Полный текст (11 982 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.
стр. 5146
حَدَّثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، بِهذَا الإِسْنَادِ. غَيرَ أَنَّهُ قَال: فَنَادَيَا.
٢٥٦٣ - (١١١٠) (٣١) حدَّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ؛ سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيتِ: أَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ فَقَال: نَعَمْ. وَرَبِّ هذَا الْبَيتِ!
ــ
(حدثنا إبراهيم بن طهمان بهذا الإسناد) يعني عن أبي الزبير عن ابن كعب بن مالك عن أبيه، غرضه بيان متابعة أبي عامر لمحمد بن سابق (غير أنه) أي لكن أن أبا عامر (قال) في روايته (فناديا) بصيغة الماضي المقرون بألف اثنين العائد إلى كعب وأوس، وإنما أمر ﷺ أن ينادي في الموسم لا يدخل الجنة إلا مؤمن ليسمع من لم يحضر خطبة النبي ﷺ وليسمع من كان هنالك من المنافقين حتى يحققوا إيمانهم ويُجدِّدُوا يقينهم اهـ من المفهم.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث جابر ﵁ فقال:
٢٥٦٣ - (١١١٠) (٣١) (حدثنا عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الحميد بن جبير) بن شيبة بن عثمان بن طلحة العبدري الحجبي المكي، روى عن محمد بن عباد بن جعفر في الصوم، وصفية بنت شيبة في الحج، وسعيد بن المسيب في الحيوان، وجده شيبة وعمته صفية، ويروي عنه (ع) وسفيان بن عيينة وابن جريج وقرة بن خالد، وثقه ابن معين وابن سعد والنسائي، وقال في التقريب: ثقة، من الخامسة (عن محمد بن عباد بن جعفر) بن رفاعة بن أمية المخزومي المكي، ثقة، من (٣) روى عنه في (٣) أبواب قال (سألت جابر بن عبد الله ﵄ الأنصاري الخزرجي (وهو) أي والحال أن جابرًا (يطوت بالبيت) الحرام (أنهى رسول الله ﷺ عن صيام بوم الجمعة) بخصوصه من بين الأيام (فقال) جابر (نعم) أي نهى عن صيامه (ورب هذا البيت) العتيق أي أقسمت لك به على ما أخبرتك، وفي الحديث جواز الحلف من غير استحلاف لتأكيد الأمر، وإضافة الربوبية إلى المخلوقات المعظمة تنويهًا بتعظيمها اهـ فتح.
قال النواوي: والحكمة في النهي عن صوم يوم الجمعة أن يوم الجمعة يوم دعاء
стр. 5147
٢٥٦٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيرِ بْنِ شَيبَةَ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ؛ أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄. بِمِثْلِهِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
ــ
وذكر وعبادة من الغسل والتبكير إلى الصلاة وانتظارها واستماع الخطبة وإكثار الذكر بعدها لقول الله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وغير ذلك من العبادات في يومها فاستحب الفطر فيه فيكون أعون له على هذه الوظائف وأدائها بنشاط وانشراح والتذاذ بها من غير ملل ولا سآمة، وهو نظير الحاج يوم عرفة بعرفة فإن السنة له الفطر كما سبق تقريره لهذه الحكمة فإن قيل لو كان كذلك لم يزل النهي والكراهة بصوم قبله أو بعده لبقاء المعنى فالجواب أنه يحصل له بفضيلة الصوم الذي قبله أو بعده ما يَجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير في وظائف يوم الجمعة بسبب صومه فهذا هو المعتمد في الحكمة في النهي عن إفراد صوم الجمعة، وقيل سببه خوف المبالغة في تعظيمه بحيث يفتتن به كما افتتن قوم بالسبت وهذا ضعيف منتقض بصلاة الجمعة وغيرها مما هو مشهور من وظائف يوم الجمعة وتعظيمه، وقيل سبب النهي لئلا يعتقد وجوبه وهذا ضعيف أيضًا منتقض بيوم الاثنين فإنه يندب صومه ولا يلتفت إلى هذا الاحتمال البعيد وبيوم عرفة ويوم عاشوراء وغير ذلك فالصواب ما قدمناه والله أعلم اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري والنسائي وابن ماجه كلهم رووه في الصوم اهـ تحفة الأشراف.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
٢٥٦٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) (حدثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري الصنعاني، ثقة، من (٩) (أخبرنا) عبد الملك (ابن جريج) الأموي المكي، ثقة، من (٦) (أخبرني عبد الحميد بن جبير بن شيبة) الحجبي المكي، ثقة، من (٥) (أنه أخبره محمد بن عباد بن جعفر) المخزومي المكي، ثقة، من (٣) (أنه سأل جابر بن عبد الله ﵄ وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مكيون وواحد مدني وواحد صنعاني وواحد نيسابوري، غرضه بيان متابعة ابن جريج لسفيان بن عيينة وساق ابن جريج (بمثله) أي بمثل حديث ابن عيينة (عن النبي ﷺ .
стр. 5148
٢٥٦٥ - (١١١١) (٣٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ) أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاويةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. إلا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ".
٢٥٦٦ - (١١١٢) (٣٣) وحدّثني أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثنَا حُسَينٌ (يَعْنِي
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث جابر بحديث أبي هريرة ﵄ فقال:
٢٥٦٥ - (١١١١) (٣٢) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص) بن غياث بن طلق النخعي أبو عمر المكي، ثقة، من (٨) (وأبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (ح وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (واللفظ له) أي ليحيى (أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني (عن أبي هريرة ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان إلا يحيى بن يحيى (قال قال رسول الله ﷺ لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم) يومًا (قبله أو يصوم) يومًا (بعده) بظاهر هذا الحديث قال الشافعي وجماعة، وأما مالك فقال في موطئه: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه، وقيل إنه محمد بن المنكدر، قال الداودي: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه. (قلت) ومقصود هذا الحديث أن لا يخص بصوم يعتقد وجوبه أو لئلا يلتزم الناس من تعظيمه ما التزمه اليهود في سبتهم من تركهم الأعمال كلها يعظمونه بذلك اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٤٩٥] والبخاري [١٩٨٥]، ، والترمذي [٧٤٣]، وابن ماجه [١٧٢٣].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث جابر ثانيًا بحديث آخر لأبي هريرة ﵄ فقال:
٢٥٦٦ - (١١١٢) (٣٣) (وحدثني أبو كريب حدثنا حسين) بن علي بن الوليد (يعني
стр. 5149
الْجُعْفِيَّ) عَنْ زَائِدَةَ. عَنْ هِشَام، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِي ﷺ . قَال: "لَا تَخْتَصَّوا لَيلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَينِ اللَّيَالِي. وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَينِ الأَيَّام. إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ"
ــ
الجعفي) أبو محمد الكوفي، ثقة، من (٩) (عن زائدة) بن قدامة الثقفي أبي الصلت الكوفي، ثقة، من (٧) (عن هشام) بن عروة الأسدي المدني (عن) محمد (بن سيرين) الأنصاري البصري (عن أبي هريرة ﵁ وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان وواحد بصري (عن النبي ﷺ قال: لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام) أي بصلاة (من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام) قال النواوي: هكذا وقع في جميع الأصول (المتون) لا تختصوا ليلة الجمعة ولا تخصوا يوم الجمعة بإثبات تاء في الأول بين الخاء والصاد وبحذفها في الثاني وهما صحيحان، وقوله ليلة الجمعة بقيام الخ فيه دليل على كراهة تخصيص ليلة الجمعة بالعبادة بصلاة وتلاوة غير معتادة إلا ما ورد به النص على ذلك كقراءة سورة الكهف فإنه ورد تخصيص ليلة الجمعة بقراءتها وسور أخرى وردت بها أحاديث فيها مقال، وقد دل هذا بعمومه على عدم مشروعية صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من رجب ولو ثبت حديثها لكان مخصصًا لها من عموم النهي لكن حديثها تكلم العلماء عليه وحكموا بأنه موضوع كذا في شرح بلوغ المرام، وقوله (بصيام من بين الأيام) واستدل بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بصيام، ونقله أبو الطيب الطبري عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية، وقال أبو جعفر الطبري: يفرق بين العبد والجمعة بأن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد ولو صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده (إلا أن يكون) يوم الجمعة واقعًا (في) زمن (صوم يصومه أحدكم) من نذر أو ورد، قال ملا علي: والظاهر أن الاستثناء من ليلة الجمعة كذلك ولعله ترك ذكره للمقايسة ووجه النهي عن الاختصاص أن اليهود يرون اختصاص البيت بالصوم تعظيمًا والنصارى يرون اختصاص الأحد بالصوم تعظيمًا له وليلتها بالقيام زاعمين أنهما أعز أيام الأسبوع، ولما كان موقع الجمعة من هذه الأمة موقع اليومين من إحدى الطائفتين استحب أن يخالف هدينا هديهم في طريق تعظيم ما هو
стр. 5150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أعز الأيام وهو يوم الجمعة بليلتها اهـ بزيادة من المبارق، وفي طحطاوي المراقي النهي للتنزيه والمعنى النهي عن الاستعداد لها بخصوصها أما إذا كان اتفاقيًا فلا ومع التعمد لا ينتفى الثواب اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣٩٤]. وقال النواوي: وفي هذا الحديث النهي الصريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي ويومها بصوم كما تقدم، وهذا متفق على كراهيته، واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى الرغائب -قاتل الله واضعها ومخترعها- فإنها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة وجهالة وفيها منكرات ظاهرة، وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها، ودلائل قبحها وبطلانها وتضلل فاعلها أكثر من أن تحصر. والله أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب عشرة أحاديث، الأول حديث عمر بن الخطاب ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني حديث أبي هريرة ذكره للاستسْهاد، والثالث حديث أبي سعيد ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع حديث ابن عمر ذكره للاستشهاد، والخامس حديث عائشة ذكره للاستشهاد، والسادس حديث نبيشة ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والسابع حديث كعب بن مالك ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثامن حديث جابر ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والتاسع حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستشهاد، والعاشر حديث أبي هريرة التالي ذكره للاستشهاد والله أعلم.
