← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقيل الأولى البداية ببيان المضاف لأنه الأسبق في الذكر وقيل بل بالمضاف إليه لأنه أسبق في المعنى إذ لا يعلم المضاف إليه من حيث هو مضاف حتى يعلم ما أضيف إليه وهو أحسن لأن المعاني أقدم من الألفاظ وعليه فالإيمان لغة التصديق بأي شيء كان لأنه مصدر آمن الرباعي يقال آمن بالله وبرسوله يؤمن إيمانًا إذا صدقهما، وشرعًا التصديق بأشياء مخصوصة ستعرفها إنَّ شاء الله تعالى. وأما الكتاب فمن جملة التراجم التي يترجمون بها والتراجم بفتح الجيم جمع ترجمة والترجمة لغةً: تفسيرُ لغةٍ لمن لا يعرفها بلغة يعرفها، يقال: ترجم كلامه إذا فسره بلسان آخر ومنه الترجمان يجمع على تراجم كزعفران وزعافر بكسر الجيم وضمها لغة، واصطلاحًا إسم لألفاظ مخصوصة دالة على معان مخصوصة لها مبتدأ ومختتم وجملة التراجم التي يترجمون بها تسعة، الأول منها الكتاب هو لغة مصدر لكتب من باب نصر يقال كتب يكتب كتبًا وكتابًا وكتابة فلكتب ثلاثة مصادر الأول مجرد من الزيادة، والثاني مزيد بحرف، والثالث مزيد بحرفين وقالوا إنَّ الكتاب مشتق من الكتب واعترضهم أبو حيان بأن المصدر لا يشتق من المصدر وأجيب بأن المصدر المزيد يشتق من المجرد ومحل قولهم المصدر لا يشتق من المصدر إذا كانا مجردين أو مزيدين فلا ينافي أن المزيد يشتق من المجرد أي فالكتاب لغة مصدر بمعنى الضم والجمع يقال تكتبت بنو فلان إذا اجتمعت وانضم بعضهم إلى بعض ويقال كتب إذا خط بالقلم لما فيه من اجتماع الكلمات والحروف وانضمام بعضها إلى بعض وعطف الجمع على الضم من عطف الأعم على الأخص لأن الضم جمع مع تلاصق ولا يشترط في الجمع التلاصق فبينهما العموم والخصوص المطلق فكل ضم جمع ولا عكس، وقيل من عطف المرادف بناء على أنه لا يشترط في كل منهما التلاصق فبينهما الترادف، واصطلاحًا اسم لألفاظ مخصوصة دالة على جنس من الأحكام مشتملة على أبواب وفصول وفروع ومسائل غالبًا وقد لا يشتمل على ذلك. والثاني الباب وهو لغة فرجة في ساتر يتوصل بها من داخل إلى خارج ومن خارج إلى داخل واصطلاحًا اسم لألفاظ مخصوصة دالة على نوع من الأحكام مما دخل تحت الكتاب مشتملة على فصول وفروع ومسائل غالبًا، والثالث الفصل وهو لغة الحاجز بين الشيئين، واصطلاحًا اسم لألفاظ مخصوصة دالة على معان مخصوصة مما دخل تحت الباب مشتملة على فروع ومسائل، والرابع الفرع وهو لغة ما انبنى على غيره ويقابله

стр. 562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأصل، واصطلاحًا اسم لألفاظ مخصوصة دالة على معان مخصوصة مشتملة على مسائل مما دخل تحت الفصل، والخامس المسألة وهي لغة السؤال واصطلاحًا مطلوب خبري يبرهن عليه، أي يقام عليه البرهان في العلم كما في قولنا الوتر مندوب فثبوت الندب للوتر مطلوب خبري يقام عليه البرهان في العلم، والسادس التنبيه وهو لغة الإيقاظ واصطلاحًا اسم لكلام مفصل لاحق معلوم من كلام مجمل سابق أي اسم للفظ عُبر به عن البحث اللاحق المعلوم من البحث السابق إجمالًا، والسابع المقدمة وهي لغة ما تقدم أمام الشيء كمقدمة الجيش، واصطلاحًا اسم لألفاظ مخصوصة دالة على معان مخصوصة قُدمت أمام المقصود سواء كانت مقدمة كتاب كمقدمة هذا الجامع، أو مقدمة علم كمقدمة المبادئ العشرة، والثامن منها الخاتمة وهي لغة آخر الشيء واصطلاحًا اسم لألفاظ مخصوصة دالة على معانٍ مخصوصة جُعلت آخر كتاب أو باب، والتاسع منها التتمة وهي لغة كل ما يتم به الغير واصطلاحًا اسم لألفاظ مخصوصة دالة على معان مخصوصة جُعلت متممة لما قبلها من الكتاب أو الباب أو الفصل وهو قريب من معنى الخاتمة، والعاشر: الفائدة: وهي لغةً: كل ما استفيد من علم أر مال أو جاه، واصطلاحًا: اسم لجملة من العلم مشتملة على مسألة أو مسائل، فالكتاب كالجنس الحقيقي مثل الحيوان والباب مثل النوع كالإنسان والفرس، والفصل كالصنف مثل العرب والعجم، والمسائل مثل الأفراد كزيد وعمرو انتهى من حاشية البيجوري على شرح الغزي بتصرف وزيادة. وبالجملة فالكتاب أعم من الباب وهو أعم من الفصل وهو أعم من الفرع وهو أعم من المسألة اهـ منه أيضًا. وأما هذه الترجمة من جهة الإعراب فكتاب إما خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا الآتي كتاب الإيمان، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره كتاب الإيمان هذا محله، والأول هو المشهور أو مفعول لفعل محذوف تقديره خذ كتاب الإيمان أو إقرأه، وأما كونه مجرورًا بحرف جر محذوف تقديره انظر في كتاب الإيمان فهو شاذ لأنه يلزم عليه حذف حرف الجر وإبقاء عمله أو مفعول لاسم فعل محذوف تقديره هاك كتاب الإيمان، وقد بسطنا الكلام في الأوجه الجارية في إعراب التراجم في شرحنا مناهل الرجال على لامية الأفعال فراجعه إنَّ شئت فقد ذكرنا فيه سبعة أوجه من إعراب التراجم فكتاب الإيمان هنا اسم لألفاظ مذكورة في هذا الجامع من هنا إلى كتاب الطهارة فمن كتاب الإيمان.

стр. 563

١ - بَابُ بَيَان الإِيمَان وَالإِسْلامِ وَالإِحْسَان، وَوُجُوبِ الإِيمَان بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ مِنَ اللهِ تَعَالى، وَبَيَان الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ التَّبَرِّي مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ، وَإِغْلاظِ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِ ــ ١ - بَابُ بَيَان الإِيمَان وَالإِسْلامِ وَالإِحْسَان، وَوُجُوبِ الإِيمَان بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ مِنَ اللهِ تَعَالى، وَبَيَان الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ التَّبَرِّي مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ، وَإِغْلاظِ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِ وفي بعض النسخ بدل هذه الترجمة باب معرفة الإيمان والإسلام والقدر وعلامات الساعة، أي هذا باب معقود في بيان معنى الإيمان والإسلام والإحسان شرعًا فمقصود هذا الباب إيضاح معاني هذه الأسماء في الشرع دون اللغة، فإن الشرع قد تصرف فيها على ما يأتي بيانه، وأما معنى الإيمان لغة فقد تقدم لك، وأمّا الإسلام فهو لغة الاستسلام والانقياد، وأما الإحسان فهو لغة جعل الشيء حسنًا والإتيان به جيدًا يقال أحسن في كذا إذا أجاد فعله، وباب معقود في بيان وجوب الإيمان بالقدر أي بثبوت صفة القدر لله تعالى، والقدر بفتح الدال وإسكانها لغة مصدر قدرت الشيء إذا أحطت بمقداره واصطلاحًا عبارة عن تعلق علم الله وإرادته أزلًا بالكائنات قبل وجودها فلا حادث إلَّا وقد قدره أزلًا أي سبق علمه به، وتعلقت به إرادته قال السنوسي: وقيل إنَّ القضاء عبارة عن جمع الكائنات كلها في اللوح المحفوظ، والقدر عبارة عن إيجادها شيئًا فشيئًا، وقيل عكسه، ولهذا يُمثل الشيوخ القضاء والقدر على هذين القولين بصبرةٍ مجموعة ثم تفصيلها بالكيل شيئًا بعد شيء وقيل القضاء والقدر مترادفان، وقال القاضي عياض: وزعم كثير أن معنى القدر جبر الله تعالى للعبد على ما قدره وقضاه وليس كذلك اهـ قال الأبي: يريد القاضي وإنما هو ما تقدم من تعلق العلم فمجموع ما في القدر من الأقوال مع ما ذكره القاضي عن كثير أربعة. والقول بالقدر وإثباته كان عقيدة أهل الإسلام كلهم إلى أن ظهرت طائفة آخر زمن الصحابة فقالت: لا قدر في الأزل، وإنما الأمر أُنُفٌ بضم الهمزة والنون بمعنى مستأنف لم يسبق به قدر بمعنى أن الله تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها وإنما يعلمها بعد أن تقع، قال القاضي عياض: وقال بمذهب هذه الطائفة الجهمية وقوم من الرافضة وطائفة من المعتزلة، وهذا هو الجزء الثاني من أجزاء الترجمة وباب معقود أيضًا في بيان الدليل

стр. 564

قَال أَبُو الْحُسَينِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيرِيُّ ﵀: بِعَوْنِ اللهِ نَبْتَدِئُ، وَإِيَّاهُ نَسْتَكْفِي، ــ على وجوب التبري أي على وجوب البراءة ممن لا يؤمن ولا يعتقد بثبوت صفة القدر لله تعالى، وقطع العلاقة منه لأنه كافر، وهذا هو الجزء الثالث من أجزاء الترجمة، وفي بيان إغلاظ القول وتشديده في حقه أي في حق من لا يؤمن بالقدر بعدم قبول إنفاقه في سبيل الله تعالى، وجميع أعماله الصالحة، وهذا هو الجزء الرابع من أجزاء الترجمة، وهذا الباب هو الباب الأول من أبواب كتاب الإيمان كما أشرنا إليه بالترقيم. وبالسندين لنا المتصلين إلى المؤلف رحمه الله تعالى (قال أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري) أي المنسوب إلى قشير بوزن زبير بن كعب بن ربيعة أبي قبيلة من العرب كما في القاموس، وقدم الكنية على الاسم جريًا على مذهب الجمهور أنه إذا اجتمع الاسم والكنية يجوز تقديم الكنية على الاسم نحو: قال أبو بكر سعيد، وتأخيرها عنه نحو قال سعيد أبو بكر قال ابن عنقاء: والأصح أن تقديمها على الاسم حيث اجتمعا هو الراجح، وإن لم يجب، ولا سيما إذا أشعرت بمدح أو ذم لئلا يتوهم أنها لقب فإن قُصد الإشعار ابتداءً بتعظيم المسمى كما هنا وجب تقديمها لأنه مما يقصد به التعظيم ولا شيء فيها من معنى النعت، فإذا صُدرت عُلم أن المسمى معظم وأنها كنية لا لقب اهـ كواكب، وضابط الكنية هي ما صُدِّرت بأب أو أم كأبي بكر وأم كلثوم، وعُلم منه أن الكنية مجموع الاسمين المتضايفين لا ما بعد الأب والأم، وهذه الجملة القولية يحتمل كونها من كلام المؤلف رحمه الله تعالى على سبيل التجريد البديعي، وكونها من كلام بعض الراوة عنه، وأما قوله الآتي حدثني أبو خيثمة إلى آخر الكتاب فمقولٌ لقول محذوف معطوف على نبتدي تقديره قال أبو الحسين نبتدي بعون الله ونستكفي إياه فنقول: حدثني أبو خيثمة إلخ وقوله ﵀ جملة دعائية خبرية اللفظ إنشائية المعنى، فكأنه قال اللهم ارحمه وقوله (بعون الله) أي بمعونة الله وإمداده وتوفيقه لا بمعونة غيره متعلق بقوله (نبتدئ) قدمه عليه لإفادة الحصر والقصر أي قال أبو الحسين نريد أيها السائل بداية ما سألتني تأليفه بمعونة الله تعالى وتوفيقه، وكذلك تقديم المعمول على عامله في قوله (وإياه) (نستكفي) في طلب المعونة، الغرض منه إفادة الحصر وفي المختار كفاه مؤونته يكفيه كفاية وكفاه الشيء واكتفى به واستكفيته الشيء فكفانيه. اهـ أي نكتفي بالله في طلب الإعانة على هذا

