Полный текст (11 982 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.
стр. 4866
سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُهَا؟ قَال: لَا أَدْرِي مَنِ الْحَرُورِيَّةُ. وَلكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَخْرُجُ فِي هذِهِ الأُمَّةِ (وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهَا) قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاتَكُمْ مَعَ صَلاتِهِمْ
ــ
سمعت رسول الله ﷺ يذكرها) أي يذكر شأن الحرورية وحكمها هل هم من المسلمين أم لا (قال) لهما أبو سعيد: (لا أدري) ولا أعلم (من) هم (الحرورية) ولا سمعتها من رسول الله ﷺ يذكرها وهذا يغاير قوله في الرواية التي تليها (وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه) فإن مقتضى الأول أنه لا يدري هل ورد الحديث الذي ساقه في الحرورية أولًا ومقتضى الثاني أنه ورد فيهم ويمكن الجمع بأن مراده بالنفي هنا أنه لم يحفظ فيهم نصًّا بلفظ الحرورية وإنما سمع قصتهم التي دل وجود علامتهم بالحرورية بأنهم هم (ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج في هذه الأمة) المحمدية يعني أمة الإجابة قال أبو سعيد: (ولم يقل) رسول الله ﷺ (منها) أي من أمة الإجابة لأن لفظة من تقتضي كونهم من الأمة بخلاف (في).
قال النواوي: لكن لا شك أنهم من أمة الإجابة وأنهم لا يكفرون وجاءت رواية (من) أيضًا كما ستأتي.
قال الحافظ: ولم تختلف الطرق الصحيحة على أبي سعيد في ذلك وأما ما أخرجه الطبري من وجه آخر عن أبي سعيد بلفظ (من أمتي) فسنده ضعيف لكن وقع عند مسلم من حديث أبي ذر بلفظ: (سيكون بعدي من أمتي قوم) وله من طريق زيد بن وهيب عن علي (يخرج قوم من أمتي) ويجمع بينه وبين حديث أبي سعيد بأن المراد بالأمة في حديث أبي سعيد أمة الإجابة وفي رواية غيره أمة الدعوة اهـ.
قال النواوي: وفيه دلالة على فقه الصحابة وتحريرهم الألفاظ وفيه إشارة من أبي سعيد إلى تكفير الخوارج وأنهم من غير هذه الأمة.
قال المازري: هذا من أدل الدلائل على سعة علم الصحابة ﵃ ودقيق نظرهم وتحريرهم الألفاظ وفرقهم بين مدلولاتها الخفية لأن لفظة من تقتضي كونهم من الأمة لا كفارًا بخلاف في اهـ.
أي يخرج في هذه الأمة (قوم تحقرون) بفتح أوله أي تستقلون (صلاتكم مع صلاتهم) قال الحافظ: ووصف عاصم أصحاب نجدة الحروري بأنهم يصومون النهار
стр. 4867
فَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ. لَا يُجَاوزُ حُلُوقَهُمْ (أَوْ حَنَاجِرَهُمْ) يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ. فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ. إِلَى نَصْلِهِ. إِلَى رِصَافِهِ. فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ. هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيءٌ"
ــ
ويقومون الليل ويأخذون الصدقات على السنة أخرجه الطبري (فيقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم) جمع حلق (أو) قال النبي ﷺ أو أبو سعيد لا يجاوز (حناجرهم) جمع حنجرة وهو رأس الحلقوم والشك من الراوي أو ممن دونه (يمرقون) أي يخرجون (من الدين مروق السهم) أي مروقًا كمروق السهم (من الرمية) أي من الصيد المرمي شبه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد فيدخل فيه ويخرج منه ومن شدة خروجه لقوة الرامي لا يعلق به من جسد الصيد شيء فهؤلاء لا ينتفعون بالدين بل يخرجون منه بسرعة ويجرحونه (فينظر الرامي إلى سهمه) العريض هل به شيء من دم الصيد ولحمه فلا يرى فيه شيئًا لسرعة خروجه ثم ينظر (إلى نصله) أي إلى حديدة السهم التي تركب عليه هل علق به شيء من الدم فلا يرى فيه شيئًا منه وهو بدل من قوله إلى سهمه وكذا ما بعده أي ينظر إلى سهمه جملة ثم تفصيلًا والنصل حديدة السهم التي تركب على طرف السهم وهي مسمومة فبها يحصل قتل الصيد وغيره لكونها مسمومة وهي مثل الإبرة الكبيرة ثم ينظر (إلى رصافه) أي إلى رصاف السهم هل علق به شيء من الدم أم لا فلا يرى فيه شيئًا والرصاف بكسر الراء ثم فاءٍ، أي إلى عصبه أي إلى عصب السهم الذي يكون ويلف فوق مدخل النصل من السهم والعصب حبال تسوى من عصب المواشي وهو عروق توصل العظام بعضها إلى بعض واحده رصفة بفتحات (فيتمارى) أي يشك الرائي (في الفوقة هل علق بها من الدم شيء) فينظرها فلا يرى فيها شيئًا من الدم أي لا يرى في نصله ورصافه شيئًا من أثر الدم ثم ينظر إلى الفوقة فيتشكك هل بقي فيها شيء من الدم والتماري هنا تفاعل من المرية بمعنى الشك لا من المراء بمعنى الجدال ومعناه هنا فيشك الرامي في الفوقة والفوقة وكذا الفوق بضم الفاء فيهما هو الحز من السهم الذي يجعل فيه الوتر أي موضع الوتر من السهم وهو أسفله لأن أعلاه يركب فيه النصل وأسفله يجعل على الوتر عند الرمي.
قال ابن الأنباري: الفوق يذكر ويؤنث قال الأبي: والتماري في الفوقة فيه معجزة لأنه إشارة إلى ما وقع فيهم من الخلاف بين الأمة في تكفيرهم وعدمه.
стр. 4868
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(تتمة)
في بيان سبب تسمية الخوارج بالخوارج وبالحرورية وبيان حالهم وكيف كان بدء أمرهم وخروجهم عن الجماعة وقطع دابرهم.
واعلم أن الخوارج جمع خارجة بمعنى طائفة خرجت عن الجماعة وهم قوم مبتدعون سموا بذلك لخروجهم عن الدين وخروجهم على خيار المسلمين وأصل ذلك أن بعض أهل العراق أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان فطعنوا على عثمان بذلك وكان يقال لهم القراء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المعنى المراد منه ويستبدون برأيهم ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك فلما قتل عثمان قاتلوا مع علي ﵁ واعتقدوا كفر عثمان ومن تابعه واعتقدوا إمامة علي وكفر من قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسهم طلحة والزبير فإنهما خرجا إلى مكة بعد أن بايعا عليًّا فلقيا عائشة وكانت حجت تلك السنة فاتفقوا على طلب قتلة عثمان وخرجوا إلى البصرة يدعون الناس إلى ذلك فبلغ عليًّا فخرج إليهم فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة وانتصر علي وقتل طلحة في المعركة وقتل الزبير بعد أن انصرف من الوقعة فهذه الطائفة هي التي كانت تطلب بدم عثمان بالاتفاق ثم قام معاوية بالشام في مثل ذلك وكان أمير الشام إذ ذاك وكان علي أرسل إليه لأن يبايع له أهل الشام فاعتل بأن عثمان قتل مظلومًا وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك ويلتمس من علي أن يمكنه منهم ثم يبايع له بعد ذلك وعلي يقول: ادخل فيما دخل فيه الناس وحاكمهم إلي أحكم فيهم بالحق فلما طال الأمر خرج علي في أهل العراق طالبًا قتال أهل الشام فخرج معاوية في أهل الشام قاصدًا إلى قتاله فالتقيا بصفين فدامت الحرب بينهما شهرًا وكاد أهل الشام أن ينكسروا فرفعوا المصاحف على الرماح ونادوا ندعوكم إلى كتاب الله تعالى وكان ذلك بإشارة عمرو بن العاص وهو مع معاوية فترك جمع كثير ممن كان مع علي وخصوصًا القراء القتال بسبب ذلك تدينًا واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ﴾ الآية فراسلوا أهل الشام في ذلك فقالوا: ابعثوا حكمًا منكم وحكمًا منا ويحضر معهما من لم يباشر القتال فمن رأوا الحق معه أطاعوه فأجاب علي ومن معه إلى ذلك وأنكرت ذلك
стр. 4869
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تلك الطائفة التي صاروا خوارج وكتب علي بينه وبين معاوية كتاب الحكومة بين أهل العراق والشام: هذا ما قضى عليه أمير المؤمنين علي معاوية فامتنع أهل الشام من ذلك وقالوا: اكتبوا اسمه واسم أبيه فأجاب علي إلى ذلك فأنكره عليه الخوارج أيضًا ثم انفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان ومن معهما بعد مدة عينوها في مكان وسط بين الشام والعراق ويرجع العسكران إلى بلادهم إلى أن يقع الحكم فرجع معاوية إلى الشام ورجع علي إلى الكوفة ففارقه الخوارج وهم ثمانية آلاف وقيل: كانوا أكثر من عشرة آلاف وقيل ستة آلاف ونزلوا مكانًا يقال له حروراء بفتح المهملة وراءين أولاهما مضمومة وبالمد في آخره ومن ثم قيل لهم: الحرورية وكان كبيرهم عبد الله بن الكواء بفتح الكاف وتشديد الواو مع المد اليشكري وشبث بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة التميمي فأرسل إليهم علي ابن عباس فناظرهم فرجع كثير منهم معه ثم خرج إليهم علي فأطاعوه ودخلوا معه الكوفة معه رئيساهم المذكوران ثم أشاعوا أن عليًّا تاب من الحكومة ولذلك رجعوا معه فبلغ ذلك عليًّا فخطب وأنكر ذلك فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله فقال علي: كلمة حق يراد بها باطل فقال لهم: لكم علينا ثلاثة أن لا نمعنكم من المساجد وأن لا نمنعكم من رزقكم من الفيء ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادًا وخرجوا شيئًا بعد شيء إلى أن اجتمعوا بالمدائن فراسلهم علي في الرجوع فأصروا على الامتناع حتى يشهد علي على نفسه بالكفر لرضاه بالتحكيم ويتوب ثم راسلهم أيضًا فأرادوا قتل رسوله ثم اجتمعوا على أن من لا يعتقد معتقدهم يكفر ويباح دمه وماله وأهله وانتقلوا إلى الفعل فاستعرضوا الناس فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين ومر بهم عبد الله بن خباب بن الأرت وكان واليًا لعلي على بعض تلك البلاد ومعه سُرية وهي حامل فقتلوه وبقروا بطن سريته عن ولد فبلغ ذلك عليًّا فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام فأوقع بهم بالنهروان ولم ينج منهم إلا دون العشرة ولا قتل ممن معه إلا نحو العشرة فهذا ملخص أول أمرهم.
ثم انضم إلى من بقي منهم من مال إلى رأيهم فكانوا مختفين في خلافة علي ﵁ حتى كان منهم عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل عليًّا بعد أن دخل علي في صلاة الصبح ثم لما وقع صلح الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفة فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال: له النجيلة ثم كانوا منقمعين في إمارة زياد وابنه عبيد الله على العراق طول
стр. 4870
(٢٣٣٧) (٠) (٠) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
ــ
مدة معاوية وولده يزيد وظفر زياد وابنه منهم بجماعة فأبادهم بين قتل وحبس طويل فلما مات يزيد ووقع الافتراق وولي الخلافة عبد الله بن الزبير وأطاعه أهل الأمصار إلا بعض أهل الشام ثار مروان فادعى الخلافة وغلب على جميع أهل الشام إلى مصر فظهر الخوارج حينئذ بالعراق مع نافع بن الأزرق وباليمامة مع نجدة بن عامر وزاد نجدة على معتقد الخوارج أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر ولو اعتمد معتقدهم وعظم البلاء بهم وتوسعوا في معتقدهم الفاسد فأبطلوا رجم المحصن وقطعوا يد السارق من الإبط وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها وكفّروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرًا وإن لم يكن قادرًا فقد ارتكب كبيرة وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر وكفوا عن أموال أهل الذمة وعن التعرض لهم مطلقًا وفتكوا فيمن ينسب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنهب فمنهم من يفعل ذلك مطلقًا بغير دعوة منهم ومنهم من يدعو أولًا ثم يفتك ولم يزل البلاء يزيد إلى أن أمر المهلب بن أبي صفرة على قتالهم فطاولهم حتى ظفر بهم وتقلل جمعهم ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية ودخلت طائفة منهم المغرب وقال أبو منصور البغدادي في المقالات: عدة فرق الخوارج عشرون فرقة وقال ابن حزم: أقربهم إلى قول الحق الإباضيَّة وقد بقيت منهم بقية بالمغرب اهـ من فتح الملهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
(٢٣٣٧) (٠) (٠) (حدثنا أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن السرح الأموي المصري (أخبرنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي الأموي (عن ابن شهاب) الزهري المدني (أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري (الخدري) المدني ﵁.
وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي
стр. 4871
ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْفِهْرِيُّ. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمْنِ وَالضَّحَّاكُ الْهَمْدَانِيُّ؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَال: بَينَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا. أَتَاهُ ذُو الْخُوَيصِرَةِ. وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ
ــ
مصري وفيه التحديث والإخبار والعنعنة ورواية تابعي عن تابعي غرضه بسوقه بيان متابعة ابن شهاب لمحمد بن إبراهيم في رواية هذا الحديث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن.
(ح وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (وأحمد بن عبد الرحمن) بن وهب بن مسلم القرشي (الفهري) أبو عبيد الله المصري صدوق من (١١) روى عنه في (٣) أبواب تقريبًا (قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن والضحاك) بن شراحيل ويقال: ابن شرحبيل (الهمداني) المشرقي بكسر أوله وفتح ثالثه نسبة إلى مشرق بطن من همدان أو موضع باليمن أبو سعيد الكوفي مقرون مع أبي سلمة روى عن أبي سعيد الخدري في الزكاة وغيره ويروي عنه (خ م) والزهري والأعمش ذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب: صدوق من الرابعة (أن أبا سعيد الخدري قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو) أي والحال أنه ﷺ (يقسم) غنائم هوازن (قسمًا) بين المسلمين (أتاه) ﷺ جواب بينما (ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم) وفي حديث عبد الله بن عمرو عند البزار والطبري (رجل من أهل البادية حديث عهد بأمر الله) كذا أورده البخاري في علامات النبوة من طريق شعيب عن الزهري (أتاه ذو الخويصرة) وأورد في قتل الخوارج والملحدين من طريق معمر (جاء عبد الله بن ذي الخويصرة) بزيادة الابن.
قال الشيخ بدر الدين العيني: ذو الخويصرة بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون الياء وكسر الصاد المهملة وبالراء مصغرًا الخاصرة وفي تفسير الثعلبي (بينا رسول الله ﷺ يقسم غنائم هوازن جاءه ذو الخويصرة التميمي أصل الخوارج فقال: اعدل) قال: هذا غير ذي الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد.
وقال ابن الأثير في كتاب الأذواء: ذو الخويصرة رجل صحابي من بني تميم وهو الذي قال للنبي ﷺ في قَسْم قسمه: اعدل اهـ.
ولما ذكره السهيلي عقَّبه يقوله ويذكر عن الواقدي أته حرقوص بن زهير الكعبي من
стр. 4872
فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ! اعْدِلْ. قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَيلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ". فَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ! ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعْهُ. فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ. وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ. يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ. لَا يُجَاوزُ تَرَاقِيَهُمْ
ــ
سعد تميم وكان لحرقوص هذا مشاهد كثيرة مشهورة محمودة في حرب العراق مع الفرس أيام عمر ﵁ ثم صار خارجيًا قال: وليس ذو الخويصرة هذا هو ذا الثدية الذي قتله علي ﵁ بالنهروان قال: اسمه نافع ذكره أبو داود وقيل: المعروف أن ذا الثدية اسمه حرقوص وهو الذي حمل على علي ﵁ ليقتله فقتله علي ﵁ اهـ فتح الملهم.
(فقال: يا رسول الله اعدل) في قسمك (قال رسول الله ﷺ : ويلك ومن يعدل إن لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أعدل فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه قال رسول الله ﷺ : دعه) أي اترك هذا الرجل ولا تقتله (فإن له أصحابًا يحقر أحدكم) ويستقل (صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن) والمعنى لم يجئ وقت الحكم بقتلهم وسيجيء إذا ظهر له أصحاب على الهيئة التي ذكرت ووقع في رواية (أفلح سيخرج أناس يقولون مثل قوله) قال الحافظ: قوله ﷺ (دعه فإن له أصحابًا) ظاهره أن ترك الأمر بقتله بسبب أن له أصحابًا بالصفة المذكورة وهذا لا يقتضي ترك قتله مع ما أظهره من مواجهة النبي ﷺ بما واجهه فيحتمل أن يكون لمصلحة التألف كما فهمه البخاري لأنه وصفهم بالمبالغة في العبادة مع إظهار الإسلام فلو أذن في قتلهم لكان ذاك تنفيرًا عن دخول غيرهم في الإسلام اهـ.
(لا يجاوز) القرآن ولا يتعدى (تراقيهم) بمثناة وقاف جمع ترقوة بفتح أوله وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو وهي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق والمعنى أن قراءتهم لا يعرفها الله ولا يقبلها وقيل: لا يعلمون بالقرآن فلا يثابون على قراءته فلا يحصل لهم إلا سرده.
وقال النواوي: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم لا يصل إلى
стр. 4873
يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ. يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ. ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ. ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ (وَهُوَ الْقِدْحُ). ثُمَّ يُنْظَرُ إِلى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ
ــ
حلقومهم فضلًا أن يصل إلى قلوبهم لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب اهـ.
(قلت) وهو مثل قوله فيهم أيضًا (لا يجاوز إيمانهم حناجرهم) أي ينطقون بالشهادتين ولا يعرفونها بقلوبهم.
(يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية) قال الحافظ: أي يخرجون من الإسلام بغتة كخروج السهم إذا رماه رام قوي الساعد فأصاب ما رماه فنفد منه بسرعة بحيث لا يعلق بالسهم ولا بشيء منه من المرمي شيء فإذا التمس الرامي سهمه وجده ولم يجد الذي رماه فينظر في السهم ليعرف هل أصاب أو أخطأ فإذا لم يره علق فيه شيء من الدم ولا غيره ظن أن لم يصبه والفرض أنه أصاب وإلى ذلك أشار بقوله: (سبق الفرث والدم) أي جاوزهما ولم يتعلق فيه شيء منهما بل خرجا بعده وفي حديث أنس عن أبي سعيد عند أحمد وأبي داود والطبري (لا يرجعون إلى الإسلام حتى يرتد السهم إلى فوقه) (ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف على وزن غني وهو عود السهم بلا ملاحظة أن يكون له نصل وريش وفي التوضيح: وحكي فيه كسر النون (فلا يوجد فيه شيء) وفسره بقوله: (وهو) أي النضي (القدح) أي عود السهم قال ابن الأثير: القدح بكسر القاف وسكون الدال السهم الذي كانوا يستقسمون به أو الذي يرمى به عن القوس يقال للسهم أول ما يقطع قطع على وزن قدح ثم ينحت ويبرى فيسمى بريًا على زنة فعيل ثم يقوم فيسمى قدحًا ثم يراش ويركب نصله فيسمى سهمًا اهـ.
(ثم ينظر إلى قذذه) بضم القاف وبمعجمتين أولاهما مفتوحة جمع قذة بضم القاف وتشديد الذال وهو ريش السهم يقال لكل واحدة (قذة) ويقال: هو أشبه به من القذة بالقذة لأنها تجعل على مثال واحد (فلا يوجد فيه شيء) قال المازري: النصل حديدة السهم والقدح عوده والقذذ ريشه والبصيرة طريقة الدم والنضي بالنون وكسر الضاد قد فسره بالقدح والمعنى أن الرامي ينظر إلى هذه الأشياء من سهمه هل علق بها شيء من الدم فيستدل بها على إصابة الرمية اهـ.
стр. 4874
سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ. آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ. إِحْدَى عَضُدَيهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ. أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ. يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ"
ــ
(سبق) السهم (الفرث والدم) أي قد جاوزهما ولم يعلق فيه شيء منهما والفرث اسم ما في الكرش وهو السرجين ما دام في الكرش وحاصل المعنى أنه مر سريعًا في الرمية وخرج لم يعلق به من الفرث والدم شيء فشبه خروجهم من الدين ولم يتعلقوا منه بشيء بخروج ذلك السهم (آيتهم) أي علامتهم التي تعرفونهم بها (رجل أسود) أي وجود رجل أسود فيهم وهو ذو الثدية اسمه نافع وفي الصحاح اسمه ثرملة ويقال: حرقوص وقيل: بلبول اهـ تنبيه المعلم على مبهمات مسلم.
(إحدى عضديه) أي عضدي ذلك الرجل الأسود (مثل ثدي المرأة) في كونه لحمًا بلا عظم (أو) قال النبي ﷺ : (مثل البضعة) والشك من الراوي والبضعة بفتح الباء الموحدة وسكون المعجمة القطعة من اللحم حالة كون تلك العضد (تدردر) بفتح التاء وبدالين مفتوحتين بينهما راء ساكنة أصله تتدردر من باب تفعلل من مزيد الرباعي فحذفت إحدى التاءين يعني تضطرب تجيء وتذهب والدردرة صوت إذا اندفع سمع له اختلاط قال الأبي: يأتي أن عليًّا ﵁ لما وجده ووجد إحدى عضديه كالبضعة كانت تلك البضعة تمد فتمتد إلى أن تحاذى كفه الآخر ثم تترك فترجع إلى منكبه اهـ.
(يخرجون) أي يظهرون (على حين فرقة من الناس) أي في وقت افتراق واختلاف واقع بين المسلمين قال النواوي: ضبطوه في الصحيح بوجهين: أحدهما: حين فرقة بحاء مهملة مكسورة ونون وفرقة بضم الفاء أي في وقت افتراق الناس أي في وقت افتراق واختلاف يقع بين المسلمين وهو الافتراق الذي كان بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما والثاني خير فرقة بخاء معجمة مفتوحة وراء وفرقة بكسر الفاء أي يفتاتون على أفضل الفرقتين اختلفا وهم فرقة علي ﵁ والأول أكثر وأشهر ويؤيده الرواية التي بعد هذه يخرجون في فرقة من الناس فإنه بضم الفاء بلا خلاف ومعناه ظاهر.
وقال القاضي: على رواية الخاء المعجمة: المراد خير القرون وهم الصدر الأول قال أو يكون المراد عليًّا ﵁ وأصحابه فعليه كان خروجهم حقيقة لأنه كان الإمام حينئذ وفيه حجة لأهل السنة إن عليًّا ﵁ كان مصيبًا في قتاله والآخرون
стр. 4875
قَال أَبُو سَعِيدٍ: وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ. فَأَمَرَ بِذلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ. فَوُجِدَ. فَأُتِيَ بِهِ. حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيهِ، عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي نَعَتَ
ــ
بغاة لا سيما مع قوله ﷺ (يقتلهم أولى الطائفتين بالحق) وعلي وأصحابه الذين قتلوهم وفي هذا الحديث معجزات ظاهرة لرسول الله ﷺ فإنه أخبر بهذا وجرى كله كفلق الصبح ويتضمن بقاء الأمة بعده ﷺ وأن لهم شوكة وقوة خلاف ما كان المبطلون يشيعونه وأنهم يفترقون فرقتين وأنه يخرج عليه طائفة مارقة وأنهم يشددون في الدين في غير موضع التشديد ويبالغون في الصلاة والقراءة ولا يقومون بحقوق الإسلام بل يمرقون منه وأنهم يقاتلون أهل الحق وأن أهل الحق يقتلونهم وأن فيهم رجلًا صفة يده كذا وكذا فهذه أنواع من المعجزات جرت كلها ولله الحمد اهـ.
