← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثًا يُسْنِدُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَيسَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُمَا ــ رَوَى عبدُ اللهِ بن يَزِيدَ (عن كُل واحدٍ منهما) أي: عن كُلٍّ من حُذَيفة وأبي مسعود (حديثًا) حديثًا، وفي بعض النُّسَخ: (وعن كُل واحدٍ منهما) بزيادة الواو. قال النوويُّ: (هكذا وقع في الأصول: "وعن" بالواو، والوَجْهُ حذْفُها؛ لأنها تُغَيِّرُ المعنى) (١). ومن لطائف هذا السَّنَدِ: روايةُ صحابي عن صحابي؛ أي: رَوَى عن كُلٍّ منهما حديثًا (يُسْنِدُه) وَيرْفَعهُ (إلى النبيِّ ﷺ . أمَّا حديثُه عن أبي مسعودٍ: فهو حديثُ نفقةِ الرجل على أهله، وقد أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ في "صحيحَيهما" (٢). وأمَّا حديثه عن حُذَيفة .. فقولُه: "أخبرني النبيِّ ﷺ بما هو كائنٌ ... " الحديثَ، أخرجه مسلمٌ في "صحيحه" (٤/ ٢٢١٧) (٣). (وليس في روايته) أي: في رواية عبد الله بن يزيدَ (عنهما) أي: عن حُذَيفَة

стр. 527

ذِكْرُ السَّمَاعِ مِنْهُمَا، وَلَا حَفِظْنَا فِي شَيءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ شَافَهَ حُذَيفَةَ وَأَبَا مَسْعُودٍ بِحَدِيثٍ قَطُّ، وَلَا وَجَدْنَا ذِكْرَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمَا فِي رِوَايَةٍ بِعَينهَا، وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ مَضَى وَلَا مِمَّنْ أَدْرَكْنَا أَنَّهُ طَعَنَ فِي هَذَينِ الْخَبَرَينِ اللَّذِينِ رَوَاهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ عَنْ حُذَيفَةَ وَأَبِي مَسْعُودٍ بِضَعْفٍ فِيهِمَا، بَلْ هُمَا وَمَا أشْبَهَهُمَا عِنْدَ مَنْ لاقَينَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ــ وأبي مسعودٍ (ذِكْرُ السماعِ) أي: ذِكْرُ سماعِه (منهما) ولا تصريحُه (ولا حَفِظْنا) ولا سَمِعْنا (في شيءٍ من الرواياتِ) عن عبد الله (أن عبدَ اللهِ بنَ يَزِيدَ شَافَهَ) وخَاطَبَ (حُذَيفَةَ وأبا مسعودٍ بحديثٍ) أي: بنقْلِ حديثٍ عنهما (قَط): ظرفٌ مستغرِقٌ لمِا مَضَى متعلِّقٌ بـ (حفظْنا) أي: ما حَفِظْنا ولا سَمِعْنا في زَمَنٍ من الأزمنةِ الماضيةِ في شيءٍ من الروايات أنه شافههما بحديث. (ولا وَجَدْنا) ولا رأينا (ذِكْرَ رُويَتِهِ) أي: ذِكْرَ رؤيةِ عبد الله (إيَّاهُمَا) أي: حُذَيفَةَ وأبا مسعودٍ (في روايةٍ) أي: في روايته عنهما (بعَينها) أي: بعين تلك الرواية؛ أي: في روايةٍ معينةٍ عنهما. (ولم نَسْمَعْ) نحن (عن أَحَدٍ مِنْ أهلِ العِلْمِ) والحديثِ وأئمةِ السلف (ممَّنْ مَضَى) ومَرَّ زَمَنُهُ قبلنا وسَبَقَنَا (ولا) عن أحدٍ (ممَّنْ أَدْرَكْنا) ولَحِقْنا زمنَه واجتمَعْنا معه (أنَّهُ) أي: أن أحدًا من هؤلاء المذكورين؛ أي: لم نسمع أن أحدًا من هؤلاء (طَعَنَ) وجَرَحَ (في هذَينِ الخَبرَينِ) والحديثين (اللَّذَينِ) صفة للخبرينِ (رَوَاهُمَا) وحَدَّثَهُما (عبدُ الله بن يَزِيدَ) الأنصاريُّ (عن حُذَيفَةَ) بنِ اليمان (وأبي مسعودٍ) الأنصاريَّ البَدْرِيِّ. وقولُه: (بضَعْفٍ) متعلِّقٌ بـ (طَعَنَ) أي: جرحهما بضَعْفٍ وعلَّةٍ (فيهما) أي: في هذينِ الخبرَينِ. (بَلْ هُمَا) أي: هذان الخبران وهو مبتدأٌ (وما أَشْبَهَهُما) أي: وما أشبهَ هذَينِ الخبرَين في عدم ذِكْر السماع والملاقاة وعدم العلم بالمشافهة، وهو معطوفٌ على المبتدإ. وقولُه: (عندَ مَنْ لاقَيْنا) ورَأَينا حال كونه (مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) والمعرفة

стр. 528

بالْحَدِيثِ مِنْ صِحَاحِ الأَسَانِيدِ وَقَويِّهَا يَرَوْنَ اسْتِعْمَال مَا نُقِلَ بِهَا وَالاحْتِجَاجَ بمَا أَتتْ مِنْ سُنَنٍ وَآثَارٍ، وَهِيَ فِي زَعْمِ مَنْ حَكَينَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ وَاهِيَةٌ مُهْمَلَةٌ، حتَّى يُصِيبَ سَمَاعَ الرَّاوي عَمَّنْ رَوَى ــ (بالحديث) متعلِّقٌ بالاستقرار الذي تعلَّقَ به الخبرُ في قوله: (من صِحَاح الأسانيدِ وقَويِّها) لا من سقام الأسانيد وضعافها اللاتي (يَرَوْنَ) ويعتقدونَ (استعمال ما نُقِلَ) ورُويَ (بها) أي: بتلك الأسانيد؛ أي: يَرَوْنَ ويَعْتقدون العمل بالأحاديث التي نُقِلَتْ بها في حُكْمٍ من الأحكام الشرعية. وإضافة (صِحَاحِ الأسانيد) من إضافة الصِّفة إلى الموصوف؛ أي: من الأسانيد الصحيحة وقويِّها، وقولُه: (يَرَون) صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ وقع صفةً للأسانيد كما قَدَّرْناه آنفًا. (و) يَرَون (الاحتجاجَ) والاستدلال (بما أَتَتْ) وجاءت به تلك الأسانيد (مِنْ سُنَنٍ) مرفوعة (وآثارٍ) موقوفة على حكم من الأحكام الشرعية (وهي) أي: تلك الأسانيد (في زَعْم) بفتح الزاي وضمّها وكسرها ثلاث لغات مشهورات، وهو القولُ بلا دليل، وهي مبَتدأٌ. والجارُّ والمجرورُ في قوله: (في زَعْم) (مَنْ حَكَينا) وذكرنا (قوله) الفاسدَ (مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل هذا المقام: متعلِّقٌ بقوله: (واهيةٌ) وهو خبرُ المبتدأ، والتقديرُ: وهي شديدةُ الضعف (مُهْمَلَةٌ) أي: مُعَطَّلَةٌ عن الاستعمال غيرُ مقبولةٍ في زعْمِ مَنْ حَكَينا قوله من قبل. قال النووي: (ولو قال: "ضعيفةٌ" بدلَ "واهيةٌ" .. لكان أحسن؛ فإنَّ هذا القائل لا يدَّعِي أنها واهيةٌ شديدةُ الضعْفِ متناهيةٌ فيه كما هو معنى واهية، بل يَقْتَصِرُ على أنها ضعيفة لا تقومُ بها الحُجَّة) اهـ (١). أي: وفي زعم من حكينا قوله مهملة مُعَطَّلة عن الاستعمال (حتى يُصِيبَ) ويجدَ ذلك الزاعمُ ويَعْلَمَ (سماعَ الراوي عَمَّنْ رَوَى) عنه والتصريحَ به.

стр. 529

وَلَوْ ذَهَبْنَا نُعَدِّدُ الأخْبَارَ الصِّحَاحَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّا يَهِنُ بِزَعْمِ هَذَا الْقَائلِ وَنُحْصِيهَا .. لَعَجَزْنَا عَنْ تَقَصِّي ذِكْرِهَا وَإِحْصَائِهَا كُلِّهَا، وَلَكِنَّا أَحْبَبْنَا أنْ ننصِبَ مِنْهَا عَدَدًا يَكُونُ سِمَةً لِمَا سَكَتْنَا عَنْهُ مِنْهَا ــ (ولو ذَهَبْنا) وأجرينا في الكلام وأطلْناه حالة كوننا (نُعَدِّدُ) ونحسُبُ (الأخبار الصِّحَاحَ) والأسانيدَ السليمةَ (عندَ أهلِ العِلْمِ) بالحديث وأئمة السلف حالةَ كَوْنِ تلك الأخبار (مِمَّا يَهِنُ) ويضعفُ (بزَعْمِ هذا) الزاعمِ (القائل) بالقول المخترع؛ أي: ممَّا يَهِنُ عنده لعدم توفُّر الشروط التي يعتبرها. وقولُه: (ممَّا يهنُ) هكذا في الأصول المحققَّة والنسخ القديمة بلفظ ما الموصولة وهي الصواب، وفي بعض النُّسخ: (مِمَّنْ) بلفظ (مَنْ) التي هي للعاقل وهي تحريفٌ من النُّسَّاخ؛ لأنَّ الأخبارَ ليستْ من العُقلاء. وقولُه: (ونُحْصِيها) أي: ونُحْصِي تلك الأخبارَ ونضبطُها بعددٍ معينٍ: معطوفٌ على (نُعَدِّدُ) أي: ولو ذَهَبْنا نُعَدِّدُها وشرعنا في تعدادها بأنْ قُلْنا: واحد اثنان ثلاثة إلى آخرها، ونحصيها ونجمعها ونضبطها في عدد معين كمائة وألف مثلًا. وقولُه: ( .. لَعَجَزْنا) جوابُ لو الشرطية في قوله: (ولو ذَهَبْنا)، (عن تَقَصِّي ذِكْرِها) أي: لَعَجَزْنا عن ذِكْرِ قصواها وغايتها في تعدادنا إياها (و) عن (إحصائها) وضَبْطِها (كُلِّها) وجَمْعِها في عددٍ مُعَيَّنٍ؛ لخروجها عن قبول ذلك بالكثرة. وقولُه: (كُلِّها) بالجرِّ تأكيدٌ للضمير المجرور، يُقال: قصا المكان بَعُدَ، وبابه سما، فهو قاصٍ وقَصِيٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ وقصَا عن القوم: تباعدَ عنهم، فهو قاص وقَصِيٌّ، وبابه أيضًا سما، واستقصى في المسألة وتقصَّى فيها؛ أي: بلغ غايتها في البحث عنها. اهـ "مختار" بتصرف (ولكنَّا أَحْبَبْنَا) وقَصَدْنا (أَنْ ننصِبَ) ونَذْكُرَ (منها) أي: من تلك الأخبار الصحاح التي تَهِنُ بزَعْمِ هذا القائل (عددًا) قليلًا (يكونُ سِمَة) وعلامةً (لِـ) معرفةِ (ما سَكَتْنا عنه منها) أي: من تلك الأخبار؛ أي: نذْكُر منها عددًا قليلًا يكون علامة عليها لِمَنْ أرادَ معرفة ما سكتنا عن ذكره منها؛ أي: عددًا يكون له كالنُّصُب المنصوبة على الطريق ليهتدي بها مَنْ لا يَعْرفُ الطريق، كالألواح المكتوب عليها أسماء الجهات

