← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسلم) من المشركين (غنائم كثيرة فقسم) تلك الغنائم (في المهاجربن والطلقاء) يعني مسلمة الفتح (ولم يعط الأنصار شيئًا) قال الحافظ: وهذا ظاهر في أن العطية المذكورة كانت من جميع الغنيمة. وقال القرطبي في المفهم: والإجراء على أصول الشريعة أن العطاء المذكور كان من الخمس ومنه كان أكثر عطاياه وقد قال في هذه الغزوة للأعرابي: (ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم) أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو وعلى الأول فيكون ذلك مخصوصا بهذه الواقعة وقد ذكر السبب في ذلك في رواية قتادة عن أنس في الباب حيث قال: إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم. (قلت) الأول هو المعتمد ويؤكده ما سبق من قوله وءان غنائمنا ترد عليهم وما يأتي في هذه الرواية من قولهم ويعطي الغنائم غيرنا. ثم قال الحافظ: والذي رجحه القرطبي جزم به الواقدي ولكنه ليس بحجة إذا انفرد فكيف إذا خالف وقيل: إنما تصرف في الغنيمة كذلك لأن الأنصار كانوا انهزموا فلم يرجعوا حتى وقعت الهزيمة على الكفار فرد الله أمر الغنيمة لنبيه وهذا معنى القول السابق بأنه خاص بهذه الواقعة واختار أبو عبيد أنه كان من الخمس. (وقال ابن القيم) رحمه الله تعالى: اقتضت حكمة الله أن فتح مكة كان سببًا لدخول كثير من قبائل العرب في الإسلام وكانوا يقولون: دعوه وقومه فإن غلبهم دخلنا في دينه وإن غلبوه كفونا أمره فلما فتح الله عليه استمر بعضهم على ضلاله فجمعوا له وتأهبوا لحربه وكان من الحكمة في ذلك أن يظهر أن الله نصر رسوله لا بكثرة من دخل في دينه من القبائل ولا بانكفاف قومه عن قتاله ثم لما قدر الله عليه من غلبته إياهم قدر وقوع هزيمة المسلمين في كثرة عددهم وقوة عددهم ليتبين لهم أن النصر الحق إنما هو من عنده لا بقوتهم ولو قدر أن يغلبوا الكفار ابتداءً لرجع من رجع منهم شامخ الرأس متعاظمًا فقدر هزيمتهم ثم أعقبهم النصر ليدخلوا مكة كما دخلها ﷺ يوم الفتح متواضعًا متخشعًا واقتضت حكمته أيضًا أن غنائم الكفار لما حصلت ثم قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه لما بقي فيه من الطبع البشري في محبة المال فقسمه فيهم

стр. 4832

فَقَالتِ الأَنْصَارُ: إِذَا كَانَتِ الشِّدَّةُ فَنَحْنُ نُدْعَى. وَتُعْطَى الْغَنَائِمُ غَيرَنَا! فَبَلَغَهُ ذلِكَ. فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ. فَقَال: "يَا مَعْشَرَ الانْصَارِ! مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ " فَسَكَتُوا. فَقَال: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ الناسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِمُحَمَّدٍ تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟ " ــ لتطمئن قلوبهم وتجتمع على محبته لأنها جبلت على حب من أحسن إليها ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها لأنه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصورًا عليهم بخلاف قسمته على المؤلفة لأن فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم فلما كان ذلك العطاء سببًا لدخولهم في الإسلام ولتقوية قلب من دخل فيه قبل تبعهم من دونهم في الدخول فكان في ذلك عظيم المصلحة ولذلك لم يقسم فيهم من أموال أهل مكة عند فتحها قليلًا ولا كثيرًا مع احتياج الجيوش إلى المال الذي يعينهم على ماهم فيه فحرك الله قلوب المشركين لغزوهم فرأى كبيرهم أن يخرجوا معهم أموالهم ونساءهم وأبناءهم غنيمة للمسلمين ولو لم يقذف الله في قلب رئيسهم أن سوقه معه هو الصواب لكان الرأي ما أشار إليه دريد فخالفه فكان ذلك سببًا لتصييرهم غنيمة للمسلمين ثم اقتضت تلك الحكمة أن تقسم تلك الغنائم في المؤلفة ويوكل من قلبه مملوء بالإيمان ثم كان من تمام التأليف رد من سبي منهم إليهم فانشرحت صدورهم للإسلام فدخلوا طائعين راغبين وجبر ذلك قلوب أهل مكة بما نالهم من النصر والغنيمة عما حصل لهم من الكسر والرعب فصرف عنهم شر من كان يجاورهم من أشد العرب من هوازن وثقيف بما وقع لهم من الكسرة وبما قيض لهم من الدخول في الإسلام ولولا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدتها وكثرتها وأما قصة الأنصار وقول من قال منهم وقد اعتذر رؤساؤهم بأن ذلك كان من بعض أتباعهم ولما شرح لهم ﷺ ما خفي عليهم من الحكمة فيما صنع رجعوا مذعنين ورأوا أن الغنيمة العظمى ما حصل لهم من عود رسول الله إلى بلادهم فسلوا عن الشاة والبعير والسبايا من الأنثى والصغير بما حازوه من الفوز العظيم ومجاورة النبي الكريم لهم حيا وميتا وهذا دأب الحكيم يعطي كل أحد ما يناسبه انتهى ملخصًا. (فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن ندعى وتعطى الغنائم غيرنا فبلغه) ﷺ (ذلك) الذي قالوه (فجمعهم في قبة فقال: يا معشر الأنصار ما حديث بلغني

стр. 4833

قَالُوا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللهِ! رَضِينَا. قَال: فَقَال: "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لأَخَذْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ". قَال هِشَامٌ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، أَنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ؟ قَال: وَأَينَ أَغِيبُ عَنْهُ؟ . (٢٣٢٣) (٠) (٠) حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. قَال ابْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: حَدَّثَنِي السُّمَيط، ــ عنكم فسكتوا) يحتمل أن بعضهم سكت وبعضهم أجاب قاله الحافظ. (فقال: يا معشر الأنصار أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد) حالة كونكم (تحوزونه) أي تضمونه وتجمعونه مع أنفسكم وتردونه (إلى بيوتكم) ودياركم المدينة المنورة فيكون جارًا لكم حيًّا وميتًا وهو بالحاء المهملة وبالزاي من الحوز وهو الضم والجمع والإحاطة. قال الفيومي: وكل من ضم إلى نفسه شيئًا فقد حازه اهـ. (قالوا: بلى يا رسول الله رضينا) ذلك (قال) أنس: (فقال) رسول الله ﷺ أيضًا: (لو سلك الناس واديًا) من الأودية أي متسعًا من الطريق (وسلكت الأنصار شعبًا) من الشعاب أي طريقًا ضيقًا صاعدًا في الجبل (لأخذت) أي لسلكت (شعب الأنصار) أظهر في مقام الإضمار إشعارًا بكمال محبته إياهم. (قال هشام) بن زيد بن أنس بالسند السابق: (فقلت) لأنس: (يا أبا حمزة) كنية أنس بن مالك جد هشام (أنت شاهد) أي حاضر (ذاك) القصص الواقع بينهم وبين النبي ﷺ (قال) أبو حمزة: (وأين) أي وإلى أين (أغيب عنه) أي عن ذاك الواقع بينه وبينهم لأني خادمه ﷺ هو استفهام إنكار يقرر أنه ما كان ينبغي له أن يظن أن أنسا يغيب عن ذلك اهـ فتح الملهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة سادسًا في حديث أنس ﵁ فقال: (٢٣٢٣) (٠) (٠) (حدثنا عبيد الله بن معاذ) بن معاذ بن نصر العنبري البصري ثقة من (١٠) (وحامد بن عمر) بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي البكراوي البصري ثقة من (١٠) (ومحمد بن عبد الأعلى) القيسي الصنعاني ثم البصري ثقة من

стр. 4834

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: افْتَتَحْنَا مَكةَ. ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَينًا. فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَأَيتُ. قَال: فَصُفَّتِ الْخَيلُ. ثُمَّ صُفَّتِ الْمُقَاتِلَةُ. ثُمَّ صُفَّتِ النسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذلِكَ. ثُمَّ صُفَّتِ الْغَنَمُ. ثُمَّ صُفَّتِ النَّعَمُ. قَال: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ. قَدْ بَلَغْنَا سِتةَ الآفٍ. وَعَلَى مُجَنِّبَةِ خَيلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. قَال: فَجَعَلَتْ خَيلُنَا ــ (١٠) (قال ابن معاذ: حدثنا المعتمر بن سليمان) التيمي أبو محمد البصري ثقة من (٩) (عن أبيه) سليمان بن طرخان التيمي أبي المعتمر البصري ثقة من (٤) (قال) سليمان: (حدثني السميط) مصغرًا تصغير سمط بن عمير بن حية بن زميلة بن واقد بن شراحيل بن حرمل بن عمرو بن سدوس ويقال: سميط بن سمير السدوسي أبو عبد الله البصري روى عن أنس في الصلاة والزكاة وأبي موسى وعمران بن حصين ويروي عنه (م س ق) وسليمان التيمي وعاصم الأحول قال العجلي: ثقة وقال في التقريب: صدوق من الثالثة وليس في مسلم سميط إلا هذا (عن أنس بن مالك) الأنصاري البصري. وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة غرضه بسوقه بيان متابعة سميط لمن روى عن أنس. (قال) أنس: (افتتحنا مكة ثم إنا) بعد افتتاح مكة (غزونا حنينًا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت) في الدنيا (قال) أنس: (فصفت الخيل) أي الفرسان (ثم صفت المقاتلة) أي الرجالة المقاتلون (ثم صفت النساء من وراء ذلك) المذكور من الخيل والمقاتلة (ثم صفت الغنم ثم صفت النعم) أي الإبل وجه ذلك ما نقلناه من القسطلاني قبل (قال) أنس: (ونحن) معاشر المسلمين (بشر كثير) وجم غفير (قد بلغنا ستة آلاف) مقاتلة قال القاضي: هذا وهم من الراوي عن أنس والصحيح ما جاء في الرواية الأولى (عشرة آلاف ومعهم الطلقاء) لأن المشهور في كتاب المغازي أن المسلمين كانوا يومئذ اثني عشر ألفًا عشرة آلاف شهدوا الفتح وألفان من أهل مكة ومن انضاف إليهم اهـ إكمال المعلم. (وعلى مجنبة خيلنا) بضم الميم وفتح الجيم وكسر النون قال شمر: المجنبة هي الكتيبة من الخيل التي تأخذ جانب الطريق الأيمن وهما مجنبتان ميمنة وميسرة بجانبي الطريق والقلب بينهما كذا في الشرح أي والأمير عليهما (خالد بن الوليد) بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي سيف الله يكنى أبا سليمان أسلم في صفر سنة ثمان وشهد غزوة مؤتة وكان إسلامه بين الحديبية والفتح مات بحمص على الراجح وقيل