***
стр. 5151
٤٤٩ - (٥) باب: نسخ الفدية وقضاء رمضان في شعبان وقضائه عن الميت
٢٥٦٧ - (١١١٣) (٣٤) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا بَكْرٌ (يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ) عَنْ عَمْرو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيرٍ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁. قَال: لَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]
ــ
٤٤٩ - (٥) باب نسخ الفدية وقضاء رمضان في شعبان وقضائه عن الميت
٢٥٦٧ - (١١١٣) (٣٤) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي البلخي (حدثنا بكر يعني ابن مضر) بن محمد بن حكيم أبو محمد المصري، ثقة ثبت، من (٨) روى عنه في (٩) مواضع (عن عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري المصري، ثقة فقيه، من (٧) روى عنه في (١٣) بابا (عن بكير) بن عبد الله بن الأشج المخزومي المصري، ثقة ثبت، من (٥) روى عنه في (١٣) بابا (عن يزيد) بن أبي عبيد المدني (مولى سلمة) بن الأكوع أبي خالد الأسلمي، ثقة، من (٤) روى عنه في (٦) أبواب (عن سلمة) بن عمرو (بن الأكوع) سنان بن عبد الله السلمي أبي مسلم المدني الصحابي المشهور ﵁ وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مصريون واثنان مدنيان وواحد بلخي (قال) سلمة بن الأكوع (لما نزلت هذه الآية) يعني قوله تعالى (﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾) بضم الياء وكسر الطاء وسكون الياء على قراءة الجمهور أي يطيقون الصوم ويقدرون عليه، وعلى هذا تكون الآية منسوخة كما قال سلمة بن الأكوع وابن عمر ومعاذ بن جبل وعلقمة النخعي والحسن والشعبي وابن شهاب (﴿فِدْيَةٌ﴾) بالرفع مع التنوين على الابتداء، والخبر محذوف أي فعليهم فدية أو خبر مبتدإِ محذوف أي فحكمهم فدية، ورفع (﴿طَعَامُ﴾) على أنه بدل من فدية أي وعلى الذين يقدرون على الصوم فدية هي إطعام (﴿مِسْكِينٍ﴾) واحد مُدًّا من طعام غالب قوت البلد إذا أفطروا بدل الصوم، قال القرطبي: واختلفوا في مقدار هذا الطعام حيث يجب، فذهب مالك وجماعة من العلماء إلى أنه مُدّ لكل مسكين بمُد النبي ﷺ وقد تقدم في الزكاة، وقال أشهب: مُد وثلث بمد أهل المدينة، وقال قوم: قوت يوم عشاء وسحور، وقال سفيان
стр. 5152
كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتى نَزَلَتِ الآيَةُ التِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا.
٢٥٦٨ - (٠٠) (٠٠) حدّثني عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ
ــ
الثوري وأبو حنيفة: نصف صاع من قمح وصاع من تمر أو زبيب اهـ قال سلمة (كان) في أول الإسلام (من أراد) أن يصوم صام، ومن أراد (أن يفطر) أفطر (وبفتدي) أي يعطي فدية صومه بطعام مسكين أي بطعام يكفي لمسكين واحد يومًا وليلة وهو مد من غالب قوت البلد (حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها) يعني قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ يعني أنهم كانوا مخيرين في صدر الإسلام بين الصوم والفدية ثم نسخ التخيير بتعيين الصوم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فمعنى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ أي وعلى المطيقين للصيام إن أفطروا إعطاء فدية وهي طعام مسكين لكل يوم فهو رخصة منه تعالى لهم في الإفطار والفدية في بدء الأمر لعدم تعودهم الصيام أيامًا ثم نَسخ الرخصة وعين العزيمة بقوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ اهـ نواوي وقول سلمة بن الأكوع: إن التخيير منسوخ بهذه الآية مقبول من قول الصحابي لأنه أعلم بالمقال وأقعد بالحال كما إذا قال أمر ونَهَى، ووجه النسخ في هذا واضح وهو أن آية الفدية تقتضي التخيير بين الفدية والصوم مطلقا كما قال سلمة وهذه الآية الأخيرة جاءت جازمة بالصوم لمن شهد الشهر رافعة لذلك التخيير، ومعنى (شهد الشهر) أي حضر فيه مقيمًا في المصر هذا قول جمهور العلماء، وعلى هذا يكون الشهر منصوبًا على الظرف ويكون مفهومه عندهم أن من دخل عليه الشهر وهو مسافر أو طرأ عليه فيه سفر لم يجب عليه صومه اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٤٥٠٦]، وأبو داود [٢٣١٥]، والترمذي [٧٩٨]، والنسائي [٤/ ١٩٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث سلمة ﵁ فقال:
٢٥٦٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثني عمرو بن سواد) بتشديد الواو بن الأسود (العامري) أبو محمد المصري، ثقة، من (١١) (أخبرنا عبد الله بن وهب) المصري (أخبرنا عمرو بن الحارث) المصري (عن بكير) بن عبد الله (بن الأشج) المصري (عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع) المدني (عن سلمة بن الأكوع) السلمي المدني الصحابي
стр. 5153
رضي الله عنه؛ أَنهُ قَال: كُنا فِي رَمضانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . مَنْ شَاءَ صَامَ. وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ فَافْتَدَى بِطَعَامِ مِسْكِينٍ. حَتى أنْزِلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٢٥٦٩ - (١١١٤) (٢٥) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيرٌ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. قَال: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها تَقُولُ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ. فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إلا فِي شَعْبَانَ
ــ
المشهور ﵁. وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم مصريون واثنان مدنيان، غرضه بيان متابعة عبد الله بن وهب لبكر بن مضر في رواية هذا الحديث عن عمرو بن الحارث (أنه) أي أن سلمة بن الأكوع (قال كنا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى أُنزلت هذه الآية) يعني قوله تعالى (﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾) فنسخت التخيير بين الصوم والفدية.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٢٥٦٩ - (١١١٤) (٢٥) (حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس) التميمي الكوفي، ثقة، (١٠) (حدثنا زهير) بن معاوية الجعفي الكوفي، ثقة، من (٧) (حدثنا يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (قال سمعت عائشة رضي الله تعالى عنها) وهذا السند من خماسياته ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان، حالة كون عائشة (تقول كان) الشأن والحال، فكان شأنية اسمها ضمير الشأن وخبرها جملة قوله (يكون على الصوم) أي قضاؤه (من رمضان) أوكان زائدة أو يكون زائدة كقوله:
أنت تكون ماجد نبيل ... إذا تَهُبُّ شَمْأَلٌ بليل
قال العيني: وفائدة اجتماع كان مع يكون بذكر إحداهما بصيغة الماضي والآخر بصيغة المستقبل تحقيق القضية وتعظيمها تقديره كان الشأن يكون كذا، وأما تغيير الأسلوب فلإرادة الاستمرار وتكرر الفعل اهـ (فما أستطيع) ولا أقدر ولا أتمكن (أن
стр. 5154
الشُّغُلُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ . أَوْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ
ــ
أقضيه) أي أن أقضي الصوم الذي فاتني بسبب الحيض (إلا في شعبان) قال العيني: ومما يستفاد من الحديث أن القضاء موسع ويصير في شعبان مضيقًا ويؤخذ من حرصها على القضاء في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان فإن دخل فالقضاء واجب أيضًا فلا يسقط، وأما الإطعام فليس في الحديث له ذكر لا بالنفي ولا بالإثبات وقد وقع فيه الخلاف، قال البخاري: ولم يذكر الله تعالى الإطعام إنما قال ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. قال الحافظ: ولا يلزم من عدم ذكره في الكتاب أن لا يثبت بالسنة، ولم يثبت فيه شيء مرفوع وإنما جاء فيه عن جماعة من الصحابة، ونقل الطحاوي عن يحيى بن أكثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم فيه مخالفا اهـ. وهو قول الجمهور وخالف في ذلك إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه ومال الطحاوي إلى قول الجمهور في ذلك، وممن قال بالإطعام ابن عمر لكنه بالغ في ذلك فقال: يُطعم ولا يصوم، قال الطحاوي: تفرد بذلك ابن عمر. وقولها: منعني (الشغل) أي التهيؤ للاستمتاع (من رسول الله ﷺ أو) قالت الاستمتاع (برسول الله ﷺ بالشك من الراوي مرفوع على أنه فاعل لفعل محذوف قالت: يمنعني الشغل أو على أنه مبتدأ محذوف الخبر أي قال يحيى: الشغل هو المانع لها، والمراد من الشغل أنها كانت مهيئة نفسها لرسول الله ﷺ مترصدة لاستمتاعه في جميع أوقاتها إذا راود ذلك، وأما في شعبان فإنه ﷺ كان يصومه فتتفرغ عائشة لقضاء صومها، قال الكرماني رحمه الله تعالى: (فإن قلت) شغل عنه بمعنى فرغ عنه وهو عكس المقصود إذ الفرض أن الاشتغال برسول الله ﷺ هو المانع من القضاء لا الفراغ منه (قلت) المراد الشغل الحاصل من جهة رسول الله ﷺ ، وقوله الشغل من رسول الله ﷺ ليس من كلام عائشة بل مدرج من كلام يحيى بن سعيد الراوي كما صرح به ابن جريج في روايته الآتية في الباب، وقد أخرج المؤلف من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بدون هذه الزيادة كما سيأتي في الباب لكن فيه ما يشعر بها وهو قولها: فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﷺ ، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بالمعية الزمان أي إن ذلك كان خاصًّا بزمانه، وقولها (الشغل) بسكون الغين وضمها والتلاوة الضم، وقولها (من رسول الله صلى الله
стр. 5155
٢٥٧٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزهْرَانِيُّ. حَدَّثَنِي سُلَيمَانُ بْنُ بِلالٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ. غَيرَ أَنَّهُ قَال: وَذلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
٢٥٧١ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثنَا
ــ
عليه وسلم) أي من أجله، فمن للتعليل كما أن الباء في رواية (برسول الله ﷺ للسببية، والظاهر أن قوله (أو برسول الله ﷺ شك من الراوي كما مر. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [١٩٥٠]، وأبو داود [٢٣٩٩]، والترمذي [٧٨٣]، والنسائي [٤/ ١٩١].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٢٥٧٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا بشر بن عمر) بن الحكم الأزدي (الزهراني) أبو محمد البصري، روى عن سليمان بن بلال في الصوم والفتن، وشعبة في النكاح، ومالك بن أنس في القسامة، وهشام بن سعد في الجهاد، وعكرمة بن عمار وسليمان بن بلال وغيرهم، ويروي عنه (ع) وإسحاق بن إبراهيم ومحمد بن يحيى وإسحاق الكوسج، وثقه ابن سعد، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال في التقريب: ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع، وقبل تسع ومائتين (٢٠٩) (حدثني سليمان بن بلال) التيمي مولاهم أبو محمد المدني، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٣) بابا (حدثنا يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني (بهذا الإسناد) يعني عن أبي سلمة عن عائشة. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد بصري وواحد مروزي، غرضه بيان متابعة سليمان بن بلال لزهير بن معاوية (غير أنه) أي لكن أن سليمان بن بلال (قال) في روايته (وذلك) أي عدم استطاعتي على قضاء ما عليّ من رمضان طول السنة المكان رسول الله ﷺ أي لكونه ووجوده معنا في حياته فلا ندري متى يحتاج إلينا فنستعد له كل وقت.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٢٥٧١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حدثنا عبد
стр. 5156
عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَقَال: فَظَنَنْتُ أَنَّ ذلِكَ لِمَكَانِهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . يَحْيى يَقُولُهُ.