(قال أبو سعيد) الخدري بالسند السابق: (وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم) أي قاتل أولئك الأقوام الخوارج (وأنا) أي والحال أني (معه) أي مع علي في ذلك القتال (فأمر) علي ﵁ (بذلك الرجل) أي بالتماس ذلك الرجل وطلبه في القتلى (فالتمس) ذلك الرجل وطلب في قتلاهم (فوجد) ذلك الأسود (فأُتي به) إلى علي ﵁ ونظر علي والناس إليه (حتى) أنا (نظرت إليه) أي إلى ذلك الرجل الأسود حالة كونه مشتملًا (على نعت رسول الله ﷺ ووصفه (الذي نعت) ووصف به ذلك الرجل.
قوله: (وأن عليًّا قاتلهم) في رواية أفلح بن عبد الله (وحضرت مع علي يوم قتلهم بالنهروان) ونسبة قتلهم إلى علي ﵁ لكونه كان القائد في ذلك.
قوله: (فأمر بذلك الرجل) إلخ أي بالرجل الذي قال ﷺ فيه (رجل أسود إحدى عضديه إلخ) وقد علم عند البلغاء أن النكرة إذا أعيدت معرفة تكون عين الأولى وهو ذو الثدية بفتح الثاء المثلثة مكبرًا وبضمها مصغرًا كذا قال العيني ﵀.
قوله: (فالتمس) على صيغة المجهول أي طلب (فأُتي به) إلخ بذلك الرجل الذي يقال له: ذو الثدية وقال الحافظ ﵀ في علامات النبوة: فأُتي به أي بذي الخويصرة وذكر في باب قتل الخوارج ما يشعر بخلاف ذلك والله أعلم بالصواب.
قوله: (على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت) أي على وصفه الذي
стр. 4876
(٢٣٣٨) (٠) (٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيمَانَ. عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّتِهِ. يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ. سِيمَاهُمُ التَّحَالُقُ
ــ
وصفه به والفرق بين الصفة والنعت هو أن النعت يكون بالجِبِلَّة نحو الطويل والقصير والصفة بالأفعال نحو خارج وضارب وقيل: النعت ما كان لشيء خاص كالعرج والعور والعمى لأن ذلك يخص موضعًا من الجسد والصفة ما لا يكون لشيء مخصوص كالعظيم والكريم فلذلك قال أبو سعيد هنا: على نعت رسول الله ﷺ فافهم فإن فيه دقة كذا في عمدة القاري اهـ فتح الملهم.
ثم ذكر المؤلف ﵀ المتابعة سادسًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
(٢٣٣٨) (٠) (٠) (وحدثني محمد بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) السلمي البصري (عن سليمان) بن طرخان التيمي أبي المعتمر البصري ثقة من (٤) (عن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي البصري ثقة من (٣) (عن أبي سعيد) الخدري.
وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون إلا أبا سعيد غرضه بسوقه بيان متابعة أبي نضرة لمن روى عن أبي سعيد الخدري.
(أن النبي ﷺ ذكر قومًا) من الخوارج سـ (ـيكونون) أي يوجدون (في أمته) دل على أنهم ليسوا من الأمة (يخرجون) على المسلمين (في فرقة من الناس) بضم الفاء أي في وقت افتراق يقع بين المسلمين قد مر ما فيه من الضبطين آنفًا عن النواوي (سيماهم التحالق) السيما: العلامة وفيها ثلاث لغات: القصر وهو الأفصح وبه جاء القرآن والمد والثالثة السيمياء بزيادة ياء مع المد لا غير والمراد بالتحالق حلق الرأس وفي الرواية الأخرى (التحلق) واستدل به بعض الناس على كراهة حلق الرأس ولا دلالة فيه وإنما هو علامة لهم في ذلك الوقت والعلامة قد تكون بحرام وقد تكون بمباح كما قال ﷺ (آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة) ومعلوم أن هذا ليس بحرام وقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ رأى صبيًّا قد حلق بعض رأسه فقال (احلق كله أو
стр. 4877
قَال: "هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ (أَوْ مِنْ أَشَرِّ الخَلْقِ). يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَينِ إِلَى الْحَقِّ". قَال: فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُمْ مَثَلًا. أَوْ قَال
ــ
اتركه) وهذا صريح في إباحة حلق الرأس لا يحتمل تأويلًا قال أصحابنا: حلق الرأس جائز بكل حال لكن إن شق عليه تعهده بالدهن والتسريح استحب حلقه وإن لم يشق استحب تركه وقد ورد في كتاب التوحيد من صحيح البخاري سيماهم التحليق أو قال: التسبيد وهو بالمهملة والموحدة بمعنى التحليق وقيل: أبلغ منه وهو بمعنى الاستئصال قال الكرماني: فيه إشكال وهو أنه يلزم من وجود العلامة وجود ذي العلامة فيستلزم أن كل من كان محلوق الرأس فهو من الخوارج والأمر بخلاف ذلك اتفاقًا ثم أجاب بأن السلف كانوا لا يحلقون رؤوسهم إلا للنسك أو في الحاجة والخوارج اتخذوه ديدنًا فصار شعارًا لهم وعرفوا به يعني بالمبالغة في التحليق اهـ فتح الملهم.
(قال) النبي ﷺ : (هم) أي أولئك القوم (شر الخلق أو) قال النبي ﷺ : (من أشر الخلق) والشك من الراوي أو ممن بعده هكذا هو في كل النسخ (أو من أشر) بالألف وهي لغة قليلة والمشهور: شر بغير ألف وفي هذا اللفظ دلالة لمن قال بتكفيرهم وتأوله الجمهور أي شر المسلمين كذا.
قال النواوي: وفي صحيح البخاري (وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين) وفي حديث عبد الله بن خباب يعني عن أبيه عند الطبراني (شر قتلى أظلتهم السماء وأقلتهم الأرض) وفي حديث أبي ذر الآتي في الباب (شر الخلق والخليقة) قال الحافظ: وهذا مما يؤيد قول من قال بكفرهم (يقتلهم) أي يقتل أولئك الخوارج (أدنى الطائفتين) أي أقرب الطائفتين (إلى الحق) كما هو الرواية في آخر الباب والرواية التالية (أولى الطائفتين بالحق) قال النواوي: هذه الروايات صريحة في أن عليًّا ﵁ كان هو المصيب للحق والطائفة الأخرى أصحاب معاوية ﵁ كانوا بغاة متأولين وفيه التصريح بأن الطائفتين مؤمنون لا يخرجون بالقتال عن الإيمان ولا يفسقون وهذا مذهبنا ومذهب موافقينا اهـ.
وقال الأبي: كان الشيخ يقول: الصحبة حصنت على معاوية يعني في وجوب التأويل عنه بأنه مجتهد (قال) أبو سعيد: (فضرب) أي جعل وبين (النبي ﷺ لهم) أي لهؤلاء القوم (مثلًا) أي شبهًا هو الرمية (أو) قال أبو سعيد (قال) النبي
стр. 4878
قَوْلًا: "الرَّجُلُ يَرْمِي الرَّمِيَّةَ (أَوْ قَال: الْغَرَضَ) فَيَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً. وَيَنْظُرُ فِي النَّضِيِّ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً. وَيَنْظُرُ فِي الْفُوقِ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً".
قَال: قَال أَبُو سَعِيدٍ: وَأَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ. يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ!
(٢٣٣٩) (٠) (٠) حدَّثنا شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ (وَهُوَ ابْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ) حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
ــ
ﷺ فيهم (قولًا) من المثل والشك من أبي نضرة وذلك المثل ما بينه بقوله: (الرجل يرمي الرمية) أي الصيد قال أبو سعيد (أو قال) النبي ﷺ : الرجل يرمي (الغرض) أي الهدف بدل الرمية والغرض بالغين المعجمة الهدف الذي يرمى إليه لتعلم الرمي وهو هنا بمعنى الرمية (فينظر) الرجل الرامي (في النصل) أي في نصل السهم أي حديدته (فلا يرى) فيه (بصيرة) أي حجة يحتج به على إصابته الرمية يعني شيئًا من الدم يستدل به على إصابته الرمية (وينظر في النضي) أي في عود السهم بلا نصل ولا ريش (فلا يرى) فيه (بصيرة) أي دمًا (وينظر في الفوق) أي في الحز الذي يجعل فيه الوتر (فلا يرى) فيه (بصيرة) أي علامة الإصابة التي هي الفرث والدم (قال) أبو نضرة: (قال أبو سعيد: وأنتم قتلتموهم) أي قتلتم أولئك القوم (يا أهل العراق) مع علي ﵁.
ثم ذكر المؤلف المتابعة سابعًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
(٢٣٣٩) (٠) (٠) (حدثنا شيبان بن فروخ) الحبطي مولاهم أبو محمد الأيلي صدوق من (٩) (حدثنا القاسم وهو ابن الفضل) بن معدان بن قريط الأزدي (الحداني) بضم المهملة الأولى وفتح الثانية المشددة نسبة إلى بني حدان ولم يكن من أنفسهم بل كان نازلًا فيهم وهو من بني الحارث بن مالك أبوالمغيرة البصري روى عن أبي نضرة في الزكاة وثمامة بن حزن القشيري في الأشربة ومحمد بن زياد في الفتن وقتادة وابن سيرين ويروي عنه (م عم) وشيبان بن فروخ ويونس المؤدب ووكيع وابن مهدي وثقه القطان وأحمد وابن سعد والنسائي وابن معين والترمذي وقال في التقريب: ثقة من السابعة رمى بالإرجاء مات سنة (١٦٧) سبع وستين ومائة (حدثنا أبو نضرة) المنذر بن مالك العبدي البصري ثقة من (٣) (عن أبي سعيد الخدري).
وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم بصريان وواحد مدني وواحد أبلي غرضه
стр. 4879
قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطائِفَتَينِ بِالْحَقِّ".
(٢٣٤٠) (٠) (٠) حدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. قَال قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ. فَيَخْرُجُ مِنْ بَينِهِمَا مَارِقَةٌ
ــ
بيان متابعة القاسم بن الفضل لسليمان بن طرخان في رواية هذا الحديث عن أبي نضرة.
(قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : تمرق) أي تخرج وتظهر (مارقة) أي طائفة مارقة أي خارجة عن الدين مروق السهم من الرمية (عند فرقة) أي عند وقوع افتراق واختلاف (من المسلمين يقتلها) أي يقتل تلك المارقة (أولى الطائفتين) أي أجدر الطائفتين (بالحق) أي باتباع الحق وهم علي وأصحابه ﵁.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثامنًا في حديث أبي سعيد فقال:
(٢٣٤٠) (٠) (٠) (حدثنا أبو الربيع) سليمان بن داود (الزهراني) البصري (وقتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي البلخي (قال قتيبة: حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي ثقة من (٧) (عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري (عن أبي نضرة) العبدي البصري (عن أبي سعيد الخدري) ﵁.
وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد مدني وواحد واسطي غرضه بيان متابعة أبي عوانة للقاسم بن الفضل في رواية هذا الحديث عن أبي نضرة.
(قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : سـ (ـيكون) أي سيوجد (في أمتي فرقتان) أي طائفتان مفترقتان في الرأي والاجتهاد إشارة إلى فرقة علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما (فيخرج من بينهما) أي من بين الفرقتين طائفة (مارقة) أي خارجة عن الدين (فإن قلت) قوله: فرقتان يقتضي أن تكون المارقة خارجة منهما معًا قلت: هذا كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ قال في الكشاف لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال يخرجان منهما كما يقال يخرجان من البحر ولا يخرجان من جميع البحر ولكن من بعضه وتقول خرجت من البلدة وإنما خرجت من محلة من محاله من دار
стр. 4880
يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلاهُمْ بِالْحَقِّ".
(٢٣٤١) (٠) (٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "تَمْرُقُ مَارِقَةٌ فِي فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ. فَيَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَينِ بِالْحَقِّ".
(٢٣٤٢) (٠) (٠) حدّثني عُبَيدُ اللهِ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيرِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ،
ــ
واحدة من دوره وجملة قوله: (يلي قتلهم) أي يتولى قتل تلك المارقة ويباشره (أولاهم) أي أولى أمتي (بالحق) أي بنصره أي يباشر قتلهم من هو أولى الأمة بالحق صفة لمارقة أي أولى أمتي وأقربهم بالصواب وهو إشارة إلى علي ﵁ فإنه هو الذي قتلهم حتى تفرقوا ببلاد حضرموت والبحرين ذكره ابن الملك.