стр. 4835

تَلْوي خَلْفَ ظُهُورِنَا. فَلَمْ نَلْبَثْ أَنِ انْكَشَفَتْ خَيلُنَا، وَفَرَّتِ الأَعْرَابُ، وَمَنْ نَعْلَمُ مِنَ النَّاسِ. قَال: فَنَادَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَال الْمُهَاجِرِينَ! يَالَ الْمُهَاجِرِينَ! " ثُمَّ قَال: "يَال الأنصَارِ! يَال الأنصَارِ! ". قَال: قَال أَنَسٌ: هذَا حَدِيثُ عِمِّيَّةٍ ــ بالمدينة سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ﵁. وفي النهاية في حديث الفتح كان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى والزبير على المجنبة اليسرى. قال ابن الأثير: مجنبة الجيش هي التي تكون في الميمنة والميسرة وهما مجنبتان. (قال) أنس: (فجعلت خيلنا) أي شرعت خيلنا يعني خيل المسلمين (تلوي) هكذا هو في أكثر النسخ تلوي بوزن (ترمي) قال في مجمع البحار: أي تتلوى من لوى عليه إذا عطف وفي بعضها (تلوذ) بالذال المعجمة وكلاهما صحيح أي فجعلت فرساننا يثنون أفراسهم ويعطفونها (خلف ظهورنا) أي يردونها خلف ظهورنا (فلم نلبث أن انكشفت) وانهزمت (خيلنا) وهربت (وفرت) أي هربت وشردت (الأعراب) الذين كانوا معنا (ومن نعلمـ) ـهم بالشجاعة (من الناس) المهاجرين والأنصار (قال) أنس: (فنادى رسول الله ﷺ في أصحابه بالرجوع إليه وقال في ندائه: (يال المهاجرين يال المهاجرين) مرتين (ثم قال: يال الأنصار يال الأنصار) مرتين هكذا في جميع النسخ في المواضع الأربعة: (يال) بلام مفصولة مفتوحة والمعروف بلام التعريف التي بعدها بأن يكتب هكذا: يا للمهاجرين يا للأنصار وهي لام الجر إلا أنها تفتح في المستغاث به فرقًا بينه وبين المستغاث له فيقال: يا لزيد لعمرو بفتحها في الأولى وكسرها في الثانية ويسمى هذا النوع من المنادى الاستغاثة وهي نداء من يخلص من شدة أو يعين على مشقة. ويقال في إعرابه: (يا للمهاجرين) يا حرف نداء للمهاجرين اللام حرف جر واستغاثة مبني على الفتح فرقًا بينها وبين اللام الداخلة على المستغاث له المهاجرين مستغاث به مجرور باللام وعلامة جره الياء لأنه من جمع المذكر السالم الجار والمجرور متعلق بفعل الندا بعد تضمينه معنى الالتجاء والمستغاث له محذوف هنا لعلمه تقديره: للمسلمين واللام فيه حرف جر مبني على الكسر على الأصل في لام الجر المسلمين مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم والجار والمجرور متعلق بفعل النداء أيضًا والتقدير:

стр. 4836

قَال: قُلْنَا: لَبَّيكَ. يَا رَسُولَ اللهِ! قَال: فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَال: فَايمُ اللهِ! مَا أَتَينَاهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمُ اللهُ. فَقَبَضْنَا ذلِكَ الْمَال. ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الطَّائِفِ فَحَاصَرْنَاهُمْ أَرْبَعِينَ لَيلَةً. ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى مَكَّةَ فَنَزَلْنَا. قَال: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِي الرَّجُلَ الْمِائَةَ مِنَ الإِبِلِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. كَنَحْو حَدِيثِ قَتَادَةَ، وَأَبِي التَّيَّاحِ، وَهِشَامِ بْنِ زَيدٍ ــ أستغيث المهاجرين وأناديهم للمسلمين وقس عليه ما بعده. (قال) سميط بن عمير: (قال أنس) بن مالك (هذا) الحديث الآتي (حديث عميه) أي حديث حدثني به أعمامي أو جماعتي كأنه حدَّثه بأول الحديث عن مشاهدة ثم لعله لم يضبط آخر الحديث الذي سيذكره بعد لتفرق الناس فحدثه به من شهده من أعمامه أو جماعته الذين شهدوه كما يدل عليه قوله فقلنا: لبَّيك رسول الله فقال هذا الحديث الباقي الذي سأذكره لكم حديث سمعته من أعمامي وما قبله حدثته لكم عن مشاهدة وعيان ولفظة (عميه) ضبطوها في صحيح مسلم على أربعة أوجه أحدها (عِمِيَّه) بكسر العين وتشديد الميم والياء وهي رواية عامة مشايخنا وفسر بالشدة والثاني (عَمِّيَه) بفتح العين وكسر الميم المشددة وتخفيف الياء بعدها هاء السكت أي حدثني به عمي والثالث (عُمِّيَه) بضم العين وتشديد الميم المكسورة وتخفيف الياء بعدها هاء السكت والرابع كذلك إلا أنه بتشديد الياء ومعنى الكل ما قدمناه في حلنا والهاء في الأوجه الأربعة هاء السكت. قال الأبي: (قال) أنس: (قلنا) معاشر المسلمين في جواب نداء النبي ﷺ : (لبيك يا رسول الله قال) أنس: (فتقدم رسول الله ﷺ إلى جهة العدو (قال) أنس: (فايم الله) أي فاسم الله قسمي وهي من ألفاظ القسم وهمزتها همزة وصل وقد تقطع كذا في النهاية (ما أتيناهم) أي ما أتينا المشركين ولا جئناهم (حتى هزمهم الله) تعالى وشتتهم أي ما قابلناهم ولا وجدناهم إلا منهزمين (فقبضنا) أي أخذنا (ذلك المال) الذي صفوا لنا من وراءهم من الغنم والإبل (ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم) أي حاصرنا أهل الطائف وأحطنا بهم ومنعناهم من الخروج من المدينة (أربعين ليلة ثم رجعنا إلى مكة فنزلنا) بها (قال) أنس (فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل) من المؤلفة (المائة من الإبل) والآخر كذلك وهلم جرًا (ثم ذكر) سميط بن عمير (باقي الحديث كنحو حديث قتادة وأبي التياح وهشام بن زيد) بن أنس

стр. 4837

(٢٣٢٤) (١٠٢٦) - (١٧٦) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ؛ قَال: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، ــ أي مقارب حديثهم في بعض الألفاظ والمعاني. (تتمة): سبب سيره ﷺ إلى الطائف أنه لما فرغ من حنين وأقبل فل ثقيف إلى الطائف ولجأ إليه مالك بن عوف رئيس هوازن وتحصن الجميع به وأغلقوا عليهم أبواب مدينتهم سار إليهم رسول الله ﷺ وحاصرهم وقاتلهم قتالًا شديدًا ورماهم بالمنجنيق وهم أول من رمي به في الإسلام ولما رأى رسول الله ﷺ أنه لا يدرك فيها ما يريد ولم يكن أُذن له في قتالها أمر عمر ينادي في الناس بالرحيل واستشهد من أصحابه ﷺ اثنا عشر رجلًا سبعة من قريش وأربعة من الأنصار ورجل من بني سليم ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى الجعرانة وكان قدم إليها سبي هوازن، فقسمه بين الناس بها وقال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف: يا رسول الله ادع الله عليهم فقال: اللهم اهد ثقيفًا وائت بهم فأتاه سبحانه بهم وأسلموا هذا كله من شرح الأبي مختصرًا. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث سعد بن أبي وقاص ثانيًا بحديث رافع بن خديج ﵄ فقال: (٢٣٢٤) (١٠٢٦) (١٧٦) (حدثنا محمد) بن يحيى (بن أبي عمر) العدني الأصل (المكي) صدوق من (١٠) (حدثنا سفيان) بن عيينة الهلالي الكوفي ثم المكي (عن عمر بن سعيد بن مسروق) الثوري الكوفي أخي سفيان الثوري ثقة من (٧) روى عنه في (٣) أبواب (عن أبيه) سعيد بن مسروق الثوري والد سفيان الكوفي ثقة من (٦) روى عنه في (٧) أبواب (عن عباية بن رفاعة) بن رافع بن خديج الأنصاري الزرقي أبي رفاعة المدني روى عن جده رافع بن خديج في الزكاة والضحايا والطب وعن أبيه عن جده أيضًا وابن عمر ويروي عنه (ع) وسعيد بن مسروق ويزيد بن أبي مريم ويحيى بن سعيد التيمي وثقه ابن معين والنسائي وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب: ثقة من الثالثة وليس

стр. 4838

وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَعُيَينَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَالأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، كُلَّ إِنْسَانِ مِنْهُمْ، مِائَةً مِنَ الإِبِلِ. وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ دُونَ ذلِكَ. فَقَال عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيـ ... ـدِ بَينَ عُيَينَةَ وَالأَقْرَعِ؟ فَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ ... يفُوقَانِ مِرْدَاسَ ــ في مسلم من اسمه عباية إلا هذا الثقة كما في الخلاصة (عن) جده (رافع بن خديج) بن رافع بن عدي الأنصاري الأوسي المدني الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان كوفيان واثنان مكيان. (قال) رافع بن خديج: (أعطى رسول الله ﷺ يوم حنين (أبا سفيان) صخر (بن حرب) بن أمية بن عبد شمس الأموي المكي من مسلمة الفتح وشهد حنينًا وأعطى من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية (وصفوان بن أمية) بن خلف بن وهب بن قدامة بن جمح القرشي المكي من مسلمة الفتح وكان من المؤلفة قلوبهم (وعيينة بن حصن) بن حذيفة بن بدر بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر (والأقرع بن حابس) بن عقال بن محمد بن سفيان التميمي المجاشعي الدارمي. قال ابن إسحاق: وفد على النبي ﷺ وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف وهو من المؤلفة قلوبهم وقد حسن إسلامه اهـ من الإصابة. أعطى (كل إنسان منهم) أي من هؤلاء الأربعة (مائة) مائةً (من الإبل وأعطى عباس بن مرداس) بن أبي عامر بن حارثة بن عبد قيس بن رفاعة بن الحارث أبا الهيثم السلمي شهد العباس بن مرداس مع النبي ﷺ الفتح وحنينًا قال ابن سعد لقى النبي ﷺ بالمشلل وهو متوجه إلى فتح مكة ومعه سبعمائة من قومه فشهد بهم فتح مكة اهـ من الإصابة أباعر (دون ذلك) أي دون ما أعطى للأربعة الأول فسخطها العباس. (فقال عباس بن مرداس) قصيدته التي منها هذه الأبيات التي هي من بحر المجتث الذي وزنه مستفعلن فاعلات: (أتجعل) بهمزة الاستفهام الإنكاري أي أتجعل يا رسول الله (نهبي) أي سهمي من الغنيمة (ونهب العبيد) أي وسهم فرسي الذي يسمى بالعبيد وكان العباس يسمى فارس العبيد موزعة (بين عيينة) بن حصن (و) بين (الأقرع) بن حابس (فما كان بدر) الذي هو

стр. 4839

............ ... ............. فِي الْمَجْمَعِ وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَخْفِضِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ قَال: فَأَتَمَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِائَةً. (٢٣٢٥) (٠) (٠) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَينَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ؛ ــ جد أبي عيينة والمحفوظ في النحو حصن. قال الأبي ﵀: لم تختلف الرواية في البيت أنه بدر وإنما اختلفت في غير البيت فقال مرة: عيينة بن حصن ومرة: عيينة بن بدر فمرة نسبه إلى أبيه حصن ومرة إلى جد أبيه بدر لأنه عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر اهـ. (ولا حابس) أبو الأقرع (يفوقان) أي يفضلان أبي (مرداس) هكذا هو في جميع الروايات بمنع الصرف وهو حجة لمن جوز منع الصرف بعلة واحدة وأجاب الجمهور بأنه لضرورة الشعر اهـ نواوي. (في المجمع) أي في مجمع الأكابر والأشراف ومحاضر الأمراء والرؤساء (وما كنت) أنا (دون امرئ منهما) أي من عيينة والأقرع يعني لا في النسب ولا في المجد أما في النسب فلأن الجميع من مضر وأما في المجد فلأن كلًّا من الثلاثة رئيس عشيرته (ومن تخفض) بصيغة الخطاب مبنيًّا للفاعل وفي بعض النسخ: (يخفض) بصيغة الغيبة مبنيًّا للمجهول أي ومن تخفض أنت يا رسول الله (اليوم لا يرفع) بعد اليوم (قال) رافع بن خديج: (فأتم له رسول الله ﷺ مائةً) من الإبل. وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى. ثم ذكر المؤلف المتابعة فيه فقال: (٢٣٢٥) (٠) (٠) (وحدثنا أحمد بن عبدة) بن موسى (الضبي) نسبة إلى ضبة بفتح الضاد وتشديد الموحدة المفتوحة بن أن بن طابخة أبو عبد الله البصري ثقة من (١٠) (أخبرنا) سفيان (بن عيينة) الكوفي (عن عمر بن سعيد بن مسروق) الثوري الكوفي (بهذا الإسناد) يعني عن أبيه عن عباية بن رفاعة عن رافع بن خديِج غرضه بيان متابعة أحمد بن عبدة لمحمد بن أبي عمر.