стр. 565

وَمَا تَوْفِيقُنَا إِلَّا بِاللهِ ﷻ . ١ - (٨) حَدَّثَنِي أَبُو خَيثَمَةَ زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، ــ التأليف ولا نطلب المعونة من غيره تعالى، وجملة قوله (وما توفيقنا) وإقدارنا على هذا التأليف حاصل (إلا بـ) ـحول (الله) وقوته ، حال من فاعل نبتدئ وما مهملة لانتقاض نفيها بإلا والتوفيق خلق قدرة الطاعة في العبد وتسهيل سبيل الخير له، وضده الخذلان وهو خلق قدرة المعصية في العبد وتمكين سبيل الشر له وقوله (جل) وتنزه وتقدس (جلاله) وعظمته عن كل ما لا يليق به تعالى من سمات الحدوث والنقص جملة تنزيهية ساقها لتنزيهه تعالى عما لا يليق به. (تتمة) فإن قلت إنَّ قوله بعون الله نبتدئ معترض بأنه لا يصدق عليه أنه ابتدأ بكتاب الإيمان لأنه كتب قبله بأوراق كثيرة (قلت) مراده بالبداية هنا البداية بما هو المقصود الأصلي من التأليف وهو جمع الأحاديث المرفوعة في كتاب مؤلف لأنه المسؤول لسائله وما قبله ليس مقصودًا أصليًّا له ولذلك أعرض عن الكلام فيه بعض الشراح. أي قال أبو الحسين رحمه الله تعالى بعون الله نبتدئ فنقول: (١) - ص ص (٨) (حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب) بن شداد الحرشي بفتح المهملتين بعدهما شين معجمة مولاهم النسائي الحافظ نزيل بغداد، روى عن جرير بن عبد الحميد وهشيم وابن عيينة وحفص بن غياث وخلق، ويروي عنه (خ م د ق) مباشرة و (س) بواسطة وأبو يعلى وله في البخاري ومسلم أكثر من ألف حديث، وقال في التقريب: ثقة ثبت روى عنه مسلم أكثر من ألف حديث من العاشرة مات في ربيع الآخر سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين وهو ابن أربع وسبعين سنة. قال ابن منجويه: روى عنه الإمام مسلم في جامعه مباشرة في عشرين بابا (٢٠) روى عنه في: (١) كتاب الإيمان عن وكيع وإسماعيل بن علية، وروى عنه في (٢) باب الوضوء عن جرير بن عبد الحميد ويزيد بن هارون وعمر بن يونس الحنفي وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعبد الصمد بن عبد الوارث وهاشم بن القاسم ويعقوب بن إبراهيم بن سعد وأبي الوليد الطيالسي وعفان بن مسلم وإسحاق الأزرق وحجين بن المثنى وعبد الله بن نمير وروح بن عبادة، وروى عنه في (٣) باب الصلاة عن أبي معاوية

стр. 566

حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ــ ومعاذ بن هشام وأبي عامر العقدي وعبد الله بن يزيد المقرئ وعبد الرحمن بن مهدي، وعنه في (٤) باب الجنائز عن الضحاك بن مخلد ومحمد بن فضيل وشبابة بن سوار ومروان بن معاوية وأبي أحمد الزبيري وحسين بن محمد وعبد الله بن إدريس ومحمد بن عبيد وعنه في (٥) باب الزكاة عن علي بن حفص، وعنه في (٦) الجهاد والزكاة أيضًا عن حجاج بن محمد، وعنه في (٧) باب الحج عن عبدة بن سليمان والحسن بن موسى والوليد بن مسلم ووهب بن جرير وعثمان بن عمر، وعنه في (٨) باب الطلاق عن هشيم بن بشير، وعنه في (٩) باب اللعان عن إسحاق بن عيسى، وعنه في (١٠) باب الإيمان واللباس عن إسماعيل بن أبي أويس، وفي (١١) باب حق المماليك عن محمد بن حميد العمري، وعنه في (١٢) باب الضحايا عن معن بن عيسى، وعنه في (١٣) باب اللباس أيضًا عن زيد بن الحباب، وعنه في (١٤) باب الطب عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، وعنه في (١٥) باب صفة النبي ﷺ عن حبان بن هلال، وعنه في (١٦) باب الفضائل عن عمرو بن عاصم ويونس بن محمد وأحمد بن إسحاق الحضرمي، وعنه في (١٧) باب التوبة عن أبي نعيم الفضل بن دكين، وعنه في (١٨) باب الأمثال عن بشر بن السري، وعنه في (١٩) باب الفتن عن معلي بن منصور، وعنه في (٢٠) باب تشميت العاطس عن القاسم بن مالك فجملة الأبواب التي روى فيها مسلم عن زهير بن حرب عشرون بابا اهـ بتصرف. قال زهير بن حرب (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح بوزن فصيح الرؤاسي أبو سفيان الحافظ الكوفي من قيس عيلان، أحد الأئمة الأعلام تقدمت ترجمته في أوائل المقدمة، وقال في التقريب: ثقة حافظ عابد من التاسعة مات في آخر سنة (١٩٦) ست وتسعين ومائة، ويقال إنَّ أصل وكيع من نيسابور من قرية من قرى أستوا مات بفيد منصرفًا من الحج وكان حافظًا متقنًا اهـ أصبهاني. وقال أحمد: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع ولا أحفظ منه، وقال مرة: كان مطبوع الحفظ وكان وكيع حافظًا حافظًا وكان أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي كثيرًا كثيرًا اهـ. وقال ابن منجويه: روى عنه الإمام مسلم بواسطة في (١) كتاب الإيمان وفي (٢)

стр. 567

عَنْ كَهْمَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، ــ باب الوضوء وفي (٣) الصلاة وفي (٤) الدعاء وفي (٥) الأشربة وفي (٦) الصوم وفي (٧) الجنائز وفي (٨) الحج وفي (٩) الأحكام وفي (١٠) النكاح وفي (١١) البيوع وفي (١٢) القدر وفي (١٣) الجهاد وفي (١٤) الفتن وفي (١٥) البر وفي (١٦) الزهد فجملة الأبواب التي روى فيها مسلم عن وكيع بن الجراح ستة عشر بابا تقريبًا. وروى وكيع (عن كهمس) بفتح الكاف والميم وإسكان الهاء بينهما آخره سين مهملة ابن الحسن التميمي من النمر بن قاسط أبي الحسن البصري كان نازلًا في بني قيس بالبصرة روى عن أبي الطفيل وضريب بن نقير مصغرين وعبد الله بن بريدة وعبد الله بن شقيق وخلق، ويروي عنه (ع) وجعفر بن سليمان وابن المبارك ووكيع ومعتمر بن سليمان وعدة، وثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: ثقة من الخامسة مات سنة (١٤٩) تسع وأربعين ومائة قال ابن منجويه روى عنه مسلم بواسطة في كتاب الإيمان والجهاد والذبائح وفي الصلاة والصوم فجملة الأبواب التي روى فيها مسلم عن كهمس بن الحسن خمسة ولكن في الصلاة في موضعين (عن عبد الله بن بريدة) مصغرًا ابن حصيب مصغرًا أيضًا الأسلمي أبي سهل المروزي قاضي مرو أخي سليمان بن بريدة كانا توأمين ولد عبد الله قبل سليمان، روى عن أبيه وابن مسعود وابن عباس وابن عمر، ويروي عنه (ع) وابناه سهل وصخر وقتادة ومحارب بن دثار وخلق وثقه ابن معين وأبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة، قال ابن حبان: مات سنة (١١٥) خمس عشرة ومائة وهو ابن مائة سنة (١٠٠) له في (خ) فرد حديث من روايته عن أبيه. وقال ابن منجويه: روى عنه مسلم بواسطة في (١) كتاب الإيمان وفي (٢) باب الدعاء وفي (٣) كتاب الصلاة في موضعين وفي (٤) الجنائز في موضعين وفي (٥) الجهاد وفي (٦) الحدود وفي (٧) الذبائح وفي (٨) الفتن فجملة الأبواب التي روى فيها الإمام مسلم عن عبد الله بن بريدة ثمانية أبواب. (عن يحيى بن يعمر) بفتح الميم ويقال بضمها وهو غير مصروف لوزن الفعل والعلمية من بني عوف بن بكر بن أسد بن يشكر بن عدوان أبو سليمان، ويقال أبو سعيد ويقال أبو عدي البصري ثم المروزي قاضيها ولاه قتيبة بن مسلم، روى عن ابن عمر وأبي هريرة وعثمان وعلي وعمار وأبي ذر وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري

стр. 568

ح وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ - وَهَذَا حَدِيثُهُ - حَدَّثَنَا أَبِي، ــ وعائشة وجماعة، ويروي عنه (ع) ويحيى بن عقيل وسليمان التيمي وعبد الله بن بريدة وقتادة وعكرمة وعطاء الخراساني وغيرهم، وثقه أبو حاتم والنسائي، وقال في التقريب: ثقة فصيح وكان يرسل من الثالثة مات قبل المائة بخراسان وقيل بعدها، وقال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور يحيى بن يعمر فقيه أديب نحوي مبرز أخذ النحو عن أبي الأسود نفاه الحجاج إلى خراسان فقبله قتيبة بن مسلم وولاه قضاء خراسان، وقال ابن منجويه: روى الإمام مسلم عن يحيى بن يعمر في كتاب الإيمان وفي كتاب الصلاة في موضعين وفي القدر وفي الدعاء فجملة الأبواب التي روى فيها مسلم عن يحيى بن يعمر أربعة. وهذا السند من سباعياته مع ابن عمر وعمر بن الخطاب، ومن لطائفه أن فيه رواية بغدادي عن كوفي عن بصري عن مروزيين وفيه رواية الولد عن والده وحكمه الصحة. (خ) أي حول المؤلف رحمه الله تعالى من الإسناد الأول إلى إسناد آخر فقال (وحدثنا عبيد الله بن معاذ) بن معاذ بن نصر بن حسان بن الحر بن مالك التميمي (العنبري) من ولد كعب بن العنبر أبو عمرو الحافظ البصري تقدمت ترجمته، وقال في التقريب: ثقة حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣٧) سبع وثلاثين ومائتين. وقال ابن منجويه روى عنه الإمام مسلم مباشرة في كتاب الإيمان وفي الصلاة والزكاة والحج وغيرها من أبواب عديدة (وهذا) الحديث الآتي (حديثه) أي لفظ حديث عبيد الله بن معاذ، ولفظ روايته، وأما زهير بن حرب فروى معناه لا لفظه الآتي أشار بذلك إلى أن هذا الحديث متفق عليه بينهما في المعنى لا في اللفظ، لأن زهيرًا رواه بلفظ آخر وغرضه بذكر هذه الجملة التورع من الكذب على زهير بن حرب كما سيأتي. قال عبيد الله بن معاذ (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ التميمي العنبري أبو المثنى البصري الحافظ قاضي البصرة، روى عن سليمان التيمي وحُميد وابن عون وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأحمد وإسحاق وأبو خيثمة وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة وخلق، قال القطان: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ، وقال في التقريب: ثقة متقن من كبار التاسعة مات سنة (١٩٦) ست وتسعين ومائة، وولد سنة (١١٩) تسع

стр. 569

حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ عَنِ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ــ عشرة ومائة في آخرها، وهو أسن من يحيى بن سعيد بشهرين، وقال ابن منجويه: روى عنه الإمام مسلم في (١) كتاب الإيمان وفي (٢) كتاب الصلاة في موضعين وفي (٣) الجنائز و (٤) الزكاة و (٥) البيوع و (٦) الحدود و (٧) الديات و (٨) الضحايا و (٩) الدعاء و (١٠) الرحمة فجملة الأبواب التي روى فيها الإمام مسلم عن معاذ بن معاذ عشرة تقريبًا، ومن لطائف هذا السند أن فيه رواية بصري عن بصري وولد عن والد، وغرضه بهذا التحويل بيان متابعة معاذ بن معاذ لوكيع في رواية هذا الحديث عن كهمس وفائدة هذا التحويل مجرد بيان كثرة طرقه لأن كلًّا من المُتابع والمتابَع ثقة، قال معاذ بن معاذ (حدثنا كهمس) بن الحسن (عن) عبد الله (بن بريدة) أتى بهذا الراوي لبيان لفظ رواية عبيد الله فإنه لم يصرح لفظ عبد الله وتحرزًا من الكذب عليه وإلا فلا حاجة إلى ذكر ما بعد شيخ المتابع كما هو القاعدة عندهم وقوله في السند الأول (عن يحيى بن يعمر) حشو لا حاجة إلى ذكره كما سيأتي جميع ذلك في الفصل الآتي. (فصل) في بيان دقائق هذا السند ولطائفه (واعلم) أن مسلمًا رحمه الله تعالى سلك في هذا الجامع طريقة في نهاية الحسن في الإتقان والاحتياط والتدقيق والتحقيق مع الاختصار البليغ والإيجاز البديع دالة على غزارة علمه ودقة نظره وحذقه وذلك يظهر في الإسناد تارة، وفي المتن تارة وفيهما تارة، فينبغي للناظر في كتابه أن يتفطن لما ذكرته، فإنه يرى عجائب من النفائس وغرائب من الدقائق، وبدائع من اللطائف تقر بآحاد أفرادها عينه وينشرح لها صدره وتنشطه للاشتغال بهذا العلم. (واعلم) أيضًا أنه لا يعرف أحد شارك مسلمًا في هذه النفائس التي يشير إليها من دقائق علم الإسناد، وكتاب البخاري وإن كان أصح وأجل وأكثر فوائد في الأحكام والمعاني فكتاب مسلم قد اختص بلطائف من علم الإسناد وزوائد يمتاز بها تجده يتحراها فمنها: أنه قال أولًا: حدثني أبو خيثمة ثم قال في الطريق الآخر وحدثنا عبيد الله بن معاذ ففرق لورعه واحتياطه بين حدثني وحدثنا لأن الأول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ، والثاني فيما سمعه منه مع غيره وفي ذلك تنبيه على القاعدة المعروفة عند أهل هذه الصنعة التي ذكرناها سابقًا وهي أنه يقول فيما سمعه من لفظ الشيخ وحده حدثني، وفيما سمعه منه