стр. 530

وَهَذَانِ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَأَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ - وَهُمَا ــ المركوزة عند مقاطع الطريق، وفي قوله: (ننصِبُ) استعارةٌ تصريحيةٌ تبعية. ومِنْ ذلك العددِ القليلِ الذي أحببنا جعله سمة لما سكتنا عنه منها ما ذَكَرْناه في ضمن قولنا: (وهذان أبو عثمان النَّهْدِيُّ وأبو رافعٍ الصائغُ) (هذان): مبتدأ، و (أبوَ عثمانَ وأبو رَافعٍ): بَدَلٌ منه أو عطف بيانٍ له، والخبرُ يأتي في قوله: (قد أَسْنَدَ كُلُّ واحدٍ منهما) وما بينهما اعتراضٌ، وفي كثير من النسخ: (وهذا أبو عثمان) بالإفراد، ولعلَّه تحريفٌ من النُّسَّاخ، والصوابُ ما قُلنا. وأما أبو عثمان النهدي: فهو عبد الرحمن بن ملّ -بتثليث الميم ولام مشددة- ابن عمرو بن عدي النهدي -بفتح النون وسكون الهاء نسبة إلى نهد بن زيد بن قضاعة كما في "اللباب"- مشهور بكنيته، مخضرمٌ، الكوفي، أسلم وصدَّق ولم ير النبي ﷺ . روى عن عمر وعلي وأبي ذر، ويروي عنه (ع) وقتادة وأيوب وأبو التياح والجريري وخلق، وثقه ابن المديني وأبو حاتم والنسائي. وقال في "التقريب": ثقة ثبت من كبار الثانية، مات سنة خمس وتسعين وله أكثر من مائة وثلاثين سنة. وأما أبو رافع الصائغ: فهو نفيع المدني، مولى ابنة عمر بن الخطاب، نزيل البصرة. روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابنه عبد الرحمن وحسن وحميد بن هلال وخِلاس بن عمرو وثابت البناني وقتادة وسليمان التيمي وغيرهم. وقال ثابت: لما أعتق أبو رافع .. بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: كان لي أجران فذهب أحدهما. وثقه العجلي، وقال في "التقريب": ثقة مشهور بكنيته، من الثانية. وقوله: (وهما) أي: أبو عثمان وأبو رافع، والواو اعتِرَاضِيَّة، (هما) مبتدأ

стр. 531

مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَصحِبَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِنَ الْبَدْرِيينَ هَلُمَّ جَرًّا، ــ خبره (ممن أدرك الجاهلية) أي: زمَنَها، والجملة الاسمية معترضة؛ لاعتراضها بين المبتدأ والخبر لبيان شأنهما، وفي بعض النسخ: (وهما من أدرك الجاهلية) بحذف الجار في (من)، ولعلها تحريف من النساخ؛ أي: كانا رجلين قبل بعثة النبي ﷺ ، والجاهليةُ: ما كان قبل بعثة رسول الله ﷺ ، سموا بذلك لكثرة جهالاتهم. وقوله: (وصحبا) معطوف على أدرك؛ أي: وممن صحبا (أصحاب رسول الله ﷺ . وقوله: (من البدريين) بيان لأصحاب رسول الله ﷺ ؛ أي: حالة كونهم من الذين حضروا غزوة بدر ومن الأحديين ومن أصحاب الشجرة. وقوله: (هلم جرًا) هلم هنا: اسم فعل أمر بمعنى استمر، وجرًا بمعنى استمرارًا مفعول مطلق معنوي لـ (هلم)، والمعنى: استمر أيها المخاطب استمرارًا في عد، طبقات الصحابة من الأحديين وأصحاب بيعة الرضوان مثلًا. اهـ من رسالتنا "هدية أولي العلم والإنصاف". وقال القاضي عياض: (و "هلم جرًا" ليس هذا المقامُ موضعَها؛ لأنها إنما تستعمل فيما اتصل إلى زمان المُتَكَلِّم بها، وإنما أراد مسلم بها من البدريين فمن بعدهم من الصحابة). وقوله: (جَرًّا) منون، قال صاحب "المطالع": (قال ابن الأنباري: معنى هَلُمَّ جرًّا: سيروا وتَمَهَّلُوا في سيركم وتَثَبَّتوا فيه، وهو من الجرّ، وهو تَرْكُ النَّعم في سيرها. فيُستعمل فيما دُوومَ عليه من الأعمال، قال ابنُ الأنباري: وانتصَبَ جَرًّا على المصدر، أي: جُرُّوا جَرًّا، أو على الحال، أو على التمييز) اهـ (١)

стр. 532

وَنَقَلا عَنْهُمُ الأَخْبَارَ حَتَّى نَزَلا إِلَى ــ قلتُ: وفي كونه تمييزًا بُعْدٌ كما في "حاشية الصبّان على الملوي"، وقال القاضي زكريا نقلًا عن العلامة الجمال بن هشام: إنه بعد اطلاعه على كلام غيره وتوقفه في أنه عربي .. قال: إنَّ (هَلُم) هنا يُقال: لا بمعنى المجيء الحسي ولا بمعنى الطلب حقيقة، بل بمعنى الاستمرار على الشيء، وبمعنى الخبر، وعُبِّرَ عنه بالطلب كما في قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ وجرًا مصدر جره إذا سحبه يبقى مصدرًا مؤكدًا لعامله وهو (هلم) الذي بمعنى استمر. والمعنى هنا: استمر في عد طبقات الصحابة استمرارًا، فحينئذ إعرابه: (هلم): اسم فعل أمر بمعنى استمر مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت، و (جرًا) مفعول مطلق معنوي منصوب بـ (هلم)، وجملة اسم الفعل جملة طلبية لا محل لها من الإعراب، أو يجعل حالًا مؤكدة لعاملها والتقدير: استمر في عد طبقاتهم حالة كونك مستمرًا فيه. وليس المراد الجر الحسي، بل التعميم كما في السحب في قولهم: هذا الحكم منسحب على كذا؛ أي: شامل، فكأنه قيل هنا: استمرارًا أو مستمرًا نظير قولهم: كان ذلك الأمر عام كذا وهلم جرًا؛ أي: واستمر ذلك في بقية الأعوام. اهـ من "شرح الشيخ أحمد الملوي على متن السلّم" لعبد الرحمن الأخضري في المنطق بتصرف وزيادة من "حاشية الصبان" عليه. وقال ابن يعقوب: وأصل (هلم): أن تستعمل لطلب الإقبال، ثم استعيرت لطلب الاستمرار، وكأنه يقول هنا: يستمر عد الطبقات هكذا استمرارًا، وعبر عن هذا الاستمرار بالجر -أي: الانجرار- لأن الأمر المنجَرَّ مستمرٌّ. اهـ من "حاشية الصبان على الملوي". وقوله: (ونَقَلا) معطوفٌ على (أَدْرَكَ) أيضًا على كونه صلةَ لـ (مَن) الموصولة؛ أي: وممَّنْ نقلا (عنهم) أي: عن أصحاب رسول الله ﷺ (الأخبارَ) والأحاديث من كبارهم وقدمائهم (حتى نَزَلا إلى) النَّقْلِ عن متأخِّريهم

стр. 533

مِثْلِ أَبي هُرَيرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَذَويهِمَا - قَدْ أَسْنَدَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ــ وصغارهم (مِثْلِ أبي هُرِيرَةَ) عبد الرحمن بن صَخْرِ الدَّوْسيِّ (١) (و) عبد الله (بنِ عُمَرَ) بن الخطاب (وذويهما) أي: أشباههما من متأخري الصحابة وصغارهم كابن عباس وابن الزُّبير ﵃. قولُه: (وذَويهما) قال النوويُّ: (فيه إضافةُ "ذي" إلى غير الأجناس، والمعروفُ عند أهل العربية: أنها لا تُستعمل إلّا مضافةً إلى الأجناس كذي مال، وقوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، وقد جاء في الحديث وغيره من كلام العرب إضافةُ ألفاظٍ منها إلى المفردات كما في الحديث: "وتصلُ ذا رحمك" وكقولهم: ذو يزن وذو نُوَاس وأشباهها، قالوا: هذا كُلُّه مُقَدَّرٌ فيه الانفصالُ، فتقديرُ ذي رحمك: الذي له معك رحمٌ) اهـ (٢). وجملةُ قوله: (قد أَسْنَدَ كُل واحدٍ منهما) خبرٌ عن قوله: (وهذان أبو عثمان وأبو رافعِ) كما مَرَّ هناك الإشارة إليه؛ أي: رَوَى كُل واحدٍ من أبي عثمان وأبي رافع بسَندٍ مُتَّصِلٍ (عن أُبَيِّ بنِ كَعْبِ) بن قيس بن عبيد الأنصاري الخزرجي أبي المنذر المدني، سَيّد القرَّاء، كتب الوحي وشهد بدرًا وما بعدها، له مائة وأربعة وستون حديثًا. روى عنه (ع) وابن عباس وأنس وسَهْل بن سَعْد وسويد بن غَفَلَة ومسروق وخَلْق كثير. وكان رَبْعَةَ نحيفًا أبيضَ الرأس واللحية، وكان ممَّنْ جَمَعَ القرآن، ومن فُضلاءِ الصحابة، وله مناقبُ جَمَّةٌ ﵁. وقال في "التقريب": اختُلف في سنة موته اختلافًا كثيرًا، قيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة اثنين وثلاثين أو ثلاث وثلاثين، وقال بعضُهم: صَلَّى عليه عثمانُ ﵁.