стр. 4840

أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَينٍ. فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوهِ. وَزَادَ: وَأَعْطَى عَلْقَمَةَ بْنَ عُلاثَةَ مِائَةً. (٢٣٢٦) (٠) (٠) وحدّثنا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ الشَّعِيرِيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنَ عُلاثَةَ، وَلَا صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ. وَلَمْ يَذْكُرِ الشِّعْرَ فِي حَدِيثِهِ ــ (أن النبي ﷺ قسم غنائم حنين فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة من الإبل وساق) أحمد بن عبدة (الحديث) السابق (بنحوه) أي بنحو ما حدث محمد بن أبي عمر (وزاد) أحمد بن عبدة لفظة: (وأعطى علقمة بن علاثة مائةً) من الإبل أيضًا وهو علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة الكندي العامري من المؤلفة قلوبهم وكان سيدًا في قومه حليمًا عاقلًا ولم يكن فيه ذاك الكرم اهـ من الإصابة. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث رافع ﵁ فقال: (٢٣٢٦) (٠) (٠) (وحدثنا مخلد بن خالد) بن يزيد (الشعيري) بفتح المعجمة وكسر العين منسوب إلى الشعير الحب المعروف أبو محمد البغدادي سكن طرسوس روى عن سفيان بن عيينة في الزكاة وعبد الرزاق بن همام وإبراهيم بن خالد الصنعانيين ويروي عنه (م د) وعبد الله بن أحمد ومحمد بن إسحاق وطائفة وثقه أبو داود وقال في التقريب: ثقة من العاشرة وقال أبو حاتم لا أعرفه (حدثنا سفيان) بن عيينة (حدثني عمر بن سعيد بهذا الإسناد) يعني عن أبيه عن عباية عن رافع غرضه بسوقه بيان متابعة مخلد بن خالد لابن أبي عمر أيضًا. (و) لكن (لم يذكر) مخلد بن خالد (في الحديث علقمة بن علاثة ولا صفوان بن أمية ولم يذكر) مخلد أيضًا (الشعر) أي الأبيات السابقة (في حديثه) أي في روايته وهذا بيان لمحل المخالفة. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث عبد الله بن زيد ﵄ فقال:

стр. 4841

(٢٣٢٧) (١٠٢٧) - (١٧٧) حدَّثنا سُرَيجُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا فَتَحَ حُنَينًا قَسَمَ الْغَنَائِمَ. فَأَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ. فَبَلَغَهُ أَنَّ الأَنْصَارَ يُحِبُّونَ أَنْ يُصِيبُوا مَا أَصَابَ النَّاسُ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَطَبَهُمْ. فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ. ثُمَّ قَال: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا، ــ (٢٣٢٧) (١٠٢٧) (١٧٧) (حدثنا سريج بن يونس) بن إبراهيم المروزي الأصل أبو الحارث البغدادي ثقة من (١٠) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الزرقي مولاهم أبو إسحاق المدني ثقة من (٨) (عن عمرو بن يحيى بن عمارة) بن أبي حسن المازني المدني ثقة من (٦) (عن عباد بن تميم) بن غزية الأنصاري المازني المدني ثقة من (٣) (عن عبد الله بن زيد) بن عاصم الأنصاري المازني أبي محمد المدني الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلا سريج بن يونس فإنه بغدادي. (أن رسول الله ﷺ لما فتح حنينًا قسم الغنائم فأعطى) منها (المولفة قلوبهم) قال الحافظ: المراد بالمؤلفة ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلامًا ضعيفًا وقيل: كان فيهم من لم يسلم بعد كصفوان بن أمية وقد اختلف في المراد بالمؤلفة قلوبهم الذين هم أحد المستحقين للزكاة فقيل: كفار يعطون ترغيبًا في الإسلام وقيل: مسلمون لهم أتباع كفار ليتألفوهم وقيل: مسلمون أول ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم وأما المراد بالمؤلفة هنا فهو هذا الأخير لقوله في رواية الزهري في الباب (فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم) اهـ. قال العيني: وسرد أصحاب السير أسماءهم ما ينيف على الأربعين منهم أبو سفيان وأبناؤه معاوية ويزيد. (فبلغه) ﷺ (أن الأنصار يحبون أن يصيبوا) ويأخذوا (ما أصاب الناس) أي ما أخذوه من القسمة (فقام رسول الله ﷺ فخطبهم) أي فخطب الأنصار (فحمد الله وأثنى عليه ثم قال) رسول الله ﷺ (يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالًا) بالضم والتشديد جمع ضال والمراد هنا ضلالة الشرك

стр. 4842

فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَعَالةً، فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَمُتَفَرِّقِينَ، فَجَمَعَكُمُ اللهُ بِي؟ " وَيَقُولُونَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. فَقَال: "أَلا تُجِيبُونِي؟ " فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. فَقَال: "أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ شِئْتُمْ أَنْ تَقُولُوا كَذَا وَكَذَا. وَكَانَ مِنَ الأَمْرِ كَذَا وَكَذَا". لأَشْيَاءَ عَدَّدَهَا. زَعَمَ عَمْرٌو أَنْ لَا يَحْفَظُهَا ــ والاستفهام فيه للتقرير (فهداكم الله) (بي) أي بسببي والمراد بالهداية الإيمان (و) ألم أجدكم (عالة) أي فقراء لا مال لهم جمع عائل وهو جمع مطرد في الأجوف الثلاثي من العيلة وهو الفقر (فأغناكم الله) سبحانه (بي) أي بسبب هجرتي إليكم (و) ألم أجدكم (متفرقين) أي متدابرين يعادي بعضكم بعضًا كما قال تعالى: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ﴾ الآية (فجمعكم الله) تعالى (بي) أي بسبب هجرتي إليكم وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع لما وقع بينهم من حرب بعاث وغيرها فزال ذلك كله بالإسلام كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَينَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُمْ﴾ (ويقولون: الله ورسوله أمن) بفتح الهمزة والميم والتشديد أفعل تفصيل من المن أي أكثر منا وفضلًا وإحسانًا وفي حديث أبي سعيد: فقالوا: ماذا نجيبك يا رسول الله ولرسوله المن والفضل (فقال) رسول الله ﷺ : (ألا تجيبوني فقالوا الله ورسوله أمن فقال) رسول الله ﷺ : (أما إنكم لو شئتم أن تقولوا) في جوابي لقلتم (كذا وكذا وكان من الأمر) أي من أمرك (كذا وكذا) هو كناية عما يقال: جئتنا مكذبًا فصدقناك ومخذولًا فنصرناك وطريدًا فآويناك وعائلًا فواسيناك ولفظ البخاري (لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا) فدل على أن جواب لو محذوف في رواية مسلم كما قدرناه في حلنا حالة كونه يذكر (لأشياء عددها) لهم وأملاها عليهم (زعم) أي قال (عمرو) بن يحيى بن عمارة (أن لا يحفظها) أي أن لا يحفظ تلك الأشياء. وفي هذا رد على من قال: إن الراوي كنى عن ذلك عمدًا على طريق التأدب وصرح بذلك في حديث أبي سعيد وروى أحمد من حديث ابن أبي عدي عن حميد عن أنس بلفظ (أفلا تقولون: جئتنا خائفًا فآمناك وطريدًا فآويناك ومخذولًا فنصرناك قالوا: بلى المن علينا لله ولرسوله) انتهى وإنما قال ذلك رسول الله ﷺ تواضعًا وإنصافًا وإلا ففي الحقيقة الحجة البالغة والمنة الظاهرة في جميع ذلك له عليهم فإنه لولا هجرته إليهم وسكناه عندهم لما كان بينهم وبين غيرهم فرق نبه ﷺ على ذلك بقوله: (أترضون) ويروى (ألا ترضون).

стр. 4843

فَقَال: "أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالإِبِلِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ الأَنْصارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ. وَلَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأ مِنَ الأَنْصارِ ــ (فقال) لهم رسول الله ﷺ (ألا ترضون) أيها الأنصار (أن يذهب الناس بالشاء) جمع شاة كشياه وهي الغنم (والإبل وتذهبون) أنتم (برسول الله إلى رحالكم) ومنازلكم ففي هذا تنبيه لهم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به بالنسبة إلى ما اختص به غيرهم من عرض الدنيا الفانية كذا في عمدة القاري (الأنصار شعار) أي كالشعار لي والشعار بكسر المعجمة بعدها مهملة خفيفة الثوب الذي يلي الجلد من الجسد (والناس) سواهم (دثار) أي كالدثار بكسر المهملة ومثلثة خفيفة هو الثوب الذي يكون فوق الشعار وهي استعارة لطيفة لفرط قربهم منه وأراد أيضًا أنهم بطانته وخاصته وأنهم ألصق به وأقرب إليه من غيرهم زاد في حديث أبي سعيد (اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسمًا وحظًا) والمعنى الأنصار هم البطانة والخاصة والأصفياء وألصق الناس بي من سائر الناس وهذا من مناقبهم الظاهرة وفضائلهم الباهرة اهـ نووي. (ولولا الهجرة) لا يسعني تركها (لكنت امرأ من الأنصار) أي أتسمى بهم وأنتسب إليهم كما كانوا يتناسبون بالحلف لكن خصوصية الهجرة ومرتبتها سبقت وعلقت فهي أعلى وأشرف فلا تبدل بغيرها ولا ينتفى منها من حصلت له اهـ من المفهم. قال الخطابي: أراد بهذا الكلام تألف الأنصار واستطابة نفوسهم والثناء عليهم في دينهم حتى رضي أن يكون واحدًا منهم لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها ونسبة الإنسان تقع على وجوه منها الولادية والبلادية والاعتقادية والصناعية ولا شك أنه لم يرد الانتقال عن نسب آبائه لأنه ممتنع قطعًا وأما الاعتقادي فلا معنى للانتقال فيه فلم يبق إلا القسمان الأخيران وكانت المدينة دار الأنصار والهجرة إليها أمرًا واجبًا أي لولا أن النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم قال: ويحتمل أنه لما كانوا أخواله لكون أم عبد المطلب منهم أراد أن ينتسب إليهم بهذه الولادة لولا مانع الهجرة وقال ابن الجوزي: لم يرد ﷺ تغير نسبه ولا محو هجرته وإنما أراد أنه لولا ما سبق من كونه هاجر لانتسب إلى المدينة وإلى نصرة الدين فالتقدير: لولا أن النسبة إلى الهجرة نسبة دينية لا يسع تركها لانتسب إلى داركم وقيل: معناه لكنت من الأنصار في الأحكام والعداد اهـ فتح الملهم.

стр. 4844

وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ. إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً. فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ". (٢٣٢٨) (١٠٢٨) - (١٧٨) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. قَال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَينٍ آثرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاسًا فِي القِسْمَةِ. فَأَعْطَى الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ. وَأَعْطَى عُيَينَةَ مِثْلَ ذلِكَ. وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ. وَآثَرَهُمْ ــ (ولو سلك الناس واديًا) من الأودية أ (وشعبًا) من الشعاب وسلكت الأنصار واديًا آخر أو شعبًا آخر (لسلكت وادي الأنصار وشعبهم) ثم قال: (إنكم) يا معشر الأنصار (ستلقون بعدي) أي سترون بعد وفاتي (أثرة) أي استبداد غيركم وانفرادهم وتخصصهم بأمور الدنيا وولايتها وزخارفها (فاصبروا) على استبدادهم عنكم (حتى تلقوني على الحوض) يوم القيامة فلا تنازعوهم فيها واتركوها لهم. ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث عبد الله ﵄ فقال: (٢٣٢٨) (١٠٢٨) (١٧٨) (حدثنا زهير بن حرب) الحرشي النسائي (وعثمان بن أبي شيبة) الكوفي (وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (قال إسحاق: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي (عن منصور) بن المعتمر السلمي الكوفي ثقة من (٥) روى عنه في (١٩) بابا (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي (عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم كوفيون أو أربعة منهم كوفيون وواحد إما نسائي أو مروزي (قال) عبد الله: (لما كان يوم حنين) أي حصل ووجد فكان تامة (آثر) أي اختار (رسول الله ﷺ من بين المسلمين (ناسًا) من المؤلفة قلوبهم (في القسمة) أي في الإعطاء من الغنيمة ثم بينهم بقوله: (فأعطى الأقرع بن حابس مائةً من الإبل وأعطى عيينة) بن حصن (مثل ذلك) أي مائة من الإبل (وأعطى) أيضًا (أناسًا من أشراف العرب) ورؤسائهم مثل ذلك كأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وقوله: (وآثرهم) رسول الله صلى الله عليه