٢٥٧٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. كِلاهُمَا عَنْ يَحْيَى، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرَا فِي الْحَدِيثِ: الشُغُلُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ
ــ
الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا ابن جريج) المكي (حدثني يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني (بهذا الإسناد) يعني عن أبي سلمة عن عائشة، غرضه بيان متابعة ابن جريج لزهير بن معاوية (و) لكن (قال) ابن جريج، قال يحيى بن سعيد (فظننت أن ذلك) أي أن عدم استطاعتها على قضاء رمضان (لمكانها) أي لمزيتها ومنزلتها وحظوتها (من النبي ﷺ أي عند رسول الله ﷺ ومحبته إياها فتكون مترصدة له كل وقت، قال ابن جريج (يحيى) بن سعيد مبتدأ خبره جملة (يقوله) أي يقول ما ذُكر من لفظ (فظننت أن ذلك لمكانها) وروى الترمذي وابن خزيمة من طريق عبد الله البهي عن عائشة (ما قضيت شيئًا مما يكون عليّ من رمضان إلا في شعبان حتى قُبض رسول الله ﷺ قيل مما يدل على ضعف هذه الزيادة أنه ﷺ كان يقسم لنسائه فيعدل، وكان يدنو من المرأة في غير نوبتها فيقبل ويلمس من غير جماع فليس في شغلها بشيء من ذلك ما يمنع الصوم اللهم إلا أن يقال كانت لا تصوم إلا بإذنه ولم يكن ياذن لها لاحتمال حاجته إليها فإذا ضاق الوقت أذن لها، وكان ﷺ يكثر الصوم في شعبان فلذلك كانت لا يتهيأ لها القضاء إلا في شعبان اهـ فتح.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديثها ثالثًا فقال:
٢٥٧٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى) البصري (حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري (ح وحدثنا عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (حدثنا سفيان) بن عيينة (كلاهما) أي كل من سفيان وعبد الوهاب رويا (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري (بهذا الإسناد) يعني عن أبي سلمة عن عائشة، غرضه بيان متابعة عبد الوهاب وسفيان لزهير بن معاوية (و) لكن (لم يذكرا) أي لم يذكر عبد الوهاب وسفيان (في الحديث) كلمة (الشغل برسول الله ﷺ وهذا مما يدل على
стр. 5157
٢٥٧٣ - (١١١٥) (٣٦) وحذثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها؛ أَنَّهَا قَالتْ؛ إِنْ كَانَتْ إِحْدَانَا لَتُفْطِرُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَمَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تقْضِيَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ
ــ
ضعف هذه الزيادة كما قررناه آنفًا. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة هذا بحديث آخر لها فقال:
٢٥٧٣ - (١١١٥) (٣٦) (وحدثني محمد) بن يحيى (بن أبي عمر) العدني (المكي حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد (الدراوردي) الجهني مولاهم أبو محمد المدني، صدوق، من (٨) (عن يزيد بن عبد الله) بن أسامة (بن الهاد) الليثي المدني، ثقة، من (٥) (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث التيمي أبي عبد الله المدني، ثقة، من (٤) (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) الزهري المدني، ثقة، من (٣) (عن عائشة رضي الله تعالى عنها). وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون إلا محمد بن أبي عمر فإنه مكي (أنها) أي أن عائشة (قالت إن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن بدليل ذكر اللام الفارقة بعدها أي إن الشأن والحال كانت إحدانا) معاشر أزواج النبي ﷺ (لتفطر) صوم رمضان لعارض الحيض مثلًا ولا تصوم (في زمان) حياة (رسول الله ﷺ فما تقدر) إحدانا ولا تستطيع (على أن تقضيه مع) وجود (رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان) لأن كل واحدة من نسائه ﷺ كانت مهيئة نفسها لرسول الله ﷺ لاستمتاعه من جميع أوقاته إن أراد ذلك ولا تدري متى يريده ولا تستأذنه في الصوم مخافة أن يأذن وقد يكون له حاجة فيها فيفوتها عليه وهذا من عادتهن، وقد اتفق العلماء على أن المرأة يحرم عليها صوم التطوع وبعلها حاضر إلا بإذنه لحديث أبي هريرة الثابت في مسلم: ولا تصوم إلا بإذنه، وقال الباجي: والظاهر أنه ليس للزوج جبرها على تأخير القضاء إلى شعبان بخلاف صوم التطوع، ونقل القرطبي عن بعض أشياخه أن لها أن تقضي بغير إذنه لأنه واجب، ويحمل الحديث على التطوع كذا في عمدة القاري اهـ فتح الملهم.
стр. 5158
٢٥٧٤ - (١١١٦) (٣٧) وحدّثني هَارُونُ بن سَعِيدٍ الأَيلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ
ــ
قال القرطبي: قولها (إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله ﷺ يفيد هذا اللفظ أن التأخير لأجل الشغل لم يكن لها وحدها، بل لها ولغيرها من أزواج النبي ﷺ (فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله ﷺ يعني أنها كانت تتوقع حاجته إليها على الدوام (فإن قيل) وكيف لا تقدر على الصوم لحقه فيها وقد كان لها تسع نسوة وكان يقسم بينهن فلا تصل النوبة لإحداهن إلا بعد ثمان فكان يمكنها أن تصوم في هذه الأيام التي يكون فيها عند غيرها، فالجواب أن القسم لم يَكن عليه واجبًا لهن وإنما كان يفعله بحكم تطييب قلوبهن ودفعًا لما يتوقع من الشرور وفساد القلوب، ألا ترى قول الله تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾ فلما علم نساؤه هذا كن يتهيأن له دائمًا ويتوقعن حاجته إليهن في أكثر الأوقات والله أعلم اهـ. وانفرد الإمام مسلم رحمه الله تعالى بهذا الحديث لم يشاركه فيه أحد اهـ من المفهم.
وقولها في الرواية الأولى (الشغل من رسول الله ﷺ وقولها المكان رسول الله ﷺ في الرواية الثانية، وفي هذا الحديث (فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﷺ كل هذه الألفاظ محومة على أن مراعاة حقوق رسول الله ﷺ في أزواجه كانت الموجبة لتأخير قضاء رمضان إلى شعبان، وتفيد أن تأخير القضاء إلى شعبان مسوغ وأن المبادرة به أولى وأن ذلك التأخير كان عن إذنه ﷺ اهـ من المفهم.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٢٥٧٤ - (١١١٦) (٣٧) (وحدثني هارون بن سعيد) بن الهيثم (الأيلي) ثم المصري (وأحمد بن عيسى) المصري (قالا حدثنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث عن عبيد الله بن أبي جعفر) يسار الكناني مولاهم أبي بكر المصري، ثقة، من (٥) (عن محمد بن جعفر بن الزبير) بن العوام الأسدي المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (٣) أبواب (عن) عمه
стр. 5159
عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ"
ــ
(عروة) بن الزبير المدني (عن) خالته (عائشة) أم المؤمنين (رضي الله تعالى عنها). وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم مصريون وثلاثة مدنيون (أن رسول الله ﷺ قال: من مات وعليه صيام) أي قضاؤه رمضان كان أو نذرًا أو كفارة (صام) نيابة (عنه وليه) أي جاز صومه لا أنه لازم له، وبالحديث عمل أحمد والشافعي في قوله القديم، والباقون منعوه مستدلين بقوله ﷺ : "لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه" وأولوا الصيام في الحديث بالإطعام عنه فإن ولي الميت إذا أطعم عنه سقط الصوم من ذمته فصار كان الولي صام عنه إلا أن الإطعام عنه إنما يفيد له إذا أوصاه وإذا لم يوص وتبرع عنه وليه أو أجنبي جاز، ومقدار الطعام مد عن كل يوم، والمعتبر في هذه الرواية مطلق القرابة، وقيل بالعصوبة، وقيل الإرث والوصاية اهـ من المبارق، قال الرافعي: والأشبه اعتبار الإرث، وقال النووي: المختار اعتبار مطلق القرابة وصححه في المجموع، واللزوم على الوارث في صورة الإيصاء إنما هو إذا ساعده الثلث فإن زاد عليه لا يجب فإن أخرج كان متبرعًا وهذا كله في الفوات مع إدراك زمان القضاء كما هو المبين في الفقه اهـ، وفي القسطلاني قوله (صام عنه وليه) ولو بغير إذنه أو أجنبي بالإذن من الميت أو من القريب بأجرة أو دونها وهذا مذهب الشافعي القديم، وصوبه النواوي بل قال: يسن له ذلك ويسقط وجوب الفدية، والجديد وهو مذهب مالك وأبي حنيفة عدم الجواز لأنه عبادة بدنية ولا يسقط وجوب الفدية، قال النواوي: وليس للجديد حجة، والحديث الوارد بالإطعام ضعيف ومع ضعفه فالإطعام لا يمتنع عند القائل بالصوم اهـ منه، وفي فتح الملهم قوله (صام عنه وليه) خبر بمعنى الأمر تقديره فليصم عنه وليه وليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادعوا الإجماع على ذلك وفيه نظر لأن بعض أهل الظاهر أوجبه فلعله لم يعتد بخلافهم على قاعدته، قال القرطبي: قوله (صام عنه وليه) بظاهر هذا الحديث، قال جماعة منهم إسحاق وأبو ثور وأهل الظاهر وقال به أحمد والليث وأبو عبيد إلا أنهم خصصوه بالنذر، وروي مثله عن الشافعي، وأما قضاء رمضان فإنه يطعم عنه من رأس ماله ولا يصام عنه وهو قول جماعة من العلماء ومالك لا يوجب عليه إطعامًا إلا أن يوصي به فيكون من الثلث كالوصايا، وأجمع المسلمون بغير خلاف على أنه لا يصلي
стр. 5160
٢٥٧٥ - (١١١٦) (٣٧) وحدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا الأعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ امْرَاةً
ــ
أحد عن أحد في حياته ولا بعد مماته، وأجمعوا على أنه لا يصوم أحد عن أحد في حياته، وإنما الخلاف في ذلك بعد موته، وإنما لم يقل مالك بالخبر المذكور لأمور أحدها أنه لم يجد عملهم عليه، وثانيها اختلف واضطرب في إسناده، وثالثها أنه رواه أبو بكر البزار وقال في آخره: لمن شاء، وهذا يرفع الوجوب الذي قالوا به، ورابعها أنه معارض بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾ وخامسها أنه معارض بما أخرجه النسائي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدًّا من حنطة" وسادسها أنه معارض بالقياس الجلي وهو أنه عبادة بدنية لا مدخل للمال فيها فلا تفعل عمن وجبت عليه كالصلاة، ولا ينقض هذا بالحج لأن للمال فيه مدخلا اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٦٩]، والبخاري [١٩٥٢]، وأبو داود [٢٤٠٠].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة بحديث ابن عباس ﵃ فقال:
٢٥٧٥ - (١١١٦) (٣٧) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي (حدثنا الأعمش عن مسلم) بن عمران (البطين) بفتح فكسر أبي عبد الله الكوفي، ثقة، من (٦) (عن سعيد بن جبير) الوالبي الكوفي، ثقة، من (٣) (عن ابن عباس ﵄. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم كوفيون وواحد طائفي وواحد مروزي (أن امرأة) قال ابن طاهر في إيضاح الإشكال: اسمها عايشة بمهملة ثم مثناة تحتانية ثم شين معجمة أو عايشة بمهملة ثم مثناة تحتية فمثلثة، أوردها ابن الأثير في الغين المعجمة فقال عائشة، وقيل غاثية، وفي الإصابة غاثنة بمثلثة بعد الألف وقبل النون اهـ المعلم على مبهمات مسلم، وفي رواية زائدة الآتية عن سليمان الأعمش جاء رجل إلى النبي ﷺ قال الحافظ: واتفق من عدا زائدة وعباد بن القاسم على أن السائل امرأة، وزاد أبو حريز في روايته أنها
стр. 5161
أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالتْ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيهَا صَوْمُ شَهْرٍ، فَقَال: "أَرَأَيتِ لَوْ كَانَ عَلَيهَا دَينٌ، أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ " قَالتْ: نَعَمْ. قَال: "فَدَينُ اللهِ أَحَق بِالْقَضَاءِ"
ــ
خثعمية اهـ فتح الملهم (أتت رسول الله ﷺ فقالت أن أمي ماتت) خالف أبو خالد جميع من رواه فقال: إن أختي، واختلف على أبي بشر عن سعيد بن جبير فقال هشيم عنه ذات قرابة لها، وقال شعبة عنه: إن أختها، أخرجهما أحمد، وقال حماد: ذات قرابة لها إما أختها واما ابنتها وهذا يشعر بأن التردد فيه من سعيد بن جبير كذا في الفتح (وعليها صوم شهر) هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية أبي حريز خمسة عشر يومًا، وفي رواية أبي خالد شهرين متتابعين وكذا في حديث بريدة من طريق ابن نمير عند مسلم صوم شهرين، قال الحافظ ورواية أبي خالد تقتضي أن لا يكون الذي عليها صوم شهر رمضان بخلاف رواية غيره فإِنها محتملة إلا رواية زيد بن أبي أنيسة فقال: إن عليها صوم نذر، وهذا واضح في أنه غير رمضان وبين أبو بشر في روايته سبب العذر فروى أحمد من طريق شعبة عن أبي بشر أن امرأة ركبت البحر فنذرت أن تصوم شهرًا فماتت قبل أن تصوم فأتت أختها النبي ﷺ الحديث ورواه أيضًا عن هشيم عن أبي بشر نحوه، وأخرجه من حديث حماد بن سلمة، وقد ادعى بعضهم أن هذا الحديث اضطرب فيه الرواة على سعيد بن جبير فمنهم من قال: إن السائل امرأة، ومنهم من قال إنه رجل، ومنهم من قال: إن السؤال وقع عن نذر فمنهم من فسره بالصوم، ومنهم من فسّره بالحج لما تقدم في أواخر الحج من صحيح البخاري، والذي يظهر أنهما قضيتان، ويؤيده أن السائلة في نذر الصوم خثعمية، والسائلة في نذر الحج جهنية انتهى كلامه.