стр. 534

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا، وَلَمْ نَسْمَعْ فِي رِوَايَةٍ بِعَينهَا أَنَّهُمَا عَايَنَا أُبَيًّا، أَوْ سَمِعَا مِنْهُ شَيئًا ــ (عن النبيِّ ﷺ حديثًا) واحدًا (ولم نَسْمَعْ) نحن (في روايةٍ بعَينِها) أي: في روايةٍ معيَّنة (أنّهما) أي: أن أبا عثمان وأبا رافع (عاينا) ورأيا (أُبيًّا) بعينهما (أو سَمِعَا منه) أي: من أُبَيٍّ بلا واسطة (شيئًا) من الحديث، ومع ذلك فروايتُهما عنه صحيحةٌ محمولةٌ على السماع منه. فأمَّا حديثُ أبي عثمان عن أُبَيٍّ .. فقولُه: (كان رجلٌ لا أعلمُ أحدًا أَبْعَدَ بيتًا من المسجدِ منه ... ) الحديث، وفيه قولُ النبي ﷺ له: "أعطاك الله ما احْتَسَبْتَ" أخرجه مسلم في "صحيحه" (١/ ٤٦٠ - ٤٦١) (١). وأمَّا حديثُ أبي رافع عنه فهو: (أن النبيَّ ﷺ كان يعتكف العشرَ الأواخرَ من رمضان، فسافرَ عامًا، فلمَّا كان العام المقبلُ .. اعتكف عشرين يومًا" رواه أبو داود والنسائي وابنُ ماجهْ في "سننهم" (٢)، ورواه جماعات من أصحاب المسانيد أيضًا (٣).

стр. 535

وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيبَانِيُّ -وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَكَانَ فِي زَمَنِ النَّبِي ﷺ رَجُلًا- وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرَينِ ــ (وأَسْنَدَ) أيضًا (أبو عَمْرٍو) سَعْدُ بن إياس (الشَّيبَانِيُّ) الكوفي، أدرك زمنَ النبي ﷺ ولم يَرَه. روى عن علي وابن مسعود، ويروي عنه (ع) وسلمة بن كُهَيلْ ومنصور والأعمش. وقال في "التقريب": ثقةٌ مخضرَمٌ، من الثانية، مات سنة خمسٍ أو ستٍّ وتسعين، وهو ابن مائة وعشرين سنة. (وهو مِمَّنْ أَدْرَكَ الجاهليّةَ، وكان في زَمَنِ النبيِّ ﷺ رجلًا) كاملًا (١). وقولُه: (وأبو مَعْمَرٍ) معطوفٌ على (أبو عَمْرٍو) (عبدُ اللهِ بن سَخْبَرَةَ) بسين مهملة مفتوحة ثم خاء معجمة ساكنة ثم موحدة مفتوحة، عطفُ بيانٍ أو بدلٌ من (أبو مَعْمَرٍ)، الكوفيُّ الأَسْدِيُّ بإسكان المهملة. روى عن علي وخَبَّاب وعبد الله بن مسعود، ويروي عنه (ع) والنَّخَعي ومجاهد، وَثَّقَه ابنُ مَعِين. وقال في "التقريب": ثقة من الثانية، مات في إمارة عبد الله بن الزُّبير. أَسْنَدَ (كُلُّ واحدٍ منهما) أي: كُلُّ مِنْ أبي عَمْرٍو وأبي مَعْمَرٍ (عن أبي مسعودٍ) عقبةَ بنِ عَمْرٍو (الأنصاريِّ) البَدْرِيِّ (عن النبيِّ ﷺ خَبَرَينِ) أي: حديثَينِ. فأمَّا الحديثان اللذان رواهما الشيبانيُّ .. فأحدُهما حديث: جاء رجلٌ إلى النبي

стр. 536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ فقال: (إنه أُبْدِع (١) بي) (٢)، والآخرُ: جاء رجلُ إلى النبي ﷺ بناقةٍ مخطومةٍ .. فقال: "لك بها يومَ القيامة سبعُمائة ناقة كُلُّها مخطومة" أخرجهما مسلم (٣) وأسند أبو عَمْرٍو الشيبانيُّ أيضًا عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ حديث: "المستشارُ مؤتَمنٌ " رواه ابنُ ماجَهْ وعَبْدُ بن حُمَيدٍ في "مسنده" (٤). وأمَّا حديثًا أبي مَعْمَرٍ .. فأحدُهما: (كان النبيُّ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنا في الصلاة ... ) أخرجه مسلم (١/ ٣٢٣) (٥)، والآخرُ: "لا تُجزئ صلاةٌ لا يُقيم الرجلُ فيها صُلْبَه في الرُّكُوع والسجود" رواه أبو داود والترمذيُّ والنَّسايُّ وابنُ ماجهْ وغيرُهم من أصحاب السُّنَن والمسانيد، قال الترمذي: هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٦)، والله أعلم.

стр. 537

وَأَسْنَدَ عُبَيدُ بْنُ عُمَيرٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا، وَعُبَيدُ بْنُ عُمَيرٍ وُلِدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ــ (وأَسْنَدَ عُبَيدُ بن عُمَيرٍ) بن قتادة الليثي أبو عاصم المكيُّ القاصُّ، مُخَضْرَمٌ. روى عن أُبيٍّ وعُمَرَ وعليّ وعائشة وأم سلمة وأبي موسى ﵃، ويَرْوي عنه (ع) وابنه عُبيد الله وابن أبي مُلَيكة ومجاهد وعطاء وعَمْرو بن دينار. قال ثابتٌ: أَوَّلُ مَنْ قَصَّ عُبَيدُ بن عُمَيرٍ، وَثَّقَه أبو زُرْعة. وقال في "التقريب": وُلِدَ على عَهْدِ النبي ﷺ ، ذكره مسلمٌ في مقدّمته، وعَدَّه غيرُه في كبار التابعين، وكان قاصَّ أهلِ مكة، مُجْمَع على ثقته، مات قبل ابن عُمر سنة أربع وستين. (عن أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أمية حذيفةَ المخزومِيَّة (زَوْجِ النبيِّ ﷺ تَزَوَّجها سنة اثنتين من الهجرة بعد بدر (١)، وبنى بها في شوال، وكانتْ قبلَه عند أبي سلمة. رَوَتْ عن النبي ﷺ وعن أبي سلمة بن عبد الأسد وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ويروي عنها (ع) وابناها عمرو وزينب -ابنا أبي سلمة- وسُلَيمان بن يَسَار وأُسامة بن زيد وجماعة. وعاشتْ بعد ما تَزَوَّجَها الرسولُ ﷺ ستين سنة، ماتتْ سنة اثنتين وستين، وزوجها أبو سلمة شَهِدَ أُحدًا، ورمي بسَهْمٍ فعاش مدة خمسة أشهر أو سبعة ومات. (عن النبيِّ ﷺ حديثًا؛ وعُبَيدُ بن عُمَيرٍ وُلِدَ في زَمَنِ النبيِّ ﷺ وحديثُ عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ عن أُمّ سلمة هو قولُها: لمَّا مات أبو سلمة ..

стр. 538

وَأَسْنَدَ قَيسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ - وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِي ﷺ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةَ أَخْبَارٍ ــ قلتُ: غريبٌ وفي أرضِ غُرْبَةٍ، لأَبكينَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عنه). أخرجه مسلم (١). (وأَسْنَدَ قَيسُ بن أبي حازمٍ) البجليُّ الأحمسيُّ أبو عبد الله الكوفي، أحدُ كبارِ التابعين وأعيانِهم، مخضرَم، ويُقال: له رؤية، وهو الذي يُقال: إنه اجْتَمَعَ له أن يروي عن العَشَرة. واسم أبي حازم: عبدُ عوف، وقيل: عوف بن عبد الحارث البجلي صحابيّ، ويروي عنه (ع) والحَكَم بن عُتَيبة وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش، وَثَّقه ابنُ مَعِين. وقال في "التقريب": من الثانية، مات بعد التسعين أو قبلها وقد جاوز المائة وتغيَّر، وقال خليفة: مات سنة ثمان وتسعين. (- وقد أَدْرَك زَمَنَ النبيِّ ﷺ عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ عن النبيِّ ﷺ ثلاثةَ أَخْبَارٍ) أي: ثلاثةَ أحاديث: الأول: حديث: لا إن الإيمان ها هنا، وإن القَسْوَةَ وغِلَظَ القلوب في الفَدَّادين" (٢)، والثاني: حديث: "إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد" (٣). والثالث: حديث: "لا أكاد أدرك الصلاة مما يُطَوِّلُ بنا فلانٌ"، أخرجها كُلَّها

стр. 539

وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي لَيلَى -وَقَدْ حَفِظَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَصَحِبَ عَلِيًّا- عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا. وَأَسْنَدَ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ ــ البُخَاريُّ ومسلمٌ في "صَحِيحَيهِما" (١). (وأَسْنَدَ عبدُ الرحمنِ بن أبي لَيلَى) اسمه يَسار -ويقال: بلال، ويقال: داودُ بن بلال- بن بُلَيل بن أُحَيحة الأنصاري الأوسي، أبو عيسى الكوفي. روى عن عُمر ومعاذ وبلال وأبي ذرّ، وأدرك مئةً وعشرين من الصحابة الأنصاريين، ويروي عنه (ع) وابنه عيسى ومجاهد وعَمْرو بن ميمون -أكبر منه- والمنهال بن عَمْرو وخلق. قال عبد الله بن الحارث: ما ظننتُ أن النساء وَلَدْنَ مثله، وَثَّقَه ابنُ معين. وقال في "التقريب": ثقة، من الثانية، مات سنة ثلاث وثمانين بوقعة الجماجم، وقيل: غرق بدُجَيل مع محمد بن الأشعث. (وقد حَفِظَ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّاب) وقال في "التقريب": واختُلف في سماعه عن عُمر (وصَحِبَ عَلِيًّا) ابن أبي طالب. وقولُه: (عن أَنَسِ بنِ مالكٍ) متعلِّقٌ بـ (أسْنَدَ) أي: رَوَى عن أنس (عن النبيِّ ﷺ حديثًا) واحدًا وهو قولُه: (أمر أبو طلحة أُمَّ سُلَيمٍ: اصنعي طعاما للنبي ﷺ ) أخرجه مسلم (٢). (وأَسْنَدَ رِبْعِيُّ بن حِرَاشي) بكسر المهملة العبسيُّ -بموحدة- أبو مريم الكوفي، مخضرَم.

