← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

نُبَايِعُكَ؟ قَال: "عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا. وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَأَنْ تُطِيعُوا (وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً) وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيئًا" فَلَقَدْ رَأَيتُ بَعْضَ أُولئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ. فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاولُهُ إِيَّاهُ ــ (نبايعك) الآن (قال) تبايعوني: (على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا و) على أداء (الصلوات الخمس و) على (أن تطيعو) في فيما أمرت ونهيت وفي رواية أبي داود: (وتسمعوا وتطيعوا) قال عوف بن مالك: (وأسر) النبي ﷺ أي أخفى منا ولم يجهر (كلمة خفية) لم نسمعها لعدم تعلق تكليف بها (و) على أن (لا تسألوا الناس شيئًا) أي من السؤال أو من الأشياء اهـ عون. وهذا موضع الترجمة من الحديث قال عوف بن مالك أيضًا: (فـ) وَالله (لقد رأيت بعض أولئك النفر) الذين بايعوا الرسول ﷺ على أن لا يسألوا الناس شيئًا (يسقط سوط أحدهم) من يده وهو راكب على دابته (فما يسأل أحدًا) من الناس (يناوله إياه) أي ذلك السوط. قال النواوي: فيه التمسك بالعموم لأنهم نهوا عن السؤال فحملوه على عمومه وفيه الحث على التنزيه عن جميع ما يسمى سؤالًا وإن كان حقيرًا والله أعلم. وفي المشكاة عن أبي ذر قال (دعاني رسول الله ﷺ وهو يشترط على أن لا تسأل الناس شيئًا قلت: نعم قال: ولا سوطك إن سقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه) رواه أحمد. قال القرطبي: وأخذه ﷺ على أصحابه في البيعة أن لا يسألوا أحدًا شيئًا حمل لهم على مكارم الأخلاق والترفع عن تحمل منن الخلق وتعليم الصبر على مضض الحاجات والاستغناء عن الناس وعزة النفوس ولما أخذهم بذلك التزموه في جميع الأشياء وفي كل الأحوال حتى فيما لا تلحق فيه منة طردًا للباب وحسمًا للذرائع اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٦/ ٢٧) وأبو داود (١٦٤٢) والنسائي (١/ ٢٢٩) وابن ماجه (٢٨٦٧). ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث قبيصة بن مخارق ﵁ فقال:

стр. 4762

(٢٢٨٥) (١٠٠٩) - (١٥٩) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. كِلاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيدٍ. قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِيَابٍ. حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيمٍ الْعَدَويُّ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلالِيِّ. قَال: تَحَمَّلْتُ حَمَالةً ــ (٢٢٨٥) (١٠٠٩) (١٥٩) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وقتيبة بن سعيد) بن طريف الثقفي البلخي (كلاهما عن حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري (قال يحيى: أخبرنا حماد بن زيد عن هارون بن رياب) بكسر الراء المهملة وتحتانية مخففة وباء موحدة التميمي الأسيدي بضم الهمزة وكسر التحتانية المشددة أبي بكر البصري من بني كاهل بن نمير بن أسيد بن عمرو بن تميم روى عن كنانة بن نعيم في الزكاة وأنس وابن المسيب والأحنف بن قيس ويروي عنه (م د س) وحماد بن زيد وأيوب والأوزاعي وحماد بن سلمة وغيرهم قال النسائي: ثقة وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث وقال يعقوب بن سفيان: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات له في (م) فرد حديث في الزكاة وقال في التقريب: ثقة عابد من السادسة. (حدثني كنانة بن نعيم العدوي) أبو بكر البصري روى عن قبيصة بن مخارق في الزكاة وأبي برزة الأسلمي في الفضائل ويروي عنه (م دس) وهارون بن رياب وغيرهم قال ابن سعد: كان معروفًا ثقة وقال العجلي: تابعي بصري ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب: ثقة من الرابعة. (عن قبيصة بن مخارق) بضم الميم وتخفيف المعجمة بن عبد الله بن شداد العامري (الهلالي) البصري الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم بصريون وواحد إما نيسابوري أو بلخي. (قال) قبيصة: (تحملت حمالةً) بفتح الحاء وتخفيف الميم أي استدنت دينًا والتزمته والحمالة بفتح الحاء المهملة وتخفيف الميم هي المال الذي يتحمله الإنسان أي يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين كالإصلاح بين قبيلتين ونحو ذلك وإنما تحل له المسألة ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية اهـ نووي. وفي نهاية ابن الأثير: الحمالة بالفتح ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة

стр. 4763

فَأَتَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا. فَقَال: "أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ. فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا". قَال: ثُمَّ قَال: "يَا قَبِيصَةُ! إِن الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلا لأحَدِ ثَلاثَةٍ: ــ مثل أن يقع حرب بين فريقين يسفك فيهما الدماء فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى ليصلح ذات البين والتحمل أن يحملها عنهم على نفسه اهـ والعرب كانوا يعدون ذلك شرفًا. قال القرطبي: (قوله: تحملت حمالة) أي ألزمتها نفسي والحمالة ما لزم الإنسان تحمله من غرم أو دية وكانت الرب إذا وقعت بينهم ثائرة اقتضت غرمًا في دية أو غيرها قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك والقيام به حتى ترتفع تلك الثائرة ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق ولا يصدر مثله إلا عن سادات الناس وخيارهم وكانت الرب لكرمها إذا علمت بأن أحدًا تحمل حمالة بادروا إلى معونته وأعطوه ما يتم به وجه مكرمته وتبرأ به ذمته ولو سأل المتحمل في تلك الحمالة لم يعد ذلك نقصًا بل شرفًا وفخرًا ولذلك سأل هذا الصحابي رسول الله ﷺ في حمالته التي تحملها على عاداتهم فأجابه ﷺ إلى ذلك بحكم المعونة على المكرمة ووعده النبي ﷺ بمال من الصدقة لأنه غارم من جملة الغارمين المذكورين في آية الصدقات اهـ من المفهم. (فأتيت رسول الله ﷺ حالة كوني (أسأله) ﷺ صدقة تكون معونة لي (فيها) أي في قضاء تلك الحمالة أو أساله مالًا لأجل وفاء تلك الحمالة ففي بمعنى لام التعليل (فقال) رسول الله ﷺ : (أقم) يا قبيصة من الإقامة بمعنى اثبت واصبر وكن مقيمًا في المدينة اهـ من العون. (حتى تأتينا الصدقة) أي يحضرنا مالها يعني الزكاة (فنأمر لك) السعاة (بها) أي بإعطاء الصدقة لك أي بإعطاء ما توفي به دينك من مال الزكاة أو بوفاء الحمالة. وفي العون: قوله: (فنأمر لك بها) أي بالصدقة أو بالحمالة. (قال) قبيصة: (ثم قال) لي رسول الله ﷺ : (يا قبيصة إن المسألة) أي السؤال والشحذة (لا تحل إلا لأحد ثلاثة) من الأشخاص.

стр. 4764

رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ. وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ (أَوْ قَال: سِدَادًا مِنْ عَيشٍ) ــ قال القرطبي: لما قرر النبي ﷺ منع قاعدة المسألة من الناس بما تقدم من الأحاديث وبمبايعتهم على ذلك وكانت الحاجات والفاقات تنزل بهم فيحتاجون إلى السؤال بين لهم النبي ﷺ من يخرج من عموم تلك القاعدة وهم هؤلاء الثلاثة اهـ من المفهم. وفي شرح ابن الملك: قالوا: هذا بحث سؤال الزكاة وأما سؤال صدقة التطوع فمن لا يقدر على كسب لكونه زمنًا أو ذا علة أخرى جاز له السؤال بقدر قوت يومه ولا يدخر وإن كان قادرًا عليه فتركه لاشتغال العلم جاز له الزكاة وصدقة التطوع فإن تركه لاشتغال صلاة التطوع وصيامه لا تجوز له الزكاة ويكره له صدقة التطوع قاله في المرقاة. (رجل) بالجر بدل من أحد وقال ابن الملك: من ثلاثة وبالرفع خبر لمبتدإ محذوف تقديره: أحدها رجل (تحمل) أي التزم (حمالة) أي دينًا لأجل تسكين فتنة وقعت بين القوم (فحلت) أي جازت (له المسألة) أي السؤال بشرط أن يترك الإلحاح والتغليظ في الخطاب (حتى يصيبها) أي حتى يجد ما يوفي به تلك الحمالة ويؤدي ذلك الدين (ثم يمسك) نفسه عن السؤال يعني إذا أخذ من الصدقات ما يؤدي به ذلك الدين لا يجوز له أخذ شيء آخر منها ذكره ابن الملك. (و) ثانيها (رجل أصابته) في ماله (جائحة) أي آفة وحادثة مستأصلة من جاحه يجوحه إذا استاصله وهي الآفة المهلكة للثمار والأموال قال القرطبي: والجائحة الآفة التي تجتاح المال وتتلفه إتلافًا ظاهرًا كالسيل والحرق والسرق وغلبة العدو وغير ذلك مما يكون إتلافه للمال ظاهرًا (فحلت) أي جازت إله المسألة) أي سؤال الناس (حتى يصيب) ويجد (قوامًا من عيش) والقوام بكسر القاف ما يقوم به العيش وبفتحها الاعتدال أي حلت له المسألة إلى أن يجد ما تقوم به حاجته من معيشته أي إلى أن يدرك ما تقوم به حاجته الضرورية (من عيش) أي معيشة من قوت ولباس وسكن (أو قال) شك من الراوي أي أو قال رسول الله ﷺ حتى يصيب: (سدادًا من عيش) والسداد بكسر السين ما يسد الفقر ويدفع ويكفي الحاجة. وقال النواوي: القوام والسداد بكسر أولهما بمعنى واحد وهو ما يغني من الشيء وما تسد به الحاجة وكل شيء سددت به شيئًا فهو سداد ومنه سداد الثغر وسداد القارورة

стр. 4765

وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ، ــ والسداد بفتح أوله الإصابة في الشيء وقوله: (حتى يصيبها ثم يمسك وحتى يصيب قوامًا) فيه حد الإباحة إلى زوال الموجب لها ثم عوده إلى الأصل السابق الممنوع اهـ من المفهم. (و) ثالثها (رجل) أي غني (أصابته فاقة) أي حاجة شديدة اشتهر بها بين قومه (حتى يقوم) ويقول على رؤوس الأشهاد (ثلاثة من ذوي الحجا) بكسر الحاء وفتح الجيم مقصورًا أي من أصحاب العقل الكامل (من قومه) أي من جيرانه ممن له خبرة بباطنه وإنما قال ﷺ : (من قومه) لأنهم من أهل الخبرة بباطنه والمال مما يخفى في العادة فلا يعلمه إلا من كان خبيرًا بصاحبه أي حتى يقوموا قائلين على رؤوس الإشهاد والله (لقد أصابت فلانًا فاقة) أي فقر بعد غناه والمراد المبالغة في ثبوت الفاقة وإلا فبينة الإعسار كبينة غيره. قال النواوي: هكذا هو في جميع النسخ (يقوم) بالميم والذي في سنن أبي داود (يقول) باللام كما في نسخة عندنا وفي قوله: (من ذوي الحجا) تنبيه على أنه يشترط في الشاهد التيقظ فلا يقبل من مغفل. قال السندي: وهذا كناية عن كون تلك الفاقة محققة لا مخيلة حتى لو استشهد عقلاء قومه بتلك الفاقة شهدوا بها والله تعالى أعلم. والفرق بين هذا القسم والقسم السابق أن الفاقة في القسم الأول ظاهرة بين غالب الناس وفي هذا القسم خفية عنهم وقال ابن الملك: وهذا على سبيل الاستحباب والاحتياط ليكون أدل على براءة السائل عن التهمة في ادعائه وأدعى للناس إلى سرعة إجابته وخص بكونهم من قومه لأنهم هم العالمون بحاله وهذا من باب التبيين والتعريف إذ لا مدخل لعدد الثلاث من الرجال في شيء من الشهادات عند أحد من الأئمة وقيل: إن الإعسار لا يثبت عند البعض إلا بثلاثة لأنها شهادة على النفي فثلثت على خلاف ما اعتيد في الإثبات للحاجة. وقال السيد جمال الدين نقلًا عن التخريج: أخذ بظاهر الحديث بعض أصحابنا وقال الجمهور: يقبل من عدلين وحملوا الحديث على الاستحباب وهذا محمول على من

