ما سوغ له اهـ من المفهم. وقال الطيبي: أي يأتي يوم القيامة لا جاه له ولا قدر من قولهم: لفلان وجه في الناس أي قدر ومنزلة أو يأتي فيه ليس على وجهه لحم أصلًا إما عقوبة له وإما إعلامًا بعمله اهـ. وذلك بأن يكون علامة له يعرفه الناس بتلك العلامة أنه كان يسأل الناس في الدنيا فيكون تفضيحًا له وتشهيرًا لمآله وإذلالًا له كما أذل نفسه في الدنيا وأراق ماء وجهه بالسؤال. ومن دعاء الإمام أحمد اللهم كما صنت وجهي عن سجود غيرك فصن وجهي عن مسئلة غيرك. قال الحافظ: والأول صرف الحديث عن ظاهره وقد يؤيده ما أخرجه الطبراني والبزار من حديث مسعود بن عمرو مرفوعًا إلا يزال العبد يسال وهو غني حتى يخلق وجهه فلا يكون له عند الله وجه). قال ابن أبي جمرة: معناه أنه ليس في وجهه من الحسن شيء لأن حسن الوجه بما فيه من اللحم ومال المهلب إلى حمله على ظاهره وإلى أن السر فيه أن الشمس تدنو يوم القيامة فإذا جاء لا لحم بوجهه كانت أذية الشمس له أكثر من غيره قال: والمراد به من

стр. 4754

(٢٢٧٨) (٠) (٠) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَخِي الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ "مُزْعَةُ". (٢٢٧٩) (٠) (٠) حدَّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي اللَّيثُ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : ــ سأل تكثرًا أو هو غني لا تحل له الصدقة وأما من سأل وهو مضطر فذلك مباح له فلا يعاقب عليه اهـ فتح الملهم. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته البخاري (١٤٧٤) والنسائي (٥/ ٩٤). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال: (٢٢٧٨) (٠) (٠) (وحدثني عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (حدثني إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم الأسدي البصري المعروف بابن علية ثقة من (٨) (أخبرنا معمر) بن راشد البصري (عن) عبد الله بن مسلم (أخي الزهري) وقوله: (بهذا الإسناد) يعني عن حمزة عن أبيه متعلق بحدثني إسماعيل وكذا قوله: (مثله) مفعول ثان له والضمير عائد لعبد الأعلى والمعنى: حدثني إسماعيل بن إبراهيم عن معمر بهذا الإسناد مثله أي مثل ما حدث عبد الأعلى عن معمر (و) لكن (لم يذكر) إسماعيل لفظة (مزعة) بالرفع على الحكاية يعني أنه لم يقل في روايته: (وليس في وجهه مزعة لحم) بل قال: (وليس في وجهه لحم) وهذا استثناء من المماثلة فغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة إسماعيل لعبد الأعلى بن عبد الأعلى. ثم ذكر المؤلف المتابعة فيه ثانيًا فقال: (٢٢٧٩) (٠) (٠) (حدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو الأموي المصري (أخبرنا عبد الله بن وهب) المصري (أخبرني الليث) بن سعد المصري (عن عبيد الله بن أبي جعفر) يسار الكناني مولاهم أبي بكر المصري ثقة من (٥) (عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع أباه يقول قال رسول الله ﷺ وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مصريون وواحد مكي وواحد مدني غرضه بسوقه بيان متابعة عبيد الله بن أبي

