← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

وَإِذَا لَقِيَ اللهَ فَرِحَ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ". ٢٥٩١ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ الْهُذَليُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ) حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ (وَهُوَ أَبُو سِنَانٍ) بِهذَا الإِسْنَادِ. قَال: وَقَال: "إِذَا لَقِيَ اللهَ فَجَزَاهُ، فَرِحَ". ٢٥٩٢ - (١١٢١) (٤٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ــ بزوال جوعه وعطشه (وإذا لقي الله) (فرح) بجزائه وثوابه (والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم) أي لرائحة فمه المتغيرة (أطيب عند الله) تعالى (من ريح المسك). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا فقال: ٢٥٩١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه إسحاق بن عمر بن سليط) -بفتح السين وكسر اللام بوزن أمير- (الهذلي) أبو يعقوب البصري، روى عن عبد العزيز بن مسلم في الوضوء، وحماد بن سلمة في الفضائل، وسليمان بن المغيرة في عذاب القبر وفي الزهد، ويروي عنه (م) وأبو زرعة وموسى بن هارون، قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود: ليس به بأس، وقال ابن قانع: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق، من العاشرة، مات سنة (٢٢٩) تسع وعشرين ومائتين أو بعدها بسنة (حدثنا عبد العزيز يعني ابن مسلم) القسملي -بفتح القات وسكون المهملة وفتح الميم مخففًا- نسبة إلى محلة بالبصرة، وتسمى القساملة، أبو زيد المروزي، ثقة، من (٧) (حدثنا ضرار بن مرة وهو ابن سنان) المذكور في السند السابق، وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عبد العزيز بن مسلم لمحمد بن فضيل في رواية هذا الحديث عن أبي سنان (بهذا الإسناد) يعني عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵃ (قال) عبد العزيز (وقال) أبو سنان (إذا لقي الله فجزاه فرح) بجزائه بزيادة لفظة فجزاه. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما فقال: ٢٥٩٢ - (١١٢١) (٤٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد) البجلي

стр. 5182

(وَهُوَ الْقَطَوَانِيُّ) عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ بِلالٍ. حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الريَّانُ. يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدَ غَيرُهُمْ. يُقَالُ: أَينَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ. فَإِذَا ــ مولاهم أبو الهيثم الكوفي (وهو القطواني) -بفتح القاف والطاء- نسبة إلى قطوان موضع بالكوفة، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (عن سليمان بن بلال) التيمي مولاهم أبي محمد المدني، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٣) بابا (حدثني أبو حازم) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٢) بابا (عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبي العباس المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان (قال) سهل (قال رسول الله ﷺ إن في الجنة بابا يقال له الريان) أي يسمى بهذا الاسم -بفتح الراء وتشديد التحتانية- على وزن فعلان من الري اسم علم على باب من أبواب الجنة، ووجه تسميته به إما لأنه بنفسه ريان لكثرة الأنهار الجارية إليه والأزهار والأثمار الطرية لديه أو لأن من وصل إليه يزول عنه عطش يوم القيامة ويدوم له الطراوة والنظافة في دار المقامة، قال الزركشي: الريان فعلان كثير الري نقيض العطش سمي به لأنه جزاء الصائمين على عطشهم وجوعهم واكتفى بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث إنه يستلزمه، وقيل لأنه أشق من الجوع لا سيما في شدة الحر إذ كثيرًا ما يصبر على الجوع دون العطش، ثم قيل ليس المراد بهم المقتصرين على رمضان بل يلازمون النوافل من الصوم (يدخل منه الصائمون يوم القيامة) قال السندي: المراد بالصائمين من غلب عليهم الصوم من بين العبادات ولعل غير الصائمين لا يوفق للدخول من هذا الباب وإن دعي منه فمن يدعى من جميع الأبواب لا يوفق للدخول من هذا الباب إلا إذا كان من الصائمين فلا ينافي الحديث حديث الدعوة من جميع الأبواب والله تعالى أعلم. قال ابن الملك: قوله (يدخل منه الصائمون) وهم الذين يكثرون الصوم بملازمة نوافله غير مقتصرين على فرضه لتنكسر أنفسهم وتقوى على التقوى وهم لما تحملوا تعب العطش في صيامهم خصوا بباب فيه الري والأمان من العطش قبل تمكنهم من الجنة اهـ. (لا يدخل معهم أحد غيرهم يقال أين الصائمون) تكرمة لهم (فيدخلون منه فإذا

стр. 5183

دَخَلَ آخِرُهُمْ. أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ" ــ دخل آخرهم) هكذا وقع في بعض الأصول (دخل آخرهم) وفي بعضها (فإذا دخل أولهم) قال القاضي وغيره: وهو وهم، والصواب فإذا دخل اخرهم (أغلق) ذلك الباب (فلم يدخل منه أحد) بعدهم، كرر نفي دخول غيرهم منه تأكيدًا، وفي هذا الحديث فضيلة الصيام، وكرامة الصائمين. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [١٨٩٦]، والترمذي [٧٦٥]، والنسائي [٤/ ١٦٨]، وابن ماجه [١٦٤٠]. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث الأول حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والثالث حديث أبي هريرة الثالث ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه خمس متابعات، والرابع حديث سهل بن سعد الساعدي ذكره للاستشهاد به لحديث أبي هريرة الثالث والله أعلم. ***

стр. 5184

٤٥١ - (٧) باب: فضل الصيام في سبيل الله وجواز صوم النفل بنية قبل الزوال وجواز الفطر منه، وبيان حكم صوم من أكل أو شرب ناسيًا ٢٥٩٣ - (١١٢٢) (٤٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ. أَخْبَرَنِي اللَّيثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ سُهَيلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبيِلِ اللهِ ــ ٤٥١ - (٧) باب فضل الصيام في سبيل الله وجواز صوم النفل بنية قبل الزوال وجواز الفطر منه وبيان حكم صوم من أكل أو شرب ناسيًا ٢٥٩٣ - (١١٢٢) (٤٣) (وحدثنا محمد بن رمح بن المهاجر) المصري (أخبرني الليث) بن سعد الفهمي المصري (عن) يزيد بن عبد الله (بن الهاد) الليثي المدني، ثقة، من (٥) (عن سهيل بن أبي صالح) السمان المدني، صدوق، من (٦) (عن النعمان بن أبي عياش) بتحتانية ومعجمة زيد بن الصامت بن زيد الأنصاري الزرقي أبي سلمة المدني، ثقة، من (٤) (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري (الخدري ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان مصريان، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة (قال) أبو سعيد (قال رسول الله ﷺ ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله) يحتمل أن المراد به مجرد إخلاص النية أي في طاعة الله مخلصًا له، ويحتمل أن المراد به أنه صام حالة كونه غازيًا، والثاني هو المتبادر اهـ سندي على النسائي وابن ماجه، وفي فوائد أبي الطاهر الذهلي من حديث أبي هريرة ﵁ (ما من مرابط يرابط في سبيل الله فيصوم يوما في سبيل الله) الحديث، قال ابن دقيق العيد: العُرف الأكثر استعمال لفظ في سبيل الله في الجهاد فإن حمل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين، قال: ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت، والأقرب الأول كما يدل عليه حديث أبي هريرة ولا يعارض ذلك أن الفطر أفضل في الجهاد وأولى لأن الصائم يضعف عن اللقاء فإن الفضل المذكور في حديث الباب محمول على من لم يخش ضعفًا، ولا سيما من اعتاد به فصار ذلك من الأمور النسبية فمن لم يضعفه الصوم فالصوم في حقه أفضل ليجمع بين الفضيلتين اهـ فتح الملهم. والمعنى من صام يومًا الخ

стр. 5185

إلا بَاعَدَ اللهُ، بِذلِكَ الْيَوْمِ، وَجْهَهُ عَنِ النارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا" ــ أي من جمع بين الصوم ومشقة الغزو أو معناه صام يومًا لوجه الله تعالى اهـ مرقاة (إلا باعد الله) أي أبعد الله (بـ) سبب صوم (ذلك اليوم وجهه) أي وجه الصائم أو ذاته (عن النار) الأخروية (سبعين خريفًا) أي عامًا أي إلا بعده عنها مسافة سبعين عامًا يعني أنه نحاه عنها وعافاه منها، قال ابن الملك: عبّر عن تنحيته بطريق التمثيل ليكون أبلغ لأن من كان بعيدًا عن عدوه بهذا المقدار لا يصل إليه البتة، وأراد بالخريف وهو الفصل الثالث من فصول السنة الأربعة المجموعة في قول بعضهم: ربيع صيف من الأزمان ... خريف شتاء فخذ بياني تمام السنة ذكرًا للجزء وارادة للكل اهـ منه. وأوّل النواوي وغيره المباعدة من النار على المعافاة منها دون أن يكون المراد البعد بهذه المسافة المذكورة في الحديث. [قلت]: لا مانع من الحقيقة على ما لا يخفى، ثم هذا يقتضي إبعاد النار عن وجه الصائم، وفي أكثر الطرق إبعاد الصائم نفسه، فإذا كان المراد من الوجه الذات كما في قوله تعالى ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ يكون معناهما واحدًا وإن كان المراد حقيقة الوجه يكون الإبعاد من الوجه فقط وليس فيه أن يبقى الجسد في النار لتناله إلا أن الوجه كان أبعد من النار من سائر جسده وذلك لأن الصيام يحصل منه الظمأ ومحله الفم لأن الري يحصل بالشرب في الفم كذا في عمدة القاري، وقوله (سبعين خريفًا) والخريف زمان معلوم من السنة، والمراد به هنا العام، وتخصيص الخريف بالذكر دون بقية الفصول الربيع والصيف والشتاء لأن الخريف أزكى الفصول لكونه يجنى فيه الثمار، قال القرطبي: ورد ذكر السبعين لإرادة التكثير كثيرًا اهـ، ويؤيده أن النسائي أخرج الحديث المذكور عن عقبة بن عامر، والطبراني عن عمرو بن عَبَسَة، وأبو يعلى عن معاذ بن أنس فقالوا جميعًا في رواياتهم (مائة عام) وفي بعض الروايات عند ابن عدي (خمسمائة عام) وفي حديث أبي أمامة عند الترمذي (جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض) وفي حديث سلامة بن قيصر عند الطبراني في الكبير بعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرمًا، وأصح الروايات فيها رواية سبعين خريفًا فإنها متفق عليها من حديث أبي سعيد، ويحتمل أن يكون ذلك بحسب اختلاف أحوال الصائمين في كمال الصوم ونقصانه والله تعالى أعلم.

