Полный текст (11 982 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ. إِنَّ هذَا الْمَال خَضِرَة حُلْوَة. فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ، فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ. وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيرِ حَقِّهِ، كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ".
(٢٣٠٤) (٠) (٠) حدّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ،
ــ
أخرجت الثلط وهو السرقين الرقيق فإذا ثلطت زال عنها الحبط (ثم عادت) إلى المرعى (فأكلت) أي رعت مرة ثانية (أن هذا المال) الدنيوي (خضرة) أي كالبقلة الخضراء التي يحسن النظر إليها (حلوة) أي حالية الطعم أي إن هذا المال كالبقلة حسنة المنظر لذيذة في المذاق وجاءت الرواية هنا بالتأنيث على معنى تأنيث المشبه به أي كالبقلة الخضرة الحلوة. وقال ابن الملك: على تأويل إن العيشة بالمال خضرة حلوة اهـ.
(فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة) أي فنعم المعين على الطاعة والمخصوص بالمدح (هو) أي ذلك المال وذكر الفعل والمخصوص بالمدح نظر إلى كون المعونة بمعنى المعين.
وفي فتح الملهم: قوله: (فنعم المعونة هو) الخ أي ما يعان به على الطاعة ويدفع به ضروريات المؤنة إذ المراد بالمعونة الوصف مبالغة أي فنعم المعين على الدين وضمير هو راجع إلى المال قال الحافظ: وفيه إشارة إلى عكسه وهو بئس الرفيق هو لمن عمل فيه بغير الحق وقوله (كالذي يأكل ولا يشبع) ذكره في مقابلة: (فنعم المعونة هو) اهـ منه.
(ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع) أي كمن به جوع البقرة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
(٢٣٠٤) (٠) (٠) (حدثني علي بن حجر) بن إياس السعدي المروزي نزيل بغداد ثم مرو ثقة من (٩) (أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم) ابن علية الأسدي البصري (عن هشام) بن أبي عبد الله سنبر (صاحب الدستوائي) بفتح الدال والمثناة بينهما مهملة ساكنة وبالمد نسبة إلى دستواء من كور الأهواز وكان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها أبي بكر البصري (عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي ثقة من (٥)
стр. 4797
عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِي مَيمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَال: جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ. فَقَال: "إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيكُمْ بَعْدِي، مَا يُفْتَحُ عَلَيكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا" فَقَال رَجُل: أَوَ يَأْتِي الْخَيرُ بِالشَّرِّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَال: فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ تُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَلَا يُكَلِّمُكَ؟ قَال: وَرَأينَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيهِ. فَأفَاقَ يَمْسَحُ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ
ــ
(عن هلال) بن علي بن أسامة (بن أبي ميمونة) ويقال: (ابن أبي هلال) القرشي العامري المدني ثقة من (٥) روى عنه في (٣) أبواب (عن عطاء بن يسار) الهلالي المدني (عن أبي سعيد الخدري) الأنصاري المدني ﵁.
وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان بصريان وواحد يمامي وواحد مروزي غرضه بيان متابعة هلال بن أبي ميمونة لزيد بن أسلم في رواية هذا الحديث عن عطاء بن يسار.
(قال) أبو سعيد: (جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله فقال: إن مما أخاف عليكم بعدي) من الفتن (ما يفتح عليكم) أي فتنة ما يفتح عليكم (من زهرة الدنيا وزينتها) أي إن من جملة ما أخشى عليكم.
قال العيني: ويجوز أن تكون ما مصدرية والتقدير: إن من خوفي عليكم وما في قوله: (ما يفتح) يحتمل الوجهين أيضًا اهـ.
(فقال رجل) من الحاضرين لم أعرف اسمه: (أ) تقول ذلك (و) هل (يأتي الخير بالشر يا رسول الله قال) أبو سعيد: (فسكت عنه) أي عن الرجل (رسول الله ﷺ فقيل له) أي للرجل أي فقال بعض الحاضرين للرجل السائل ظانا أنه ﵊ رأى سؤاله منكرًا: (ما شانك) وحالك أيها الرجل (تكلم رسول الله ﷺ ولا يكلمك) ولا يجيب كلامك (قال) أبو سعيد: (ورأينا) أي ظننا (أنه) ﷺ (ينزل عليه) الوحي أي يوحى إليه بواسطة جبريل وإلا فهو ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى إما وحيا جليا أو خفيا اهـ ملا علي.
(فأفاق) من شدة ما يراه عند الوحي حالة كونه (يمسح عنه) أي عن جسده الشريف (الرحضاء) أي العرق الحاصل من شدة الوحي وأكثر ما يسمى به عوف الحمَّى.
стр. 4798
وَقَال: "إِنَّ هذَا السَّائِلَ" (وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ) فَقَال: "إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيرُ بِالشَّرِّ. وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ. إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ. فَإِنَّهَا أَكَلَتْ. حتَّى إِذَا امْتَلأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَينَ الشَّمْسِ
ــ
وفي فتح الملهم: الرحضاء بضم الراء وفتح المهملة ثم المعجمة والمد هو العرق وقيل: للكثير وقيل: عرق الحُمي وأصل الرحض بفتح ثم سكون الغسل ولهذا فسره الخطابي: إنه عرق يرحض الجلد لكثرته اهـ.
(وقال) ﷺ : (أن هذا السائل) لحقيق أن يجاب فأين هو؟
قال النواوي: هكذا هو في بعض النسخ وفي بعضها: أين وفي بعضها أنَّى وفي بعضها: أيُّ. وكله صحيح فمن قال: أنَّى أو أين فهما بمعنى ومن قال: إن فمعناه والله أعلم إن هذا هو السائل الممدوح الحاذق الفطن ومن قال: أيٌّ فمعناه أيكم فحذف الكاف والميم (و) لهذا قال الراوي (كأنه) ﷺ (حمده) أي حمد ذلك السائل والحاصل أنهم لاموه أولا حيث رأوا سكوت النبي ﷺ فظنوا أنه أغضبه ثم حمدوه آخرًا لما رأوا مسألته سببًا لاستفادة ما قاله النبي ﷺ وأما قوله: (فكأنه حمده) فأخذه من قرينة الحال (فقال) رسول الله ﷺ في جواب السائل: (إنه لا يأتي الخير) الحقيقي (بالثمر و) لكن (أن مما ينبت الربيع) أي إن أغلب ما ينبت الربيع (يقتل) آكلته حبطًا وتخمة (أو يلم) قتلها قال الحافظ: ومما فيه للتكثير وليست من للتبعيض لتوافق رواية كلما أنبت.
وفي بعض الهوامش: قوله: وإن مما ينبت الربيع الخ ووقع في الروايتين السابقتين إن كل ما ينبت الربيع أو أنبت الربيع ورواية (كل) محمولة على رواية (مما) وهو من باب ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ﴾ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ اهـ نواوي.
وقوله: (يقتل) إلخ قال العيني: فيه حذف ما سقط في الكلام من الرواية تقديره: ما يقتل اهـ.
وهو اسم إن كما في ما يفتح عليكم اهـ.
وهذا الكلام كله وقع كالمثل للدنيا وقد وقع التصريح بذلك في مرسل سعيد المقبري اهـ.
(إلا آكلة الخضر فإنها أكلت) أي فإنها تأكله (حتى إذا امتلات) شبعًا وارتفعت (خاصرتاها) أي جنباها (أستقبلت عين الشمس) أي تركت الأكل وبركت مستقبلة ذات
стр. 4799
فَثَلَطَتْ وَبَالتْ. ثُمَّ رَتَعَتْ. وَإِنَّ هذَا الْمَال خَضِرٌ حُلْوٌ. وَيعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ (أَوْ كَمَا قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ. ويكُونُ عَلَيهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
ــ
الشمس ولم تأكل ما فوق طاقة كرشها (فثلطت) أي أخرجت الروث الرقيق (وبالت) أي أخرجت البول (ثم رتعت) أي رعت واتسعت في المرعى (وإن هذا المال خضر) أي حسن المنظر كالخضروات (حلو) أي لذيذ المذاق كالحلاوة (ونعم صاحب المسلم) أي نعم رفيقه والمخصوص بالمدح (هو) أي هذا المال المن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل) فيه فضيلة المال لمن أخذه بحقه وصرفه في وجوه الخير وفيه حجة لمن يرجح الغنى على الفقر والله أعلم.
(أو) لفظ الحديث (كما قال رسول الله ﷺ شك الراوي هل قال الرسول لفظة (نعم صاحب المسلم هو) أو قال (نعم المعونة هو) أو قال (نعم العون هو) مثلًا.
قال الحافظ: والشك من يحيى بن أبي كثير اهـ.
(وإنه) أي وإن هذا المال (من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة) أي حجة عليه يوم يشهد على حرصه وإسرافه وأنه أنفقه فيما لا يرضاه الله تعالى ولم يؤد حقه من مال الله لعباد الله.
قال الحافظ: يحتمل أن يشهد عليه حقيقة بأن ينطقه الله تعالى ويجوز أن يكون مجازًا والمراد شهادة الملك الموكل به اهـ.
وعبارة القرطبي هنا: يحتمل البقاء على ظاهره وهو أنه يجاء بماله يوم القيامة فينطق الصامت منه بما فعل فيه أو يمثل له أمثال حيوانات كما جاء في مال مانع الزكاة من أنه يمثل له ماله شجاعًا أقرع أو يشهد عليه الموكلون بكتب الكسب والإنفاق وإحصاء ذلك والله أعلم اهـ من المفهم.
ثم استدل المؤلف على الجزء الثالث من الترجمة بحديث آخر لأبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
стр. 4800
(٢٣٠٥) (١٠١٨) - (١٦٨) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيهِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أن نَاسًا مِنَ الأنصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَأَعْطَاهُمْ. ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ. حَتى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَال: "مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ. وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ. وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ. وَمَنْ يَصْبِرْ
ــ
(٢٣٠٥) (١٠١٨) (١٦٨) (حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس فيما قرئ عليه عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي) المدني نزيل الشام (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة بن سعيد فإنه بلخي (أن ناسًا من الأنصار) رضي الله تعالى عنهم لم أر من ذكر أسماءهم (سألوا رسول الله ﷺ شيئًا من مال الله تعالى (فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم) فيه إعطاء السائل مرتين (حتى إذا نفد) بكسر الفاء من باب فهم أي فرغ وفني (ما عنده) ﷺ من المال (قال) رسول الله ﷺ (ما يكن) أي يوجد (عندي من خير) أي مال وما شرطية ويكن تامة فعل شرط لما.
وفي بعض الروايات: (ما يكون عندي) بالرفع فما حينئذ موصولة متضمنة معنى الشرط والمعنى الذي يوجد عندي من مال الله تعالى.
(فـ) أنا أعطيكم و (لن أدخره) أي فلن أجعله مدخرًا مخبوءًا لنفسي أو لغيركم مستبدًا به معرضًا (عنكم) والجملة الفعلية جواب الشرط ربطها بالفاء وجوبًا لاقترانها بلن الناصبة كما هو القاعدة النحوية وفيه ما كان عليه من السخاء وإنفاذ أمر الله والاعتذار إلى السائل والحض على التعفف وفيه جواز السؤال للحاجة وإن كان الأولى تركه والصبر حتى يأتيه رزقه بغير مسألة (ومن يستعفف) أي يمتنع عن السؤال للخلق (يعفه الله) بتشديد الفاء المفتوحة أي يجازه على استعفافه بصيانة وجهه ورفع فاقته.
وقال ابن التين: معناه إما بأن يرزقه من المال ما يستغني به عن السؤال وإما بأن يرزقه القناعة والله أعلم.
(ومن يستغن) بالله وبما أعطاه عمن سواه (يغنه الله) أي يخلق في قلبه الغنى فإن الغنى غنى النفس كما مر أو يعطه ما يستغنى به عن الخلق (ومن يصبر) وفي بعض الرواية: (ومن يتصبر) أي يكلف نفسه على الصبر وترك السؤال ويصبر إلى أن يحصل له
стр. 4801
يُصَبِّرْهُ اللهُ. وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ"
ــ
الرزق (يصبِّره الله) أي يقوه ويمكنه من نفسه حتى تنقاد له وتذعن لتحمل الشدائد وعند ذلك يكون الله معه فيظفره بمطلوبه ويوصله إلى مرغوبه اهـ من المفهم.