стр. 4845

يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ. فَقَال رَجُلٌ: وَاللهِ! إِنَّ هذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ ــ وسلم أي خصهم (يومئذ) أي يوم إذ غزا حنينًا (في القسمة) والعطاء معطوف على آثر الأول على سبيل التوكيد اللفظي (فقال رجل) من الحاضرين وهو معتب بن قشير من بني عمرو بن عوف. قال الحافظ: في رواية الأعمش عند البخاري: فقال رجل من الأنصار وفي رواية الواقدي: إنه معتب بن قشير من بني عمرو بن عوف وكان من المنافقين وفيه تعقب على مغلطاي حيث قال: لم أر أحدًا قال: إنه من الأنصار إلا ما وقع هنا وجزم بأنه حرقوص بن زهير السعدي وتبعه ابن الملقن وأخطأ في ذلك فإن قصة حرقوص غير هذه كما سيأتي قريبًا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. (والله إن هذه) القسمة (لقسمة ما عدل) وأنصف (فيها وما أريد فيها وجه الله) ورضاه والإخلاص له. قال القاضي عياض ﵀: حكم الشرع أن من سب النبي ﷺ كفر وقتل ولم يذكر في هذا الحديث أن هذا الرجل قتل. قال المازري: يحتمل أن يكون لم يفهم منه الطعن في النبوة وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة والمعاصي ضربان: كبائر وصغائر فهو ﷺ معصوم من الكبائر بالإجماع واختلفوا في إمكان وقوع الصغائر ومن جوزها منع من إضافتها إلى الأنبياء على طريق التنقيص وحينئذ فلعله ﷺ لم يعاقب هذا القائل لأنه لم يثبت عليه ذلك وإنما نقله عنه واحد وشهادة الواحد لا يراق بها الدم. وقال القاضي هذا التأويل باطل يدفعه قوله: (اعدل يا محمد) وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملإ حتى أستأذن عمر وخالد النبي ﷺ في قتله فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه فهذه هي العلة وسلك معه مسلكه مع غيره من المنافقين الذين آذوه وسمع منهم في غير موطن ما كرهه لكنه صبر استبقاءً لانقيادهم وتأليفًا لغيرهم لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه فينفروا وقد رأى الناس هذا في جماعتهم وعدوه من جملتهم اهـ.

стр. 4846

قَال: فَقُلْتُ: وَاللهِ! لأُخبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَال: فَأَتَيتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَال. قَال: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ. ثُمَّ قَال: "فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ! " قَال: ثُمَّ قَال: "يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى. قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذَا فَصَبَرَ" ــ وأما عد هذا الرجل المنافق من الأنصار كما في رواية الأعمش فلكونه من قبائلهم والله أعلم. (قال) عبد الله: (فقلت) في نفسي: (والله لأخبرن رسول الله قال الله عليه وسلم) بما قال هذا الرجل: (قال) عبد الله: (فأتيته) ﷺ (فأخبرته بما قال) الرجل فيه جواز إخبار الإمام وأهل الفضل بما يقال فيهم مما لا يليق بهم ليحذروا القائل وفيه بيان ما يباح من الغيبة والنميمة لأن صورتهما موجودة في صنيع ابن مسعود هذا ولم ينكره النبي ﷺ وذلك إن قصد ابن مسعود كان نصح النبي ﷺ وإعلامه بمن يطعن فيه ممن يظهر الإسلام ويبطن النفاق ليحذر منه وهذا جائز كما يجوز التجسس على الكفار ليؤمن مكرهم وكيدهم وقد ارتكب الرجل المذكور بما قال إثمًا عظيمًا فلم يكن له حرمة (قال) ابن مسعود: (فتغيَّر وجهه) ﷺ (حتى كان كالصرف) أي كالصبغ الأحمر وهو بكسر الصاد المهملة وسكون الراء صبغ أحمر يصبغ به الجلود قال ابن دريد: وقد يسمى الدم أيضًا صرفًا (ثم قال) رسول الله ﷺ : (فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله قال) عبد الله: (ثم قال) رسول الله ﷺ : (يرحم الله موسى) ﵇ (قد أوذي بأكثر من هذا) أي بأشد من هذا الذي أوذيت به (فصبر) فلي أسوة به. والحاصل أن النبي ﷺ لم ينكر على ابن مسعود نقله ما نقل بل غضب من قول المنقول عنه ثم حلم عنه وصبر على أذاه استئساءً بموسى ﵇ وامتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] قال الحافظ: وقد تقدمت الإشارة إلى أن المذموم من نقلة الأخبار من يقصد الإفساد وأما من يقصد النصيحة ويتحرى الصدق ويجتنب الأذى فلا وقل من يفرق بين البابين فطريق السلامة في ذلك لمن يخشى عدم الوقوف على ما يباح من ذلك مما لا يباح الإمساك عن ذلك اهـ.

стр. 4847

قَال: قُلْتُ: لَا جَرَمَ لَا أَرْفَعُ إِلَيهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا. (٢٣٢٩) (٠) (٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. قَال: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسْمًا. فَقَال رَجُلٌ: إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ. قَال: فَأَتَيتُ النَّبِيِّ ﷺ فَسَارَرْتُهُ. فَغَضِبَ مِنْ ذلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا. وَاحْمَرَّ وَجْهُهُ حَتَّى تَمَنَّيتُ أَنِّي لَمْ أَذْكُرْهُ ــ (قال) عبد الله: (قلت لا جرم) أي أقسمت بالله على أن (لا أرفع) ولا أخبر (إليه) ﷺ (بعدها) أي بعد هذه المرة (حديثًا) وكلامًا سمعته من الناس لما رأيت في وجهه من الغضب الشديد قال في القاموس (لا جرم) أي لا بد أو حقًّا أو لا محالة أو هذا أصله ثم كثر حتى تحول إلى معنى القسم اهـ وقد أطلنا البحث في لا جرم في تفسيرنا حدائق الروح والريحان فراجعه إن أردت الخوض في هذا المقام والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (١/ ٤١١) والبخاري (٦٣٣٦). ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عبد الله ﵁ فقال: (٢٣٢٩) (٠) (٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي (عن الأعمش عن شقيق) بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم كوفيون غرضه بيان متابعة الأعمش لمنصور بن المعتمر. (قال) عبد الله: (قسم رسول الله ﷺ قسمًا) من الغنائم بين المؤلفة قلوبهم (فقال رجل) من الحاضرين اسمه معتب بن قشير من بني عمرو بن عوف وكان من المنافقين: (إنها) أي إن هذه القسمة (لقسمة ما أريد بها وجه الله) أي رضاه والإخلاص له (قال) عبد الله: (فأتيت النبي ﷺ فساررته) أي فكلمته سرًّا (فغضب من ذلك) الذي أخبرته (غضبًا شديدًا) حتى ظهر عليه أثره (واحمر وجهه) الشريف. قال الحافظ: فيه أن أهل الفضل قد يغضبهم ما يقال فيهم مما ليس فيهم ومع ذلك فيتلقون ذلك بالصبر والحلم كما صنع النبي ﷺ اقتداء بموسى ﵇ فندمت على إخباره ذلك الخبر (حتى تمنيت) ووددت (أني لم أذكره) أي لم أخبر

стр. 4848

لَهُ. قَال: ثُمَّ قَال: "لقَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هذَا فَصَبَرَ" ــ ذلك الخبر (له) ﷺ (قال) عبد الله: (ثم قال) رسول الله ﷺ بعد ما غضب وسكت: (لقد أوذي) نبي الله (موسى) ﵇ (بأكثر) أي بأشد (من هذا) الذي أوذيت به كرميه بالأدرة (فصبر) على ذلك الأذى فلي أسوة به وأشار بقوله (قد أوذي موسى) إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ﴾ الآية وقد حكى في صفة أذاهم ثلاث قصص إحداها قولهم: هو آدر وثانيها: في قصة موت هارون وثالثها: في قصته مع قارون حيث أمر البغي أن تزعم أن موسى راودها حتى كان ذلك سبب هلاك قارون اهـ من فتح الملهم. قال القرطبي: (قول القائل في قسمة النبي ﷺ : هذه قسمة) إلخ قول جاهل بحال النبي ﷺ غليظ الطبع حريص شره منافق وكان حقه أن يقتل لأنه آذى رسول الله ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦] والعذاب في الدنيا هو القتل لكن لم يقتله النبي ﷺ للمعنى الذي قاله وهو من حديث جابر: (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) رواه الترمذي ولهذه العلة امتنع النبي ﷺ من قتل المنافقين مع علمه بأعيان كثير منهم وبنفاقهم ولا يلتفت لقول من قال بإبداء علة أخرى لأن حديث جابر وغيره نص في تلك العلة وقد أمنت تلك العلة بعد رسول الله ﷺ فلا نفاق بعدها وإنما هو الزندقة كذلك قال مالك رحمه الله تعالى فمن آذى رسول الله ﷺ أو سبه قتل ولا يستتاب وهذا هو الحق والصواب واختلف في هذا العطاء الذي أعطاه النبي ﷺ للمؤلفة قلوبهم هل كان من الخمس أوكان من صلب الغنيمة والإجراء على أصول الشريعة أن يكون من الخمس ومنه أكثر عطاياه ﷺ وقد قال ﷺ : (ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم) رواه مالك في الموطأ وقد وصله النسائي والظاهر من مراجعة الأنصار وقول النبي ﷺ : (ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم) أنه كان من صلب الغنيمة وأن ذلك إنما كان لما يعلم من رضا أصحابه ولطيب قلوبهم به أو يكون هذا مخصوصًا بتلك الواقعة وله أن يفعل ما شاء في الأموال والرقاب والأصل التمسك بقواعد الشريعة على ما تقررت والله أعلم اهـ من المفهم.

стр. 4849

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثمانية أحاديث: الأول: حديث عمر بن الخطاب ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة. والثاني: حديث أنس بن مالك ذكره للاستشهاد به لحديث عمر وذكر فيه متابعة واحدة. والثالث: حديث المسور بن مخرمة ذكره للاستشهاد أيضًا وذكر فيه متابعة واحدة. والرابع: حديث سعد بن أبي وقاص ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعتين. والخامس: حديث أنس بن مالك ذكره للاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص وذكر فيه ست متابعات. والسادس: حديث رافع بن خديج ذكره للاستشهاد أيضًا وذكر فيه متابعتين. والسابع: حديث عبد الله بن زيد ذكره للاستشهاد أيضًا. والثامن: حديث عبد الله بن مسعود ذكره للاستشهاد أيضًا وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم. ***

стр. 4850

٤٣٤ - (٥٢) باب وجوب الرضا بما قسم رسول الله ﷺ وبما أعطى وكفر من نسب إليه جورًا وذكر الخوارج (٢٣٣٠) (١٠٢٩) - (١٧٩) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ. حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. قَال: أَتَى رَجُل رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ. مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَينٍ ــ ٤٣٤ - (٥٢) باب وجوب الرضا بما قسم رسول الله ﷺ وبما أعطى وكفر من نسب إليه جورًا وذكر الخوارج (٢٣٣٠) (١٠٢٩) (١٧٩) (حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر) التجيبي المصري (حدثنا الليث) بن سعد الفهمي المصري (عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني (عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان مصريان وواحد مكي وفيه التحديث والإخبار والعنعنة ورواية تابعي عن تابعي. (قال) جابر: (أتى رجل) هو ذو الخويصرة التميمي كما في مسند أحمد ووقع في حياة الحيوان للدميري: أن ذا الخويصرة هو مخاصم الزبير في شراج الحرة اهـ من تنبيه المعلم على مبهمات مسلم لأبي ذر (رسول الله ﷺ بالجعرانة) موضع قريب من مكة وهو ميقات من مواقيت العمرة بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء وقد تكسر العين وتشدد الراء كما في النهاية (منصرفه) بفتح الراء ظرف زمان لأتى أي حين انصرافه ورجوعه ﷺ (من) غزوة (حنين). قال الحافظ: ولكن القصة التي في حديث جابر صرح في حديثه بأنها كانت منصرف رسول الله ﷺ من الجعرانة وكان ذلك في ذي القعدة سنة ثمان وكان الذي قسمه النبي ﷺ حينئذ فضة كانت في ثوب بلال وكان يعطي كل من جاء منها والقصة التي في حديث أبي سعيد صرح في رواية أنها كانت بعد بعث علي إلى اليمن وكان ذلك في سنة تسع وكان المقسوم فيها ذهبًا وخص به أربعة أنفس فهما قصتان في وقتين اتفق في كل منهما إنكار القائل وصرح في حديث أبي سعيد أنه ذو