стр. 4766

فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ. حَتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ (أَوْ قَال: سِدَادًا مِنْ عَيشٍ) فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ، يَا قَبِيصَةُ! سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا" ــ عرف له مال فلا يقبل قوله في تلفه والإعسار إلا ببينة وأما من لم يعرف له مال فالقول قوله في عدم المال كذا في المرقاة. (فحلت) أي جازت (له المسألة) أي السؤال (حتى يصيب) أي إلى أن يجد (قوامًا من عيش) أي كفاية من معيشته الضرورية من طعام ولباس (أو قال) النبي ﷺ : (سدادًا من عيش) بالشك من الراوي (فما سواهن) أي سوى هذه الأقسام الثلاثة (من المسألة) يكون (يا قبيصة سحتًا) أي حرامًا. قال النواوي: هكذا هو في جميع النسخ (سحتًا) بالنصب ورواية غير مسلم: (سحت) بالرفع على الخبرية وهذا واضح ورواية مسلم صحيحة أيضًا ولكن فيها حذف تقديره يكون سحتًا أو اعتقده يا قبيصة سحتًا أو يؤكل سحتًا اهـ. والسحت بضمتين وبسكون ثانيه وهو الأكثر الحرام الذي لا يحل كسبه لأنه يسحت البركة أي يذهبها. (يأكلها) أي يأكل ما يحصل له بالمسئلة قاله الطيبي أي يأكل تلك المسألة قال في السبل: يأكلها أي الصدقة أنث لأنه جعل السحت عبارة عنها وإلا فالضمير له (صاحبها) أي يأكل صاحب تلك الصدقة وسائلها حالة كونها (سحتًا) أي حرامًا عليه. وفي العون: قوله: (سحتًا) نصب على التمييز أو بدل من الضمير في يأكلها أو حال منه. قال ابن الملك: وتانيث الضمير بمعنى الصدقة أو المسألة اهـ. وقال القرطبي: قوله: (فما سواهن سحت) الخ هذا الحديث مخصوص بحديث سمرة الذي أخرجه أبو داود مرفوعًا (المسائل كدوح يكدح الرجل بها وجهه إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بدًا) وما تدعو الحاجة والضرورة إلى المسألة فيه يزيد على الثلاثة المذكورين في هذا الحديث الذي نحن باحثون عنه اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ٤٧٧) وأبو داود (١٦٤٠) والنسائي (٥/ ٨٩). واختلف فيمن تحل له الزكاة والمسألة قال الترمذي في حديث ابن مسعود: قيل: يا

стр. 4767

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رسول الله وما يغنيه قال: خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب والعمل على هذا عند بعض أصحابنا كالثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق قال: ووسع قوم في ذلك فقالوا: إذا كان عنده خمسون درهمًا أو أكثر وهو محتاج فله أن يأخذ من الزكاة وهو قول الشافعي وغيره من أهل العلم اهـ. وقال الشافعي: قد يكون الرجل غنيًّا بالدرهم مع الكسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله وفي المسألة مذاهب أخرى لا نطيل بذكرها اهـ من فتح الملهم. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب خمسة أحاديث: الأول: حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة. والثاني: حديث عبد الله بن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعتين. والثالث: حديث أبي هريرة ذكره استشهادًا لحديث ابن عمر وذكر فيه متابعتين. والرابع: حديث عوف بن مالك ذكره أيضًا استشهادًا لحديث ابن عمر. والخامس: حديث قبيصة بن المخارق ذكره استدلالًا على الجزء الأخير من الترجمة والله أعلم. ***

стр. 4768

٤٣١ - (٤٩) باب إباحة الأخذ لمن أعطى من غير سؤال ولا استشراف وكراهة الحرص على المال والعمر (٢٢٨٦) (١٠١٠) - (١٦٠) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ. فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيهِ مِنِّي. حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالا. فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيهِ مِنِّي. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذْهُ. وَمَا جَاءَكَ مِنْ هذَا الْمَالِ ــ ٤٣١ - (٤٩) باب إباحة الأخذ لمن أعطى من غير سؤال ولا استشراف وكراهة الحرص على المال والعمر (٢٢٨٦) (١٠١٠) (١٦٥) (وحدثنا هارون بن معروف) المروزي أبو علي الضرير (حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (ح وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس) بن يزيد الأموي الأيلي (عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه) ﵁ (قال) ابن عمر: (سمعت) والدي (عمر بن الخطاب يقول): وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان أو مصري ومروزي وواحد مكي وواحد أيلي وفيه رواية صحابي عن صحابي وتابعي عن تابعي وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والتحويل. (قد كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء) قيل: كان ذلك أجر عمله في الصدقة اهـ مرقاة ويدل عليه حديث ابن الساعدي الآتي. (فأقول) له ﷺ : (أعطه) إما ضمير للعطاء وإما هاء السكت كما في المرقاة. أي أعط هذا العطاء (أفقر إليه) أي أحوج إلى هذا العطاء (مني) وفيه دليل على زهده وإيثاره لغيره على نفسه (حتى أعطاني) أي فأعطاني (مرة مالًا فقلت) له: (أعطه أفقر إليه مني فقال) لي (رسول الله ﷺ : خذه) أي خذ هذا العطاء (وما جاءك من هذا المال) الذي لك فيه حق كمال الفيء وسهم العامل من الزكاة وسهم المجاهد مما

стр. 4769

وَأَنْتَ غَيرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ. وَمَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ" ــ يقسمه الإمام على كل الناس غنيًّا أو فقيرًا (وأنت) أي والحال أنك (غير مشرف) أي غير متطلع إليه ولا طامع فيه ولا حريص عليه (ولا سائل) أي طالب له. قال أبو داود: سألت أحمد عن إشراف النفس فقال: بالقلب وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه فقال: هو أن يقول مع نفسه: يبعث إلي فلان بكذا وقال الأثرم: يضيق عليه أن يرده إذا كان كذلك اهـ فتح الملهم. (فخذه) أمر على جهة الندب والإرشاد لمصلحة. قال القرطبي: إشراف النفس تطلعها وتشوفها وشرحها لأخذ المال ولا شك أن هذه الأمور إذا كانت هي الباعثة على الأخذ للمال كان ذلك من أدل دليل على شدة الرغبة في الدنيا والحب لها وعدم الزهد فيها والركون إليها والتوسع فيها وكل ذلك أحوال مذمومة فنهاه عن الأخذ على هذه الحالة اجتنابًا للمذموم وقمعًا لداوعي النفس ومخالفة لها في هواها فإن من لم يكن كذلك جاز له الأخذ للأمن من تلك العلل المذمومة قال الطحاوي: وليس معنى هذا الحديث في الصدقات وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم اهـ من المفهم. (ومالا) أي وما لا يجيئك إلا بتطلع إليه واستشراف عليه (فلا تتبعه نفسك) من الإتباع بالتخفيف أي فلا تجعل نفسك تابعة له ولا توصل المشقة إليها في طلبه اهـ مرقاة. وقال القرطبي: أي لا تعلقها ولا تطمعها في ذلك فإذا فعلت ذلك بها سكنت ويئست وهذا النهي على الكراهة يرشد إلى المصلحة التي في الإعراض. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري (٧١٦٤) وأبو داود (١٦٧١) والنسائي (٥/ ١٠٥). وقال الطبري: اختلف الناس فيما أمر النبي ﷺ به عمر من ذلك بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد فقيل: هو ندب إلى عطية السلطان وغيره وقيل بل ذلك إلى عطية غير السلطان وأما عطية السلطان فقد حرمها قوم وكرهها آخرون فأما من حمل الحديث على عطية السلطان وأنها مندوب إليها فذلك إنما يصح أن يقال: إذا كانت أموالهم كما كانت أموال سلاطين السلف مأخوذة من وجوهها غير ممنوعة من مستحقيها فأما اليوم فالأخذ من أموالهم إما حرام وإما مكروه والله سبحانه أعلم اهـ من المفهم.

стр. 4770

(٢٢٨٧) (٠) (٠) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْعَطَاءَ. فَيَقُولُ لَهُ عُمَرُ: أَعْطِهِ، يَا رَسُولَ اللهِ! أَفْقَرَ إِلَيهِ مِنِّي. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ. وَمَا جَاءَكَ مِنْ هذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ. وَمَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ" ــ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عمر ﵁ فقال: (٢٢٨٧) (٠) (٠) (وحدثني أبو الطاهر) المصري (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) المصري (أخبرني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري المصري (عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه). وهذا السند من سداسياته غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عمرو بن الحارث ليونس بن يزيد في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول لأن يونس بن يزيد له أوهام فيما رواه عن الزهري. (أن رسول الله ﷺ كان يعطي عمر بن الخطاب العطاء) الذي هو من مال الله تعالى كما مر آنفًا (فيقول له) ﷺ (عمر: أعطه) أي أعط هذا العطاء (يا رسول الله أفقر) وأحوج (إليه مني فقال له رسول الله ﷺ : خذه) أي خذ هذا العطاء (فتموله) أي أدخله في مالك إن كنت محتاجًا (أو تصدق به) أي على أفقر منك إن كان فاضلًا عنك عما لا بد لك منه. قال ابن بطال: أشار ﷺ على عمر بالأفضل لأنه وإن كان ماجورًا بإيثاره بعطائه على نفسه من هو أفقر إليه منه فإن أخذه للعطاء ومباشرته للصدقة بنفسه أعظم لأجره وهذا يدل على عظيم فضل الصدقة بعد التمول لما في النفوس من الشح على المال. وعبارة النهاية (فتموله) أي اجعله لك مالًا على تقدير الاحتياج (أو تصدق به) على تقدير الاستغناء عنه اهـ. (وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك

стр. 4771

قَال سَالِمٌ: فَمِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَسْأَلُ أَحَدا شَيئًا. وَلَا يَرُدُّ شَيئًا أُعْطيَهُ. (٢٢٨٨) (٠) (٠) وحدّثني أَبُو الطاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. قَال عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ بِمِثْلِ ذلِكَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، ــ قال سالم) بالسند السابق (فمن أجل ذلك) أي فمن أجل ما قال النبي ﷺ لعمر (كان ابن عمر لا يسأل أحدًا شيئًا ولا يرد شيئًا أعطيه) أي أعطاه أحدٌ إياه. قال الحافظ: وهذا بعمومه ظاهر في أنه كان لا يرد ما فيه شبهة وقد ثبت أنه كان يقبل هدايا المختار بن أبي عبيد الثقفي وهو أخو صفية زوج ابن عمر بنت أبي عبيد وكان المختار غلب على الكوفة وطرد عمال عبد الله بن الزبير وأقام أميرا عليها مدة في غير طاعة الخليفة وتصرف فيما تحصل منها من المال على ما يراه ومع ذلك فكان ابن عمر يقبل هداياه وكان مستنده أن له حقًّا في بيت المال فلا يضره على أي كيفية وصل إليه أو كان يرى أن التبعة في ذلك على الآخذ الأول أو أن للمعطي المذكور مالًا آخر في الجملة وحقًا ما في المال المذكور فلما لم يتميز وأعطاه له عن طيب نفس دخل في عموم قوله: (ما أتاك من هذا المال من غير سؤال ولا استشراف فخذه) فرأى أنه لا يستثنى من ذلك إلا ما علمه حرامًا محضًا اهـ فتح الملهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا من حديث عمر رضي الله تعالى عنه فقال: (٢٢٨٨) (٠) (٠) (وحدثني أبو الطاهر) المصري (أخبرنا ابن وهب) المصري قال ابن وهب: (قال) لنا (عمرو) بن الحارث المصري حدثني ابن شهاب بأحاديث كثيرة: (وحدثني) أيضًا (ابن شهاب بمثل ذلك) فالواو وعاطفة على محذوف كما قدرناه وقد مر نظائره في الكتاب مرارًا أي بمثل ما حدثني عن سالم بن عبد الله (عن السائب بن يزيد) ابن سعيد بن ثمامة الكندي الحجازي المدني المعروف بابن أخت نمر الصحابي ابن الصحابي. وهنا إسقاط من السند أسقطه مسلم أو شيخه تقديره: (عن حويطب) مصغرًا (بن عبد العزى) بن أبي قيس بن عبد ود بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة العامري القرشي أبي محمد الحجازي المدني يقال من

стр. 4772

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ــ مسلمة الفتح له صحبة من النبي ﷺ ﵁ مات بالمدينة سنة (٥٤) أربع وخمسين وهو ابن مائة وعشرين سنة وله دار بالمدينة بالبلاط عند أصحاب المصاحف روى عن عبد الله بن السعدي في الزكاة ويروي عنه (خ م) والسائب بن يزيد وليس في مسلم حويطب إلا هذا الصحابي الجليل. (عن عبد الله) بن وقدان المعروف بـ (ابن السعدي) لأن أباه وقدان استرضع في بني سعد بن بكر بن هوازن فأبوه وقدان بن عبد شمس بن عبد ود بن نضر بن مالك بن حسل القرشي العامري الشامي الأردني الصحابي المشهور مات سنة (٥٧) سبع وخمسين روى عن عمر بن الخطاب في الزكاة ويروي عنه (خ م د س) وحويطب بن عبد العزى وعبد الله بن محيريز له عندهما فرد حديث. (عن عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ . وهذا السند من ثمانياته على ما قررناه وهو الصحيح الذي اتفق عليه الجماعة أعني عن الزهري عن السائب عن حويطب عن ابن السعدي عن عمر بن الخطاب وهذا السند مما استدرك به على مسلم لأن في ظاهر سند الإمام مسلم انقطاعًا لأن السائب بن يزيد لم يسمع من عبد الله بن السعدي إنما سمعه من حويطب بن عبد العزى قال القرطبي: وحديث عبد الله بن السعدي هذا فيه انقطاع فإن مسلمًا رواه من حديث السائب بن يزيد عن ابن السعدي وبينهما رجل وهو حويطب بن عبد العزى قاله النسائي وغيره اهـ من المفهم. ولم نكتب هذا السند في رسالتنا الجهيرية في الأسانيد الثمينية نظرًا لظاهر ما ذكره الإمام مسلم في صحيحه والحق إلحاقه بالثمينية ورجاله أربعة منهم مدنيون وثلاثة مصريون وواحد شامي أردني ومن لطائفه أنه اجتمع فيه أربعة صحابيون روى بعضهم عن بعض روى السائب عن حويطب عن ابن السعدي عن عمر. غرضه بسوقه بيان متابعة عبد الله بن السعدي لعبد الله بن عمر في رواية هذا الحديث عن عمر وقد بسط النووي وغيره من الشراح الكلام هنا فراجعه وفي ما ذكرناه كفاية لمن اكتفى فلا نطيل الكلام بذكر كلامهم والله أعلم. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث عمر ﵁ فقال:

стр. 4773

(٢٢٨٩) (٠) (٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنْ بُكَيرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ الْمَالِكِيِّ؛ أَنَّهُ قَال: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى الصَّدَقَةِ. فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا، وَأدَّيتُهَا إِلَيهِ، أَمَرَ لِي بِعُمَالةٍ. فَقُلْتُ: إِئمَا عَمِلْتُ لِلهِ، وَأَجْرِي عَلَى اللهِ. فَقَال: خُذْ مَا ــ (٢٢٨٩) (٠) (٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (حدثنا ليث) بن سعد المصري (عن بكير) بن عبد الله بن الأشج المخزومي مولاهم أبي عبد الله المدني ثم المصري ثقة من (٥) (عن بسر بن سعيد) مولى ابن الحضرمي المدني ثقة من (٢) (عن) عبد الله (بن الساعدي) قال النواوي: هذا تحريف والصواب (عن ابن السعدي) نسبة إلى بني سعد بن بكر بن هوازن لأن أباه وقدان استرضع فيهم كما مر آنفًا. (المالكي) نسبة إلى أحد أجداده مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب الصحابي الجليل الشامي رضي الله تعالى عنه (أنه) أي أن عبد الله بن السعدي المالكي (قال استعملني عمر بن الخطاب) أي جعلني عاملًا (على الصدقة) والزكاة أي واليًا على أخذها من أرباب الأموال وجمعها. وهذا السند من سداسياته رجالة اثنان منهم مدنيان واثنان مصريان وواحد شامي وواحد بلخي غرضه بيان متابعة بسر بن سعيد لحويطب بن عبد العزى على ما هو الصواب وللسائب على ما ذكره مسلم في رواية هذا الحديث عن ابن السعدي. (فلما فرغت منها) أي من جمع الصدقة (وأديتها) أي أديت وسلمت الصدقة المجموعة (إليه) أي إلى عمر (أمر لي) أي أمر بعض من يلي قسم الصدقات أن يعطيني (بعمالة) بضم العين وتثلث أي بأجرة عملي كما في القاموس. قال القرطبي: والعمالة ما يعطاه العامل على عمله وهي الأجرة اهـ من المفهم. وأما العمالة بالفتح فهي نفس العمل. قال الحافظ: وروينا في الجزء الثالث من فوائد أبي بكر النيسابوري زيادات من طريق عطاء الخراساني عن عبد الله بن السعدي قال: قدمت على عمر فأرسل إلي بألف دينار فرددتها وقلت: أنا عنها غني فذكره أيضًا بنحوه واستفيد منه قدر العمالة المذكورة اهـ فتح الملهم. (فقلت) لعمر: (إنما عملت لله وأجري على الله) تعالى (فقال) لي عمر: (خذ ما

стр. 4774

أُعْطِيتَ. فَإِني عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَعَمَّلَنِي. فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ. فَقَال لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أُعْطِيتَ شَيئًا مِنْ غَيرِ أَنْ تَسْأَلَ، فَكُلْ وَتَصَدَّقْ" ــ أعطيت) بصيغة المجهول المسند إلى ضمير المخاطب أي ما أعطيتك من العمالة (فإني عملت) في جمع الزكوات (على عهد رسول الله ﷺ فعملني) بتشديد الميم أي أعطاني رسول الله ﷺ أجرة عملي. قال الطحاوي: فليس معنى هذا الحديث في الصدقات وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام وليست هي من جهة الفقر ولكن من الحقوق فلما قال عمر: (أعطه أفقر إليه مني) لم يرض بذلك لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر قال: ويؤيده قوله في رواية شعيب: (خذه فتموله) فدل ذلك على أنه ليس من الصدقات. وقال الطبري: في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت كان يأخذ الأجر على القضاء واحتج أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض الله تعالى للعاملين على الصدقة وجعل لهم منها حقًّا لقيامهم وسعيهم فيها اهـ فتح الملهم. (فقلت) لرسول الله ﷺ (مثل قولك) لي يعني إنما عملت لله (فقال لي رسول الله ﷺ : إذا أعطيت شيئًا من غير أن تسأل فـ) ـخذه ولا ترده ثم (كلـ) ـه إن كنت محتاجًا إليه (وتصدق) به إن كنت مستغنيًا عنه. قال القرطبي: (قوله: فكل وتصدق) يدل على أنه حلال طيب يصلح للأكل والتصدق وغيرهما وأما ما لا يكون كذلك فلا يصلح لشيء من ذلك كما تقدم وهذا الحديث أصل في أن كل من عمل للمسلمين عملًا من أعمالهم العامة كالولاية والقضاء والحسبة والإمامة فأرزاقهم في بيت مال المسلمين وأنهم يعطون ذلك بحسب عملهم اهـ من المفهم قال النواوي: في هذا الحديث منقبة لعمر وبيان فضله وزهده وإيثاره (قلت): وكذا لابن السعدي فقد طابق فعله فعل عمر سواءً اهـ قال الطبري (قوله: فكل وتصدق) اختلفوا فيه بعد إجماعهم على أنه ندب فقيل: هو ندب لكل من أعطي عطية أبي قبولها كائنًا من كان وهذا هو الراجح يعني بشرط عدم السؤال وإشراف النفس وقيل: هو مخصوص بالسلطان ويؤيده حديث سمرة في السنن (إلا أن يسأل السلطان) وكان بعضهم يقول: يحرم قبول

стр. 4775

(٢٢٩٠) (٠) (٠) وحدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيرِ بْنِ الأشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ السَّعْدِيِّ؛ أَنَّهُ قَال: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطابِ، عَلَى الصَّدَقَةِ. بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيثِ. (٢٢٩١) (١٠١) - (١٦١) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ــ العطية من السلطان وبعضهم يقول: يكره وهو محمول على ما إذا كانت العطية من السلطان الجائر والكراهة محمولة على الورع وهو المشهور من تصرف السلف والله أعلم والتحقيق في المسئلة أن من علم كون ماله حلالًا فلا ترد عطيته ومن علم كون ماله حرامًا فتحرم عطيته ومن شك فيه فالاحتياط رده وهو الورع ومن أباحه أخذ بالأصل كذا في الفتح اهـ فتح الملهم. ثم ذكر المؤلف المتابعة رابعًا في حديث عمر ﵁ فقال: (٢٢٩٠) (٠) (٠) (وحدثني هارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي (الأيلي) ثم المصري (حدثنا) عبد الله (بن وهب) المصري (أخبرني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري المصري (عن بكير) بن عبد الله (بن الأشج) المخزومي المصري (عن بسر بن سعيد) المدني (عن) عبد الله (بن السعدي) الشامي (أنه قال: استعملني عمر بن الخطاب على الصدقة) وساق عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج (بمثل حديث الليث) عن بكير. غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عمرو بن الحارث لليث بن سعد في الرواية عن بكير بن الأشج. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال: (٢٢٩١) (١٠١) (١٦١) (حدثنا زهير بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أس هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد نسائي حالة كون أبي هريرة.