وعبارة العون هنا: (ومن يستعفف) أي من يطلب من نفسه العفة عن السؤال وليست السين لمجرد التأكيد (يعفه الله) أي يجعله عفيفًا من الإعفاف وهو إعطاء العفة وهي الحفظ عن المناهي يعني من قنع بأدنى قوت وترك السؤال تسهل عليه القناعة وهي كنز لا يفنى (ومن يستغن) أي يظهر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس والتعفف عن السؤال حتى يحسبه الجاهل غنيًّا من التعفف (يغنه الله) أي يجعله غنيًّا أي بالقلب.
لأن الغنى ليس عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس (ومن يتصبر) أي يطلب توفيق الصبر من الله لأن الله تعالى قال لنبيه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ﴾ أو يأمر نفسه بالصبر ويكلفها بتحمل مشاقه وهو تعميم بعد تخصيص لأن الصبر يشمل صبرًا على الطاعة وصبرًا عن المعصية وعلى البلية أو من يتصبر عن السؤال والتطلع إلى ما في أيدي الناس بأن يتجرع مرارة ذلك ولا يشكو حاله لغير ربه (يصبره الله) بالتشديد أي يسهل عليه الصبر فتكون الجمل مؤكدات ويؤيد إرادة معنى العموم قوله: (وما أعطي أحد) بالرفع نائب فاعل لأعطى (من عطاء) من زائدة عطاء بمعنى شيئا معطى مفعول ثان لأعطى (خير) بالرفع خبر لمبتدإ محذوف (وأوسع) معطوف على خير (من الصبر) تنازع فيه كل من خير وأوسع والجملة الاسمية صفة لعطاء بمعنى معطي أي وما أعطى أحد من الناس عطاء هو خير وأوسع وأشرح للصدر من الصبر وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات لأنه جامع لمكارم الأخلاق والصفات والحالات كذا في المرقاة وفي بعض الروايات: (خيرًا وأوسع) بالنصب فيهما صفة لعطاء تابع لمحله وهي أوضح قال النواوي: كذا في نسخ مسلم خير بالرفع وهو صحيح والتقدير: هو خير وأوسع كما في رواية البخاري من طريق مالك وفي الحديث الحض على الاستغناء عن الناس والتعفف عن سؤالهم بالصبر والتوكل على الله وانتظار ما يرزقه الله وأن الصبر أفضل ما يعطاه المرء.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ٩٣) والبخاري (١٤٦٩) وأبو داود (١٦٤٤) والترمذي (٢٠٢٤) والنسائي (٥/ ٩٥ - ٩٦).
ثم ذكر المؤلف المتابعة في هذا الحديث فقال:
стр. 4802
(٢٣٠٦) (٠) (٠) حدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
(٢٣٠٧) (١٠١٩) - (١٦٩) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ الْمُقْرِئُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ. حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ (وَهُوَ ابْنُ شَرِيكٍ) عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛
ــ
(٢٣٠٦) (٠) (٠) (حدثنا عبد بن حميد) الكسي (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام (أخبرنا معمر) بن راشد (عن الزهري) غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة معمر لمالك بن أنس (بهذا الإسناد) أي أخبرنا معمر بهذا الإسناد يعني عن عطاء عن أبي سعيد (نحوه) أي نحو ما حدَّث مالك عن الزهري.
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقال:
(٢٣٠٧) (١٠١٩) (١٦٩) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ) عبد الله بن يزيد المّصير المصري نزيل مكة ثقة من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (عن سعيد بن أبي أيوب) مقلاص الخزاعي مولاهم أبي يحيى المصري ثقة من (٧) روى عنه في (٥) أبواب (حدثني شرحبيل وهو ابن شريك) المعافري أبو محمد المصري.
روى عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد الحبلي في الزكاة والنكاح وعلي بن رباح ويروي عنه (م دت س) وسعيد بن أبي أيوب وحيوة بن شريح والليث وابن لهيعة قال أبو حاتم: صالح الحديث وقال النسائي: ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب: صدوق من السادسة (عن أبي عبد الرحمن الحبلي) منسوب إلى بني حبل بطن من الأنصار -والمشهور في استعمال المحدثين ضم الباء منه والمشهور عند أهل العربية فتحها ومنهم من سكنها قاله النووي- المعافري المصري روى عن عبد الله بن عمرو في الزكاة والنكاح والجهاد والقدر والزهد وأبي أيوب في الجهاد وأبي سعيد الخدري في الجدال وجابر بن عبد الله في اللباس ويروي عنه (م عم) وشرحبيل بن شريك وأبو هانئ الخولاني وعياش بن عباس وثقه ابن سعد والعجلي وابن معين وقال في التقريب ثقة من الثالثة مات بإفريقية سنة مائة (١٠٥) (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) بن وائل السهمي أبي محمد المدني بينه وبين ابنه إحدى عشرة سنة.
стр. 4803
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أسْلَمَ، وَرُزِقَ كفافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتاهُ".
(٢٣٠٨) (١٠٢٠) - (١٧٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجِّ. قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا الأعمَشُ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ. كِلاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، أَبِي هُرَيرَةَ؛
ــ
وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مصريون وواحد مدني وواحد كوفي (أن رسول الله ﷺ قال: قد أفلح) أي فاز وظفر بمطلوب الدنيا والآخرة (من أسلم) وجهه لله وانقاد لشريعة الإسلام (ورزق كفافًا) أي ما يكفه ويمنعه من مسئلة الناس والكفاف بفتح الكاف من الكف بمعنى المنع لا من الكفاية كما يتوهم (وقنعه الله) سبحانه (بما آتاه) من الرزق فلم تطمح نفسه لطلب ما زاد على ذلك فمن حصل له ذلك فقد فاز اهـ مناوي.
قال القرطبي: والكفاف ما يكف عن الحاجات ويدفع الضرورات والفاقات ولا يلحق بأهل الترفهات ومعنى هذا الحديث أن من فعل تلك الأمور واتصف بها فقد حصل على مطلوبه وظفر بمرغوبه في الدنيا والاخرة اهـ من المفهم.
قال النواوي: فيه فضيلة هذه الأوصاف.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ١٦٨ و ١٧٢) والترمذي (٢٣٤٨) وابن ماجه (٤١٣٨).
ثم استشهد المؤلف لحديث عبد الله بن عمرو بحديث أبي هريرة ﵃ فقال:
(٢٣٠٨) (١٠٢٠) (١٧٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) أبو عثمان البغدادي (وأبو سعيد الأشج) الكندي عبد الله بن سعيد بن حصين الكوفي (قالوا: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش ح وحدثني زهير بن حرب حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي (عن أبيه) فضيل بن غزوان (كلاهما) أي كل من الأعمش وفضيل بن غزوان رويا (عن عمارة بن القعقاع) بن شبرمة الضبي الكوفي (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي ثقة من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁.
стр. 4804
قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا"
ــ
وهذان السندان من سداسياته ومن لطائفهما أن رجالهما كلهم كوفيون إلا أبا هريرة وعمرًا الناقد.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : اللهم اجعل رزق آل محمد) أي ذريته وأهل بيته أو أتباعه وأحبابه على وجه الكمال اهـ ملا علي.
ومفاد ما ذكره ابن الملك كون آل مقحمًا (قوتًا) قال النواوي: القوت عند أهل اللغة والعربية ما يسد الرمق اهـ.
وفي المشكاة زيادة: وفي رواية (كفافًا) فقال ملا علي: وهو من القوت ما يكف الرجل عن الجوع أو عن السؤال والظاهر أن هذه الرواية تفسير للأول اهـ.
قال القرطبي: قوله: (قوتًا) أي ما يقوتهم ويكفيهم بحيث لا يشوشهم الجهد ولا ترهقهم الفاقة ولا تذلهم المسألة والحاجة ولا يكون أيضًا في ذلك فضول يخرج إلى الترف والتبسط في الدنيا والركون إليها وهذا يدل على زهد النبي ﷺ في الدنيا وعلى تقلله منها وهو حجة لمن قال: إن الكفاف أفضل من الفقر والغنى اهـ من المفهم.
قال النواوي: وفي الحديث فضيلة التقلل من الدنيا والاقتصار على القوت منها والدعاء بذلك اهـ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٤٤٦ و ٤٨١) والترمذي (٢٣٦١) وابن ماجه (٤١٣٩).
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب خمسة أحاديث:
الأول: حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة.
والثاني: حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعتين.
والثالث: حديث أبي سعيد الخدري أيضًا ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة.
والرابع: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة.
والخامس: حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد به لحديث عبد الله بن عمرو والله أعلم.
стр. 4805
٤٣٣ - (٥١) باب إعطاء السائل ولو أفحش في المسألة وإعطاء المؤلفة قلوبهم وتصبر من قوي إيمانه
(٢٣٠٩) (١٠٢١) - (١٧١) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ. قَال: قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب ﵁: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسْمًا. قَال فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ لَغَيرُ هؤُلاءِ
ــ
٤٣٣ - (٥١) باب إعطاء السائل ولو أفحش في المسألة وإعطاء المؤلفة قلوبهم وتصبر من قوي إيمانه
(٢٣٠٩) (١٠٢١) (١٧١) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال إسحاق: أخبرنا وقال: الآخران: حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي (عن الأعمش عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي (عن سلمان بن ربيعة) بن يزيد بن عمرو بن سهم التميمي الباهلي أبي عبد الله الكوفي وهو أول قاض استقضى بالكوفة فمكث أربعين يوما لا يأتيه خصم وكان قد استقضاه عمر بن الخطاب ﵁ حينئذ ويقال له سلمان الخيل كان يلي الخيول في خلافة عمر بالكوفة وكان رجلًا صالحًا يحج كل سنة روى عن عمر بن الخطاب في الزكاة مختلف في صحبته ويروي عنه (م) وأبو وائل وأبو ميسرة وأبو عثمان النهدي وسويد بن غفلة والشعبي قال أبو حاتم: له صحبة وقال ابن منده: ذكره البخاري في الصحابة ولا يصح وقال العجلي: كوفي ثقة وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وإن أردت تمام البحث عن ترجمته فراجع إلى الإصابة (ج ٢ ص ٦١) وتهذيب التهذيب لابن حجر (ج ٤ ص ١٣٦).
(قال) سلمان: (قال عمر بن الخطاب ﵁ وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد إما كوفي أو نسائي أو مروزي وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والمقارنة وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض الأعمش وسلمة وسلمان.
(قسم رسول الله ﷺ بين المسلمين أموال الفيء (قسمًا) مصدر مؤكد
стр. 4806
كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ. قَال: "إِنَّهُمْ خَيَّرُوبي أنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ أَوْ يُبَخِّلُونِي. فَلَسْتُ بِبَاخِلٍ"
ــ
لعامله (قال) عمر: (فقلت) له ﷺ : (والله يا رسول الله لغير هولاء) الذين أعطيتهم بفتح اللام على أنها لام قسم والمراد بغيرهم أهل الصفة قال ابن الملك: كان أحق به) أي بهذا العطاء (منهم) أي من الذين قسمت لهم (قال) رسول الله ﷺ : (إنهم خيَّروني) بلسان الحال بين (أن يسألوني بالفحش) والغلظة فأعطيتهم (أو يبخِّلوني) أي ينسبوني إلى البخل إن لم أعطهم (فلست بباخل) أي بممتنع عن إعطائهم فيصفوني بالبخل.
يعني أن الذين أعطيتهم لا يخلو حالهم من أحد الأمرين إما أن يسألوني بالفحش والتعدي في الطلب أو ينسبوني إلى البخل فما أعطيتهم إنما هو لدفع الأمرين لا برضى القلب شبه النبي ﷺ ما ظهر من حالهم مع نفسه بالتخيير فقال: خيروني على وجه الاستعارة اهـ مبارق.
وقوله: (فلست بباخل) أي لا يوجد في البخل على وجه الحدوث فضلًا أن يكون على وجه الثبوت ونظيره من القرآن قوله تعالى: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾.
قال القرطبي: قوله: (إنهم خيروني) إلخ معناه أنهم ألحوا عليه في المسألة واشتطوا في السؤال وقصدوا بذلك أحد شيئين إما أن يصلوا إلى ما طلبوه أو ينسبوه إلى البخل فاختار النبي ﷺ ما يقتضيه كرمه من إعطائهم ما سألوه وصبره على جفوتهم فسلم من نسبة البخل إليه إذ لا يليق به وحلم عنهم كي يتألفهم وكأن عمر ﵁ عتب عليه في ذلك نظرًا إلى أهل الدين والغناء فيه أحق بالمعونة عليه وهذا هو الذي ظهر لسعد بن أبي وقاص فأعلمهم النبي ﷺ بمصالح أخر لم تخطر لهم هي أولى مما ظهر لهم اهـ مفهم.
وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
وقوله: (إنهم خيروني) إلخ قال الأبي: الأظهر أنه بلسان الحال قال عياض: والمعنى أنهم اشتطوا عليَّ في السؤال على وجه يقتضي أنه إن أجابهم إليها حاباهم وإن منعهم آذوه وبخلوه فاختار أن يعطي إذ ليس البخل من خلقه ﷺ ومداراةً وتألفًا كما قال ﷺ : (إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره) وكما أمر الله تعالى بإعطاء المؤلفة قلوبهم كذا في إكمال المعلم وفيه أيضًا تنبيه لظنه أن الإيثار بالعطاء هو بحسب
стр. 4807
(٢٣١٠) (١٠٢٢) - (١٧٢) حدثني عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيمَانَ الرَّازِيُّ. قَال: سَمِعْتُ مَالِكًا. ح وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأعلَى (وَاللَّفْظُ لَهُ) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ،
ــ
الفضيلة والسابقة في الدين فبين له ﷺ وجه إيثاره بقوله: إنهم خيروني.
قال النواوي: وفيه مدارة أهل الجهالة والقسوة وتألفهم إذا كان فيهم مصلحة وجواز دفع المال إليهم لهذه المصلحة.
ثم استشهد المؤلف لحديث عمر ﵁ بحديث أنس بن مالك ﵁ فقال:
(٢٣١٠) (١٠٢٢) (١٧٢) (حدثنا عمرو) بن محمد (الناقد حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي) أبو يحيى الكوفي العنزي أو العبدي روى عن مالك بن أنس في الزكاة وأفلح بن حميد في الحج وحنظلة بن أبي سفيان في اللباس والعلم والفتن ويروي عنه (ع) وعمرو الناقد ومحمد بن عبد الله بن نمير وأبو كريب والكوسج قال: وكان يبكي كل ساعة وكان يعد من الأبدال خاشعًا عابدًا وثقه ابن سعد والنسائي وابن معين وجماعة وقال في التقريب: ثقة من التاسعة مات سنة (٢٠٠) مائتين في أولها قاله أبو داود (قال: سمعت مالكًا) ابن أنس الإمام.
(ح وحدثني يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفي أبو موسى المصري وثقه النسائي وأبو حاتم وقال في التقريب: ثقة من صغار العاشرة مات سنة (٢٦٤) أربع وستين ومائتين وله (٩٦) ست وتسعون سنة روى عنه في (٣) أبواب (واللفظ له أخبرنا عبد الله بن وهب) المصري (حدثني مالك بن أنس) الأصبحي المدني (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني (عن) عمه (أنس بن مالك) الأنصاري المدني.
وهذان السندان من خماسياته الأول منهما رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد بصري وواحد كوفي وواحد بغدادي والثاني منهما رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان مصريان وواحد بصري.
стр. 4808
وَعَلَيهِ رِداءٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ. فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ. فَجَبَذَهُ بِرِدَالهِ جَبْذَة شَدِيدَةٌ. نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عُنُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ. مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ
ــ
(قال) أنس: أكنت أمشي مع رسول الله ﷺ قال الحافظ في رواية الأوزاعي (أدخل المسجد) (وعليه) ﷺ (رداء) ما يليس في أعالي البدن وفي بعض الروايات: (برد) أي ثوب مخطط على ما في النهاية (نجراني) بفتح النون وسكون الجيم نسبة إلى نجران بلد معروف بين الحجاز والشام واليمن أي من عمل أهل نجران كما في النهاية. (غليظ الحاشية) بالرفع صفة لرداء أو برد أي ثخين الطرف الطولي وهذا يدل على إيثاره ﷺ التقلل من الدنيا والتبلغ منها بما أمكن من اللباس والمطعم وغيره وأنه لم يكن بالذي يترفه في الدنيا ولا يتوسع فيها اهـ مفهم.
(فأدركه) ﷺ أي لحقه من خلفه (أعرابي) أي شخص من الأعراب أي من سكان البادية في رواية الأوزاعي (فجاء أعرابي من خلفه) (فجبذه) بفتح الجيم والموحدة بعدها ذال معجمة وفي رواية الأوزاعي (فجذب) بتقديم الذال وتأخير الباء وهي بمعنى جبذ.
قال النواوي: جبذ وجذب لغتان مشهورتان وفي الرواية الثانية (فجاذبه) وهو بمعنى جبذه وبابهما ضرب كما في المصباح أي جبذ الأعرابي رسول الله ﷺ وجره إليه (بردائه) أي برداء النبي ﷺ (جبذة شديدة) أي جرة شديدة (نظرت) لأجلها (إلى صفحة) أي إلى جانب (عنق رسول الله) فرأيتها (وقد أثرت بها) أي في صفحة عنق رسول الله ﷺ (حاشية الرداء) وطرفها الغليظ الطولي (من شدة جبذته) أي لأجل جذبة الأعرابي الشديدة.
قال القاري وصدق الله في قوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾.
قال الحافظ: وزاد في رواية همام إن ذلك وقع من الأعرابي لما وصل النبي ﷺ إلى حجرته ويجمع بأنه لقيه خارج المسجد فأدركه لما كاد يدخل
стр. 4809
ثُمَّ قَال: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الذِي عِنْدَكَ. فَالْتَفَتَ إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَضَحِكَ. ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ
ــ
فكلمه وأمسك بثوبه لما دخل فلما كاد يدخل الحجرة خشي أن يفوته فجبذه اهـ.
(ثم قال) الأعرابي: (يا محمد مر) وكلاءك بأن يعطوا (لي من مال الله الذي) كان (عندك) وعبارة الفتح: أي (مر وكلاءك أن يعطوا لي من مال الله أو من غير مالك الذي خص بك) كما صرح به في رواية حيث قال: (لا من مالك ولا من مال أبيك) قيل المراد به مال الزكاة فإنه كان يصرف بعضه إلى المؤلفة (فالتفت إليه) أي إلى الأعرابي (رسول الله ﷺ تعجبًا (فضحك) به تلطفًا وفي رواية الأوزاعي (فتبسم).
(ثم أمر) ﷺ وكلاءه بأن يعطوا (له) أي للأعرابي (بعطاء) أي شيئًا من العطاء.
قال الحافظ: وفي هذا الحديث بيان حلمه ﷺ وصبره على الأذى في النفس والمال والتجاوز على جفاء من يريد تألفه على الإسلام وليتأسى به الولاة بعده في خلقه الجميل من الصفح والإغضاء والدفع بالتي هي أحسن.
قال النواوي: وفيه العفو عن مرتكب كبيرة لا حد فيها بجهله واحتمال الجاهلين والإعراض عن مقابلتهم واباحة الضحك عند الأمور التي يتعجب منها في العادة وفيه كمال خلق رسول الله ﷺ وحلمه وصفحه الجميل اهـ.
قال القرطبي: وهذا الحديث يدل على ما وصف الله به نبيه ﷺ أنه على خلق عظيم وأنه رؤوف رحيم فإن هذا الجفاء العظيم الذي صدر من هذا الأعرابي لا يصبر عليه ولا يحلم عنه مع القدرة عليه إلا مثله ثم ضحكه ﷺ عند هذه الجبذة الشديدة التي انشق البرد لها وتأثر عنقه بسببها حتى انفلت عن وجهته ورجع إلى نحر الأعرابي دليل على أن الذي تم له من مقام الصبر والحلم ما تم لأحد وهذا نظير صبره وحلمه يوم أحد حيث كسرت رباعيته وشج وجهه وصرع على جنبه وهو في هذا الحال يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ﷺ وشرف وكرم اهـ من المفهم.
стр. 4810
(٢٣١١) (٠) (٠) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. ح وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ. عَنِ الأوزَاعِيُّ. كُلُّهُمْ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . بِهذَا الْحَدِيثِ.
وَفِي حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارِ مِنَ الزِّيَادَةِ: قَال: ثُمَّ جَبَذَهُ إِلَيهِ جَبْذَةً. رَجَعَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ فِي نَحْرِ الأعرَابِيِّ.
وَفِي حَدِيثِ هَمَّامٍ: فَجَاذَبَهُ
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ١٥٢ و ٢١٠) والبخاري (٥٨٠٩).
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
(٢٣١١) (٠) (٠) (حدثنا زهير بن حرب حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث) بن سعيد العنبري أبو سهيل البصري صدوق من (٩) (حدثنا همام) بن يحيى بن دينار الأزدي البصري ثقة من (٧) (ح وحدثني زهير بن حرب حدثنا عمر بن يونس) بن القاسم الحنفي أبو حفص اليمامي ثقة من (٩) (حدثنا عكرمة بن عمار) العجلي الحنفي اليمامي صدوق من (٥).
(ح وحدثني سلمة بن شبيب) المسمعي أبو عبد الله النيسابوري نزيل مكة قال في التقريب ثقة من كبار (١١) الحادية عشرة (حدثنا أبو المغيرة) عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي ثقة من (٩) (عن) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي) أبي عمرو الشامي ثقة من (٧) روى عنه في (١٢) بابا (كلهم) أي كل من همام وعكرمة بن عمار والأوزاعي رووا (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني (عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ بهذا الحديث) الذي رواه مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله غرضه بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لمالك بن أنس ثم بين محل المخالفة فقال: (و) لكن (في حديث عكرمة بن عمار) وروايته (من الزيادة) على مالك (قال) أنس: (ثم جبذه إلبه جبذة رجع نبي الله ﷺ بسببها إلى جهة الأعرابي حتى صار منضمًا (في نحر الأعرابي) وصدره من شدة جذبه والنحر أعلى الصدر تحت العنق أي
стр. 4811
حَتَّى انْشَقَّ الْبُرْدُ. وَحَتى بَقِيَتْ حَاشِيَتُهُ فِي عُنُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
(٢٣١٢) (١٠٢٣) - (١٧٣) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ؛ أَنهُ قَال: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيئًا
ــ
استقبل نحره استقبالًا تامًّا وهو معنى قوله (وإذا التفت التفت معًا) وهذا يدل على أنه لم يتغير ولم يتأثر من سوء أدبه.
(وفي حديث همام) بن يحيى وروايته (فجاذبه) ﷺ الأعرابي أي جذبه جذبة شديدة وهو بمعنى جبذ الثلاثي لأن المفاعلة ليست على بابها (حتى انشق) وانقطع (البرد) في عنقه ﷺ (وحتى بقيت حاشيته) أي حاشية البرد وطرفه الغليظ (في عنق رسول الله ﷺ قال القاضي: يحتمل أنه على ظاهره وأن الحاشية انقطعت وبقيت في العنق ويحتمل أن يكون معناه وبقى أثرها لقوله في الرواية الأخرى: (وقد أثرت بها حاشية الرداء).
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عمر بحديث المسور بن مخرمة ﵄ فقال:
(٢٣١٢) (١٠٢٣) (١٧٣) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث) بن سعد المصري (عن) عبد الله بن عبيد الله (بن أبي مليكة) زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي أبي بكر المكي ثقة من (٣) روى عنه في (٢٠) عشرين بابا (عن المسور بن مخرمة) بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أبي عبد الرحمن المكي الصحابي ابن الصحابي ﵄ روى عنه في (٦) أبواب.
وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم مكيان وواحد مصري وواحد بلخي.
(أنه) أي أن المسور بن مخرمة (قال: قسم رسول الله ﷺ أقبية) بين مؤلفة المسلمين جمع قباء بفتح القاف وبالموحدة ممدودا كسماء فارسي معرب وقيل: عربي واشتقاقه من القبو وهو الضم والجمع وهو ثوب يلبس فوق الثياب مفتوح قدام (ولم يعط) رسول الله ﷺ من تلك الأقبية والدي (مخرمة) بن نوفل (شيئًا) منها في حال تلك القسمة وإلا فقد وقع في رواية حماد بن زيد متصلًا بقوله: (من أصحابه) وعزل منها واحدًا لمخرمة ومخرمة هو والد المسور وهو ابن نوفل الزهري كان
стр. 4812
فَقَال مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ! انْطَلِق بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ. قَال: ادْخُل فَادْعُهُ لِي. قَال: فَدَعَوْتُهُ لَهُ. فَخَرَجَ إِلَيهِ وَعَلَيهِ قَبَاءٌ مِنْهَا. فَقَال: "خَبَأْتُ هذَا لَكَ". قَال: فَنَظَرَ إِلَيهِ فَقَال: "رَضِيَ مَخْرَمَةُ"
ــ
من رؤساء قريش ومن العارفين بالنسب وأنصاب الحرم وتأخر إسلامه إلى الفتح وشهد حنينًا وأعطي من تلك الغنيمة مع المؤلفة ومات سنة (٥٤) أربع وخمسين وهو ابن (١١٥) مائة وخمس عشرة سنة ذكره ابن سعد كذا في الفتح.