стр. 540

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ عَنِ النَّبِى ﷺ حَدِيثَينِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا، ــ روى عن عُمر وعليّ فَرْد حديث وأبي مسعودٍ عقبة بن عَمْرٍو وأبي ذرٍّ وأبي موسى، ويروي عنه (ع) ومنصور بن المُعْتَمِر وعبد الملك بن عُمَير وأبو مَالك الأشجعي ونعيم بن أبي هند، قال العِجْليُّ: من خيار الناس لم يَكْذِبْ كَذْبةً قط. وقال في "التقريب": ثقةٌ عابدٌ مخضرَم، من الثانية، مات سنة مائة، وقيل: مائة وأربع، وليس في مسلم من اسمه رِبْعِيّ إلّا هذا التابعي الثقة الجليل. (عن عِمْرَانَ بنِ حُصَينِ) بن عُبيد الخزاعي أبي نُجيد مصغرًا، أسلم عام خيبر، له مائة وثلاثون حديثًا. (عن النبيِّ ﷺ حديثَينِ) أحدُهما: في إسلام حُصَين والدِ عمران وفيه قولُه: (كان عبد المطلب خيرًا لقومك منك) رواه عَبْد بن حميد في "مسنده" والنسائيُّ في كتابه "عمل اليوم والليلة" (١) بإسناديهما الصحيحين. والحَدِيثُ الآخرُ: "لأَعُطينّ الراية رجلًا يُحِبُّ الله ورسولَه" رواه النَّسائيُّ في "سننه" (٢). (و) أَسْنَدَ رِبْعِيُّ بن حِرَاشِ أيضًا (عن أبي بكْرَةَ) نُفَيع بن الحارث بن كَلَدة -بفتحتين- ابن عمرو الثقفي، كُني بأبي بَكْرة لأنه نَزَلَ عليها من حصن الطائف إلى النبي ﷺ فكناه النبيُّ ﷺ بها، له مائة واثنان وثلاثون حديثًا، وكان أبو بَكْرة ممن اعتزل يوم الجمل فلم يُقَاتِلْ مع أَحَدٍ من الفريقين. (عن النبيِّ ﷺ حديثًا) واحدًا، وهو قولُه ﷺ : "إذا المسلمان حَمَلَ أحدُهما على أخيه السِّلاحَ .. فهُمَا على جُرُفِ جهنَّم" أخرجه مسلمٌ (٣)

стр. 541

وَقَدْ سَمِعَ رِبْعِيٌّ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَرَوَى عَنْهُ. وَأَسْنَدَ نَافِعُ بْنُ جُبَيرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِي شُرَيحٍ الْخُزَاعِيِّ ــ وأشار إليه البخاريُّ (١). (وقد سَمعَ رِبْعِيُّ) بن حِرَاش هذا الحديث الذي رواه عن أبي بكرة (من عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ) ﵁ (وَروَى عنه) أي: عن علي بن أبي طالب أيضًا وهو معطوفٌ على (سَمِعَ). (وأَسْنَدَ نافعُ بن جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ) النوفليُّ أبو محمد المدنيُّ. روى عن أبيه والعبّاس بن عبد المطلب والزُّبَير بن العَوَّام وعلي بن أبي طالب وأبي شُرَيح، ويروي عنه (ع) وعروة بن الزبير والزُّهْرِيُّ وعَمْرُو بن دينار وخَلْق، وَثَّقَه أبو زرعة. وقال في "التقريب": ثقةٌ فاضلٌ، من الثانية، مات سنة تسع وتسعين. (عن أبي شُرَيحٍ) خويلد بن عَمْرو بن صخر بن عبد العُزى بن معاوية (الخُزَاعِيِّ) الكعبي، أسلم يوم الفتح، وكان يحمل أحد ألوية بني كعب. روى عن النبي ﷺ وعن ابن مسعود، ويروي عنه (ع) وأبو سعيد المَقْبُري ونافع بن جُبَير بن مُطْعِم. قال ابنُ سَعْد: مات بالمدينة سنة ثمان وستين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، والأولُ أصَحُّ؛ لأنه تاريخ عمرو بن سعيد بن العاص وهو يبعث البعوث إلى مكة لقتال ابن الزبير وكان ذلك في خلافة يزيد بن معاوية بعد سنة ستين. اهـ "تهذيب التهذيب" (١٢/ ١٢٥ - ١٢٦).

стр. 542

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا. وَأَسْنَدَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ــ (عن النبيِّ ﷺ حديثًا) واحدًا، وهو حديث: "مَنْ كان يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر .. فَلْيُحْسِنْ إلى جاره"، أخرجه مسلمٌ في كتاب الإيمان هكذا من رواية نافع بن جُبَير (١)، وقد أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ أيضًا من رواية سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري (٢). (وأَسْنَدَ النُّعْمَانُ بن أبي عَيَّاشٍ) بتحتانية مشددة وشين معجمة، الزرقيُّ الأنصاريُّ أبو سلمة المدنيُّ، واسمُ أبي عياش والدِ النعمان: زيدُ بن الصامت، وقيل: زيد بن النعمان، وقيل: عبيد بن معاوية بن الصامت وقيل: عبد الرحمن. روى عن أبي سعيد الخُدْري وابن عُمر وجابر وخولة بنت قيس، ويروي عنه (م ت س ق) وأبو حازم وابن عجلان ويحيى بن سعيد الأنصاري وسُهَيل بن أبي صالح وغيرهم، وَثَّقَه ابنُ مَعِين. وقال في "التقريب": ثقةٌ من الرابعة. أي: رَوَى (عن أبي سعيدٍ) سَعْدِ بنِ مالك بن سنان -بنونين- ابن عُبيد بن ثعلبة بن عُبَيد بن خُدْرة -بضم المعجمة- ابن عوف بن الحارث بن الخَزْرَج (الخُدْرِيِّ) منسوب إلى خُدْرة بن عوف، له ولأبيه صحبة، استُصغر يومَ أُحد، ثم شهد ما بعدها، وبايع تحت الشجرة، وكان من علماء الصحابة، له ألف ومائة حديث وسبعون حديثًا.

стр. 543

ثَلاثَةَ أَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَسْنَدَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيثِيُّ ــ ويروي عنه (ع) وطارق بن شهاب وابن المُسَيّب والشَّعْبي ونافع وخلق، مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين -وقيل: سنة أربع وسبعين- وهو ابنُ أربع وسبعين سنة. (ثلاثةَ أحاديث عن النبيِّ ﷺ : أمَّا الأولُ منها: فقوله ﷺ : "مَنْ صام يومًا في سبيل الله .. بَاعَدَ اللهُ وَجْهَه عن النار سبعين خريفًا" (١). والثاني: "إنَّ في الجنة شجرةَ يسيرُ الراكبُ في ظِلِّها ... " (٢) أخرجهما معًا البخاريُّ ومسلمٌ. والثالث: "إنَّ أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً رجلٌ صَرَفَ اللهُ وَجْهَه عن النار ... " الحديث أخرجه مسلمٌ (٣). (وأَسْنَدَ عطاءُ بن يَزِيدَ الليثيُّ) ثم الجُنْدَعي بجيم مضمومة فنون ساكنة ودال مفتوحة مهملة وعين مهملة كما في "المغني"، أبو محمد -وقيل: أبو يزيد- المدني ثم الشامي.

стр. 544

عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا ــ روى عن تميم الداري وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي أيوب الأنصاري وحُمْران بن أبان وعبيد الله بن عدي بن الخِيار، ويروي عنه ابنه سليمان والزُّهْري، وأبو عبيد صاحب سليمان بن عبد الملك وأبو صالح السمَّان وسُهَيل بن أبي صالح السمَّان. .. وهلال بن ميمون الرملي- وغيرهم. قال علي بن المَدِيني: سكن الرملة وكان ثقةً، وقال النسائيُّ: أبو يزيد عطاء بن يزيد شامي ثقة، وقال ابنُ سَعْد: كناني من أنفسهم، توفي سنة سبع ومائة وهو ابن اثنتين وثمانين. اهـ " تهذيب التهذيب" (٧/ ٢١٧). (عن تميمِ) بن أوس بن خارجة (الدَّارِيِّ) نسبة إلى الدار بن هانئ من لخم، كان راهبَ عصرِه وعابدَ أهل فِلَسْطِينَ -وقيل: نسبة إلى جده الدار بن هانئ بن حبيب، وقيل: نِسْبة إلى دارين وهو موضع في بلادِ البحرين، تُجْلب إليه العُطُور مِن بلادِ الهند، والأولُ أصحُّ- أبِيَ رُقَيَّة بقاف وتحتانية مصغرًا، الصحابي المشهور، أسلم سنةَ تسع، وسكنَ بيت المقدس بَعْد ما قُتل عثمان، له ثمانيةَ عشر حديثًا، انفرد له (م) بحديث. روى عنه سيّدُ البشر ﷺ خَبَر الجسَّاسِة وذلك في (خ م)، وناهِيكَ بهذه المنقبةِ الشريفةِ، وتدَخلُ في رواية الأكابر عن الأصاغر، ويروي عنه أنسٌ ..... وعطاءُ بن يَزيد وشَهْرُ بن حَوْشَب وقَبيصة بن ذُؤَيب- وعِدَّةٌ. كان صاحبَ لَيل وتلاوةٍ، قال ابنُ سيرين: جَمَعَ القرآنَ وكان يختمُ في ركعة، وقال مسروق: صلَّى ليلةً حتى أصبح يقرأ آيةَ يُرَددها: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآية، وقال أبو نعيم: أوَّلُ مَنْ سَرَّج في المساجد تميم، وقال أنس: اشترى حُلةً بألفٍ ليخرج فيها إلى الصلاة، وقال السائب بن يَزِيد: هو أوَّلُ مَنْ قَصَّ بإذنِ عُمر، توفي سنة أربعين. (عن النبيِّ ﷺ حديثًا) واحدًا وهو حديث: "الدِّينُ النصيحة". تتمة: وعبارةُ النووي هنا: (وأمَّا تميم الدَّارِيُّ .. فكذا هو في "مسلم"، واخْتَلَفَ فيه

стр. 545

وَأسْنَدَ سُلَيمَان بْنُ يَسَارٍ ــ رواةُ "الموطإ"، ففي رواية يحيى وابن بُكَير وغيرهما: الدَّيري بالياء، وفي رواية القعنبي وابن القاسم وأكثرهم: الدَّاري بالألف. واختلَف العلماءُ في أنه إلى مَنْ نُسبَ؟ فقال الجمهور: نسبة إلى جَدٍّ من أجداده وهو الدارُ بن هانئ؛ فإنه تميمُ بن أوس بن خارجة بن سُود -بضم السين- ابن جَذِيمة -بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة- ابن ذراع بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نُمارة بن لَخْم وهو مالكُ بن عدي. وأمَّا مَن قال: (الديري) .. فهو نسبة إلى دَيرٍ كان تميم فيه قبل الإسلام وكان نصرانيًّا، هكذا رواه أبو الحُسَين الرازيُّ في كتابه "مناقب الشافعي" بإسناده الصحيح عن الشافعي أنه قال في النسبَتَينِ ما ذكرناه، وعلى هذا أكثرُ العلماء. ومنهم من قال: الداري بالألف نسبة إلى دَارين، وهو مكان عند البحرين وهو محطُّ السُّفُن، كان يُجلب إليه العِطر من الهند، ولذلك قيل للعطّار: داري. ومنهم مَنْ جعله بالياء نسبةً إلى قبيلة أيضًا، وهو بعيدٌ شاذٌ حَكَاهُ والذي قبلَه صاحبُ "المطالع" قال: وصَوَّبَ بعضُهم الديري (١). قلتُ: وكلاهما صوابٌ، فنُسِبَ إلى القبيلة بالألفِ وإلى الدير بالياء؛ لاجتماع الوصفين فيه. قال صاحب "المطالع": وليس في "الصحيحين" و"الموطإ" داريٌ ولا ديريٌّ إلّا تميم) اهـ (٢). (وأَسْنَدَ سُلَيمَانُ بن يَسَارٍ) الهلاليُّ المدني مولى ميمونة، أحدُ الفقهاء السبعة. روى عن زيد بن ثابت وعائشة وأبي هريرة ومولاته ميمونة ﵂، وأَرْسَلَ عن جماعة، ويروي عنه (ع) ومكحول وقتادة والزُّهْري وعَمْرو بن شعيب. قال ابنُ سعد: كان ثقةً عالمًا رفيعًا فقيهًا كثيرَ الحديث.