стр. 4755

"مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ". (٢٢٨٥) (١٠٠٦) - (١٥٦) حدَّثنا أَبُو كُرَيبٍ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأعلَى. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا. فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ" ــ جعفر لعبد الله بن مسلم الزهري في رواية هذا الحديث عن حمزة بن عبد الله: (ما يزال الرجل) منكم وكذا المرأة (يسأل الناس) لغير ضرورة (حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم) وكرر المتن هنا لما بين الروايتين من المخالفة في بعض الكلمات. ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة ﵃: فقال: (٢٢٨٠) (١٠٠٦) (١٥٦) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي (وواصل بن عبد الأعلى) بن هلال الأسدي الكوفي ثقة من (١٠) كلاهما (قالا: حدثنا) محمد (بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي صدوق من (٩) (عن عمارة بن القعقاع) بن شبرمة الضبي الكوفي ثقة من (٦) (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي ثقة من (٣) (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا أبا هريرة وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من سأل الناس أموالهم تكثرًا) أي تجمعًا للمال- الكثير وهو مفعول لأجله أي سأل المال ليكثر ماله لا للاحتياج إليه اهـ ابن الملك. (فإنما يسأل جمرًا) أي شعلة وقطعة من نار جهنم يعني أن ما أخذ سبب للعقاب بالنار وجعله جمرًا للمبالغة في التهديد فهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] أي ما يوجب نارًا في العقبى وعارًا في الدنيا ويجوز أن يكون جمرًا حقيقة يعذب به كما ثبت لمانعي الزكاة (فليستقل أو ليستكثر) أي ليطلب منه قليلًا إن شاء أو كثيرًا منه ولينظر عاقبة أمره. قال القرطبي: هو أمر على جهة التهديد أو على جهة الإخبار عن مآل حاله والمعنى فإنه يعاقب على القليل من ذلك وعلى الكثير اهـ مفهم.

стр. 4756

(٢٢٨١) (١٠٠٧) (١٥٧) حدّثني هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ. حَدَّثَنَا أبُو الأَحْوَصِ، عَنْ بَيَانِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ قَيسِ بْنِ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنِ النَّاسِ، خَيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْألَ رَجُلًا، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذلِكَ. فَإِن الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى. وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ" ــ قال السندي: والأمر فيه للتهديد أو للتوبيخ نظير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] والمعنى سواء عليه استكثر منه أو استقل. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٢٣١) وابن ماجه (١٨٣٨). ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث آخر لأبي هريرة ﵃ فقال: (٢٢٨١) (١٠٠٧) (١٥٧) (حدثنا هناد بن السري) بن مصعب التميمي أبو السري الكوفي ثقة من (١٠) (حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي الكوفي ثقة من (٧) (عن بيان) بن بشر الأحمسي (أبي بشر) الكوفي المعلم ثقة من (٥) (عن قيس بن أبي حازم) عوف بن عبد الحارث بن عوف الأحمسي أبي عبد الله الكوفي ثقة مخضرم من (٢) (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا أبا هريرة. (قال) أبو هريرة: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: لأن يغدو) أي لأن يبكر ويذهب (أحدكم) صباحًا إلى المحتطب وهو في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء مقرون بلام الابتداء أو للقسم بدليل الرواية الآتية (فيحطب) بكسر الطاء من باب ضرب أي فيجمع الحطب ويحمله (على ظهره) فيدخل به السوق فيبيعه (فيتصدق به) أي ببعض ثمنه (ويستغني به) أي ببعض ثمنه الآخر في مؤنته ومؤنة عياله (عن) مسئلة (الناس). وقوله: (خير له) خبر المبتدإ (من أن يسأل رجلًا) سواء (أعطاه) ذلك الرجل مسؤوله (أو منعه ذلك) المسؤول يعني يستوي الأمران في أنه خير له منه وقوله (ذلك) إشارة إلى ما يسأله وهو مفعول ثان للفعلين على سبيل التنازع ثم علل الخيرية بقوله: (فإن اليد العليا) أي المعطية (أفضل) أي خير (من البد السفلى) أي من الآخذة (وابدأ) في إنفاق ما حصلته (بمن تعول) أي بمن تمونهم وتنفقهم من نفسك وعيالك ثم تتصدق بما بقى منهم ففيه الحض على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ولو امتهن المرأ نفسه في