(فقال) والدي (مخرمة: يا بني) تصغير ابن تصغير شفقة (انطلق) أي اذهب (بنا إلى رسول الله ﷺ فانطلقت) أي ذهبت (معه) إلى رسول الله ﷺ (قال) لي والدي مخرمة يا بني: (ادخل) منزل رسول الله ﷺ (فادعه) أي فادع رسول الله ﷺ الي) واطلب منه الخروج إلي (قال) المسور: (فدعوته) أي فدعوت رسول الله ﷺ (له) أي لمخرمة (فخرج) رسول الله ﷺ (إليه) أي إلى مخرمة (وعليه) أي والحال أن على عاتق رسول الله ﷺ (قباء) بوزن سماء (منها) أي من بقية تلك الأقبية المقسومة.
قال الحافظ: ظاهره استعمال الحرير قيل: ويجوز أن يكون قبل النهي ويحتمل أن يكون المراد أنه نشره على أكتافه ليراه مخرمة كله ولم يقصد لبسه.
(قلت) ولا يتعين كونه على أكتافه بل يكفي أن يكون منشورا على يديه فيكون قوله (عليه) من إطلاق الكل على البعض وقد وقع في رواية حاتم (فخرج ومعه قباء وهو يريه محاسنه) وفي رواية حماد (فتلقاه به واستقبله بأزراره).
(فقال) رسول الله ﷺ لمخرمة (خبأت) أي أخفيت وأبقيت (هذا) القباء وحفظته (لك) يا مخرمة من الناس لأعطيه إياك قال النواوي: هو من باب التأليف (قال) المسور (فنظر) رسول الله ﷺ (إليه) أي إلى مخرمة وهو لابس للقباء (فقال) رسول الله ﷺ له هل (رضي مخرمة) ما أعطيت له من القباء ففيه التفات قال الداودي: هو من قول النبي ﷺ على جهة الاستفهام أي هل رضيت وقال ابن التين: يحتمل أن يكون من قول مخرمة قلت وهو المتبادر إلى الذهن كذا في الفتح والله أعلم والمعنى عليه فنظر مخرمة إلى القباء فقال مخرمة: رضي مخرمة القباء.
стр. 4813
(٢٣١٣) (٠) (٠) حدَّثنا أَبُو الْخَطَّابِ زَيادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِيُّ. حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ أَبُو صَالِحٍ. حَدَّثَنَا أَئوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ. قَال: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ. فَقَال لِي أَبِي مَخْرَمَةُ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيهِ عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيئًا. قَال: فَقَامَ أَبِي عَلَى الْبَابِ
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري (٢٥٩٩) وأبو داود (٨/ ٢٠٥) والترمذي (٤٠٢٨) والنسائي (٢٨١٨).
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث المسور بن مخرمة ﵁ فقال
(٢٣١٣) (٠) (٠) (حدثنا أبو الخطاب زياد بن بحيى) بن زياد بن حسان النكري بضم النون وسكون الكاف نسبة إلى نكرة بطن من بطون العرب (الحساني) نسبة إلى جده العدني البصري روى عن حاتم بن وردان في الزكاة ومحمد بن سواء في النكاح ومحمد بن أبي عدي في الدعاء وابن عيينة ومعتمر بن سليمان ويروي عنه (ع) وله في (خ) فرد حديث وثقه النسائي وأبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب: ثقة من (١٠) مات سنة (٢٥٤) أربع وخمسين ومائتين (حدثنا حاتم بن وردان) السعدي (أبو صالح) البصري روى عن أيوب السختياني في الزكاة والضحايا وابن جدعان ويروي عنه (خ م ت س) وزياد بن يحيى الحساني وابن راهويه وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب: ثقة من الثامنة مات سنة (١٨٤) أربع وثمانين ومائة (حدثنا أيوب) بن أبي تميمة كيسان (السختياني) العنزي أبو بكر البصري ثقة من (٥) روى عنه في (١٧) بابا (عن عبد الله) بن عبيد الله (بن أبي مليكة) زهير بن جدعان التيمي المكي (عن المسور بن مخرمة) الزهري المكي ﵁.
وهذا السند من خماسياته غرضه بسوقه بيان متابعة أيوب السختياني لليث بن سعد في الرواية عن ابن أبي مليكة.
(قال) المسور: (قدمت على النبي ﷺ أقبية) وفي بعض الروايات أهديت له.
قال ابن بطال: ما أهدي إلى النبي ﷺ من المشركين فحلال له أخذه لأنه فيء وله أن يهب منه ما شاء ويؤثر به من شاء كالفيء وأما من بعده فلا يجوز
стр. 4814
فَتَكَلَّمَ. فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ فَخَرَجَ وَمَعَهُ قَبَاءٌ. وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ. وَهُوَ يَقُولُ: "خَبَأْتُ هذَا لَكَ. خَبَأتُ هذَا لَكَ".
(٢٣١٤) (١٠٢٤) - (١٧٤) حدَّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْيدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ؛
ــ
له أن يختص به لأنه غنما أهدي إليه لكونه أميرهم اهـ.
(فقال لي أبي مخرمة: انطلق بنا إليه) ﷺ (عسى) أي نرجو (أن يعطينا منها) أي من تلك الأقبية (شيئًا قال) المسور: (فقام أبي على الباب) أي على باب منزل رسول الله ﷺ (فتكلم) أبي بكلام ليسمعه النبي ﷺ فيخرج إليه (فعرف النبي ﷺ صوته) قال السندي: ولعله اجتمعت المعرفة مع دعوة الولد فصارت سببًا للخروج ولا منافاة بينهما (فخرج) النبي ﷺ إليه (ومعه) أي والحال أنه مع النبي ﷺ (قباء وهو) ﷺ (يريه) أي يري أبي (محاسنه) أي محاسن ذلك القباء أي حسنه وجودته (وهو) ﷺ (يقول) لأبي: (خبأت) وأبقيت (هذا) القباء الجيد (لك) واخترته لك من بين الأقبية وقوله: (خبأت هذا لك) توكيد لفظي لما قبله زاد في رواية حماد أبا المسور هكذا دعاه بالمسور وكأنه على سبيل التأنيس له بذكر والده الذي جاء صحبته وإلا فكنيته في الأصل أبو صفوان وهو أكبر أولاده ذكر ذلك ابن سعد وزاد حماد أيضًا في آخر الحديث (وكان في خلقه شدة).
قال ابن بطال: يستفاد منه استئلاف أهل اللسن ومن في معناهم بالعطية والكلام الطيب.
ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال:
(٢٣١٤) (١٠٢٤) (١٧٤) (حدثنا الحسن بن علي الحلواني) الهذلي أبو علي المكي ثقة من (١١) (وعبد بن حميد) الكسي (قالا: حدثنا يعقوب وهو ابن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد الزهري المدني (عن صالح) بن كيسان الغفاري المدني (عن ابن شهاب) الزهري المدني
стр. 4815
أنَّهُ أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ. قَال: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ رَجُلا لَمْ يُعْطِهِ. وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ. فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَارَرْتُهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ؟ وَاللهِ! إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. قَال: "أَوْ مُسْلِمًا"
ــ
(أخبرني عامر بن سعد) بن أبي وقاص مالك بن أهيب الزهري المدني (عن أبيه سعد) بن أبي وقاص الزهري المدني ﵁.
وهذا السند من سباعياته رجاله ستة منهم مدنيون وواحد إما مكي أو كسي.
(أنه أعطى) هكذا هو في النسخ وهو صحيح لأنه على حذف قال تقديره: (أنه) أي أن سعدا قال: أعطى (رسول الله ﷺ رهطًا) أي جماعة من المؤلفة.
وفي بعض الهوامش: لفظة قال ساقطة عند الشارح موجودة في نسختنا اهـ.
(وأنا جالس فيهم) أي في أولئك الرهط (قال) سعد: (فترك رسول الله ﷺ منهم) أي من أولئك الرهط (رجلًا لم يعطه) اسمه جعيل مصغرًا ذكره برهان الدين في تنبيه المعلم (وهو) أي ذلك الرجل المتروك (أعجبهم) أي أعجب أولئك الرهط وأفضلهم وأرضاهم دينًا (إلي) أي عندي (فقمت إلى رسول الله ﷺ أي ليتوجه إلي وهذا مسلك أدب (فساررته) ﷺ أي فكلمته سرًّا دون جهر تأدبًا معه ﷺ وفيه التأدب مع الكبار وأنهم يسارون بما كان من باب التذكير لهم والتنبيه ونحوه ولا يجاهرون به فقد يكون في المجاهرة مفسدة اهـ فتح الملهم.
(فقلت) له في تكليمه: (يا رسول الله ما لك) أي أي شيء ثبت لك في إعراضك (عن فلان) ولم تعطه يعني أي سبب لعدولك عنه إلى غيره في الإعطاء ولفظ فلان كناية عن اسم أبهم بعد أن ذكر وفي الحديث جواز الشفاعة عند الإمام فيما يعتقد الشافع جوازه وتنبيه الصغير للكبير على ما يظن أنه ذهل عنه ومراجعة المشفوع إليه في الأمر إذا لم يؤد إلى مفسدة (والله إني لأراه) ضبطه النواوي بفتح الهمزة أي لأعلمه.
وقال ملا علي: بضم الهمزة أي لأظنه (مومنًا) أي كامل الإيمان (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلهم (أو) بإسكان الواو تلقين له بالأحسن وهو الجزم بالإسلام الظاهر
стр. 4816
فَسَكَتُّ قَلِيلًا. ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لكَ عَنْ فُلانٍ؟ فَوَاللهِ، إِني لأرَاهُ مُؤْمِنًا. قَال: "أَوْ مُسْلِمًا" فَسَكَتُّ قَلِيلًا. ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لكَ عَنْ فُلانٍ؟ إِني لأرَاهُ مُؤْمِنًا. قَال: "أَوْ مُسْلِمًا" قَال: "إِني لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ. خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النارِ عَلَى وَجْهِهِ"
ــ
دون الإيمان الباطن وكأن سعدًا لكمال اشتغال قلبه بما كان فيه لم يتفطن لهذا التلقين فلذلك تكرر منه في المرة الثانية والثالثة الجزم بالإيمان والله تعالى أعلم أي بل (مسلمًا) أي بل ظنه أنت مسلمًا لا تقطع بإيمان من لم تختبر حاله في الباطن لأن الباطن لا يطلع عليه إلا الله فالأولى لك التعبير بالإسلام الظاهر اهـ من المرقاة.
وفي الحديث من الفوائد: التفرقة بين حقيقتي الإيمان والإسلام وترك القطع بالإيمان الكامل لمن لم ينص عليه قال الراغب: والإسلام في الشرع على ضربين أحدهما دون الإيمان وهو الاعتراف باللسان وبه يحقن الدم حصل معه الاعتقاد أو لم يحصل وإياه قصد بقوله تعالى: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ والثاني فوق الإيمان وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب ووفاء بالفعل واستسلام لله تعالى في جميع ما قضى وقدر كما ذكر من إبراهيم ﵇ في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
قال سعد: (فسكتُّ) بضم التاء المشددة لأن لام الكلمة أدغم في تاء الفاعل أي سكت عن الكلام زمنًا (قليلًا ثم كلبني) وأحوجني إلى الكلام (ما) كنت (أعلم منه) أي من ذلك الرجل المتروك من حسن إسلامه وكريم أخلاقه (فقلت) ثانيًا: (يا رسول الله ما لك) معرضًا (عن فلان) فلم تعطه (فوالله إني لأراه مؤمنًا قال) رسول الله ﷺ : (أو مسلمًا) أي بل قل أراه مسلمًا لأن الإيمان لا يطلع عليه غير الله تعالى (فسكت قليلًا ثم غلبني ما أعلم فقلت) ثالثًا: (يا رسول الله ما لك عن فلان إني لأراه مؤمنًا قال) رسول الله ﷺ لا تقل أراه مؤمنًا: (أو مسلمًا) أي بل قل أراه مسلمًا ثم (قال) رسول الله ﷺ في المرة الثالثة: (إني لأعطي الرجل) أراد به الجنس أي رجلًا من الرجال اهـ ملا علي.