(فقال) لها رسول الله ﷺ (أرأيت) أخبريني (لو كان عليها) أي على أمك (دين) لآدمي (أكنت تقضينه) عنها أي هل تؤدي ذلك الدين عنها (قالت) المرأة السائلة (نعم) أقضيه عنها (قال) لها رسول الله ﷺ (فدين ألله أحق) وأولى (بالقضاء) من دين الآدمي، وفيه مشروعية القياس وضرب المثل ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع وأقرب إلى سرعة فهمه، وفيه تشبيه ما اختلف فيه وأشكل بما اتفق عليه، وفيه أنه يستحب للمفتي التنبيه على وجه الدليل إذا ترتبت على ذلك مصلحة وهو أطيب لنفس المستفتي وأدعى لإذعانه، وفيه أن وفاء الدين المالي عن الميت كان
стр. 5162
٢٥٧٦ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْوَكِيعِيُّ. حَدَّثَنَا حُسَينُ بْنُ عَلِيٍّ،
ــ
معلومًا عندهم مقدرًا ولهذا حسن الإلحاق به، قال العيني رحمه الله تعالى: وقوله (لو كان على أمك دين أكنت قاضيته) مشعرُّ بأن ذلك على الندب إن طاعت به نفسه لأنه لا يجب على ولي الميت أن يؤدي من ماله عن الميت دينًا بالاتفاق لكن من تبرع به انتفع به الميت وبرئت ذمته، وقال ابن حزم: من مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان أو نذرًا أو كفارة واجبة ففرض على أوليائه أن يصومه عنه هم أو بعضهم ولا إطعام في ذلك أصلًا أوصى بذلك أو لم يوص به، وقال ابن بطال: التشبيه والتمثيل هو القياس عند العرب، وقد احتج المزني بحديث الباب وغيره على من أنكر القياس قال: وأول من أنكر القياس إبراهيم النظام وتبعه بعض المعتزلة وممن ينسب إلى الفقه داود بن علي وما اتفق عليه الجماعة هو الحجة اهـ فتح الملهم.
قوله (فدين الله أحق بالقضاء) قال العيني: فيه قضاء الدين عن الميت، وقد أجمعت الأئمة عليه فإن مات وعليه دين لله ودين لآدمي قدم دين الله لقوله (فدين الله أحق) وفيه ثلاثة أقوال للشافعي الأول أصحها تقديم دين الله تعالى، الثاني تقديم دين الآدمي، الثالث هما سواء فيقسم بينهما اهـ منه، قال القرطبي: ويمكن أن يقال في معنى هذا الحديث إن مقصود الشرع أن ولي الميت إذا عمل العمل بنفسه من صوم أو حج أو غيره فصيّره للميت انتفع به الميت ووصل إليه ثوابه ويعتضد ذلك بأنه ﷺ شبه قضاء الصوم عن الميت بقضاء الدين عنه والدين إنما يقضيه الإنسان عن غيره من حصله لنفسه ثم بعد ذلك يقضيه عن غيره أو يهبه له اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٢٥٧٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أحمد بن عمر) بن حفص بن جهم بن واقد الكندي (الوكيعي) نسبة إلى وكيع لصحبته وكيع بن الجراح أبو جعفر الكوفي الضرير، روى عن حسين بن علي في الصوم، ومحمد بن فضيل بن غزوان في الدعاء، وأبي معاوية ووكيع، ويروي عنه (م) وابنه إبراهيم بن أحمد وأبو يعلى، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة، من العاشرة مات سنة خمس وثلاثين ومائتين (٢٣٥) (حدثنا حسين بن علي) بن الوليد
стр. 5163
عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيهَا صَوْمُ شَهْرٍ. أَفَأقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَال: "لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَينٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ " قَال: نَعَمْ. قَال: "فَدَينُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى"
ــ
الجعفي الكوفي، ثقة، من (٩) (عن زائدة) بن قدامة الثقفي الكوفي، ثقة، من (٧) (عن سليمان) بن مهران الأعمش الكوفي، ثقة، من (٥) (عن مسلم) بن عمران (البطين) الكوفي (عن سعيد بن جبير) الكوفي (عن ابن عباس ﵄ وهذا السند من سباعياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا ابن عباس، غرضه بيان متابعة زائدة لعيسى بن يونس في الرواية عن الأعمش (قال) ابن عباس (جاء رجل) في الرواية السابقة أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ويجمع بينهما على أنهما قضيتان، ويحتمل أن يكون هذا الرجل سعد بن عبادة وأمه قد تقدمت اهـ من تنبيه المعلم على مبهمات مسلم، قال العيني: والحق أن القضية واحدة، والحديث مضطرب للاختلاف الشديد في كون السائل رجلًا أو امرأة والمسئول عنه أختًا أو أمًا وكون السؤال عن حج أو صوم، ثم في عدد الصوم مع اتحاد المخرج، والجمع بينهما لا يمكن إلا بتعسف شديد كما يظهر من مراجعة فتح الباري، ولهذا قال ابن عبد الملك: فيه اضطراب عظيم يدل على وهم الرواة وبدون هذا يقبل الحديث، وقال بعضهم ما ملخصه إن الاضطراب لا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث، ورد بأنه كيف لا يقدح والحال أن الاضطراب لا يكون إلا من الوهم كما مر وهو مما يضعف الحديث كذا في عمدة القاري كما مر أي جاء رجل (إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أن أمي ماتت) وفي رواية للبخاري (إن أختي ماتت) (وعليها صوم شهر) وفي شروح البخاري: أنها ركبت البحر فنذرت أن تصوم شهرًا فماتت قبل أن تصوم (أفأقضيه) أي هل أقضي ذلك الصوم وأصومه (عنها فقال) رسول الله ﷺ (لو كان على أمك دين) لآدمي (كنت) أي هل كنت (قاضيه) أي قاضي ذلك الدين (عنها) وكان قضاء الدين عن الميت معلومًا عندهم (قال) الرجل (فعم) أقضيه عنها فـ (قال) رسول الله ﷺ (فدين الله أحق) بـ (أن يقضى) أي بالقضاء من دين الآدمي، فيه قضاء الدين عن الميت، وقد أجمعت الأئمة عليه فإن مات وعليه دين لله ودين لآدمي قُدم دين الله لقوله فدين الله
стр. 5164
قَال سُلَيمَانُ: فَقَال الْحَكَمُ وَسَلَمَةُ بْنُ كُهَيلٍ جَمِيعًا. وَنَحْنُ جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بِهذَا الْحَدِيثِ. فَقَالا: سَمِعْنَا مُجَاهِدا يَذْكُرُ هذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
٢٥٧٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ. حَدَّثنَا أبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيلٍ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيبَةَ وَمُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ وَمُجَاهِدِ وَعَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِهذَا الْحَدِيثِ
ــ
أحق، وفيه ثلاثة أقوال للشافعي كما مر آنفًا (قال سليمان) الأعمش بالإسناد السابق (فقال) وفي رواية للبخاري (قال) بغير فاء أقلت، الفاء زائدة (الحكم) بفتحتين ابن عتيبة، مصغرًا الكوفي (وسلمة بن كهيل) مصغرًا الحضرمي الكوفي (جميعًا) أي كلاهما (ونحن) أي والحال أنا يعني هو وهما (جلوس) جملة اسمية وقعت حالًا (حين حدّث مسلم) بن عمران البطين (بهذا الحديث) السابق (فقالا) أي قال الحكم وسلمة فهو توكيد لقال الأول (سمعنا مجاهدًا) ابن جبر المكي (يذكر هذا) أي يروي هذا الحديث السابق (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، وحاصل هذا الكلام أن الأعمش سمع هذا الحديث من ثلاثة أنفس في مجلس واحد سمع من مسلم البطين أولًا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ثم من الحكم وسلمة عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:
٢٥٧٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو سعيد) عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي (الأشج) الكوفي، ثقة، من (١٠) (حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، صدوق، من (٨) (حدثنا الأعمش) الكوفي، غرضه بيان متابعة أبي خالد الأحمر لزائدة بن قدامة بالنظر إلى روايته عن مسلم البطين لأنه خالف زائدة في الرواية عن سلمة بن كهيل، وعن الحكم بن عُتَيبَةَ (عن سلمة بن كهيل و) عن (الحكم بن عتيبة و) عن (مسلم البطين) كل من هؤلاء الثلاثة رووا (عن سعيد بن جبير و) عن (مجاهد و) عن (عطاء) بن أبي رباح المكيين كل من هؤلاء الثلاثة أعني سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد (عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ بهذا الحديث) السابق الذي رواه زائدة، قال الحانظ: لم يسق المتن بل أحال على رواية زائدة، وهو
стр. 5165
٢٥٧٨ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. جَمِيعًا عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ عَدِيٍّ. قَال عَبْدٌ: حَدَّثَنِي زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ. أَخْبَرَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زيدِ بْنِ أَبِي أُنَيسَةَ. حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ عُتَيبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما. قَال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى
ــ
معترض لأنه خالف رواية زائدة كما مر آنفًا، والحاصل أن الأعمش روى عن الشيوخ الثلاثة وكل من الثلاثة الأولى رووا عن الثلاثة الأخيرة، ويحتمل كما قال في الفتح أن يكون من باب اللف والنشر غير المرتب فيكون شيخ الحكم عطاء وشيخ البطين ابن جبير وشيخ سلمة مجاهدًا، ويؤيده أن النسائي أخرجه من طريق عبد الرحمن بن مغراء عن الأعمش مفصلًا هكذا وهو مما يقوي رواية أبي خالد كذا في الفتح اهـ قسطلاني.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:
٢٥٧٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي المروزي ثم النيسابوري، ثقة، من (١١) (و) محمد بن أحمد (بن أبي خلف) محمد مولى بني سليم السلمي مولاهم أبو عبد الله البغدادي، ثقة، من (١٥) (وعبد بن حميد) الكسي (جميعًا) أي كل من الثلاثة رووا (عن زكرياء بن عدي) بن الصلت التيمي مولاهم أبي يحيى الكوفي، ثقة، من كبار (١٠) مات سنة (٢١١) (قال عبد) بن حميد (حدثني زكرياء بن عدي) بصيغة السماع، قال زكرياء (أخبرنا عبيد الله بن عمرو) بن أبي الوليد الأسدي مولاهم أبو وهب الجزري الرقي، ثقة، من (٧) (عن زيد بن أبي أنيسة) زيد الغنوي أبي أسامة الجزري، ثقة، من (٦) (حدثنا الحكم بن عتيبة) مصغرًا الكندي الكوفي، ثقة، من (٥) وهذا يخالف رواية عبد الرحمن بن مغراء من حيث إن شيخ الحكم فيها عطاء وفي هذه شيخه سعيد ويحتمل أن يكون سمعه من كل منهما قاله الحافظ، والإنصاف عندي ما أشار إليه عياض من أن الحديث لا يخلو عن اضطراب في الإسناد والمتن فسقط الاحتجاج به والله أعلم اهـ فتح الملهم (عن سعيد بن جبير) الكوفي (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان جزريان وواحد طائفي وواحد إما نيسابوري أو بغدادي أو كسي، غرضه بيان متابعة الحكم بن عتيبة لمسلم البطين في رواية هذا الحديث عن سعيد بن جبير، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والمقارنة (قال) ابن عباس (جاءت امرأة إلى
стр. 5166
رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِن أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيهَا صَوْمُ نَذْرٍ. أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَال: "أَرَأَيتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَينٌ فَقَضَيتِيهِ، أَكَانَ يُؤَدِّي ذلِكَ عَنْهَا؟ " قَالتْ: نَعَمْ. قَال: "فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ".