стр. 4757

(٢٢٨٢) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ــ طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك ولولا قبح المسئلة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها وذلك لما يدخل على السائل من ذم السؤال ومن ذل الرد إذا لم يعط ولما يدخل على المسؤول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل. وأما قوله: (خير له) فليست المفاضلة على بابها إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل وتسميته الذي يعطاه خيرًا وهو في الحقيقة شر والله أعلم. وقال السندي: (قوله خير من أن يسأل رجلًا) أي لو فرض في السؤال خير لكان هذا خيرًا منه وإلا فمعلوم أنه لا خيرية في السؤال. قال الحافظ: ومن المواضع التي وقع فيها التردد من لا شيء له فالأولى في حقه أن يكتسب للصون عن ذل السؤال أو يترك وينتظر ما يفتح عليه بغير مسئلة فصح عن أحمد مع ما اشتهر من زهده وورعه أنه قال لمن سأله عن ذلك: الزم السوق وقال لآخر: استغن عن الناس فلم أر مثل الغنى عنهم وقال: ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على الله وأن يعودوا أنفسهم التكسب ومن قال بترك التكسب فهو أحمق يريد تعطيل الدنيا نقله عنه أبو بكر المروزي وقال: أجرة التعليم والتعلم أحب إيئَ من الجلوس لانتظار ما في أيدي الناس وقال أيضًا: من جلس ولم يحترف دعته نفسه إلى ما في أيدي الناس وأسند عن عمر ﵁: كسب فيه بعض الشيء خير من الحاجة إلى الناس وأسند عن سعيد بن المسيب أنه قال عند موته وترك مالًا: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعه إلا لأصون به ديني وعن سفيان الثوري وعن أبي سليمان الداراني ونحوهما من السلف نحوه بل نقله البربهاري عن الصحابة والتابعين وأنه لا يحفظ عن أحد منهم أنه ترك تعاطي الرزق مقتصرًا على ما يفتح عليه اهـ فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٤٧٥) والترمذي (٦٨٠). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: (٢٢٨٢) (وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي صدوق من (١٠) (حدثنا يحيى بن سعيد) القطان البصري (عن إسماعيل) بن أبي خالد سعد البجلي

стр. 4758

حَدَّثَنِي قَيسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ. قَال: أَتَينَا أَبَا هُرَيرَةَ، فَقَال: قَال النبِي ﷺ : "وَاللهِ! لأن يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهُ". ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ بَيَانٍ. (٢٢٨٣) (٠) (٠) حدَّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأعلَى. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لأن يَحْتَزِمَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ، ــ الأحمسي أبي عبد الله الكوفي ثقة من (٤) (حَدَّثَنِي قيس بن أبي حازم) الأحمسي الكوفي ثقة من (٢) (قال أتينا أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته غرضه بيان متابعة إسماعيل بن أبي خالد لبيان بن بشر في رواية هذا الحديث عن قيس بن أبي حازم. (فقال: قال النبي ﷺ : والله لأن يغدو) ويبكر (أحدكم) إلى المحتطب (فيحطب) أي فيحمل الحطب (على ظهره فيبيعه ثم ذكر) إسماعيل (بمثل حديث بيان). ثم ذكر المؤلف المتابعة فيه ثانيًا فقال: (٢٢٨٣) (٠) (٠) (حدثني أبو الطاهر) المصري (ويونس بن عبد الأعلى) الصدفي المصري (قالا: حدثنا ابن وهب) المصري (أخبرني عمرو بن الحارث) المصري (عن ابن شهاب) المدني (عن أبي عبيد) سعد بن عبيد (مولى عبد الرحمن بن عوف) ويقال: مولى عبد الرحمن بن أزهر الزهري المدني ثقة من (٢) روى عنه في (٤) أبواب (أنه سمع أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه (يقول: قال رسول الله ﷺ وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مصريون واثنان مدنيان والله: (لأن يحتزم) أي لأن يحتطب (أحدكم حزمة) أي مجموعة (من حطب). قال ابن الملك: الحزمة قدر ما يحمل بين العضدين والصدر ويستعمل فيما يحمل على الظهر من الحطب. قال النواوي: فيه الحث على الصدقة والأكل من عمل يده والاكتساب بالمباحات