стр. 4776

يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ . قَال: "قَلْبُ الشَّيخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَينِ: حُبِّ الْعَيشِ، وَالْمَالِ". (٢٢٩٢) (٠) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ ــ (يبلغ به النبي ﷺ أي يوصله إلى النبي ﷺ ولا يقفه على نفسه بل يرفعه إلى النبي ﷺ (قال) النبي ﷺ (قلب الشيخ) لا جسمه (شاب) أي قوي مستمر (على حب اثنتين) أي خصلتين ملازم له يعني قلب الشيخ كامل الحب لشيئين ومستمر عليه لا يفارقه حبهما (حب العيش) والحياة (و) حب (المال). وأخرج البيهقي من وجه آخر عن أبي هريرة بزيادة في أوله قال: (إن ابن آدم يضعف جسمه وينحل لحمه وقلبه شاب). قال النواوي: هذا مجاز واستعارة ومعناه أن قلب الشيخ كامل الحب للمال متحكم في ذلك كاحتكام قوة الشاب في شبابه اهـ. والتعبير بالشاب إشارة إلى كثرة الحرص وبعد الأمل الذي هو في الشباب أكثر وبهم أليق لكثرة الرجاء عادة في طول أعمارهم ودوام استمتاعهم ولذاتهم في الدنيا قال القرطبي: في هذا الحديث كراهة الحرص على طول العمر وكثرة المال وأن ذلك ليس بمحمود وقال غيره: الحكمة في التخصيص بهذين الأمرين أن أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه فهو راغب في بقائها فاحب لذلك طول العمر وأحب المال لأنه من أعظم الأسباب في دوام الصحة التي ينشأ عنها غالبًا طول العمر فكلما أحس بقرب نفاد ذلك اشتد حبه له ورغبته في دوامه اهـ فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٣٣٥ و ٣٣٨) والبخاري (٦٤٢٠) والترمذي (٢٣٣٨) وابن ماجه (٤٢٣٣). ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: (٢٢٩٢) (٠) (وحدثني أبو الطاهر وحرملة) بن يحيى المصريان (قالا: أخبرنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب) المخزومي المدني (عن أبي هريرة).

стр. 4777

أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "قَلْبُ الشَّيخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَينِ: طُولُ الْحَيَاةِ، وَحُبُّ الْمَالِ". (٢٢٩٣) (١٠١٢) - (١٦٢) وحدّثني يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ. قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ" ــ وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي غرضه بسوقه بيان متابعة سعيد بن المسيب للأعرج في الرواية عن أبي هريرة. (أن رسول الله ﷺ قال: قلب الشيخ شاب) أي حريص (على حب اثنتين) أي خصلتين (طول الحياة) والعمر (وحب) كثرة (المال) بالرفع فيهما على أنهما خبران لمحذوف تقديره: هما ويصح الجر على البدلية وفيه ذم الأمل والحرص اهـ من تيسير المناوي. ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما فقال: (٢٢٩٣) (١٠١٢) (١٦٢) (وحدثني يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وسعيد بن منصور) بن شعبة الخراساني ثم المكي ثقة من (١٠) (وقتيبة بن سعيد كلهم عن أبي عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي ثقة من (٧) (قال يحيى: أخبرنا أبو عوانة عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري ثقة مدلس من (٤) (عن أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم بصريان وواحد واسطي وواحد إما نيسابوري أو مكي أو بلخي. (قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : يهرم ابن آدم) بفتح الراء من باب فرح أي يشيب جسمه (وتشب منه اثنتان) بكسر الشين المعجمة وتشديد الموحدة أي ينمو ويقوى من أخلاقه وخصاله اثنتان (الحرص على المال والحرص على العمر) والحياة وإنما لم تنكسر هاتان الخصلتان لأن الإنسان مجبول على حب الشهوات كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ الآية والشهوة إنما تنال بالمال والعمر والعمر مدة أجله الله تعالى لعباده في دار الفناء لا ينقص ولا يزيد اهـ مبارق. ولفظ البخاري في الرقاق (يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان طلب المال وطول العمر) اهـ.

стр. 4778

(٢٢٩٤) (٠) (٠) وحدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَن نَبِيَّ اللهِ ﷺ . قَال بِمِثْلِهِ. (٢٢٩٥) (٠) (٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَال: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . بِنَحْوهِ. (٢٢٩٦) (١٠١٣) - (١٦٣) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ــ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ١٩٢ و ٢٥٦) والبخاري (٦٤٢١) والترمذي (٢٤٥٥) وابن ماجه (٤٢٣٤). ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال: (٢٢٩٤) (٠) (٠) (وحدثني أبو غسان) مالك بن عبد الواحد (المسمعي) البصري ثقة من (١٠) (ومحمد بن المثنى) العنزي البصري (قالا: حدثنا معاذ بن هشام) الدستوائي البصري (حدثني أبي) هشام بن سنبر الدستوائي البصري (عن قتادة عن أنس أن نبي الله ﷺ قال) يهرم ابن آدم الحديث السابق وساق هشام (بمثله) أي بمثل حديث أبي عوانة غرضه بيان متابعة هشام لأبي عوانة. ثم ذكر المؤلف المتابعة فيه ثانيًا فقال: (٢٢٩٥) (٠) (٠) (وحدثنا محمد بن المثنى و) محمد (بن بشار) البصريان (قالا: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري المعروف بغندر (حدثنا شعبة) بن الحجاج البصري (قال) شعبة: (سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك) ففيه تصريح بسماع قتادة عن أنس (عن النبي ﷺ وساق شعبة (بنحوه) أي بنحو حديث أبي عوانة عن قتادة غرضه بيان متابعة شعبة لأبي عوانة وتقدم الفرق بين النحو والمثل في أوائل الكتاب فجدد العهد به لأنه المهم في صحيح مسلم. ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر لأنس ﵄ فقال: (٢٢٩٦) (١٠١٣) (١٦٣) (حدثنا يحيى بن يحيى) النيسابوري (وسعيد بن منصور)

стр. 4779

وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ كَانَ لا بْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا. وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلا التُّرَابُ. وَيتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ" ــ ابن شعبة المكي (وقتيبة بن سعيد) البلخي (قال: يحيى أخبرنا وقال الآخران: حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ . وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم بصريان وواحد واسطي وواحد إما نيسابوري وإما مكي وإما بلخي. (لو كان لابن آدم واديان) مملوءان (من مال) أي لو حصل له واديان من مال فكان تامة والجار والمجرور صفة للواديين وفي رواية (من ذهب) وفي أخرى (من فضة وذهب) ذكره المناوي (لابتغى) وطلب (واديًا ثالثًا) يضمه إليهما لشدة حرصه على المال وفي المشارق زيادة إليهما بعده. فقال ابن الملك: الابتغاء هو الطلب عدى هنا بإلى لتضمنه معنى الضم يعني لضم إليهما واديًا ثالثًا وهلم جرا وجملة قوله: (ولا يملأ جوف ابن آم إلا التراب) مستأنفة استئنافًا بيانيًا يعني أنه لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه من تراب قبره اهـ نواوي. وههنا (نكتة) وهي أن في ذكر ابن آدم دون الإنسان تلويحًا إلى أنه مخلوق من تراب ومن طبيعته القبض واليبس وإزالته ممكنة بأن يمطر الله تعالى عليه من تمام توفيقه كما يدل عليه قوله في الحديث: (ويتوب الله) (على من تاب) من حرصه فإنه في موضع إلا من عصمه الله أفاده ابن الملك وقال النواوي: معناه أن الله تعالى يقبل التوبة من التائب عن حرصه المذموم وعن غيره من المذمومات. وفي بعض الروايات الآتية: (ولن يملأ فاه) وفي أخرى: (ولا يملأ نفس ابن آدم) قال الكرماني: ليس المراد الحقيقة في عضو بعينه بقرينة عدم الانحصار في التراب إذ غيره يملؤه أيضًا بل هو كناية عن الموت لأنه مستلزم للامتلاء فكأنه قال: لا يشبع من الدنيا حتى يموت فالغرض من العبارات كلها واحد وهي من التفنن في العبارة. (قلت): وهذا يحسن في فيما إذا اختلفت مخارج الحديث وأما إذا اتحدت فهو من تصرف الرواة كذا في الفتح.

стр. 4780

(٢٢٩٧) (٠) (٠) وحدّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَال ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ. قَال: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (فَلَا أَدْرِي أَشَيءٌ أُنْزِلَ أَمْ شَيءٌ كَانَ يَقُولُهُ) ــ قوله: (إلا التراب) أي تراب قبره ففيه تنبيه نبيه على أن البخل المورث للحرص مركوز في جبلة الإنسان. قال الحافظ: ويحتمل أن تكون الحكمة في ذكر التراب دون غيره أن المرء لا ينقص طعمه حتى يموت فإذا مات كان من شأنه أن يدفن فإذا دفن صب عليه التراب فملأ جوفه وفاه وعينيه ولم يبق منه موضع يحتاج إلى تراب غيره وأما بالنسبة إلى الفم فلكونه الطريق إلى الوصول إلى الجوف اهـ. قوله: (ويتوب الله على من تاب) أي إن الله يقبل التوبة من الحريص كما يقبلها من غيره قيل: وفيه إشارة إلى ذمّ الاستكثار من جمع المال وتمنى ذلك والحرص عليه للإشارة إلى أن الذي يترك ذلك يطلق عليه أنه تاب ويحتمل أن يكون تاب بالمعنى اللغوي وهو مطلق الرجوع أي رجع عن ذلك الفعل والتمني. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ٢٤٣) والبخاري (٦٤٣٩) والترمذي (٢٣٣٧) والله أعلم. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال: (٢٢٩٧) (٠) (٠) (وحدثنا ابن المثنى وابن بشار قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر أخبرنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك) ﵁ (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول) الحديث السابق زاد شعبة في روايته لفظة قال أنس (فلا أدري) والله أعلم (أشيء) أي هل هذا الكلام المذكور في الحديث شيء (أنزل) على رسول الله ﷺ في القرآن (أم) هو (شيء كان يقوله) أي يقول لفظه من عند نفسه لا معناه لأن المعنى لا يكون إلا وحيا أي فلا أدري أمن القرآن هو أنزل الله سبحانه أم هو من عند رسول الله ﷺ كان يقوله أولًا ويقال: إنه كان قرآنًا فنسخ خطه وفي رواية لأنس عن أبي قال: (كنا نرى هذا من القرآن حتى نزل

стр. 4781

بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ. (٢٢٩٨) (٠) (٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَال: "لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنَّ لَهُ وَادِيًا آخَرَ. وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إلا التُّرَابُ. وَاللهُ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ" ــ ألهاكم التكاثر) كما في رقاق المرقاة فكأنما هم شاكون في قرآنيته مع عدم كونه على أسلوب بلاغته وساق شعبة (بمثل حديث أبي عوانة) مع هذه الزيادة المذكورة. قال الأبي: المراد بحديث أبي عوانة المتقدم في حديث (يهرم ابن آدم ويشب منه اثنتان) فهو الذي شك فيه أنس ها هنا. اهـ منه غرضه بيان متابعة شعبة لأبي عوانة والله أعلم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال: (٢٢٩٨) (٠) (٠) (وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك). وهذا السند من خماسياته غرضه بسوقه بيان متابعة ابن شهاب لقتادة في رواية هذا الحديث عن أنس وفائدتها تقوية السند الأول لأن قتادة مدلس. (عن رسول الله ﷺ أنه قال: لو كان لابن آدم واد) أصله وادي نظير قاض عومل معاملته اسم كان مؤخر (من ذهب) تمييز مجرور بمن البيانية (أحب) فعل ماض جواب لو أي تمنى (أن له واديًا آخر) أي كون واد آخر له (ولن يملأ فاه إلا التراب) أي تراب قبره وهذا كناية عن الموت (والله يتوب على من تاب) من الحرص. قال الطيبي: يمكن أن يكون معناه أن الآدمي مجبول على حب المال وأنه لا يشبع من جمعه إلا من حفظه الله تعالى ووفقه لإزالة هذه الجبلة عن نفسه وقليل ما هم فوضع (والله يتوب) موضعه إشعارًا بأن هذه الجبلة مذمومة جارية مجرى الذنب وأن إزالتها ممكنة بتوفيق الله تعالى وتسديده وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ففي إضافة الشح إلى النفس دلالة على أنه غريزة فيها وفي قوله: (ومن يوق) إشارة إلى إمكان إزالة ذلك ثم رتب الفلاح على ذلك. قال: وتؤاخذ المناسبة أيضًا من ذكر التراب فإن فيه إشارة إلى أن الآدمي خلق من التراب ومن طبعه القبض واليبس وأن إزالته