стр. 5186

٢٥٩٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ) عَنْ سُهَيل، بِهذَا الإِسْنَادِ. ٢٥٩٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَسُهَيلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا النُعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ ــ قال القرطبي: قوله (سبعين خريفًا) أي سنة وهو على جهة المبالغة في البعد عن النار، وكثيرًا ما تجيء السبعون عبارة عن التكثير كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ و (الخريف) فعيل بمعنى مفتعل أي مخترف وهو الزمان الذي تخترف فيه الثمار اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٨٣] والبخاري [٢٨٤٠] والترمذي [١٦٢٢] والنسائي [٤/ ١٧٣]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال: ٢٥٩٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه قتيبة بن سعيد) البلخي (حدثنا عبد العزيز) بن محمد الجهني المدني (يعني الدراوردي عن سهيل) بن أبي صالح (بهذا الإسناد) يعني عن النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد، غرضه بيان متابعة عبد العزيز ليزيد بن الهاد في رواية هذا الحديث عن ليث بن سعد. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال: ٢٥٩٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي النيسابوري ثقة، من (١١) (وعبد الرحمن بن بشر) بن الحكم بن حبيب بن مهران (العبدي) أبو محمد النيسابوري، ثقة، من (١٠) (قالا حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، ثقة، من (٩) (أخبرنا) عبد الملك (بن جريج) الأموي المكي، ثقة، من (٦) (عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني، ثقة، من (٥) (وسهيل بن أبي صالح) صدوق، من (٦) (أنهما سمعا النعمان بن أبي عياش الزرقي) المدني (يحدّث عن أبي سعيد الخدري ﵁ وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد

стр. 5187

قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا". ٢٥٩٦ - (١١٢٣) (٤٤) وحدّثنا أبُو كَامِلٍ فُضَيلُ بْنُ حُسَينٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ. حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيدِ اللهِ. حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ بنْتُ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤمِنِينَ ﵂. قَالتْ: قَال لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ذَاتَ يَوْمٍ: "يَا عَائِشَةُ! هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ؟ " ــ مكي وواحد صنعاني وواحد نيسابوري، غرضه بيان متابعة ابن جريج ليزيد بن الهاد في رواية هذا الحديث عن سهيل (قال) أبو سعيد (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من صام يومًا في سبيل الله) تعالى (باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا) أي عامًا، من إطلاق الجزء وإرادة الكل. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: ٢٥٩٦ - (١١٢٣) (٤٤) (وحدثنا أبو كامل فضيل بن حسين) الجحدري البصري، ثقة، من (١٠) (حدثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا طلحة بن يحيى) بن طلحة (بن عبيد الله) التيمي المدني، صدوق، من (٦) روى عنه في (٥) أبواب (حدثتني) عمتي (عائشة بنت طلحة) بن عبيد الله التيمية أم عمران المدنية، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، كانت فائقة الجمال، روت عن خالتها عائشة أم المؤمنين في الصوم والفضائل والقدر، ويروي عنها (ع) وابن أخيها طلحة بن يحيى بن طلحة وفضيل بن عمرو وابنها طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن وغيرهم، قال ابن معين: ثقة حجة، وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة، وذكرها ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة (عن عائشة أم المومنين ﵂ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان بصريان (قالت) عائشة (قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم) أي يومًا من الأيام، فلفظ ذات مقحم أو الإضافة للبيان أي ذاتًا هو يوم (يا عائشة هل عندكم شيء) من طعام، وفي رواية صحيحة: هل عندكم من غداء -بفتح المعجمة والدال المهملة- وهو ما يؤكل قبل الزوال كذا في المرقاة

стр. 5188

قَالتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا عِنْدَنَا شَيءٌ. قَال: "فَإِنًي صَائِمٌ" قَالتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَأُهْدِيَتْ لنَا هَدِيَّةٌ (أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ) ــ (قالت) عائشة (فقلت: يا رسول الله ما عندنا شيء، قال: فإني صائم) وهذا يدل على جواز نية النفل في النهار وبه قال الأكثرون، وقال مالك وداود: يجب التبييت كما في الفرض لعموم قوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" وتأول البعض حديث الباب على أن سؤاله: هل عندكم شيء، لكونه كان نوى الصوم من الليل ثم ضعف عنه وأراد الفطر لذلك، قال النواوي: وهو تأويل فاسد وتكلف بعيد، قال الخطابي: في الحديث نوعان من الفقه أحدهما جواز تأخير نية الصوم عن أول النهار إذا كان تطوعًا، والآخر جواز إفطار الصائم قبل الليل إذا كان متطوعًا به، ولم يذكر في الحديث إيجاب القضاء، وكان غير واحد من الصحابة يذهب إلى ذلك منهم ابن مسعود وحذيفة وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري ﵃ وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يصوم تطوعًا حتى يجمع من الليل، وقال جابر بن زيد: لا يجزئه في التطوع حتى يبيت النية، وقال مالك بن أنس في صوم النافلة: لا أحب أن يصوم أحد إلا أن يكون قد نوى الصيام من الليل اهـ من العون (قالت) عائشة (فخرج رسول الله ﷺ من عندنا (فأُهديت لنا) أي أُرسلت لنا من بعض الجيران (هدية أو) قالت (جاءنا زور) والشك من الراوي، والزور هو مصدر بمعنى الزائر كعدل بمعنى العادل أو جمعه كركب وراكب كما في النهاية، قال النواوي: معناه جاءنا زائرون ومعهم هدية أو أُهدي لنا بسببهم هدية اهـ. قال الشيخ أبو الحسن السندي: قوله (فخرج رسول الله ﷺ ظاهره أنه عطف على (قال إني صائم) فيفيد أنه كان نوى الإفطار في ذلك اليوم، ومفاد الرواية الآتية أن الإفطار كان في يوم آخر، قال النواوي: وهاتان الروايتان حديث واحد، والثانية مفسرة للأولى ومبينة أن القصة في الرواية الأولى كانت في يومين لا في يوم واحد كذا قاله القاضي وغيره اهـ، ولم يبين وجه التوفيق ولعل وجهه أن يقال كلمة فاء العطف بمعنى ثم للدلالة على أن الواقعة الثانية كانت بعد الأولى أي ثم بعد أيام خرج يومًا آخر أو هي بمعناها للدلالة على أن الواقعة كانت بعد الواقعة الأولى بقليل؛ أي فبعد ذلك بقليل من الأيام خرج يومًا آخر، ويمكن أن يقال القصة كانت في يوم واحد، ومرادها بقولها ثم أتانا يومًا آخر أي وقتًا آخر حملًا لليوم على الوقت وهو شائع، ووحدة اليوم كانت سببًا لاهتمام عائشة بما

стр. 5189

قَالتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ (أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ) وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيئًا. قَال: "مَا هُوَ؟ " قُلْتُ: حَيسٌ. قَال: "هَاتِيهِ" فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ. ثُمَّ قَال: "قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا". قَال طَلْحَةُ: فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا بِهذَا الْحَدِيثِ فَقَال: ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ الصَّدقَةَ مِنْ مَالِهِ. فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وإنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ــ فعلت حيث خبأت له شيئًا من الحيس والله أعلم اهـ فتح الملهم (قالت) عائشة (فلما رجع رسول الله ﷺ إلى البيت (قلت) له (يا رسول الله أُهديت لنا هدية أو) قالت (جاءنا زور) بفتح الزاي الزوار، ويقع الزور على الواحد والجماعة القليلة والكثيرة قاله النواوي؛ أي جاءنا زائرون ومعهم هدية (وقد خبات) أي أبقيت (لك شيئًا) من تلك الهدية كان محفوظًا عندي لتتناوله، قال القاضي عياض: وفيه نظر المرأة في بيتها وفيما يهدى لها وقسمها على ما تراه من أهل البيت بنظرها (قال) رسول الله ﷺ (ما هو) أي ما الشيء الذي خبأته لي قالت عائشة (قلت) له ﷺ هو (حيس) -بفتح الحاء المهملة وسكون الياء- تمر مخلوط بسمن وأقط، وقيل طعام يتخذ من الزبد والتمر والأقط، وقد يبدل الأقط بالدقيق والزبد بالسمن، وقد يبدل السمن بالزيت، قال الشاعر: التمر والسمن جميعًا والأقط ... الحيس إلا أنه لم يختلط قال الهروي: هو ثريدة من أخلاط اهـ (قال) رسول الله ﷺ لي (هاتيه) أي هاتي ذلك الحيس وقربيه إليّ لأتناوله، يقال هات يا رجل أي أعط، وللمرأة هاتي، والمهاتاة مفاعلة منه كذا في الصحاح، قالت عائشة (فجئت به) أي بذلك الحيس إلى رسول الله ﷺ (فأكل) منه (ثم قال) رسول الله ﷺ (قد كنت أصبحت صائمًا) ولكن الآن أفطرت لحاجتي إلى الطعام ففيه جواز الفطر من صوم التطوع وهو قول الجمهور، ولم يجعلوا عليه قضاء إلا أنه يستحب له ذلك، وعن مالك الجواز وعدم القضاء بعذر والمنع وإثبات القضاء بغير عذر، وعن أبي حنيفة يلزمه القضاء مطلقًا ذكره الطحاوي وغيره كذا في الفتح (قال طلحة) بن يحيى (فحدثت مجاهدًا) ابن جبر (بهذا الحديث) الذي سمعته من عمتي عائشة بنت طلحة (فقال) مجاهد (ذاك) الصائم المتطوع (بمنزلة الرجل) الذي (يخرج الصدقة من ماله) ويفصلها عنه ولم يقبضها المحتاج (فإن شاء) ذلك الرجل (أمضاها وإن شاء أمسكها) أي إن شاء ذلك

стр. 5190

٢٥٩٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَال: "هَلْ عِنْدَكمْ شَيءٌ؟ " فَقُلْنَا: لَا. قَال: "فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ" ثُم أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أُهْدِيَ لَنَا حَيسٌ. فَقَال: "أَرِينِيهِ ــ المتصدق أمضى تلك الصدقة ونفذها بإقباضها الفقير وإن شاء أمسكها ولا يقبضها الفقير ويرجعها إلى ماله لأنها لم تخرج عن ملكه فله الإمضاء والإمساك وكذلك الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء أتم وإن شاء أفطر وهذا قول مجاهد في هذه الرواية، وروى عبد الرزاق عن ابن عباس أنه ضرب لذلك مثلًا كمن ذهب بمال ليتصدق به ثم رجع ولم يتصدق به أو تصدق ببعضه وأمسك بعضه، قال القرطبي: وهذا القياس ليس بصحيح فإن الذي يخرج الصدقة من ماله ولم يعطها للفقير ولم يعينها لم يدخل في عمل يجب إتمامه بخلاف الصائم فإنه قد دخل في عمل الصوم وقد تناوله نهي قوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم وإنما يدخل في عمل الصدقة بدفعها لمستحقها أو بتعيينها وحينئذ تجب للفقير، ويحرم على مخرجها الرجوع فيها وأخذها منه فأما قبل ذلك فغاية ما عنده نية الصدقة لا الدخول فيها فافترق الفرع من الأصل ففسد القياس اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٢٥٧]، وأبو داود [٢٤٥٥]، والترمذي [٧٣٣]، والنسائي [٤/ ١٩٥]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: ٢٥٩٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشه بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين) وهذا السند من خماسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة وكيع لعبد الواحد بن زياد (قالت) عائشة (دخل عليّ) في حجرتي (النبي ﷺ ذات يوم فقال) لي (هل عندكم شيء) من الطعام (فقلنا لا) أي ليس عندنا شيء (قال) النبي ﷺ (فإني إذن) أي إذ ليس عندكم طعام (صائم) أي ناوٍ للصوم (ثم أتانا) رسول الله ﷺ (يومًا آخر فقلنا يا رسول الله أُهدي لنا حيس) فخبأنا لك شيئًا منه فهل نعطيكه (فقال أرينيه) أمر

стр. 5191

فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا" فَأَكَلَ. ٢٥٩٨ - (١١٢٤) (٤٥) وحدّثني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامِ الْقُرْدُوسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَن نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ــ للمؤنث من الإراءة، وفي رواية أدنيه وأرنيه كناية عنها لأن ما يكون قريبًا يكون مرئيًا ذكره الطيبي (فـ) والله (لقد أصبحت صائمًا) قال القاري: أي مريدًا للصوم في الصباح، وقال بعضهم: المراد بالصوم اللغوي ومعناه لم آكل بعد شيئًا، وقال ابن الملك: أي كنت نويت الصوم في أول النهار، قال القاري: وهو مخالف للمذهب فيحتاج إلى تأويل وتقدير عذر. وتقدم بيان الخلاف فيه (فأكل) الحيس وأفطر. وشارك المؤلف في هذه الرواية أحمد [٦/ ٤٩]، والترمذي [٧٣٤]، والنسائي [٤/ ١٩٤ - ١٩٥]. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٢٥٩٨ - (١١٢٤) (٤٥) (وحدثني عمرو بن محمد) بن بكير (الناقد) البغدادي (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) ابن علية الأسدي البصري (عن هشام) بن حسان الأزدي (القردوسي) البصري، وقد روى هذا الحديث البخاري في الصيام من طريق يزيد بن زريع عن هشام عن ابن سيرين، ولم ينسبه فظن الحافظ رحمه الله تعالى أنه هشام الدستوائي فقال: أي هشام بن أبي عبد الله أبو بكر البصري، والظاهر أنه وهم والله أعلم اهـ فتح الملهم (عن محمد بن سيرين) الأنصاري البصري (عن أبي هريرة ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد مدني وواحد بغدادي (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ : من نسي) صومه (وهو) أي والحال أنه (صائم) أي ناو للصوم في الليل في الفرض أو في أول النهار في النفل (فأكل أو شرب) وكذا الجماع على قوله (فليتم صومه) قال النواوي: فيه دلالة لمذهب الأكثرين أن الصائم إذا أكل أو شرب أو جامع ناسيًا لا يفطر، وممن قال بهذا الشافعي وأبو حنيفة وداود وآخرون، وقال ربيعة ومالك: يفسد صومه وعليه القضاء دون الكفارة، وقال