стр. 570

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مع غيره حدثنا، وفيما قرأه وحده على الشيخ أخبرني، وفيما قُرئ بحضرته في جماعة على الشيخ أخبرنا، وهذا اصطلاح معروف عندهم وهو مستحب عندهم، ولو تركه وأبدل حرفًا من ذلك بآخر صح السماع، ولكن ترك الأولى. ومنها: أنه قال في الطريق الأول: حدثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر، ثم في الطريق الثاني أعاد الرواية عن كهمس عن ابن بريدة عن يحيى فقد يقال هذا تطويل لا يليق بإتقان مسلم واختصاره، فكان ينبغي أن يقف في الطريق الأول على وكيع ويجمع معاذًا ووكيعًا في الرواية عن كهمس عن ابن بريدة والجواب عنه أن مسلمًا رحمه الله تعالى لدقة نظره وعظيم إتقانه وشدة احتياطه وخوفه من الله تعالى رأى أن الاختصار هنا يحصل به خلل، وذلك أن وكيعًا في هذا السند قال عن كهمس ومعاذًا قال حدثنا كهمس وقد عُلم مما قدمناه في باب المعنعن أن العلماء قد اختلفوا في الاحتجاج بالمعنعن، ولم يختلفوا في المتصل بحدثنا، فاتى مسلم رحمه الله تعالى بالروايتين كما سمعنا ليُعرف المتفق عليه من المختلف فيه وليكون راويًا باللفظ الذي سمعه ولهذا في كتابه نظائر. قلت: وهذا من أظهر دليل على شدة ورعه رحمه الله تعالى، فإن مذهبه على ما سبق أن المعنعن والمتصل بلفظ حدثنا واحد، بل قدَّم الإجماع على ذلك فيما سبق ومع هذا لم يتركه الورع أن يبدل لفظ الراوي بما هو بمعناه عنده فلله دره ما أزكاه من ورع والله أعلم. ومنها أنه في رواية وكيع قال عن عبد الله بن بريدة، وفي رواية معاذ قال عن ابن بريدة ولم يسمه فلو أتى بأحد اللفظين عنهما معًا حصل الخلل فإنه إنَّ قال ابن بريدة لم يُدْرَ اسمُه، وهل هو عبد الله أو أخوه سليمان بن بريدة، وإن قال عبد الله بن بريدة كان كاذبًا على معاذ فإنه ليس في روايته عبد الله. وأما قوله في الراوية الأولى عن يحيى بن يعمر فلا يظهر لذكره أولًا فائدة، وعادة مسلم وغيره في مثل هذا أن لا يذكروا يحيى بن يعمر في الطريق الأول لأن الطريقين اجتمعا في ابن بريدة ولفظهما عنه بصيغة واحدة وهي العنعنة. قال النووي: إلَّا أني رأيت في بعض النسخ في الطريق الأولى عن يحيى فحسب

стр. 571

قَال: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، ــ وليس فيها ذكر ابن يعمر، فإن صح هذا فهو مزيل للاعتراض الذي ذكرناه، فإنه يكون فيه فائدة كما قررناه في ابن بريدة والله أعلم. ومنها قوله (وحدثنا عبيد الله بن معاذ وهذا حديثه) فهذه عادة لمسلم رحمه الله تعالى، وقد أكثر منها وقد استعملها غيره قليلًا، وهي دالة على تحقيقه وشديد ورعه واحتياطه ومقصوده بيان أن الروايتين اتفقتا في المعنى، واختلفتا في بعض الألفاظ، وهذا لفظ فلان، والآخر بمعناه والله أعلم. وأما قوله (ح) بعد يحيى بن يعمر في الرواية الأولى فهي حاء التحويل من إسناد إلى إسناد آخر، وقد قدمنا ما قيل فيها مع ردنا عليه، هذا ما يتعلق بالإسناد. (قال) يحيى (كان أول من قال) وخاض (في) نفي (القدر بالبصرة معبد الجهني) وقوله (أول) بالنصب خبر كان مقدم على اسمها، وقال بمعنى خاض وقوله (في القدر) على حذف مضاف تقديره في نفي القدر وإنكاره، والمعنى كان معبد الجهني أول من قال بنفي القدر، وخاض فيه فابتدع وخالف الصواب الذي عليه أهل الحق، قال الأبي: قيل إنَّ معبدًا هو أول من قال بالقدر، وهو ظاهر ما للآمدي، وقيل بل قيل قبله بمكة وهو ظاهر ما للثعالبي فإنه قال احترقت الكعبة وابن الزبير محصور بمكة من قبل يزيد بن معاوية، وهو أول يوم قيل فيه بالقدر، فقال أناس: احترقت بقدر الله تعالى، وقال أناس: لم تحترق بقدره، وكان سبب احتراقها أن أصحاب ابن الزبير كانوا يوقدون النار حول الكعبة فطارت شرارة فأحرقت الأستار فاحترقت، وقيل إنَّ بعض أصحابه رفع نارًا على رمح فطارت الشرارة فاحترقت، وقال الأبي: فقوله بالبصرة على الأول في موضع الحال من معبد، أي كان معبد أول من قال بنفي القدر حالة كونه بالبصرة، وعلى الثاني متعلق بقال، والباء بمعنى في الظرفية، والتقدير أول من قال في البصرة بنفي القدر معبد. وقوله (بالقدر) القدر مصدر قَدَرْتُ الشيء بتخفيف الدال أقدره بكسرها وأقدره بضمها من بابي ضرب ونصر قدرًا بفتح أوله وسكون ثانيه وقدرًا بضمه وسكونه إذا أحطت بمقداره، ويقال فيه قدّرت أقدّر تقديرًا مشدد الدال للتضعيف، فإذا قلنا إنَّ الله تعالى قدر الأشياء فمعناه أنه تعالى علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه فلا مُحْدَث في العالم العلوي والسفلي إلَّا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم من دين

стр. 572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السلف الماضين، والذي دلت عليه البراهين، وقد حكى أرباب المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون البارئ سبحانه عالمًا بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد وقوعها، وقالوا: لأنه لا فائدة لعلمه بها قبل إيجادها وهو عبثٌ، وهو على الله محال. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقد روي عن مالك أنه فسر مذهب القدرية بنحو ذلك، وهذا المذهب هو الذي وقع لأهل البصرة وهو الذي أنكره ابن عمر، ولا شك في تكفير من يذهب إلى ذلك فإنه جحد معلومًا من الشرع ضرورة ولذلك تبرأ ابن عمر منهم، وأفتى بأنهم لا تقبل منهم أعمالهم ولا نفقاتهم، وأنهم كما قال تعالى فيهم: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٤٥] وهذا المذهب هو مذهب طائفة منهم تسمى السُّكَيتية، وقد تُرك اليوم فلا يعرف من ينسب إليه من المتأخرين من أهل البدع المشهورين. والقدرية اليوم مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، ومعنى القدر عند القائلين به اليوم أن أفعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم بقدرتهم ومشيئتهم على جهة الاستقلال وأنها ليست مقدورة لله تعالى، ولا مخلوقة له، وهو مذهب مبتدع باطل بالأدلة العقلية والسمعية المذكورة في كتب أئمتنا المتكلمين اهـ قرطبي. (والبصرة) بفتح الباء وضمها وكسرها ثلاث لغات حكاها الأزهري والمشهور الفتح، ويقال لها البُصيرة بالتصغير، قال صاحب المطالع: ويقال تدمر، ويقال لها المؤتفكة لأنها ائتفكت بأهلها في أوائل الدهر، والنسبة إليها بصري، بفتح الباء وكسرها وجهان مشهوران، قال السمعاني: يقال البصرة قبة الإسلام وخزانة العرب بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ بناها سنة سبع عشرة (١٧) من الهجرة وسكنها الناس سنة ثماني عشرة، ولم يُعبد الصنم قط على أرضها هكذا كان يقول لي أبو الفضل عبد الوهاب بن أحمد بن معاوية الواعظ بالبصرة، قال أصحابنا: والبصرة داخلة في أرض سواد العراق، وليس لها حكمه والله أعلم اهـ نووي. (معبد) معبد هذا هو معبد بن عبد الله بن محمد، وقيل معبد بن خالد والصحيح أن لا يُنسب، وهو بصري كان من جلساء الحسن، قتله الحجاج بن يوسف صبرًا، قال الأبي: إنما قتل وصلب بسبب هذه البدعة اهـ، روى عن عمر مرسلًا، وعن عمران،

стр. 573

فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّينِ أَوْ مُعْتَمِرَينِ، ــ ويروي عنه قتادة ومالك بن دينار وعوف الأعرابي، قال أبو حاتم: وكان صدوقًا في الحديث ورأسًا في القدر، قدم المدينة فأفسد فيها ما شاء الله تعالى، وقال يحيى بن معين هو ثقة اهـ قرطبي (الجهني) بضم الجيم أي المنسوب إلى جهينة ولكن لم يكن جُهنيا، وإنما نزل بجهينة فنسب إليها، وجهينة اسم قبيلة من قضاعة لأنه جهينة بن سود بضم السين بن أسلم بضم اللام بن الحاف بن قضاعة نزلت الكوفة، وبها محلة تنسب إليهم وبقيتهم نزلت البصرة، قال السمعاني: وممن نزل جهينة فنسب إليهم معبد الجهني ثم اختلفوا في قضاعة فقال الأكثر: إنه ابن معد بن عدنان، وعدنان من ذرية إسماعيل ﵇، وقيل هو ابن مالك بن حمير، وحمير يمن، واليمن ليست من ذرية إسماعيل لأن يمنًا هو يعرب بن قحطان بن عبد الله بن هود ﵇ وإنما سُمي يمنًا لقول هود ﵇ له أنت أيمَنُ وَلَدَي نَقِيبَةَ، ونقيبة: اسم زوجة هود، لها منه ولدان، فالعرب عربان: يمينية وإسماعيلية، ومن يجعل العرب كلها من إسماعيل يقول في يمن إنه ابن قيدر بن إسماعيل، والصحيح أنه ابن قحطان، واحتج من قال إنه ابن معد بحديث عائشة ﵂ قالت: سئل النبي ﷺ عن قضاعة فقال: "هو ابن معد" وكان بكره، وبقول زهيرٍ: قضاعية أو أختها مضرية فجعل قضاعة ومضر أخوين، ومضر هو ابن نزار بن معد، واحتج من قال إنَّه ابن مالك بحديث عقبة بن عامر الجهني قال: قلت ممن نحن يا رسول الله؟ قال: "من مالك بن حمير" وبقول أبي مريم الصحابي: نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر ... قضاعة بن مالك بن حمير وقد تعارض القولان في قضاعة، وذكر ابن الكلبي ما يُوفق بينهما فقال: فارق مالك بن حمير زوجته عُكرة وهي حامل منه فتزوجها معد وقد ولدت قضاعة، وقيل ولدته على فراشه فنسب إليه اهـ الأبي. قال يحيى بن يعمر (فانطلقت) أي ذهبت (أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري) أي المنسوب إلى حمير أبي قبيلة باليمن، أي خرجنا من البصرة إلى مكة حالة كوننا (حاجين) أي قاصدين الحج (أو) قال (معتمرين) أي قاصدين العمرة، وأكد ضمير

стр. 574

فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلاءِ فِي الْقَدَرِ، ــ الفاعل في انطلقت بقوله: أنا ليصح عطف ما بعده عليه كما قال ابن مالك في الخلاصة: وإن على ضمير رفع متصل ... عطفت فافصل بالضمير المنفصل أي لأن المتصل المرفوع كالجزء مما اتصل به، فلو عطف عليه كان كالعطف على جزء الكلمة فإذا أكد بالمنفصل دل إفراده مما اتصل به بالتأكيد على انفصاله في الحقيقة فحصل له نوع استقلال، ولم يجعل العطف على هذا التوكيد لأن المعطوف في حكم المعطوف عليه، فكان يلزم كون المعطوف تأكيدًا للضمير المتصل وهو باطل اهـ صبان. وأما حميد بن عبد الرحمن فهو الحميري بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم وفتح الياء منسوب إلى حمير بن سبأ بن يشجب البصري، روى عن أبي بكرة وابن عمر وأبي هريرة وابن عباس ﵃ وثلاثة من ولد سعد وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابنه عبيد الله ومحمد بن المنتشر وعبد الله بن بريدة ومحمد بن سبرين وأبو بشر وأبو التياح، وداود بن أبي هند وغيرهم قال العجلي: بصري ثقة، وقال في التقريب: ثقة فقيه من الثالثة، روى عنه المؤلف بواسطة في كتاب الإيمان وفي الصوم والوصايا واللباس قوله (حاجين أو معتمرين) هكذا في الرواية الصحيحة بـ (ـأو) التي للشك فكأنه عرض ليحيى شك في حالهما، هل كانا حاجين أو كانا معتمرين، وبأنه وقع في بعض النسخ حاجين ومعتمرين بالواو الجامعة على أنهما كانا قارنين وفيه بُعدٌ والصحيح الأول والله أعلم اهـ من المفهم، قال يحيى بن يعمر (فقلنا) أي فقلت أنا وحميد بن عبد الرحمن أي قال أحدنا للآخر (لو لقينا) أي ليت لقاءنا ورؤيتنا (أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ موجود لنا وقوله (فسألناه) أي سألنا ذلك الأحد (عما يقول هولاء) أي عن حكم ما يقول هؤلاء المبتدعة الظاهرة في البصرة (في) شأن (القدر) من نفيه وإنكاره، هل هو مذهب صحيح أم لا، والمعنى نتمنى لقاءنا واحدًا ممن صحب رسول الله ﷺ فسؤالنا إياه عن حكم ما يقولون في القدر من نفيه هل له أصل صحيح أم لا؟ فلو هنا للتمني، ويصح كونها شرطية جوابها قوله فسألناه، والفاء زائدة في جوابها