وفيه أن من أشير عليه بما يعتقده المشير مصلحة لا ينكر عليه بل يبين له وجه الصواب وفيه الاعتذار إلى الشافع إذا كانت المصلحة في ترك إجابته وأن لا عيب على
стр. 4817
وَفِي حَدِيثِ الْحُلْوَانِيِّ تَكْرَارُ الْقَوْلِ مَرَّتَينِ
ــ
الشافع إذا ردت شفاعته لذلك (وغيره) أي والحال أن غير ذلك الرجل المعطي (أحب إليَّ) أي أفضل وأعجب عندي وأولى بالعطاء (منه) أي من ذلك المعطي (خشية) أي مخافة (أن يكبَّ) ويسقط ذلك الرجل المعطي (في النار على وجهه) يوم القيامة إن لم أعطه وقوله: خشية مفعول لأجله أي إنما أعطي بعضا لعلمي أن إيمانه ضعيف حتى لو لم أعطه لأعرض عن الحق وسفط في النار على وجهه وأترك بعضا في القسمة لعلمي أنه قام بالإيمان وأوثق بجميع ما أفعله وفيه بيان أن الإمام يجوز له أن يرجح البعض في قسمة الغنيمة لما يرى فيه من المصلحة اهـ مبارق.
قال الأبي: يعني لذمه وتبخيله النبي ﷺ إن لم يعطه فيكفر وقيل: غير ذلك.
(وفي حديث) حسن بن علي (الحلواني) وروايته (تكرار القول) أي قول النبي ﷺ : (أو مسلمًا) (مرتين) فقط لا ثلاثًا وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري وأبو داود والنسائي اهـ تحفة الأشراف.
ومعنى هذا الحديث على ما قاله النواوي أن سعدا رأى رسول الله ﷺ يعطي ناسًا ويترك من هو أفضل منهم في الدين وظن أن العطاء يكون بحسب الفضائل في الدين وظن أن النبي ﷺ لم يعلم حال هذا الإنسان المتروك فأعلمه به وحلف أنه يعلمه مؤمنا فقال له النبي ﷺ (أو مسلمًا) فلم يفهم منه النهي عن الشفاعة فيه مرةً أخرى فسكت ثم رآه يعطي من هو دونه بكثير فغلبه ما يعلم من حسن حال ذلك الإنسان فقال: (يا رسول الله ما لك عن فلان) تذكيرا وجوَّز أن يكون النبي ﷺ هم بعطائه من المرة الأولى ثم نسيه فأراد تذكيره وهكذا المرة الثالثة إلى أن أعلمه النبي ﷺ أن العطاء ليس هو على حسب الفضائل في الدين فقال ﷺ (إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار) معناه إني أعطي ناسا مؤلفة في إيمانهم ضعف لو لم أعطهم كفروا فيكبهم الله تعالى في النار وأترك أقواما هم أحب إليَّ من الذين أعطيتهم ولا أتركهم احتقارًا لهم ولا لنقص دينهم ولا إهمالًا لجانبهم بل أكلهم إلى ما جعل الله في قلوبهم من النور والإيمان التام وأثق بأنهم لا يتزلزل إيمانهم لكماله اهـ.
стр. 4818
(٢٣١٥) (٠) (٠) حدَّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ، عَلَى مَعْنَى حَدِيثِ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
(٢٣١٦) (٠) (٠) حدَّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ،
ــ
وقد ثبت هذا المعنى في صحيح البخاري عن عمرو بن تغلب أن رسول الله ﷺ أتى بمال أو سبي فقسمه فأعطى رجالًا وترك رجالًا فبلغه أن الذين ترك عتبوا فحمد الله تعالى ثم أثنى عليه ثم قال (أما بعد فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل والذي أدع أحب إليَّ من الذي أعطي ولكني أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع وأكل أقوامًا إلى ما جعل في قلوبهم من الغنى والخير) اهـ.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال:
(٢٣١٥) (٠) (٠) (حدثنا) محمد (بن أبي عمر) العدني المكي (حدثنا سفيان) بن عيينة المكي (ح وحدثنيه زهير بن حرب) النسائي (حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد) الزهري المدني (حدثنا) محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب المدني (ابن أخي ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري وثقه أبو داود وضعفه ابن معين وقال في التقريب: صدوق له أوهام من (٦) روى عنه في (٣) أبواب مات سنة (١٥٢) اثنتين وخمسين ومائة قال الواقدي: قتله غلمانه بأمر ابنه (ح وحدثناه إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (وعبد بن حميد) الكسي (قالا: أخبرنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (كلهم) أي كل هؤلاء الثلاثة من سفيان ومحمد بن عبد الله ومعمر رووا (عن الزهري) محمد بن مسلم (بهذا الإسناد) يعني عن عامر بن سعد عن أبيه (على معنى) أي بمعنى (حديث صالح) بن كيسان (عن الزهري) وعبر بعلى في قوله (على معنى) فرارًا من كراهة تعلق حرفي جر متحدي المعنى واللفظ بعامل واحد وغرضه بسوق هذه الأسانيد الثلاثة بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لصالح بن كيسان في رواية هذا الحديث عن الزهري.
стр. 4819
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ؛ قَال: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ بِهذَا الْحَدِيثِ. يَعْنِي حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا. فَقَال فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ بَينَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَال: "أَقِتَالًا أَي سَعْدُ؟ ! ".
(٢٣١٧) (١٠٢٥) - (١٧٥) حدثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛
ــ
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث سعد ﵁ فقال:
(٢٣١٦) ٣ (٠) (٠) (حدثنا الحسن بن علي الحلواني) أبو علي الهذلي المكي (حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد) الزهري المدني (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد (عن صالح) بن كيسان المدني (عن إسماعيل بن محمد بن سعد) بن أبي وقاص الزهري المدني ثقة من (٤) (قال) إسماعيل: (سمعت) أبي (محمد بن سعد) بن أبي وقاص الزهري المدني ثقة من (٣) (يحدث بهذا الحديث) عن سعد بن أبي وقاص (يعني) إسماعيل بن محمد بقوله بهذا الحديث (حديث الزهري) أي حديثًا رواه الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص.
وهذا السند من سباعياته رجاله كلهم مدنيون إلا حسن بن علي الحلواني غرضه بسوقه بيان متابعة محمد بن سعد لعامر بن سعد في رواية هذا الحديث عن أبيهما سعد بن أبي وقاص.
(الذي ذكرنا) هـ آنفًا (فقال) محمد بن سعد (في حديثه) أي في روايته قال سعد بن أبي وقاص (فضرب رسول الله ﷺ بيده) الشريفة (بين عنقي) وهو أصل الرأس (وكتفي) وهو ما بين أصل العنق والعضد من سطح الإبط (ثم قال) رسول الله ﷺ : (١) تريد (قتالًا) ودفاعا عن عملي (أي سعد) أي: يا سعد؛ أي: أتدافعني مدافعة وتكابرني عن عملي يا سعد شبه تكريره القول بعد التنبيه بالقتال أي أمدافعة ومكابرة تريد يا سعد.
وقد تقدم إشباع الكلام على هذا الحديث وما يتعلق به من البحث في كتاب الإيمان في باب تالف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه والنهي عن القطع بالإيمان بغير دليل قاطع فليراجع.
стр. 4820
أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا، يَوْمَ حُنَينٍ، حِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ. فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيشٍ. الْمِائَةَ مِنَ الإِبِلِ. فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ. يُعْطِي قُرَيشًا ويتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ!
ــ
ثم استشهد المؤلف لحديث سعد بحديث أنس ﵄ فقال:
(٢٣١٧) (١٠٢٥) (١٧٥) (حدثني حرملة بن يحيى التجيبي) المصري (أخبرنا عبد الله بن وهب) المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب أخبرني أنس بن مالك) ﵁.
وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مصريان وواحد بصري وواحد مدني وواحد أيلي (أن أناسًا من الأنصار) لم أر من ذكر أسماءهم (قالوا يوم) غزوة (حنين) مصغرًا قال السهيلي: حنين الذي عرف به المكان هو حنين بن قانية ويقال لغزوة حنين غزوة أوطاس تسمية لها بالموضع الذي كانت فيه الوقعة (حين أفاء الله) تعالى أي رجع ورد (على رسوله) ﷺ .
قال الحافظ: أي أعطاه غنائم الذين قاتلهم يوم حنين وأصل الفيء الرد والرجوع ومنه سمي الظل بعد الزوال فيئًا لأنه رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق فكان الأموال التي بأيدي الكفار كانت بالأصالة للمؤمنين إذ الإيمان هو الأصل والكفر طارئ عليه فغلب الكفار على تلك الأموال بطريق التعدي فإذا غنم المسلمون منهم شيئًا فكأنه رجع إليهم من يد الغاصب.
(من أموال هوازن ما أفاء) عليه وهوازن قبيلة مشهورة من العرب وبلغ السَّبي يومئذ ستة آلاف نفس من النساء والأطفال وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفًا والغنم أربعين ألف شاة كما في الفتح أي حين جعل الله من أموالهم ما جعله فيئًا على رسوله وهو من الغنيمة ما لا تلحقه مشقة (فطفق) معطوف على أفاء الأول (رسول الله ﷺ أي شرع (يعطي رجالًا من قريش) من المؤلفة قلوبهم وسيأتي بيانهم في حديث رفاعة بن خديج كأبي سفيان وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن وغيرهم (المائة من الابل) كل فرد منهم (فقالوا) أي قال أناس من الأنصار: (يغفر الله) سبحانه (لرسول الله) ﷺ .
стр. 4821
قَال أَنَسُ بن مَالِكٍ: فَحُدِّثَ ذلِكَ رَسُول اللهِ ﷺ ، مِنْ قَوْلِهِمْ. فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ. فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ
ــ
قال الطيبي: هذا القول توطئة وتمهيد لما يرد بعده من العتاب كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ قال الأبي: والعذر لهم في قولهم ذلك ما ذكر من أنه حديثة أسنانهم لأنه (يعطي قريشًا) من الغنائم ما شاؤوا (ويتركنا) من العطاء ولا يعطينا (وسيوفنا) أي والحال أن سيوفنا (تقطر) وتمطر وتسيل (من دمائهم) أي من دماء قريش يعني يوم الفتح.
قال الطيبي: هذا من باب قول العرب: عرضت الناقة على الحوض فهو من القلب والأصل ودماؤهم تقطر من سيوفنا ويحتمل أن تكون من بمعنى الباء الموحدة وبالغ في جعل الدم قطر السيوف قال الأبي: يعنون أنهم ليس لهم سابقة ولا قدم في الإسلام.
قال القاري: ولا يبعد أن يكون التقدير: وسيوفنا باعتبار ما عليها تقطر من دمائهم وهو إشعار بقرب قتلهم كفار قريش وإيماء إلى أنهم أولى بزيادة البر فالجملة حال مقررة لجملة الإشكال.
(قال أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه (فحدث ذلك) بالبناء للمجهول من التحديث أي أخبر بمقالتهم تلك (رسول الله ﷺ من قولهم) وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره: فحدث رسول الله ﷺ من قولهم ذلك الكلام السابق ولفظة (ذلك) مفعول مقدم لقولهم ولفظ البخاري: فحدث رسول الله ﷺ وهو أخصر وأوضح والذي حدثه بأن الأنصار وجدوا في أنفسهم هو سعد بن عبادة كما في سيرة ابن سيد الناس اهـ تنبيه المعلم.