стр. 5192

فَإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ" ــ عطاء والأوزاعي والليث: يجب القضاء في الجماع دون الأكل، وقال أحمد: يجب في الجماع القضاء والكفارة ولا شيء في الأكل، وقال ابن دقيق العيد: ذهب مالك ومن وافقه إلى إيجاب القضاء على من أكل أو شرب ناسيًا وهو القياس فإن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات والقاعدة أن النسيان لا يؤثر في المأمورات، قال القرطبي: وأيضًا إن الذي تعرض في الحديث سقوط المؤاخذة عمن أفطر ناسيًا، والأمر بمضيه على صومه وإتمامه فأما القضاء فلا بد له منه إذ المطلوب صيام يوم تام لا يقع فيه خرم ولم يأت به فهو باق عليه هذا عذر أصحابنا عن هذا الحديث الذي جاء بنص صحيح مسلم، وفي كتاب الدارقطني: لهذا الحديث مساق أنص من هذا عن أبي هريرة مرفوعًا قال (إذا أكل الصائم ناسيًا أو شرب ناسيًا فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه) رواه الدارقطني [٢/ ١٧٨] قال الدارقطني في إسناده: إسناد صحيح وكلهم ثقات، وفي طريق آخر له (من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة) وهو صحيح أيضًا، وهذه النصوص لا تقبل ذلك الاحتمال والشأن في صحتها فإن صحت وجب الأخذ بها وحُكم بسقوط القضاء اهـ من المفهم (فإنما أطعمه الله) تعالى (وسقاه) يعني أنه لما أفطر ناسيًا لم ينسب إليه من ذلك الفطر شيء وتمحضت نسبة الإطعام والسقي إلى الله تعالى إذ هو فعله ولذلك قال في بعض رواياته (فإنما هو رزق ساقه الله إليه) قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفي الحديث لطف الله بعباده والتيسير عليهم ورفع المشقة والحرج عنهم، وقد روى أحمد لهذا الحديث سببًا فأخرج من طريق أم حكيم بن دينار عن مولاتها أم إسحاق أنها كانت عند النبي ﷺ فاتى بقصعة من ثريد فأكلت معه ثم تذكرت أنها كانت صائمة فقال لها ذو اليدين: الآن بعد ماشبعت! فقال لها النبي ﷺ : "أتمي صومك، فإنما هو رزق ساقه الله إليك" وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيره، ومن المستظرفات ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار: أن إنسانًا جاء إلى أبي هريرة فقال: أصبحت صائمًا فنسيت فطعمت؟ ! فقال أبو هريرة: لا بأس، قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت فطعمت وشربت، قال: لا بأس الله أطعمك وسقاك، ثم قال: دخلت على إنسان آخر فنسيت فطعمت، فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٦٦٦٩]، وأبو داود [٢٣٩٨]، والترمذي [٧٢١]، وابن ماجه [١٦٧٣].

стр. 5193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث ثلاثة الأول حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثاني حديث عائشة ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة والله تعالى أعلم. ***

стр. 5194

٤٥٢ - (٨) باب: كيف كان صوم رسول الله ﷺ في التطوع وكراهية سرد الصوم وبيان أفضل الصوم ٢٥٩٩ - (١١٢٥) (٤٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريع، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ. قَال: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا مَعْلُومًا سِوَى رَمَضَانَ؟ قَالتْ: وَاللهِ، إِنْ صَامَ شَهْرًا مَعْلُومًا سِوَى رَمَضَانَ. حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ. وَلَا أَفْطَرَهُ حَتَّى يُصِيبَ مِنْهُ ــ ٤٥٢ - (٨) باب كيف كان صوم رسول الله ﷺ في التطوع وكراهية سرد الصوم وبيان أفضل الصوم ٢٥٩٩ - (١١٢٥) (٤٦) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا يزيد بن زريع) التيمي أبو معاوية البصري (عن سعيد) بن إياس (الجريري) بضم الجيم أبي مسعود البصري، ثقة، من (٥) (عن عبد الله بن شقيق) العقيلي مصغرًا أبي عبد الرحمن البصري، ثقة، من (٣) (قال) ابن شقيق (قلت لعائشة ﵂ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد مدني وواحد نيسابوري (هل كان النبي ﷺ يصوم شهرًا معلومًا) أي معينًا كاملًا (سوى رمضان) أي غير رمضان (قالت) عائشة (والله إن صام) أي ما صام رسول الله ﷺ (شهرًا معلومًا) فإن نافية بمعنى ما أي ما صام رسول الله ﷺ شهرًا كاملًا معينًا (سوى رمضان) ويأتي الجواب عما ظاهره أنه صام شعبان كله، قال العلماء: وإنما لم يستكمل صوم غير رمضان لئلا يعتقد وجوبه (حتى مضى لوجهه) وفي الرواية التالية: حتى مضى لسبيله، وكلاهما كناية عن الموت أي إلى أن مات، وفيه إشارة إلى أنه ﷺ بعث لأداء الرسالة فلما أداها مضى إلى مأواه ومستقره اهـ فتح (ولا أفطره) أي ولا أفطر شهرًا كاملًا (حتى يصيب منه) أي حتى يصوم منه، قال النواوي: فيه استحباب أَنْ لا يَخْلُ شهر عن صوم، قال عياض: وفيه أن صوم النفل غير مختص بوقت، بل السنة كلها وقت له. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ١٨٩]، والبخاري [١٩٧٠]، والترمذي [٧٦٨]، والنسائي [٤/ ١٩٩]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:

стр. 5195

٢٦٠٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا عُبَيدُ اللهِ بن مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أبِي. حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ. قَال: قُلْت لِعَائِشَةَ ﵂: أكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا كُلَّهُ؟ قَالتْ: مَا عَلِمْتُهُ صَامَ شَهْرًا كُلَّهُ إلا رَمَضَانَ. وَلَا أَفْطَرَهُ كلَّهُ حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ. حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ ﷺ . ٢٦٠١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَهِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ (قَال حَمَّادٌ: وَأَظُنُّ أَيُّوبَ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ) قَال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ ــ ٢٦٠٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عبيد الله بن معاذ) العنبري البصري (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ البصري (حدثنا كهمس) بن الحسن البصري (عن عبد الله بن شقيق) البصري (قال) عبد الله (قلت لعائشة ﵂ وهذا السند من خماسياته، رجاله كلهم بصريون إلا عائشة، غرضه بيان متابعة كهمس لسعيد الجريري (أكان) أي هل كان (رسول الله ﷺ يصوم شهرًا كله قالت) عائشة (ما علمته) ﷺ (صام شهرًا كله إلا رمضان، ولا أفطره) أي ولا أفطر شهرًا (كله حتى يصوم منه) أي من ذلك الشهر الذي أفطر فيه أي بعضه (حتى مضى لسبيله ﷺ غاية لعلمته وهو كناية عن الموت كما مر آنفًا، واللام في لسبيله مثلها في قولك لقيته لثلاث بقين من الشهر تريد مستقبلًا لثلاث؛ أي كان حاله ما ذكر إلى أن مات اهـ فتح. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه ثانيًا فقال: ٢٦٠١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو الربيع الزهراني) سليمان بن داود البصري (حدثنا حماد) بن زيد بن درهم البصري (عن أيوب) السختياني البصري (وهشام) بن حسان القردوسي البصري كلاهما (عن محمد) بن سيرين البصري (عن عبد الله بن شقيق) البصري (قال حماد) بن زيد في روايته (وأظن أيوب) السختياني (قد سمعه) أي قد سمع هذا الحديث (من عبد الله بن شقيق) بلا واسطة محمد (قال) عبد الله بن شقيق (سألت عائشة ﵂ عن صوم النبي ﷺ تطوعًا أي سألته هل يصوم

стр. 5196

فَقَالتْ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ صَامَ. قَدْ صَامَ. ويفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَفْطَرَ. قَدْ أَفْطَرَ. قَالتْ: وَمَا رَأَيتُهُ صَامَ شَهْرًا كَامِلًا، مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَمَضَانَ. ٢٦٥٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا قُتَيبَةُ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ. قَال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂. بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الإِسْنَادِ هِشَامًا وَلَا مُحَمَّدًا ــ الشهر الكامل أو بعضه وهذا السند من سداسياته، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة محمد بن سيرين لكهمس بن الحسن في رواية هذا الحديث عن عبد الله بن شقيق (فقالت) عائشة (كان) ﷺ (يصوم) التطوع (حتى نقول) نحن معاشر نسائه وخاصته (قد صام قد صام) ﷺ أي واظب وداوم على الصيام فلا يفطر (ويفطر حتى نقول قد أفطر قد أفطر) أي واظب على الإفطار فلا يصوم، قال القرطبي: ومعنى هذا الكلام أنه كان يصوم متطوعًا فيكثر ويوالي حتى تتحدث نساؤه وخاصته بصومه ويفطر كذلك، ومثل هذا حديث ابن عباس الآتي (كان يصوم حتى يقول القائل لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل لا يصوم) وبمثل هذا أخبر رسول الله ﷺ عن نفسه فقال: "بل أصوم وأفطر وأقوم وأنام فمن رغب عن سنتي فليس مني" متفق عليه من حديث أنس (قالت) عائشة (وما رأيته) ﷺ (صام شهرًا كاملًا منذ قدم المدينة) أي بعد أن قدم المدينة ولا قبله وما كان فرض رمضان إلا بعد الهجرة بسنة فهو قيد لا مفهوم له (إلا أن يكون) الشهر (رمضان). ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث عائشة فقال: ٢٦٠٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا قتيبة) بن سعيد البلخي (حدثنا حماد) بن زيد البصري (عن أيوب) السختياني (عن عبد الله بن شقيق قال سألت عائشة ﵂ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة قتيبة لأبي الربيع الزهراني، وساق قتيبة (بمثله) أي بمثل ما حدّث أبو الربيع (و) لكن (لم يذكر) قتيبة (في الإسناد هشامًا) ابن يحيى (ولا محمدًا) ابن سيرين. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا فقال:

стр. 5197

٢٦٠٣ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂؛ أَنَّهَا قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ. وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ. وَمَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إلا رَمَضَانَ. وَمَا رَأَيتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ ــ ٢٦٠٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (قال قرأت على مالك عن أبي النضر) سالم بن أبي أمية التيمي المدني مولاهم (مولى عمر بن عبيد الله) التيمي، ثقة، من (٥) (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف المدني (عن عائشة أم المومنبن ﵂ وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلا يحيى بن يحيى (أنها) أي أن عائشة (قالت كان رسول الله ﷺ يصوم) النفل متتابعًا في بعض الأحيان أي يوالي بين صوم التطوع (حتى نقول) معاشر نسائه وخواصه (لا يفطر) أبدًا ولا يترك الصوم، قال التوربشتي: الرواية في نقول بالنون، وقد وجد في بعض النسخ بالتاء على الخطاب كأنها تقول أنت أيها السامع لو أبصرته اهـ فتح الملهم (وبفطر) على التوالي في بعض الأحيان (حتى نقول لا يصوم) أي لا يريد أن يصوم ففي هذا وغيره من الأحاديث أنه ﷺ لم يصم الدهر كله وكأنه ترك ذلك لئلا يقتدى به فيشق على الأمة وهو بهم رؤوف رحيم، وإن كان قد أعطي من القوة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه لكنه سلك من العبادة الطريقة الوسطى فصام وأفطر وقام ونام وطوبى لمن اقتدى به في ذلك اهـ فتح. (وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر) من شهور السنة (قط) أي في زمن من الأزمنة الماضية من عمره (إلا رمضان وما رأيته) ﷺ (في شهر) من الشهور (أكثر) مفعول ثان لرأيت والضمير في (منه) عائد له ﷺ (صيامًا) تمييز (في شعبان) متعلق بصيام، والمعنى كان رسول الله ﷺ يصوم في شعبان، وفي غيره من الشهور سوى رمضان، وكان صيامه في شعبان أكثر من صيامه فيما سواه، وأرادت بقولها في شهر غير شعبان أي ما رأيته كائنًا في غير شعبان أكثر صيامًا منه كائنًا في شعبان اهـ من المرقاة.