٢٥٧٩ - (١١١٧) (٣٨) وحدَّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ أبُو الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁. قَال: بَينَا أَنَا جَالِسٌ
ــ
رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر) وهذا ظاهر في أنه غير رمضان (أفأصوم عنها قال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه) كذا بزيادة الياء بعد التاء في أكثر النسخ، وفي بعضها فقضيته بدونها على الأصل (كان يؤدي) ويجزئ (ذلك) أي قضاؤك (عنها قالت) المرأة (نعم) يجزئ ذلك عنها (قال) لها النبي ﷺ إذا (فصومي عن أمك) قال القسطلاني: وهذا الاختلاف من قوله امرأة ورجل وشهر وشهران وخمسة عشر يومًا يُحمل على اختلاف الوقائع، وفيه جواز الصوم عن الميت اهـ.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث عائشة بحديث بريدة بن الحصيب ﵄ فقال:
٢٥٧٩ - (١١١٧) (٣٨) (وحدثني علي بن حجر) بن إياس (السعدي) أبو الحسن المروزي، ثقة، من (٩) (حدثنا علي بن مسهر) القرشي (أبو الحسن) الكوفي، ثقة، من (٨) (عن عبد الله بن عطاء) الطائفي أو المكي أو المدني أو الواسطي أو الكوفي، روى عن عبد الله بن بريدة في الصوم، وسليمان بن بريدة في الصوم، وأبي الطفيل، ويروي عنه (م عم) وعلي بن مسهر وعبد الله بن نمير والثوري وغيرهم، قال الترمذي: ثقة عند أهل الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق يخطئ ويدلس، من السادسة (عن عبد الله بن بريدة) بن الحصيب الأسلمي المروزي، ثقة، من (٣) (عن أبيه) بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي المدني ثم البصري الصحابي المشهور ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مروزيان واثنان كوفيان وواحد مدني (قال) بريدة بن الحصيب (بينا أنا جالس
стр. 5167
عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ. فَقَالتْ: إِني تَصَدَّقْتُ عَلَيَّ أُمِّي بِجَارِيةٍ. وَإِنَّهَا مَاتَتْ. قَال: فَقَال: "وَجَبَ أَجْرُكِ. وَرَدَّهَا عَلَيكِ الْمِيرَاثُ" قَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيهَا صَوْمُ شَهْرٍ. أَفَأصُومُ عَنْهَا؟ قَال: "صُومِي عَنْهَا" قَالتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ. أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَال: "حُجِّي عَنْهَا".
٢٥٨٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثنَا
ــ
عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة فقالت إني تصدقت على أمي بجارية) أي بأمة أي ملكتها إياها هبة أو صدقة، قال في تنبيه المعلم: لم أر من ذكر اسم المرأة ولا اسم أمها ولا اسم الجارية اهـ (وانها) أي وإن أمي (ماتت) والجارية التي تصدقت بها عليها انتقلت إليّ إرثًا فهل لي في تصدقي عليها أجر إذا عادت إليّ (قال) بريدة (فقال) لها رسول الله ﷺ (وجب) أي ثبت (أجرك) أي أجر تصدقك عليها عند الله تعالى وأجر الصلة وأنت ما عدت في صدقتك عليها وهيئتك لها (وردها عليك الميراث) ردًّا إجباريًّا وليس الرجوع فيها باختيارك ونسبة الرد إلى الميراث في قوله وردها عليك الميراث مجازية أي ردها الله عليك بالميراث وعادت الجارية إليك بالوجه الحلال، قال النواوي: وفيه أن من تصدق بشيء ثم ورثه لم يكره له أخذه والتصرف فيه بخلاف ما إذا أراد شراءه فإنه يكره لحديث فرس عمر ﵁ (قالت) المرأة (يا رسول الله إنه) أي إن الشأن والحال (كان عليها) أي على أمي (صوم شهر أفأصوم عنها قال) لها رسول الله ﷺ (صومي عنها قالت) المرأة (إنها لم تحج قط) أي في زمن من الأزمنة الماضية (أفأحج عنها؟ قال) لها رسول الله ﷺ (حجي عنها) لأن الحج ليس بعبادة بدنية محضة فيجري فيه النيابة عند العجز الدائم فيحج عن الميت سواء وجب عليه الحج أم لا أوصى به أم لا؟ قال النواوي: فيه دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي، والجمهور أن النيابة في الحج جائزة عن الميت، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه إن شاء الله تعالى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [٣٣٠٩]، والترمذي [٦٦٧].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث بريدة ﵁ فقال:
٢٥٨٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا
стр. 5168
عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁. قَال: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النبِيِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ. غَيرَ أَنَّهُ قَال: صَوْمُ شَهْرَينِ.
٢٥٨١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أبِيهِ ﵁. قَال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ. وَقَال: صَوْمُ شَهْرٍ.
٢٥٨٢ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ،
ــ
عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي (عن عبد الله بن عطاء) الكوفي (عن عبد الله بن بريدة) المروزي (عن أبيه) بريدة بن الحصيب ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عبد الله بن نمير لعلي بن مسهر في رواية هذا الحديث عن عبد الله بن عطاء (قال) بريدة (كنت جالسًا عند النبي ﷺ وساق عبد الله بن نمير (بمثل حديث ابن مسهر غير) أي لكن (أنه) أي أن عبد الله بن نمير (قال) في روايته عليها (صوم شهرين) بالتثنية بدل شهر.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ئانيًا في حديث بريدة ﵁ فقال:
٢٥٨١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عبد بن حميد) الكسي (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا) سفيان بن سعيد (الثوري) الكوفي (عن عبد الله بن عطاء) الكوفي (عن) عبد الله (بن بريدة) كذا في أكثر النسخ هنا عن ابن بريدة، وفي بعضها عن عبد الله بن بريدة كما في الروايتين المتقدمتين، والرواية التالية عن سليمان بن بريدة في جميع النسخ (عن أبيه) بريدة ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة الثوري لعلي بن مسهر (قال) بريدة (جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فذكر) الثوري (بمثله) أي بمثل حديث علي بن مسهر (و) لكن (قال) الثوري في روايته عليها (صوم شهر) بالإفراد.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه ثالثًا فقال:
٢٥٨٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج النيسابوري (أخبرنا عبيد الله بن موسى) العبسي الكوفي صاحب المسند (عن سفيان)
стр. 5169
بِهذَا الإِسْنَادِ، وَقَال: صَوْمُ شَهْرَينِ.
٢٥٨٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني ابْنُ أَبِي خَلَفٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁. قَال: أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ. وَقَال: صَوْمُ شَهْرٍ
ــ
الثوري (بهدا الإسناد) بعني عن عبد الله بن عطاء عن ابن بريدة عن أبيه (و) لكن (قال) عبيد الله في روايته عليها (صوم شهرين) بالتثنية، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عبيد الله بن موسى لعبد الرزاق في الرواية عن سفيان الثوري.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا فقال:
٢٥٨٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني) محمد بن أحمد (بن أبي خلف) محمد السلمي البغدادي (حدثنا إسحاق بن يوسف) بن يعقوب بن مرداس المخزومي الواسطي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٥) أبواب (حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان) ميسرة الفزاري أبو محمد الكوفي، وثقه ابن معين والنسائي، وقال في التقريب: صدوق له أوهام، من (٥) مات سنة (١٤٥) (عن عبد الله بن عطاء المكي) ثم الكوفي، صدوق، من (٦) (عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة عبد الملك بن أبي سليمان لعلي بن مسهر وعبد الله بن نمير وسفيان الثوري في رواية هذا الحديث عن عبد الله بن عطاء، ولكنها متابعة ناقصة لأن عبد الملك روى عن بريدة بواسطة سليمان بن بريدة، وغيره رووا عن بريدة بواسطة عبد الله بن بريدة، وقيل غرضه بيان متابعة سليمان بن بريدة لعبد الله بن بريدة في الرواية عن بريدة أبيهما (قال) بريدة (أتت امرأة إلى النبي ﷺ وساق عبد الملك بن أبي سليمان (بمثل حديثهم) أي بمثل حديث علي بن مسهر وعبد الله بن نمير وسفيان الثوري، وعلى القول الثاني جمع الضمير تحريف من النساخ، والصواب (بمثل حديثه) أي ساق سليمان بمثل حديث عبد الله عن بريدة (و) لكن (قال) عبد الملك أو سليمان في روايته عليها (صوم شهر) بالإفراد.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث ستة الأول حديث سلمة بن الأكوع ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني
стр. 5170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حديث عائشة ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والثالث حديث عائشة الثاني ذكره للاستشهاد به لحديثها الأول، والرابع حديث عائشة الثالث ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة، والخامس حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد به لحديث عائشة الأخير وذكر فيه ثلاث متابعات، والسادس حديث بريدة ذكره للاستشهاد ثانيًا لحديث عائشة وذكر فيه أربع متابعات والله أعلم.