стр. 575

فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ (١) دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلامَ إِليَّ، ــ (فوفق) بضم الواو وكسر الفاء المشددة (لنا عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄، قال صاحب التحرير معناه: جُعل عبد الله بن عمر وفقًا لنا أي موافقًا مصادفًا لنا وهو من الموافقة التي هي كالالتحام، يقال: أتانا لتيفاق الهلال وميفاقه أي حين أهلَّ لا قبله ولا بعده، وهي لفظة تدل على صدق الاجتماع والالتئام وفي مسند أبي يعلى الموصلي فوافق لنا بزيادة ألف والموافقة المصادفة اهـ نووي بتصرف. قدر لنا موافقة عبد الله بن عمر ومصادفته والاجتماع معه بغتة حالة كون عبد الله (داخلًا المسجد) الحرام (فـ) ـلما رأيناه (اكتنفته أنا) أي جئت أنا عبد الله بن عمر من إحدى كنفيه وناحيتيه وجهتيه (و) اكتنفه (صاحبي) أي جاءه صاحبي من كنفه وجانبه الآخر وأكد الضمير المتصل بالمنفصل ليصح العطف عليه كما مر قريبًا يعني صرنا في ناحيتيه أي بجانبيه ثم فسر بقوله جاءه (أحدنا عن) جهة (يمينه و) جاءه (الآخر عن) جهة (شماله) وكنفا الطائر جناحاه وفي هذا تنبيه على أدب الجماعة في مشيهم مع فاضلهم وهو أنهم يكتنفونه ويحفون به احترامًا له وتأدبًا معه. قال القرطبي: مشيا معه كذلك لأنها مشية المتأدب مع من يعظَّم لأنهما لو مشيا أمامه منعاه المشي ولو مشيا من جهة واحدة كلفاه النظر إليهما وكانت هذه الهيئة أحسن ما أمكنهما. قال السنوسي: (قلت) إنما يتكلف النظر إليهما لو كانا يكلمانه معًا بل الظاهر أنهما اكتنفاه ولم يكونا من جهة واحدة لئلا يفوت المتطرف منهما سماع صوته لبعده. اهـ قال يحيى بن يعمر (فظننت أن صاحبي) ورفيقي حميد بن عبد الرحمن (سيكل الكلام) أي يفوض شأن المكالمة مع عبد الله بن عمر وسؤاله عما يقول هؤلاء في القدر (إلي) أي إلى نفسي أي حسبت أن صاحبي يسكت ويفوض الكلام مع عبد الله بن عمر إلي ويتركه لي لإقدامي وجرأتي وبسطة لساني فقد جاء عنه رواية لأني كنت أبسط لسانًا منه. اهـ نووي. وهذا اعتذار منه عن توهم اعتراض ينسب إليه من عدم المبالاة بصاحبه واستئثار

стр. 576

فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١)؛ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ ــ نفسه عليه بالمسابقة إلى الكلام فبين وجه اعتذاره عن ذلك، وذلك أنه علم من صاحبه أنه يأكل الكلام إليه إما لكونه أسن منه أو لكونه أحسن منه سؤالًا وأبلغ بيانًا وأبسط لسانًا، وإما لحياءٍ يلحق صاحبه يمنعه من السؤال، وإما إيثارًا له والله أعلم. اهـ قرطبي مع زيادة. قال يحيى بن يعمر (فقلت) أنا لعبد الله بن عمر مخاطبًا له بكنيته احترامًا له وتعظيمًا (يا أبا عبد الرحمن) كنية عبد الله بن عمر. وفي اقتصاره على الكنية دليل على ما كان عليه السلف من الاقتصاد في كلماتهم وترك الإطراء والمدح وإن كان حقًّا، فقد كان ابن عمر من أعلم الناس وأفضلهم، وابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ومع ذلك فلم يمدحوه بشيء من ذلك مع جلالته، ولا أطروه محاسبة منهم لأنفسهم على ألفاظهم، واكتفاء بما يُعلم من فضائل الرجل عن القول والمدح الذي يخاف منه الفتنة على المادح والممدوح. (إنه) أي إنَّ الشأن والحال (قد ظهر قبلنا) أي في ناحيتنا وجانبنا في البصرة (ناس) أي طائفة من المبتدعة أي فشا مذهبهم وانتشر في البصرة وهو من الظهور الذي يضاد الخفاء (يقرؤون القرآن) أحسن القراءة ويجودونه لاعتنائهم بالقرآن، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة لناس على القاعدة المشهورة أن الجمل والظروف إذا وقعت بعد النكرات تكون صفة وإذا وقعت بعد المعارف تكون حالًا غالبًا وقوله (ويتقفّرون العلم) معطوف على يقرؤون، قال النووي: وهذه اللفظة بتقديم القاف وتأخير الفاء أي يتتبعون العلم ويطلبونه لشدة اهتمامهم بالعلم، يقال اقتفر أثره إذا تتبعه هذا هو المشهور، وقيل معناه يجمعون العلم، ورواه أبو العلاء بن ماهان (يتفقرون) بتقديم الفاء على القاف ومعناه يبحثون عن أسراره ويستخرجون غوامضه ومن طريق ابن الأعرابي (يتقفون) بتقديم القاف على الفاء مع الواو بدلًا من الراء من قفوته إذا تتبعته، ومنه سميت القافة لتتبعها الآثار، قال تعالى ﴿وَقَفَّينَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ وكل متقارب المعنى ولبعضهم (يتقعرون) بالعين أي يطلبون قعره أي غامضه ومنه تقعر في كلامه إذا أتى بالغريب منه وفي رواية أبي يعلى الموصلي (يتفقهون) بزيادة الهاء أي يتعلمون العلم.

стр. 577

الْعِلْمَ -وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ- ــ قال الأبي: فاللغات خمس روي الحديث منها بالأوليين وإنما كانت رواية ابن ماهان أشبه بسياق الحديث لأن تفقر بتقديم الفاء هي بمعنى بحث وبحث أخص من طلب وهذه الطائفة كانت من الذكاء وصحة القريحة بمنزلة رفيعة لأن معنى (وذكر من شأنهم) عظم أمرهم وشأنهم في العلم بحيث يكترث بقولهم وإذا كانوا كذلك فالأشبه أن يُعَبَّر عنهم بما معناه يبحثون لا يطلبون انتهى. (وذكر) يحيى بن يعمر (من شأنهم) أي من شأن هؤلاء المبتدعة وحالهم ووصفهم بالفضيلة في العلم والاجتهاد في تحصيله والاعتناء به، قال السنوسي: ففيه حذف المفعول تعظيمًا له بالإبهام أي ذكر من شأنهم في البحث عن العلم واستخراج غوامضه شيئًا عظيمًا أو بالتعميم لتذهب النفس فيه كل مذهب ممكن ويحتمل أن يكون الغرض في حذفه صون اللسان عن ذكره ويكون المعنى وذكر من شأنهم في نفي القدر والابتداع في العقائد ما يجب أن يصان اللسان عن ذكره، وقال النووي: وهذه الجملة من كلام بعض الرواة الذين دون يحيى بن يعمر والظاهر أنه من كلام ابن بريدة الراوي عن يحيى مباشرة انتهى. وقال القرطبي: وإنما ذكر له ما ذكر من أوصافهم تنبيهًا له على الاعتناء بمقالتهم والبحث عنها ليوضح أمرها فإن كلامهم قد وقع من القلوب بالموقع الذي لا يزيله إلَّا إيضاح بالغ وبرهان واضح ولما فهم ابن عمر ذلك أفتى بإبطال مذهبهم وفساده وحكم بكفرهم وتبرأ منهم واستدل على ذلك بالدليل القاطع عنده من الحديث المرفوع. وعبارة السنوسي والغرض من وصفهم بالاجتهاد في العلم والتوسع فيه الموجب لهم القدوة وتقليد الغير المبالغة في استدعاء ابن عمر ﵄ لاستفراغ الوسع في النظر فيما يزعمون لأن أقوال الأغبياء قد لا يهتم العلماء بشأنها ويكتفون في ردها بأدنى نظر فجواب ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بعد تلك الأوصاف من أثبت شيء وأحقه، وقد يكون الغرض في ذكر ما وصفهم به من العلم وكونهم مع ذلك يزعمون ما يزعمون إظهار التشكي والتلهف بما نال المسلمين من مصيبتهم، إلَّا أن هذا إنما يحسن إذا كان ابن عمر قد أحس ببدعتهم وسوء نظرهم، وإنما سأل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ليحقق العلم من معدنه، ويرسخ ما كان في رويته، وهذا هو الظاهر إذ يبعد أن يخفى أمر أقوالهم على مثل يحيى بن يعمر، ويدل عليه قوله يزعمون على ما يأتي في

стр. 578

وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَن لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ، ــ معنى الزعم ومن هنا يصح أن يكون الغرض من ذكر أوصافهم مجموع الأمرين، والله تعالى أعلم انتهى. ويستفاد من سؤال يحيى بن يعمر لابن عمر عن هذه البدعة مبادرة بيان ما كان عليه السلف من إنكار البدع، وفزعهم فيما يطرأ على الدين منها إلى ما عند الصحابة في ذلك من علم، إذ هم المأمور بالاقتداء بهم، وبيان جواز مذاكرة العلم في الطريق وكرهه بعضهم، والصحيح الجواز لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ﷺ وقف في حجة الوداع للناس يسألونه. وما رُوي أن قاضي المدينة سأل مالكًا عن حديث وهو ماش فأمر به إلى السجن، فقيل: إنه القاضي، فقال: القاضي أحق أن يُؤدب، لم يثبت عنه انتهى كلام القاضي عياض، قال السنوسي: قلت: وإن ثبت فلا ينافي مقتضى ما ذكرنا إذ لعله إنما أدبه لكون الطريق الذي سأله فيه لا يليق أن يذكر فيه الحديث لقذرٍ فيه ونحوه، أو لكونه قد أعد وقتًا ومجلسًا مخصوصين للحديث فسؤاله عن الحديث في غيرهما يدل على عدم الاهتبال بشأنه، وأما سؤال ابن عمر في هذه القضية وإن كان ماشيًا فلعله كان في المجلس أو في موضع طاهر يليق بذكر الحديث وغيره، مع أن السائلين إنما استفتياه في واقعة اضطرا إلى استعلام رأيه فيها، وأما وقوف النبي ﷺ لسؤال الناس فإنما كان بمنى، وهي موضع أعد لعبادة الله تعالى وذكره كالمسجد والصحراء التي أعدت لصلاة العيد ونحوها فليس لقراءة القرآن فيها جناح. اهـ وجملة أن في قوله (وأنهم يزعمون) في تأويل مصدر معطوف على مفعول ذَكَرَ المحذوف والتقدير وذكر يحيى بن يعمر من شانهم وفضلهم في العلم وقراءة القرآن شيئًا عظيمًا، وذكر أنهم أي أن هؤلاء المبتدعة التي ظهرت في البصرة يزعمون أي يقولون قولًا باطلًا بلا دليل (أن لا قدر) ولا قضاء سابق في علم الله، وأن هنا مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، وجملة لا النافية خبرها، وجملة أن المخففة في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي زعم، أي وذكر زعمهم أن لا قدر أي عدم سابقية علم الله سبحانه بالأشياء أزلًا، وجملة قوله (وأن الأمر) والعلم أي وأن علم الله تعالى بالأشياء (أُنف) بضمتين أي مستأنف تابع لوجودها وواقع بعد وقوعها معطوفة على جملة أن