стр. 5198

٢٦٠٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ. قَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَال: سَألْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالتْ: كَانَ يَصُومُ حَتّى نَقُولَ: قَدْ صَامَ. ويفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَفْطَرَ. وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ. كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إلا قَلِيلًا ــ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: ٢٦٠٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (جميعًا) أي كلاهما رويا (عن) سفيان (بن عيينة) الكوفي (قال أبو بكر حدثنا سفيان بن عيينة) بصيغة السماع (عن) عبد الله (بن أبي لبيد) بفتح اللام مولى الأخنس بن شريق أبي المغيرة المدني العابد، ثقة، من (٦) وفي بعض النسخ عن أبي أسد وهو تحريف من النساخ (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن الزهري المدني (قال سألت عائشة ﵂ عن صيام رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة ابن أبي لبيد لأبي النضر في رواية هذا الحديث عن أبي سلمة (فقالت) عائشة (كان) ﷺ (يصوم) التطوع متتابعًا (حتى نقول) معاشر أهل بيته (قد صام) أي واظب على الصيام ولا يفطر (ويفطر) متواليًا (حتى نقول قد أفطر) أي داوم على الإفطار ولا يصوم (ولم أره) ﷺ (صائمًا من شهر قط كثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله) أي معظمه، وقوله كان يصوم شعبان إلا قليلًا) جملة مفسرة لما قبلها، قال الحافظ: وهذا يبين أن المراد بقوله في حديث أم سلمة عند أبي داود وغيره أنه كان لا يصوم من السنة شهرًا تامًّا إلا شعبان يصله برمضان أي كان يصوم معظمه، ونقل الترمذي رحمه الله تعالى عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول صام الشهر كله، ويقال قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره، قال الترمذي: كان ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك، وحاصله أن الرواية الأولى مفسرة للثانية مخصصة لها، وأن المراد بالكل الأكثر وهو مجاز قليل الاستعمال، واستبعده الطيبي قال: لأن الكل تأكيد

стр. 5199

٢٦٠٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قَالتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ. وَكَانَ يَقُولُ: "خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ. فَإِن اللهَ لَنْ يَمَلَّ ــ لإرادة الشمول ودفع التجوز فتفسيره بالبعض مناف له، قال الزرقاني في شرح المواهب: لكن الاستبعاد لا يمنع الوقوع لأن الحديث يفسر بعضه بعضا لا سيما والمخرج متحد وهو عائشة وهي من الفصحاء وقد نقله ابن المبارك عن العرب ومن حفظ حجة، وقال الطيبي جمعًا بين الحديثين: فيحتمل أنه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان، وقيل المراد بقوله كله أنه كان يصوم من أوله تارة ومن آخره أخرى ومن أثنائه طورًا فلا يخلي شيئًا منه من صيام ولا يخص بعضه بصيام دون بعض، وقيل غير ذلك والأول هو الصواب اهـ فتح الملهم باختصار. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديثها سادسًا فقال: ٢٦٠٥ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا معاذ بن هشام) الدستوائي (حدثني أبي) هشام بن أبي عبد الله البصري (عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليامي (حدثنا أبو سلمة) بن عبد الرحمن الزهري المدني (عن عائشة ﵂ وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة يحيى بن أبي كثير لابن أبي لبيد (قالت) عائشة (لم يكن رسول الله ﷺ في الشهر من السنة أكثر صيامًا منه) أي من صيامه (في شعبان وممان يقول خذوا من الأعمال) الصالحة (ما تطيقون) الدوام عليه بلا ضرر مع اجتناب التعمق في جميع أنواع العبادات، وقد تقدم شرح هذه القطعة من الحديث وبيانها واضحًا في باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره من كتاب الصلاة قبيل باب القراءة وأحاديث القرآن فليراجع، قال الحافظ: ومناسبة ذلك للحديث الإشارة إلى أن صيامه ﷺ لا ينبغي أن يتأسى به فيه إلا من أطاق ما كان يطيق، إذ من أجهد نفسه في شيء من العبادة خشي عليه أن يمل فيفضي إلى تركه، والمدوامة على العبادة وإن قلَّت أولى من جهد النفس في كثرتها إذا انقطعت فالقليل الدائم أفضل من الكثير المنقطع غالبًا (فإن الله) (لن يمل) بفتح الميم أي لا يعرض عنكم ولا يقطع الإقبال عليكم بالرحمة أو لا يترك إثابتكم

стр. 5200

حَتَّى تَمَلُّوا". وَكَانَ يَقُولُ: "أَحَبُّ الْعَمَلِ إلَى اللهِ مَا دَاوَمَ عَلَيهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ قَلَّ". ٢٦٠٦ - (١١٢٦) (٤٧) حدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزهْرَانيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄. قَال: مَا صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيرَ رَمَضَانَ. وَكَانَ يَصُومُ، إِذَا صَامَ، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا، وَاللهِ لَا يُفْطِرُ. وَيُفْطِرُ، إِذَا أَفْطَرَ، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا، وَاللهِ! لَا يَصُومُ ــ على العمل، وقد تقدم شرحه مبسوطًا في كتاب الصلاة (حتى تملوا) عن العمل وتكسلوا عنه وتتركوه (وكان) ﷺ (يقول أحب العمل إلى الله) أي عنده تعالى وأكثره ثوابًا (مما داوم عليه) وواظب (صاحبه) عليه (وإن قل) ذلك العمل. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة بحديث ابن عباس ﵃ فقال: ٢٦٠٦ - (١١٢٦) (٤٧) (حدثنا أبو الربيع الزهراني) سليمان بن داود البصري (حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة، من (٧) (عن أبي بشر) جعفر بن إياس، ويقال فيه جعفر بن أبي وحشية اليشكري البصري ثم الواسطي، ثقة، من (٥) روى عنه في (٧) أبواب (عن سعيد بن جبير) الوالبي الكوفي، ثقة تابعي، من (٣) (عن ابن عباس ﵄ وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم واسطيان وواحد طائفي وواحد كوفي وواحد بصري، وفيه التحديث والعنعنة (قال) ابن عباس (ما صام رسول الله ﷺ شهرًا كاملًا قط) أي في زمن من الأزمنة الماضية من عمره (غير رمضان وكان يصوم) التطوع أي يوالي الصوم (إذا صام حتى يقول القائل) من المطلعين على صومه (لا والله لا يفطر) أي لا يريد الإفطار، كرر لا لتأكيد النفي (ويفطر) أي يواظب على الإفطار (إذا أفطر) في بعض الأحيان ولا يصوم (حتى يقول القائل) منهم (لا والله لا يصوم) أي لا يعود إلى الصوم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٢٧١]، والبخاري [١٩٧١] والنسائي [٤/ ١٩٩]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس ﵄ فقال:

стр. 5201

٢٦٠٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أبِي بِشْرٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَقَال: شَهْرًا مُتَتَابِعًا مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ. ٢٦٠٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ الأَنْصَارِيُّ. قَال: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيرٍ عَنْ صَوْمِ رَجَبٍ؟ وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ فِي رَجَبٍ. فَقَال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: ــ ٢٦٠٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن بشار وأبو بكر) محمد بن أحمد (بن نافع) العبدي البصريان (عن غندر) محمد بن جعفر الهذلي البصري (عن شعبة) بن الحجاج البصري (عن أبي بشر) جعفر بن إياس البصري أي روى شعبة عن أبي بشر (بهذا الإسناد) يعني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة شعبة لأبي عوانة في رواية هذا الحديث عن أبي بشر (و) ولكن (قال) شعبة في روايته (شهرًا متتابعًا) بدل "شهرًا كاملًا" مع زيادة (منذ قدم المدينة) وكذا قبل قدومه المدينة، وهذا قيد لا مفهوم له كما مر لأن رمضان إنما فرض في الثانية من الهجرة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: ٢٦٠٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير ح وحدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير حدثنا أبي حدثنا عثمان بن حكيم) بن عباد بن حنيف مصغرًا (الأنصاري) الأوسي أبوسهل المدني ثم الكوفي، ثقة، من (٥) (قال سألت سعيد بن جبير) الوالبي الكوفي (عن) فضل (صوم) شهر (رجب) كله (ونحن يومئذ) أي يوم إذ سألته (في) شهر (رجب فقال) سعيد بن جبير (سمعت ابن عباس ﵄ يقول) وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم كوفيون إلا ابن عباس، غرضه بيان متابعة عثمان بن حكيم لأبي بشر في الرواية عن سعيد بن جبير، وقوله (عن صوم رجب) في المواهب اللدنية وشرحه: أما شهر رجب بخصوصه وقد قال بعض الشافعية إنه أفضل من

стр. 5202

كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ ــ سائر الشهور وضعفه النواوي وغيره فلم يعلم أنه ﷺ صامه بل روى عنه من حديث ابن عباس ﵁ مما صح وقفه على ابن عباس أنه نهى عن صيامه. رواه ابن ماجه بإسناد قال الذهبي: لا يصح، فيه راو ضعيف متروك لكن في سنن أبي داود من حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها ما يدل على أن النبي ﷺ ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم ورجب أحدها فيندب صومه اهـ (كان رسول الله ﷺ يصوم) في بعض الأحيان متواليًا (حتى نقول لا يفطر) أبدًا (ويفطر) على التوالي (حتى نقول لا يصوم) أبدًا، والظاهر أن مراد سعيد بهذا الاستدلال على أنه لا نهي عنه ولا ندب فيه بعينه بل له حكم باقي الشهور إذ لم يثبت في صومه نهي ولا ندب بعينه، وإن كان أصل الصوم مندوبًا إليه، نعم حديث الباهلي قبله قد يقتضي ندب الصوم منه، وفي اللطائف لابن رجب الحنبلي: روى الكناني الدمشقي الإمام المحدّث بإسناده أن عروة بن الزبير قال لعبد الله بن عمر: هل كان رسول الله ﷺ يصوم في رجب؟ قال: نعم، ويشرفه. أي يذكر فيه فضلًا قالها ثلاثًا. أخرجه أبو داود وغيره من طريق حجاج بن منهال به وعن أبي قلابة قال: إن في الجنة قصرًا لصوام رجب، قال البيهقي: أبو قلابة هذا من كبار التابعين لا يقوله إلا عن بلاغ، قال ابن رجب: وهذا أصح ما ورد فيه، وهذا كما قال غيره لا يقتضي صحته لأنهم يعبرون بمثل ذلك في الضعيف كما يقولون أمثل ما في الباب هذا، وإن صح عن أبي قلابة فهو مقطوع إذ المقطوع قول التابعي وفعله، وعند البيهقي عن أنس مرفوعًا (إن في الجنة نهرًا يقال له رجب أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل من صام يومًا من رجب سقاه الله تعالى من ذلك النهر) ضعفه ابن الجوزي وغيره. وصرح الحافظ وغيره بأنه لم يثبت في صومه حديث صحيح، وحكى ابن السبكي عن محمد بن منصور السمعاني أنه قال: لم يرد في استحباب صوم رجب على الخصوص سنة ثابتة، والأحاديث التي تروى فيه واهية لا يفرح بها عالم، وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه أن عمر كان يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان ويقول: كلوا، فإنما هو شهر كان تعظمه الجاهلية اهـ من فتح الملهم.