стр. 4759

فَيَحْمِلَهَا عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، خَيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا، يُعْطِيهِ أَوْ يَمْنَعُهُ". (٢٢٨٤) (١٠٠٨) - (١٥٨) حدّثني عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ (قَال سَلَمَةُ: حَدَّثَنَا. وَقَال الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ الدِّمَشْقِيُّ) حَدَّثَنَا سَعِيدٌ (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ أَبِي مُسْلِمِ الْخَوْلانِيِّ ــ كالحطب والحشيش النابتين في موات (فيحملها على ظهره فيبيعها) في السوق وينفق ثمنها في مؤنته ومؤنة عياله ويتصدق الفاضل منها (خير له من أن يسال رجلًا) سواء كان (يعطيه) لما فيه حينئذ من ذل السؤال والمن (أو) كان (يمنعه) لما فيه من ذل السؤال والرد. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنهما فقال: (٢٢٨٤) (١٠٠٨) (١٥٨) (حدثني عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن مهران (الدارمي) أبو محمد السمرقندي ثقة متقن من (١١) روى عنه في (١٤) بابا (وسلمة بن شبيب) المسمعي أبو عبد الله النيسابوري ثقة من (١١) روى عنه في (٤) أبواب (قال سلمة: حدثنا وقال الدارمي: أخبرنا مروان وهو ابن محمد) بن حسان الأسدي أبو بكر (الدمشقي) ثقة من (٩) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا سعيد وهو ابن عبد العزيز) التنوخي أبو محمد الدمشقي الفقيه ثقة من (٧) روى عنه في (٤) أبواب تقريبًا (عن ربيعة بن يزيد) الإيادي القصير أبي شعيب الدمشقي فقيه أهل دمشق ثقة من (٤) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبي إدريس) عائذ الله بن عبد الله بن عمرو (الخولاني) العوذي الشامي ثقة من (٢) روى عنه في (٨) أبواب. (عن أبي مسلم) عبد الله بن ثوب بضم المثلثة وفتح الواو بعدها موحدة وقيل: ابن أثوب بوزن أحمر وقيل: أبو ثواب وقيل: ابن عوف وقيل: غير ذلك اليماني (الخولاني) الشامي مشهور بالزهد والكرامات الظاهرة والمحاسن الباهرة أسلم في زمن النبي ﷺ وألقاه الأسود العنسي في النار فلم يحترق فتركه فجاء مهاجرًا إلى رسول الله ﷺ فتوفي النبي ﷺ وهو في الطريق فجاء إلى المدينة فلقي أبا بكر وعمر وغيرهما من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين روى عن

стр. 4760

قَال: حَدَّثَنِي الْحَبِيبُ الأَمِينُ. أَمَّا هُوَ فَحَبِيبٌ إِلَيَّ. وَأَمَّا هُوَ عِنْدِي، فَأَمِينٌ. عَوْفُ بْنُ مَالِكِ الأَشْجَعِيُّ. قَال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً. فَقَال: "أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ " وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيعَةٍ. فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ! ثُمَّ قَال: "أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ " فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ! ثُمَّ قَال: "أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ " قَال: فَبَسَطْنَا أَيدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَعَلامَ ــ عوف بن مالك الأشجعي في الزكاة وعمر ومعاذ وعبادة بن الصامت وأبي عبيدة بن الجراح ويروي عنه (م عم) وأبو إدريس الخولاني وشرحبيل بن مسلم الخولاني وجبير بن نفير وغيرهم وثقه ابن سعد وابن معين وقال العجلي: شامي تابعي ثقة من كبار التابعين ثقة مخضرم من الثانية. (قال) أبو مسلم: (حدثني الحبيب الأمين أما هو) أي أما الذي حدثني (ف) هو (حبيب إليَّ) أي عندي (وأما هو عندي فأمين) على ما يحدث. وقوله: (عوف بن مالك) بدل من الحبيب الأمين أو عطف بيان منه (الأشجعي) الغطفاني الصحابي المشهور من مسلمة الفتح أبو حماد الدمشقي. وهذا السند من سباعياته رجاله ستة منهم شاميون وواحد إما سمرقندي أو نيسابوري. (قال) عوف بن مالك: (كنا عند رسول الله ﷺ تسعة) أنفار (أو ثمانية أو سبعة) وأو للشك أو للإضراب (فقال) رسول الله ﷺ : (ألا تبايعون) أيها الأنفار (رسول الله) ﷺ على الإسلام ففيه التفات من التكلم إلى الغيبة وكان مقتضى الظاهر: ألا تبايعوني (وكنا حديث عهد) وزمن (ببيعة) معه ﷺ (فقلنا) له: (قد بايعناك يا رسول الله) من قبل (ثم قال) مرة ثانية: (ألا تبايعون رسول الله فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله ثم قال) مرة ثالثة: (ألا تبايعون رسول الله قال) عوف بن مالك: (فبسطنا) أي مددنا (أيدينا) إليه ﷺ (وقلنا) له: (قد بايعناك) أولًا (يا رسول الله) على الإسلام (فعلام) بحذف ألف ما الاستفهامية لدخول حرف الجر عليها فرقًا بينها وبين ما الموصولة نظير عم يتساءلون أي فعلى أي شيء