стр. 4782

(٢٢٩٩) (١٠١٤) - (١٦٤) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. قَالا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدِ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ. قَال: سَمِعْتُ عَطَاءَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَوْ أَنَّ لابْنِ آدَمَ مِلْءَ وَادٍ مَالًا لأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِلَيهِ مِثْلُهُ. وَلَا يَمْلأُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ إلا التُّرَابُ. وَاللهُ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ". قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَا أَدْرِي أَمِنَ الْقُرْآنِ هُوَ أَمْ لَا ــ ممكنة بأن يمطر الله عليه ما يصلحه حتى يثمر الخلال الزكية والخصال المرضية قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ فوقع قوله (والله يتوب) موقع الاستدراك أي إن ذلك العسر الصعب يمكن أن يكون يسيرًا على من يسره الله تعالى عليه اهـ منه. ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة ﵁ فقال: (٢٢٩٩) (١٠١٤) (١٦٤) (وحدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (وهارون بن عبد الله) بن مروان البزاز أبو موسى البغدادي المعروف بالحمال ثقة من (١٠) (قالا: حدثنا حجاج بن محمد) الأعور البغدادي ثم المصيصي ثقة من (٩) (عن) عبد الملك (بن جريج) الأموي المكي (قال: سمعت عطاء) بن أبي رباح القرشي مولاهم أبا محمد المكي ثقة من (٣) (يقول: سمعت ابن عباس). وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مكيان واثنان بغداديان أو بغدادي ونسائي وواحد طائفي. (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو أن لابن آم ملء واد مالًا) تمييز ملء (لأحب أن يكون) منضمًا (إليه مثله) اسم يكون مؤخر أي لأحب أن يكون مثله منضمًا إليه لشدة حرصه (ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب والله يتوب على من تاب). وقوله: (سمعت رسول الله ﷺ هذا من الأحاديث التي صرح فيها ابن عباس بسماعه من النبي ﷺ وهي قليلة بالنسبة لمرويه عنه فإنه أحد المكثرين ومع ذلك فتحمله كان أكثره عن كبار الصحابة. (قال ابن عباس) بالسند السابق: (فلا أدري) ولا أعلم (أمن القرآن هو) أي الكلام الذي سمعته من رسول الله ﷺ (أم لا) أي أم لم يكن من القرآن بل هو

стр. 4783

وَفِي رِوَايَةِ زُهَيرٍ قَال: فَلَا أَدْرِي أَمِنَ الْقُرْآنِ. لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ. (٢٣٠٠) (١٠١٥) - (١٦٥) حدّثني سُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَلِى بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: بَعَثَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ ــ من كلامه ﷺ (وفي رواية زهير: قال) ابن عباس: (فلا أدري أمن القرآن) هو أم لا يعني (لم يذكر) زهير لفظة (ابن عباس). هذا بيان لما وقع من المخالفة بين شيخيه وهذا الذي شك فيه ابن عباس غير الذي شك فيه أنس قاله الأبي وفي أحاديث الباب ذم الحرص والشره ومن ثم آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا والقناعة باليسير والرضا بالكفاف. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته البخاري فقط أخرجه في الرقاق عن أبي عاصم. ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي موسى ﵄ فقال: (٢٣٠٠) (١٠١٥) (١٦٥) (حدثني سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني نسبة إلى الحديثة اسم بلدة على الفرات (حدثنا علي بن مسهر) القرشي أبو الحسن الكوفي قاضي الموصل ثقة من (٨) (عن داود) بن أبي هند دينار القشيري مولاهم أبي بكر المصري أو البصري ثقة من (٥) (عن أبي حرب بن أبتي الأسود) الديلي البصري اسمه كنيته وقيل: محجن وقيل: عطاء وقيل: خليفة والأول هو الأصح روى عن؛ أبيه أبي الأسود الديلي في الزكاة وعمه وعبد الله بن عمرو بن العاص ويروي عنه (م د ت ق) وداود بن أبي هند وقتادة ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من قراء أهل البصرة وقال: كان معروفًا وله أحاديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب: ثقة من الثالثة مات سنة (١٠٩) تسع ومائة. (عن أبيه) أبي الأسود الدؤلي البصري ظالم بن عمرو بن سفيان واضع النحو ثقة فاضل مخضرم (قال) أبو الأسود: (بعث أبو موسى الأشعري) عبد الله بن قيس الكوفي. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان كوفيان وواحد حدثاني وفيه رواية تابعي عن تابعي وولد عن والد.

стр. 4784

إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. فَدَخَلَ عَلَيهِ ثَلاثُمائَةِ رَجُلٍ قَدْ قَرَؤُوا الْقُرْآنَ. فَقَال: أنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ. فَاتْلُوهُ. وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيكُمُ الأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ. كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. وَإِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً. كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي الطُولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ. فَأُنْسِيتُهَا. غَيرَ أَنِّي قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا: لَوْ كَانَ لابنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا. وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلا التُّرَابُ. وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةَ كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ. فَأُنْسِيتُهَا. غَيرَ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْهَا: ــ (إلى قراء أهل البصرة) وكانوا فقهاء لأنهم كانوا يتفقهون في القرآن كما يدل عليه حديث أبي موسى (فدخل عليه) أي على أبي موسى (ثلاثمائة رجل قد قرؤوا القرآن) وحفظوه (فقال) لهم أبو موسى: (أنتم) أيها الحاضرون (خيار أهل البصرة) وفقهاؤهم (وقراؤهم فاتلوه) أي فاتلو القرآن ولازموا تلاوته (ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم) الأمد الغاية والمدة والقسوة غلظ القلب وفيه تلميح إلى قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ اهـ نواوي. أي ولا يعجبنكم طول مدة البقاء في الدنيا فتستطيبوا طولها فتطمعوا فيه فتقسو قلوبكم أي فتكون قلوبكم غليظة قاسية عن قبول الخير. قال القرطبي: يعني به لا تستطيبوا طول مدة البقاء في الدنيا فإن ذلك مفسد للقلب بما يجره إليها من الحرص والقسوة حتى لا تلين لذكر الله ولا تنتفع بموعظة ولا زجر كما قال ﷺ (إن أخوف ما أخاف على أمتي اتباع الهوى وطول الأمل فاتباع الهوى يصرف قلوبكم عن الحق وطول الأمل يصرف هممكم إلى الدنيا وما بعدهما لأحد خير من دنيا ولا آخرة) رواه ابن عدي في الكامل اهـ من المفهم. (كما قست) وغلظت (قلوب من كان قبلكم) من الأمم بطول الأمد وأبت عن قبول كل خير إلا اتباع الهوى (وإنا) معاشر الصحابة (كنا نقرأ) في عهد رسول الله ﷺ (سورة كنا نشبهها في الطول والشدة) أي صعوبة كلماتها (ببراءة فأنسيتها غير أني) أي لكن أني (قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) قال الأبي: هذا هو الذي شك فيه ابن عباس (وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها) في القصر والسهولة (بإحدى المسبحات) هي من السور ما افتتح بسبحان وسبح ويسبح وسبح اسم ربك (فأنسيتها غير أني حفظت منها) أي لكن بقي في

стр. 4785

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. فَتُكْتَبُ شَهَادَةً فِي أَعْنَاقِكُمْ. فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ــ حفظي منها (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب) مقالتكم تلك (شهادة في أعناقكم) أي شاهدة عليكم معلقة في أعناقكم (فتسألون عنها) عن عدم العمل بها (يوم القيامة) وقوله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] هو استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله إما في الماضي فيكون كذبًا أو في المستقبل فيكون خلفًا وكلاهما مذموم وكما قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وأما ما في هذا الحديث فإنما يتناول أن يخبر عن نفسه بشيء فعله فيما مضى ويمتدح به فقط بدليل قوله ﷺ (فتكتب شهادة في أعناقكم) اهـ من المفهم. وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم. قال القرطبي: قوله: (فأنسيتها) هذا ضرب من النسخ فإن النسخ على ما نقله علماؤنا على ثلاثة أضرب أحدها نسخ الحكم وبقاء التلاوة كآية الحول في العدة والثاني نسخ التلاوة وبقاء الحكم كآية الرجم والثالث نسخ الحكم والتلاوة كآية ثلاث رضعات يحرمن وكرفع هاتين السورتين اللتين ذكرهما أبو موسى فإنهما رفع حكمهما وتلاوتهما وهاتان السورتان مما قد شاء الله تعالى أن ينسيه بعد أن أنزله لحكمة أرادها لأن الله تعالى فعال لما يريد قادر على ما يشاء إذ كل ذلك ممكن ولا يتوهم متوهم من هذا وشبهه أن القرآن قد ضاع منه شيء فإن ذلك باطل بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وبأن إجماع الصحابة ومن بعدهم انعقد على أن القرآن الذي تعبدنا بتلاوته وبأحكامه هو ما ثبت بين دفتي المصحف من غير زيادة ولا نقصان كما قررناه في أصول الفقه اهـ من المفهم بتصرف. وقال القرطبي أيضًا أحاديث هذا الباب كلها متواردة على الإخبار عما جبل الإنسان عليه من حب المال والحرص على البقاء في الدنيا وعلى أن ذينك ليسا بمحمودين بل مذمومان ويحقق الذم في ذلك قوله ﷺ (ويتوب الله على من تاب) وقد نص الله تعالى على ذم ذلك في قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] وغيره مما في معناه وقوله ﷺ : (ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) وقد تقدم أن القراء

стр. 4786

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في الصدر الأول هم كانوا الفقهاء لأنهم كانوا يتفقهون في القرآن وحديث أبي موسى هذا يدل عليه اهـ منه أيضًا. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ستة أحاديث: الأول: حديث عمر ﵁ ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه أربع متابعات. والثاني: حديث أبي هريرة ﵁ ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة. والثالث: حديث أنس ذكره استشهادًا لحديث أبي هريرة وذكر فيه متابعتين. والرابع: حديث أنس الثاني ذكره أيضًا استشهادًا لحديث أبي هريرة وذكر فيه متابعتين. والخامس: حديث ابن عباس ذكره استشهادًا لحديث أبي هريرة أيضًا. والسادس: حديث أبي موسى الأشعري ذكره أيضًا استشهادًا لحديث أبي هريرة ﵄. ***