ثم ذكر المؤلف المتابعة تاسعًا في حديث أبي سعيد ﵁ فقال:
(٢٣٤١) (٠) (٠) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا عبد الأعلى) ابن عبد الأعلى السامي البصري ثقة من (٨) (حدثنا داود) بن أبي هند دينار القشيري أبو بكر المصري أو البصري ثقة من (٥) (عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري) ﵁.
وهذا السند من خماسياته غرضه بيان متابعة داود بن أبي هند لأبي عوانة.
(أن رسول الله ﷺ قال: تمرق مارقة في فرقة من الناس) أي في وقت افتراق واختلاف واقع بين المسلمين يعني افتراق علي ومعاوية في الرأي والاجتهاد (فيلي) أي يتولى ويباشر (قتلهم) أي قتل تلك الطائفة المارقة (أولى الطائفتين بالحق) أي أقربهم إلى الصواب.
ثم ذكر المؤلف المتابعة عاشرًا في حديث أبي سعيد ﵁ فقال:
(٢٣٤٢) (٠) (٠) (حدثني عبيد الله) بن عمر (القواريري) أبو شعيب البصري (حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير) بن عمرو بن درهم الأسدي الزبيري مولاهم أبو أحمد الكوفي ثقة من (٩) (حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي ثقة من (٧) (عن حبيب بن أبي ثابت) قيس الأسدي مولاهم أبي يحيى الكوفي ثقة من (٣) (عن الضحاك) بن شراحيل الهمداني (المشرقي) قال النواوي: بكسر الميم وإسكان الشين المعجمة وفتح الراء وكسر القاف وهذا هو الصواب الذي ذكره أصحاب المؤتلف
стр. 4881
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . فِي حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ "قَوْمًا يَخْرُجُونَ عَلَى فُرْقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ. يَقْتُلُهُمْ أَقْرَبُ الطَّائِفَتَينِ إِلَى الْحَقِّ"
ــ
والمختلف وأصحاب الأسماء والتواريخ ونقل القاضي عياض عن بعضهم أنه ضبطه بفتح الميم وكسر الراء قال: وهو تصحيف كما قال واتفقوا على أنه منسوب إلى مشرق بكسر الميم وفتح الراء بطن من همدان وهو الضحاك الهمداني الكوفي المذكور في الرواية السابقة من رواية حرملة وأحمد بن عبد الرحمن صدوق من (٤).
(عن أبي سعيد الخدري) ﵁.
وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد بصري غرضه بيان متابعة الضحاك لأبي نضرة في الرواية عن أبي سعيد الخدري.
(عن النبي ﷺ في حديث ذكر فيه) النبي ﷺ (قومًا يخرجون على فرقة مختلفة) قال النواوي: هنا ضبطوه بكسر الفاء وضمها أي يظهرون في وقت افتراق فرق مختلفة في الرأي والاجتهاد أو يظهرون حين خروج فرقة مخالفة لأهل العدل يعني فرقة معاوية لأنهم خالفوا أهل العدل الذين هم علي وأصحابه وجملة قوله: (يقتلهم) صفة ثانية لقومًا (أقرب الطائفتين) من المسلمين (إلى الحق) والصواب وهم علي وأصحابه والله أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان:
الأول: حديث جابر بن عبد الله ذكره للاستدلال به على الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة.
والثاني: حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستشهاد به لحديث جابر مع بيان أصل الخوارج وصفاتهم وذكر فيه عشر متابعات والله أعلم.
***
стр. 4882
٤٣٥ - (٥٣) باب التحريض على قتل الخوارج وبيان أنهم شر الخلق والخليقة
(٢٣٤٣) (١٠٣١) - (١٨١) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الأَشَجُّ. جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ. قَال الأَشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ خَيثَمَةَ، عَنْ سُوَيدِ بْنِ غَفَلَةَ. قَال: قَال عَلِيٌّ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلأَنْ أَخِرَّ
ــ
٤٣٥ - (٥٣) باب التحريض على قتل الخوارج وبيان أنهم شر الخلق والخليقة
(٢٣٤٣) (١٠٣١) (١٨١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي (وعبد الله بن سعيد) بن حصين الكندي أبو سعيد (الأشج) الكوفي (جميعًا عن وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي (قال الأشج: حدثنا وكيع) بصيغة السماع (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي (عن خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سبرة بفتح أوله وسكون ثانيه الجعفي الكوفي لأبيه ولجده صحبة (عن سويد بن غفلة) بفتحات بن عوسجة بن عامر بن واح بن معاوية بن الحارث بن مالك بن أدد الجعفي بن أمية الكوفي ثقة مخضرم من كبار التابعين قدم المدينة يوم دفنوا النبي ﷺ وكان مسلمًا في حياته وكان يقول: أنا لدة رسول الله ﷺ ولدت عام الفيل قال أبو نعيم مات سنة (٨٠) وقيل: بعدها بسنة وله مائة وثلاثون سنة (١٣٠) روى عن علي بن أبي طالب في الزكاة وأبي بن كعب في الأحكام وعمر بن الخطاب في الحج واللباس ويروي عنه (ع) وخيثمة بن عبد الرحمن والشعبي وإبراهيم بن عبد الأعلى وسلمة بن كهيل وعبدة بن أبي لبابة وثقه ابن معين (قال) سويد: (قال علي) بن أبي طالب ﵁، قال الدارقطني: لم يصح لسويد بن غفلة عن علي حديث مرفوع إلا هذا اهـ فتح الملهم.
وهذا السند من سداسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا علي بن أبي طالب فإنه مدني وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة ورواية تابعي عن تابعي.
(إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ فلأن أخر) بكسر الخاء المعجمة
стр. 4883
مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ عَلَيهِ مَا لَمْ يَقُلْ. وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَينِي وَبَينَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ
ــ
أي فلأن أسقط (من السماء) إلى الأرض زاد أبو معاوية والثوري في روايتهما (إلى الأرض) أخرجه أحمد عنهما. ووقع في رواية يحيى بن عيسى: (أخر من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق) أي فلأن أسقط من السماء على الأرض فأهلك وهو في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء مقرون بلام الابتداء خبره قوله: (أحب إليَّ) والجملة الإسمية جواب إذا تقديره: فلخروري من السماء إلى الأرض أحب إلي (من أن أقول عليه) ﷺ (ما لم يقل) هو ﷺ أي من أن أكذب على النبي ﷺ قال الحافظ رحمه الله تعالى: بين لهم أنه إذا حدث عن النبي ﷺ لا يكني ولا يعرض ولا يوري وإذا لم يحدث عنه فعل ذلك ليخدع بذلك من يحاربه ولذلك استدل بقوله: (الحرب خدعة) (وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم) خطاب للخوارج وجواب إذا محذوف أي فلا حرج أقيم مقامه دليل هو قوله: (فإن الحرب خدعة) قال النواوي: بفتح الخاء وسكون الدال على الأفصح حتى قال ثعلب: بلغنا أنها لغة النبي ﷺ ويقال: بضم الخاء وسكون الدال ويقال: بضم الخاء وفتح الدال بوزن هُمَزَة لُمَزَة ثلاث لغات مشهورات وحكى ابن المنذر لغة رابعة بالفتح فيهما وحكى مكي ومحمد بن عبد الواحد لغة خامسة كسر أوله مع الإسكان اهـ فتح الملهم.
قال القاضي: فيه جواز التورية والتعريض في الحرب اهـ.
قال الحافظ: (الحرب خدعة) حديث مرفوع وفي الحديث إشارة إلى استعمال الرأي في الحرب بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث وهو كقوله: (الحج عرفة) قال ابن المنير: معنى (الحرب خدعة) أي إن الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر.
(تكميل): ذكر الواقدي أن أول ما قال النبي ﷺ (الحرب خدعة) في غزوة الخندق اهـ.
(سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيخرج في آخر الزمان قوم) قال
стр. 4884
أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ
ــ
الحافظ: وهذا يخالف حديث أبي سعيد المذكور في الباب السابق فإن مقتضاه أنهم خرجوا في خلافة علي ﵁ وكذا أكثر الأحاديث الواردة في أمرهم وأجاب ابن التين بأن المراد زمان الصحابة وفيه نظر لأن آخر زمان الصحابة كان على رأس المائة وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة ويمكن الجمع بأن المراد بآخر الزمان زمان خلافة النبوة فإن في حديث سفينة المخرج في السنن وصحيح ابن حبان وغيره مرفوعًا (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا) وكانت قصة الخوارج وقتلهم بالنهروان (قال في القاموس بفتح النون وتثليث الراء ثلاث قرى أعلى وأوسط وأسفل هن بين واسط وبغداد وكانت بها وقعة لأمير المؤمنين علي ﵁ مع الخوارج اهـ) في أواخر خلافة علي ﵁ سنة ثمان وعشرين (٢٨) بعد النبي ﷺ بدون الثلاثين بنحو سنتين اهـ.
(أحداث الأسنان) جمع سن أي صغار الأسنان (سفهاء الأحلام) جمع حلم وهو العقل أي ضعاف العقول قوله: (أحداث الأسنان) الأحداث جمع حدث بفتحتين والحدث هو صغير السن هكذا في أكثر الروايات وفي باب علامات النبوة في الإسلام من صحيح البخاري: (حدثاء الأسنان) بضم الحاء وفتح الدال جمع حديث نظير كرماء وكريم وكبراء وكبير والحديث الجديد من كل شيء ويطلق على الصغير بهذا الاعتبار وفي باب قتل الخوارج منه (حدَّاث الأسنان) بضم الحاء وتشديد الدال جمع حادث كعاذل وعذَّال معناه شباب الأسنان قال في النهاية: حداثة السن كناية عن الشباب اهـ.
والأسنان جمع سن والمراد به العمر والمعنى أنهم شباب (سفهاء الأحلام) جمع حلم بكسر أوله والمراد به العقل والسفهاء جمع سفيه من السفه والسفه في الأصل الخفة والطيش يقال: سفه فلان رأيه إذا كان مضطربًا لا استقامة فيه والمعنى أن عقولهم رديئة.
(يقولون من خير قول البرية) هو من المقلوب والمراد: من قول خير البرية يعني يحدثون من خير ما يتكلم به الخلق وهو القرآن وفي المصابيح (يقولون من قول خير البرية وهو الحديث) كذا في المبارق يعني يقولون ذلك في ظاهر الأمر كقولهم: لا حكم إلا لله انتزعوه من القرآن لكنهم حملوه على غير محمله وهو أول كلمة خرجوا بها فقال علي ﵁: كلمة حق أريد بها باطل كما ذكره المبرد في الكامل.
стр. 4885
يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوزُ حَنَاجِرَهُمْ. يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ. فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ. فَإِن فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا، لِمَنْ قَتَلَهُمْ، عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
(٢٣٤٤) (٠) (٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ
ــ
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون على ظاهره والمراد القول الحسن في الظاهر وباطنه على خلاف ذلك كقولهم: لا حكم إلا لله في جواب علي ﵁ كما سيأتي وقد وقع في رواية طارق بن زياد عند الطبري قال: خرجنا مع علي ﵁ فذكر الحديث وفيه (يخرج قوم يتكلمون كلمة الحق لا تجاوز حلوقهم) وفي حديث أنس عن أبي سعيد عند أبي داود والطبراني (يحسنون القول ويسيئون الفعل) ونحوه في حديث عبد الله بن عمر وعند أحمد وفي حديث مسلم عن علي (يقولون الحق لا يجاوز هذا وأشار إلى حلقه) اهـ فتح الملهم (يقروون القرآن لا يجاوز حناجرهم) تقدم شرحه والحناجر بالحاء المهملة والنون ثم الجيم جمع حنجرة بوزن قسورة وهي الحلقوم والبلعوم وكلها يطلق على مجرى النفس وهو طرف المريء مما يلي الفم (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا) عظيمًا لسعيهم في الأرض بالفساد (لمن قتلهم عند الله) تعالى (يوم القيامة) قال النواوي: هذا تصريح بوجوب قتال الخوارج والبغاة وهو إجماع العلماء قال القاضي: أجمع العلماء على أن الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام وخالفوا رأي الجماعة وشقوا العصا وجب قتالهم بعد إنذارهم والاعتذار إليهم قال الله تعالى ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] لكن لا يجهز على جريحهم ولا يتبع منهزمهم ولا يقتل أسيرهم ولا تباح أموالهم وما لم يخرجوا عن الطاعة وينتصبوا للحرب لا يقاتلون بل يوعظون ويستتابون من بدعتهم وباطلهم وهذا كله ما لم يكفروا ببدعتهم فإن كانت بدعتهم مما يكفرون به جرت عليهم أحكام المرتدين.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (١/ ١٣١) والبخاري (٦٩٣٠) وأبو داود (٤٧٦٧) والنسائي (٧/ ١١٩).