стр. 4761

نُبَايِعُكَ؟ قَال: "عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا. وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَأَنْ تُطِيعُوا (وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً) وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيئًا" فَلَقَدْ رَأَيتُ بَعْضَ أُولئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ. فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاولُهُ إِيَّاهُ ــ (نبايعك) الآن (قال) تبايعوني: (على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا و) على أداء (الصلوات الخمس و) على (أن تطيعو) في فيما أمرت ونهيت وفي رواية أبي داود: (وتسمعوا وتطيعوا) قال عوف بن مالك: (وأسر) النبي ﷺ أي أخفى منا ولم يجهر (كلمة خفية) لم نسمعها لعدم تعلق تكليف بها (و) على أن (لا تسألوا الناس شيئًا) أي من السؤال أو من الأشياء اهـ عون. وهذا موضع الترجمة من الحديث قال عوف بن مالك أيضًا: (فـ) وَالله (لقد رأيت بعض أولئك النفر) الذين بايعوا الرسول ﷺ على أن لا يسألوا الناس شيئًا (يسقط سوط أحدهم) من يده وهو راكب على دابته (فما يسأل أحدًا) من الناس (يناوله إياه) أي ذلك السوط. قال النواوي: فيه التمسك بالعموم لأنهم نهوا عن السؤال فحملوه على عمومه وفيه الحث على التنزيه عن جميع ما يسمى سؤالًا وإن كان حقيرًا والله أعلم. وفي المشكاة عن أبي ذر قال (دعاني رسول الله ﷺ وهو يشترط على أن لا تسأل الناس شيئًا قلت: نعم قال: ولا سوطك إن سقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه) رواه أحمد. قال القرطبي: وأخذه ﷺ على أصحابه في البيعة أن لا يسألوا أحدًا شيئًا حمل لهم على مكارم الأخلاق والترفع عن تحمل منن الخلق وتعليم الصبر على مضض الحاجات والاستغناء عن الناس وعزة النفوس ولما أخذهم بذلك التزموه في جميع الأشياء وفي كل الأحوال حتى فيما لا تلحق فيه منة طردًا للباب وحسمًا للذرائع اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٦/ ٢٧) وأبو داود (١٦٤٢) والنسائي (١/ ٢٢٩) وابن ماجه (٢٨٦٧). ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث قبيصة بن مخارق ﵁ فقال:

стр. 4762

(٢٢٨٥) (١٠٠٩) - (١٥٩) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. كِلاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيدٍ. قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِيَابٍ. حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيمٍ الْعَدَويُّ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلالِيِّ. قَال: تَحَمَّلْتُ حَمَالةً ــ (٢٢٨٥) (١٠٠٩) (١٥٩) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وقتيبة بن سعيد) بن طريف الثقفي البلخي (كلاهما عن حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري (قال يحيى: أخبرنا حماد بن زيد عن هارون بن رياب) بكسر الراء المهملة وتحتانية مخففة وباء موحدة التميمي الأسيدي بضم الهمزة وكسر التحتانية المشددة أبي بكر البصري من بني كاهل بن نمير بن أسيد بن عمرو بن تميم روى عن كنانة بن نعيم في الزكاة وأنس وابن المسيب والأحنف بن قيس ويروي عنه (م د س) وحماد بن زيد وأيوب والأوزاعي وحماد بن سلمة وغيرهم قال النسائي: ثقة وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث وقال يعقوب بن سفيان: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات له في (م) فرد حديث في الزكاة وقال في التقريب: ثقة عابد من السادسة. (حدثني كنانة بن نعيم العدوي) أبو بكر البصري روى عن قبيصة بن مخارق في الزكاة وأبي برزة الأسلمي في الفضائل ويروي عنه (م دس) وهارون بن رياب وغيرهم قال ابن سعد: كان معروفًا ثقة وقال العجلي: تابعي بصري ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب: ثقة من الرابعة. (عن قبيصة بن مخارق) بضم الميم وتخفيف المعجمة بن عبد الله بن شداد العامري (الهلالي) البصري الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم بصريون وواحد إما نيسابوري أو بلخي. (قال) قبيصة: (تحملت حمالةً) بفتح الحاء وتخفيف الميم أي استدنت دينًا والتزمته والحمالة بفتح الحاء المهملة وتخفيف الميم هي المال الذي يتحمله الإنسان أي يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين كالإصلاح بين قبيلتين ونحو ذلك وإنما تحل له المسألة ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية اهـ نووي. وفي نهاية ابن الأثير: الحمالة بالفتح ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة

стр. 4763

فَأَتَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا. فَقَال: "أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ. فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا". قَال: ثُمَّ قَال: "يَا قَبِيصَةُ! إِن الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلا لأحَدِ ثَلاثَةٍ: ــ مثل أن يقع حرب بين فريقين يسفك فيهما الدماء فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى ليصلح ذات البين والتحمل أن يحملها عنهم على نفسه اهـ والعرب كانوا يعدون ذلك شرفًا. قال القرطبي: (قوله: تحملت حمالة) أي ألزمتها نفسي والحمالة ما لزم الإنسان تحمله من غرم أو دية وكانت الرب إذا وقعت بينهم ثائرة اقتضت غرمًا في دية أو غيرها قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك والقيام به حتى ترتفع تلك الثائرة ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق ولا يصدر مثله إلا عن سادات الناس وخيارهم وكانت الرب لكرمها إذا علمت بأن أحدًا تحمل حمالة بادروا إلى معونته وأعطوه ما يتم به وجه مكرمته وتبرأ به ذمته ولو سأل المتحمل في تلك الحمالة لم يعد ذلك نقصًا بل شرفًا وفخرًا ولذلك سأل هذا الصحابي رسول الله ﷺ في حمالته التي تحملها على عاداتهم فأجابه ﷺ إلى ذلك بحكم المعونة على المكرمة ووعده النبي ﷺ بمال من الصدقة لأنه غارم من جملة الغارمين المذكورين في آية الصدقات اهـ من المفهم. (فأتيت رسول الله ﷺ حالة كوني (أسأله) ﷺ صدقة تكون معونة لي (فيها) أي في قضاء تلك الحمالة أو أساله مالًا لأجل وفاء تلك الحمالة ففي بمعنى لام التعليل (فقال) رسول الله ﷺ : (أقم) يا قبيصة من الإقامة بمعنى اثبت واصبر وكن مقيمًا في المدينة اهـ من العون. (حتى تأتينا الصدقة) أي يحضرنا مالها يعني الزكاة (فنأمر لك) السعاة (بها) أي بإعطاء الصدقة لك أي بإعطاء ما توفي به دينك من مال الزكاة أو بوفاء الحمالة. وفي العون: قوله: (فنأمر لك بها) أي بالصدقة أو بالحمالة. (قال) قبيصة: (ثم قال) لي رسول الله ﷺ : (يا قبيصة إن المسألة) أي السؤال والشحذة (لا تحل إلا لأحد ثلاثة) من الأشخاص.