стр. 4851

وَفِي ثَوْبِ بِلالٍ فِضَّةٌ. وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبِضُ مِنْهَا. يُعْطِي النَّاسَ. فَقَال: يَا مُحَمَّدُ! اعْدِلْ. قَال: "وَيلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟ لَقَدْ خِبْت وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ" ــ الخويصرة التميمي ولم يسم القائل في حديث جابر ووهم من سماه ذا الخويصرة ظانًا اتحاد القصتين ووجدت لحديث جابر شاهدًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه أتاه رجل يوم حنين وهو يقسم شيئًا فقال: يا محمد اعدل ولم يسم الرجل أيضًا وسماه محمد بن إسحاق بسند حسن عن عبد الله بن عمر أخرجه أحمد والطبراني أيضًا ولفظهُ: (أتى ذو الخويصرة التميمي رسول الله ﷺ وهو يقسم الغنائم بحنين فقال: يا محمد) فذكر نحو هذا الحديث المذكور فيمكن أن يكون تكرر ذلك منه في الموضعين عند قسمة غنائم حنين وعند قسمة الذهب الذي بعثه علي اهـ. (وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبض منها) ويأخذها بيده حالة كونه (يعطي الناس) ويقسمها بينهم (فقال) ذلك الرجل: (يا محمد اعدل) أي افعل العدل والإنصاف والحق في قسمك ولا تجر فيه قال الأبي: هذا مثل الأول في إضافته له عدم العدل وهو الجور لأن الأمر إنما يكون بما لك يقع إذ لا يقال للقائم: قم اهـ. (قال) رسول الله ﷺ للرجل: (ويلك) أي ألزمك الله الويل والهلاك قيل: إن أصل ويل وي وهي كلمة تأوه فلما كثر قولهم: وي لفلان وصلوها باللام وقدروها أنها منها فأعربوها وعن الأصمعي: ويل للتقبيح على المخاطب فعله وقال الراغب: ويل قبوح وقد تستعمل بمعنى التحسر وويح ترحم وويس استصغار وأما ما ورد ويل واد في جهنم فلم يرد أنه معناه في اللغة وإنما أراد من قال الله ذلك فيه فقد استحق مقرًا من النار وأكثر أهل اللغة على أن ويل كلمة عذاب وويح كلمة رحمة وعن اليزيدي: هما بمعنى واحد. (ومن يعدل إذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل) قال النواوي: روي بفتح التاء في خبت وخسرت وبضمها فيهما ومعنى الضم ظاهر وتقدير الفتح خبت أنت أيها التابع إذ كنت لا أعدل لكونك تابعًا ومقتديًا بمن لا يعدل والفتح أشهر والله أعلم.

стр. 4852

فَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: دَعْنِي. يَا رَسُولَ اللهِ! فَاقْتُلَ فذَا الْمُنَافِقَ. فَقَال: "مَعَاذَ اللهِ! أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي ــ وعبارة القرطبي هنا: فأما الضم فمعناه واضح وأما الفتح فعلى معنى إني إن جرت فيلزم أن تجور أنت من جهة أنك مأمور باتباعي فتخسر باتباع الجائر هذا معنى ما قاله الأئمة. (قلت): ويظهر لي وجه آخر وهو أنه كأنه قال له: لو كنت جائرًا لكنت أنت أحق الناس بأن يجار عليك وتلحقك بادرة الجور الذي صدر عنك فتعاقب عقوبة معجلة في نفسك ومالك وتخسر كل ذلك بسببها لكن العدل هو الذي منع عن ذلك وتلخيصه لولا امتثال أمر الله تعالى في الرفق بك لأدركك الهلاك والخسار اهـ من المفهم. (فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني) أي اتركني (يا رسول الله فأقتل) بالنصب في جواب الأمر (هذا المنافق) وفي روايات أخر: إن خالد بن الوليد استأذن في قتله. قال الحافظ: وقد ذكرت وجه الجمع بينهما في أواخر المغازي وأن كلًّا منهما سأل ثم رأيت عند مسلم من طريق جرير عن عمارة بن القعقاع بسنده فيه: فقام عمر بن الخطاب فقال لرسول الله: ألا أضرب عنقه قال: لا. ثم أدبر فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه قال: لا فهذا نص أن كلًّا منهما سأل (فقال) رسول الله ﷺ لعمر: (معاذ الله) منصوب على المفعولية المطلقة بعامل محذوف وجوبًا تقديره: أعوذ بالله عوذًا وأستعيذ به استعاذةً من (أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي) قال الإسماعيلي: إنما ترك النبي ﷺ قتل المذكور لأنه لم يكن أظهر ما يستدل به على ما وراءه فلو قتل من ظاهره الصلاح عند الناس قبل استحكام أمر الإسلام ورسوخه في القلوب لنفرهم عن الدخول في الإسلام وأما بعده ﷺ فلا يجوز ترك قتالهم إذا هم أظهروا رأيهم وتركوا الجماعة وخالفوا الأئمة مع القدرة على قتالهم وقد ذكر ابن بطال عن المهلب قال: التالف إنما كان في أول الإسلام إذ كانت الحاجة ماسةً لذلك لدفع ضررهم فأما إذ أعلى الله الإسلام فلا يجب التألف إلا أن تنزل بالناس حاجة لذلك فلإمام الوقت ذلك. وقال الأبي ناقلًا عن عياض: ولم يحكم فيهم أي في المنافقين النبي ﷺ بعلمه بنفاقهم لأنه كان قد اشتهر في العرب أنهم من جملة المؤمنين والصحابة

стр. 4853

إِنَّ هذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ. لَا يُجَاوزُ حَنَاجِرَهُمْ. يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ" ــ والحكم للظاهر فلو قتلهم بعلمه بما أسروه من النفاق لوجد المنفر عن الدخول في الإسلام ما يقول وارتاب الشارد وأرجف المعاند وارتاع عن الدخول في الإسلام غير واحد ولذا كان يقول ﷺ (لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) فينفر عن الإسلام وقد قال ابن المواز وابن القصار لو أظهروا النفاق لقتلهم اهـ من فتح الملهم. (إن هذا) القائل (وأصحابه) الذين استنوا بسنته من النفاق (يقروون القرآن) بألسنتهم حالة كون القرآن (لا يجاوز) ولا يتعدى (حناجرهم) أي حلاقيمهم والحناجر كما في قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ جمع حنجرة وهي رأس الغلصمة حيث تراه ناتئًا من خارج الحلق كما في النهاية. وفي رواية: (حلوقهم وتراقيهم) يعني لا يكون لهم إلا القراءة المجردة ولا تصل معانيه إلى قلوبهم. وقال القاضي: فيه تأويلان: أحدهما: معناه لا تفقهه قلوبهم ولا ينتفعون بما تلوا منه ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق إذ بهما تقطيع الحروف والثاني: معناه لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا يتقبل اهـ. (يمرقون منه) أي يخرجون من القرآن وسبيله ويتعدون حدوده ولا يعملون به. قال ابن بطال: المروق الخروج عند أهل اللغة يقال: مرق السهم من الغرض إذا أصابه ثم نفذ منه فهو يمرق منه مرقًا ومروقًا وانمرق منه وأمرقه الرامي إذا فعل ذلك به ومنه قيل: مرق البرق لخروجه بسرعة اهـ. (كما يمرق) ويخرج (السهم من الرمية) أي من الصيد المرمي أي يمرقون منه مروقًا كمروق السهم من الرمية كما هو الرواية الآتية أي كما يخرج السهم من الدابة المرمية خارقًا لها والرمية بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتانية هي الصيد المرمي وهي فعيلة بمعنى مفعولة فأدخلت فيها الهاء وإن كان فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث للإشارة إلى نقلها من الوصفية إلى الاسمية وقيل: إن شرط استواء المذكر والمؤنث فيه أن يكون الموصوف مذكورًا معه وقيل شرطه سقوط الهاء من المؤنث قبل وقوع الوصف

стр. 4854

(٢٣٣١) (٠) (٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ. قَال: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا زَيدُ بْنُ الْحُبَابِ. حَدَّثَنِي قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقْسِمُ مَغَانِمَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ ــ تقول: خذ ذبيحتك أي الشاة التي تريد ذبحها فإذا ذبحتها قيل لها حينئذ ذبيح والمعنى يخرجون من الإسلام خروج السهم من الرمية إذا دخل من جهة ونفذ من أخرى ولم يتعلق به شيء من المرمي وسيأتي إيضاحه في الروايات الآتية. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ٣٥٣ - ٣٥٤) والبخاري (٣١٣٨) مختصرًا وابن ماجه (١٧٢). ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال: (٢٣٣١) (٠) (٠) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا عبد الوهاب) ابن عبد المجيد (الثقفي) البصري (قال) عبد الوهاب: (سمعت يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني (يقول: أخبرني أبو الزبير) المكي (أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄. وهذا السند من خماسياته غرضه بسوقه بيان متابعة عبد الوهاب لليث بن سعد في رواية هذا الحديث عن يحيى بن سعيد. (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (حدثنا زيد بن الحباب) بضم الحاء المهملة وبموحدتين العكلي بضم المهملة وسكون الكاف نسبة إلى عكل بطن من تميم الكوفي الجوال صدوق من (٩) روى عنه في (١١) بابا (حدثني قرة بن خالد) السدوسي أبو خالد البصري ثقة من (٦) (حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله) الأنصاري. وهذا السند من خماسياته غرضه بسوقه بيان متابعة قرة بن خالد ليحيى بن سعيد في رواية هذا الحديث عن أبي الزبير. (أن النبي ﷺ كان يقسم مغانم) جمع مغنم وهو كالغنيمة ما أصيب من أموال أهل الحرب من الكفار (وساق) قرة بن خالد (الحديث) بمثل حديث يحيى بن سعيد.

стр. 4855

(٢٣٣٢) (١٠٣٠) - (١٨٠) حدَّثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ. حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ قَال: بَعَثَ عَلِيٌّ ﵁، وَهُوَ بِالْيَمَنِ، بِذَهَبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ ــ ثم استشهد المؤلف لحديث جابر بحديث أبي سعيد الخدري ﵄ فقال: (٢٣٣٢) (١٠٣٠) (١٨٠) (حدثنا هناد بن السري) بن مصعب التميمي الدارمي أبو السري الكوفي ثقة من (١٠) (حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي الكوفي ثقة من (٧) (عن سعيد بن مسروق) الثوري الكوفي والد سفيان ثقة من (٦) (عن عبد الرحمن بن أبي نعم) بضم النون وسكون المهملة اسمه زياد البجلي أبي الحكم الكوفي روى عن أبي سعيد الخدري في الزكاة وأبي هريرة في البيوع والمغيرة بن شعبة ويروي عنه (ع) وسعيد ابن مسروق وعمارة بن القعقاع وفضيل بن غزوان وابنه الحكم وثقه النسائي وابن سعد وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من عباد أهل الكوفة وقال في التقريب: صدوق من الثالثة مات قبل المائة (عن أبي سعيد الخدري) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم كوفيون إلا أبا سعيد الخدري فإنه مدني. (قال) أبو سعيد: (بعث علي) بن أبي طالب ﵁ وهو) أي والحال أن عليًّا (باليمن بذهبة) أي بقطعة ذهب ولفظ البخاري: (بذهيبة) على صيغة التصغير أي بقطعة صغيرة من ذهب قال في فتح الملهم: وفي معظم النسخ بفتحتين بغير تصغير وفي بعضها بذهيبة على التصغير قال الحافظ: وكأنه أنثها على معنى الطائفة أو الجملة وقد يؤنث الذهب في بعض اللغات. (تنبيه): هذه القصة غير القصة المتقدمة في غزوة حنين ووهم من خلطها بها واختلف في هذه الذهيبة فقيل: كانت خمس الخمس وفيه نظر وقيل: من الخمس وكان ذلك من خصائصه أنه يضعه في صنف من الأصناف للمصلحة وقيل: من أصل الغنيمة وهو بعيد كذا في الفتح. وقوله: (في تربتها) صفة لذهبة يعني أنها غير مسبوكة لم تخلص من ترابها ولم تصف منها كما سيأتي. وقوله: (إلى رسول الله ﷺ متعلق ببعث (فقسمها رسول الله