وقال ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري ﵁: إن الذي أخبر النبي ﷺ بمقالتهم سعد بن عبادة ولفظه: لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت منه المقالة فدخل عليه سعد بن عبادة فذكر له ذلك فقال له: فأين أنت من ذلك يا سعد قال: ما أنا إلا من قومي قال فاجمع لي قومك فخرج فجمعهم الحديث وأخرجه أحمد من هذا الوجه وهذا يعكر على الرواية التي فيها أما رؤساؤكم فلم يقولوا شيئًا لأن سعد بن عبادة من رؤساء الأنصار بلا ريب إلا أن يحمل على الأغلب الأكثر وإن الذي خاطبه بذلك سعد بن عبادة ولم يرد
стр. 4822
أَدَمٍ. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَال: "مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ ، فَقَال لَهُ فُقَهَاءُ الأَنْصَارِ: أَمَّا ذَوُو رَأْيِنَا، يَا رَسُول اللهِ! فَلَمْ يَقُولُوا شَيئًا. وَأَمَّا أُنَاسٌ حَدِيثَةُ أَسْنَانُهُمْ، قَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِهِ. يُعْطِي قُرَيشًا وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ! فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإِني أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ. أَتَأَلَّفُهُمْ. أَفَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ، وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللهِ؟ فَوَاللهِ،
ــ
إدخال نفسه في النفي أو أنه لم يقل لفظًا وإن كان رضي بالقول المذكور فقال: ما أنا إلا من قومي وهذا أوجه والله تعالى أعلم اهـ فتح الملهم.
(فأرسل) رسول الله ﷺ (إلى الأنصار فجمعهم) أي أمر بجمعهم (في قبة) أي في خيمة والقبة من الخيام بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب (من أدم) أي من جلود مدبوغة والأدم بفتحتين جمع أديم وهو الجلد المدبوغ ويجمع على أدم بضمتين أيضًا قال الفيومي: وهو القياس مثل برد وبريد اهـ.
(فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسم فقال) لهم: (ما حديث بلغني عنكم) أي من جهتكم ولفظ البخاري في المناقب (ما الذي بلغني عنكم) كما هو الرواية فيما يأتي (فقال له) ﷺ (فقهاء الأنصار) أي علماؤهم وعقلاؤهم: (أما ذوو رأينا) أي أصحاب عقولنا وفهومنا (يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا) من الكلام الذي بلغك (وأما أناس حديثة أسنانهم) أي قليلة أعمارهم خفيفة أفكارهم جمع سن بمعنى العمر والمراد بهم الشبان (قالوا: يغفر الله لرسوله) توطئة وتمهيد لما بعده كما مر (يعطي قريشًا) أقوامه (ويتركنا) ونحن أنصاره عند الشدة (وسيوفنا تقطر) أي تتصبب (من دمائهم) يعنون قريب عهدهم بالإسلام ليس له قدم في الإسلام (فقال رسول الله ﷺ : فإني أعطي) من هذه الأموال (رجالًا حديثي عهد) أي قريبي زمن (بكفر) ليس لهم رسوخ في الإسلام (أتألفهم) أي أطلب ألفتهم بالإسلام ورسوخهم فيه بإعطاء المال لا لكونهم من قريش قومي أو لغرض آخر من الأغراض وهذا موضع الترجمة من الحديث وقال النواوي أي أستميل قلوبهم بالإحسان ليثبتوا على الإسلام رغبة في المال وكان النبي ﷺ يعطي المؤلفة من الصدقات وكانوا من أشراف العرب فمنهم من كان يعطيه دفعًا لأذاه ومنهم من كان يعطيه طمعًا في إسلامه وإسلام نظرائه وأتباعه ومنهم من
стр. 4823
لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ" فَقَالُوا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ رَضِينَا. قَال: "فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَثَرَةً شَدِيدَةً. فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ. فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ". قَالُوا: سَنَصْبِرُ
ــ
كان يعطيه ليثبت على إسلامه لقرب عهده بالجاهلية اهـ نووي.
(أفلا ترضون) يا معشر الأنصار (أن يذهب الناس) ويرجعوا من الجهاد إلى منازلهم (بالأموال) أي بالغنائم (وترجعون) أنتم من المعارك (إلى رحالكم) بالحاء المهملة أي إلى منازلكم ودياركم طيبة المدينة (برسول الله) ﷺ (فوالله) الذي لا إله غيره (لما تنقلبون) وترجعون (به) واللام موطئة للقسم وما موصولة أو موصوفة أي فوالله إن الذي ترجعون وتنصرفون به إلى دياركم من الأجر وصحبة الرسول (خير) أي أفضل (مما ينقلبون به) أي من الغنائم التي يرجع بها الناس إلى منازلهم (فقالوا) أي فقال الأنصار جوابًا لرسوله ﷺ : (بلى) أي ليس الأمر عدم رضانا ذلك (يا رسول الله) بل (قد رضينا) ذلك يا رسول الله.
قال الحافظ: وذكر الواقدي أنه حينئذ دعاهم ليكتب لهم بالبحرين تكون لهم خاصة بعده دون الناس وهي يومئذ أفضل ما فتح عليه من الأرض فابوا وقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا اهـ.
(قال) لهم رسول الله ﷺ : (فإنكم) يا معشر الأنصار (ستجدون) بعدي فيه التفات إليهم متضمن للترحم عليهم (أثرة شديدة) أي استئثارًا واستبدادًا شديدًا يفضل عليكم غيركم بغير حق وهو اسم مصدر من آثر يؤثر إيثارًا نظير آمن قال الأعشى:
استأثر الله بالبقاء وبالـ ... ـعدل وولى الملامة الرجلا
فيه لغتان إحداهما ضم الهمزة وإسكان الثاء وأصحهما وأشهرهما بفتحهما جميعًا أي استئثار واستبداد أمرائكم واستقلالهم بأمور الدنيا من المغانم والفيء ونحوهما أي يستأثرون أنفسهم بالأموال والولاية دونكم ويفضلون عليكم غيركم من أقاربهم وقبائلهم ممن هو أدنى منكم والأثرة الاستبداد بالمشترك والاختصاص دون الشركاء.
قال الحافظ ﵀: وفيه علم من أعلام النبوة لقوله: (ستجدون بعدي أثرة) فكان كما قال وقد قال الزهري في روايته الآتية: قال أنس: فلم نصبر.
(فاصبروا) على تلك الأثرة ولا تنازعوهم فتكون فتنة وهذا موضع الجزء الأخير من
стр. 4824
(٢٣١٨) (٠) (٠) حدَّثنا حَسَن الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنهُ قَال: لَمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مَا أَفَاءَ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ. إِلَّا أَنهُ قَال: قَال أَنَسٌ: فَلَمْ نَصْبِرْ. وَقَال: فَأَمَّا أُنَاسٌ حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ.
(٢٣١٩) (٠) (٠) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
ــ
الترجمة (حتى تلقوا الله ورسوله) أي يوم القيامة فيجازيكم على صبركم أحسن الجزاء (فإني) منتظركم (على الحوض) أي فحينئذ يحصل جبر خاطركم المتعطش إلى لقائي بسقيكم شربةً لا تظمؤون بعدها أبدا ويحصل لكم الانتصاف ممن ظلمكم والثواب الجزيل على الصبر (قالوا) أي قال الأنصار في جواب أمره ﷺ إياهم بالصبر (سنصبر) إن شاء الله تعالى على تلك الأثرة يا رسول الله والظاهر (فقالوا) كما هو لفظ البخاري في المغازي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ٢٤٦) والبخارى (٤٣٣١) والترمذي (٣٩٠١).
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
(٢٣١٨) (٠) (٠) (حدثنا حسن) بن علي (الحلواني) المكي (وعبد بن حميد) الكسي (قالا: حدثنا يعقوب وهو ابن إبراهيم بن سعد) الزهري المدني (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد الزهري المدني (عن صالح) بن كيسان الغفاري المدني (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني (حدثني أنس بن ممالك) الأنصاري البصري ﵁.
وهذا السند من سداسياته كرضه بسوقه بيان متابعة صالح بن كيسان ليونس بن يزيد في رواية هذا الحديث عن الزهري وفائدتها تقوية السند الأول.
(أنه) أي أن أنسًا (قال: لما أفاء الله) أي رجع ورد (على رسوله) ﷺ (ما أفاء من أموال هوازن واقتص) صالح بن كيسان (الحديث) السابق (بمثله) أي بمثل حديث يونس لفظًا ومعنى إلا ما استثنى بقوله: (إلا أنه) أي أن صالحًا (قال) في روايته زيادة على يونس: (قال أنس: فلم نصبر) نحن معاشر الأنصار
стр. 4825
حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَال: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ. إِلَّا أَنَّهُ قَال: قَال أَنَسٌ: قَالُوا: نَصْبِرُ. كَرِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
(٢٣٢٠) (٠) (٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشارٍ. قَال ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ. قَال: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الأنصَارَ. فَقَال: "أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيرِكُمْ؟ "
ــ
كما أمرنا الرسول ﷺ (وقال) صالح أيضًا: (فأما) بالفاء بدل الواو (أناس حديثة أسنانهم) بحذف منَّا.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
(٢٣١٩) (٠) (٠) (وحدثني زهير بن حرب) النسائي (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) المدني (حدثنا) محمد بن عبد الله بن مسلم (بن أخي ابن شهاب) الزهري المدني (عن عمه) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني (قال) ابن شهاب: (أخبرني أنس بن مالك).
وهذا السند من خماسياته غرضه بسوقه بيان متابعة ابن أخي ابن شهاب ليونس بن يزيد.
(وساق) ابن أخي ابن شهاب (الحديث) أي ذكر (بمثله) أي بمثل حديث يونس لفظًا ومعنىً (إلا أنه) أي أن ابن أخي ابن شهاب (قال) في روايته: (قال أنس: قالوا) أي قال الأنصار: (نصبر) بحدف السين التي هي للاستقبال (كرواية يونس عن الزهري) إلا في حذف سين الاستقبال أي لم يذكر لفظة فلم نصبر كما ذكرها صالح.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث أنس ﵁ فقال:
(٢٣٢٠) (٠) (٠) (حدثنا محمد بن المثنى و) محمد (بن بشار) البصريان (قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري (أخبرنا شعبة) بن الحجاج العتكي البصري (قال شعبة: سمعت قتادة) بن دعامة السدوسي البصري (يحدث عن أنس بن مالك) ﵁.
стр. 4826
فَقَالُوا: لَا. إِلَّا ابْنُ أُخْتٍ لَنَا. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ " فَقَال: "إِن قُرَيشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ. وَإِني أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ وَأتَأَلَّفَهُمْ. أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى
ــ
وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون غرضه بسوقه بيان متابعة قتادة لابن شهاب في رواية هذا الحديث عن أنس.
(قال) أنس: (جمع رسول الله ﷺ الأنصار) في قبة من أدم ثم جاءهم (فقال) لهم: (أفيكم) أي هل فيكم في هذا الجمع (أحد من غيركم) أي من غير الأنصار (فقالوا) أي فقال الأنصار: (لا) يكون فينا أحد غيرنا أي لم يكن فينا أحد غيرنا (إلا ابن أخت لنا) هو النعمان بن مقرن المزني كما أخرجه أحمد عن معاوية بن قرة في حديث أنس هذا (فقال رسول الله ﷺ : إن ابن أخت القوم منهم) أي من القوم في الصلة والقرابة وعدم كتمان السر عنه.
قال النواوي: احتج به أبو حنيفة وأحمد على توريث ذوي الأرحام ومنعه مالك والشافعي وأجابوا عن الحديث بأنه ليس فيه ذكر التوريث وإنما المعنى إن بينه وبينهم وصلة وقرابة وأنه كالواحد منهم في إفشاء السر بحضرته ونحو ذلك اهـ.
قال العيني: وللحنفية في توريث ذوي الأرحام حديث عائشة (الخال وارث من لا وارث له) وغيره من الأحاديث (فقال) لهم رسول الله ﷺ : (أن قريشًا حديث عهد) أي قريب زمن (بجاهلية ومصيبة) أي من نحو قتل أقاربهم وفتح بلادهم يعني أن زمانهم قريب من زمان الكفر قال ابن حجر في مغازي البخاري: كذا وقع (حديث عهد) بالإفراد في الصحيحين والمعروف (حديثو عهد) اهـ. ولكن فعيل يستوي فيه المفرد وغيره.
(وإني أردت) أي قصدت بتخصيصهم بالعطاء (أن أجبرهم) بفتح الهمزة وسكون الجيم وبالباء الموحدة وبالراء من الجبر ضد الكسر أي أن أجبر كسير قلبهم بالعطايا أي أن أفعل معهم ما ينجبر به خاطرهم وينسيهم مصيبتهم.