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث علي ﵁ فقال:
(٢٣٤٤) (٠) (٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا عيسى بن
стр. 4886
يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّميُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيِّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. كِلاهُمَا عَنِ الأعْمَشِ، بهذَا الإسْنَادِ، مِثْلَهُ.
(٢٣٤٥) (٠) (٠) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ. كِلاهُمَا عَنِ الأعْمَشِ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَلَيسَ فِي حَدِيثِهِمَا "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرُّمِيَّةِ".
(٢٣٤٦) (٠) (٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ. حَدَّثَنَا
ــ
يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي ثقة من (٨).
(ح وحدثنا محمد بن أبي بكر) بن عطاء بن مقدم الثقفي (المقدمي) أبو بكر البصري (وأبو بكر) محمد بن أحمد (بن نافع) العبدي البصري (قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى) بن حسان الأزدي أبو سعيد البصري ثقة من (٩) (حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي ثقة إمام من (٧) (كلاهما) أي كل من عيسى وسفيان رويا (عن الأعمش) غرضه بيان متابعتهما لوكيع في رواية هذا الحديث عن الأعمش (بهذا الإسناد) يعني عن خيثمة عن سويد عن علي (مثله) أي مثل ما روى وكيع عن الأعمش ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث علي ﵁ فقال:
(٢٣٤٥) (٠) (٠) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) الكوفي (حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي. (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (وأبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (قالوا) أي قال أبو بكر وأبو كريب وزهير: (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي (كلاهما) أي كل من جرير وأبي معاوية رويا (عن الأعمش بهذا الإسناد) يعني عن خيثمة عن سويد عن علي مثل ما روى وكيع عن الأعمش (و) لكن (ليس في حديثهما) أي في حديث أبي معاوية وجرير لفظة: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث علي ﵁ فقال:
(٢٣٤٦) (٠) (٠) (وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي) البصري (حدثنا) إسماعيل
стр. 4887
ابْنُ عُلَيَّةَ وَحَمَّادُ بْنُ زَيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لَهُمَا) قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيِّ. قَال: ذَكَرَ الْخَوَارِجَ فَقَال: فِيهِمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ، أَوْ مُودَنُ الْيَدِ، أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ،
ــ
ابن إبراهيم (بن علية) الأسدي البصري (وحماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري.
(ح وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حماد بن زيد ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب واللفظ) الآتي (لهما) أي لأبي بكر وزهير (قالا: حدثنا إسماعيل بن علية) وكذا حماد رويا (عن أيوب) السختياني (عن محمد) بن سيرين (عن عبيدة) بفتح العين بن عمرو السلماني بإسكان اللام ويقال: بفتحها نسبة إلى قبيلة من مراد أبي عمرو الكوفي تابعي كبير مخضرم ثقة ثبت مات النبي ﷺ وهو في الطريق (عن علي) بن أبي طالب ﵁.
وهذه الأسانيد كلها من سداسياته غرضه بسوقها بيان متابعة عبيدة السلماني لسويد بن غفلة في رواية هذا الحديث عن علي وكرر المتن لما بين الروايتين من المخالفة وابحث عن فائدة هذه التحويلات.
(قال) عبيدة: (ذكر) علي بن أبي طالب (الخوارج) أي علاماتهم وأجر من قتلهم وقد تقدم لك بيان وجه تسميتهم بهذا الاسم وبيان أصلهم ومبدإ أمرهم في التتمة فراجعها (فقال) علي في بيان علامتهم: (فيهم) أي في الخوارج (رجل) اسمه نافع كما في مبهمات مسلم (مخدج اليد) بصيغة اسم المفعول من الأفعال معناه ناقص اليد (أو) قال علي: (مودن اليد) بزنته وبمعناه ويروى: (مودون اليد) بصيغة اسم المفعول من الثلاثي وهو بمعنى صغير اليد (أو) قال علي: (مثدون اليد) بصيغة اسم المفعول من الثلاثي بمعنى صغير اليد وأو للشك من الراوي قال القاضي عياض: قوله: (مخدج اليد) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الدال معناه: ناقص اليد (ومودن) هو بضم الميم وسكون الواو يهمز ولا يهمز وفتح الدال معناه: ناقص اليد أيضًا ويقال فيه: ودين اليد أيضًا (ومثدن) بضم الميم وسكون الثاء وفتح الدال معناه: صغير اليد مجتمعها كثندوة الثدي وهو في رواية العذري: (مثدون) على صيغة اسم مفعول الثلاثي أصله مثنود فقدم الدال على النون كما قالوا: جذب وجبذ وعاث وعثى في الأرض وقيل: معنى مثدن كثير اللحم مسترخيه قال ابن دريد: يقال ثدن الرجل ثدنا إذا كثر لحمه وثقل جسمه
стр. 4888
لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللهُ الذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ، عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ . قَال: قُلْتُ: آنتَ سَمِعْتَهُ مِنْ مُّحَمَّدٍ ﷺ ؟ قَال: إِي. وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! إِي. وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! إِي. وَرَبِّ الْكَعْبَةِ!
(٢٣٤٧) (٠) (٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ
ــ
وعلى هذا لا يكون في الكلمة قلب وهذا يوافق قوله (كالبضعة تدردر).
والأول يوافق ما يأتي من قوله كطبي شاة.
(قلت): إنما كان يوافقه لأن الثدن إذا فسر بقصير اليد وافق رواية (كطبي شاة) وإن فسره بكثرة اللحم واسترخائه وافق قوله (كالبضعة تدردر) لأن البضعة فيها كثرة واسترخاء اهـ.
(لولا) مخافة (أن تبطروا) من باب فرح أي أن تفرحوا بقتالهم فرحًا شديدًا وتتكلوا عليه من الأعمال الصالحة قال النواوي: البطر هنا التجبر وشدة النشاط والفرح من باب تعب أي لولا مخافة بطركم وفخركم واتكالكم عن الأعمال الصالحة بقتالهم (لحدثتكم) أيها المسلمون (بما وعد الله) أي بالأجر الذي وعدالله (الذين يقتلونهم) أي يقتلون الخوارج (على لسان محمد ﷺ أي لولا مخافة ذلك لأخبرتكم بالأجر الجزيل الذي وعده الله تعالى لمن قاتلهم على لسان نبينا محمد ﷺ (قال) عبيدة السلماني: (قلت) لعلي بن أبي طالب: (آنت) بهمزة الاستفهام التقريري أي هل أنت يا علي (سمعته) أي سمعت ذلك الموعود على لسان محمد ﷺ من الأجر الجزيل لمن قاتلهم (قال) علي: (إي) بكسر الهمزة وسكون الياء من حروف الجواب كنعم أي نعم سمعته من محمد ﷺ (ورب الكعبة) أي أقسمت لك برب الكعبة وقوله: (إي ورب الكعبة إي ورب الكعبة) توكيد لفظي للأول لتأكيد سماعه من محمد ﷺ .
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث علي ﵁ فقال:
(٢٣٤٧) (٠) (٠) (حدثنا محمد بن المثنى) البصري (حدثنا) محمد بن إبراهيم (ابن أبي عدي) السلمي البصري (عن) عبد الله (بن عون) بن أرطبان المزني أبي عون البصري الخرَّاز ثقة من (٦) روى عنه في (١١) بابا (عن محمد) بن سيرين (عن عبيدة)
стр. 4889
قَال: لَا أُحَدِّثكُمْ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْهُ. فَذَكَرَ عَنْ عَلِيٍّ، نَحْوَ حَدِيثِ أَيوبَ، مَرْفُوعًا.
(٢٣٤٨) (٠) (٠) حدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيمَانَ. حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيلٍ. حَدَّثَنِي زَيدُ بْنُ وَهْب الْجُهَنِيُّ؛ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ ﵁. الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ. فَقَال عَلِيٌّ ﵁: أيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
ــ
السلماني غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة ابن عون لأيوب السختياني (قال) عبيدة:
(لا أحدثكم) ولا أخبركم (إلا ما سمعته منه) أي من علي بن أبي طالب (فذكر) ابن عون عن محمد عن عبيدة: (عن علي) بن أبي طالب (نحو حديث أيوب) عن محمد عن عبيدة عن علي حالة كون ذلك النحو الذي رواه ابن عون (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ كحديث أيوب والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف المتابعة خامسًا في حديث علي ﵁ فقال:
(٢٣٤٨) (٠) (٠) (حدثنا عبد بن حميد) بن نصر الكسي (حدثنا عبد الرزاق بن همام) الصنعاني (حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان) ميسرة الفزاري أبو محمد الكوفي صدوق من (٥) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا سلمة بن كهيل) الحضرمي أبو يحيى الكوفي ثقة من (٤) (حدثني زيد بن وهب الجهني) أبو سليمان الكوفي مخضرم هاجر ومات النبي ﷺ وهو في الطريق ثقة مخضرم (أنه) أي أن زيد بن وهب (كان في الجيش الذين كانوا مع علي ﵁ الذين) صفة ثانية للجيش (ساروا) وذهبوا (إلى الخوارج) لقتالهم (فقال علي ﵁: أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول).
وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد صنعاني وواحد كسي غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة زيد بن وهب لسويد بن غفلة وعبيدة السلماني في رواية هذا الحديث عن علي بن أبي طالب وكرر المتن لما بين الروايتين من المخالفة مع الزيادة الكثيرة في هذه الرواية والله أعلم.
стр. 4890
"يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ. لَيسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيءٍ. وَلَا صلاتُكُمْ إِلَى صلاتِهِمْ بِشَيءٍ. وَلَا صِيَامُكُمْ إلَى صِيَامِهِمْ بِشَيءٍ. يَقْرَؤُونَ الْقُرآنَ. يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيهِمْ. لَا تُجَاوزُ صَلاتَهُمْ تَرَاقِيَهُمْ. يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"
ــ
(يخرج قوم من أمتي) أي أمة الدعوة حالة كونهم (يقرؤون القرآن ليس قراءتكم) أيها المؤمنون بالنسبة (إلى قراءتهم) أي عند الانقياس بها والانضياف إليها (بشيء) معتد محسوب (ولا صلاتكم) بالنسبة (إلى صلاتهم بشيء) معتد به (ولا صيامكم) بالنسبة (إلى صيامهم بشيء) معتد (يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم) أي هم يحسبون أن القرآن حجة لهم في إثبات دعاويهم الباطلة وليس كذلك بل (هو) حجة (عليهم) عند الله تعالى وفيه إشارة إلى أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه ومن غير أن يختار دينًا على دين الإسلام.
قال الحافظ ابن تيمية في الصارم المسلول: والغرض هنا أنه كما أن الردة تتجرد عن السب فكذلك قد تتجرد عن قصد تبديل الدين وإرادة التكذيب بالرسالة كما تجرد كفر إبليس عن قصد التكذيب بالربوبية وإن كان عدم هذا القصد لا ينفعه كما لا ينفع من قال الكفر أن لا يقصد أن يكفر اهـ.