стр. 546

عَنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا. وَأَسْنَدَ حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ أَبي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَحَادِيثَ ــ وقال في "التقريب": ثقةٌ فاضلٌ، من كبار الثالثة، مات سنة مائة -وقيل: مع أربع، وقيل: مع سبع- عن ثلاث وسبعين سنة. (عن رافعِ بنِ خَدِيجِ) بن رافع بن عدي بن تَزِيد بن جُشم بن حارثة الأنصاري الأوسي، صحابي شَهِدَ بدرًا وما بعدها، له ثمانية وسبعون حديثًا، ويروي عنه (ع) وابنه رفاعة وبُشَير بن يَسَار وطاوس وعطاء. عاش ستًّا وثمانين سنة، وقال خليفة: مات سنة أربع وسبعين. (عن النبيِّ ﷺ حديثًا) واحدًا، وهو حديث المحاقلة، أخرجه مسلم رحمه الله تعالى (٣/ ١١٨١) (١). (وأَسْنَدَ حُمَيدُ بن عبد الرحمنِ الحِمْيَرِيُّ) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وفتح الياء منسوب إلى حِمْيَر بن سبإ بن يشجب البصري. روى عن أبي بَكْرة وابن عُمر وأبي هريرة وابن عباس وثلاثة من ولد سعد وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابنه عبد الله ومحمد بن المنتشر وعبد الله بن بُرَيدة ومحمد بن سيرين وأبو بشر وعَزْرة بن عبد الرحمن وأبو التيَّاح وداود بن أبي هند وغيرهم. قال العِجْلِيُّ: بصري ثقة، وكان ابنُ سيرين يقول: هو أفقهُ أهل البصرة. وقال في "التقريب": ثقة فقيه من الثالثة. (عن أبي هُرَيرَةَ عن النبيِّ ﷺ أحاديثَ) قال النووي: (من هذه الأحاديث حديث: "أفضلُ الصيام بعد رمضان شهرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وأفضلُ الصلاةِ بعد الفريضة صلاةُ الليلِ" أخرجه مسلمٌ (٢) منفردًا به عن البخاري.

стр. 547

فَكُلُّ هَؤُلاءِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ نَصَبْنَا رِوَايَتَهُمْ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمَّينَا لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُمْ سَمَاع عَلِمْنَاهُ مِنْهُمْ فِي رِوَايَةٍ بِعَينهَا، وَلَا أَنَّهُمْ لَقُوهُمْ فِي نَفْسِ خَبَرٍ بِعَينهِ، وَهِيَ ــ قال أبو عبد الله الحُمَيدِيُّ رحمه الله تعالى في آخر مسند أبي هريرة من "الجمع بين الصحيحين" (١): ليس لحُمَيدِ بن عبد الرحمن الحِمْيَرِيِّ عن أبي هريرة في "الصحيح" غيرُ هذا الحديث، قال: وليس له عند البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة شيءٌ، وهذا الذي قاله الحُمَيدِيُّ صحيحٌ. وربما اشْتَبَهَ حُمَيدُ بن عبد الرحمن الحِمْيَريُّ هذا بحُمَيدِ بنِ عبد الرحمن بن عوف الزهْرِيِّ الراوي عن أبي هريرة أيضًا، وقد رولا له في "الصحيحين" عن أبي هريرة أحاديثَ كثيرةً، فقد يقِفُ مَنْ لا خبرةَ له على شيءٍ منها فيُنكر قولَ الحُميدي؛ توهُّمًا منه أن حُمَيدًا هذا هو ذاك، وهو خطأٌ صريحٌ وجهلٌ قبيحٌ، وليس للحِمْيَرِيِّ عن أبي هريرة أيضًا في الكتب الثلاثة التي هي تمامُ أصول الإسلام الخمسة -أعني سنن أبي داود والترمذي والنسائي- غيرُ هذا الحديث، والله أعلم) اهـ (٢). (فكُل هؤلاءِ) الفضلاء (التابعينَ) لأصحاب رسول الله ﷺ (الَّذين نَصَبْنا) نحن وَبيَّنَّا فيما سبق (رِوَايتَهم) وَنقْلَهم الأحاديثَ المذكورةَ (عن الصحابة الذين سَمَّينا) وذكَرْنا أسماءهم رضوان الله عليهم. فقولُه: (فكُل هؤلاءِ) مبتدأُ خبرُه جملةُ قوله: (لم يُحْفَظْ) ولم يُنْقَلْ (عنهم) أي: عن هؤلاء التابعين (سَمَاعٌ) نائب فاعل، وجملةُ (عَلِمْناه) صفةٌ لسماعٌ، والضميرُ المنصوبُ هو الرابط بين الجملة الوصفية والموصوف، وقولُه: (منهم) متعلِّقٌ بسمَاعٌ، والضميرُ للصحابة. وقولُه: (في روايةٍ) متعلِّقٌ بـ (عَلِمْناه) أي: لم يُحْفَظْ عنهم سماعُهم منهم عَلِمْناه في روايةٍ (بعينها ولا) حَفِظْنا (أنّهم) أي أن هؤلاء التابعين (لَقُوهُمْ) أي: لَقُوا أولئك الصحابةَ (في نَفْسِ خَبَرٍ) وحديثٍ (بِعَينهِ (٣)، وهي) أي: والحالُ أن هذه

стр. 548

أَسَانِيدُ عِنْدَ ذَوي الْمَعْرِفَةِ ــ الرواياتِ السابقةَ (أسانيدُ) صحيحةٌ (عندَ ذوي المعرفةِ) والعلمِ؛ أي: عندَ أصحاب

стр. 549

بالأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ مِنْ صِحَاحِ الأَسَانِيدِ، لَا نَعْلَمُهُمْ وَهَّنُوا مِنْهَا شَيئًا قَطُّ، وَلَا الْتَمَسُوا فِيهَا سَمَاعَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضِ؛ إِذِ السَّمَاعُ لِكُلِّ وَاحِدِ مِنْهُمْ مُمْكِنٌ مِنْ صَاحِبهِ، غَيرُ مُسْتَنْكَرٍ، لِكَوْنِهِمْ جَمِيعًا كَانُوا فِي الْعَصْرِ الَّذِي اتَّفَقُوا فِيهِ. وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي أَحْدَثَهُ الْقَائِلُ ــ المعرفة والعلم (بالأَخْبَارِ) والأحاديثِ الصحيحةِ والضعيفةِ (و) عندَ أصحابِ الخبرة بـ (الرواياتِ) الصحيحة والسقيمة. وقولُه: (من صِحَاحِ الأسانيدِ)؛ صفةٌ لأسانيدُ؛ أي: وهي أسانيدُ كائناتٌ من جملة الأسانيد الصحيحة عند ذوي المعرفة بالأخبار والروايات. (لا نَعْلَمُهُمْ) أي: لا نَعْلَمُ أهلَ العلمِ وأئمّة السَّلَفِ (وَهَّنُوا) بتشديد الهاء مفعولٌ ثانٍ لـ (نَعْلَمُ)، أي: لا نَعْلَمُ أحدًا من أئمة السلف وَهَّنَ وضَعَّفَ (منها) أي: من هذه الروايات السابقة (شيئًا) قليلًا ولا كثيرًا (قَط) ظرفٌ مستغرِقٌ لِمَا مَضَى من الزمان متعلِّقٌ بـ (نَعْلَمُ) أي: لم نَعْلَمْ قطُّ أحدًا منهم وَهَّنَ شيئًا من هذه الروايات. وقولُه: (ولا الْتَمَسُوا) معطوفٌ على (وَهَّنُوا) أي: ولا عَلِمْنا أحدًا منهم الْتَمَس وطلب (فيها) أي: في هذه الروايات (سَمَاعَ بعضِهم من بعضٍ) أي: سماعَ هؤلاء الرُّواة بعضِهم من بعض. وقولُه: (إذِ السَّمَاعُ لِكُلِّ واحدٍ منهم) تعليلٌ لعدم الالتماس؛ أي: وإنما لم يَلْتَمِسُوا تصريحَ سماع بعضهم من بعض فاكْتَفَوْا بالعنعنة؛ لأنَّ سماعَ كُلِّ واحدٍ منهم (مُمْكِنٌ من صاحبِهِ) أَي: لأنَّ سماعَ كُلِّ راوٍ من صاحبه وشيخِه الذي رَوَى له مُمْكِنٌ عادةً (غيرُ مُسْتنكَرٍ) عقلًا؛ أي: غيرُ مُنْكَرٍ عقلًا، لا تُنْكِرُه عقولُ أهل المعرفة والخبرة بالروايات، فالسين والتاء فيه زائدتان. وقولُه: (لِكَوْنِهم جميعًا) تعليلٌ للإمكان؛ أي: وإنما كان مُمْكنًا غيرَ مُنْكَرٍ لكَوْنِ كُلِّ راو وصاحبه حال كَوْنِهم جميعًا (كانوا) ووُجِدوا (في العَصْرِ) والزمنِ (الذي اتَّفَقُوا) أي: اتَّفَقَ خَلْقهم (فيه) أي: في ذلك العصر، فاكْتَفَوْا عن علمِ السماع واللقاءِ بإمكانهما؛ إذِ المعاصرةُ تقتضِيهما غالبًا وإنْ لم يُعلما. (وكان هذا القولُ) المُطَّرَحُ (الذي أَحْدَثَه) واخْتَرَعَه هذا (القائلُ) الزاعمُ