стр. 5203

٢٦٠٩ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ عَلِي بْنُ حُجْرٍ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. كِلاهُمَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، فِي هذَا الإِسْنَادِ. بِمِثْلِهِ. ٢٦١٠ - (١١٢٨) (٤٨) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أبِي خَلَفٍ. قَالا: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ. عَنْ أَنَسٍ ﵁. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثنَا بَهْزٌ ــ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: ٢٦٠٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه علي بن حجر) بن إياس السعدي المروزي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا علي بن مسهر) القرشي الكوفي، ثقة، من (٨) (ح وحدثني إبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي الرازي، ثقة، من (١٥) روى عنه في (٤) أبواب (أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي أخو إسرائيل، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٧) بابا (كلاهما) أي كل من علي بن مسهر وعيسى بن يونس رويا (عن عثمان بن حكيم في هذا الإسناد) أي بهذا الإسناد يعني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (بمثله) أي بمثل ما روى عبد الله بن نمير عن عثمان بن حكيم، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة علي بن مسهر وعيسى بن يونس لعبد الله بن نمير في رواية هذا الحديث عن عثمان بن حكيم. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث عائشة بحديث أنس ﵄ فقال: ٢٦١٠ - (١١٢٨) (٤٨) (وحدثني زهير بن حرب و) محمد بن أحمد (بن أبي خلف) محمد السلمي البغدادي، ثقة، من (١٠) (قالا حدثنا روح بن عبادة) بن العلاء القيسي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا حماد) بن سلمة بن دينار التميمي البصري، ثقة، من (٨) (عن ثابت) بن أسلم البناني البصري، ثقة، من (٤) (عن أنس) بن مالك ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون إلا زهير بن حرب (ح وحدثني أبو بكر) محمد بن أحمد (بن نافع) العبدي البصري (واللفظ له حدثنا بهز) بن

стр. 5204

حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ حَتَّى يُقَال: قَدْ صَامَ، قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يُقَال: قَدْ أَفْطَرَ، قَدْ أَفْطَرَ. ٢٦١١ - (١١٢٩) (٤٩) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ وَهْبٍ، يُحَدِّثُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ. أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ــ أسد العمي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا حماد) بن سلمة (حدثنا ثابت عن أنس ﵁ وهذا السند أيضًا من خماسياته رجاله كلهم بصريون، غرضه بيان متابعة بهز لروح بن عبادة (أن رسول الله ﷺ كان يصوم) في بعض الأحيان على التوالي (حتى يقال قد صام قد صام) أي واظب على الصوم ولا يفطر (ويفطر) في بعضها على التوالي (حتى يقال قد أفطر قد أفطر) أي واظب على الإفطار ولا يصوم، وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى اهـ تحفة الأشراف. ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقال: ٢٦١١ - (١١٢٩) (٤٩) (حدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن سرح الأموي المصري (قال سمعت عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (يحدّث عن يونس) بن يزيد الأيلي المصري (عن ابن شهاب) المدني (ح وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني سعيد بن المسيب) بن حَزْن القرشي المخزومي المدني، ثقة، من (٢) (وأبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة، من (٣) (أن عبد الله بن عمرو بن العاص) بن وائل السهمي المدني الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة مصريون، وفيه التحديث إفرادًا وجمعًا والإخبار كذلك والعنعنة والمقارنة ورواية تابعي عن تابعي، وقوله (أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة) قال النواوي: قد جمع مسلم طرق هذا الحديث فأتقنها وقال

стр. 5205

قَال: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّهُ يَقُولُ: لأَقُومَنَّ اللَّيلَ وَلأَصُومَنَّ النَّهَارَ، مَا عِشْتُ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "آنْتَ الذِي تَقُولُ ذلِكَ؟ " ــ الحافظ: رواه جماعة من الكوفيين والبصريين والشاميين عن عبد الله بن عمرو مطولًا ومختصرًا فمنهم من اقتصر على قصة الصلاة، ومنهم من اقتصر على قصة الصيام، ومنهم من ساق القصة كلها ولم أره من رواية أحد من المصريين عنه مع كثرة روايتهم عنه (قال) عبد الله بن عمرو (أُخبر) بالبناء للمجهول و (رسول الله ﷺ مفعول أول نائب عن الفاعل، وجملة أن في قوله (أنه يقول) في تأويل مصدر منصوب على أنه مفعول ثاني لأخبر أي أخبر قول عبد الله والله (لأقومن الليل) كله بالصلاة فلا أنام (ولأصومن النهار) كله فلا أفطر (ما عشت) في الدنيا أي مدة معاشي وحياتي، وفي الكلام التفات من التكلم إلى الغيبة لنكتة الإبهام، والذي أخبره هو والده عمرو بن العاص ﵁ فقد روى البخاري في فضائل القرآن من طريق مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، وكان يتعاهدها، فسألها عن بعلها، فقالت: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشًا ولم يفتش لنا كنفًا منذ أتيناه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال لي: "القني" فلقيته بعد، فذكر الحديث. زاد النسائي وابن خزيمة وسعيد بن منصور من طريق أخرى عن مجاهد فوقع على أبي فقال: زوجتك امرأة فعضلتها وفعلت وفعلت، قال: فلم ألتفت إلى ذلك لما كانت لي من القوة، فذكر ذلك النبي ﷺ فقال: "القني به" فأتيته معه، ولأحمد من هذا الوجه: ثم انطلق إلى النبي ﷺ فشكاني، وسيأتي في الباب من طريق أبي المليح عن عبد الله بن عمرو قال: إن رسول الله ﷺ ذكر له صومي فدخل عليّ، فألقيت له وسادة، ومن طريق أبي العباس عنه فإما أرسل إليّ وإما لقيته، قال الحافظ: ويجمع بينهما بأن يكون عمرو توجه بابنه إلى النبي ﷺ فكلمه من غير أن يستوعب ما يريد من ذلك ثم أتاه إلى بيته زيادة في التأكيد اهـ فتح الملهم، فمعنى قوله أخبر رسول الله ﷺ أنه يقول: لأقومن الليل، ولأصومن النهار ما عشت، أي بلغ النبي ﷺ خبر قوله ذلك وحلفه بالله تعالى على سرد القيام والصيام مدة حياته، وفي قوله أنه يقول عدول عن التكلم (فقال) لي (رسول الله ﷺ أي فدعاني، فقال لي (آنت) بهمزة الاستفهام التقريري

стр. 5206

فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتهُ، يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذلِكَ. فَصُمْ وَأَفْطِرْ. وَنَمْ وَقُمْ. وَصُمْ مِنَ الشهْرِ ثَلاثةَ أَيَّامٍ. فَإِن الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. وَذلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ" قَال: قُلْتُ: فَإِني أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ. قَال: "صُمْ ــ أي هل أنت (الذي تقول ذلك) الذي أخبرته عنك من سرد القيام وسرد الصيام، قال عبد الله (فقلت له) ﷺ نعم (قد قلته) أي قد قلت الخبر الذي بلغك مني (يا رسول الله فقال) لي (رسول الله ﷺ فإنك) يا عبد الله (لا تستطيع) ولا تقدر (ذلك) الذي قلته من قيام الليل وصيام النهار ما عشت، يحتمل أن يريد به الحالة الراهنة لما علمه النبي ﷺ من أنه يكلف نفسه بذلك ويدخل به عليها المشقة ويفوت به ما هو أهم من ذلك، ويحتمل أن يريد به ما سيأتي بعد إذا كبر وعجز كما اتفق له سواء وكره أن يوظف على نفسه شيئًا من العبادة ثم يعجز عنه فيتركه لما تقرر من ذم من فعل ذلك، والفاء في قوله (فصم) للإفصاح لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا كان الأمر كذلك وأردت بيان ما هو الأصلح لك فأقول لك صم في بعض الأيام (وأفطر) في بعضها، وفي هذا إشارة إلى صوم نبي الله داود ﵇ (ونم) بفتح النون أمر من النوم أي نم في بعض أوقات الليل (وقم) بضم القاف أمر من قام بالليل لأجل العبادة أي قم وصل في بعض ساعات الليل، قال العيني: وفي الحديث تفقد الإمام أمور رعيته كلياتها وجزئياتها وتعليمهم ما يصلحهم، وفيه أن من تكلف الزيادة وتحمل المشقة على ما طُبع عليه يقع له الخلل في الغالب وربما يغلب ويعجز، وفيه الحض على ملازمة العبادة كأنه قال له: اجمع بين المصلحتين فلا تترك حق العبادة، ولا المندوب بالكلية، ولا تضيع حق نفسك وأهلك وزورك (وصم من الشهر ثلاثة أيام) وهذا بيان لما أجمل في قوله صم وأفطر (فإن الحسنة) الواحدة تجزئ (بعشر أمثالها وذلك) أي صيامك من كل شهر ثلاثة أيام (مثل صيام الدهر) والسنة أي حكمًا لا حسًّا، قال الحافظ: وهذا يقتضي أن المثلية لا تستلزم التساوي من كل جهة لأن المراد بها هنا أصل التضعيف دون التضعيف الحاصل بالفعل ولكن يصدق على فاعل ذلك أنه صام الدهر مجازًا (قال) عبد الله (قلت) له ﷺ (فإني أطيق أفضل من ذلك) أي أكثر من صيام ثلاثة أيام من كل شهر (قال) له النبي ﷺ (صم

стр. 5207

يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَينِ" قَال: قُلْتُ: فَإِني أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَال: "صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا. وَذلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَام" قَال: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ. قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ". قَال عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: لأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلاثَةَ الأَيَّامَ الَّتِي قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي ــ يومًا وأفطر يومين) بالإفراد في الأول والتثنية في الآخر، وفي رواية حسين المعلم في الأدب فصم من كل جمعة ثلاثة أيام، وفي رواية أبي المليح الآتية أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام قال: قلت: يا رسول الله! قال: "خمسًا" قلت: يا رسول الله! قال: "سبعًا" قلت: يا رسول الله! قال: "تسعًا" قلت: يا رسول الله! قال: "إحدى عشرة" (قال) عبد الله (قلت فإني أطيق أفضل من ذلك) أي من صيام يوم وإفطار يومين (يا رسول الله قال: صم يومًا وأفطر يومًا وذلك) أي صيام يوم وإفطار يوم (صيام داود ﵇ وهو أعدل الصيام) وهذا يقتضي ثبوت الأفضلية له مطلقًا، ومقتضاه أن تكون الزيادة على ذلك من الصوم مفضولة (قال قلت فإني أطيق أفضل من ذلك) أي أكثر من صوم يوم وإفطار يوم (قال رسول الله ﷺ : لا) صوم (أفضل من ذلك) أي من صوم يوم وإفطار يوم فهو أفضل من صوم الدهر كما قاله المتولي وغيره، ويترجح من حيث المعنى بأن صيام الدهر قد يفوت بعض الحقوق وبأن من اعتاده لا يكاد يشق عليه بل تضعف شهوته عن الأكل، وتقل رغبته وحاجته إلى الطعام والشراب نهارًا ويألف تناوله في الليل بحيث يتجدد له طبع زائد بخلاف من يصوم يومًا ويفطر يومًا فإنه ينتقل من فطر إلى صوم ومن صوم إلى فطر، وقد نقل الترمذي عن بعض أهل العلم: أنه أشق الصوم ويأمن مع ذلك من تفويت الحقوق (قال عبد الله بن عمرو ﵄ بالسند السابق أي بعد ما كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه (لأن كون قبلت الثلاثة الأيام التي قال رسول الله ﷺ أحب إليّ من أهلي ومالي) قال النواوي: معناه أنه كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه عند رسول الله ﷺ فشق عليه فعله لعجزه ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه له فتمنى أن لو قبل الرخصة فأخذ بالأخف. [قلت] ومع عجزه وتمنيه الأخذ بالرخصة لم يترك العمل بما التزمه بل