وقال ابن حجر: كذا للأكثر (أن أجبرهم) بالجيم والراء وللسرخسي والمستملي (أن أجيزهم) بضم أوله وكسر الجيم بعدها تحتانية ساكنة ثم زاي من الجائزة اهـ.
стр. 4827
بُيُوتِكُمْ؟ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَ الأنصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ".
(٢٣٢١) (٠) (٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ. قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَال: لَمَّا فُتِحَتْ مَكةُ قَسَمَ الْغَنَائِمَ
ــ
وهو المأخوذ من المشارق فقال ابن الملك: أي أن أتحفهم وأعطيهم عطية تجبر كسر قلبهم بالمصائب.
(وأتألفهم) أي أستأنسهم على الإسلام (أما ترضون) أيها الأنصار (أن يرجع الناس) غيركم (بالدنيا) والأموال (وترجعون برسول الله) ﷺ (إلى بيوتكم) ومنازلكم والله (لو سلك الناس) غيركم ودخلوا في المسير (واديًا) من الأودية وهو المكان المنخفض مطلقًا وقيل: الذي فيه ماء (وسلك الأنصار شعبًا) من الشعاب بكسر الشين المعجمة وسكون العين اسم لما انفرج بين جبلين وقيل: الطريق في الجبل (لسلكت شعب الأنصار) أظهره إشعارًا بكمال محبته لهم لا الاقتداء بهم والمتابعة اهـ من المبارق أي لسلكت شعبهم وتركت سلوك وادي سائر الناس.
قال الحافظ: أراد به التنبيه على جزيل ما حصل لهم من ثواب النصرة والقناعة بالله ورسوله عن الدنيا ومن هذا وصفه فحقه أن يسلك طريفه ويتبع حاله اهـ.
قال الخطابي: أراد إن أرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب فإذا ضاق الطريق عن الجميع فسلك رئيسهم شعبًا تبعه قومه حتى يفضوا إلى الجادة وفيه وجه آخر: وهو أنه أراد بالوادي الرأي والمذهب كما يقال: فلان في واد وأنا في واد قيل: أراد ﷺ بذلك حسن موافقته إياهم وترجيحهم في ذلك على غيرهم لما شاهد منهم حسن الوفاء بالعهد وحسن الجوار وما أراد بذلك وجوب متابعته إياهم فإن متابعته حق على كل مؤمن لأنه ﷺ هو المتبوع المطاع لا التابع المطيع اهـ فتح الملهم.
ثم ذكر المؤلف المتابعة رابعا في حديث أنس ﵁ فقال:
(٢٣٢١) (٠) (٠) (حدثنا محمد بن الوليد) بن عبد الحميد القرشي العامري أبو عبد الله البصري الملقب بحمدان ثقة من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري ربيب سْعبة المعروف بغندر ثقة من (٩) (حدثنا شعبة) بن الحجاج البصري (عن أبي التياح) يزيد بن حميد الضبعي البصري ثقة من (٥) روى عنه في (٧)
стр. 4828
فِي قُرَيشٍ. فَقَالتِ الأَنْصَارُ: إِن هذَا لَهُوَ الْعَجَبُ. إِنَّ سُيُوفَنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ. وَإِن غَنَائِمَنَا تُرَدُّ عَلَيهِمْ! فَبَلَغَ ذلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَجَمَعَهُمْ. فَقَال: "مَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ " قَالُوا: هُوَ الَّذِي بَلَغَكَ. وَكَانُوا لَا يَكْذِبُونَ. قَال: "أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ الناسُ بِالذُنْيَا إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟ لَوْ سَلَكَ الناسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأنصَارِ أَوْ شِعْبَ الأنصَارِ".
(٢٣٢٢) (٠) (٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنى وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
ــ
أبواب (قال) أبو التياح: (سمعت أنس بن مالك) الأنصاري البصري ﵁ وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون غرضه بسوقه بيان متابعة أبي التياح لمن روى هذا الحديث عن أنس بن مالك. (قال) أنس: (لما فتحت مكة) المكرمة (قسم) رسول الله ﷺ (الغنائم) أي غنائم حنين وكان ذلك بعد الفتح بشهرين (في قريش) المراد بهم من فتحت مكة وهم فيها (فقالت الأنصار: إن هذا) القسم يعنون قسم الغنائم لقريش (لهو العجب) أي لهو الأمر الذي يستحق التعجب منه لأنه أمر خارق للعادة في قسم الغنائم (أن سيوفنا) وإنما كان من العجب لأن سيوفنا (تقطر) أي تمطر (من دمائهم) أي من دماء قريش يعنون يوم الفتح (وإن غنائمنا) أي إن الغنائم التي تستحق قسمها (نرد عليهم) أي تقسم على طلقاء قريش (فبلغ ذلك) الذي قالوه (رسول الله ﷺ فجمعهم) أي أمر بجمعهم في قبة فلما اجتمعوا جاءهم (فقال) لهم: (ما) الخبر (الذي بلغني عنكم) أي من جهتكم (قالوا) له ﷺ خبرنا (هو) الخبر (الذي بلغك) يا رسول الله (وكانوا) أي وكان من خلقهم أنهم (لا يكذبون) بإنكار ما قالوا أي قال فقهاؤهم هو الذي قاله ناس منا حديثة أسنانهم فلا منافاة بينه وبين ما سبق ولعل ذلك كان منهم بعد أن سكتوا أول مرة فلا ينافيه ما سيأتي أنهم سكتوا والله تعالى أعلم بالصواب اهـ فتح الملهم (قال) لهم رسول الله ﷺ : (أما ترضون) أيها الأنصار (أن يرجع الناس) غيركم كقريش (بالدنيا) والأموال (إلى بيوتهم وترجعون) أنتم (برسول الله إلى بيوتكم) ومنازلكم والله (لو سلك الناس) كلهم غير الأنصار (واديًا) من الأودية وهو مجرى الماء المتسع (أو شعبًا) من الشعاب وهو الطريق في الجبل
стр. 4829
عَرْعَرَةَ (يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ الْحَرْفَ بَعْدَ الْحَرْفِ) قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ زَيدِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَينٍ أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ، وَغَيرُهُمْ بِذَرَارِيِّهِمْ وَنَعَمِهِمْ. وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ عَشَرَةُ الآفٍ. وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ
ــ
(لسلكت وادي الأنصار) أي لاخترت السلوك في واد سلكت فيه الأنصار (أو شعب الأنصار) وأو في الموضعين لتنويع المسلك لا للشك.
ثم ذكر المؤلف المتابعة خامسًا في حديث أنس ﵁ فقال:
(٢٣٣٢) (٠) (٠) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (وإبراهيم بن محمد بن عرعرة) بعينين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة السامي بمهملة أبو إسحاق البصري ثقة من (١٠) (يزيد أحدهما على الأخر الحرف بعد الحرف) أي الكلمة بعد الكلمة (قالا: حدثنا معاذ بن معاذ) التميمي العنبري أبو المثنى البصري (حدثنا) عبد الله (بن عون) بن أرطبان بفتح فسكون ففتح المزني مولاهم أبو عون البصري ثقة ثبت من (٦) روى عنه في (١١) بابا (عن هشام بن زيد بن أنس) بن مالك الأنصاري البصري ثقة من (٥) روى عنه في (٧) أبواب (عن) جده (أنس بن مالك) الأنصاري البصري ﵁.
وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون غرضه بسوقه بيان متابعة هشام بن زيد لمن روى عن أنس.
(قال) أنس: (لما كان يوم) غزوة (حنين أقبلت) أي جاءت إلى مقابلة المسلمين ومقاتلتهم (هوازن وغطفان) هما قبيلتان من قيس بن عيلان بن مضر بن معد بن عدنان (وغيرهم) ممن انضاف إليهما كثقيف وناس من هلال وفي بعض النسخ إسقاط (وغيرهم) (بذراريهم) أي بنسائهم وأطفالهم (ونعمهم) أي وبمواشيهم والنعم واحد الأنعام وهي الأموال الراعية وأكثر ما يقع على الإبل.
قال القسطلاني: وكانت عادتهم إذا أرادوا التثبت في القتال استصحاب الأهالي وثقلهم معهم إلى موضع القتال اهـ.
وكان خروجهم بالأموال والنساء والأطفال بأمر رئيسهم مالك بن عوف النصري وكان دريد بن الصمة الجشمي قد أشار إليه بخلافه فلم يقبل منه مشورته وسيأتي ما فيه
стр. 4830
فَأَدْبَرُوا عَنْهُ. حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ. قَال: فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَينِ. لَمْ يَخْلِطْ بَينَهُمَا شَيئًا. قَال: فَالْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ فَقَال: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ" فَقَالُوا: لَبَّيكَ، يَا رَسُولَ اللهِ! أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ. قَال: ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ فَقَال: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ"! قَالُوا: لَبيكَ، يَا رَسُولَ اللهِ! أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ. قَال: وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيضَاءَ. فَنَزَلَ فَقَال: أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ. وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَنَائِمَ كثِيرَةً. فَقَسَمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالطلَقَاءِ. وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيئًا
ــ
من الحكمة الإلهية التكوينية (و) كان (مع النبي ﷺ يومئذ) أي يومئذ أقبلت عليهم هوازن وغطفان (عشرة آلاف) من الصحابة الذين فتح بهم مكة (و) كان (معه) ﷺ (الطلقاء) يعني مسلمة الفتح الذين من عليهم رسول الله ﷺ يوم الفتح فلم يأسرهم ولم يقتلهم جمع طليق.
قال العيني: الطليق هو الأسير الذي أطلق عنه أسره وخلى سبيله ويراد بهم أهل مكة فإنه ﷺ أطلق عنهم وقال لهم: أقول لكم ما قال يوسف: لا تثريب عليكم اليوم اهـ.
وكانوا ألفين من أهل مكة ومن انضاف إليهم (فأدبروا) أي فأدبر المسلمون (عنه) ﷺ أي ولوا عنه أدبارهم وما أقبلوا على العدو معه ﷺ وهربوا عنه (حتى بقي) ﷺ (وحده قال) أنس: (فنادى) رسول الله ﷺ (يومئذ) أي يوم إذ أقبلت عليهم هوازن (نداءين لم يخلط بينهما شيئًا) مفسر بما بعده يعني أنه ﷺ نادى الأنصار يومئذ نداءين متعاقبين يمينًا وشمالًا.
(قال) أنس في تفسير قوله: (لم يخلط بينهما) (فالتفت) ﷺ (عن يمينه فقال: يا معشر الأنصار فقالوا لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك قال) أنس (ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الأنصار قالوا لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك قال) أنس: (وهو) ﷺ كان حين ندائهم (على بغلة بيضاء) وهذا من كمال شجاعته ﷺ فإن البغال لا تعتمد في القتال (فنزل) عن بغلته (فقال: أنا عبد الله ورسوله فانهزم المشركون) وهربوا (وأصاب) أي أخذ (رسول الله صلى الله عليه
стр. 4831
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وسلم) من المشركين (غنائم كثيرة فقسم) تلك الغنائم (في المهاجربن والطلقاء) يعني مسلمة الفتح (ولم يعط الأنصار شيئًا) قال الحافظ: وهذا ظاهر في أن العطية المذكورة كانت من جميع الغنيمة.
وقال القرطبي في المفهم: والإجراء على أصول الشريعة أن العطاء المذكور كان من الخمس ومنه كان أكثر عطاياه وقد قال في هذه الغزوة للأعرابي: (ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم) أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو وعلى الأول فيكون ذلك مخصوصا بهذه الواقعة وقد ذكر السبب في ذلك في رواية قتادة عن أنس في الباب حيث قال: إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم.
(قلت) الأول هو المعتمد ويؤكده ما سبق من قوله وءان غنائمنا ترد عليهم وما يأتي في هذه الرواية من قولهم ويعطي الغنائم غيرنا.
ثم قال الحافظ: والذي رجحه القرطبي جزم به الواقدي ولكنه ليس بحجة إذا انفرد فكيف إذا خالف وقيل: إنما تصرف في الغنيمة كذلك لأن الأنصار كانوا انهزموا فلم يرجعوا حتى وقعت الهزيمة على الكفار فرد الله أمر الغنيمة لنبيه وهذا معنى القول السابق بأنه خاص بهذه الواقعة واختار أبو عبيد أنه كان من الخمس.