(لا تجاوز صلاتهم) أي قراءتهم (تراقيهم) أي حناجرهم والمراد بالصلاة هنا القراءة لأنها جزؤها وقد يطلق كل منهما على الآخر مجازًا كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ يعني بقراءتك وقال: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ يعني صلاة الفجر وفي الحديث القدسي على ما مر ذكره في باب الصلاة: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل) الحديث فالمراد منها قراءة الفاتحة بقرينة قوله (فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي إلخ) ولا يبعد أن تفسر الصلاة هنا بالإيمان فإن الإيمان في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ مفسر بالصلاة في تفسير ابن جرير وابن كثير وغيرهما من أهل التفسير لأن سبب نزولها السؤال عمن مات قبل تحويل القبلة فيكون المعنى لا يجاوز إيمانهم حلوقهم ولا يدخل قلوبهم وفي باب قتل الخوارج من صحيح البخاري (لا يجاوز إيمانهم حناجرهم) والتراقي جمع الترقوة كما مر مرارًا (يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية) قال الشيخ الأنور:
стр. 4891
لَوْ يَعْلَمُ الْجَيشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ، مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ ﷺ ، لاتَّكَلوا عَنِ الْعَمَلِ. وَآيَةُ ذلِكَ أَن فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ. وَلَيسَ لَهُ ذِرَاعٌ. عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ. عَلَيهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ. فَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاويَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ وَتَتْرُكُونَ هؤُلاءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيِّكُمْ وَفِي أَمْوَالِكُمْ! وَاللهِ، إِنِّي لأرجُو أَنْ يَكونُوا هؤُلاءِ الْقَوْمَ. فَإِنهُمْ قَدْ سَفَكوا الدَّمَ الْحَرَامَ. وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ
ــ
المروق هنا الخروج من حيث لا يدري وهو مؤدَّى هذا اللفظ وحقه اهـ.
(لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم) أي يصيبون الخوارج ويقاتلونهم (ما قضي لهم) أي ما كتب وبين لهم من الأجر العظيم والثواب الجسيم (على لسان نبيهم) محمد ﷺ لاتَّكلوا عن العمل) الصالح أي لاكتفوا عن العمل الصالح بذلك الأجر الموعود في قتلهم أي تركوا عمل الصالحات اتكالًا على المثوبة التي بشروا بها (وآية ذلك) القوم (أن فيهم رجلًا له عضد) والعضد ما بين المنكب والمرفق (وليس له ذراع) والذراع ما بين المرفق وطرف الأصابع (على رأس عضده) أي على طرفه الذي يلي المرفق لو كان (مثل حلمة الثدي) أي مثل رأسه والحلمة بفتح الحاء واللام الأنبوبة التي يخرج منها اللبن وتسمى السعدانة وهي الحبة التي على رأس الثدي (عليه) أي على رأس عضده (شعرات بيض) قال الحافظ: وعند الطبري من طريق طارق بن زياد عن علي (في يده شعرات سود) والأول أقوى.
قال علي بن أبي طالب: (فتذهبون) أيها المسلمون وفي رواية أبي داود (أفتذهبون) بزيادة همزة الاستفهام (إلى) قتال (معاوية وأهل الشام وتتركون هولاء) الخوارج حالة كونهم (يخلفونكم في ذراريكم) أي في نسائكم وأطفالكم بإراقة الدماء (وفي أموالكم) بنهبها (والله) أي أقسمت بالإله الذي لا إله غيره (إني لأرجو) وأظن (أن يكونوا) أي أن يكون الخوارج الذين بيننا (هولاء القوم) الذين وصفهم لنا رسول الله ﷺ (فإنهم) أي فإن الخوارج (قد سفكوا الدم الحرام) أي أراقوه أي أراقوا دماء المسلمين كعبد الله بن خباب وسريته كما مر (وأغاروا) أي هجموا بالنهب (في سرح الناس) أي في مواشي المسلمين والسرح والسارح والسارحة الماشية وفي مجمع البحار: (أغاروا على سرحه) أي مواشيه السائمة والمراد هنا أموال المسلمين اهـ.
стр. 4892
فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ.
قَال سَلَمَةُ بْنُ كُهَيلٍ: فَنَزَّلَنِي زَيدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا. حَتَّى قَال: مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ. فَلَمَّا الْتَقَينَا وَعَلَى الْخَوَارجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ. فَقَال لَهُمْ: أَلْقُوا الرِّمَاحَ. وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا
ــ
(فسيروا) أي فانفروا في قتالهم (على اسم الله) ومعونته سبحانه أي استعينوا في قتالهم باسم الله تعالى.
قال عبد الملك بن أبي سليمان بالسند السابق: (قال) لنا (سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب) الجهني أي ذكر لي زيد بن وهب مراحلهم في سفرهم لقتال الخوارج وعدَّها (منزلًا) منزلًا أي ذكر لي مواضع نزولهم في سفرهم لقتال الخوارج واحدًا واحدًا قال النواوي: هكذا هو في معظم النسخ (منزلًا) مرة واحدة وفي نادر منها: (منزلًا منزلًا) مرتين وكذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين وهو وجه الكلام أي ذكر لي مراحلهم بالجيش منزلًا منزلًا.
قال القرطبي: (وقول سلمة: فنزلني زيد منزلًا) أي أخبرني بالمواضع التي نزلها علي مع جيشه منزلًا منزلًا واحدًا واحدًا وصوابه: منزلًا منزلًا مرتين لأن معناه أخبرني بالمنازل مفصلة فهو منصوب على الحال كما تقول العرب علمته الحساب بابا بابا ولا يكتفى في هذا النوع بذكر مرةً واحدة لأنه لا يفيد ذلك المعنى غير أنه وقع هنا منزلًا مرة واحدة لجميع رواة مسلم فيما أعلم وقد جاء كتاب النسائي (منزلًا منزلًا) مرتين وهو الصحيح اهـ من المفهم.
(حتى قال) زيد بن وهب في عد المنازل: (مررنا على قنطرة) كان القتال عندها وهي قنطرة الدبرجان كذا جاء مبهمًا في سنن النسائي وهناك خطبهم علي ﵁ وروى لهم هذه الأحاديث والقنطرة بفتح القاف هو الجسر الذي يعبر عليه (فلما التقينا) أي تقابلنا مع الخوارج (و) كان أميرًا (على الخوارج يومئذ) أي يوم إذ تقابلنا معهم (عبد الله بن وهب الراسبي) والجملة معترضة بين لما وجوابها وهو قوله: (فقال لهم: ألقوا الرماح) والفاء زائدة في جواب لما أي فلما التقينا قال للخوارج قائدهم عبد الله بن وهب الراسبي: ألقوا الرماح أي ارموا الرماح من أيديكم. (وسلوا سيوفكم) بضم السين أمر من سل يسل أي أخرجوا سيوفكم (من جفونها) أي من أغمادها جمع جفن بفتح
стр. 4893
فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ. فَرَجَعُوا فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ. وَسَلُّوا السُّيُوفَ. وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ. قَال: وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلا رَجُلانِ
ــ
الجيم وهو الغمد قال القرطبي: كان في هذا الرأي فتح للمسلمين وصيانة لدمائهم وتمكين لهم من الخوارج بحيث تمكن منهم بالرماح فطعنوا ولم يكن لهم بما يطعنون أحدًا فقتلوا عن بكرة أبيهم ولم يقتل من المسلمين سوى رجلين فنعوذ بالله من تدبير يقود إلى تدمير اهـ من المفهم.
(فإني أخاف أن يناشدوكم) أي أن يطلبوا منكم الصلح بالإيمان ويسألوكم وقف الحرب باسم الله أي أن يسألكم أصحاب علي ﵁ الصلح وترك الحرب باسم الله تعالى (كما ناشدوكم) أي كما سألوكم الصلح باسم الله (يوم) وقعة (حروراء) والمعنى إني أخاف أن يسألوكم الصلح بالإيمان لو قاتلتموهم بالرماح من بعيد فألقوا الرماح وادخلوا فيهم بالسيوف حتى لا يجدوا فرصة للمناشدة فدبروا تدبيرًا قادهم إلى التدمير (فرجعوا) وراءهم (فوحشوا) أي رموا (برماحهم) عن بعد منهم وهو بتشديد الحاء المهملة المفتوحة من التوحيش أي رموا بها عن بعد منهم وتخلوا عنها واعتنق بعضهم بعضًا بالسيوف أي صيروها كالوحش بعيدة عنهم يقال: وحش الرجل إذا رمى بثوبه وبسلاحه مخافة أن يلحق قال الشاعر:
فإن انتمُ لم تطلبوا بأخيكمُ ... فذروا السلاح ووحِّشوا بالأبرق
اهـ من المفهم
(وسلوا السيوف) بفتح السين وفي رواية أبي داود (واستلوا السيوف) من باب افتعل أي أخرجوا السيوف من أغمادها (وشجرهم) أي شجر أولئك الخوارج أي طعنهم (الناس) أي أصحاب علي (برماحهم) ومعنى شجرهم الناس بفتح الشين المعجمة والجيم المخففة أي داخلوهم برماحهم وطاعنوهم وقيل: مدوها إليهم قال ابن دريد: تشاجر القوم بالرماح إذا تطاعنوا بها ومنه التشاجر في الخصومة وسمي الشجر شجرًا لتداخل أغصانه والناس هم أصحاب علي ﵁ (قال) زيد بن وهب الجهني: (وقتل) الخوارج (بعضهم) مطرحون (على بعض وما أصيب) أي قتل (من الناس) أي من أصحاب علي (يومئذ إلا رجلان) أي ما قتل من أصحابه إلا اثنان وأما الخوارج فقتلوا بعضهم على بعض وقد تقدم في التتمة نقلنا من كلام المؤرخين مما ذكره الحافظ في
стр. 4894
فَقَال عَلِيٌّ ﵁: الْتَمِسُوا فِيهِمُ الْمُخْدَجَ. فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَقَامَ عَلِيٌّ ﵁ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. قَال: أَخرُوهُمْ. فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الأرضَ. فَكَبَّرَ. ثُمَّ قَال: صَدَقَ اللهُ. وَبَلَّغَ رَسُولُهُ. قَال: فَقَامَ إِلَيهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ. فَقَال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! آللهَ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ! لَسَمِعْتَ هذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَال: إِي. وَاللهِ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ! حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلاثًا. وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ
ــ
الفتح أنه لم ينج منهم أي من الخوارج إلا دون العشرة ولا قتل ممن مع علي ﵁ إلا نحو العشرة وما في صحيح مسلم أصح والله تعالى أعلم بالصواب.
(فقال علي ﵁ لمن عنده: (التمسوا) أي اطلبوا (فيهم) أي في قتلى الخوارج (المخدج) أي الناقص الخلق واليد (فالتمسوه) أي فطلب أصحاب علي ذاك المخدج في قتلاهم (فلم يجدوه) أي لم يصيبوه ولم يروه (فقام علي ﵁ بنفسه حتى أتى ناسًا) من الخوارج (قد قتل بعضهم) مطروحون (على بعض) فـ (ـقال) علي ﵁: (أخروهم) أي أخروا أيها الناس هؤلاء القتلى عن مصارعهم (فـ) ـلما أخروهم عن مصارعهم (وجدوه) أي وجدوا ذلك المخدج (مما يلي الأرض) من مصارعهم (فكبر) علي ﵁ تعجبًا من وجدانه على الوصف الذي وصفه النبي ﷺ به (ثم) بعد التكبير (قال) علي ﵁: (صدق الله) فيما أوحى إلى نبيه (وبلغ رسوله) إلينا (قال) زيد بن وهب الجهني: (فقام إليه) أي إلى علي (عبيدة) بن عمرو المرادي (السلماني فقال: يا أمير المؤمنين آلله الذي لا إله إلا هو) بهمزة ممدودة فالهمزة عوض عن باء القسم وهو قسم أقسم عليه لتزيد طمأنينة قلبه لا ليدفع شكًّا عن نفسه اهـ مفهم أي أقسمت بالله الذي لا إله غيره (لسمعت هذا الحديث) الذي حدثتنا في شأن الخوارج والمخدج (من رسول الله ﷺ فقال) علي ﵁: (إي) أي نعم سمعته من رسول الله ﷺ (والله) أي أقسمت لكم بالله (الذي لا إله إلا هو) فسأله عبيدة وناشده (حتى استحلفه) أي حتى استحلف عبيدة عليًّا (ثلاثًا) من المرات أي سأل عبيدة عليًّا ثلاث مرات أن يحلف بالله على سماعه الحديث منه (وهو) أي والحال أن عليًّا (يحلف له) أي لعبيدة بعد كل مرة من الاستحلاف على سماعه ذلك الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 4895
(٢٣٤٩) (٠) (٠) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ ويونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، مَوْلَى رَسُول اللهِ ﷺ ؛ أَن الْحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَتْ، وَهُوَ مَعَ عَلِي بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁،
ــ
حاصله أنه استحلف عليًّا ثلاثًا وإنما استحلفه ليسمع الحاضرين ويؤكد ذلك عندهم ويظهر لهم المعجزة التي أخبر بها النبي ﷺ ويظهر لهم أن عليًّا وأصحابه أولى الطائفتين بالحق وأنهم محقون في قتالهم وغير ذلك مما في هذه الأحاديث من الفوائد قاله النواوي.