стр. 5208

٢٦١٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ الرُّومِيُّ. حَدَّثنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ (وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ) حَدَّثَنَا يَحْيَى قَال: انْطَلَقْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ حَتَّى نَأْتِيَ أَبَا سَلَمَةَ. فَأَرْسَلْنَا إِلَيهِ رَسُولًا. فَخَرَجَ عَلَينَا. وَإِذَا عِنْدَ بَابِ دَارِهِ مَسْجِدٌ ــ صار يتعاطى فيه نوع تخفيف كما في بعض الروايات، وكان عبد الله حين ضعف وكبر يصوم تلك الأيام كذلك يصل بعضها إلى بعضٍ، ثم يفطر بعدد تلك الأيام فيقوى بذلك، وكان يقول: لأن أكون قبلت الرخصة أحب إليّ مما عدل به لكنني فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره كذا في الفتح. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ١٩٨]، والبخاري [١٩٧٤]، وأبو داود [١٣٨٩]، والترمذي [٧٧٠] والنسائي [٤/ ٢٠٩ و ٢١٥]، وابن ماجه [١٧١٢]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فقال: ٢٦١٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عبد الله بن محمد الرومي) أي المعروف بابن الرومي أبو محمد اليمامي، نزيل بغداد، قال أحمد بن محمد بن بكر: مات في رجب سنة ست وثلاثين ومائتين (٢٣٦) روى عن النضر بن محمد في الإيمان والصوم وغيرهما، ويروي عنه (م) وأبو يعلى والسراج، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق، من العاشرة، وتقدمت ترجمته في كتاب الإيمان (حدثنا النضر بن محمد) بن موسى الجرشي- بالجيم المضمومة والشين المعجمة- الأموي مولاهم أبو محمد اليمامي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (حدثنا عكرمهْ وهو ابن عمار) العجلي الحنفي أبو عمار اليمامي، وثقه ابن معنى والعجلي، وقال في التقريب: صدوق، من (٥) يغلط وكان مجاب الدعوة، روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا يحيى) بن أبي كثير الطائي اليمامي، ثقة، من (٥) (قال) يحيى (انطلقت أنا وعبد الله بن يزيد) مولى الأسود بن سفيان المخزومي الأعور المدني أبو عبد الرحمن المقرئ من شيوخ مالك، ثقة، من (٦) أي ذهبنا من بيوتنا (حتى نأتي أبا سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف أي حتى أتيناه ووصلنا إلى داره ووقفنا جنبها ولم ندخل عليه (فأرسلنا إليه) وهو في بيته (رسولًا) ليخرج إلينا (فخرج) من بيته (علينا وإذا) فجائية واقعة في جواب بينما المقدر، وقوله (عند باب داره مسجد) جواب بينما والتقدير وبينما نحن واقفون عند داره

стр. 5209

قَال: فَكُنَّا فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى خَرَجَ إِلَينَا. فَقَال: إِنْ تَشَاؤُوا، أَنْ تَدْخُلُوا، وَإِنْ تَشَاؤُوا، أَنْ تَقْعُدُوا ههُنَا. قَال: فَقُلْنَا: لَا. بَلْ نَقْعُدُ ههُنَا. فَحَدِّثْنَا. قَال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄. قَال: كُنْتُ أَصُومُ الدَّهْرَ وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيلَةٍ. قَال: فَإمَّا ذُكِرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ فَأتَيتُهُ. فَقَال لِي: "أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيلَةٍ؟ " ــ فاجأنا رؤية مسجد عند باب داره (قال) يحيى فدخلناه (فكنا في المسجد حتى خرج إلينا) أبو سلمة (فقال) أبو سلمة (إن تشاؤوا) أي إن شئتم (أن تدخلوا) معنا البيت فادخلوا (وإن تشاؤوا) أي وإن شئتم (أن تقعدوا ها هنا) أي في المسجد فاقعدوا (قال) يحيى (فقلنا) لأبي سلمة (لا) ندخل البيت (بل نقعد ها هنا) أي في المسجد (فحدثنا) بصيغة الأمر المسند إلى المخاطب أي جئناك لنأخذ منك الحديث فحدّثنا ما عندك من أحاديث رسول الله ﷺ فـ (قال) لنا أبو سلمة (حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة يحيى بن أبي كثير لابن شهاب في رواية هذا الحديث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (قال) عبد الله بن عمرو (كنت أصوم الدهر) كله يعني كل يوم (فإن قلت) ما الفرق بين صيام الدهر وصيام الوصال (قلت) هما حقيقتاه مختلفان فإن من صام يومين أو أكثر ولم يفطر ليلتهما فهو مواصل وليس هذا صوم الدهر ومن صام عمره وأفطر جميع لياليه فهو صائم الدهر وليس بمواصل، والله أعلم بالصواب كذا في عمدة القاري (وأقرأ القرآن) أي أختمه (كل ليلة قال) عبد الله (فإما ذكرت) أنا بالبناء للمجهول أي ذكر بعض الناس حالي وعملي (للنبي ﷺ فأتاني النبي ﷺ في بيتي (واما أرسل إليّ) فدعاني (فأتيته) ﷺ قال السندي: لا يخفى أنه لا تقابل بين الأمرين على ظاهره فيحتمل أن يقدر فيه أي ذكرت له ﷺ فأتاني أو أرسل إليّ، والأقرب أن بعض التصرفات قد وقع من الرواة سهوًا والله تعالى أعلم اهـ، والأولَى ما يأتي في رواية ابن رافع (فإما أرسل إليّ وإما لقيته) فإن اللقاء لا يستدعي الإرسال، ويأتي في رواية يحيى بن يحيى (ذكر له صومي فدخل) الخ (فقال لي ألم أُخبر) بهمزة الاستفهام التقريري وهو حمل المخاطب على الإقرار بأمر قد استقر عنده ثبوته واخبر على صيغة المجهول المسند إلى المتكلم وحده والمعنى قد أخبرت (أنك تصوم الدهر) أي كل يوم (وتقرأ القرآن) كله (كل ليلة) قال عبد الله (فقلت) له ﷺ (بلى) حرف جواب في النفي فيكون إثباتًا أي

стр. 5210

فَقُلْتُ: بَلَى. يَا نَبِيَّ اللهِ! وَلَمْ أُرِدْ بِذلِكَ إلا الْخَيرَ. قَال: "فَإِن بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثةَ أَيَّامٍ" قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ. قَال: "فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيكَ حَقًّا. وَلِزَوْرِكَ عَلَيكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيكَ حَقًّا" قَال: ــ فالأمر كما أخبرت (يا نبي الله ولم أرد بذلك) العمل (إلا الخير) أي إلا رضا الله تعالى، لا تفويت حق من الحقوق التي عليّ، وفيه جواز تحدث المرء بما عزم عليه من فعل الخير فـ (قال) لي النبي ﷺ لا تحمِّل نفسك ما لا تطيق (فإن بحسبك) الباء زائدة في اسم إن أو خبرها مقدمًا، وجملة (أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام) خبرها أو اسمها مؤخرًا، والمعنى على الأول فإن كافيك عن ذلك صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وعلى الثاني فإن صوم ثلاثة أيام من كل شهر كافيك عن ذلك (قلت) له ﷺ (يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك) أي أكثر من المذكور من صوم ثلاثة أيام من كل شهر (قال) النبي ﷺ (فإن لزوجك) وأهلك (عليك حقًّا) فلا ينبغي لأحد أن يُجهد نفسه في العبادة حتى يضعف عن القيام بحقها من جماع واكتساب، واختلف العلماء فيمن كف عن جماع زوجته، فقال مالك إن كان بغير ضرورة أُلزم به أو يُفرّق بينهما، ونحوه عن أحمد، والمشهور عند الشافعية أنه لا يجب عليه، وقيل يجب مرة، وعن بعض السلف في كل أربع ليلة، وعن بعضهم في كل طهر مرة كذا في الفتح (ولزورك عليك حقًّا) بفتح الزاي وسكون الواو أي لضيفك، والزور مصدر وُضع موضع الاسم كصوم في موضع صائم، ونوم في موضع نائم، ويقال للواحد والجمع والذكر والأنثى زور، قال ابن التين: ويحتمل أن يكون زور جمع زائر كركب جمع راكب وتجر جمع تاجر، قال القاضي عياض: وحق الزور وهو الضيف في خدمته وتأنيسه بالحديث أي لضيفك ولأصحابك الزائرين حق عليك وأنت تعجز بسبب توالي الصيام والقيام عن القيام بحسن معاشرتهم (ولجسدك عليك حقًّا) قال العيني: وليس المراد بالحق ها هنا بمعنى الواجب بل المراد مراعاته والرفق به كما يقال له حق الصحبة على فلان يعني مراعاته والتلطف به فالصائم المتطوع ينبغي أن يراعي جسمه بما يقيمه ويشده لئلا يضعف فيعجز عن أداء الفرائض فأما إذا خاف التلف على نفسه أو عضو من أعضائه التي يضرها الجوع فحينئذ يتعين عليه أداء حقه حتى في صوم الفرض أيضًا هـ فتح الملهم (قال) النبي ﷺ (فصم صوم داود نبي الله ﷺ وفي الكلام اختصار فإنه ﷺ بلغ إلى صوم داود بعد مراجعات كثيرة كما نبهنا عليه

стр. 5211

"فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ". قَال: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَال: "كَانَ يَصُومُ يَوْما وَيُفْطِرُ يَوْمًا" قَال: "وَاقْرَأ الْقُرْآنَ فِي كُل شَهْرٍ" قَال: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ. قَال: "فَاقْرَأْهُ فِي كُل عِشْرِينَ" قَال: قُلْتُ: يَا نَبِي اللهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ. قَال: "فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشرٍ" قَال: قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللهِ! إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ. قَال: "فَاقْرَأْهُ فِي كُل سَبعٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ــ في أول الباب (فإنه) ﵇ (كان أعبد الناس) لربه أي أكثرهم عبادة لربه أي في زمانه أو المراد من أعبد الناس والله أعلم (قال) عبد الله بن عمرو (قلت) للنبي ﷺ (يا نبي الله وما صوم داود قال) النبي ﷺ كان) داود (يصوم يومًا ويفطر يومًا قال) النبي ﷺ (واقرأ القرآن) أي اختمه (في كل شهر) مرة (قال) عبد الله (قلت) له ﷺ (يا نبي الله إني أطيق أفضل) أي أزيد (من ذلك) أي من ختمته في كل شهر (قال) نبي الله ﷺ (فاقرأه في كل عشرين) ليلة ختمة (قال قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل) أي أزيد (من ذلك قال فاقرأه في كل عشر) مرة (قال قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في كل سبع) مرة أي اختمه في كل سبع ليال مرة (ولا تزد على ذلك) أي لا تقرأْه في أقل من سبع فالزيادة هنا بطريق التدلي، قال ملا علي: أي لا تزد على المذكور من الصوم والختم أولًا تزد على ذلك من السؤال ودعوى زيادة الطاقة والله أعلم. وثبت عن كثير من السلف أنهم قرأوا القرآن في دون ذلك، قال النواوي: والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص فمن كان من أهل الفهم وتدقيق الفكر استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر واستخراج المعاني، وكذا من كان له شغل بالعلم أر غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك فالأولى الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل ولا يقرؤه هذرمة والله تعالى أعلم. واعلم أن النهي عن الزيادة على ذلك ليس للتحريم كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب وعُرف ذلك من قرائن الحال التي أرشد إليها السياق وهو النظر إلى عجزه عن سوى ذلك في الحال أو في المآل، وأغرب بعض الظاهرية فقال: يحرم أن يقرأ القرآن في أقل من