стр. 579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المخففة عطفًا تفسيريًّا، أي وذكر زعمهم عدم سابقية تقدير الله سبحانه الأشياء أزلًا وكون علم الله تعالى بالأشياء مستأنفًا تابعًا لوجودها وقوله (يزعمون) قال الأبي: الزعم بالضم اسم مصدر وبالفتح مصدر زعم إذا قال قولًا حقًّا أو كذبا أو غير موثوق به، فمن الأول حديث زعم جبريل، ومن الثاني قوله تعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومن الثالث بيت الأعشى: ونبئت قيسًا ولم أبله ... كما زعموا خير أهل اليمن فقال الممدوح وما هو إلَّا الزعم، وأبي أن يثيبه، والحديث المذكور هنا من الثاني، وأما حديث الترمذي بئس مطية الرجل زعموا فجعله ابن عطية من الثاني، واختلف في قول سيبويه: زعم الخليل، فجعله النووي من الأول، وجعله ابن عطية من الثالث انتهى. والمراد بالقدر المذموم نَفْيُهُ المذكورِ في الحديث عِلْمُ اللهِ الأشياء بمقاديرها وأحوالها وأزمانها أزلًا قبل إيجادها، وقد تُرك اليوم وهو الذي عليه معبد وأتباعه ويسمى القدر الأول. والقدر الثاني هو عبارة عن تأثير قدرة العبد، والقائل به المعتزلة حيث قالوا: العبد يخلق أفعاله، والخير من الله، والشر من غيره، والمعتزلة تنقسم إلى عشرين فِرقة يكفر بعضها بعضًا، وجميع الفرق العشرين فرقةٌ واحدة من الفرق الثلاث والسبعين، وسموا معتزلة لاعتزال أصلهم واصل بن عطاء، كان يجلس إلى الحسن فلما قال بتخليد العاصي اعتزله الحسن، فسُمي هو وأصحابه معتزلة. ويلقبون أيضًا بالقدرية لقولهم: إنَّ قدرة العبد مؤثرة ويسمون أنفسهم أصحاب العدل لقولهم إنَّ الله سبحانه لا يفعل إلَّا الخير، ويجب عليه رعاية الأصلح. قوله (وأن الأمر) أي وأن علم الله تعالى بالأشياء (أُنُفٌ) بضم الهمزة والنون أي مستأنف تابع لإيجادها لم يسبق به سابقة علم الله تعالى ولا مشيئته، وإنما أفعال الإنسان موجودة بعلم الإنسان واختياره، مأخوذ من أَنف الشيء وأنْفُ كل شيء أوله، ومنه أنف الوجه لأنه أول الأعضاء في الشخوص، وأنف السيل أوله كقول امرئ القيس: قد غدا يحملني في أنفه ... لاحق الأيطل محبوك ممر وروض أُنُفٌ لم يرع من قبل، وكذلك كأس أُنُفٌ لم يشرب بها قبل وإنما ابتدئ

стр. 580

فَقَال: إِذَا (١) لَقِيتَ أُولَئِكَ .. فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بَرَاءٌ (٢) مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ؛ ــ الشرب بها الآن، ومنه قوله تعالى ﴿مَاذَا قَال آنِفًا﴾ أي هذه الساعة المستأنفة، وأنزلت علي سورة آنفًا. وعبارة النووي هنا (وأن الأمر) أي أمر الخلائق إيجادًا وإعدامًا (أنف) أي مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه، وهذا القول قول غلاتهم وليس قول جميع القدرية، وكذب قائله وضل وافترى عافانا الله وسائر المسلمين من ذلك آمين. (فقال) عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ليحيى بن يعمر (إذا لقيت) ورأيت (أولئك) المبتدعة الذين ينفون القدر، أي تقدير الله سبحانه الكائنات في الأزل (فأخبرهم أني بريء منهم) أي أعلمهم أن عبد الله بن عمر بريء من دينهم الذي هو نفي القدر (وأنهم) أي وأن أولئك المبتدعة (براء مني) أي بريئون من ديني الذي هو إثبات القدر، أي لا علاقة بيني وبينهم لأن ديننا مختلف، وهذا محل الجزء الثالث من الترجمة، وهو وجوب التبري ممن لا يؤمن بالقدر، قال النووي: وهذا الذي قاله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ظاهر في تكفيره القدرية القائلين بنفي القدر لأن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وهذا في القدرية الأولى الذين ينفون تقدم علم الله تعالى بالكائنات، قال: والقائل بهذا كافر بلا خلاف، وهؤلاء الذين ينكرون القدر هم الفلاسفة في الحقيقة، وأما معبد وأصحابه فتبع لهم، وأمّا أصحاب القدر الثاني الذي هو عبارة عن تأثير قدرة العبد، والقائل به المعتزلة ففي كفره قولان والله أعلم، وقال غير القاضي ويجوز أنه لم يُرد بهذا الكلام التكفير المخرج عن الملة فيكون من قبيل كفران النعمة، إلَّا أن قوله (ما قبله الله منه) ظاهر في التكفير فإن إحباط الأعمال إنما يكون بالكفر. ثم قال ابن عمر (والذي يحلف به عبد الله بن عمر) أي أقسمت بالإله الذي يحلف ويقسم به ابن عمر وغيره، قال القرطبي: هو كناية عن اسم الله تعالى لأنه الذي

стр. 581

لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ .. مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، ثُمَّ قَال: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ــ يُحلف به وإنما ترك ذكره تعظيمًا لاسم الله تعالى لئلا يتخذ غرضًا وسُلمًا للحلف به في كل شيء والله أعلم. وذكر المُقسم عليه بقوله (لو أن لأحدهم) أي أقسصت بالإله الذي يُحلف به على أنه لو كان لأحد هؤلاء المبتدعة الذين ينفون القدر (مثل) جبل (أحد) جبل معروف بمدينة رسول الله ﷺ خصه بالذكر لشرفه على غيره بكونه في الجنة (ذهبًا) تمييز لمثل قال نفطويه سمي الذهب ذهبًا لأنه يذهب ولا يبقى (فأنفقه) أي فأنفق ذلك الذهب المماثل لأُحد في سبيل الله وطاعته (ما قبل الله) (منه) أي من ذلك الأحد المنفق نفقاته (حتى يؤمن) أي إلى أن يؤمن ويصدّق ويعتقد (بالقدر) أي بثبوت القدر لله تعالى، أي علمه بالكائنات أزلًا، لأن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، فإذا لم يؤمن بالقدر فهو كافر، ونفقات الكافر غير مقبولة، لأن الإيمان شرط في قبول الحسنات، لأنه أساس الأعمال الصالحة، وهذا موضع الجزء الأخير من الترجمة الذي هو إغلاظ القول في حق من لم يؤمن بالقدر. قال القرطبي: وهذا صريح في أنه كفَّرهم بذلك القول المحكي عنهم بما حكم الله سبحانه به على الكفار في ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ وقد قلنا إنَّ تكفير هذه الطائفة مقطوع به لأنهم أنكروا معلومًا ضروريًّا من الشرع انتهى. وقال الأبي: ونفي الخلاف عن كفر القائلين بذلك خلاف قول الإمام، وقول الإمام إنَّ كفر هؤلاء هو أحد القولين، فأثبت الخلاف فيه وأيضًا فإن الآمدي وغيره عمم الخلاف في كل ذي هوىً من أهل القبلة. اهـ (ثم قال) ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مستدلًا على وجوب الإيمان بالقدر (حدثني أبي) ووالدي (عمر بن الخطاب) ﵁. ترجمة عمر بن الخطاب وولده عبد الله ﵄ وهو السيد الجليل عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي العدوي وأمه حنتمة بنت هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أخت العاص بن هشام بن المغيرة

стр. 582

قَال: بَينَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ؛ ــ أبو حفص المدني أحد فقهاء الصحابة وثاني الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأول من سمي بأمير المؤمنين جم المناقب استخلف في رجب سنة ثلاث عشرة بعد أبي بكر ﵄ ثم استشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة مصدر الحاج يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة فكانت خلافته عشر سنين ونصفًا. له خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثًا (٥٣٩) روى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر ﵁، ويروي عنه (ع) وأبناؤه عبد الله وعاصم وعبيد الله وعلقمة بن وقاص وغيرهم. وروى عنه المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان والوضوء والصلاة في خمسة مواضع والجنائز في ثلاثة مواضع والزكاة في موضعين والصوم في موضعين والحج والبيوع والنكاح والباس والجهاد في موضعين وفي باب الفضائل فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها اثنا عشر بابا تقريبًا. وأما عبد الله بن عمر فهو أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المكي ولد قبل المبعث بسنة، وهاجر مع أبيه، واستصغر يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة، وشهد الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان يوم أحد سنة ثلاث، وشهد بيعة الرضوان، واعتزل في الفتن عن الناس، ومات سنة ثلاث وسبعين (٧٣) بمكة وهو ابن سبع وثمانين (٨٧)، ودفن فيها بفخ، وهو أحد المكثرين من الصحابة، ومن العبادلة، وكان من أشد الناس اتباعًا للسنة، له ألف حديث وستمائة وثلاثون حديثًا (١٦٣٠). روى عن النبي ﷺ وعن أبيه وأخته حفصة وعائشة وغيرهم، ويروي عنه بنوه سالم وحمزة وعبيد الله، ومولاه نافع وابن المسيب ويحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن وخلق، وروى عنه المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان والوضوء والصلاة والجنائز والزكاة والصوم والحج والبيوع واللعان والأشربة والفتن والعتق فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها اثنا عشر بابا تقريبًا. (قال) عمر بن الخطاب ﵁ (بينما نحن) أي وقتما نحن جالسون (عند رسول الله ﷺ ذات يوم) أي يوم من الأيام، قال الأبي (بينا) بالألف و (بينما) بالميم والألف ظرفا زمان يضافان إلى الجمل الاسمية والفعلية، وخفض المفرد

стр. 583

إِذْ طَلَعَ عَلَينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، ــ بهما قليل، وهما في الأصل بين التي هي ظرف مكان أشبعت الحركة فصارت بينا، وزيدت عليها الميم فصارت بينما، ولما فيهما من معنى الشرط يفتقران إلى جواب يتم به المعنى، والأكثر في جوابهما عند الأصمعي أن يصحبه إذ أو إذا الفجائيتان والأفصح عند غيره أن يتجرد عنهما، ومنه قولهم (فبينا نحن نرقبه أتانا) فمعنى الحديث وقت جلوسنا عند رسول الله ﷺ فاجأنا الرجل، ولفظة ذات في قوله (ذات يوم) زائدة للتوكيد ترفع احتمال أن يراد باليوم مطلق الزمان، فهي مع اليوم بمنزلة قولهم (رأيت عين زيد) وهو ظرف زمان، والعامل فيه معنى الاستقرار الذي في الخبر اهـ. وقوله (إذ طلع) وظهر (علينا رجل) جواب بينما، وإذ حرف فجأة، أي فاجأنا وبغتنا طلوع رجل عجيب وظهوره علينا. (فائدة) في إعراب بينما: بين: ظرف زمان في محل النصب على الظرفية الزمانية مبني على الفتح لشبهها بالحرف شبهًا افتقاريًّا، لافتقارها إلى الجملة التي تضاف إليها أو لشبهها بالحرف شبهًا معنويًّا لتضمنها معنى حرف الشرط، ما: زائدة زيدت لتأكيد معنى بين، والظرف متعلق بالجواب الآتي، أعني طلع رجل. نحن: مبتدأ، عند رسول الله ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر المبتدأ والجملة الاسمية في محل الجر مضاف إليه لبينما على كونها شرطًا لها، ذات يوم: ظرف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر إذ حرف فجأة رابطة لجواب بينما بشرطها طلع رجل فعل وفاعل والجملة جواب بينما لا محل لها من الإعراب وجملة بينما في محل النصب مقول قال، والمعنى وقت جلوسنا عند رسول الله ﷺ يومًا من الأيام فاجأنا طلوع شخص على صورة ذكر بالغ من بني آدم، قال الأبي: ولم يقل إذ دخل علينا رجل إشعارًا بعظم الرجل وجلالته، لأنه مستعار من طلعت الشمس وفي ضمن كلامه أنهم تعجبوا من صورة إتيانه الموهمة أنه جني أو ملك لأنه لو كان بشرًا لكان إما من المدينة أو من قربها والأول منتف إذ لم يعرفه منهم أحد والثاني كذلك إذ ليس عليه أثر سفر من غبار ونحوه. وقوله (شديد بياض الثياب) صفة أولى لرجل وهو من إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها أصله شديد بياض ثيابه وقوله (شديد سواد الشعر) صفة ثانية له وهو من إضافة الصفة إلى مرفوعها أيضًا، أي شديد سواد شعره.