(قلت): وليطمئن قلب المستحلف لإزالة توهم ما أشار إليه علي أن الحرب خدعة فخشي أن يكون لم يسمع في ذلك شيئًا منصوصًا كذا في الفتح اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الرواية أبو داود فقط (٤٧٦٨ - ٤٧٧٠) والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف المتابعة سادسًا في حديث علي ﵁ فقال:
(٢٣٤٩) (٠) (٠) (حدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو الأموي المصري (ويونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة بن حفص الصدفي أبو موسى المصري ثقة من (١٠) (قالا: أخبرنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (أخبرني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري المصري ثقة من (٧) (عن بكير) بن عبد الله (بن الأشج) المخزومي المصري ثقة من (٥) (عن بسر بن سعيد) الحضرمي المدني ثقة من (٢) (عن عبيد الله بن أبي رافع) إبراهيم القبطي وقوله: (مولى رسول الله ﷺ عطف بيان لأبي رافع الهاشمي مولاهم المدني كاتب علي ﵁ ثقة من (٣) (أن الحرورية) وهم الخوارج سموا بذلك لأنهم نزلوا حروراء وتعاقدوا فيها على قتال أهل العدل وهي قرية بالعراق قريبة من الكوفة وسموا خوارج لخروجهم عن طريق الجماعة كما مر بسط الكلام في ذلك. (لما خرجت) عن طاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (وهو) أي والحال أن عبيد الله (مع علي بن أبي طالب ﵁.
وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم مصريون وثلاثة مدنيون غرضه بسوق
стр. 4896
قَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلهِ. قَال عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ. إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَصَفَ نَاسًا. إِنِّي لأعرِفُ صِفَتَهُمْ فِي هؤُلاءِ. "يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَا يَجُوزُ هذَا، مِنْهُمْ. (وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ) مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللهِ إِلَيهِ مِنْهُمْ أَسْوَدُ. إِحْدَى يَدَيهِ طُبْيُ شَاةٍ أَوْ حَلَمَةُ ثَدْيٍ". فَلَمَّا قَتَلَهُمْ عَلِيُّ بن أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَال: انْظُرُوا. فَنَظَرُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيئًا. فَقَال: ارْجِعُوا. فَوَاللهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كُذِبْتُ
ــ
هذا السند بيان متابعة عبيد الله بن أبي رافع لمن روى عن علي بن أبي طالب كزيد بن وهب وعبيدة السلماني.
(قالوا) جواب لما والجملة الاسمية معترضة (لا حكم إلا لله قال علي) ﵁ هذه الكلمة التي قالوها: (كلمة حق أريد بها باطل) يعني بالكلمة قولهم: لا حكم إلا لله أصلها صدق فإنها مأخوذة من قول الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ لكنهم أرادوا بها الإنكار على علي في قبوله التحكيم بينه وبين أهل الشام بعد انتهاء القتال بصفين (إن رسول الله ﷺ وصف ناسًا) يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية و (إني لأعرف صفتهم) أي لأرى صفة الناس الذين وصفهم الرسول ﷺ (في هؤلاء) الخوارج هؤلاء (يقولون الحق بألسنتهم) كقراءة القرآن (لا يجوز) ذلك الحق الذي قالوه بألسنتهم ولا يتعدى (هذا) الحلقوم (منهم) ولا يصل إلى قلوبهم (وأشار) علي بقوله هذا (إلى حلقه) أي إلى حلقومه هؤلاء الخوارج هم (من أبغض خلق الله) تعالى (إليه) أي عنده تعالى (منهم) أي من هؤلاء الخوارج رجل (أسود إحدى يديه طبي شاة) بضم الطاء المهملة وسكون الباء الموحدة أي مثل ضرع شاة وفيه تشبيه بليغ وأصل الكلمة للكلبة والسباع كما في النواوي ثم استعيرت للشاة (أو) قال علي إحدى يديه (حلمة ثدي) أي مثل رأس ثدي المرأة والشك من الراوي ففيه تشبيه بليغ أيضًا (فلما قتلهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنهروان (قال) علي لمن عنده: (انظروا) ذلك الأسود والتمسوه في القتلى (فنظروا) أي نظر الناس ذلك الأسود والتمسوه في القتلى (فلم يجدوا شيئًا) من صفاته فرجعوا إلى علي فأخبروه (فقال) لهم علي: (ارجعوا) إلى القتلى فالتمسوه (فوالله ما كَذَبت) بالبناء للفاعل أي ما حدثت الكذب عن رسول الله ﷺ (ولا كُذِبت) بالبناء للمفعول أي ولا حدثت الكَذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 4897
مَرَّتَينِ أَوْ ثَلاثًا. ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَةٍ. فَأتَوْا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَينَ يَدَيهِ. قَال عُبَيدُ اللهِ: وَأنا حَاضِرُ ذلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ. وَقَوْلِ عَلِيٍّ فِيهِمْ.
زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ: قَال بُكَيرٌ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ، عَنِ ابْنِ حُنَينٍ أَنَّهُ قَال: رَأَيتُ ذلِكَ الأسوَدَ.
(٢٣٥٠) (١٠٣٢) - (١٨٢) حدَّثنا شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. حَدَّثَنَا حُمَيدُ بْنُ هِلالٍ،
ــ
لأنه الصادق المصدوق وقوله: (مرتين) منصوب بقال أي قال هذا القول مرتين (أو) قال (ثلاثًا) شك من الراوي (ثم) رجعوا إلى القتلى فـ (ـوجدوه) أي وجدوا ذلك الأسود تحت القتلى (في خربة) بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء أي في خرق من خروق الأرض وشق من شقوقها والخربة أيضًا موضع الخراب وهو ضد العمران قاله النواوي (فأتوا به) أي فجاءوا بذلك الأسود (حتى وضعوه) أي طرحوا ذلك الأسود (بين يديه) أي بين يدي علي وقدامه (قال عبيد الله) بن أبي رافع بالسند السابق: (وأنا حاضر ذلك) القصص المذكور (من أمرهم) أي من أمر الخوارج وشأنهم في القتال مع علي ﵁ (و) من (قول علي فيهم) أي في الخوارج من قوله: هم من أبغض خلق الله إليه الخ.
(زاد يونس) بن عبد الأعلى (في روايته قال: بكير) بن الأشج: (وحدثني رجل) معطوف على محذوف تقديره: قال بكير: حدثني بسر بن سعيد هذا الحديث وحدثني أيضًا رجل آخر (عن) عبد الله (بن حنين) الهاشمي مولاهم المدني ثقة من (٣) (أنه) أي أن عبد الله بن حنين (قال رأيت ذلك الأسود) بعيني حين أحضر قدام علي ﵁.
وانفرد المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الرواية عن أصحاب الأمهات ولكنه شاركه أحمد (١/ ٨٣ و ٨٤).
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أبي ذر ﵁ فقال:
(٢٣٥٠) (١٠٣٢) (١٨٢) (حدثنا شيبان بن فروخ) الحبطي الأبلي صدوق من (٩) (حدثنا سليمان بن المغيرة) القيسي مولاهم أبو سعيد البصري ثقة من (٧) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا حميد بن هلال) العدوي أبو نصر البصري ثقة من (٣) روى عنه في
стр. 4898
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ بَعْدِي (أَوْ سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي) قَوْمٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ. لَا يُجَاوزُ حَلاقِيمَهُمْ. يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ. ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ. هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ".
فَقَال ابْنُ الصَّامِتِ: فَلَقِيتُ رَافِعَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ، أَخَا الْحَكَمِ الْغِفَارِيِّ. قُلْتُ: مَا حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ: كَذَا وَكَذَا؟ فَذَكَرْتُ لَهُ هذَا الْحَدِيثَ. فَقَال: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ
ــ
(٩) أبواب (عن عبد الله بن الصامت) الغفاري البصري ثقة من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبي ذر) الغفاري جندب بن جنادة المدني الربذي ﵁.
وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد مدني وواحد أبلي.
(قال) أبو ذر: (قال رسول الله ﷺ : إن من بعدي أو) قال أبو ذر (سيكون بعدي من أمتي) والشك من عبد الله بن الصامت (قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم) جمع حلقوم وهو مجرى النفس (يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم) بعد خروجهم من الدين (لا يعودون فيه) أي في الدين (هم شر الخلق والخليقة) الخلق الناس والخليقة البهائم وقيل: هما بمعنى واحد ويريد بهما جميع الخلائق اهـ نهاية.
(فقال) عبادة (بن الصامت) بالسند السابق: (فلقيت رافع بن عمرو) الغفاري الصحابي البصري (أخا الحكم) بن عمرو (الغفاري) الصحابي البصري له عندهم حديثان روى عنه عبد الله بن الصامت في الزكاة ويروي عنه (م د ت ق) وابنه عمران وأما حكم بن عمرو ورافع بن عمرو فهما أخوان صحابيان غلب عليهما هذا النسب إلى بني غفار وليسا منهم انظر أسد الغابة فـ (ـقلت) لرافع بن عمرو (ما حديث سمعته من أبي ذر) لفظه (كذا وكذا) وهذا استفهام من ابن الصامت ابن أخي أبي ذر عن حديث سمعه من عمه سأله للاستثبات بسماعه من غيره من الصحابة قال ابن الصامت: (فذكرت له) أي لرافع (هذا الحديث) الذي سمعته من أبي ذر (فقال) رافع بن عمرو: (وأنا سمعته) أيضًا (من رسول الله ﷺ فحصل الاستثبات لابن الصامت.
стр. 4899
(٢٣٥١) (١٠٣٣) - (١٨٣) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيبَانِيِّ، عَنْ يُسَيرِ بْنِ عَمْرٍو. قَال: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيفٍ: هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ؟ فَقَال: سَمِعْتُهُ (وَأَشَارَ بيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ) "قَوْمٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَا يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ. يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٥/ ٣) وابن ماجه (١٧٠).
ثم استشهد المؤلف لحديث علي بن أبي طالب بحديث سهل بن حنيف ﵄ فقال:
(٢٣٥١) (١٠٣٣) (١٨٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (حدثنا علي بن مسهر) القرشي الكوفي ثقة من (٨) (عن الشيباني) سليمان بن أبي سليمان فيروز أبي إسحاق الكوفي ثقة من (٥) روى عنه في (١٤) بابا (عن يسير بن عمرو) ويقال فيه: أسير ابن عمرو بالتصغير فيهما ويقال: يسير بن جابر وكلاهما صحيح أي يقال: يسير وأسير وهو من بني محارب بن ثعلبة نزل الكوفة ويقال: إن له صحبة أبو الخِيار الكوفي العبدي أو المحاربي أو الكندي وقيل: إنهما اثنان أدرك زمن النبي ﷺ ويقال: إن له رؤية روى عن سهل بن حنيف وعلي وعمر وسلمان الفارسي وابن مسعود وثقه العجلي وابن حبان وابن سعد وقال في التقريب: له رؤية مات سنة (٨٥) خمس وثمانين (قال) يسير بن عمرو (سألت سهل بن حنيف) مصغرًا ابن واهب الأنصاري الأوسي أبا ثابت المدني الصحابي المشهور ﵁.
وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم كوفيون وواحد مدني.
(هل سمعت النبي ﷺ يذكر الخوارج) أي شأنهم وسيماهم (فقال) سهل: (سمعته) ﷺ (و) الحال أنه قد (أشار بيده) الشريفة (نحو المشرق): أي جهته وفي رواية البخاري (وأهوى بيده قبل العراق) وهو الصواب كما هو لفظ البخاري ولكن سقط في أكثر نسخ مسلم لفظة يقول سيخرج (قوم يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يعدو) القرآن أي لا يجاوز (تراقيهم) إلى قلوبهم (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).
стр. 4900
(٢٣٥٢) (٠) (٠) وحدّثناه أَبُو كَامِلٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ. حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ الشَّيبَانِيُّ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَقَال: "يَخْرُجُ مِنْهُ أَقْوَامٌ".