стр. 4856

صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَينَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيُّ، وَعُيَينَةُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ الْعَامِرِيُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي كِلابٍ، وَزَيدُ الْخَيرِ الطَّائِيُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي نَبْهَانَ. قَال: فَغَضِبَتْ قُرَيشٌ. فَقَالُوا: أَيُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَيدَعُنَا؟ فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذلِكَ ــ ﷺ بين أربعة نفر) كانوا من المؤلفة وكان كل منهم رئيس قومه وكان مقتضى القاعدة النحوية أن يقال: أربعة أنفار لأن أسماء الآحاد لا تضاف إلا إلى الجمع إلا أن يقال: إنه نظر إلى المعنى. (الأقرع بن حابس) بالجر بدل من أربعة وبالرفع خبر لمحذوف (الحنظلي) ثم أحد بني مجاشع بجيم خفيفة وشين معجمة مكسورة قال الأبي: وتقدم أنه تميمي وليس باختلاف لأن حنظلة بطن من تميم (وعيينة بن بدر الفزاري) نسب إلى جد أبيه وهو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري وكان رئيس قيس في أول الإسلام وكنيته أبو مالك وسماه النبي ﷺ الأحمق المطاع وارتد مع طليحة ثم عاد إلى الإسلام (وعلقمة بن علاثة العامري) كان رئيس بني كلاب مع عامر بن الطفيل وكانا يتنازعان على الشرف فيهم ويتفاخران ولهما في ذلك أخبار شهيرة كذا في الفتح (ثم أحد بني كلاب) بنو كلاب بطن من بني عامر لأنه كلاب بن ربيعة بن عامر (وزيد الخير الطائي). قال النواوي: كذا في جميع النسخ بالراء وفي الرواية التي بعدها: (زيد الخيل) باللام وكلاهما صحيح وقيل له: زيد الخيل لعنايته بها ويقال: لم يكن في العرب أكثر خيلًا منه وكان شاعرًا خطيبًا شجاعًا جوادًا وكان في الجاهلية يسمى زيد الخيل فسماه رسول الله ﷺ في الإسلام زيد الخير بالراء بدل اللام لما كان فيه من الخير وقد ظهر أثر ذلك فإنه مات على الإسلام في حياة النبي ﷺ ويقال: بل توفي في خلافة عمر. (ثم أحد بني نبهان) قال الأبي: بنو نبهان بطن من طيئ. (قال) أبو سعيد: (فغضبت قريش فقالوا: أيعطي صناديد نجد) بمهملة ثم نون جمع صنديد كمساكين ومسكين وهو الرئيس أي ساداتها (ويدعنا) أي يتركنا من العطاء وجمع بين التاء والياء في يعطي ويدعنا في الطبع إشارة إلى اختلاف النسخ بهما في الفعلين. (فقال رسول الله ﷺ : إني إنما فعلت ذلك) أي تخصيص العطاء

стр. 4857

لأَتَأَلَّفَهُمْ" فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ. مُشْرِفُ الْوَجْنَتَينِ. غَائِرُ الْعَينَينِ. نَاتِئُ الْجَبِينِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ. فَقَال: اتَّقِ اللهَ. يَا مُحَمَّدُ! قَال: فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَمَنْ يُطِعِ اللهَ إِنْ عَصَيتُهُ! أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي؟ " قَال: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ. فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ ــ بهؤلاء الأربعة (لأتألفهم) على الإسلام (فجاء رجل) هو ذو الخويصرة التميمي كما سيأتي من رواية أبي سلمة وغيره وعند أبي داود: اسمه نافع ورجحه السهيلي. (كث اللحية) بفتح الكاف وتشديد المثلثة أي كثيف اللحية كثيرها. قال ابن الأثير: الكثافة في اللحية أن تكون غير دقيقة ولا طويلة وفيها كثافة يقال رجل كث اللحية بالفتح وقوم كث بالضم (مشرف الوجنتين) أي مرتفع الخدين بشين معجمة وفاء أي بارزهما غليظهما والوجنتان العظمان المشرفان على الخدين كذا في الفتح والوجنتان تثنية وجنة والوجنة من الإنسان ما ارتفع من لحم خده كما في المصباح وفي واوها الحركات الثلاث ويقال: أجنة بضم الهمزة اهـ نواوي (غائر العينين) بالعين المعجمة وبالهمزة ويجوز إبدالها ياءًا سم فاعل من الغور والمراد أن عينيه داخلتان في محاجرهما لاصقتان بقعر الحدقة وهو ضد الجحوظ (ناتئ الجبين) بنون ومثناة على وزن فاعل من النتوء وهو الارتفاع أي بارز الجبين ولعل الجبين هنا وقع غلطًا من الجبهة والرواية الصحيحة هي ما بعد هذه من قوله: (ناشز الجبهة) أو (ناتئ الجبهة) فإن الجبين جانب الجبهة ولكل إنسان جبينان يكتنفان الجبهة وهما لا يوصفان بالنتوء (محلوق الرأس) وحلق الرأس إذ ذاك مخالف لعادة العرب فإنهم كانوا لا يحلقون رؤوسهم وكانوا يفرقون شعورهم وسيأتي في بعض روايات الباب (سيماهم التحالق) وكان السلف يوفرون شعورهم ولا يحلقونها وكانت طريقة الخوارج حلق جميع الرأس (فقال) الرجل المذكور لرسول الله ﷺ : (اتق الله) في قسمك (يا محمد قال) أبو سعيد الخدري: (فقال رسول الله ﷺ : فمن يطع الله إن عصيته) فيه إشارة إلى عصمة نفسه ﷺ وفي بعض الروايات: (أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله). (أيامنني) الله (على أهل الأرض) أي يجعلني الله أمينًا على أهل الأرض (و) أنتم (لا تأمنوني) على تبليغي بل تتهموني بالجور والظلم (قال) أبو سعيد: (ثم أدبر الرجل) القائل أي ذهب وولى دبره إلينا (فاستأذن) أي طلب (رجل من القوم)

стр. 4858

فِي قَتْلِهِ. (يُرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هذَا قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوزُ حَنَاجِرَهُمْ. يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ. وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ. يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ. لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ" ــ الحاضرين عند النبي ﷺ الإذن له (في قتله) أي قتل ذلك الرجل القائل (يرون) بضم الياء أي يظنون (أنه خالد بن الوليد) سيف الله ﵁. وفي هذا الحديث أن خالدًا قال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه وفي حديث جابر أن عمر بن الخطاب قال: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق. (قلت): لا إشكال فيه إذ الجمع ممكن بأن يكون كل واحد منهما قال ذلك وأجيب كل واحد منهما بغير ما أجيب به الآخر والله أعلم اهـ من المفهم. (فقال رسول الله ﷺ لمن عنده من الصحابة: (إن من ضئضئ هذا) الرجل القائل بضادين معجمتين مكسورتين بينهما تحتانية مهموزة ساكنة وفي آخره تحتانية مهموزة أيضًا وفي بعض النسخ بصادين مهملتين وزعم ابن الأثير أن الذي بالمهملة بمعناه وحكى ابن الأثير أنه روى بالمد بوزن قنديل أي إن من أصل هذا الرجل وجنسه وقومه ومن قال من نسله وعقبه فقد أخطأ فإن الخوارج لم يكونوا من نسله ولا عقبه بل هو كان رئيسهم ولأصل الشيء أسماء كثيرة منها الضئضئ بالمعجمتين والمهملتين والنجار بكسر النون والنحاس والسنخ بكسر السين وإسكان النون وبخاء معجمة والعنصر والعنض والأرومة اهـ نووي. (قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون) أي يتركون (أهل الأوثان) والأصنام. قال الحافظ: وهو مما أخبر به ﷺ من المغيبات فوقع كما قال وقال الأبي: ومن عجيب أمرهم ما يأتي أنهم حين خرجوا من الكوفة منابذين لعلي ﵁ إذا لقوا في طريقهم مسلمًا وكافرًا قتلوا المسلم وقالوا: احفظوا ذمة نبيكم في الذمي. (يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية) والله (لئن أدركتهم) أي لئن أدركت أولئك الأقوام وبقيت إلى زمانهم (لأقتلنهم قتل عاد) أي قتلًا عامًا مستأصلًا

стр. 4859

(٢٣٣٣) (٠) (٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ. قَال: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِنَ الْيَمَنِ، بِذَهَبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ ــ بحيث لا يبقى منهم أحد كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ولم يرد أنه يقتلهم بالآلة التي قتلت بها عاد بعينها ويحتمل أن يكون من الإضافة ويراد به القتل الشديد القوي إشارة إلى أنهم موصوفون بالشدة والقوة ويؤيده أنه وقع في طريق أخرى قتل ثمود كذا في الفتح. قال القرطبي: وفي الرواية الآتية: (قتل ثمود) وهنا (قتل عاد) فبينهما معارضة ووجه الجمع بينهما أن يكون النبي ﷺ قال كليهما فذكر بعض الرواة أحدهما والآخر الآخر ومعنى هذا أنه ﷺ كان يقتلهم قتلًا عامًا بحيث لا يبقي منهم أحدًا في وقت واحد لا يؤخر قتل بعضهم عن بعض ولا يقيل أحدًا منهم كما فعل بعاد حيث أهلكهم بالريح العقيم وبثمود حيث أهلكهم بالصيحة. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ٤) والبخاري (٤٣٥١) وأبو داود (٤٧٦٤) والنسائي (٥/ ٨٧ - ٨٨). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال: (٢٢٣٣) (٠) (٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد الواحد) بن زياد العبدي أبو بشر البصري ثقة من (٨) (عن عمارة بن القعقاع) بن شبرمة الضبي الكوفي ثقة من (٦) (عن عبد الرحمن بن أبي نعم) زياد البجلي الكوفي (قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول): وهذا السند من خماسياته غرضه بسوقه بيان متابعة عمارة بن القعقاع لسعيد بن مسروق. (بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهبة) أي بقطعة من ذهب مظروف (في أديم) أي جلد (مقروظ) أي مذبوغ بالقرظ والقرظ بفتحتين

стр. 4860

لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا. قَال: فَقَسَمَهَا بَينَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عُيَينَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَزَيدِ الْخَيلِ، وَالرَّابعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيلِ ــ وبالظاء المعجمة حب معروف يخرج في غلف كالعدس من شجر العضاه كما في المصباح. (لم تحصل) تلك الذهبة (من ترابها) أي لم تميز ولم تصف من تراب معدنها فكأنها كانت تبرًا وتخليصها بالسَّبك. قاله الحافظ. (قال) أبو سعيد: (فقسمها) أي فقسم تلك الذهبة رسول الله ﷺ (بين أربعة نفر) من المؤلفة (عيينة بن حصن) الفزاري (والأقرع بن حابس) الحنظلي (وزيد الخيل) هو زيد بن مهلهل بن زيد الطائي كان يضاف في الجاهلية إلى الخيل لفروسيته ولكرائم الخيل التي كانت عنده وأضافه النبي ﷺ عند إسلامه إلى الخير فقال: له ما اسمك قال: أنا زيد الخيل قال: بل أنت زيد الخير وأثنى عليه بقوله ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته في الإسلام إلا رأيته دون الصفة غيرك كما في الاستيعاب وغيره من كتب تراجم الأصحاب وهذا الحديث قابل به الزمخشري ابن الشجري النحوي في تمثله عند اجتماعه معه ببغداد بقول أبي الطيب: واستكبر الأخيار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخير الخير اهـ من بعض الهوامش (والرابع إما علقمة بن علاثة) بضم العين المهملة العامري الطائي (وإما عامر بن الطفيل) قال الأبي: هذا الشك وهم وذكر عامر هنا خطأ لأنه هلك قبل هذا بسنتين والصواب أنه علقمة كما في الأول دون شك اهـ. وعبارة النواوي: قال العلماء: ذكر عامر غلط ظاهر لأنه توفي قبل هذا بسنين والصواب الجزم بأنه علقمة بن علاثة كما هو مجزوم به في باقي الروايات والله أعلم اهـ. قال الحافظ: وكان علقمة حليمًا عاقلًا لكن كان عامر أكثر منه عطاء وارتد علقمة مع من ارتد ثم عاد ومات في خلافة عمر بحوران ومات عامر بن الطفيل على شركه في الحياة النبوية اهـ منه.