стр. 584

لَا يُرَى عَلَيهِ أَثَرُ السَّفَرِ (١)، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيهِ إِلَى رُكْبَتَيهِ، وَوَضَعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ، ــ وقوله (لا يرى عليه أثر السفر) أي أماراته من غبار وعرق صفة ثالثة لرجل، قال النووي: ضبطناه هنا وفي الجمع بين الصحيحين، وغيره بضم الياء التحتانية على صيغة المجهول وضبطه الحافظ أبو حازم العبدوي (٢) هنا (نرى عليه أثر السفر) بالنون المفتوحة على صيغة المعلوم، وكذا هو في مسند أبي يعلى الموصلي وكلاهما صحيح. ويستفاد من طلوعه على تلك الحالة الحسنة استحباب تحسين الثياب والهيئة والنظافة عند الدخول على العلماء والفضلاء والملوك فإن جبريل ﵇ أتى معلمًا للناس بحاله ومقاله واستحباب التجمل لحضور مجالس العلم ولذلك كان الإمام مالك إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتطيب وتمكن في الجلوس على وقار وهيبة ثم حدث فقيل له في ذلك فقال أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ . وقوله (حتى جلس إلى النبي ﷺ غاية لمحذوف تقديره دنا حتى جلس الخ، قال الأبي: وقال إلى النبي ﷺ ولم يقل بين يديه لأن له سمة الشيخ إذ لم يأت متعلمًا وإنما أتى معلمًا أي فدنا الرجل إلى النبي ﷺ حتى جلس قرب رسول الله ﷺ (فأسند) أي ضم ذلك الرجل الداخل (ركبتيه) أي ركبتي نفسه (إلى ركبتيه) ﷺ (ووضع) ذلك الرجل الداخل (كفيه) أي كفي نفسه (على فخذيه) أي على فخذي نفسه، قال النووي: معناه إنَّ الرجل الداخل وضع كفيه على فخذي نفسه وجلس على هيئة المتعلم والله أعلم. اهـ وقال غيره: الضمير في فخذيه يعود إلى النبي ﷺ ، قال الأبي: وفيما سيأتي للبزار ما يرفع الخلاف الواقع في ضمير فخذيه هل يرجع إلى النبي ﷺ أو إلى جبريل ﵇ وإن كان عوده إلى جبريل أقرب إلى التوقير، قال القرطبي: وقد روى النسائي هذا الحديث من حديث أبي هريرة وأبي ذر وزاد فيه زيادة حسنة فقالا: كان

стр. 585

وَقَال: يَا مُحَمَّدُ؛ ــ رسول الله ﷺ يجلس بين ظهراني أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أهو هو حتى يسأل فطلبنا لرسول الله ﷺ أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه فبنينا له دكانًا من طين -دكة مرتفعة يقعد عليها- فجلس عليه وإنا لجلوس عنده ﷺ إذ أقبل رجل من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم ريحًا كان ثيابه لم يمسها دنس حتى سلم من طرف السماط - الصف من الناس - فقال السلام عليكم يا محمد فرد ﵇، قال أأدنوا يا محمد؟ قال ادنه، فما زال يقول أأدنو - مرارًا - ورسول الله ﷺ يقول ادنه حتى وضع يديه على ركبتي النبي ﷺ ثم ذكر بقية الحديث بنحو ما ذكر مسلم رحمه الله تعالى. ففي هذا الحديث مع الزيادة المذكورة من الفقه، ابتداء الداخل بالسلام على جميع من دخل عليه وإقباله بالسلام على رأس القوم فإنه قال السلام عليكم فعم ثم قال: يا محمد فخص، وفيه أيضًا الاستئذان في القرب من الإمام مرارًا وإن كان الإمام في موضع مأذون في دخوله، وفيه أيضًا ترك الاكتفاء بالاستئذان مرة أو مرتين على جهة التعظيم والاحترام، وفيه جواز اختصاص العالم بموضع مرتفع من المسجد إذا دعت إلى ذلك ضرورة تعليم أو غيره وقد بين فيه أن جبريل وضع يديه على ركبتي رسول الله ﷺ فارتفع الاحتمال الذي في لفظ رواية مسلم فإنه قال فيه (فوضع كفيه على فخذيه) وهو محتمل. وإنما فعل جبريل ذلك والله أعلم تنبيهًا على ما ينبغي للسائل من قوة النفس عند السؤال وعدم المبالاة بما يقطع عليه خاطره وإن كان المسؤول ممن يُحترم ويُهاب، وعلى ما ينبغي للمسؤول من التواضع والصفح عن السائل، وإن تعدى على ما ينبغي من الاحترام والأدب انتهى. وأخذ بعضهم من الحديث أن تكون جلسة المتعلم كذلك لأن الجلوس على الركبتين أقرب إلى التواضع وإسناد الركبتين إلى الركبتين أبلغ في الاستماع وألزم للجواب فإن جلوس السائل كذلك يدل على حرصه والمسؤول إذا علم حرص السائل ألزم نفسه الجواب، وقيل إنما جلس جبريل كذلك لأن له دالة الشيخ، ولهذا قال: صدقت، وإنما يقوله من طابق قول المسؤول ما عنده اهـ سنوسي. (وقال) ذلك الرجل (يا محمد) قال القرطبي ناداه باسمه كما تناديه الأعراب

стр. 586

أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الإِسْلامُ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ــ تعمية لحاله، قال الأبي: وقد تقدم أنه لدالة المعلم، قال السنوسي: قلت: إنما تصح الدالة لو كان خاليًا معه، أما مع حضور الناس فلا يصح أن يخاطبه إلَّا بما يسوغ لهم أن يخاطبوه به لا سيما وقد جاء في هذه القصة (ليعلمهم دينهم) فكيف يصح أن يصدر منه ما ينافي ذلك فالأصح في الاعتذار ما سبق أعني التعمية، أو يقال كان هذا قبل منع ندائه ﷺ بمثل ذلك قبل نزول قوله تعالى ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ الآية. (أخبرني عن) حقيقة (الإسلام) وماهيته شرعًا، وأما لغة فالإسلام هو الاستسلام والانقياد ومنه قوله تعالى ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أي انقدنا، وشرعًا هو الانقياد بالأفعال الظاهرة الشرعية، ولذلك قال ﷺ فيما رواه أنس عنه: "الإسلام علانية والإيمان في القلب" رواه ابن أبي شيبة في مصنفه. (فقال رسول الله ﷺ الإسلام) أي حقيقة الإسلام وأجزاؤه وأركانه خمسة، فإن (قلت) جَعْلُ الإسلام اسمًا للخمسة يوجب أن لا يكون مسلمًا إلَّا من فعل الجميع، وليس الأمر كذلك لحديث: "من قال لا إله إلَّا الله دخل الجنة" فجعل النطق بالشهادتين وحده كافيًا لأن لا إله إلَّا الله كناية عنهما، وعند الشافعية من قال: لا إله إلَّا الله فهو مسلم، ويطالب بالأخرى، فإن أبي منها قُتل، ولهم قول آخر أنه لا يُقتل، وعند المالكية من صلى ثم أبي الإسلام قال الأكثر: يُقتل. (قلت) فرق بين النظر في الشيء من حيث بيان حقيقته وبين النظر فيه من حيث معرفة ما يجزئ منه فما يجزئ منه حُكمٌ من أحكامه، والأحكام جعلية فيجوز أن يعرّف الشارع حقيقة ويجعل بعض أجزائها بمنزلتها في الحكم كما هنا عرف الإسلام بأنه فعل الأركان ثم جعل أحدها كافيًا في دخول الجنة اهـ أبي. الأول منها (أن تشهد) أي أن تقر بلسانك وتعتقد بقلبك (أن لا إله) أي أنه لا معبود بحق في الوجود (إلا الله) أي إلَّا الذات الواجب الوجود لذاته المستجمع لجميع الكمالات المنزه عن جميع النقائص (و) أن تشهد (أن محمدًا) ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم (رسول الله) ﷺ ؛ أي مرسل من الله سبحانه

стр. 587

وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، ــ وتعالى إلى كافة المكلفين من الثقلين بتكاليف شرعها الله تعالى لهم على لسانه، قال الأبي: والنبي من خص من البشر بالوحي إليه والرسول من أمر بتبليغ ما أوحي إليه فيشتركان في الوحي إليهما ويفترقان في الأمر بالتبليغ، وقال الزمخشري: يشتركان في أن لكل منهما معجزة ويفترقان في أن الرسول من أنزل عليه كتاب والنبي من لا وإنما أمر أن يدعو إلى شريعة غيره. وقال السنوسي: واختلف في النبي مع الرسول هل بينهما عموم وخصوص مطلق أو وجهي لصدق اسم الرسول دون النبي على الملك وعكسه فيمن أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ أو أمر إلَّا أنه لم ينزل عليه كتاب على الخلاف ويجتمعان فيمن وجد فيه كلا الأمرين من البشر. والشهادة لغة: مطلق الإخبار وشرعًا: الإخبار بحق للغير على الغير بشرائط مذكورة في كتب الفروع وليس مرادًا هنا، بل المراد هنا الإقرار باللسان مع التصديق بالقلب. (و) الثاني أن (تقيم الصلاة) المفروضة وتؤديها بشرائطها وأركانها وآدابها والمراد بإقامتها إدامة فعلها مستوفاة جميع ذلك. وخصت الصلاة بلفظ تقيم دون أخواتها لكثرة ما تتوقف عليه من الشرائط والفرائض والسنن والآداب، والصلاة لغة: الدعاء ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِمْ﴾ أي ادع لهم، وشرعًا: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة غالبًا والدعاء جزء منها. (و) الثالث أن (تُؤتي الزكاة) المفروضة وتؤديها في مصارفها المبينة في القرآن الكريم، والزكاة لغة: النماء والزيادة، يقال زكا الزرع والمال، وسُمي أخذ جزء من مال المسلم الحرِّ زكاة لأنها إنما تؤخذ من الأموال النامية، أو لأنها قد نمت وبلغت النصاب، أو لأنها تُنمي الأموال بالبركة وحسنات مؤديها بالتكثير، وشرعًا اسم لمال مخصوص يجب على شخص مخصوص في مال مخصوص يصرف لشخص مخصوص على وجه مخصوص. (و) الرابع أن (تصوم) شهر (رمضان) الذي أنزل فيه القرآن، والصوم لغة: الإمساك مطلقًا، ومنه قوله تعالى حكاية عن مريم ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي إمساكًا عن

стр. 588

وَتَحُجَّ الْبَيتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيهِ سَبِيلًا"، قَال: صدَقْتَ، قَال: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ ــ الكلام، وشرعًا: الإمساك في جميع النهار عن أشياء مخصوصة كما سيأتي في محله. (و) الخامس أن (تحج البيت) أي أن تقصد زيارة الكعبة ومشاعر مخصوصة بأعمال مخصوصة (إن استطعت إليه سبيلًا) أي إنَّ أطقت وقدرت وصولًا إليه بأن وجدت زادًا وراحلة تصلح لك ذهابًا وإيابًا، فالسين والتاء فيه زائدتان، أو للمبالغة في معنى الرباعي لا للطلب. والحج لغة: هو القصد، وهو بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وقُرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ﴾ وشرعًا: قصد بيت الله المعظم لفعل عبادة مخصوصة والاستطاعة هي القدرة على الشيء، والتمكن منه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ وسيأتي اختلاف العلماء في الاستطاعة في محله، وقال الأبي: والبيت اسم جنس وغلب على الكعبة حتى صار عليها كالعلم ويعني بالاستطاعة الزاد والراحلة لا مطلق القدرة على الوصول لأنها شرط في التكليف. (قال) الرجل الداخل السائل لرسول الله ﷺ (صدقت) أي نطقت يا محمد كلامًا صادقًا صحيحًا فيما أجبت (قال) عمر بن الخطاب ﵁ (فعجبنا) أي تعجبنا نحن معاشر الحاضرين (له) أي لذلك الرجل السائل المصدق لرسول الله ﷺ ، والعجب انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر خفي سببه، ولذلك قيل إذا ظهر السبب بطل العجب، أي تعجبنا من حال ذلك السائل حالة كونه (يسأله) أي يسأل رسول الله ﷺ كأنه لا يعلم ما سأل عنه (و) حالة كونه (يصدقه) أي يصدق رسول الله ﷺ فيما أخبره له كأنه يعلمه، قال القرطبي: إنما تعجبوا لأن تصديقه يقتضي أن له بهذه الأشياء علمًا، وهي لا تعلم إلَّا من قبله ﷺ وليس هو بمعروف السماع منه ﷺ . وعبارة النووي (قوله تعجبنا) سبب تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل، إنما هذا كلام خبير بالمسؤول عنه، ولم يكن في ذلك الوقت من يعلم هذا غير النبي ﷺ اهـ. (تتمة) قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: قوله ﷺ الإسلام أن

стр. 589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تشهد أن لا إله إلَّا الله إلخ والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته إلخ قال: هذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن، وبيان لأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر، وحكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يُشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله، ثم إنَّ اسم الإيمان يتناول ما فُسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان، ومقويات وحافظات ومتممات له، ولهذا فسر ﷺ الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان وإعطاء الخمس من المغنم، ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة، أو بدل فريضة لأن اسم الشيء مطلقًا يقع على الكامل منه، ولا يستعمل في الناقص ظاهرًا إلَّا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله ﷺ "ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" واسم الإسلام يتناول أيضًا ما هو أصل الإيمان وهو التصديق الباطن، ويتناول أصل الطاعات فإن ذلك كله استسلام، قال فتحصل مما ذكرناه وحققناه أن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان، وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، هذا آخر كلام ابن الصلاح. واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلَّا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلًا إلَّا إذا عجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية أو لغير ذلك فإنه يكون مؤمنًا. أما إذا أتى بالشهادتين فلا يشترط معهما أن يقول وأنا بريء من كل دين خالف الإسلام إلَّا إذا كان من الكفار الذين يعتقدون اختصاص رسالة نبينا ﷺ إلى العرب فإنه لا يحكم بإسلامه إلَّا بأن يتبرأ، ومن أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى من شرط أن يتبرأ مطلقًا وليس بشيء، أما إذا اقتصر على قوله لا إله إلَّا الله ولم يقل محمدٌ رسول الله فالمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء أنه لا يكون مسلمًا ومن أصحابنا من قال يكون مسلمًا ويطالب بالشهادة الأخرى، فإن أبى جُعل مرتدًّا، ويحتج لهذا القول بقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم ... " وهذا محمول