стр. 4764

رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ. وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ (أَوْ قَال: سِدَادًا مِنْ عَيشٍ) ــ قال القرطبي: لما قرر النبي ﷺ منع قاعدة المسألة من الناس بما تقدم من الأحاديث وبمبايعتهم على ذلك وكانت الحاجات والفاقات تنزل بهم فيحتاجون إلى السؤال بين لهم النبي ﷺ من يخرج من عموم تلك القاعدة وهم هؤلاء الثلاثة اهـ من المفهم. وفي شرح ابن الملك: قالوا: هذا بحث سؤال الزكاة وأما سؤال صدقة التطوع فمن لا يقدر على كسب لكونه زمنًا أو ذا علة أخرى جاز له السؤال بقدر قوت يومه ولا يدخر وإن كان قادرًا عليه فتركه لاشتغال العلم جاز له الزكاة وصدقة التطوع فإن تركه لاشتغال صلاة التطوع وصيامه لا تجوز له الزكاة ويكره له صدقة التطوع قاله في المرقاة. (رجل) بالجر بدل من أحد وقال ابن الملك: من ثلاثة وبالرفع خبر لمبتدإ محذوف تقديره: أحدها رجل (تحمل) أي التزم (حمالة) أي دينًا لأجل تسكين فتنة وقعت بين القوم (فحلت) أي جازت (له المسألة) أي السؤال بشرط أن يترك الإلحاح والتغليظ في الخطاب (حتى يصيبها) أي حتى يجد ما يوفي به تلك الحمالة ويؤدي ذلك الدين (ثم يمسك) نفسه عن السؤال يعني إذا أخذ من الصدقات ما يؤدي به ذلك الدين لا يجوز له أخذ شيء آخر منها ذكره ابن الملك. (و) ثانيها (رجل أصابته) في ماله (جائحة) أي آفة وحادثة مستأصلة من جاحه يجوحه إذا استاصله وهي الآفة المهلكة للثمار والأموال قال القرطبي: والجائحة الآفة التي تجتاح المال وتتلفه إتلافًا ظاهرًا كالسيل والحرق والسرق وغلبة العدو وغير ذلك مما يكون إتلافه للمال ظاهرًا (فحلت) أي جازت إله المسألة) أي سؤال الناس (حتى يصيب) ويجد (قوامًا من عيش) والقوام بكسر القاف ما يقوم به العيش وبفتحها الاعتدال أي حلت له المسألة إلى أن يجد ما تقوم به حاجته من معيشته أي إلى أن يدرك ما تقوم به حاجته الضرورية (من عيش) أي معيشة من قوت ولباس وسكن (أو قال) شك من الراوي أي أو قال رسول الله ﷺ حتى يصيب: (سدادًا من عيش) والسداد بكسر السين ما يسد الفقر ويدفع ويكفي الحاجة. وقال النواوي: القوام والسداد بكسر أولهما بمعنى واحد وهو ما يغني من الشيء وما تسد به الحاجة وكل شيء سددت به شيئًا فهو سداد ومنه سداد الثغر وسداد القارورة

стр. 4765

وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ، ــ والسداد بفتح أوله الإصابة في الشيء وقوله: (حتى يصيبها ثم يمسك وحتى يصيب قوامًا) فيه حد الإباحة إلى زوال الموجب لها ثم عوده إلى الأصل السابق الممنوع اهـ من المفهم. (و) ثالثها (رجل) أي غني (أصابته فاقة) أي حاجة شديدة اشتهر بها بين قومه (حتى يقوم) ويقول على رؤوس الأشهاد (ثلاثة من ذوي الحجا) بكسر الحاء وفتح الجيم مقصورًا أي من أصحاب العقل الكامل (من قومه) أي من جيرانه ممن له خبرة بباطنه وإنما قال ﷺ : (من قومه) لأنهم من أهل الخبرة بباطنه والمال مما يخفى في العادة فلا يعلمه إلا من كان خبيرًا بصاحبه أي حتى يقوموا قائلين على رؤوس الإشهاد والله (لقد أصابت فلانًا فاقة) أي فقر بعد غناه والمراد المبالغة في ثبوت الفاقة وإلا فبينة الإعسار كبينة غيره. قال النواوي: هكذا هو في جميع النسخ (يقوم) بالميم والذي في سنن أبي داود (يقول) باللام كما في نسخة عندنا وفي قوله: (من ذوي الحجا) تنبيه على أنه يشترط في الشاهد التيقظ فلا يقبل من مغفل. قال السندي: وهذا كناية عن كون تلك الفاقة محققة لا مخيلة حتى لو استشهد عقلاء قومه بتلك الفاقة شهدوا بها والله تعالى أعلم. والفرق بين هذا القسم والقسم السابق أن الفاقة في القسم الأول ظاهرة بين غالب الناس وفي هذا القسم خفية عنهم وقال ابن الملك: وهذا على سبيل الاستحباب والاحتياط ليكون أدل على براءة السائل عن التهمة في ادعائه وأدعى للناس إلى سرعة إجابته وخص بكونهم من قومه لأنهم هم العالمون بحاله وهذا من باب التبيين والتعريف إذ لا مدخل لعدد الثلاث من الرجال في شيء من الشهادات عند أحد من الأئمة وقيل: إن الإعسار لا يثبت عند البعض إلا بثلاثة لأنها شهادة على النفي فثلثت على خلاف ما اعتيد في الإثبات للحاجة. وقال السيد جمال الدين نقلًا عن التخريج: أخذ بظاهر الحديث بعض أصحابنا وقال الجمهور: يقبل من عدلين وحملوا الحديث على الاستحباب وهذا محمول على من
следующие страницы →