стр. 4861

فَقَال رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهذَا مِنْ هؤُلاءِ. قَال: فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: "أَلا تَأْمَنُونِي؟ وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً" قَال: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَينَينِ. مُشْرِفُ الْوَجْنَتَينِ. نَاشِزُ الْجَبْهَةِ. كَثُّ اللِّحْيَةِ. مَحْلُوقُ الرَّأْسِ. مُشَمَّرُ الإِزَارِ. فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ! اتَّقِ اللهَ. فَقَال: "وَيلَكَ! أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ" قَال: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ. فَقَال خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَال: "لَا. لَعَلَّهُ ــ (فقال رجل من أصحابه) ﷺ قال الحافظ: لم أقف على اسمه: (كنا نحن أحق بهذا) العطاء (من هولاء) الصناديد كأنه يعرض بالعدول عن الأحق إلى غيره ويريد بإضافة عدم العدل إليه ﷺ أنه إنما وقع على وجه الغلط في الرأي وأمور الدنيا والاجتهاد فيها بمصالح أهلها وأنه من الأمر الذي يجوز له الصفح عنه لا أنه أضاف إليه عدم العدل في القسم على وجه التهمة له كذا قال الأبي. (قلت): يكلم الإنسان بكلمة ويكلم الآخر بمثلها أو بما يقاربها ومع ذلك يختلف مرادهما باختلاف الاعتقاد والنية واللهجة وخصوصيات الأحوال فيخرج كلاهما على محملين متباعدين لما يعلم من تباين أحوالهما من خارج وهذا كما قال أهل البلاغة في قولهم: أنبت الربيع البقل: إنه مجاز إذا صدر من موحد وحقيقة إذا صدر من دهري والله أعلم. (قال) أبو سعيد (فبلغ ذلك) القول (النبي ﷺ فقال: ألا تأمنوني) في قسمي (وأنا أمين من في السماء) وكونه تعالى في السماء صفة أثبتها الرسول ﷺ له، نثبتها ونعتقدها ولا نكيفها ولا نمثلها هذا هو المذهب الأسلم الذي عليه السلف الصالح (يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً) وفعلي كله بأمر من السماء لا من عند نفسي. (قال) أبو سعيد: (فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة) أي مرتفعها (كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار) أي ملففه (فقال: يا رسول الله اتق الله فقال: وبلك أ) تقول ذلك (ولست أحق أهل الأرض) بـ (ـأن يتقي الله) (قال) أبو سعيد: (ثم ولى الرجل) أي ذهب وأدبر هذا الرجل الثاني (فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه فقال) رسول الله ﷺ : (لا) تضربه (لعله) أي

стр. 4862

أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي". قَال خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيسَ فِي قَلْبِهِ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ. وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ" قَال: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيهِ وَهُوَ مُقَفٍّ فَقَال: "إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ فذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ. رَطْبًا لَا يُجَاوزُ حَنَاجِرَهُمْ. يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ". قَال: ــ لعل هذا الرجل (أن يكون يصلي) فيه استعمال لعل استعمال عسى نبه عليه ابن مالك وقوله: يصلي قيل: فيه دلالة من طريق المفهوم على أن تارك الصلاة يقتل وفيه نظر كذا في الفتح وأوضح وجه النظر فيه العلامة العيني في شرح البخاري فليراجع. (قال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه) من معنى الشهادتين (فقال رسول الله ﷺ : إني لم أرمر) من جهة ربي (أن أنقب) وأفتش وأكشف وأبحث (عن قلوب الناس) إنما أمرت أن آخذ بظواهر أمورهم والله يتولى السرائر من نقبت الحائط نقبًا من باب نصر إذا فتحت فيه فتحًا ولفظ البخاري (أن أنقب قلوب الناس) والكلمة مضبوطة في النهاية بتشديد القاف وهو المصرح به في المبارق. قال القرطبي: إنما منع قتله وإن كان قد استوجب القتل لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه ولا سيما من صلى قال الحافظ: في الحديث الكف عن قتل من يعتقد الخروج على الإمام ما لم ينصب لذلك حربًا أو يستعد لذلك لقوله: فإذا خرجوا فاقتلوهم اهـ. (ولا أشق بطونهم) لأعرف ما فيها من الصدق والنفاق (قال) أبو سعيد: (ثم نظر) النبي ﷺ (إليه) أي إلى الرجل (وهو مقف) أي مول قد أعطانا قفاه (فقال: أنه) أي إن الشأن والحال (يخرج) ويظهر (من ضئضئ هذا) الرجل وجنسه وقومه (قوم يتلون كتاب الله) أي القرآن (رطبًا) أي طريًا رطبًا به ألسنتهم لمواظبتهم على تلاوته قيل: المراد به الحذق في التلاوة يأتون به على أحسن أحواله وقيل: المراد أنهم يواظبون على تلاوته فلا تزال ألسنتهم رطبة به وقيل: هو كناية عن حسن الصوت به حكاها القرطبي ويرجح الأول ما وقع في رواية أبي الوداك عن أبي سعيد عند مسدد (يقرؤون القرآن كأحسن ما يقرأه الناس) ويؤيد الآخر قوله في رواية مسلم عن ابن أبي بكرة عن أبيه (قوم أشداء أحداء ذلقة ألسنتهم بالقرآن) أخرجه الطبري (لا يجاوز حناجرهم) وحلاقيمهم (يمرقون من الدين) والشرع (كما يمرق السهم من الرمية قال)

стр. 4863

أَظُنُّهُ قَال: "لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ". (٢٣٣٤) (٠) (٠) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَال: وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلاثَةَ. وَلَمْ يَذْكُرْ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيلِ. وَقَال: نَاتِئُ الْجَبْهَةِ. وَلَمْ يَقُلْ: نَاشِز. وَزَادَ: فَقَامَ إِلَيهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَال: "لَا". قَال: ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَامَ إِلَيهِ خَالِدٌ، سَيفُ اللهِ، فَقَال: يَا ــ أبو سعيد الخدري: (أظنه) ﷺ (قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود) قتلًا عامًّا مستأصلًا وفي رواية سعيد بن مسروق المتقدمة (لأقتلنهم قتل عاد) ولم يتردد فيه. قال الحافظ وهو الراجح وقد استشكل قوله (لئن أدركتهم لأقتلنهم) مع أنه نهى خالدًا عن قتل أصلهم وأجيب بأنه أراد إدراك خروجهم واعتراضهم المسلمين بالسيف ولم يكن ظهور ذلك في زمانه وأول ما ظهر في زمان علي ﵁ كما هو مشهور وفي الحديث أن كون الرجل مصليًا لا يمنع قتله مطلقًا كما يوهمه قوله فيما قبل (لعله أن يكون يصلي) فإن قوله: لأقتلنهم قد ورد في حق قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم قال ابن هبيرة: وفي الحديث أن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين والحكمة فيه أن في قتالهم حفظ رأس مال الإسلام وفي قتال أهل الشرك طلب الربح وحفظ رأس المال أولى اهـ. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال: (٢٣٣٤) (٠) (٠) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي (عن عمارة بن القعقاع) بن شبرمة الضبي الكوفي (بهذا الإسناد) يعني عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم عن أبي سعيد الخدري غرضه بيان متابعة جرير لعبد الواحد بن زياد (قال) جرير في روايته: (وعلقمة بن علاثة) بلا شك (ولم يذكر) جرير (عامر بن الطفيل وقال) جرير أيضًا: (ناتئ الجبهة) أي مرتفع الجبهة (ولم يقل) جرير: (ناشز وزاد) جرير على عبد الواحد: (فقام إليه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه قال) النبي ﷺ : (لا) تضرب عنقه (قال) أبو سعيد: (ثم أدبر) أي ذهب الرجل (فقام إليه) ﷺ (خالد) بن الوليد (سيف الله فقال) خالد: (يا

стр. 4864

رَسُولَ اللهِ! أَلا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَال: "لَا". فَقَال: "إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ فذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ لَيِّنًا رَطْبًا". وَقَال: قَال عُمَارَةُ: حَسِبْتُهُ قَال: "لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ". (٢٣٣٥) (٠) (٠) وحدّثنا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَال: بَينَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: زَيدُ الْخَيرِ، والأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَعُيَينَةَ بْنُ حِصْنٍ، وَعَلْقَمَةَ بْنُ عُلاثَةَ أَوْ عَامِرُ بْنِ الطُّفَيلِ. وَقَال: نَاشزُ الْجَبْهَةِ ــ رسول الله ألا أضرب عنقه قال) رسول الله ﷺ : (لا) تضرب (فقال) رسول الله ﷺ (إنه سيخرج من ضئضئ) أي من أصل (هذا) الرجل (قوم يتلون كتاب الله) تعالى أي يقرؤون القرآن (لينًا) أي سهلًا (رطبًا) أي جديدًا لحذاقتهم بتلاوته. قال النواوي: هكذا هو في أكثر النسخ لينًا بالنون أي سهلًا وفي كثير من النسخ (ليًا) بحذف النون وأشار القاضي إلى أنه رواية أكثر شيوخهم قال: ومعناه سهلًا لكثرة حفظهم قال: وقيل (ليًا) أي يلوون ألسنتهم به أي يحرفون معانيه وتأويله قال: وقد يكون من اللي في الشهادة وهو الميل قاله ابن قتيبة اهـ. (وقال) جرير (قال) لنا (عمارة حسبته) حسبت عبد الرحمن بن أبي نعم (قال) حين ما روى لنا هذا الحديث: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود) كما قال عبد الواحد وما في هذا السند كله بيان لمحل المخالفة بين المتابع والمتابع. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال: (٢٣٣٥) (٠) (٠) (وحدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي (حدثنا) محمد (بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي صدوق من (٩) (عن عمارة بن القعقاع بهذا الإسناد) يعني عن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري. غرضه بيان متابعة ابن فضيل لعبد الواحد. (و) لكن (قال) ابن فضيل في روايته: (بين أربعة نفر: زيد الخير والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة أو عامر بن الطفيل وقال) ابن فضيل: (ناشز الجبهة

стр. 4865

كَرِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ. وَقَال: "إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هذَا قَوْمٌ". وَلَمْ يَذْكُرْ: "لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأقتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ". (٢٣٣٦) (٠) (٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَال: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَسَأَلاهُ عَنِ الْحَرُورِيَّةِ؟ هَلْ ــ كرواية عبد الواحد وقال) ابن فضيل أيضًا في روايته: (إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم ولم يذكر) ابن فضيل: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود). ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال: (٢٣٣٦) (٠) (٠) (وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري (قال: سمعت يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني (يقول: أخبرني محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي أبو عبد الله المدني ثقة من (٤) روى عنه في (١١) بابا (عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ثقة من (٣) (وعطاء بن يسار) الهلالي المدني ثقة من (٣) (أنهما أتيا أبا سعيد الخدري) ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان بصريان غرضه بيان متابعة أبي سلمة وعطاء بن يسار لعبد الرحمن بن أبي نعم في رواية هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري. (فسألاه) أي فسأل أبو سلمة وعطاء أبا سعيد (عن) حكم (الحرورية) وسبب تسميتهم بهذا الاسم وهم الخوارج سموا حرورية لأنهم نزلوا حروراء بفتح المهملة وراءين الأولى مضمومة وبالمد وهي قرية بالعراق قريبة بالكوفة وسموا خوارج لخروجهم على الجماعة وقيل: لخروجهم عن طريق الجماعة وقيل لقوله ﷺ (يخرج من ضئضئ هذا) اهـ نواوي. ويسمون مارقين لقوله ﷺ (يمرقون) كما في حديث علي ﵁ (أمرت بقتال المارقين) يعني الخوارج وكانوا يسمون أنفسهم شراة تمسكًا بقوله تعالى: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ اهـ من بعض الهوامش أي سألاه عنها فقالا له: (هل