(٢٣٥٣) (٠) (٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَإسْحَاقُ. جَمِيعًا عَنْ يَزِيدَ. قَال أَبُو بَكرٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيبَانِيُّ عَنْ أُسَيرِ بْنِ عَمْرٍو،
ــ
وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى ولم يشاركه أحد ثم ذكر المؤلف المتابعة فيه فقال:
(٢٣٥٢) (٠) (٠) (وحدثناه أبو كامل) الجحدري فضيل بن حسين البصري (حدثنا عبد الواحد) بن زياد العبدي مولاهم البصري ثقة من (٨) (حدثنا سليمان) بن أبي سليمان فيروز (الشيباني) أبو إسحاق الكوفي (بهذا الإسناد) يعني عن يسير بن عمرو عن سهل بن حنيف.
غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عبد الواحد لعلي بن مسهر في رواية هذا الحديث عن الشيباني.
(و) لكن (قال) عبد الواحد في روايته: (يخرج منه) أي من المشرق (أقوام) بتصريح لفظ الفعل وبصيغة الجمع في قوم.
ثم ذكر المؤلف المتابعة فيه ثانيًا فقال:
(٢٣٥٣) (٠) (٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق) بن إبراهيم الحنظلي المروزي (جميعًا عن يريد) بن هارون (قال أبو بكر: حدثنا يريد بن هارون) بن زادان السلمي أبو خالد الواسطي ثقة من (٩) روى عنه في (١٩) بابا (عن العوام بن حوشب) ابن يزيد بن رويم مصغرًا الشيباني الربعي أبي عيسى أو أبي يوسف الواسطي روى عن أبي إسحاق الشيباني في الزكاة والنخعي ومجاهد وأبي إسحاق السبيعي ويروي عنه (ع) ويزيد بن هارون وشعبة والثوري وثقه العجلي وأبو زرعة وقال: ثقة وقال في التقريب: ثقة ثبت فاضل من السادسة مات سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة وليس في مسلم من اسمه عوام إلا هذا.
(حدثنا أبو إسحاق) سليمان (الشيباني) الكوفي (عن أسير بن عمرو) الكوفي ويقال
стр. 4901
عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَال: "يَتِيهُ قَوْمٌ قِبَلَ الْمَشْرِقِ مُحَلَّقَةٌ رُؤُوسُهُمْ"
ــ
فيه: يسير بن عمرو كما في الرواية السابقة (عن سهل بن حنيف عن النبي ﷺ غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة العوام بن حوشب لعلي بن مسهر (قال) النبي ﷺ : (يتيه) أي يتحير ويميل عن الحق والصواب (قوم قبل المشرق) أي في جانبه ومشارق أرض العرب مواضع الفتن كما نطق به الأحاديث الصحيحة كالعراق يقال تاه إذا ذهب ولم يهتد لطريق الحق وتحير في أمره وقوله (محلقة رؤوسهم) يقرأون القرآن نحو ما تقدم صفة لقوم أو حال منه والتحليق سيما الخوارج مخالف للعرب في توفيرهم الشعور وتفريقها.
قال القرطبي: (قوله: يتيه قوم قبل المشرق) أي يتحيرون ويذهبون في غير وجه صحيح يقال: تاه الرجل إذا ذهب في الأرض غير مهتد ومنه تيه بني إسرائيل وقيل: المشرق يدل على صحته تأويل من أول قرن الشيطان بأنهم الخوارج والفتن التي طلعت من هناك والله أعلم و (قوله: محلقة رؤوسهم) وفي حديث آخر (سيماهم التحليق) أي جعلوا ذلك علامة لهم على رفضهم زينة الدنيا وشعارًا ليعرفوا به كما يفعل البعض من رهبان النصارى يفحصون عن أوساط رؤوسهم وقد جاء في وصفهم مرفوعًا: (سيماهم التسبيد) أي الحلق رواه أحمد وأبو داود يقال: سبد رأسه إذا حلقه وهذا كله منهم جهل بما يزهد فيه وما لا يزهد فيه وابتداع منهم في دين الله تعالى شيئًا كان النبي ﷺ والخلفاء الراشدون وأتباعهم على خلافه فلم يرو عن واحد منهم أنهم اتسموا بذلك ولا حلقوا رؤسهم في غير إحلال ولا حاجة وقد كان لرسول الله ﷺ شعر فتارة فرقه وتارة صيره جمة وأخرى لمة وقد روى عنه ﷺ أنه قال (من كانت له شعرة أو جمة فليكرمها) رواه أبو داود بلفظ: (من كان له شعر فليكرمه) وقد كره مالك الحلاق في غير إحرام ولا حاجة ضرورية اهـ من المفهم.
وفي هذا الحديث أن سهل بن حنيف صرح بأن الخوارج الحرورية هم المراد بالقوم المذكورين في أحاديث الباب فيقوى ما تقدم أن أبا سعيد توقف في الاسم والنسبة لا في كونهم المراد وقد عد الحافظ ﵀ أسماء من روى هذا الحديث في الخوارج ثم قال: فهؤلاء خمسة وعشرون نفسًا من الصحابة والطرق إلى كثرتهم متعددة كعلي وأبي
стр. 4902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سعيد وعبد الله بن عمر وأبي بكرة وأبي برزة وأبي ذر فيفيد مجموع أخبارهم القطع بصحة ذلك عن رسول الله ﷺ .
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث علي ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه ست متابعات.
والثاني: حديث أبي ذر ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة.
والثالث: حديث سهل بن حنيف ذكره للاستشهاد لحديث على وذكر فيه متابعتين وهذا الباب استطرادي في كتاب الزكاة.
***
стр. 4903
٤٣٦ - (٥٤) باب تحريم الصدقة على رسول الله ﷺ وعلى آله وترك استعمال آله ﷺ على الصدقة
(٢٣٥٤) (١٠٣٤) - (١٨٤) حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ (وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ) سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: أخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةٌ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ. فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كِخْ كَخْ. ارْمِ بِهَا
ــ
٤٣٦ - (٥٤) باب تحريم الصدقة على رسول الله ﷺ وعلى آله وترك استعمال آله ﷺ على الصدقة
(٢٣٥٤) (١٠٣٤) (١٨٤) (حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري) البصري (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري البصري (حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي البصري (عن محمد وهو ابن زياد) الجمحي مولاهم أبو الحارث المدني ثم البصري ثقة من (٣) روى عنه في (٥) أبواب (سمع أبا هريرة) ﵁ (يقول):
وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون إلا أبا هريرة.
(أخذ الحسن بن علي تمرة) أي حبة (من تمر الصدقة) أي الزكاة وفي رواية معمر عن محمد بن زياد أنه سمع أبا هريرة قال (كنا عند رسول الله ﷺ وهو يقسم تمرًا من تمر الصدقة والحسن في حجره) أخرجه أحمد (فجعلها) أي فجعل الحسن التمرة (في فيه) أي في فمه ليأكلها (فقال) له (رسول الله ﷺ : كخ كخ) بفتح الكاف وكسرها وسكون المعجمة مثقلًا ومخففًا وبكسر الخاء منونة وغير منونة فيحصل من ذلك ست لغات والثانية توكيد الأولى وهي كلمة تقال لردع الصبي عند تناوله ما يستقذر قيل: عربية وهو الأصح وقيل: أعجمية وزعم الداودي أنها معربة أي كلمة أعجمية عربتها العرب وقد أوردها البخاري في باب من تكلم بالفارسية ونازع الكرماني في كونها أعجمية وقال: إنها من أسماء الأصوات فلا يناسب الترجمة فأجاب ابن المنير عنه فقال: وجه مناسبة الترجمة أنه ﷺ خاطبه بما يفهمه مما لا يتكلم به الرجل مع الرجل فهو كمخاطية العجمى بما يفهمه من لغته اهـ فتح الملهم وهو بمعنى قوله ﷺ للحسن: (ارم بها) أي بالتمرة من فمك وفي رواية حماد بن
стр. 4904
أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟ ".
(٢٣٥٥) (٠) (٠) (حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَقَال: "أنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ؟ "
ــ
سلمة عن محمد بن زياد عند أحمد (فنظر إليه فإذا هو يلوك تمرة فحرك خده وقال: ألقها يا بني) ويجمع بين هذا وبين قوله: (كخ كخ) بأنه كلمه أولًا بهذا فلما تمادى قال له: كخ كخ إشارة إلى استقذار ذلك له ويحتمل العكس بأن يكون كلمه أولًا بذلك فلما تمادى نزعها من فيه وفي الحديث تأديب الأطفال بما ينفعهم ومنعهم مما يضرهم ومن تناول المحرمات وإن كانوا غير مكلفين ليتدربوا بذلك (أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة) هذه اللفظة كلمة تقال عند الأمر الواضح وإن لم يكن المخاطب بذلك عالمًا أي كيف خفي عليك هذا مع ظهوره وهو أبلغ من قوله: لا تفعل وفيه مخاطبة من لا يميز لقصد إسماع من يميز لأن الحسن إذ ذاك كان طفلًا قال النواوي: وفي الحديث أن الصبيان يوقون ما يوقاه الكبار وتمنع من تعاطيه وهذا واجب على الولي اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٤٠٩ و ٤١٠) والبخاري (١٤٩١).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٢٣٥٥) (٠) (٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وأبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (جميعًا) أي كل من الثلاثة رووا (عن وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي (عن شعبة) بن الحجاج (بهذا الإسناد) يعني عن محمد عن أبي هريرة غرضه بيان متابعة وكيع لمعاذ بن معاذ في رواية هذا الحديث عن شعبة (و) لكن (قال) وكيع في روايته أما علمت (أنَّا) معاشر آل محمد (لا تحل لنا الصدقة) وفي رواية معمر أن الصدقة لا تحل لآل محمد وهكذا عند أحمد والطحاوي من حديث الحسن بن علي نفسه بإسناد قوي (إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة) ففيه تحريم الزكاة على النبي ﷺ وعلى آله واختلف ما المراد بالآل هنا؟ فقال الشافعي وجماعة من العلماء: إنهم بنو هاشم وبنو المطلب واستدل الشافعي على ذلك بان النبي ﷺ أشرك بني المطلب مع بني هاشم في سهم ذوي القربى ولم يعط أحدًا من قبائل قريش غيرهم وتلك العطية عوض عوضوه بدلًا
стр. 4905
(٢٣٥٦) (٠) (٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، فِي هذَا الإِسْنَادِ. كَمَا قَال ابْنُ مُعَاذٍ: "أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟ "
ــ
عما حرموه من الصدقة كما أخرج البخاري من حديث جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان ابن عفان إلى النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة فقال رسول الله ﷺ (إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد) وأجيب عن ذلك بأنه إنما أعطاهم ذلك لموالاتهم لا عوضًا عن الصدقة وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية: هم بنو هاشم فقط وأما بنو المطلب فيجوز لهم الأخذ من الزكاة لأنهم دخلوا في عموم قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية لكن خرج بنو هاشم لقول النبي ﷺ (إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد) فيجب أن يختص المنع بهم ولا يصح قياس بني المطلب علي بني هاشم لأن بني هاشم أقرب إلى النبي ﷺ وأشرف وهم آل النبي ﷺ .
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٢٣٥٦) (٠) (٠) حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري (ح وحدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا) محمد بن إبراهيم (ابن أبي عدي) السلمي البصري (كلاهما) أي كل من محمد بن جعفر وابن أبي عدي رويا (عن شعبة) غرضه بيان متابعتهما لمعاذ بن معاذ (في هذا الإسناد) أي بهذا الإسناد يعني عن ابن زياد عن أبي هريرة أي كلاهما رويا عن شعبة (كما قال ابن معاذ) أي مثل ما قال معاذ بن معاذ من قوله: أما علمت (أنَّا لا نأكل الصدقة) قال القرطبي: وفي هذا الحديث ما يدل على أن الصغار يمنعون مما يحرم على الكبار ولا يحلون بالذهب ويخاطب الأولياء بأن يجنبوهم ذلك كما يخاطبون بأن يجنبوهم شرب الخمور وأكل ما لا يحل اهـ مفهم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث آخر له ﵁ فقال:
следующие страницы →