стр. 4787

٤٣٢ - (٥٠) باب الغنى غنى النفس وما يخاف من زهرة الدنيا وفضل التعفف والصبر والكفاف والقناعة (٢٣٠١) (١٠١٦) - (١٦٦) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْب وَابْنُ نُمَيرٍ. قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ. وَلكِن الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" ــ ٤٣٢ - (٥٠) باب الغنى غنى النفس وما يخاف من زهرة الدنيا وفضل التعفف والصبر والكفاف والقناعة (٢٣٠١) (١٠١٦) (١٦٦) (حدثنا زهبربن حرب) النسائي (و) محمد بن عبد الله (بن نمير) الكوفي (قالا: حدثنا سفيان بن عيينة) الكوفي (عن أبي الزناد) المدني (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان أو كوفي ونسائي. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : ليس الغنى) المحمود ما كان (عن كثرة العرض) والعرض بفتحتين متاع الدنيا وزخرفها. وقال القرطبي: العرض بفتح العين والراء حطام الدنيا ومتاعها وأما العَرْض بفتح العين وسكون الراء فهو ما خلا العقار والحيوان مما يدخله الكيل والوزن قاله أبو عبيد وفي كتاب العيني: العرض بفتحتين ما نيل من الدنيا ومنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ وجمعه عروض اهـ من المفهم. (ولكن الغنى) المحمود الدائم (غنى النفس) وقناعتها بما عندها من المال ومعنى الحديث الغنى المحمود الدائم المستمر الذي لا يزول عن صاحبه غنى النفس وشبعها عما في أيدي الناس وقلة حرصها على جمع المال لا كثرة المال مع الحرص على الزيادة لأن من كان طالبًا للزيادة لم يستغن بما معه فليس له غنى اهـ نواوي بزيادة وتصرف. ولابن حبان من حديث أبي ذر قال لي رسول الله ﷺ : (يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى قلت نعم قال وترى قلة المال هو الفقر قلت نعم يا رسول الله قال إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب) قال بعض الشيوخ: والمراد بغنى النفس

стр. 4788

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القناعة ويمكن أن يراد به ما يسد الحاجة قال الشاعر: غنى النفس ما يكفيك عن سد حاجة ... فإن زاد شيء عاد ذاك الغنى فقرا وقال الطيبي: ويمكن أن يراد بغنى النفس حصول الكمالات العلمية والعملية وأنشد أبو الطيب في معناه: ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر يعني ينبغي أن ينفق ساعاته وأوقاته في الغنى الحقيقي وهو طلب الكمالات ليزيد غنى بعد غنى لا في المال لأنه فقر بعد فقر. (قلت): يعني أن الفقر هو الحاجة ومهما زاد شيئًا من المال أو الرياسة احتاج لحفظ ذلك وعظم خوفه من زواله هذا في الدنيا واحتاج إلى استعداد عظيم وقيام بحقوق ذلك لأجل الآخرة فاستبان أن الفقر يكثر بكثرة عرض الدنيا ويقل بقلتها اهـ من السنوسي. قال ابن بطال: معنى الحديث ليس حقيقة الغنى كثرة المال لأن كثيرا ممن وسع الله عليه في المال لا يقنع بما أوتي فهو يجتهد في الازدياد ولا يبالي من أين يأتيه فكأنه فقير لشدة حرصه وإنما حقيقة الغنى غنى النفس وهو من استغنى بما أوتي وقنع به ورضي ولم يحرص على الازدياد ولا ألح في الطلب فكأنه غني. وقال القرطبي: ومعنى هذا الحديث أن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غنى النفس وبيانه أنه إذا استغنت نفسه كفت عن المطامع فعزت وعظمت فجعل لها من الحظوة والنزاهة والتشريف والمدح أكثر ممن كان غنيا بماله فقيرا بحرصه وشرهه فإن ذلك يورطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال لبخله ودناءة همته فيكثر ذامه من الناس ويصغر قدره فيهم فيكون أحقر من كل حقير وأذل من كل ذليل اهـ من المفهم. والحاصل أن المتصف بغنى النفس يكون قانعًا بما رزقه الله تعالى لا يحرص على الازدياد لغير حاجة ولا يلح في الطلب ولا يلحف في السؤال بل يرضى بما قسم الله له فكأنه واجد أبدًا والمتصف بفقر النفس على الضد منه لكونه لا يقنع بما أُعطي بل هو أبدا في طلب الازدياد من أي وجه أمكنه ثم إذا فاته المطلوب حزن وأسف فكأنه فقير من المال لأنه لم يستغن بما أعطي فكأنه ليس بغني ثم غنى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره علما بأن الذي عند الله تعالى خير وأبقى فهو معرض عن الحرص والطلب.

стр. 4789

(٢٣٠٢) (١٠١٩) - (١٦٧) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا اللَّيثُ بْنُ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ) قَال: حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَطَبَ الناسَ، فَقَال: "لَا وَاللهِ، مَا أَخْشَى عَلَيكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ! ــ قال الحافظ: وإنما يحصل غنى النفس بغنى القلب بأن يفتقر إلى ربه في جميع أموره فيتحقق أنه المعطي المانع فيرضى بقضائه على نعمائه ويفزع إليه في كشف ضرائه فينشأ عن افتقار القلب لربه غنى نفسه عن غير ربه تعالى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٢٤٣ و ٣٨٩) والبخاري (٦٤٤٦) والترمذي (٢٣٧٣) وابن ماجه (٤١٣٧). ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال: (٢٣٠٢) (١٠١٩) (١٦٧) (وحدثني يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا الليث بن سعد) الفهمي المصري (ح وحدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (وتقاربا) أي تقارب يحيى وقتيبة (في اللفظ) أي في لفظ الحديث الذي روياه وهو بمعنى قوله: نحوه (قال) قتيبة: (حدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان (المقبري) المدني ثقة من (٣) (عن عياض بن عبد الله بن سعد) بن أبي سرح القرشي العامري المكي ثقة من (٣) روى عنه في (٣) أبواب (أنه سمع أبا سعيد) سعد بن مالك الأنصاري (الخدري) المدني ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد مكي وواحد مصري وواحد إما نيسابوري أو بلخي ففيه رواية تابعي عن تابعي وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والتحويل. حالة كون أبي سعيد (يقول: قام) فينا (رسول الله ﷺ فخطب الناس) أي وعظهم بالوعد والوعيد (فقال: لا) نافية (والله) جملة قسمية زادها لتأكيد الكلام (ما) زائدة زيدت لتأكيد النفي المفهوم من لا أي أقسمت لكم بالله الذي لا إله غيره لا (أخشى) ولا أخاف (عليكم أيها الناس) فتنا تشغلكم عن الدين والعمل الصالح

стр. 4790

إِلَّا مَا يُخْرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا". فَقَال رَجُل: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي الْخَيرُ بِالشَّرِّ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاعَةً ــ (إلا ما يخرج الله) (لكم) أي يخرجه من الأرض ويبسطه لكم حالة كون ما يخرجه لكم (من زهرة الدنيا) وزينتها ومتاعها ونعيمها والزهرة بفتح الزاي وسكون الهاء والمراد بها الزينة والبهجة كما في الحديث والزهرة مأخوذة من زهرة الشجر وهو نورها بفتح النون والمراد بها ما فيها من أنواع المتاع والعين والثياب والزروع وغيرها مما يفتخر الناس بحسنه مع قلة البقاء. قال القاري: والمعنى إني أخاف عليكم أن كثرة أموالكم عند فتح بلادكم تمنعكم من الأعمال الصالحة وتشغلكم عن العلوم النافعة وتحدث فيكم الأخلاق الدنية من التكبر والعجب والغرور ومحبة المال والجاه وما يتعلق بهما من لوازم الأمور الدنيوية والإعراض عن الاستعداد للموت وما بعده من الأحوال الأخرى. قال النواوي: وفيه التحذير من الاغترار بالدنيا والنظر إليها والمفاخرة بها وفيه استحباب الحلف من غير استحلاف إذا كان فيه زيادة في التوكيد والتفخيم ليكون أوقع في النفوس اهـ. (فقال رجل) من الحاضرين لم أر من ذكر اسمه: (يا رسول الله أيأتي الخير بالشر) أي أتصير النعمة عقوبة لأن زهرة الدنيا نعمة من الله فهل تعود هذه النعمة نقمة وهو استفهام استرشاد لا إنكار والباء في قوله بالشر صلة ليأتي أي هل يستجلب الخير والشر وفيه تسمية المال خيرًا ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ لَشَدِيدٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ﴾. وفي بعض الهوامش: قوله: (أيأتي الخير بالشر) الباء فيه للتعدية والاستفهام الإنكاري للاسترشاد والمعنى فهل يستجلب الخير الشر يعني أن ما يحصل لنا من الدنيا خير إذا كان من جهة مباحة فهل يترتب عليه شر اهـ. (فصمت) أي سكت (رسول الله ﷺ ساعةً) أي زمانًا قليلًا. وفي رواية عطاء عند البخاري: (حتى ظننت أنه ينزل عليه) أي الوحي وكأنهم فهموا ذلك بالقرينة من الكيفية التي جرت عادته بها عندما يوحى إليه. قال الحافظ ﵀: إنه ﷺ كان ينتظر الوحي عند إرادة

стр. 4791

ثُمَّ قَال: "كَيفَ قُلْتَ؟ " قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي الْخَيرُ بِالشَّرِّ؟ فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن الْخَيرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيرٍ. أَوَ خَيرٌ هُوَ. إِن كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ ــ الجواب عما يسأل عنه وهذا على ما ظنه الصحابة ويجوز أن يكون سكوته ليأتي بالعبارة الوجيزة الجامعة المفهمة وقد عد ابن دريد هذا الحديث وهو قوله (إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم) من الكلام المفرد الوجيز الذي لم يسبق ﷺ إلى معناه وكل من وقع شيء منه في كلامه فإنما أخذه منه. ويستفاد منه ترك العجلة في الجواب إذا كان يحتاج إلى التأمل ويؤيد أنه من الوحي قوله في رواية هلال عن عطاء (فأفاق يمسح عنه الرحضاء) أي العرق فإنه كانت عادته عند نزول الوحي كما تقدم في أحاديث بدء الوحي: (وإن جبينه ليتفصد عرقًا). (ثم قال) رسول الله ﷺ للرجل: (كيف قلت) أيها الرجل (قال) الرجل: (قلت: يا رسول الله أيأتي الخير بالشر فقال له) أي للرجل (رسول الله ﷺ ؛ إن الخير) الحقيقي (لا يأتي إلا بخير) ولكن هذه الزهرة ليست بخير محض لما تؤدي إليه من الفتنة والمنافسة والاشتغال بها عن كمال الإقبال على الآخرة. قال الحافظ: ويؤخذ منه أن الرزق ولو أكثر فهو من جملة الخير وإنما يعرض له الشر بعارض البخل به عمن يستحقه والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع وأن كل شيء قضى الله أن يكون خيرًا فلا يكون شرا وبالعكس ولكن يخشى على من رزق الخير أن يعرض له في تصرفه فيه ما يجلب له الشر اهـ. (أوخير هو) بفتح الواو العاطفة على محذوف والهمزة للاستفهام الإنكاري داخلة على ذلك المحذوف وخير خبر مقدم وهو مبتدأ مؤخر والتقدير: أتقول ذلك وتظن أن هذا المال خير كله لا فإنه ليس خيرًا حقيقيًّا وإن سمي خيرًا لأن الخير الحقيقي هو ما يعرض له من الإنفاق في الحق كما أن الشر الحقيقي فيه هو ما يعرض له من الإمساك عن الحق والإخراج في الباطل ثم ضرب ﷺ في هذا الحديث مثلين أحدهما للمفرط في جمع الدنيا والمنع من حقها والآخر للمقتصد في أخذها والنفع بها وأشار إلى الأول منهما بقوله: (إن كل ما ينبت الربيع) قيل هو الفصل المشهور بالإنبات من فصول السنة الأربعة المجموعة في قول بعضهم: ربيع صيف من الأزمان ... خريف شتاء فخذ بياني