стр. 4866

سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُهَا؟ قَال: لَا أَدْرِي مَنِ الْحَرُورِيَّةُ. وَلكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَخْرُجُ فِي هذِهِ الأُمَّةِ (وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهَا) قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاتَكُمْ مَعَ صَلاتِهِمْ ــ سمعت رسول الله ﷺ يذكرها) أي يذكر شأن الحرورية وحكمها هل هم من المسلمين أم لا (قال) لهما أبو سعيد: (لا أدري) ولا أعلم (من) هم (الحرورية) ولا سمعتها من رسول الله ﷺ يذكرها وهذا يغاير قوله في الرواية التي تليها (وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه) فإن مقتضى الأول أنه لا يدري هل ورد الحديث الذي ساقه في الحرورية أولًا ومقتضى الثاني أنه ورد فيهم ويمكن الجمع بأن مراده بالنفي هنا أنه لم يحفظ فيهم نصًّا بلفظ الحرورية وإنما سمع قصتهم التي دل وجود علامتهم بالحرورية بأنهم هم (ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج في هذه الأمة) المحمدية يعني أمة الإجابة قال أبو سعيد: (ولم يقل) رسول الله ﷺ (منها) أي من أمة الإجابة لأن لفظة من تقتضي كونهم من الأمة بخلاف (في). قال النواوي: لكن لا شك أنهم من أمة الإجابة وأنهم لا يكفرون وجاءت رواية (من) أيضًا كما ستأتي. قال الحافظ: ولم تختلف الطرق الصحيحة على أبي سعيد في ذلك وأما ما أخرجه الطبري من وجه آخر عن أبي سعيد بلفظ (من أمتي) فسنده ضعيف لكن وقع عند مسلم من حديث أبي ذر بلفظ: (سيكون بعدي من أمتي قوم) وله من طريق زيد بن وهيب عن علي (يخرج قوم من أمتي) ويجمع بينه وبين حديث أبي سعيد بأن المراد بالأمة في حديث أبي سعيد أمة الإجابة وفي رواية غيره أمة الدعوة اهـ. قال النواوي: وفيه دلالة على فقه الصحابة وتحريرهم الألفاظ وفيه إشارة من أبي سعيد إلى تكفير الخوارج وأنهم من غير هذه الأمة. قال المازري: هذا من أدل الدلائل على سعة علم الصحابة ﵃ ودقيق نظرهم وتحريرهم الألفاظ وفرقهم بين مدلولاتها الخفية لأن لفظة من تقتضي كونهم من الأمة لا كفارًا بخلاف في اهـ. أي يخرج في هذه الأمة (قوم تحقرون) بفتح أوله أي تستقلون (صلاتكم مع صلاتهم) قال الحافظ: ووصف عاصم أصحاب نجدة الحروري بأنهم يصومون النهار

стр. 4867

فَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ. لَا يُجَاوزُ حُلُوقَهُمْ (أَوْ حَنَاجِرَهُمْ) يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ. فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ. إِلَى نَصْلِهِ. إِلَى رِصَافِهِ. فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ. هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيءٌ" ــ ويقومون الليل ويأخذون الصدقات على السنة أخرجه الطبري (فيقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم) جمع حلق (أو) قال النبي ﷺ أو أبو سعيد لا يجاوز (حناجرهم) جمع حنجرة وهو رأس الحلقوم والشك من الراوي أو ممن دونه (يمرقون) أي يخرجون (من الدين مروق السهم) أي مروقًا كمروق السهم (من الرمية) أي من الصيد المرمي شبه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد فيدخل فيه ويخرج منه ومن شدة خروجه لقوة الرامي لا يعلق به من جسد الصيد شيء فهؤلاء لا ينتفعون بالدين بل يخرجون منه بسرعة ويجرحونه (فينظر الرامي إلى سهمه) العريض هل به شيء من دم الصيد ولحمه فلا يرى فيه شيئًا لسرعة خروجه ثم ينظر (إلى نصله) أي إلى حديدة السهم التي تركب عليه هل علق به شيء من الدم فلا يرى فيه شيئًا منه وهو بدل من قوله إلى سهمه وكذا ما بعده أي ينظر إلى سهمه جملة ثم تفصيلًا والنصل حديدة السهم التي تركب على طرف السهم وهي مسمومة فبها يحصل قتل الصيد وغيره لكونها مسمومة وهي مثل الإبرة الكبيرة ثم ينظر (إلى رصافه) أي إلى رصاف السهم هل علق به شيء من الدم أم لا فلا يرى فيه شيئًا والرصاف بكسر الراء ثم فاءٍ، أي إلى عصبه أي إلى عصب السهم الذي يكون ويلف فوق مدخل النصل من السهم والعصب حبال تسوى من عصب المواشي وهو عروق توصل العظام بعضها إلى بعض واحده رصفة بفتحات (فيتمارى) أي يشك الرائي (في الفوقة هل علق بها من الدم شيء) فينظرها فلا يرى فيها شيئًا من الدم أي لا يرى في نصله ورصافه شيئًا من أثر الدم ثم ينظر إلى الفوقة فيتشكك هل بقي فيها شيء من الدم والتماري هنا تفاعل من المرية بمعنى الشك لا من المراء بمعنى الجدال ومعناه هنا فيشك الرامي في الفوقة والفوقة وكذا الفوق بضم الفاء فيهما هو الحز من السهم الذي يجعل فيه الوتر أي موضع الوتر من السهم وهو أسفله لأن أعلاه يركب فيه النصل وأسفله يجعل على الوتر عند الرمي. قال ابن الأنباري: الفوق يذكر ويؤنث قال الأبي: والتماري في الفوقة فيه معجزة لأنه إشارة إلى ما وقع فيهم من الخلاف بين الأمة في تكفيرهم وعدمه.

стр. 4868

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (تتمة) في بيان سبب تسمية الخوارج بالخوارج وبالحرورية وبيان حالهم وكيف كان بدء أمرهم وخروجهم عن الجماعة وقطع دابرهم. واعلم أن الخوارج جمع خارجة بمعنى طائفة خرجت عن الجماعة وهم قوم مبتدعون سموا بذلك لخروجهم عن الدين وخروجهم على خيار المسلمين وأصل ذلك أن بعض أهل العراق أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان فطعنوا على عثمان بذلك وكان يقال لهم القراء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المعنى المراد منه ويستبدون برأيهم ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك فلما قتل عثمان قاتلوا مع علي ﵁ واعتقدوا كفر عثمان ومن تابعه واعتقدوا إمامة علي وكفر من قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسهم طلحة والزبير فإنهما خرجا إلى مكة بعد أن بايعا عليًّا فلقيا عائشة وكانت حجت تلك السنة فاتفقوا على طلب قتلة عثمان وخرجوا إلى البصرة يدعون الناس إلى ذلك فبلغ عليًّا فخرج إليهم فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة وانتصر علي وقتل طلحة في المعركة وقتل الزبير بعد أن انصرف من الوقعة فهذه الطائفة هي التي كانت تطلب بدم عثمان بالاتفاق ثم قام معاوية بالشام في مثل ذلك وكان أمير الشام إذ ذاك وكان علي أرسل إليه لأن يبايع له أهل الشام فاعتل بأن عثمان قتل مظلومًا وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك ويلتمس من علي أن يمكنه منهم ثم يبايع له بعد ذلك وعلي يقول: ادخل فيما دخل فيه الناس وحاكمهم إلي أحكم فيهم بالحق فلما طال الأمر خرج علي في أهل العراق طالبًا قتال أهل الشام فخرج معاوية في أهل الشام قاصدًا إلى قتاله فالتقيا بصفين فدامت الحرب بينهما شهرًا وكاد أهل الشام أن ينكسروا فرفعوا المصاحف على الرماح ونادوا ندعوكم إلى كتاب الله تعالى وكان ذلك بإشارة عمرو بن العاص وهو مع معاوية فترك جمع كثير ممن كان مع علي وخصوصًا القراء القتال بسبب ذلك تدينًا واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ﴾ الآية فراسلوا أهل الشام في ذلك فقالوا: ابعثوا حكمًا منكم وحكمًا منا ويحضر معهما من لم يباشر القتال فمن رأوا الحق معه أطاعوه فأجاب علي ومن معه إلى ذلك وأنكرت ذلك

стр. 4869

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تلك الطائفة التي صاروا خوارج وكتب علي بينه وبين معاوية كتاب الحكومة بين أهل العراق والشام: هذا ما قضى عليه أمير المؤمنين علي معاوية فامتنع أهل الشام من ذلك وقالوا: اكتبوا اسمه واسم أبيه فأجاب علي إلى ذلك فأنكره عليه الخوارج أيضًا ثم انفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان ومن معهما بعد مدة عينوها في مكان وسط بين الشام والعراق ويرجع العسكران إلى بلادهم إلى أن يقع الحكم فرجع معاوية إلى الشام ورجع علي إلى الكوفة ففارقه الخوارج وهم ثمانية آلاف وقيل: كانوا أكثر من عشرة آلاف وقيل ستة آلاف ونزلوا مكانًا يقال له حروراء بفتح المهملة وراءين أولاهما مضمومة وبالمد في آخره ومن ثم قيل لهم: الحرورية وكان كبيرهم عبد الله بن الكواء بفتح الكاف وتشديد الواو مع المد اليشكري وشبث بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة التميمي فأرسل إليهم علي ابن عباس فناظرهم فرجع كثير منهم معه ثم خرج إليهم علي فأطاعوه ودخلوا معه الكوفة معه رئيساهم المذكوران ثم أشاعوا أن عليًّا تاب من الحكومة ولذلك رجعوا معه فبلغ ذلك عليًّا فخطب وأنكر ذلك فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله فقال علي: كلمة حق يراد بها باطل فقال لهم: لكم علينا ثلاثة أن لا نمعنكم من المساجد وأن لا نمنعكم من رزقكم من الفيء ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادًا وخرجوا شيئًا بعد شيء إلى أن اجتمعوا بالمدائن فراسلهم علي في الرجوع فأصروا على الامتناع حتى يشهد علي على نفسه بالكفر لرضاه بالتحكيم ويتوب ثم راسلهم أيضًا فأرادوا قتل رسوله ثم اجتمعوا على أن من لا يعتقد معتقدهم يكفر ويباح دمه وماله وأهله وانتقلوا إلى الفعل فاستعرضوا الناس فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين ومر بهم عبد الله بن خباب بن الأرت وكان واليًا لعلي على بعض تلك البلاد ومعه سُرية وهي حامل فقتلوه وبقروا بطن سريته عن ولد فبلغ ذلك عليًّا فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام فأوقع بهم بالنهروان ولم ينج منهم إلا دون العشرة ولا قتل ممن معه إلا نحو العشرة فهذا ملخص أول أمرهم. ثم انضم إلى من بقي منهم من مال إلى رأيهم فكانوا مختفين في خلافة علي ﵁ حتى كان منهم عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل عليًّا بعد أن دخل علي في صلاة الصبح ثم لما وقع صلح الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفة فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال: له النجيلة ثم كانوا منقمعين في إمارة زياد وابنه عبيد الله على العراق طول

стр. 4870

(٢٣٣٧) (٠) (٠) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ــ مدة معاوية وولده يزيد وظفر زياد وابنه منهم بجماعة فأبادهم بين قتل وحبس طويل فلما مات يزيد ووقع الافتراق وولي الخلافة عبد الله بن الزبير وأطاعه أهل الأمصار إلا بعض أهل الشام ثار مروان فادعى الخلافة وغلب على جميع أهل الشام إلى مصر فظهر الخوارج حينئذ بالعراق مع نافع بن الأزرق وباليمامة مع نجدة بن عامر وزاد نجدة على معتقد الخوارج أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر ولو اعتمد معتقدهم وعظم البلاء بهم وتوسعوا في معتقدهم الفاسد فأبطلوا رجم المحصن وقطعوا يد السارق من الإبط وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها وكفّروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرًا وإن لم يكن قادرًا فقد ارتكب كبيرة وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر وكفوا عن أموال أهل الذمة وعن التعرض لهم مطلقًا وفتكوا فيمن ينسب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنهب فمنهم من يفعل ذلك مطلقًا بغير دعوة منهم ومنهم من يدعو أولًا ثم يفتك ولم يزل البلاء يزيد إلى أن أمر المهلب بن أبي صفرة على قتالهم فطاولهم حتى ظفر بهم وتقلل جمعهم ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية ودخلت طائفة منهم المغرب وقال أبو منصور البغدادي في المقالات: عدة فرق الخوارج عشرون فرقة وقال ابن حزم: أقربهم إلى قول الحق الإباضيَّة وقد بقيت منهم بقية بالمغرب اهـ من فتح الملهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال: (٢٣٣٧) (٠) (٠) (حدثنا أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن السرح الأموي المصري (أخبرنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي الأموي (عن ابن شهاب) الزهري المدني (أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري (الخدري) المدني ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي
следующие страницы →