(وقال ابن القيم) رحمه الله تعالى: اقتضت حكمة الله أن فتح مكة كان سببًا لدخول كثير من قبائل العرب في الإسلام وكانوا يقولون: دعوه وقومه فإن غلبهم دخلنا في دينه وإن غلبوه كفونا أمره فلما فتح الله عليه استمر بعضهم على ضلاله فجمعوا له وتأهبوا لحربه وكان من الحكمة في ذلك أن يظهر أن الله نصر رسوله لا بكثرة من دخل في دينه من القبائل ولا بانكفاف قومه عن قتاله ثم لما قدر الله عليه من غلبته إياهم قدر وقوع هزيمة المسلمين في كثرة عددهم وقوة عددهم ليتبين لهم أن النصر الحق إنما هو من عنده لا بقوتهم ولو قدر أن يغلبوا الكفار ابتداءً لرجع من رجع منهم شامخ الرأس متعاظمًا فقدر هزيمتهم ثم أعقبهم النصر ليدخلوا مكة كما دخلها ﷺ يوم الفتح متواضعًا متخشعًا واقتضت حكمته أيضًا أن غنائم الكفار لما حصلت ثم قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه لما بقي فيه من الطبع البشري في محبة المال فقسمه فيهم
стр. 4832
فَقَالتِ الأَنْصَارُ: إِذَا كَانَتِ الشِّدَّةُ فَنَحْنُ نُدْعَى. وَتُعْطَى الْغَنَائِمُ غَيرَنَا! فَبَلَغَهُ ذلِكَ. فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ. فَقَال: "يَا مَعْشَرَ الانْصَارِ! مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ " فَسَكَتُوا. فَقَال: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ الناسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِمُحَمَّدٍ تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟ "
ــ
لتطمئن قلوبهم وتجتمع على محبته لأنها جبلت على حب من أحسن إليها ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها لأنه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصورًا عليهم بخلاف قسمته على المؤلفة لأن فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم فلما كان ذلك العطاء سببًا لدخولهم في الإسلام ولتقوية قلب من دخل فيه قبل تبعهم من دونهم في الدخول فكان في ذلك عظيم المصلحة ولذلك لم يقسم فيهم من أموال أهل مكة عند فتحها قليلًا ولا كثيرًا مع احتياج الجيوش إلى المال الذي يعينهم على ماهم فيه فحرك الله قلوب المشركين لغزوهم فرأى كبيرهم أن يخرجوا معهم أموالهم ونساءهم وأبناءهم غنيمة للمسلمين ولو لم يقذف الله في قلب رئيسهم أن سوقه معه هو الصواب لكان الرأي ما أشار إليه دريد فخالفه فكان ذلك سببًا لتصييرهم غنيمة للمسلمين ثم اقتضت تلك الحكمة أن تقسم تلك الغنائم في المؤلفة ويوكل من قلبه مملوء بالإيمان ثم كان من تمام التأليف رد من سبي منهم إليهم فانشرحت صدورهم للإسلام فدخلوا طائعين راغبين وجبر ذلك قلوب أهل مكة بما نالهم من النصر والغنيمة عما حصل لهم من الكسر والرعب فصرف عنهم شر من كان يجاورهم من أشد العرب من هوازن وثقيف بما وقع لهم من الكسرة وبما قيض لهم من الدخول في الإسلام ولولا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدتها وكثرتها وأما قصة الأنصار وقول من قال منهم وقد اعتذر رؤساؤهم بأن ذلك كان من بعض أتباعهم ولما شرح لهم ﷺ ما خفي عليهم من الحكمة فيما صنع رجعوا مذعنين ورأوا أن الغنيمة العظمى ما حصل لهم من عود رسول الله إلى بلادهم فسلوا عن الشاة والبعير والسبايا من الأنثى والصغير بما حازوه من الفوز العظيم ومجاورة النبي الكريم لهم حيا وميتا وهذا دأب الحكيم يعطي كل أحد ما يناسبه انتهى ملخصًا.
(فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن ندعى وتعطى الغنائم غيرنا فبلغه) ﷺ (ذلك) الذي قالوه (فجمعهم في قبة فقال: يا معشر الأنصار ما حديث بلغني
стр. 4833
قَالُوا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللهِ! رَضِينَا. قَال: فَقَال: "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لأَخَذْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ".
قَال هِشَامٌ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، أَنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ؟ قَال: وَأَينَ أَغِيبُ عَنْهُ؟ .
(٢٣٢٣) (٠) (٠) حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. قَال ابْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: حَدَّثَنِي السُّمَيط،
ــ
عنكم فسكتوا) يحتمل أن بعضهم سكت وبعضهم أجاب قاله الحافظ.
(فقال: يا معشر الأنصار أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد) حالة كونكم (تحوزونه) أي تضمونه وتجمعونه مع أنفسكم وتردونه (إلى بيوتكم) ودياركم المدينة المنورة فيكون جارًا لكم حيًّا وميتًا وهو بالحاء المهملة وبالزاي من الحوز وهو الضم والجمع والإحاطة. قال الفيومي: وكل من ضم إلى نفسه شيئًا فقد حازه اهـ.
(قالوا: بلى يا رسول الله رضينا) ذلك (قال) أنس: (فقال) رسول الله ﷺ أيضًا: (لو سلك الناس واديًا) من الأودية أي متسعًا من الطريق (وسلكت الأنصار شعبًا) من الشعاب أي طريقًا ضيقًا صاعدًا في الجبل (لأخذت) أي لسلكت (شعب الأنصار) أظهر في مقام الإضمار إشعارًا بكمال محبته إياهم.
(قال هشام) بن زيد بن أنس بالسند السابق: (فقلت) لأنس: (يا أبا حمزة) كنية أنس بن مالك جد هشام (أنت شاهد) أي حاضر (ذاك) القصص الواقع بينهم وبين النبي ﷺ (قال) أبو حمزة: (وأين) أي وإلى أين (أغيب عنه) أي عن ذاك الواقع بينه وبينهم لأني خادمه ﷺ هو استفهام إنكار يقرر أنه ما كان ينبغي له أن يظن أن أنسا يغيب عن ذلك اهـ فتح الملهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة سادسًا في حديث أنس ﵁ فقال:
(٢٣٢٣) (٠) (٠) (حدثنا عبيد الله بن معاذ) بن معاذ بن نصر العنبري البصري ثقة من (١٠) (وحامد بن عمر) بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي البكراوي البصري ثقة من (١٠) (ومحمد بن عبد الأعلى) القيسي الصنعاني ثم البصري ثقة من
стр. 4834
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: افْتَتَحْنَا مَكةَ. ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَينًا. فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَأَيتُ. قَال: فَصُفَّتِ الْخَيلُ. ثُمَّ صُفَّتِ الْمُقَاتِلَةُ. ثُمَّ صُفَّتِ النسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذلِكَ. ثُمَّ صُفَّتِ الْغَنَمُ. ثُمَّ صُفَّتِ النَّعَمُ. قَال: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ. قَدْ بَلَغْنَا سِتةَ الآفٍ. وَعَلَى مُجَنِّبَةِ خَيلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. قَال: فَجَعَلَتْ خَيلُنَا
ــ
(١٠) (قال ابن معاذ: حدثنا المعتمر بن سليمان) التيمي أبو محمد البصري ثقة من (٩) (عن أبيه) سليمان بن طرخان التيمي أبي المعتمر البصري ثقة من (٤) (قال) سليمان: (حدثني السميط) مصغرًا تصغير سمط بن عمير بن حية بن زميلة بن واقد بن شراحيل بن حرمل بن عمرو بن سدوس ويقال: سميط بن سمير السدوسي أبو عبد الله البصري روى عن أنس في الصلاة والزكاة وأبي موسى وعمران بن حصين ويروي عنه (م س ق) وسليمان التيمي وعاصم الأحول قال العجلي: ثقة وقال في التقريب: صدوق من الثالثة وليس في مسلم سميط إلا هذا (عن أنس بن مالك) الأنصاري البصري.
وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة غرضه بسوقه بيان متابعة سميط لمن روى عن أنس.
(قال) أنس: (افتتحنا مكة ثم إنا) بعد افتتاح مكة (غزونا حنينًا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت) في الدنيا (قال) أنس: (فصفت الخيل) أي الفرسان (ثم صفت المقاتلة) أي الرجالة المقاتلون (ثم صفت النساء من وراء ذلك) المذكور من الخيل والمقاتلة (ثم صفت الغنم ثم صفت النعم) أي الإبل وجه ذلك ما نقلناه من القسطلاني قبل (قال) أنس: (ونحن) معاشر المسلمين (بشر كثير) وجم غفير (قد بلغنا ستة آلاف) مقاتلة قال القاضي: هذا وهم من الراوي عن أنس والصحيح ما جاء في الرواية الأولى (عشرة آلاف ومعهم الطلقاء) لأن المشهور في كتاب المغازي أن المسلمين كانوا يومئذ اثني عشر ألفًا عشرة آلاف شهدوا الفتح وألفان من أهل مكة ومن انضاف إليهم اهـ إكمال المعلم.
(وعلى مجنبة خيلنا) بضم الميم وفتح الجيم وكسر النون قال شمر: المجنبة هي الكتيبة من الخيل التي تأخذ جانب الطريق الأيمن وهما مجنبتان ميمنة وميسرة بجانبي الطريق والقلب بينهما كذا في الشرح أي والأمير عليهما (خالد بن الوليد) بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي سيف الله يكنى أبا سليمان أسلم في صفر سنة ثمان وشهد غزوة مؤتة وكان إسلامه بين الحديبية والفتح مات بحمص على الراجح وقيل
стр. 4835
تَلْوي خَلْفَ ظُهُورِنَا. فَلَمْ نَلْبَثْ أَنِ انْكَشَفَتْ خَيلُنَا، وَفَرَّتِ الأَعْرَابُ، وَمَنْ نَعْلَمُ مِنَ النَّاسِ. قَال: فَنَادَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَال الْمُهَاجِرِينَ! يَالَ الْمُهَاجِرِينَ! " ثُمَّ قَال: "يَال الأنصَارِ! يَال الأنصَارِ! ". قَال: قَال أَنَسٌ: هذَا حَدِيثُ عِمِّيَّةٍ
ــ
بالمدينة سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ﵁.
وفي النهاية في حديث الفتح كان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى والزبير على المجنبة اليسرى.
قال ابن الأثير: مجنبة الجيش هي التي تكون في الميمنة والميسرة وهما مجنبتان.
(قال) أنس: (فجعلت خيلنا) أي شرعت خيلنا يعني خيل المسلمين (تلوي) هكذا هو في أكثر النسخ تلوي بوزن (ترمي) قال في مجمع البحار: أي تتلوى من لوى عليه إذا عطف وفي بعضها (تلوذ) بالذال المعجمة وكلاهما صحيح أي فجعلت فرساننا يثنون أفراسهم ويعطفونها (خلف ظهورنا) أي يردونها خلف ظهورنا (فلم نلبث أن انكشفت) وانهزمت (خيلنا) وهربت (وفرت) أي هربت وشردت (الأعراب) الذين كانوا معنا (ومن نعلمـ) ـهم بالشجاعة (من الناس) المهاجرين والأنصار (قال) أنس: (فنادى رسول الله ﷺ في أصحابه بالرجوع إليه وقال في ندائه: (يال المهاجرين يال المهاجرين) مرتين (ثم قال: يال الأنصار يال الأنصار) مرتين هكذا في جميع النسخ في المواضع الأربعة: (يال) بلام مفصولة مفتوحة والمعروف بلام التعريف التي بعدها بأن يكتب هكذا: يا للمهاجرين يا للأنصار وهي لام الجر إلا أنها تفتح في المستغاث به فرقًا بينه وبين المستغاث له فيقال: يا لزيد لعمرو بفتحها في الأولى وكسرها في الثانية ويسمى هذا النوع من المنادى الاستغاثة وهي نداء من يخلص من شدة أو يعين على مشقة.
ويقال في إعرابه: (يا للمهاجرين) يا حرف نداء للمهاجرين اللام حرف جر واستغاثة مبني على الفتح فرقًا بينها وبين اللام الداخلة على المستغاث له المهاجرين مستغاث به مجرور باللام وعلامة جره الياء لأنه من جمع المذكر السالم الجار والمجرور متعلق بفعل الندا بعد تضمينه معنى الالتجاء والمستغاث له محذوف هنا لعلمه تقديره: للمسلمين واللام فيه حرف جر مبني على الكسر على الأصل في لام الجر المسلمين مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم والجار والمجرور متعلق بفعل النداء أيضًا والتقدير:
следующие страницы →