стр. 550

الَّذِي حَكَينَاهُ فِي تَوْهِينِ الْحَدِيثِ بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَصَفَ أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيهِ وَيُثَارَ ذِكْرُهُ؛ إِذْ كَانَ قَوْلًا مُحْدَثًا وَكَلامًا خَلْفًا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سَلَفَ، وَيَسْتَنْكِرُهُ مَنْ بَعْدَهُمْ خَلَفَ، ــ (الذي حَكَيناه) أي: حَكَينا قولَه ووصَفْنَاه وذَكَرْناه فيما سَبَقَ من أول الباب إلى هنا. وقولُه: (في تَوْهِينِ الحديثِ) متعلِّقٌ بأَحْدَثَه واخْتَرَعَه وقاله في تضعيف الحديث المعنعن. وقولُه: (بالعِلَّةِ) متعلِّقٌ بـ (تَوْهِينِ)، وقولُه: (التي وَصَفَ) صفةٌ للعِلَّة، وهي عدمُ العلم بالملاقاة والسماع وعدمُ المشافهة؛ أي: الذي أحدثه وقاله في تضعيف الحديث المعنعن بالعلّة التي وَصَفَها وذَكَرَها. وقولُه: (أَقَلَّ) خبرُ (كان) أي: وكان هذا القولُ الذي أحدثه واخترعه هذا الزاعمُ في قبول الحديثِ المُعَنْعَنِ واشْتَرَطه فيه أَقَلَّ وأَحْقَرَ وأضْعَفَ (مِنْ أنْ يُعَرَّجَ) ويعَوَّلَ ويعْتَمَدَ (عَلَيهِ) في هذا العلم (و) أَقَلَّ وأَدْوَنَ من أنْ (يُثارَ) وينْشَرَ ويشَاعَ (ذِكْرُه) بين عوامّ الناس وخاصّتِهم؛ لئلَّا يغْتَرَّ به مَن لم يُرْزَقِ التيقُّظَ والمعرفةَ في هذا العلم بأسبابِه وعِلَلِه. وقوله: (إذْ كان) تعليلٌ لجملة الكَوْن؛ أي: وإنما كان أَقَلَّ من ذلك؛ لأنَّ هذا القولَ كان (قولًا مُحْدَثًا) أحدثه زاعمُه واخترعَه مِنْ عند نفسه من غير سابقيةٍ له من علماء السلف (و) كان (كلامًا خَلْفًا) أي: ساقطًا لم يَقُلْه أحدٌ من الخَلَف -والخَلْفُ بفتح الخاء وسكون اللام: الكلامُ الساقطُ عن ألسنة الناس فلا يقوله أحدٌ، والفاسدُ في قلوبهم فلا يعتقده أحدٌ، فلا اعتبارَ له عندهم قَلْبًا وقالبًا. أي: كان قولًا (لم يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أهلِ العِلْمِ سَلَفَ) ففي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ لغرض السَّجْع، وهذه الجملةُ راجعةٌ لقوله: (قَوْلًا مُحْدَثًا)، والتقديرُ: أي: كان قولًا مُحْدَثًا لم يَقُلْه أحدٌ سَلَفَ من أئمّةِ هذا العلم (و) كلامًا (يَسْتنكِرهُ) أي: يُنكره، فالسينُ والتاءُ فيه زائدتان للمبالغة في الإنكار (مَنْ بَعْدَهُمْ) أي: مَنْ بعدَ السلفِ (خَلَفَ) وتأَخَّرَ، وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ أيضًا لغرض السَّجْع، وهو راجعٌ لقوله: (كلامًا خَلْفًا)، والتقديرُ:

стр. 551

فَلَا حَاجَةَ بِنَا فِي رَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا شَرَحْنَا؛ إِذْ كَانَ قَدْرُ الْمَقَالةِ وَقَائِلِهَا الْقَدْرَ الَّذِي وَصَفْنَاهُ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى دَفعِ مَا خَالفَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيهِ التُّكْلانُ ــ أي: وكان كلامًا خَلْفًا ساقطًا يُنكره مَنْ خَلَفَ وجاء بعد السلف؛ أي: وكان قولًا مُحْدَثًا بعد السَّلَف، وكلامًا ساقطًا عند الخَلَف، فلا يُعَوَّلُ عليه لكَوْنِه مُخْتَرَعًا، ولا يُنْشَرُ لكونه ساقطًا، وقد تقدَّم لك في أول الكتاب أن السلف: من كانوا قبل تمام أربعمائة سنة من الهجرة، والخَلَف: مَنْ كانوا بعدها، وقيل: السلف: أهل القرن الأول والثاني، والخلف: مَنْ كان بعدهما، والله أعلم. والفاءُ في قوله: (فلا حاجةَ) للإفصاح؛ لأنها أفصحتْ عن جوابِ شرطٍ مُقَدَّرِ تقديرُه: إذا عَرَفتَ قَدْرَ هذا القول وأردتَ بيانَ شأننا فيه .. فأقول لك: لا حاجةَ ولا افتقارَ ولا ضرورةَ (بنا في رَدِّه) أي: في رَدِّ هذا القول وإنكارِه إلى الإتيان (بـ) ـكلامِ (أكثرَ مِمَّا شَرَحْنا) وَبيَّنَا في رَدِّه وذَكَرْنا في إنكارِه. وقولُه: (إذْ كان) تعليلٌ لنفي الحاجة؛ أي: وإنما لم نَحْتَجْ في رَدِّه إلى كلامٍ أكثرَ ممّا قُلْنا؛ لأنه كان (قَدْرُ) هذه (المقالةِ) المخترعة المستحدثة في رَدِّها (و) قَدْرُ (قائلِها) في الإنكار والاحتجاج عليه. وقولُه: (القَدْرَ الذي وَصَفْناه) خبرُ كان؛ أي: كان قيمتُها وجزاؤُها القَدْرَ الذي وَصَفْنا وذَكَرْنا سابقًا، فلا حاجةَ إلى إطالة الكلام في رَدِّها والإنكارِ عليه. (واللهُ) الإلهُ (المُسْتَعَانُ) أي: الذي يُسْتَعَانُ بحَوْلهِ وقوَّتِه (على دَفْع وَردِّ (ما خَالفَ) ونَاقَضَ (مَذْهَبَ العُلَمَاءِ) وطريقَ القُدماء من السلفِ الكرام والأئمةِ الأعلام (وعليه) لا على غيرِه (التُّكْلانُ) والاعتمادُ في إثبات منهج أهل الحقّ والصواب، وإليه الرُّجْعَى والمآب. و(التُّكْلان) بضم التاء وإسكان الكاف: الاتكالُ والاعتمادُ على الغير، وفي "القاموس": وَكَلَ باللهِ يَكِلُ من باب وعبد، وتَوَكَّلَ على الله وأَوْكَلَ واتَّكَلَ: اسْتَسْلَمَ إليه، ووَكَلَ إليه الأمرَ وَكْلًا ووُكولًا: سَلَّمَه وتَرَكَهُ، والتَّوكُّلُ: إظهارُ العَجْزِ والاعتمادُ على الغير، والاسم التُّكْلانُ. اهـ ***

стр. 552

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خاتمة المقدمة اللهم؛ لك الحمد وإليك المُشْتكَى، وبك المستغاث وأنت المستعانُ، وعليك المُتَّكل، ولا حول لا قوة إلَّا بك، فأَيِّدنا برحمة تُصْلحُ بها ظاهِرَنَا وباطننا وديننا ودنيانا وآخرتَنا، وتَعصِمُنا بها من كل سوءِ يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلَّم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين آمين. إلى هنا وقفت الأقلام، وتم لنا المرام على مقدمة الإمامِ، والصلاة والسلام على مصطفى الأنام سيدنا محمد، من أرسلْتَه رحمة للأنام، وعلى آله وصحبه الكرام آمين. قال مؤلفه وجامعه: وقع الفراغ من هذا المجلد الأول من "الكوكب الوهاج والروضِ البهاج على صحيح مسلم بن الحَجَّاج" منتصفَ الليلِ، ليلَةِ الأحد، الليلةِ العاشرة من شهر ربيع الآخر من شهور سنة ألف وأربعمائة وتسع عشرة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والصِلات والتحيات، وعلى آله وصحبه ذوي المراتبِ العلية والمقامات السنية، وتابعيهم إلى يوم القيامة. انتهى المجلد الأول، ويليه المجلد الثاني وأوله كتاب الإيمان. ولقد أجاد من قال: سبحانك لا عِلْم لنا إلا ما ... علَّمْتَ وأَلْهَمْتَ لنا إلهاما وهذا المُجلَّدُ الذي مَنَّ الله عليَّ بكتابتِه بتوفيقه وتيسيره تكملةٌ لما وضَعْتُه أوَّلًا على مقدمةِ الإمام من العُجالة التي وضعْتُها بأمرٍ مِن مشايخنا الهرريين لما صَعُبَتْ عليهم هذه المقدمةُ الَّتي سميتُها: (هداية الطالب المُعْدِم على ديباجة الإمام مسلم) التي انْتشَر نَفْعُها في العرب والعجم، مخطوطةً ومطبوعةً، فله الحمدُ والشكرُ على هذه المِنَّةِ.

стр. 553

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خاتمة المجلد الأول وها أنا أقولُ: وقولي هذا: فالحمدُ لله على ما حَبانا، والشكرُ له على ما أولانا، وأسأله أَنْ يُدِيم نفعه بين عبادِه، وَيرُدَّ عنه جَدَلَ منكره وجاحدِه، ويَطْمِسَ عنه عَين كائِده وحاسِده. والمَرْجُو مِمَّن صرف وجهه إليه، بعَين القبول والرغبةِ لديه: أن يُصلح خطأَه وسَقْطته، ويُزيل زَلله وهفوته بعد التأمل والإمعان، لا بمجرد النظر والعِيان؛ لأنَّ الإنسان مركزُ الجهل والنسيان، لا سيما حليفُ البطالة والتَّوانِ، عن عبادة مولاه المَنَّان، ليكون ممن يدفع السيئةَ بالحسنة، لا مِمَّنْ يُجازي الحسنةَ بالسيئة. علَّمنا الله وإياكم علومَ السالفين، وجَنَّبنا وإياكم زُيوفَ الخالفين، وأَدَّبنا وإياكم بآداب الأخيار، وأذَاقنا وإياكم كُؤوسَ المعارف والأسرار، بمغارف معارفِ السُّنن المطهرة واتباع مكارم الأخلاق المُصْطَفية، على صاحبها أفضلُ الصلوات وأزكى التحية، سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وسيد الأولين والآخرين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وآل كلِّ وجميع الأولياء والمقربين، وعلينا وعلى سائر عباد الله الصالحين والحمد لله رب العالمين. آمينَ آمينَ لا أَرْضَى بواحِدة ... حتَّى أُكَمِّلَها ألفين آمينا قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: إنما النفس كالزجاجة والعلـ. م سراجٌ وحكمةُ الله زَيتُ فإذا أَبْصَرَتْ .. فإنك حَيٌّ ... وإذا أظلمَت .. فإنك مَيتُ وقال ابن السيد: أخُو العلمِ حيٌّ خالدٌ بعد موتِه ... وأوصالُه تحتَ التُّراب رَميم وذُو الجهل مَيتٌ وهو مَاشٍ على الثَّرَى ... يُظَن من الأحْيَاء وهو عَدِيم وقال بعضهم: يا خَادمَ الجسم كَمْ تَسْعَى لخدمتِه ... وتَطلُب الربحَ مِمَّا فيه خُسران

стр. 554

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليكَ بالنَّفْسِ فاسْتكْمِلْ فضائلَها ... فأنتَ بالنفسِ لا بالجسمِ إنسانُ وقال ابنُ سينا: لا تُكْثِرَنَّ مِنَ الجماعِ فإنه ... ماءُ الحياةِ يُصَبُّ في الأَرحام ولبعضِهم: إنّما الدُّنيا فَناءٌ ... ليس للدنيا ثُبوتُ إنما الدنيا كَبَيتٍ ... نسَجَتْهُ العنكبوتُ ***