стр. 5212

فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيكَ حَقًّا. وَلِزَوْرِكَ عَلَيكَ حَقًّا. وَلِجَسَدِكَ عَلَيكَ حَقًّا". قَال: فَشَدَّدْتُ. فَشُدِّدَ عَلَيَّ. قَال: وَقَال لِي النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْرٌ". قَال: فَصِرْتُ إِلَى الَّذِي قَال لِي النَّبِيُّ ﷺ . فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ الله ﷺ ــ ثلاث لحديث ابن مسعود مرفوعًا: "اقرؤوا القرآن في سبع، ولا تقرءوه في أقل من ثلاث" رواه سعيد بن منصور بسند صحيح، ولأبي عبيد من طريق الطيب بن سلمان عن عمرة عن عائشة أن النبي ﷺ كان لا يختم في أقل من ثلاث، وهذا اختيار أحمد وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وقال النواوي: أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك وإنما هو بحسب النشاط والقوة فعلى هذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال اهـ فتح الملهم بتصرف. (فإن لزوجك عليك حقًّا ولزورك عليك حقًّا ولجسدك عليك حقًّا قال) عبد الله (فشددت) أي على نفسي (فشُدد عليّ) بصيغة المجهول (قال) عبد الله (وقال لي النبي ﷺ إنك) يا عبد الله (لا تدري) ولا تعلم مآل أمرك حيث تنتمي لقبول هذه الرخصة و (لعلك يطول بك عمر) فتقدم على هذا التشديد إذا عجزت عن القيام بهذه الوظيفة التي التزمتها (قال) عبد الله (فصرت) أي رجعت الآن ووصلت (إلى الذي قال لي النبي ﷺ من طول العمر (فلما كبرت) بكسر الراء من باب علم هذا في السن، وأما كبر بمعنى عظم فبضمها من باب شرف؛ أي فلما كبر سني وعجزت عن أداء الوظيفة التي التزمتها (وددت) وأحببت وتمنيت (أني كنت قبلت رخصة نبي الله ﷺ وتسهيله عليّ معناه أنه كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه عند رسول الله ﷺ فشق عليه فعله ولا يمكنه تركه. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عبد الله ﵁ فقال:

стр. 5213

٢٦١٣ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا حُسَين الْمُعَلِّمُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ فِيهِ، بَعْدَ قَوْلِهِ: "مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثةَ أَيَّامِ": "فَإِن لَكَ بِكُلً حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا. فَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ". وَقَال فِي الْحَدِيثِ: قُلْتُ: وَمَا صَوْمُ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ؟ قَال: "نِصْفُ الدَّهْرِ" وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيئًا. وَلَمْ يَقُلْ: "وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيكَ حَقًّا" وَلَكِنْ قَال: "وإنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيكَ حَقًّا" ــ ٢٦١٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه زهير بن حرب) النسائي (حدثنا روح بن عبادة) القيسي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا حسين) بن ذكوان (المعلم) المكتب العوذي البصري (عن يحيى بن أبي كثبر) الطائي اليامي، ثقة، من (٥) (بهذا الإسناد) يعني عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو، غرضه بيان متابعة حسين المعلم لعكرمة بن عمار في رواية هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير (و) لكن (زاد) حسين (فيه) أي في الحديث (بعد قوله) ﷺ فإن بحسبك أن تصوم (من كل شهر ثلاثة أيام) أي زاد بعده لفظة (فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فذلك الدهر كله) أي فصيامك من كل شهر ثلاثة أيام كصيام الدهر كله لأن الثلاثة تساوي بثلاثين يومًا (وقال) حسين أيضًا (في) رواية هذا (الحديث) قال عبد الله (قلت) يا نبي الله (وما صوم نبي الله داود) ﵇ (قال) لي رسول الله ﷺ صيام داود (نصف الدهر) وفطره نصف الدهر (ولم يذكر) حسين (في) هذا (الحديث من قراءة القرآن شيئًا) قليلًا ولا كثيرًا (ولم يقل) حسين أيضًا لفظة (وإن لزورك عليك حقًّا ولكن قال) حسين في روايته بدل ذلك (وإن لولدك عليك حقًّا) وهذا كله بيان لمحل المخالفة بين الروايتين، ومن حق الأولاد الرفق بهم والإنفاق عليهم وشبه ذلك، قال النواوي: فيه أن على الأب تأديب ولده وتعليمه ما يحتاج إليه من وظائف الدين، وهذا التعليم واجب على الأب وسائر الأولياء قبل بلوغ الصبي والصبية نص عليه الشافعي وأصحابه، قال الشافعي وأصحابه: وعلى الأمهات أيضًا هذا التعليم إذا لم يكن أب لأنه من باب التربية ولهن مدخل في ذلك، وأجرة هذا التعليم في مال الصبي فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته لأنه مما يحتاج إليه والله تعالى أعلم.

стр. 5214

٢٦١٤ - (٠٠) (٠٠) حدّثني الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ. حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَال: (وَأحْسِبُنِي قَدْ سَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو ﵄ ــ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فقال: ٢٦١٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثني القاسم بن زكرياء) بن دينار القرشي أبو محمد الكوفي، ثقة، من (١١) (حدثنا عبيد الله بن موسى) العبسي مولاهم أبو محمد الكوفي، ثقة، من (٩) (عن شيبان) بن عبد الرحمن التميمي الكوفي، ثقة، من (٧) (عن يحيى) بن أبي كثير الطائي اليامي، ثقة، من (٥) (عن محمد بن عبد الرحمن مولى بني زهرة) روى عن أبي سلمة وعباد بن أوس، ويروي عنه (م) ويحيى بن أبي كثير، وقال في التقريب: مجهول، من السادسة، وقيل هو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي مولاهم المدني، وفي صحيح البخاري مولى بني زهرة وهو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، ذكر ابن حبان في الثقات أنه مولى الأخنس بن شريق الثقفي وكان الأخنس ينسب زهريًّا لأنه كان من حلفائهم وجزم جماعة بان ابن ثوبان عامري فلعله كان يُنسب عامريًّا بالأصالة، وزهريًّا بالحلف ونحو ذلك والله أعلم (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن الزهري (قال) يحيى بن أبي كثير (وأحسبني) أي وأظن نفسي أني (قد سمعته) أي قد سمعت (أنا) هذا الحديث (من أبي سلمة) بلا واسطة محمد بن عبد الرحمن (عن عبد الله بن عمرو ﵄ وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة شيبان لعكرمة بن عمار في رواية هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، قوله (قال وأحسبني قد سمعته) الخ قائل ذلك هو يحيى بن أبي كثير، قال الإسماعيلي رحمه الله تعالى: خالف أبان بن يزيد العطار شيبان بن عبد الرحمن في هذا الإسناد عن يحيى بن أبي كثير، ثم ساقه من وجهين عن أبان عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة، وزاد في سياقه بعد قوله: "اقرأه في شهر" قال: إني أجد قوة، قال: "في عشرين " قال: إني أجد قوة، قال: "في عشر" قال: إني أجد قوة، قال: "في سبع، ولا تزد على ذلك" قال الإسماعيلي: ورواه عكرمة بن عمار عن يحيى قال حدثنا أبو سلمة بغير واسطة، وساقه

стр. 5215

قَال: قَال لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : لا اقْرَأ الْقُرْآنَ فِي كُل شَهْرٍ" قَال: قُلْتُ: إِنِّي أجِدُ قُوَّة. قَال: "فَاقْرَأْهُ فِي عِشرِينَ لَيلَةً" قَال: قُلْتُ: إِني أَجِدُ قُوَّةً. قَال: "فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذلِكَ". ٢٦١٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ. حَدَّثنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، ــ من طريقه. [قلت] كان يحيى بن أبي كثير يتوقف في تحديث أبي سلمة له، ثم تذكر أنه حدّثه به أو بالعكس كان يصرح بتحديثه ثم توقف وتحقق أنه سمعه بواسطة محمد بن عبد الرحمن، ولا يقدح في ذلك مخالفة أبان لأن شيبان أحفظ من أبان أوكان عند يحيى عنهما، ويؤيده اختلاف سياقهما كذا في الفتح، وقد تقدم في الباب من طريق عكرمة بن عمار عن أبي سلمة مصرحًا بالسماع بغير توقف في قصة الصيام وقصة القرآن والله أعلم اهـ فتح الملهم (قال) عبد الله بن عمرو (قال لي رسول الله ﷺ اقرأ القرآن) كله أي اختمه (في كل شهر) مرة، المراد بالقرآن في حديث الباب جميعه ولا يَردُ على هذا أن القصة وقعت قبل موت النبي ﷺ بمدة وذلك قبل أن ينزل بعض القرآن الذي تأخر نزوله لأنا نقول سلمنا ذلك لكن العبرة بما دل عليه الإطلاق وهو الذي فهم الصحابي فكان يقول ليتني لو قبلت الرخصة ولا شك أنه بعد النبي ﷺ كان قد أضاف الذي نزل آخرًا إلى ما نزل أولًا فالمراد بالقرآن جميع ما كان نزل إذ ذاك وهو معظمه ووقعت الإشارة إلى أن ما نزل بعد ذلك يوزع بقسطه والله أعلم اهـ منه (قال قلت إني أجد قوة) على أفضل من ذلك (قال: فاقرأه في عشرين ليلة، قال: قلت إني أجد قوة) على أكثر من ذلك (قال فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك) أي على ختمه في سبع ليال بأن ختمه في خمس أو ثلاث والنهي فيه ليس للتحريم كما مر. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فقال: ٢٦١٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أحمد بن يوسف) بن خالد بن سالم (الأزدي) السلمي أبو الحسن النيسابوري المعروف بحمدان، ثقة، من (١١) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا عمرو بن أبي سلمة) الهاشمي مولاهم أبو حفص الدمشقي، روى عن الأوزاعي ومالك، ويروي عنه (ع) وأحمد بن يوسف الأزدي والشافعي أكبر منه ودحيم وأحمد بن

стр. 5216

عَنِ الأوْزَاعِيِّ قِرَاءَةً. قَال: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ. حَدَّثَنِي أَبُو سَلمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ ــ صالح وخلق، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الساجي: ضعيف، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال في التقريب: صدوق له أوهام، من كبار العاشرة، مات سنة (٢١٤) أربع عشرة ومائتين (عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو أبي عمرو الشامي، عالم الشام وفقيهه، ثقة، من (٧) أي روى عمرو بن أبي سلمة عن الأوزاعي (قراءة) على الأوزاعي لا سماعًا منه فهو في اصطلاح مسلم بمنزلة أخبرني الأوزاعي (قال) الأوزاعي (حدثني يحيى بن أبي كثير عن) عمر (بن الحكم بن ثوبان) الحارثي أبي حفص المدني، روى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن في الصوم، وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وأسامة بن زيد، ويروي عنه (م د س ق) ويحيى بن أبي كثير وسعيد المقبري وأسامة الليثي، وثقه ابن حبان، وقال في التقريب: صدوق، من الثالثة، مات سنة (١١٧) سبع عشرة ومائة (حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة الأوزاعي لشيبان بن عبد الرحمن في رواية هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، وقوله (حدثني يحيى بن أبي كثير عن عمر بن الحكم حدثني أبو سلمة) قد تابع عمرو بن أبي سلمة على زيادة ابن الحكم بين يحيى وبين أبي سلمة ابن أبي العشرين ذكره البخاري تعليقًا، وقد أخرج البخاري بإسناده من طريق عبد الله بن المبارك عن الأوزاعي قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، فليس فيه واسطة. قال الحافظْ ونبه البخاري على أن زيادة عمر بن الحكم من المزيد في متصل الأسانيد لأن يحيى قد صرح بسماعه من أبي سلمة ولو كان بينهما واسطة لم يصرح بالتحديث، قال: وظاهر صنيع البخاري ترجيح رواية يحيى عن أبي سلمة بغير واسطة، وظاهر صنيع مسلم يخالفه لأنه اقتصر على الرواية الزائدة، والراجح عند أبي حاتم والدارقطني وغيرهما صنيع البخاري، وقد تابع كلًّا من الروايتين جماعة من أصحاب الأوزاعي فالاختلاف منه وكأنه كان يحدّث به على الوجهين فيُحمل على أن يحيى حمله عن أبي سلمة بواسطة، ثم لقيه فحدّثه به، فكان يرويه عنه على الوجهين والله أعلم اهـ فتح (قال) عبد الله بن عمرو (قال) لي (رسول الله صلى الله عليه