стр. 590

قَال: فَأَخبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَال: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، ــ عند الجماهير على قول الشهادتين واستغنى بذكر إحداهما عن الأخرى لارتباطهما وشهرتهما والله أعلم. أما إذا أقر بوجوب الصلاة أو الصوم أو غيرهما من أركان الإسلام وهو على خلاف ملته التي كان عليها فهل يجعل بذلك مسلمًا؟ فيه وجهان لأصحابنا فمن جعله مسلمًا قال: كل ما يكفر المسلم بإنكاره يصير الكافر بالإقرار به مسلمًا، أما إذا أقر بالشهادتين بالعجمية وهو يحسن العربية فهل يجعل بذلك مسلمًا؟ فيه وجهان لأصحابنا الصحيح منهما أنه يصير مسلمًا لوجود الإقرار، وهذا الوجه هو الحق، ولا يظهر للآخر وجه، وقد بينت ذلك مُستقصى في شرح المهذب والله أعلم. (واعلم) أن مذهب أهل الحق أنه لا يُكفَّر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يُكفَّر أهل الأهواء والبدع، وأن من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردته وكفره إلَّا أن يكون قريبَ عَهْدِ بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة أو نحوه ممن يخفى عليه فيُعرف ذلك فإن استمر حُكم بكفره، وكذا حُكم من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يعلم تحريمها ضرورة والله أعلم انتهى نووي. (قال) الرجل السائل (فأخبرني) يا محمد (عن) حقيقة (الإيمان قال) رسول الله ﷺ مجيبًا له حقيقة الإيمان وأركانه ستة الأول (أن تؤمن) وتصدق (بـ) ـوجود (الله) وأنه لا يجوز عليه العدم وأنه تعالى موصوف بصفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر والحياة وغيرها وأنه تعالى منزه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات وعن صفات الأجسام والمتحيزات وأنه واحد صمد فرد خالق جميع المخلوقات متصرف فيها بما يشاء من التصرفات يفعل في ملكه ما يريد ويحكم في خلقه ما يشاء. (واعلم) أن سؤال جبريل ﵇ عن الإيمان والإسلام بلفظ (ما) كما في حديث أبي هريرة الآتي يدل على أنه إنما سأل عن حقيقتهما عنده لا عن شرح لفظهما في اللغة، ولا عن حكمهما لأن ما في أصلها إنما يسأل بها عن الحقائق والماهيات، ولذلك أجابه النبي ﷺ بقوله: "أن تؤمن بالله وبكذا وكذا فلو كان سائلًا عن شرح لفظهما في اللغة لما كان هذا جوابًا له، لأن المذكور في الجواب هو المذكور في السؤال، ولمّا كان الإيمان في اللغة معلومًا عندهما أعاد في الجواب لفظه، وبين له

стр. 591

وَمَلائِكَتِهِ، ــ متعلقاته وأنه قصره على تصديق بأمور مخصوصة اهـ قرطبي. وقال القاضي عياض: فرَّق في هذا الحديث بين الإيمان والإسلام فجعل الإيمان عمل قلب، والإسلام عمل جوارح، ومثله في حديث ضمام، وفسَّر في حديث الوفد الإيمان بما فسر به الإسلام هنا وبالجملة الإيمان لغة: هو التصديق بأي شيء كان وهو في الشرع التصديق والنطق معًا فأحدهما ليس بإيمان، أما التصديق فلأنه لا ينجي وحده من النار، وأما النطق فهو وحده نفاق، وتفسيره في هذا الحديث الإيمان بالتصديق والإسلام بالعمل إنما فسر به إيمان القلب، والإسلام في الظاهر، لا الإيمان الشرعي والإسلام الشرعي، فإنَّ الشرعي من كل منهما ما أنجى من الخلود، وليس المُنجي منه إلَّا التصديق والنطق معًا، ثم كمال كل واحدٍ من الإيمان الشرعي والإسلام الشرعي إنما هو بالأعمال المذكورة في الحديث، فإذا كمل أحدهما بذلك أنجى من النار رأسًا، ثم بإضافة العمل إلى الإيمان يقبل الزيادة والنقص عند الأشاعرة انتهى منه. (و) الثاني أن تؤمن بـ (ـملائكته) أي أن تصدق بوجودهم على ما وصفوا به في كتاب الله من أنهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] ومن أنهم ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] ومن أنهم ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠]، ومن أنهم سفراء الله بينه وبين رسله، والمتصرفون كما أذن لهم في خلقه. والملائكة جمع ملك، وقد اختلف في اشتقاقه ووزنه، فقال ابن شميل: لا اشتقاق له، وقال ابن كيسان فعل من المُلك، وقال أبو عبيدة: هو مفعل من لأك أي أرسل، وقال غيره: إنه مأخوذ من الألوكة وهي الرسالة، فكأنها تؤلك في الفم قال لبيد: وغلام أرسلته أمه ... بألوكٍ فبذلنا ما سأل فأصله على هذا مالك فالهمزة فاء الفعل لكنهم قلبوها إلى عينه فقالوا ملأك ثم سهلوه فقالوا ملاك، وقد جاء على أصله في الشعر، قال أبو وجزة يمدح عبد الله بن الزبير ﵁: فلستَ لإنسيّ ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب وقيل هو ملكٌ من مَلَك.

стр. 592

وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ"، ــ (و) الثالث أن تؤمن بـ (ـكتبه) أي أن تصدق بأنها كلامه الحق سواء نزلت مكتوبة كالتوراة أو وحيًا كالقرآن جملة كهي، أو نجومًا كهو. (و) الرابع أن تؤمن بـ (ـرسله) أي أن تصدق بأن لله سبحانه رُسلًا صادقين فيما أخبروا به عن الله تعالى مؤيدين من الله تعالى بالمعجزات الدالة على صدقهم وأنهم بلّغوا عن الله رسالاته، وبينوا للمكلفين ما أمرهم الله ببيانه لهم، وأنه يجب احترامهم وأن لا يفرق بين أحد منهم. (و) الخامس أن تؤمن بـ (ـاليوم الأخر) أي أن تصدق بوجود اليوم الآخر وبمجيئه، وبجميع ما اشتمل عليه من الإعادة بعد الموت والحشر والحساب والميزان والصراط والجنة والنار وأنهما دارا ثوابه وجزائه للمحسنين والمسيئين، إلى غير ذلك مما صح نصه وثبت نقله، وسُمي آخرًا لأنه آخر أيام الدنيا، ولأنه آخر الأزمنة المحدودة، وقيامةً لقيام الناس على أقدامهم. (و) السادس أن (تومن بالقدر) قال الأبي: قيل أعاد معه لفظة تؤمن لعلمه أن الأمة تختلف فيه، أي وأن تصدق بالقدر أي بتقدير الله سبحانه الكائنات في الأزل على هيئة وجودها فيما لا يزال أي علمه بمقاديرها وهيئاتها وأزمنتها وأمكنتها قبل وجودها وقوله (خيره وشره) بدل من القدر، بدل تفصيل من مجمل، أي وأن تصدق بخير ذلك المقدر ونفعه للعباد كالإيمان والطاعات، وبشره وضره للعباد كالكفر والمعاصي من الله تعالى، وهو ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦] وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩] وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] ويدل عليه إجماع السلف والخلف على صدق قول القائل: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وقوله ﷺ : "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" رواه مسلم ومالك في الموطأ من حديث ابن عمر ﵄. قال السنوسي: فكأنه أعاد العامل فيه اعتناء بشأنه وتنبيهًا على أن المصيبة تجيء الأمة منه، ويدل أيضًا على اعتنائه بهذا النوع إعادته له مع دخوله في الإيمان بالله تعالى إذ من الإيمان بالله تعالى الإيمان بقدم جميع صفاته، وأنه يستحيل على ذاته الحوادث، ويدخل في صفاته علمه وإرادته المعبر عن قدمهما بالقدر اهـ منه. (تنبيه) مذهب السلف وأئمة الفتوى من الخلف أن من صدق بهذه الأمور الستة

стр. 593

قَال: صَدَقْتَ. قَال: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ، قَال: ــ تصديقًا جازمًا لا ريب فيه ولا تردد ولا توقف كان مؤمنًا حقيقة، وسواء كان ذلك عن براهين ناصعة أو عن اعتقادات جازمة، على هذا انقرضت الأعصار الكريمة وبهذا صرحت فتاوى أئمة الهدى المستقيمة حتى حدثت مذاهب المعتزلة المبتدعة فقالوا: إنه لا يصح الإيمان الشرعي إلَّا بعد الإحاطة بالبراهين العقلية والسمعية وحصول العلم بنتائجها ومطالبها، ومن لم يحصل إيمانه كذلك فليس بمؤمن، ولا يجزئ إيمانه بغير ذلك، وتبعهم على ذلك جماعة من متكلمي أصحابنا كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفرايني وأبي المعالي في أول قوليه، والأول هو الصحيح، إذ المطلوب من المكلفين ما يطلق عليه إيمان كقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح: ١٣]. والإيمان هو التصديق لغة وشرعًا فمن صدق بذلك كله ولم يجوِّز نقيض شيء من ذلك فقد عمل بمقتضى ما أمره الله به على نحو ما أمره الله تعالى ومن كان كذلك فقد تَقَصَّى عن عهدة الخطاب، إذ قد عمل بمقتضى السنة والكتاب، ولأن رسول الله ﷺ وأصحابه بعده حكموا بصحة إيمان كل من آمن وصدق بما ذكرناه ولم يفرقوا بين من آمن عن برهان أو عن غيره، ولأنهم لم يأمروا أجلاف العرب بترديد النظر ولا سألوهم عن أدلة تصديقهم ولا أرجئوا إيمانهم حتى ينظروا وتحاشوا عن إطلاق الكفر على أحد منهم بل سموهم المؤمنين والمسلمين، وأجروا عليهم أحكام الإيمان والإسلام، ولأن البراهين التي حررها المتكلمون ورتبها الجدليون إنما أحدثها المتأخرون، ولم يَخُض في شيء من تلك الأساليب السلف الماضون فمن المحال والهذيان أن يُشترط في صحة الإيمان ما لم يكن معروفًا ولا معمولًا به لأهل ذلك الزمان وهم من هم فهمًا عن الله تعالى وأخذًا عن رسول الله ﷺ وتبليغًا لشريعته، وبيانًا لسنته وطريقته اهـ من القرطبي. (قال) الرجل السائل (صدقت) يا محمد، أي نطقت كلامًا صادقًا فيما أخبرت به من الإيمان ثم (قال) الرجل (فأخبرني) يا محمد (عن) حقيقة (الإحسان) قال القاضي عياض: يعني بالإحسان الإخلاص لأنه فسره بما معناه ذلك، قال الأبي: وقيل يعني به إجادة العمل من أحسن في كذا إذا أجاد فعله، وهو بهذا التفسير أخص من الأول، ثم هو سؤالٌ عن الحقيقة ليعلمها الحاضرون كالذي قبله (قال) رسول الله صلى الله عليه

стр. 594

"أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ .. فَإِنَّهُ يَرَاكَ" ــ وسلم مجيبًا له: الإحسان هو (أن تعبد الله) (كأنك تراه) ، أي حال كونك مستحضرًا خشية من يراه سبحانه، آتيًا بعبادتك مستوفاة الشرائط والأركان، فهذا إشارة إلى مقام المشاهدة، وهو أن تعبد الله سبحانه كأنك تراه (فإن لم تكن) أنت (تراه) (فإنه) سبحانه (يراك) أيها العابد، أي فإن لم تعبده وأنت من أهل الرؤية المعنوية فاعبده وأنت بحيث إنه يراك، أي فصور نفسك كأنك أعمى يفعل شيئًا عند بصير يخاف منه، وهذا يُسمى عندهم مقام المراقبة، وبهذا تعلم أن للعبد في عبادته ثلاثة مقامات: الأول: أن يفعلها على الوجه الذي يسقط معه التكليف أي مستوفاة الشرائط والأركان، الثاني: أن يفعلها وقد استغرق في بحار المشاهدة حتى كأنه يرى الله تعالى، وهذا مقامه ﷺ كما قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" والثالث: أن يفعلها كذلك وقد غلب عليه أن الله يراه ويراقبه وهذا أنزل مما قبله، وكل من المقامات الثلاث إحسان، إلَّا أن الإحسان الذي هو شرط في صحة العبادة إنما هو الأول لأن الإحسان بالأخيرين من صفة الخواص ويتعذر من كثير. (فإن قلت) لِمَ آخر السؤال عن الإحسان مع أنه مطلوب في كل من الإسلام والإيمان؟ (قلت) آخره عنهما لأنه صفة الفعل، أو شرط في صحته، والصفة بعد الموصوف، وبيان الشرط متأخر عن المشروط اهـ من الأبي. قال القاضي عياض: واشتمل الحديث على جميع وظائف العبادة الظاهرة والباطنة حتى إنَّ علوم الشريعة كلها ترجع إليه، ومنه تشعبت، قال الأبي: في جعل الإحسان قسمًا ثالثًا نظر لأنه فسره بالإخلاص، والإخلاص شرط العمل أو صفته، وشرط الشيء وصفته ليسا بقسيم له، ولاشتمال الأقسام الثلاثة على ما ذكر قصر السؤال عليها. قال النووي: (قوله ﷺ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه) إلخ هذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ لأنا لو قدّرنا أن أحدًا قام في عبادة وهو يعاين ربه لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن الصمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلَّا أتى به فقال ﷺ : "اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان" فإن