стр. 4792

يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ. إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ. أَكَلَتْ. حَتى إِذَا امْتَلأت ــ وقيل: هو النهر الصغير المتفجر من النهر الكبير كما في القسطلاني والأول هو الأصح والله أعلم. (يقتل) البهيمة (حبطًا) أي انتفاخًا وتخمة والحبط بفتحتين التخمة وهي امتلاء البطن وانتفاخه من الإفراط في الأكل وهو تمييز محول عن الفاعل والتقدير: إن كل ما ينبت الربيع يقتل الماشية حبطه حقيقة إذا أفرطت في الرعي منه وفي الرواية الآتية: (وإن مما ينبت الربيع) فهذه محمولة على تلك كما سيأتي اهـ نواوي. يعني أن ما يحصل من النبات في الربيع بتوالي أمطاره بإنبات الله تعالى ففي الإسناد مجاز عقلي يهلك الماشية حبطًا أي تخمة. (أو يلم) بضم الياء وتشديد الميم أي أو يقارب أن يقتل ويهلك فأو للتنويع والمعنى إن الربيع ينبت خيار العشب فتستكثر منه الماشية لاستطابتها إياه حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاعتدال فتنفتق أمعاؤها من ذلك فتموت أو تقرب الموت ومن المعلوم أن الربيع ينبت أضراب العشب فهي كلها خير في نفسها وإنما يأتي الشر من قبل إفراط الأكل فكذلك المفرط في جمع المال من غير حله أو من الحلال المشغل عن حاله يكثر في التنعم بماله من غير تامل في مآله فيقسو قلبه من كثرة الأكل فيورث الأخلاق الدنية فيتكبر ويتجبر ويحقر الناس ويمنع ذا الحق حقه منها فحيث آل مآل المال لهلاكه في الدنيا ولعذابه في العقبى يصير سبب الوبال وشدة النكال وسوء الحال كذا في المرقاة وأشار إلى المثل الثاني أعني مثل المقتصد بقوله: (إلا آكلة الخضر) بمد همزة آكلة وكسر الكاف والخضر بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين للأكثر وهو ضرب من الكلأ يعجب الماشية واحده خضرة أي إلا الماشية التي تأكل الخضر وهي البقول التي ترعاها المواشي قال السندي: والاستثناء منقطع أي لكن آكلة الخضر تنتفع بأكلها فكأنها أخذت الكلاء على الوجه الذي ينبغي وقيل متصل مفرغ في الإنبات أي تقتل كل آكلة إلا آكلة الخضر والله تعالى أعلم. قال القاضي عياض: هو عند الجمهور استثناء ورواه بعضهم بفتح الهمزة وتخفيف اللام على الاستفتاح أي انظروا آكلة الخضر وما كان منها اهـ أبي. أي إلا آكلة الخضر التي (أكلت) منها ورعت فيها (حتى إذا امتلأت) شبعًا وامتدت

стр. 4793

خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ. ثَلَطَتْ أَوْ بَالتْ. ثُمَّ اجْتَرَّتْ. فَعَادَتْ. فَأَكَلَتْ. فَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ. وَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِغَيرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ" ــ وعظمت (خاصرتاها) أي جنباها وفي رواية (امتدت) تثنية خاصرة بخاء معجمة وصاد مهملة وهما جانبا البطن من الحيوان (استقبلت الشمس) أي بركت مستقبلة إليها تستمرئ بذلك ما أكلت أي حتى إذا شبعت تركت الأكل ولم تأكل ما فوق طاقة كرشها حتى تقتلها كثرة الأكل وتوجهت إلى مسقط ضوئها واستراحت فيه و (ثلطت) بمثلثة ولام مفتوحتين ثم طاء مهملة أي ألقت ما في بطنها من السرقين رقيقًا سهلا والثلط الرجيع الرقيق وأكثر ما يقال للإبل والبقر والفيلة (أو بالت) أي أخرجت البول وأو هنا مانعة خلو (ثم اجترت) بالجيم الساكنة والراء المشددة أي استرفعت ما أدخلته في كرشها من العلف فاعادت مضغه. قال النواوي: أي مضغت جرتها قال أهل اللغة: الجرة بكسر الجيم ما يخرجه البعير من بطنه ليمضغه ثم يبلعه والقصع شدة المضغ. (فعادت) إلى الرعي أي ثم إذا حصل لها خفة واحتاجت إلى الأكل عادت إلى الرعي (فأكلت) قال الحافظ: والمعنى أنها إذا شبعت فثقل عليها ما أكلت تحيلت في دفعه بأن تجتر فيزداد نعومة ثم تستقبل الشمس فتحمى بها ليسهل خروجه فإذا خرج زال الانتفاخ فسلمت وهذا بخلاف ما إذا لم تتمكن من ذلك فإن الانتفاخ يقتلها سريعًا والله أعلم اهـ. (فمن يأخذ مالًا) من أموال الدنيا (بحقه) أي يأخذه بقدر احتياجه من طريق حله ويضعه في حقه أي في محله (يبارك له فيه) أي في ذلك المال (ومن يأخذ مالًا بغير حقه) أي من طريق لا يستحقه بها كالربا والرشوة والغصب والسرقة مثلًا أو يصرفه في غير حقه من الوجوه المحرمة كالزنا وشرب الخمر (فمثله) أي صفته (كمثل الذي يأكل ولا يشبع) فيقع في الداء العضال والورطة المهلكة لغلبة الحرص عليه كالذي به داء جوع البقرة وكالمريض الذي به الاستسقاء حيثما يروى وكلما يشرب يزيد عطشًا وانتفاخًا ومعنى الحديث أن نبات الربيع وخضره يقتل حبطًا بالتخمة لكثرة الأكل أو يقارب القتل إلا إذا اقتصر منه على اليسير الذي تدعو إليه الحاجة وتحصل به الكفاية المقتصدة فإنه لا يضره وهكذا المال هو كنبات الربيع مستحسن تطلبه النفوس وتميل إليه فمنهم من يستكثر منه

стр. 4794

(٢٣٠٣) (٠) (٠) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. قَال: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ ــ ويستغرق فيه غير صارف له في وجوهه فهذا يهلكه أو يقارب إهلاكه ومنهم من يقتصد فيه فلا يأخذ إلا يسيرًا وإن أخذ كثيرًا فرقه في وجوهه كما تثلطه الدابة فهذا لا يضره هذا مختصر معنى الحديث والله أعلم اهـ فتح الملهم. قوله: (فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع) قال الزين بن المنير في هذا الحديث وجوه من التشبيهات البديعة: أولها: تشبيه المال ونموه بالنبات وظهوره. وثانيها: تشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب. وثالثها: تشبيه الاستكثار منه والادخار له بالبشرة في الأكل والامتلاء منه. ورابعها: تشبيه الخارج من المال مع عظمته في النفوس حتى أدى إلى المبالغة في البخل به بما تطرحه البهيمة من السلح ففيه إشارة بديعة إلى استقذاره شرعًا. وخامسها: تشبيه المتقاعد عن جمعه وضمه بالشاة إذا استراحت وحطت جانبها مستقبلة عين الشمس فإنها من أحسن حالاتها سكونًا وسكينة وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها. وسادسها: تشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها. وسابعها: تشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤمن أن ينقلب عدوًا فإن المال من شأنه أن يحرز ويشد وثاقه وذلك يقتضي منعه من مستحقه فيكون سببًا لعقاب مقتنيه. وثامنها: تشبيه آخذه بغير حق بالذي يأكل ولا يشبع اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ٧) وابن ماجه (٣٩٩٥). ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال: (٢٣٠٣) (٠) (٠) حدثني أبو الطاهر أخبرنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار) الهلالي مولاهم المدني (عن أبي سعيد الخدري) ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان بصريان غرضه بسوقه بيان متابعة عطاء بن يسار لعياض بن عبد الله.

стр. 4795

أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيكُمْ مَا يُخْرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا" قَالُوا: وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَال: "بَرَكَاتُ الأرضِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَأْتِي الْخَيرُ بِالشَّرِّ؟ قَال: "لَا يَأْتِي الْخَيرُ إِلَّا بِالْخَيرِ. لَا يَأْتِي الْخَيرُ إِلَّا بِالْخَيرِ. لَا يَأْتِي الْخَيرُ إِلَّا بِالْخَيرِ. إِن كُل مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ. إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ. فَإِنَّهَا تَأْكُلُ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ. ثُمَّ اجْتَرَّتْ وَبَالتْ وَثَلَطَتْ ــ (أن رسول الله ﷺ قال أخوف ما أخاف عليكم) من فتن الدنيا (ما يخرج الله) أي فتنة ما يخرجه الله ويظهره ويعطيه الكم من زهرة الدنيا) أي من زينتها وما يزهر منها مأخوذ من زهر الأشجار وهو ما يصفر من نوارها والنور هو الأبيض منها وهذا قول ابن الأعرابي وحكى أبو حنيفة أن النور والزهر سواء وقد فسرها ﷺ بانها بركات الأرض اهـ مفهم. (قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله قال) رسول الله ﷺ هي: (بركات الأرض) وحسنها وزينتها أي ما تزهر به الأرض وتخرجه من الخيرات والخصب والثمار والنبات (قالوا: يا رسول الله وهل يأتي الخير) الذي هو نعيم الدنيا (بالشر) والضرر الذي هو العقوبة (قال) رسول الله ﷺ : إلا يأتي الخير) الحقيقي (إلا بالخير لا يأتي الخير إلا بالخير لا يأتي الخير إلا بالخبر) كرره ثلاثًا مبالغة في التأكيد (أن كل ما أنبت الربيع) فيه إسناد مجازي كما قد سبق. (يقتل) الماشية حبطًا وتخمة (أو يلم) ويقرب إلى أن يقتله أي يقتل آكلته (إلا أكلة الخضر) وهذا مثل للمقتصد وذلك أن الخضر ليس من أجرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي الأمطار فتحسن وتنعم ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها فلا ترى الماشية تكثر من أكلها ولا تستمر بها فضرب آكلة الخضر من المواشي مئلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها فهو بنجوة من وبالها كما نجت آكلة الخضر (فإنها تكل) من الخضر (حتى إذا امتدت) وارتفعت (خاصرتاها) أي جنباها (استقبلت الشمس) أي توجهت عين الشمس لتحمي نفسها (ثم اجترت) أي استرفعت ما في جوفها إلى فمها وتمضغه حتى يصير ناعمًا دقيقًا ثم تبلعه (وبالت) أي أخرجت البول (وثلطت) أي