***
стр. 5171
٤٥٠ - (٦) باب: ما يقول الصائم إذا دعي إلى طعام والنهي عن الرفث والجهل في الصيام وبيان فضله
٢٥٨٤ - (١١١٨) (٣٩) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ (قَال أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ: رِوَايَةً. وَقَال عَمْرٌو: يَبْلغُ بِهِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَال زُهَيرٌ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ"
ــ
٤٥٠ - (٦) باب ما يقول الصائم إذا دُعي إلى طعام والنهي عن الرفث والجهل في الصيام وبيان فضله
٢٥٨٤ - (١١١٨) (٣٩) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (قالوا حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني (عن أبي هريرة ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان أو كوفي وبغدادي أو كوفي ونسائي، وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة (قال أبو بكر بن أبي شيبة) في روايته عن أبي هريرة (رواية) عن النبي ﷺ (وقال عمرو) الناقد في روايته عن أبي هريرة (يبلغ به النبي ﷺ أي يصله ويسنده إليه (وقال زهير) في روايته عن أبي هريرة (عن النبي ﷺ وهذا بيان لاختلافهم في كيفية رفع الحديث (قال) النبي ﷺ (إذا دعي) وطلب (أحدكم إلى) أكل (طعام) أو شرب شراب (وهو) أي والحال أنه (صائم فليقل إني صائم) أي ندبًا كما في المرقاة، اعتذارًا إلى الداعي فإن سمح ولم يطالبه بالحضور فله التخلف وإلا حضر وليس الصوم عذرًا في التخلف كما في النواوي، قال: ولكن إذا حضر لا يلزمه الأكل، ويكون الصوم عذرًا في ترك الأكل بخلاف المفطر فإنه يلزمه الأكل اهـ، وإنما أمر المدعو عند الاعتذار في التخلف بإخبار صومه مع أن المستحب إخفاء النوافل لئلا يؤدي ذلك إلى بغض في الداعي كما في المبارق، وعبارة النواوي فإذا اعتذر بذلك فإن سومح في التخلف سقط عنه الحضور، وإن لم يسامح لزمه لأن الصوم لا يمتنع معه الحضور ثم لا يلزمه الأكل لأن الصوم مانع إلا أن يشق على
стр. 5172
٢٥٨٥ - (١١١٩) (٤٠) حدَّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁. رِوَايَةً. قَال: "إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ. فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ
ــ
صاحب الطعام عدم أكله فيستحب له الأكل، ويشهد للزوم الحضور حديث مسلم في أبواب الوليمة إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرًا فليأكل وإن كان صائمًا فليصل، وفي رواية الطبراني عن ابن مسعود وإن كان صائمًا فليدع بالبركة، كذا في الجامع الصغير للسيوطي.
وفي هذا الحديث أنه لا بأس بإظهار نوافل العبادة من الصوم وغيرهما إذا دعت إليه حاجة والمستحب إخفاؤها إذا لم تكن حاجة، وفيه إشارة إلى حسن المعاشرة وإصلاح ذات البين وتأليف القلوب وحسن الاعتذار عند سببه اهـ نواوي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي.
ثم استدل المؤلف ﵀ على الجزء الثاني من الترجمة بحديث آخر لأبي هريرة ﵁ فقال:
٢٥٨٥ - (١١١٩) (٤٠) (حدثني زهير بن حرب) النسائي (حدثنا سفيان بن عيينة) الكوفي (عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد نسائي (رواية) أي حالة كون أبي هريرة راويًا لهذا الحديث عن النبي ﷺ (قال) النبي ﷺ (إذا أصبح أحدكم يومًا صائمًا فلا يرفث) بضم الفاء وكسرها، ويجوز في ماضيه التثليث والمراد بالرفث هنا -وهو بفتح الراء والفاء ثم المثلثة- الكلام الفاحش وهو يطلق على هذا وعلى الجماع وعلى مقدماته، ويحتمل أن يكون ما هو أعم منها، وقوله يومًا مفعول صائمًا مقدم عليه والمعنى إذا كان أحدكم صائم يوم من الأيام فلا يرفث أي لا يتكلم الكلام الفاحش كسب الناس وشتمهم والغيبة والنميمة ومراودة النساء (ولا يجهل) أي لا يفعل شيئًا من أفعال أهل الجهل والبطالة كضرب الناس والمقاتلة والصياح والصخب في الأسواق ونحو ذلك، ولسعيد بن منصور من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه فلا يرفث ولا يجادل، قال القرطبي: لا يفهم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذكر وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم (فإن امرؤ) من الناس (شاتمه) أي شتمه شخص
стр. 5173
أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ. إِنِّي صَائِمٌ".
٢٥٨٦ - (١١٢٠) (٤١) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجيبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "قَال اللهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلا الصِّيَامَ. هُوَ لِي
ــ
من أفراد الناس متعرضًا لمشاتمته (أو قاتله) أي أراد أن يقاتله أي أن يفعل به فعلًا يؤدي إلى القتل يعني إن تهيأ أحد لمشاتمته أو مقاتلته (فليقل) لذلك الشاتم أو القاتل أي فليقل له بلسانه (إني صائم) ليسمعه الشاتم فينزجر عن شتمه أو ليحدّث به نفسه ليمنعها من مجازاة الشاتم ولو جمع بين الأمرين لكان حسنًا، وتكرير (إني صائم) للتأكيد اهـ من المبارق، فإن أصر على قتاله دفعه بالأخف كالصائل والمراد من الحديث أنه لا يعامل بمثل عمله بل يقتصر على قوله إني صائم، ونقل الزركشي أن المراد بقوله فليقل إني صائم مرتين يقوله مرة بقلبه ومرة بلسانه فيستفيد بقوله بقلبه كفه لسانه عن خصمه، وبقوله بلسانه كف خصمه عنه، وتعقب بأن القول حقيقة باللسان، وأجيب بأنه لا يمنع المجاز اهـ فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النسائي فقط اهـ تحفة الأشراف.
ثم استدل المؤلف ﵀ على الجزء الأخير من الترجمة بحديث آخر لأبي هريرة ﵁ فقال:
٢٥٨٦ - (١١٢٠) (٤١) (وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي) المصري (أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب أخبرني سعيد بن المسيب) بن حزن القرشي المخزومي المدني، ثقة، من (٢) (أنه سمع أبا هريرة ﵁ وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة مصريون (قال) أبو هريرة (سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله في الحديث القدسي (كل عمل ابن آدم له) فيه حظ كالرياء والسمعة والعجب مما يحبطه (إلا الصيام) اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولًا وفعلًا (هو) أي صومه خالص (لي) لا يعلم ثوابه المترتب عليه غيري، قيل سبب إضافة الصوم إلى الله تعالى مع كون جميع الطاعات له لأنه لم يعبد به أحد غير الله تعالى، وقيل إن سببها أن الصوم بعيد عن الرياء بخلاف
стр. 5174
وَأَنا أَجْزِي بِهِ. فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَخُلْفَةُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عنْدَ اللهِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ"
ــ
غيره، وقيل هي إضافة تشريف كقوله تعالى ناقة الله (وأنا أجزي به) أي بالصوم، ولم يذكر ماذا يجزى لكثرته، وإنما قال أنا أجزي مع أن كل جزاء العبادات منه تعالى إشارة إلى عظم ذلك الجزاء لأن الكريم إذا تولى بنفسه الجزاء اقتضى ذلك سعة الجزاء، وقيل خص الله تعالى الصوم لنفسه ليسلم من أن يأخذه الخصوم فإنهم إذا استوفوا أعمال المؤمن من عند الحساب ولم يبق له عمل أخرج له ديوان صومه فيجزى به على ذلك اهـ من المبارق (فو) الله؛ أي أقسمت بالإله (الذي نفس محمد) وروحه (بيده) المقدسة (لخلفة فم الصائم) بضم الخاء المعجمة وسكون اللام، وفي النهاية بكسر الخاء، والمذكور في القاموس خلوف وخلوفة وهو تغير رائحة الفم، وبابه قعد، وفي رواية لخلوف بضم الخاء المعجمة واللام وسكون الواو بعدها فاء، قال القاضي عياض: هذه الرواية الصحيحة، وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء، قال الخطابي: وهو خطأ، واتفقوا على أن المراد به تغير رائحة فم الصائم بسبب الصيام اهـ فتح (أطيب عند الله) يوم القيامة كما في الرواية الآتية أو في الدنيا لحديث "فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله" (من ريح المسك) وفيه إشارة إلى أن رتبة الصوم علية على غيره لأن مقام العندية في الحضرة القدسية أعلى المقامات السنية، وإنما كان الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك لأن الصوم من أعمال السر التي بين الله تعالى وبين عبده ولا يطلع على صحته غيره تعالى فجعل الله رائحة صومه تنم عليه في المحشر بين الناس، وفي ذلك إثبات الكرامة والثناء الحسن له، وهذا كما قال ﷺ في المحرم: "فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" وفي الشهيد: "يبعث وأوداجه تشخب دمًا تشهد له بالقتل في سبيل الله" ويُبعث الإنسان على ما عاش عليه، قال السمرقندي: يُبعث الزامر وتتعلق زمارته في يده فيلقيها فتعود إليه ولا تفارقه، ولما كان الصالْم يتغير فمه بسبب العبادة والنفوس تكره الرائحة الكريهة في الدنيا جعل الله تعالى رائحة فم الصائم عند الملائكة أطيب من ريح المسك في الدنيا وكذا في الدار الآخرة فمن عَبَدَ الله تعالى وطلب رضاه في الدنيا فنشأ من عمله آثار مكروهة في الدنيا فإنها محبوبة له تعالى وطيبة عنده لكونها نشأت عن طاعته واتباع مرضاته ولذلك كان دم الشهيد ريحه يوم القيامة كريح المسك وغبار المجاهدين في سبيل الله ذريرة أهل الجنة كما ورد في حديث مرسل
стр. 5175
٢٥٨٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالا: حَدَّثنَا الْمُغِيرَةُ (وَهُوَ الْحِزَامِيُّ) عَنْ أبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الصِّيَامُ جُنَّةٌ"
ــ
اهـ إرشاد الساري. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٧٣]، والبخاري [١٩٠٤]، والنسائي [٤/ ١٦٢ - ١٦٣].