стр. 5217

وَسَلَّمَ: "يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ بِمِثْلِ فُلانٍ. كَانَ يَقُومُ الليلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيلِ". ٢٦١٦ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنيِ مُحَمّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. قَال: سَمِعْتُ عَطَاءً يَزْعُمُ أن أَبَا الْعَبَّاسِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله تعالى عنهما ــ وسلم: يا عبد الله لا تكن بمثل فلان) الباء زائدة، قال الحافظ: لم أقف على تسميته في شيء من الطرق وكان إبهام مثل هذا لقصد الستر عليه، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ لم يقصد شخصًا معينًا وإنما أراد تنفير عبد الله بن عمرو من الصنيع المذكور، قال العيني: والظاهر أن الإبهام من أحد الرواة والله أعلم (كان) فلان (يقوم) أي يصلي بعض (الليل فترك قيام الليل) أي صلاته، وفي البخاري (من الليل) أي بعض الليل، قال الحافظ: وسقط لفظ من من رواية الأكثر وهي مرادة، قال ابن العربي: في هذا الحديث دليل على أن قيام الليل ليس بواجب إذ لو كان واجبًا لم يكتف لتاركه بهذا القدر بل كان يذمه أبلغ الذم، وفيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرءُ من الخير من غير تفريط، ويستنبط منه كراهة قطع العبادة وإن لم تكن واجبة اهـ. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فقال: ٢٦١٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا) عبد الملك (بن جريج قال سمعت عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي (يزعم) أي يقول وقد كثر الزعم بمعنى القول (أن أبا العباس) السائب بن فروخ -بفتح فضم مع تشديد الراء- المكي الشاعر الأعمى، روى عن عبد الله بن عمرو في الصوم وفي البر، وعبيد الله بن عمر في الجهاد، وابن عمر، ويروي عنه (ع) وعطاء بن أبي رباح وحبيب بن أبي ثابت وعمرو بن دينار، وثقه أحمد والنسائي، وقال ابن معين: ثبت، وقال مسلم: كان ثقة عدلًا، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة (أخبره أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما) وهذا السند من سداسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة أبي السائب لأبي سلمة بن عبد الرحمن في رواية هذا الحديث عن

стр. 5218

يَقُولُ: بَلَغَ النَّبيَّ ﷺ أَنِّي أصُومُ أَسْرُدُ، وَأُصَلِّي اللَّيلَ. فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ. فَقَال: "أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي اللَّيلَ؟ فَلا تَفْعَلْ. فَإنَّ لِعَينِكَ حَظًّا. وَلِنَفْسِكَ حَطًّا. وَلأَهْلِكَ حَظًّا. فَصُمْ وَأَفْطِرْ. وَصَلِّ وَنَمْ. وَصُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا. وَلَكَ أَجْرُ تِسْعَةٍ" قَال: إِنِّي أَجِدُنِي أَقْوَى مِنْ ذلِكَ، يَا نَبِيَّ اللهِ! قَال: ــ عبد الله بن عمرو بن العاص أي سمعته حالة كونه (يقول بلغ النبي ﷺ أني أصوم) حالة كوني (أسرد) الصوم أي أوالي الصوم أي أصوم متتابعًا ولا أفطر بالنهار (وأصلي الليل) جميعه، وكان مبلغ ذلك إلى النبي ﷺ أباه عمرًا كما مر في أوائل الحديث، وهذا إنما فعله عبد الله بعد أن التزمه بقوله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت كما جاء في الرواية الأخرى (فإما أرصل) النبي ﷺ (إلي) ليسألني (وإما لقيته) أنا بلا إرسال منه، قال الحافظ: شك من بعض رواته؛ أي إما قال عبد الله كذا وإما قال كذا، وغلط من قال إنه شك من عبد الله بن عمرو لما سيأتي من أنه ﷺ قصده إلى بيته فدل على أن لقاءه إياه كان عن قصد منه إليه والله أعلم اهـ (فقال) النبي ﷺ (ألم أخبر أنك) يا عبد الله (تصوم) جميع النهار (ولا تفطر وتصلي الليل) كله ولا تنام، إن كنت فاعلًا لما أخبرت (فلا تفعل) ذلك، وهذا نهي عن الاستمرار في فعل ما التزمه لأجل ما يؤدي إليه من المفسدة التي نبه عليها بقوله (فإن لعينك) عليك (حظًّا) أي نصيبًا من النوم (ولنفسك) عليك (حظًّا) أي نصيبًا من الاستراحة؛ أي إن عليك لهما حظًّا من الرفق بهما ومراعاة حقهما (ولأهلك) أي لزوجك (حظًّا) من المجامعة، وذلك إذا سرد الصوم ووالى القيام بالليل منعها حقها منه بذلك، وقد يفسر الأهل بالأولاد والقرابة وحقهم هو في الرفق بهم والإنفاق عليهم ومؤاكلتهم وتأنيسهم، وملازمة ما التزم من سرد الصوم وقيام الليل يؤدي إلى امتناع تلك الحقوق كلها ويفيد أن الحقوق إذا تعارضت قدم الأولى، والفاء في قوله (فصم) للإفصاح لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إذا عرفت ما قلته لك من تفويت ما التزمته من الحقوق التي عليك وأردت بيان ما الأصلح لك فاقول لك صم بعض الأيام (وأفطر) بعضها (وصل) بعض الليالي (ونم) بعضها (وصم من كل عشرة أيام يومًا ولك أجر تسعة) أيام التي لم تصمها (قال) عبد الله قلت له ﷺ (إني أجدني) أي أجد نفسي (أقوى) أي أقدر على أكثر (من ذلك) الذي قلت (يانبي الله قال) لي رسول الله ﷺ إذا

стр. 5219

"فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ ﵇ ". قَال: وَكَيفَ كَانَ دَاوُدُ يَصُومُ يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَال: "كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا. وَلَا يَفِرُّ إِذَا لاقى" قَال: مَنْ لِي بِهذِهِ يَا نَبِيَّ اللهِ؟ (قَال عَطَاءٌ: فَلَا أَدْرِي كَيفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ) فَقَال النبِيُّ ﷺ : "لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ. لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ. لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ" ــ قلت ذلك (فصم صيام) نبي الله (داود ﵇ قال) عبد الله قلت له ﷺ (وكيف كان داود يصوم يا نبي الله قال) النبي ﷺ (كان) داود ﵇ (يصوم يومًا ويفطر يومًا) وهو أشد الصيام على النفس فإن من صام هذا الصوم لا يعتاد الصوم ولا الإفطار فيصعب عليه كل منهما إذ النفس تصادف مألوفها في يوم وتفارقه في آخر (ولا يفر) داود أي لا يهرب (إذا لاقى) العدو أي عند لقاء العدو الحربي. قيل في ذكر هذا عقب ذكر صومه: إشارة إلى أن الصوم على هذا الوجه لا ينهك البدن ولا يضعفه بحيث يضعفه عن لقاء العدو بل يستعين بفطر يوم على صيام يوم فلا يضعف عن الجهاد وغيره من الحقوق ويجد مشقة الصوم في يوم الصيام لأنه لم يعتده بحيث يصير الصيام له عادة فإن الأمور إذا صارت عادة سهلت مشاقها (قال) عبد الله (من) يتكفل (لي بهذه) الخصلة التي لداود ﵇ لا سيما عدم الفرار، قال النواوي: معناه هذه الخصلة الأخيرة وهي عدم الفرار صعبة عليّ كيف لي تحصيلها (يا نبي الله، قال عطاء) بن أبي رباح بالإسناد السابق (فلا أدري) ولا أعلم (كيف ذكر) بفتحتات أي كيف ذكر عبد الله بن عمرو أو النبي ﷺ (صيام الأبد) أي صيام الدهر أي لا أحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصة، يعني أن عطاء لم يحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصة إلا أنه حفظ قول عبد الله بن عمرو (فقال) لي (النبي ﷺ لا صام من صام الأبد) أي الدهر (لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد) هكلذا في بعض النسخ بالتكرار ثلاث مرات، وفي بعضها بالتكرار مرتين، قال القرطبي: وقوله (فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد) هو شك عرض للراوي، ثم قال بعد أن عرض له ذلك الشك (لاصام من صام الأبد) فأتى بصوم الأبد على هذا اللفظ من غير شك ولا تردد بل حقق نقله وحرر لفظه، وأما الذي تقدم في حديث أبي قتادة فإنه شك في أي اللفظين قال: فذكرهما، فقال فيه قال: يا رسول الله كيف من يصوم الدهر؟ قال: لا صام ولا أفطر أو لم يصم ولم يفطر. وقد تقدم

стр. 5220

٢٦١٧ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ــ القول على صوم الدهر، والأبد من أسماء الدهر والمراد به هنا سرد الصوم دائمًا اهـ، قال ابن التين: استدل على كراهة صوم الدهر من هذه القصة من أوجه؛ نهيه ﷺ عن الزيادة، وأمره بان يصوم ويفطر، وقوله لا أفضل من ذلك، ودعاؤه على من صام الأبد، وقيل معنى قوله لا صام النفي أي ما صام كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ وقوله في حديث أبي قتادة عند مسلم وقد سئل عن صوم الدهر: "لا صام ولا أفطر أو ما صام وما أفطر" وفي رواية الترمذي: "لم يصم ولم يفطر" وهو شك من أحد رواته، ومقتضاه أنهما بمعنى واحد والمعنى بالنفي أنه لم يحصل أجر الصوم لمخالفته ولم يفطر لأنه أمسك، وإلى كراهة صوم الدهر مطلقًا ذهب إسحاق وأهل الظاهر؛ وهي رواية عن أحمد، وشذ ابن حزم فقال: يحرم، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي عمرو الشيباني قال: بلغ عمر ﵁ أن رجلًا يصوم الدهر، فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول: كل يا دهري، ومن طريق أبي إسحاق أن عبد الرحمن بن أبي نعيم كان يصوم الدهر فقال عمرو بن ميمون: لو رأى هذا أصحاب محمد ﷺ لرجموه، واحتجوا أيضًا بحديث أبي موسى رفعه: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم وعقد بيده" أخرجه أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان، وظاهره أنها تضيق عليه حصرًا له فيها لتشديده على نفسه وحمله عليها ورغبته عن سنة رسول الله ﷺ واعتقاده أن غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد فيكون حرامًا، وإلى الكراهة مطلقًا ذهب ابن العربي من المالكية فقال قوله: لا صام من صام الأبد، إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي ﷺ ، وإن كان معناه الخبر فيا ويح من أخبر عنه النبي ﷺ أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعًا لم يكتب له الثواب لوجوب صدق قوله ﷺ لأنه نفى عنه الصوم وقد نفى عنه الفضل كما تقدم فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النبي ﷺ اهـ من فتح الملهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة سادسًا في حديث ابن عمرو ﵄ فقال: ٢٦١٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي،
следующие страницы →