стр. 4796

ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ. إِنَّ هذَا الْمَال خَضِرَة حُلْوَة. فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ، فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ. وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيرِ حَقِّهِ، كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ". (٢٣٠٤) (٠) (٠) حدّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، ــ أخرجت الثلط وهو السرقين الرقيق فإذا ثلطت زال عنها الحبط (ثم عادت) إلى المرعى (فأكلت) أي رعت مرة ثانية (أن هذا المال) الدنيوي (خضرة) أي كالبقلة الخضراء التي يحسن النظر إليها (حلوة) أي حالية الطعم أي إن هذا المال كالبقلة حسنة المنظر لذيذة في المذاق وجاءت الرواية هنا بالتأنيث على معنى تأنيث المشبه به أي كالبقلة الخضرة الحلوة. وقال ابن الملك: على تأويل إن العيشة بالمال خضرة حلوة اهـ. (فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة) أي فنعم المعين على الطاعة والمخصوص بالمدح (هو) أي ذلك المال وذكر الفعل والمخصوص بالمدح نظر إلى كون المعونة بمعنى المعين. وفي فتح الملهم: قوله: (فنعم المعونة هو) الخ أي ما يعان به على الطاعة ويدفع به ضروريات المؤنة إذ المراد بالمعونة الوصف مبالغة أي فنعم المعين على الدين وضمير هو راجع إلى المال قال الحافظ: وفيه إشارة إلى عكسه وهو بئس الرفيق هو لمن عمل فيه بغير الحق وقوله (كالذي يأكل ولا يشبع) ذكره في مقابلة: (فنعم المعونة هو) اهـ منه. (ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع) أي كمن به جوع البقرة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال: (٢٣٠٤) (٠) (٠) (حدثني علي بن حجر) بن إياس السعدي المروزي نزيل بغداد ثم مرو ثقة من (٩) (أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم) ابن علية الأسدي البصري (عن هشام) بن أبي عبد الله سنبر (صاحب الدستوائي) بفتح الدال والمثناة بينهما مهملة ساكنة وبالمد نسبة إلى دستواء من كور الأهواز وكان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها أبي بكر البصري (عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي ثقة من (٥)

стр. 4797

عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِي مَيمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَال: جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ. فَقَال: "إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيكُمْ بَعْدِي، مَا يُفْتَحُ عَلَيكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا" فَقَال رَجُل: أَوَ يَأْتِي الْخَيرُ بِالشَّرِّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَال: فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ تُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَلَا يُكَلِّمُكَ؟ قَال: وَرَأينَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيهِ. فَأفَاقَ يَمْسَحُ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ ــ (عن هلال) بن علي بن أسامة (بن أبي ميمونة) ويقال: (ابن أبي هلال) القرشي العامري المدني ثقة من (٥) روى عنه في (٣) أبواب (عن عطاء بن يسار) الهلالي المدني (عن أبي سعيد الخدري) الأنصاري المدني ﵁. وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان بصريان وواحد يمامي وواحد مروزي غرضه بيان متابعة هلال بن أبي ميمونة لزيد بن أسلم في رواية هذا الحديث عن عطاء بن يسار. (قال) أبو سعيد: (جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله فقال: إن مما أخاف عليكم بعدي) من الفتن (ما يفتح عليكم) أي فتنة ما يفتح عليكم (من زهرة الدنيا وزينتها) أي إن من جملة ما أخشى عليكم. قال العيني: ويجوز أن تكون ما مصدرية والتقدير: إن من خوفي عليكم وما في قوله: (ما يفتح) يحتمل الوجهين أيضًا اهـ. (فقال رجل) من الحاضرين لم أعرف اسمه: (أ) تقول ذلك (و) هل (يأتي الخير بالشر يا رسول الله قال) أبو سعيد: (فسكت عنه) أي عن الرجل (رسول الله ﷺ فقيل له) أي للرجل أي فقال بعض الحاضرين للرجل السائل ظانا أنه ﵊ رأى سؤاله منكرًا: (ما شانك) وحالك أيها الرجل (تكلم رسول الله ﷺ ولا يكلمك) ولا يجيب كلامك (قال) أبو سعيد: (ورأينا) أي ظننا (أنه) ﷺ (ينزل عليه) الوحي أي يوحى إليه بواسطة جبريل وإلا فهو ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى إما وحيا جليا أو خفيا اهـ ملا علي. (فأفاق) من شدة ما يراه عند الوحي حالة كونه (يمسح عنه) أي عن جسده الشريف (الرحضاء) أي العرق الحاصل من شدة الوحي وأكثر ما يسمى به عوف الحمَّى.

стр. 4798

وَقَال: "إِنَّ هذَا السَّائِلَ" (وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ) فَقَال: "إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيرُ بِالشَّرِّ. وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ. إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ. فَإِنَّهَا أَكَلَتْ. حتَّى إِذَا امْتَلأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَينَ الشَّمْسِ ــ وفي فتح الملهم: الرحضاء بضم الراء وفتح المهملة ثم المعجمة والمد هو العرق وقيل: للكثير وقيل: عرق الحُمي وأصل الرحض بفتح ثم سكون الغسل ولهذا فسره الخطابي: إنه عرق يرحض الجلد لكثرته اهـ. (وقال) ﷺ : (أن هذا السائل) لحقيق أن يجاب فأين هو؟ قال النواوي: هكذا هو في بعض النسخ وفي بعضها: أين وفي بعضها أنَّى وفي بعضها: أيُّ. وكله صحيح فمن قال: أنَّى أو أين فهما بمعنى ومن قال: إن فمعناه والله أعلم إن هذا هو السائل الممدوح الحاذق الفطن ومن قال: أيٌّ فمعناه أيكم فحذف الكاف والميم (و) لهذا قال الراوي (كأنه) ﷺ (حمده) أي حمد ذلك السائل والحاصل أنهم لاموه أولا حيث رأوا سكوت النبي ﷺ فظنوا أنه أغضبه ثم حمدوه آخرًا لما رأوا مسألته سببًا لاستفادة ما قاله النبي ﷺ وأما قوله: (فكأنه حمده) فأخذه من قرينة الحال (فقال) رسول الله ﷺ في جواب السائل: (إنه لا يأتي الخير) الحقيقي (بالثمر و) لكن (أن مما ينبت الربيع) أي إن أغلب ما ينبت الربيع (يقتل) آكلته حبطًا وتخمة (أو يلم) قتلها قال الحافظ: ومما فيه للتكثير وليست من للتبعيض لتوافق رواية كلما أنبت. وفي بعض الهوامش: قوله: وإن مما ينبت الربيع الخ ووقع في الروايتين السابقتين إن كل ما ينبت الربيع أو أنبت الربيع ورواية (كل) محمولة على رواية (مما) وهو من باب ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ﴾ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ اهـ نواوي. وقوله: (يقتل) إلخ قال العيني: فيه حذف ما سقط في الكلام من الرواية تقديره: ما يقتل اهـ. وهو اسم إن كما في ما يفتح عليكم اهـ. وهذا الكلام كله وقع كالمثل للدنيا وقد وقع التصريح بذلك في مرسل سعيد المقبري اهـ. (إلا آكلة الخضر فإنها أكلت) أي فإنها تأكله (حتى إذا امتلات) شبعًا وارتفعت (خاصرتاها) أي جنباها (أستقبلت عين الشمس) أي تركت الأكل وبركت مستقبلة ذات

стр. 4799

فَثَلَطَتْ وَبَالتْ. ثُمَّ رَتَعَتْ. وَإِنَّ هذَا الْمَال خَضِرٌ حُلْوٌ. وَيعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ (أَوْ كَمَا قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ. ويكُونُ عَلَيهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ــ الشمس ولم تأكل ما فوق طاقة كرشها (فثلطت) أي أخرجت الروث الرقيق (وبالت) أي أخرجت البول (ثم رتعت) أي رعت واتسعت في المرعى (وإن هذا المال خضر) أي حسن المنظر كالخضروات (حلو) أي لذيذ المذاق كالحلاوة (ونعم صاحب المسلم) أي نعم رفيقه والمخصوص بالمدح (هو) أي هذا المال المن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل) فيه فضيلة المال لمن أخذه بحقه وصرفه في وجوه الخير وفيه حجة لمن يرجح الغنى على الفقر والله أعلم. (أو) لفظ الحديث (كما قال رسول الله ﷺ شك الراوي هل قال الرسول لفظة (نعم صاحب المسلم هو) أو قال (نعم المعونة هو) أو قال (نعم العون هو) مثلًا. قال الحافظ: والشك من يحيى بن أبي كثير اهـ. (وإنه) أي وإن هذا المال (من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة) أي حجة عليه يوم يشهد على حرصه وإسرافه وأنه أنفقه فيما لا يرضاه الله تعالى ولم يؤد حقه من مال الله لعباد الله. قال الحافظ: يحتمل أن يشهد عليه حقيقة بأن ينطقه الله تعالى ويجوز أن يكون مجازًا والمراد شهادة الملك الموكل به اهـ. وعبارة القرطبي هنا: يحتمل البقاء على ظاهره وهو أنه يجاء بماله يوم القيامة فينطق الصامت منه بما فعل فيه أو يمثل له أمثال حيوانات كما جاء في مال مانع الزكاة من أنه يمثل له ماله شجاعًا أقرع أو يشهد عليه الموكلون بكتب الكسب والإنفاق وإحصاء ذلك والله أعلم اهـ من المفهم. ثم استدل المؤلف على الجزء الثالث من الترجمة بحديث آخر لأبي سعيد الخدري ﵁ فقال:

стр. 4800

(٢٣٠٥) (١٠١٨) - (١٦٨) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيهِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أن نَاسًا مِنَ الأنصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَأَعْطَاهُمْ. ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ. حَتى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَال: "مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ. وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ. وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ. وَمَنْ يَصْبِرْ ــ (٢٣٠٥) (١٠١٨) (١٦٨) (حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس فيما قرئ عليه عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي) المدني نزيل الشام (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة بن سعيد فإنه بلخي (أن ناسًا من الأنصار) رضي الله تعالى عنهم لم أر من ذكر أسماءهم (سألوا رسول الله ﷺ شيئًا من مال الله تعالى (فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم) فيه إعطاء السائل مرتين (حتى إذا نفد) بكسر الفاء من باب فهم أي فرغ وفني (ما عنده) ﷺ من المال (قال) رسول الله ﷺ (ما يكن) أي يوجد (عندي من خير) أي مال وما شرطية ويكن تامة فعل شرط لما. وفي بعض الروايات: (ما يكون عندي) بالرفع فما حينئذ موصولة متضمنة معنى الشرط والمعنى الذي يوجد عندي من مال الله تعالى. (فـ) أنا أعطيكم و (لن أدخره) أي فلن أجعله مدخرًا مخبوءًا لنفسي أو لغيركم مستبدًا به معرضًا (عنكم) والجملة الفعلية جواب الشرط ربطها بالفاء وجوبًا لاقترانها بلن الناصبة كما هو القاعدة النحوية وفيه ما كان عليه من السخاء وإنفاذ أمر الله والاعتذار إلى السائل والحض على التعفف وفيه جواز السؤال للحاجة وإن كان الأولى تركه والصبر حتى يأتيه رزقه بغير مسألة (ومن يستعفف) أي يمتنع عن السؤال للخلق (يعفه الله) بتشديد الفاء المفتوحة أي يجازه على استعفافه بصيانة وجهه ورفع فاقته. وقال ابن التين: معناه إما بأن يرزقه من المال ما يستغني به عن السؤال وإما بأن يرزقه القناعة والله أعلم. (ومن يستغن) بالله وبما أعطاه عمن سواه (يغنه الله) أي يخلق في قلبه الغنى فإن الغنى غنى النفس كما مر أو يعطه ما يستغنى به عن الخلق (ومن يصبر) وفي بعض الرواية: (ومن يتصبر) أي يكلف نفسه على الصبر وترك السؤال ويصبر إلى أن يحصل له
следующие страницы →