стр. 555

شرح صحيح مسلم المسمَّى الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج جمع وتأليف محمد الأمين بن عبد الله الأُرمي العلوي الهَرَري الشافعي نزيل مكة المكرمة والمجاور بها مراجعة لجنة من العلماء برئاسة البرفسور هاشم محمد علي مهدي المستشار برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة الجزء الثاني

стр. 556

شَرْحُ صَحِيحِ مُسلم

стр. 557

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 558

المجلد الثاني من الكوكب الوهاج والروض البهاج على صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ألفه وجمعه محمد الأمين بن عبد الله الأثيوبي الهرري نزيل مكة المكرمة المدرس في دار الحديث الخيرية منذ عشرين سنة وحاليًا وكان مدرسًا في الليل في الحرم المكي نحو عشر سنوات حتى منعه النظام الجديد غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين. شعر ما حوى العلم جميعًا أحد ... لا ولو مارسه ألف سنة إنما العلم بعيد غوره ... فخذوا من كل علم أحسنه شعر آخر ألا أيها الإخوان صلوا وسلموا ... على المصطفى في كل وقت وساعة فإن صلاة الهاشمي محمد ... تنجي من الأهوال يوم القيامة آخر يا من يجيب دعا المضطر في الظلم ... يا كاشف الضر والبلوى مع السقم شفع نبيك في ذلي ومسكنتي ... يوم القيامة يا ذا الفضل والكرم آخر لا تكشفن من مساوي الناس ما ستروا ... فيهتك الله سترًا عن مساويكا واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدًا منهم بما فيكا

стр. 559

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) كِتَابُ الإِيمَانِ ــ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله العظيم سلطانه، العميم فضله وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صاحب السنة المطهرة والحكمة المنورة، الماحي بهداه ظلم الضلالة، الخاتم بعلاه شرف النبوة والرسالة صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الأنصار والمهاجرين وعلى أتباعهم إلى يوم الدين، أما بعد: فلما فرغت من شرح مقدمة هذا الجامع بما عندي من رشحات العلم تفرغت لشرح الكتاب بما عندي من قطرات العلم نقليًا وعقليًا فقلت وقولي هذا: (كتاب الإيمان) وجملة أبوابه خمسة وتسعون (٩٥) إلَّا ما سنزيد عليها. أي هذا كتاب معقود في ذكر الأحايث الواردة في بيان حقيقة الإيمان والإسلام والإحسان وبيان شعبه والحكمة في فصلهم بين أنواع المسائل بالتراجم - إما بالكتاب أو بالباب أو بالفصل مثلًا - التسهيل على الناظر في الكتاب وتنشيط الطالب وفي معناه الشارح والحافظ والمطالع والراوي والمروي عنه والمتبرك بقراءة الحديث اهـ سنوسي. أما التسهيل فلأن من أراد مسئلة قصدها في ترجمتها وأما التنشيط فلأن المتعلم إذا ختم ترجمة ربما اعتقد أنه كاف في ذلك النوع فينشط في قراءة غيره بخلاف ما إذا كان التصنيف كله جملة واحدة كهذا الجامع فإن مؤلفه اقتصر على ما التزمه في المقدمة من

стр. 560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جمع أحاديث مرفوعة بلا زيادة شيء عليها ولكن شراحه وضعوا له التراجم كل بحسب ما ظهر له من معاني الأحاديث ولذلك اختلفت تراجمه وبقيت عنهم أحاديث كثيرة لا تدخل في تراجمهم فتحتاج إلى وضع ترجمة لها كما سنبينها في مواضعها إنَّ شاء الله تعالى. (واعلم) أن للمصنفين فيما وقعت بدايتهم به اختيارات ولكل واحد منهم في ذلك اختيار وأنسب ما توجه به بداية مسلم بكتاب الإيمان أن يقال إنه رأى الإيمان شرطًا في التكليف والأصل تقديم الشرط على المشروط له وأما بداية البخاري بكتاب بدء الوحي فلأن الوحي أصل الإيمان ومأخذه فهو مأخذ كل التكاليف وأصله فلذلك اختار البداية به، وأما أصحاب السنن فاختاروا البداية بكتاب الطهارة لأن الطهارة شرط في الصلاة التي هي أصل أركان الإسلام بعد الشهادتين، وقال بعضهم: بدءوا بالطهارة لأنها مفتاح الصلاة التي هي أهم العبادات ولذلك ورد "مفتاح الجنة الصلاة ومفتاح الصلاة الطهور" انتهى. (ثم اعلم) أن (١) الأولى للقارئ أن يصرح بقراءة الترجمة فيقول كتاب الإيمان كتاب الطهارة كتاب الصلاة مثلًا، أما أولًا فلأنها جزء من ذلك التصنيف ويتأكد ذلك من مريد الرواية، وأما ثانيًا فلأنها تفتقر إلى البيان كغيرها. (قلت) (٢) هذا صحيح في التراجم التي وضعها مؤلف الكتاب كتراجم البخاري وأبي داود أما مثل تراجم كتاب مسلم هذا فقد لا يسلم فيها ما ذكره الأبي لأنها ليست من وضع مسلم حتى يصدق عليها أنها جزء من الكتاب ويطالب القارئ بقراءتها وإنما هي من وضع المشايخ ولهذا نجد الاختلاف فيها كثيرًا بحسب اختلاف اختياراتهم فلا ينهض فيها ذِكْرُه والله أعلم. ثم قال الأبي: ولم أر من تعرض لبيان كل الترجمة وإنما نجدهم يتكلمون على الجزء الثاني فقط فيقولون: في كتاب الطهارة مثلًا، الطهارة لغة كذا واشتقاقها من كذا وهي في العرف كذا وكذا قال: وقد رأيت أن أتكلم على كلها تكميلًا للفائدة، فكتاب الإيمان مثلًا مركب إضافي والمركب الإضافي قيل إنَّ حده لقبًا يتوقف على معرفة جزئيه لأن العلم بالمركب بعد العلم بجزئيه وقيل لا يتوقف لأن التسمية سلبت كلًّا من جزئيه عن معناه الإفرادي وصيرت الجميع اسمًا لشيء آخر ورُجِّح الأول بأنه أتم فائدة وعليه اختلف

стр. 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقيل الأولى البداية ببيان المضاف لأنه الأسبق في الذكر وقيل بل بالمضاف إليه لأنه أسبق في المعنى إذ لا يعلم المضاف إليه من حيث هو مضاف حتى يعلم ما أضيف إليه وهو أحسن لأن المعاني أقدم من الألفاظ وعليه فالإيمان لغة التصديق بأي شيء كان لأنه مصدر آمن الرباعي يقال آمن بالله وبرسوله يؤمن إيمانًا إذا صدقهما، وشرعًا التصديق بأشياء مخصوصة ستعرفها إنَّ شاء الله تعالى. وأما الكتاب فمن جملة التراجم التي يترجمون بها والتراجم بفتح الجيم جمع ترجمة والترجمة لغةً: تفسيرُ لغةٍ لمن لا يعرفها بلغة يعرفها، يقال: ترجم كلامه إذا فسره بلسان آخر ومنه الترجمان يجمع على تراجم كزعفران وزعافر بكسر الجيم وضمها لغة، واصطلاحًا إسم لألفاظ مخصوصة دالة على معان مخصوصة لها مبتدأ ومختتم وجملة التراجم التي يترجمون بها تسعة، الأول منها الكتاب هو لغة مصدر لكتب من باب نصر يقال كتب يكتب كتبًا وكتابًا وكتابة فلكتب ثلاثة مصادر الأول مجرد من الزيادة، والثاني مزيد بحرف، والثالث مزيد بحرفين وقالوا إنَّ الكتاب مشتق من الكتب واعترضهم أبو حيان بأن المصدر لا يشتق من المصدر وأجيب بأن المصدر المزيد يشتق من المجرد ومحل قولهم المصدر لا يشتق من المصدر إذا كانا مجردين أو مزيدين فلا ينافي أن المزيد يشتق من المجرد أي فالكتاب لغة مصدر بمعنى الضم والجمع يقال تكتبت بنو فلان إذا اجتمعت وانضم بعضهم إلى بعض ويقال كتب إذا خط بالقلم لما فيه من اجتماع الكلمات والحروف وانضمام بعضها إلى بعض وعطف الجمع على الضم من عطف الأعم على الأخص لأن الضم جمع مع تلاصق ولا يشترط في الجمع التلاصق فبينهما العموم والخصوص المطلق فكل ضم جمع ولا عكس، وقيل من عطف المرادف بناء على أنه لا يشترط في كل منهما التلاصق فبينهما الترادف، واصطلاحًا اسم لألفاظ مخصوصة دالة على جنس من الأحكام مشتملة على أبواب وفصول وفروع ومسائل غالبًا وقد لا يشتمل على ذلك. والثاني الباب وهو لغة فرجة في ساتر يتوصل بها من داخل إلى خارج ومن خارج إلى داخل واصطلاحًا اسم لألفاظ مخصوصة دالة على نوع من الأحكام مما دخل تحت الكتاب مشتملة على فصول وفروع ومسائل غالبًا، والثالث الفصل وهو لغة الحاجز بين الشيئين، واصطلاحًا اسم لألفاظ مخصوصة دالة على معان مخصوصة مما دخل تحت الباب مشتملة على فروع ومسائل، والرابع الفرع وهو لغة ما انبنى على غيره ويقابله