قال القرطبي: وقد أخذ الشافعي رحمه الله تعالى من هذا الحديث منع الصائم من السواك من بعد الزوال قال لأن ذلك الوقت مبدأ الخلوف، قال: والسواك يذهبه، وقد أجاز كافة العلماء للصائم أن يتسوك بسواك لا طعم له في أي أوقات النهار شاء، وقوله (أطيب عند الله من ريح المسك) لا يتوهم أن الله تعالى يستطيب الروائح ويستلذها كما يقع لنا من اللذة والاستطابة إذ ذاك من صفات افتقارنا واستكمال نقصنا وهو الغني بذاته الكامل بجلاله وتقدسه على أنا نقول: إن الله يدرك المدركات ويبصر المبصرات ويسمع المسموعات على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه مخلوقاته وإنما معنى هذه الأطيبيّة عند الله تعالى راجعة إلى أن الله تعالى يثيب على خلوف فم الصائم ثوابًا أكثر مما يثيب على استعمال روائح المسك، حيث ندب الشرع إلى استعماله فيها كالجمع والأعياد وغير ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك في حق الملائكة فيستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٢٥٨٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) الحارثي القعنبي البصري، ثقة، من (٩) (وقتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (قالا حدثنا المغيرة) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام (وهو) القرشي الأسدي (الحزامي) ثقة، من (٧) (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني (عن أبي هريرة ﵁ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة الأعرج لسعيد بن المسيب (قال) أبو هريرة ﵁ (قال رسول الله ﷺ الصيام جُنة) أي سترة ووقاية من النار ومانع من الرفث، ومنه المجن وهو الترس، ومنه الجن لاستتارهم، قال القرطبي: هذه اللفظة التي هي الجيم والنون كيف دارت صورها بمعنى السترة كالجن والجنة والجنون والمجن؛ فمعناه أن الصوم سترة فيصح أن
стр. 5176
٢٥٨٨ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَال اللهُ : كُلِّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ. فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أجْزِي بِهِ. وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ
ــ
يكون جُنة بحسب مشروعيته أي ينبغي للصائم أن يعريه مما يفسده ومما ينقص ثوابه كمناقضات الصيام ومعاصي اللسان، وإلى هذه الأمور وقعت الإشارة بقوله (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يسخب) الحديث، ويصح أن يسمى جنة بحسب فائدته وهو إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله (ويذر شهوته وطعامه من أجلي) ويصح أن يكون جنة بحسب ثوابه، وإليه التصريح بقوله (من صام يومًا في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٢٥٨٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا ابن جريج) المكي (أخبرني عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم أبو محمد اليماني المكي (عن أبي صالح) ذكوان (الزيات) المدني (أنه سمع أبا هريرة ﵁ وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان مكيان وواحد صنعاني وواحد نيسابوري، غرضه بيان متابعة أبي صالح السمان لسعيد بن المسيب حالة كون أبي هريرة (يقول قال رسول الله ﷺ قال الله كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإِنه لي وأنا أجزي به) أي بعمله (والصيام جنة) بضم الجيم أي وقاية من الذنوب في الدنيا، ومن النار في الآخرة، زاد سعيد بن منصور عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد (جنة من النار) وللنسائي من حديث عائشة مثله، ولأحمد من حديث أبي عبيدة بن الجراح (الصيام جنة) ما لم يخرقها زاد الدارمي بالغيبة، قال الحافظ: وفي زيادة أبي عبيدة بن الجراح إشارة إلى أن الغيبة تضر بالصوم، وقد حكي عن عائشة وبه قال الأوزاعي إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم، وأفرط ابن حزم فقال: مبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه سواء كانت قولًا أو فعلًا لعموم قوله (فلا يرفث ولا يجهل) ولما
стр. 5177
فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ. فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ. فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. وَللصَّائِم فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ
ــ
ورد في بعض الأحاديث: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث) أي لا يفحش في الكلام كالغيبة والنميمة والكذب (يومئذ) أي يوم إذْ كان صوم أحدكم (ولا يسخب) أي لا يصح هكذا هو هنا بالسين ويقال بالسين والصاد من السخب وهو الصياح (فإن سابه) أي شتمه (أحد أو قاتله) أي إن تهيأ أحد لمشاتمته أو مقاتلته، والمسابة والمقاتلة مما لا تكون إلا من اثنين غالبًا ولم تقع هنا إلا من أحدهما لكنه لما عرض أحدهما الآخر لذلك صدق اللفظ عليهما (فليقل) له بلسانه إني صائم ليكف خصمه عنه أو بقلبه ليكف هو عن خصمه، قال النواوي في المجموع: كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسنًا، واختلف فيما إذا سب الصائم أحدًا أو اغتابه هل يفسد صومه؟ فالجمهور على أن ذلك ليس بمفسد للصوم، وذهب الأوزاعي إلى أن ذلك مفطر مفسد وبه قال الحسن فيما أحسب (إني امرؤ صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم) أي لرائحة فمه المتغيرة، واللام ابتدائية مؤكدة (أطيب عند الله) تعالى (يوم القيامة) أي أكثر أجرًا عند الله يوم القيامة (من ريح) أي من رائحة (المسك) الذي تطيب به في الأوقات التي يندب التطيب به فيه كالجمع والأعياد ومجامع الخير كلها، وقيل هو كناية عن تقريب الله تعالى للصائم من رضوانه وعظيم نعمه لأن التقريب من لوازم ذي الرائحة الطيبة اهـ سنوسي، وقوله (يوم القيامة) يقتضي أن طيب رائحة الخلوف هو في الآخرة، وقد وقع خلاف بين ابن الصلاح والعز بن عبد السلام في أن طيب رائحة الخلوف هل هي في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط فذهب ابن الصلاح إلى الأول وابن عبد السلام إلى الثاني (وللصالم فرحتان) خبر مقدم ومبتدأ مؤخر أي مرتان من الفرح عظيمتان إحداهما في الدنيا والأخرى في الآخرة كذا في مرقاة ملا علي (يفرحهما) أي. يفرح بهما فحذف الجار توسعًا كقوله تعالى ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ أي فيه (إذا أفطر فرح بفطره) لزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر وهذا هو الفرح الطبيعي أو من حيث إنه تمام صومه وخاتمة عبادته وفرح
стр. 5178
وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ".
٢٥٨٩ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا أبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا الأعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ. الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ
ــ
كل أحد بحسبه لاختلاف مقامات الناس في ذلك (وإذا لقيَ ربه) في الآخرة (فرح بصومه) أي بجزائه وثوابه أو بلقاء ربه وعلى الاحتمالين فهو مسرور بقبوله.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٢٥٨٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش ح وحدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي (عن الأعمش ح وحدثنا أبو سعيد الأشج) الكندي عبد الله بن سعيد بن حصين الكوفي (واللفظ) الآتي (له) أي لأبي سعيد (حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن أبي صالح) السمان (عن أبي هريرة ﵁ غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة الأعمش لعطاء بن أبي رباح في رواية هذا الحديث عن أبي صالح (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ كل عمل ابن آم يضاعف) بالبناء للمفعول؛ أي يضاعف جزاؤه وثوابه عند الله تعالى والمراد بالعمل هنا الأعمال الصالحة لأن السيئة لا تضاعف، وقوله (الحسنة) أي جزاء الحسنة الواحدة (عشر أمثالها) مبتدأ وخبر، ولفظ المشكاة كما في الموطإ، ولباس البخاري بعشر أمثالها وهذا أقل المضاعفة وإلا فقد يزاد (إلى سبعمائة ضعف) فما فوقها، زاد ابن ماجه بعد قوله إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله، قال العلامة الزبيدي في شرح الإحياء: في الحديث فوائد؛ الأولى ظاهره يقتضي أن أقل التضعيف عشرة أمثال، وغايته سبعمائة ضعف، وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فقيل المراد يضاعف هذا التضعيف وهو السبعمائة، وقيل المراد يضاعف فوق السبعمائة لمن يشاء، وقد ورد التضعيف بأكثر من السبعمائة في أعمال كثيرة في أخبار كثيرة أكثر ما جاء فيه ما رواه الحاكم في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما
стр. 5179
قَال اللهُ : إِلَّا الصَّوْمَ. فَّإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ"
ــ
مرفوعًا: "من حج من مكة ماشيًا حتى يرجع إلى مكة كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة كل حسنة مثل حسنات الحرم، قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: بكل حسنة مائة ألف حسنة" وقد أخرجه أيضًا الدارقطني في الأفراد والطبراني في الكبير والبيهقي، والجمع بينه وبين حديث أبي هريرة هذا أنه لم يرد بحديث أبي هريرة انتهاء التضعيف بدليل أن في بعض طرقه بعد قوله إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وفي أخرى إلى ما يشاء الله فهذه الزيادة تبين أن هذا التضعيف يزاد على السبعمائة، والزيادة من الثقة مقبولة على الصحيح. الثانية: قال القاضي أبو بكر بن العربي: قوله إلى سبعمائة ضعف يعني بظاهره الجهاد في سبيل الله ففيه ينتهي التضعيف إلى سبعمائة بنص القرآن، وقد جاء في الحديث الصحيح أن العمل الصالح في أيام العشر أحب إلى الله من الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع قال: فهذان عملان، قال العراقي في شرح الترمذي: وعمل ثالث روى أحمد في مسنده: "النفقة في الحج تضاعف كالنفقة في سبيل الله الدرهم سبعمائة ضعف" قال: وعمل رابع وهو كلمة حق عند سلطان جائر ففي الحديث أنه أفضل الجهاد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد، قال: وعمل خامس وهو ذكر الله فإنه قد ورد (إنه أفضل الجهاد) من حديث أبي الدرداء وأبي سعيد وعبد الله بن عمرو ومعاذ، ثم ذكر هذه الأحاديث مفصلة فليراجع اهـ فتح الملهم (قال الله إلا الصوم) قال البيضاوي: معناه إن الحسنات يضاعف جزاؤها من عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فلا يضاعف إلى هذا القدر بل ثوابه لا يقدر قدره ولا يحصيه إلا الله تعالى ولذلك يتولى جزاءه بنفسه ولا يكله إلى غيره (فإنه لي وأنا أجزي به، يدع) الصائم ويترك (شهوته) أي جماعه وما اشتهته نفسه من محظورات الصوم، فيكون قوله (وطعامه) تخصيصًا بعد تعميم كما في المرقاة (من أجلي) أي لأجل طلب رضائي (للصائم فرحتان فرحة عند فطره) بزوال جوعه وعطشه (وفرحة) بجزائه وثوابه (عند لقاء ربه) يوم القيامة (ولخلوف فيه) أي ولرائحة فمه المتغيرة (أطيب عند الله) يوم القيامة (من ريح المسك) قال البيضاوي: والسبب في اختصاص
стр. 5180
٢٥٩٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيلٍ، عَنْ أبِي سِنَانٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ ﵄. قَالا: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن اللهَ يَقُولُ: إِن الصَّوْمَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. إِنَّ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَينِ: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ
ــ
الصوم بهذه المزية أمران؛ أحدهما أن سائر العبادات مما يطلع عليه العباد، والصوم سر بين العبد وبين الله تعالى يفعله خالصًا له ويعامله به طالبًا لرضاه وإلى ذلك الإشارة بقوله (فإنه لي) والآخر أن سائر الحسنات راجعة إلى صرف المال واستعمال البدن، والصوم يتضمن كسر النفس وتعريض البدن للنقصان، وفيه الصبر على مضض الجوع والعطش وترك الشهوات وإلى ذلك أشار بقوله يدع شهوته من أجلي اهـ، وقوله (يدع شهوته) المراد بها شهوة الجماع، ويحتمل أن تكون أعم، وفي رواية لأحمد (إنما يذر شهوته) إلى آخره، قال الحافظ: وقد يفهم من الإتيان بصيغة الحصر التنبيه على الجهة التي بها يستحق الصائم ذلك وهو الإخلاص الخاص به حتى لو كان ترك المذكورات لغرض آخر كالتخمة لا يحصل للصائم الفضل المذكور لكن المدار في هذه الأشياء على الداعي القوي الذي يدور معه الفعل وجودًا وعدمًا، ولا شك أن من لم يعرض في خاطره شهوة شيء من الأشياء طول نهاره إلى أن أفطر ليس هو في الفضل كمن عرض له ذلك فجاهد نفسه في تركه اهـ فتح الملهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٢٥٩٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي مولاهم مولى بني ضبة أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف، من (٩) (عن أبي سنان) ضرار بن مرة الشيباني الكوفي، ثقة ثبت، من (٦) (عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني (عن أبي هريرة وأبي سعيد) الخدري ﵄ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي سنان للأعمش في رواية هذا الحديث عن أبي صالح (قالا) أي قال كل من أبي هريرة وأبي سعيد (قال رسول الله ﷺ إن الله يقول إن الصوم) خالص (لي) أي لوجهي فلا يكون لغيري (وأنا أجزي به) لا يطلع على جزائه غيري (أن للصائم فرحتين) أي بشارتين (إذا أفطر فرح)
стр. 5181
وَإِذَا لَقِيَ اللهَ فَرِحَ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ".