стр. 562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأصل، واصطلاحًا اسم لألفاظ مخصوصة دالة على معان مخصوصة مشتملة على مسائل مما دخل تحت الفصل، والخامس المسألة وهي لغة السؤال واصطلاحًا مطلوب خبري يبرهن عليه، أي يقام عليه البرهان في العلم كما في قولنا الوتر مندوب فثبوت الندب للوتر مطلوب خبري يقام عليه البرهان في العلم، والسادس التنبيه وهو لغة الإيقاظ واصطلاحًا اسم لكلام مفصل لاحق معلوم من كلام مجمل سابق أي اسم للفظ عُبر به عن البحث اللاحق المعلوم من البحث السابق إجمالًا، والسابع المقدمة وهي لغة ما تقدم أمام الشيء كمقدمة الجيش، واصطلاحًا اسم لألفاظ مخصوصة دالة على معان مخصوصة قُدمت أمام المقصود سواء كانت مقدمة كتاب كمقدمة هذا الجامع، أو مقدمة علم كمقدمة المبادئ العشرة، والثامن منها الخاتمة وهي لغة آخر الشيء واصطلاحًا اسم لألفاظ مخصوصة دالة على معانٍ مخصوصة جُعلت آخر كتاب أو باب، والتاسع منها التتمة وهي لغة كل ما يتم به الغير واصطلاحًا اسم لألفاظ مخصوصة دالة على معان مخصوصة جُعلت متممة لما قبلها من الكتاب أو الباب أو الفصل وهو قريب من معنى الخاتمة، والعاشر: الفائدة: وهي لغةً: كل ما استفيد من علم أر مال أو جاه، واصطلاحًا: اسم لجملة من العلم مشتملة على مسألة أو مسائل، فالكتاب كالجنس الحقيقي مثل الحيوان والباب مثل النوع كالإنسان والفرس، والفصل كالصنف مثل العرب والعجم، والمسائل مثل الأفراد كزيد وعمرو انتهى من حاشية البيجوري على شرح الغزي بتصرف وزيادة. وبالجملة فالكتاب أعم من الباب وهو أعم من الفصل وهو أعم من الفرع وهو أعم من المسألة اهـ منه أيضًا. وأما هذه الترجمة من جهة الإعراب فكتاب إما خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا الآتي كتاب الإيمان، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره كتاب الإيمان هذا محله، والأول هو المشهور أو مفعول لفعل محذوف تقديره خذ كتاب الإيمان أو إقرأه، وأما كونه مجرورًا بحرف جر محذوف تقديره انظر في كتاب الإيمان فهو شاذ لأنه يلزم عليه حذف حرف الجر وإبقاء عمله أو مفعول لاسم فعل محذوف تقديره هاك كتاب الإيمان، وقد بسطنا الكلام في الأوجه الجارية في إعراب التراجم في شرحنا مناهل الرجال على لامية الأفعال فراجعه إنَّ شئت فقد ذكرنا فيه سبعة أوجه من إعراب التراجم فكتاب الإيمان هنا اسم لألفاظ مذكورة في هذا الجامع من هنا إلى كتاب الطهارة فمن كتاب الإيمان.

стр. 563

١ - بَابُ بَيَان الإِيمَان وَالإِسْلامِ وَالإِحْسَان، وَوُجُوبِ الإِيمَان بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ مِنَ اللهِ تَعَالى، وَبَيَان الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ التَّبَرِّي مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ، وَإِغْلاظِ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِ ــ ١ - بَابُ بَيَان الإِيمَان وَالإِسْلامِ وَالإِحْسَان، وَوُجُوبِ الإِيمَان بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ مِنَ اللهِ تَعَالى، وَبَيَان الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ التَّبَرِّي مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ، وَإِغْلاظِ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِ وفي بعض النسخ بدل هذه الترجمة باب معرفة الإيمان والإسلام والقدر وعلامات الساعة، أي هذا باب معقود في بيان معنى الإيمان والإسلام والإحسان شرعًا فمقصود هذا الباب إيضاح معاني هذه الأسماء في الشرع دون اللغة، فإن الشرع قد تصرف فيها على ما يأتي بيانه، وأما معنى الإيمان لغة فقد تقدم لك، وأمّا الإسلام فهو لغة الاستسلام والانقياد، وأما الإحسان فهو لغة جعل الشيء حسنًا والإتيان به جيدًا يقال أحسن في كذا إذا أجاد فعله، وباب معقود في بيان وجوب الإيمان بالقدر أي بثبوت صفة القدر لله تعالى، والقدر بفتح الدال وإسكانها لغة مصدر قدرت الشيء إذا أحطت بمقداره واصطلاحًا عبارة عن تعلق علم الله وإرادته أزلًا بالكائنات قبل وجودها فلا حادث إلَّا وقد قدره أزلًا أي سبق علمه به، وتعلقت به إرادته قال السنوسي: وقيل إنَّ القضاء عبارة عن جمع الكائنات كلها في اللوح المحفوظ، والقدر عبارة عن إيجادها شيئًا فشيئًا، وقيل عكسه، ولهذا يُمثل الشيوخ القضاء والقدر على هذين القولين بصبرةٍ مجموعة ثم تفصيلها بالكيل شيئًا بعد شيء وقيل القضاء والقدر مترادفان، وقال القاضي عياض: وزعم كثير أن معنى القدر جبر الله تعالى للعبد على ما قدره وقضاه وليس كذلك اهـ قال الأبي: يريد القاضي وإنما هو ما تقدم من تعلق العلم فمجموع ما في القدر من الأقوال مع ما ذكره القاضي عن كثير أربعة. والقول بالقدر وإثباته كان عقيدة أهل الإسلام كلهم إلى أن ظهرت طائفة آخر زمن الصحابة فقالت: لا قدر في الأزل، وإنما الأمر أُنُفٌ بضم الهمزة والنون بمعنى مستأنف لم يسبق به قدر بمعنى أن الله تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها وإنما يعلمها بعد أن تقع، قال القاضي عياض: وقال بمذهب هذه الطائفة الجهمية وقوم من الرافضة وطائفة من المعتزلة، وهذا هو الجزء الثاني من أجزاء الترجمة وباب معقود أيضًا في بيان الدليل

стр. 564

قَال أَبُو الْحُسَينِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيرِيُّ ﵀: بِعَوْنِ اللهِ نَبْتَدِئُ، وَإِيَّاهُ نَسْتَكْفِي، ــ على وجوب التبري أي على وجوب البراءة ممن لا يؤمن ولا يعتقد بثبوت صفة القدر لله تعالى، وقطع العلاقة منه لأنه كافر، وهذا هو الجزء الثالث من أجزاء الترجمة، وفي بيان إغلاظ القول وتشديده في حقه أي في حق من لا يؤمن بالقدر بعدم قبول إنفاقه في سبيل الله تعالى، وجميع أعماله الصالحة، وهذا هو الجزء الرابع من أجزاء الترجمة، وهذا الباب هو الباب الأول من أبواب كتاب الإيمان كما أشرنا إليه بالترقيم. وبالسندين لنا المتصلين إلى المؤلف رحمه الله تعالى (قال أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري) أي المنسوب إلى قشير بوزن زبير بن كعب بن ربيعة أبي قبيلة من العرب كما في القاموس، وقدم الكنية على الاسم جريًا على مذهب الجمهور أنه إذا اجتمع الاسم والكنية يجوز تقديم الكنية على الاسم نحو: قال أبو بكر سعيد، وتأخيرها عنه نحو قال سعيد أبو بكر قال ابن عنقاء: والأصح أن تقديمها على الاسم حيث اجتمعا هو الراجح، وإن لم يجب، ولا سيما إذا أشعرت بمدح أو ذم لئلا يتوهم أنها لقب فإن قُصد الإشعار ابتداءً بتعظيم المسمى كما هنا وجب تقديمها لأنه مما يقصد به التعظيم ولا شيء فيها من معنى النعت، فإذا صُدرت عُلم أن المسمى معظم وأنها كنية لا لقب اهـ كواكب، وضابط الكنية هي ما صُدِّرت بأب أو أم كأبي بكر وأم كلثوم، وعُلم منه أن الكنية مجموع الاسمين المتضايفين لا ما بعد الأب والأم، وهذه الجملة القولية يحتمل كونها من كلام المؤلف رحمه الله تعالى على سبيل التجريد البديعي، وكونها من كلام بعض الراوة عنه، وأما قوله الآتي حدثني أبو خيثمة إلى آخر الكتاب فمقولٌ لقول محذوف معطوف على نبتدي تقديره قال أبو الحسين نبتدي بعون الله ونستكفي إياه فنقول: حدثني أبو خيثمة إلخ وقوله ﵀ جملة دعائية خبرية اللفظ إنشائية المعنى، فكأنه قال اللهم ارحمه وقوله (بعون الله) أي بمعونة الله وإمداده وتوفيقه لا بمعونة غيره متعلق بقوله (نبتدئ) قدمه عليه لإفادة الحصر والقصر أي قال أبو الحسين نريد أيها السائل بداية ما سألتني تأليفه بمعونة الله تعالى وتوفيقه، وكذلك تقديم المعمول على عامله في قوله (وإياه) (نستكفي) في طلب المعونة، الغرض منه إفادة الحصر وفي المختار كفاه مؤونته يكفيه كفاية وكفاه الشيء واكتفى به واستكفيته الشيء فكفانيه. اهـ أي نكتفي بالله في طلب الإعانة على هذا

стр. 565

وَمَا تَوْفِيقُنَا إِلَّا بِاللهِ ﷻ . ١ - (٨) حَدَّثَنِي أَبُو خَيثَمَةَ زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، ــ التأليف ولا نطلب المعونة من غيره تعالى، وجملة قوله (وما توفيقنا) وإقدارنا على هذا التأليف حاصل (إلا بـ) ـحول (الله) وقوته ، حال من فاعل نبتدئ وما مهملة لانتقاض نفيها بإلا والتوفيق خلق قدرة الطاعة في العبد وتسهيل سبيل الخير له، وضده الخذلان وهو خلق قدرة المعصية في العبد وتمكين سبيل الشر له وقوله (جل) وتنزه وتقدس (جلاله) وعظمته عن كل ما لا يليق به تعالى من سمات الحدوث والنقص جملة تنزيهية ساقها لتنزيهه تعالى عما لا يليق به. (تتمة) فإن قلت إنَّ قوله بعون الله نبتدئ معترض بأنه لا يصدق عليه أنه ابتدأ بكتاب الإيمان لأنه كتب قبله بأوراق كثيرة (قلت) مراده بالبداية هنا البداية بما هو المقصود الأصلي من التأليف وهو جمع الأحاديث المرفوعة في كتاب مؤلف لأنه المسؤول لسائله وما قبله ليس مقصودًا أصليًّا له ولذلك أعرض عن الكلام فيه بعض الشراح. أي قال أبو الحسين رحمه الله تعالى بعون الله نبتدئ فنقول: (١) - ص ص (٨) (حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب) بن شداد الحرشي بفتح المهملتين بعدهما شين معجمة مولاهم النسائي الحافظ نزيل بغداد، روى عن جرير بن عبد الحميد وهشيم وابن عيينة وحفص بن غياث وخلق، ويروي عنه (خ م د ق) مباشرة و (س) بواسطة وأبو يعلى وله في البخاري ومسلم أكثر من ألف حديث، وقال في التقريب: ثقة ثبت روى عنه مسلم أكثر من ألف حديث من العاشرة مات في ربيع الآخر سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين وهو ابن أربع وسبعين سنة. قال ابن منجويه: روى عنه الإمام مسلم في جامعه مباشرة في عشرين بابا (٢٠) روى عنه في: (١) كتاب الإيمان عن وكيع وإسماعيل بن علية، وروى عنه في (٢) باب الوضوء عن جرير بن عبد الحميد ويزيد بن هارون وعمر بن يونس الحنفي وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعبد الصمد بن عبد الوارث وهاشم بن القاسم ويعقوب بن إبراهيم بن سعد وأبي الوليد الطيالسي وعفان بن مسلم وإسحاق الأزرق وحجين بن المثنى وعبد الله بن نمير وروح بن عبادة، وروى عنه في (٣) باب الصلاة عن أبي معاوية
следующие страницы →