٢٥٩١ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ الْهُذَليُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ) حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ (وَهُوَ أَبُو سِنَانٍ) بِهذَا الإِسْنَادِ. قَال: وَقَال: "إِذَا لَقِيَ اللهَ فَجَزَاهُ، فَرِحَ".
٢٥٩٢ - (١١٢١) (٤٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ
ــ
بزوال جوعه وعطشه (وإذا لقي الله) (فرح) بجزائه وثوابه (والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم) أي لرائحة فمه المتغيرة (أطيب عند الله) تعالى (من ريح المسك).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا فقال:
٢٥٩١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه إسحاق بن عمر بن سليط) -بفتح السين وكسر اللام بوزن أمير- (الهذلي) أبو يعقوب البصري، روى عن عبد العزيز بن مسلم في الوضوء، وحماد بن سلمة في الفضائل، وسليمان بن المغيرة في عذاب القبر وفي الزهد، ويروي عنه (م) وأبو زرعة وموسى بن هارون، قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود: ليس به بأس، وقال ابن قانع: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق، من العاشرة، مات سنة (٢٢٩) تسع وعشرين ومائتين أو بعدها بسنة (حدثنا عبد العزيز يعني ابن مسلم) القسملي -بفتح القات وسكون المهملة وفتح الميم مخففًا- نسبة إلى محلة بالبصرة، وتسمى القساملة، أبو زيد المروزي، ثقة، من (٧) (حدثنا ضرار بن مرة وهو ابن سنان) المذكور في السند السابق، وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عبد العزيز بن مسلم لمحمد بن فضيل في رواية هذا الحديث عن أبي سنان (بهذا الإسناد) يعني عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵃ (قال) عبد العزيز (وقال) أبو سنان (إذا لقي الله فجزاه فرح) بجزائه بزيادة لفظة فجزاه.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما فقال:
٢٥٩٢ - (١١٢١) (٤٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد) البجلي
стр. 5182
(وَهُوَ الْقَطَوَانِيُّ) عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ بِلالٍ. حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الريَّانُ. يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدَ غَيرُهُمْ. يُقَالُ: أَينَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ. فَإِذَا
ــ
مولاهم أبو الهيثم الكوفي (وهو القطواني) -بفتح القاف والطاء- نسبة إلى قطوان موضع بالكوفة، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (عن سليمان بن بلال) التيمي مولاهم أبي محمد المدني، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٣) بابا (حدثني أبو حازم) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٢) بابا (عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبي العباس المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان (قال) سهل (قال رسول الله ﷺ إن في الجنة بابا يقال له الريان) أي يسمى بهذا الاسم -بفتح الراء وتشديد التحتانية- على وزن فعلان من الري اسم علم على باب من أبواب الجنة، ووجه تسميته به إما لأنه بنفسه ريان لكثرة الأنهار الجارية إليه والأزهار والأثمار الطرية لديه أو لأن من وصل إليه يزول عنه عطش يوم القيامة ويدوم له الطراوة والنظافة في دار المقامة، قال الزركشي: الريان فعلان كثير الري نقيض العطش سمي به لأنه جزاء الصائمين على عطشهم وجوعهم واكتفى بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث إنه يستلزمه، وقيل لأنه أشق من الجوع لا سيما في شدة الحر إذ كثيرًا ما يصبر على الجوع دون العطش، ثم قيل ليس المراد بهم المقتصرين على رمضان بل يلازمون النوافل من الصوم (يدخل منه الصائمون يوم القيامة) قال السندي: المراد بالصائمين من غلب عليهم الصوم من بين العبادات ولعل غير الصائمين لا يوفق للدخول من هذا الباب وإن دعي منه فمن يدعى من جميع الأبواب لا يوفق للدخول من هذا الباب إلا إذا كان من الصائمين فلا ينافي الحديث حديث الدعوة من جميع الأبواب والله تعالى أعلم.
قال ابن الملك: قوله (يدخل منه الصائمون) وهم الذين يكثرون الصوم بملازمة نوافله غير مقتصرين على فرضه لتنكسر أنفسهم وتقوى على التقوى وهم لما تحملوا تعب العطش في صيامهم خصوا بباب فيه الري والأمان من العطش قبل تمكنهم من الجنة اهـ.
(لا يدخل معهم أحد غيرهم يقال أين الصائمون) تكرمة لهم (فيدخلون منه فإذا
стр. 5183
دَخَلَ آخِرُهُمْ. أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ"
ــ
دخل آخرهم) هكذا وقع في بعض الأصول (دخل آخرهم) وفي بعضها (فإذا دخل أولهم) قال القاضي وغيره: وهو وهم، والصواب فإذا دخل اخرهم (أغلق) ذلك الباب (فلم يدخل منه أحد) بعدهم، كرر نفي دخول غيرهم منه تأكيدًا، وفي هذا الحديث فضيلة الصيام، وكرامة الصائمين. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [١٨٩٦]، والترمذي [٧٦٥]، والنسائي [٤/ ١٦٨]، وابن ماجه [١٦٤٠].
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث الأول حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والثالث حديث أبي هريرة الثالث ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه خمس متابعات، والرابع حديث سهل بن سعد الساعدي ذكره للاستشهاد به لحديث أبي هريرة الثالث والله أعلم.
***
стр. 5184
٤٥١ - (٧) باب: فضل الصيام في سبيل الله وجواز صوم النفل بنية قبل الزوال وجواز الفطر منه، وبيان حكم صوم من أكل أو شرب ناسيًا
٢٥٩٣ - (١١٢٢) (٤٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ. أَخْبَرَنِي اللَّيثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ سُهَيلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبيِلِ اللهِ
ــ
٤٥١ - (٧) باب فضل الصيام في سبيل الله وجواز صوم النفل بنية قبل الزوال وجواز الفطر منه وبيان حكم صوم من أكل أو شرب ناسيًا
٢٥٩٣ - (١١٢٢) (٤٣) (وحدثنا محمد بن رمح بن المهاجر) المصري (أخبرني الليث) بن سعد الفهمي المصري (عن) يزيد بن عبد الله (بن الهاد) الليثي المدني، ثقة، من (٥) (عن سهيل بن أبي صالح) السمان المدني، صدوق، من (٦) (عن النعمان بن أبي عياش) بتحتانية ومعجمة زيد بن الصامت بن زيد الأنصاري الزرقي أبي سلمة المدني، ثقة، من (٤) (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري (الخدري ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان مصريان، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة (قال) أبو سعيد (قال رسول الله ﷺ ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله) يحتمل أن المراد به مجرد إخلاص النية أي في طاعة الله مخلصًا له، ويحتمل أن المراد به أنه صام حالة كونه غازيًا، والثاني هو المتبادر اهـ سندي على النسائي وابن ماجه، وفي فوائد أبي الطاهر الذهلي من حديث أبي هريرة ﵁ (ما من مرابط يرابط في سبيل الله فيصوم يوما في سبيل الله) الحديث، قال ابن دقيق العيد: العُرف الأكثر استعمال لفظ في سبيل الله في الجهاد فإن حمل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين، قال: ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت، والأقرب الأول كما يدل عليه حديث أبي هريرة ولا يعارض ذلك أن الفطر أفضل في الجهاد وأولى لأن الصائم يضعف عن اللقاء فإن الفضل المذكور في حديث الباب محمول على من لم يخش ضعفًا، ولا سيما من اعتاد به فصار ذلك من الأمور النسبية فمن لم يضعفه الصوم فالصوم في حقه أفضل ليجمع بين الفضيلتين اهـ فتح الملهم. والمعنى من صام يومًا الخ
стр. 5185
إلا بَاعَدَ اللهُ، بِذلِكَ الْيَوْمِ، وَجْهَهُ عَنِ النارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا"
ــ
أي من جمع بين الصوم ومشقة الغزو أو معناه صام يومًا لوجه الله تعالى اهـ مرقاة (إلا باعد الله) أي أبعد الله (بـ) سبب صوم (ذلك اليوم وجهه) أي وجه الصائم أو ذاته (عن النار) الأخروية (سبعين خريفًا) أي عامًا أي إلا بعده عنها مسافة سبعين عامًا يعني أنه نحاه عنها وعافاه منها، قال ابن الملك: عبّر عن تنحيته بطريق التمثيل ليكون أبلغ لأن من كان بعيدًا عن عدوه بهذا المقدار لا يصل إليه البتة، وأراد بالخريف وهو الفصل الثالث من فصول السنة الأربعة المجموعة في قول بعضهم:
ربيع صيف من الأزمان ... خريف شتاء فخذ بياني
تمام السنة ذكرًا للجزء وارادة للكل اهـ منه.
وأوّل النواوي وغيره المباعدة من النار على المعافاة منها دون أن يكون المراد البعد بهذه المسافة المذكورة في الحديث. [قلت]: لا مانع من الحقيقة على ما لا يخفى، ثم هذا يقتضي إبعاد النار عن وجه الصائم، وفي أكثر الطرق إبعاد الصائم نفسه، فإذا كان المراد من الوجه الذات كما في قوله تعالى ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ يكون معناهما واحدًا وإن كان المراد حقيقة الوجه يكون الإبعاد من الوجه فقط وليس فيه أن يبقى الجسد في النار لتناله إلا أن الوجه كان أبعد من النار من سائر جسده وذلك لأن الصيام يحصل منه الظمأ ومحله الفم لأن الري يحصل بالشرب في الفم كذا في عمدة القاري، وقوله (سبعين خريفًا) والخريف زمان معلوم من السنة، والمراد به هنا العام، وتخصيص الخريف بالذكر دون بقية الفصول الربيع والصيف والشتاء لأن الخريف أزكى الفصول لكونه يجنى فيه الثمار، قال القرطبي: ورد ذكر السبعين لإرادة التكثير كثيرًا اهـ، ويؤيده أن النسائي أخرج الحديث المذكور عن عقبة بن عامر، والطبراني عن عمرو بن عَبَسَة، وأبو يعلى عن معاذ بن أنس فقالوا جميعًا في رواياتهم (مائة عام) وفي بعض الروايات عند ابن عدي (خمسمائة عام) وفي حديث أبي أمامة عند الترمذي (جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض) وفي حديث سلامة بن قيصر عند الطبراني في الكبير بعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرمًا، وأصح الروايات فيها رواية سبعين خريفًا فإنها متفق عليها من حديث أبي سعيد، ويحتمل أن يكون ذلك بحسب اختلاف أحوال الصائمين في كمال الصوم ونقصانه والله تعالى أعلم.
следующие страницы →