стр. 595

قَال: فَأَخبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَال: "مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ"، ــ التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع الله عليه فلا يَقْدَم العبد على تقصير في هذا الحال للاطلاع عليه، وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد فينبغي أن يعمل بمقتضاه، فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه ﵎ في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك، وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعًا من تلبسه بشيء من النقائص احترامًا لهم واستحياءً منه فكيف بمن لا يزال مُطلعًا عليه في سره وعلانيته اهـ منه. (قال) الرجل (فأخبرني) يا محمد (عن الساعة) أي عن القيامة، أي عن وقت مجيئها، قال الزمخشري: وسميت ساعة لسرعة قيامها أو تفاؤلًا لما هي عليه من الطول، كما سُمِّي المهمه مفازة، أو لأنها عند الله تعالى كساعة، وليس السؤال عن وقت مجيئها ليعلم الحاضرون كالمسؤول عنه في الأسئلة السابقة بل لينزجروا عن السؤال عنها، فإنهم أكثروا السؤال عنها كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾. (قال) رسول الله ﷺ مجيبًا له (ما المسؤول عنها) أي عن الساعة يريد نفسه (بأعلم من السائل) يريد جبريل ﵇ أو المراد التعميم لكل سائل ومسؤول عنها، فلما أجيبوا بأنه لا يعلمها إلَّا الله سبحانه كفوا عن السؤال عنها، لأن معنى ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، لا علم لي ولا لك ولا لأحد بها، وكان الأصل أن يقال هكذا ولكن عدل عنه إلى المذكور ليعم كل سائل ومسؤول، ويحتمل أن تكون الفائدة في العدول إلى المذكور التنبيه على أنه ينبغي للعالم والمفتي وغيرهما إذا سئل عما لا يعلم أن يصرح بعدم علمه من غير توقف بأن يقول: لا أعلم، لأن ذلك لا يُنقصه بل يدل على ورعه وتقواه ووفور عقله، ويكون المراد علة هذا بالمسؤول نفسه ﷺ وفيه على هذا مبالغة في التواضع حيث يقول ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. (فإن قلت) إذا كان المعنى نفي العلم عن الجميع فالتركيب لا يقتضيه بل يقتضي العكس لأن نفي الأفضلية في شيء يقتضي التساوي في مطلق ثبوته، فإذا قلت: ما زيد بأعلم من عمرو فالمعنى إنهما شريكان في العلم وإن زيدًا لا يزيد (قلت) لا يقتضي التساوي في أصل الثبوت بل هو أعم من التساوي في الثبوت أو النفي، وحُمل الحديث على التساوي في النفي، وإن كان الأعمّ لا إشعار له بالأخص المعيَّن لأن عدم إشعاره بذلك إنما هو باعتبار ذات الأعم وإلا فقد تصحب الأعم قرينة لفظ أو سياق يكون

стр. 596

قَال: فَأَخْبِرْنِي عَن أَمَارَتِهَا، قَال: "أَنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتَهَا، ــ بحسبها يشعر بأحد أخصائه على التعيين، وهو هنا كذلك، والقرينة اللفظية هي قوله: "في عداد خمس" أي في عداد الخمس التي لا يعلمها إلا الله تعالى، والسياقة هي أن الأصل في السائل عدم العلم، وجبريل ﵇ هنا سائل، فالمعنى: أنت لا تعلم، وأنا لست بأعلم منك، فكلانا لا يعلم، وقيل في الجواب إنه إنما ينفي الأعلمية بوقتها على التعيين، ولهما علم بأن لها مجيئًا في وقت ما وهو العلم المشترك اهـ من الأبي. قال القرطبي: (والساعة) في أصل الوضع مقدارٌ ما من الزمان غير معين ولا محدود لقوله تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا غَيرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] وفي عرف أهل الشرع عبارة عن يوم القيامة، وفي عرف الميقاتيين جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أوقات الليل والنهار. (قال) الرجل السائل إن لم تخبرني يا محمد عن وقت مجيئها (فأخبرني عن أمارتها) وعلاماتها، أي عن القرائن الدالة على قربها، والأمارات جمع أمارة بفتح الهمزة وبالهاء، والأمارُ بحذفها هي العلامة، قال القرطبي: وهي تنقسم إلى معتاد كالمذكورين في الحديث، وكرفع العلم، وظهور الجهل وكثرة الزنا وشرب الخمر وإلى غير معتاد كالدجال ونزول عيسى ﵇ وخروج يأجوج ومأجوج والدابة وطلوع الشمس من مغربها، قال ابن رُشد: واتفقوا على أنه لا بد من ظهور هذه الخمسة، واختلفوا في خمسة أُخر خسفٌ بالمشرق وخسفٌ بالمغرب وخسفٌ بجزيرة العرب والدخان ونار تخرج من قعر عدن تروح معهم حيث راحوا وتقيل معهم حيث قالوا، وزاد بعضهم وفتح القسطنطينية وظهور المهدي، ويأتي الكلام على المهدي إن شاء الله تعالى. (قال) رسول الله ﷺ الأمارات التي تدل على قرب الساعة كثيرة منها (أن تلد) وتضع (الأمة) أي الرقيقة المستفرشة (ربتها) أي مالكها هكذا جاء في رواية بالتأنيث، وفي أخرى ربها بالتذكير، وفي الأخرى بعلها وهو السيد، والرب المالك، وأُنث بالرواية الأولى على معنى النسمة ليشمل الذكر والأنثى، وقيل كراهية أن يقول ربها تعظيمًا للفظ الرب ولذا ورد: "لا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي ومولاي". قال القرطبي واختلف في معنى قوله: "أن تلد الأمة ربتها" على ثلاثة أقوال: أحدها أن المراد بها أن يستولي المسلمون على بلاد الكفار فيكثر التسري فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه بأبيه، وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة

стр. 597

وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالةَ ــ استيلاء المسلمين على المشركين، وكثرة الفتوح والتسري، وثانيها: أن يبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك فتتداول الأمهات المستولدة فربما يشتريها ولدها أو ابنتها ولا يشعر بذلك، فيصير ولدها ربها، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد والاستهانة بالأحكام الشرعية، وهذا على قول من يرى تحريم بيع أمهات الأولاد وهم الجمهور، ويصح أن يحمل على بيعهن في حال حملهن وهو محرم بالإجماع. وثالثها: أن يكثر العقوق في الأولاد فيُعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة والسب، ويشهد لهذا قوله في حديث أبي هريرة: "المرأة" مكان الأمة، وقوله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظًا" رواه الطبراني في الأوسط، وفيه جماعة لم يعرف حالهم. وفي السنوسي: قال الأكثرون هو كناية عن كثرة أولاد السراري وأمهاتهم، فإن ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لأن مال الإنسان صائر إلى ولده، ولا شك أنها مال لأبيه، وقد يتصرف الولد في مال أبيه قبل الموت تصرف المالكين، إما بتصريح أبيه له بالإذن، وإما بما يعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال. وقيل إن الإماء يلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته، وهذا قول إبراهيم الحربي اهـ، وأما بعلها في الرواية الأخرى فالصحيح في معناه أن البعل هو المالك أو السيد فيكون بمعنى ربها على ما ذكرناه فيه قال أهل اللغة بعل الشيء ربه ومالكه، وقال ابن عباس ﵄ والمفسرون في قوله : ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ أي ربًا وقيل المراد بالبعل في الحديث الزوج ومعناه نحو ما تقدم أنه يكثر بيع السراري حتى يتزوج الإنسان أمه وهو لا يدري وهذا أيضًا معنى صحيح إلا أن الأول أظهر لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى والله أعلم اهـ نووي. (و) منها (أن ترى) أنت يا محمد (الحفاة) جمع حاف وهو الذي لا يليس في رجله شيئًا (العراة) جمع عار وهو الذي لا يلبس على جسده ثوبًا (العالة) مخفف اللام جمع عائل وهو الفقير، والعيلة الفقر يقال عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر، وأما أعال

стр. 598

رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ في الْبُنْيَانِ" ــ الرجل يُعيل إذا كثر عياله فليس مرادًا هنا (رعاء الشاء) والرعاء بكسر الراء وبالمد جمع راع وأصل الرعي الحفظ قال النووي: ويجمع أيضًا على رعاة كغزاة (والشاء) جمع شاة وهو من الجمع الذي يفرق بينه وبين واحده بالهاء، وهو كثير فيما كان خلقةً لله تعالى كشجرة وشجر وثمرة وثمر، وإنما خص أهل الشاء بالذكر لأنهم أضعف أهل البادية، وجملة قوله (يتطاولون) أي يتفاخرون (في البنيان) أي في طولها، في محل النصب حال من مفعول ترى لأن الرؤية هنا بصرية. وهذه الأوصاف هي الغالبة على أهل البادية، ومقصود هذا الحديث الإخبار عن تبدل الحال وتغيره بأن يستولي أهل البادية الذين هم هذه صفاتهم على أهل الحاضرة ويتملكوا بالقهر والغلبة فتكثر أموالهم وتتسع في حطام الدنيا آمالهم، فتنصرف هممهم إلى تشييد المباني وهدم الدين وشريف المعاني، وأن ذلك إذا وجد كان من أشراط الساعة ويؤيد هذا ما ذكر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس لكع بن لكع" رواه أحمد (٥/ ٣٨٩) والترمذي (٢٢١٠) واللكع اللئيم، وقد شوهد هذا كله الآن عيانًا، فكان ذلك على صدق رسول الله ﷺ ، وعلى قرب الساعة حجة وبرهانًا. وفيه دليل على كراهية ما لا تدعو الحاجة إليه من تطويل البناء وتشييده، وقد قال ﷺ : "يؤجر ابن آدم في كل شيء إلا ما يضعه في هذا التراب" رواه البخاري (٥٦٧٢) بلفظ: "إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب" ومات رسول الله ﷺ ولم يضع حجرًا على حجر، ولا لبنة على لبنة، أي لم يشيد بناءً ولا طوله ولا تأنق فيه اهـ من المفهم. (فإن قلت) الساعة كما ذكر الله تعالى شيء عظيم فأشراطها ينبغي أن تكون كذلك فالدجال وإِخوانه من ذلك القبيل فما وجه العظم في أن تلد الأمة ربتها وتطاول الرعاء في البنيان (قلت) هو إما باعتبار ما يشعر أن به من تبدل الحال وتغيرها بانقلاب الأعزة أذلة كما في جعلها كناية عن كثرة أولاد السراري، فإن الأمهات بعد عزة التربية والحاجة إليهن في ذلك صرن ذليلات بالسلاطة عليهن، وإما باعتبار ما يشعر أن به من تناهي الحال المنذرة بالانحطاط وقرب الساعة، وإما باعتبار ما يشعر أن به من تغيير أحكام الله

стр. 599

قَال: ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَال لِي: "يَا عُمَرُ؛ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ " قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَال: "فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ ــ تعالى كما في جعلها كناية عن بيع أمهات الأولاد انتهى من الأبي. (قال) عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (ثم) بعد هذه الأسئلة والأجوبة (انطلق) وذهب الرجل السائل للنبي ﷺ (فلبث) أي أقام النبي ﷺ بعد انطلاقه وانصرافه، قال النووي هكذا ضبطناه (لبث) آخره ثاء مثلثة من غير تاء، وفي كثير من الأصول المحققة (لبثت) بزيادة تاء المتكلم المضمومة فيكون عمر هو الذي أخبر بذلك عن نفسه، وكلاهما صحيح، والمعنى عليه أي قال عمر ثم انطلق الرجل (فلبثث) أنا (مليًّا) بتشديد الياء أي زمانًا طويلًا وهو من الملاوة وهي القطعة من الدهر وفي ميمها الحركات الثلاثة وقد يُفسر الطول هنا بما في رواية أبي داود والترمذي: "ثم قال لي بعد ثلاث يا عمر ... " إلخ وفي شرح السنة للبغوي: "بعد ثالثة" وظاهر هذا أنه قال له بعد ثلاث ليال. وظاهر هذا الحديث معارض لقوله في حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا: "ثم أدبر الرجل فقال رسول الله ﷺ ردوا علي الرجل فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئًا فقال النبي ﷺ هذا جبريل" الحديث، فيجمع بينهما بأن عمر ﵁ لم يحضر قول النبي ﷺ لهم في الحال، بل كان قد قام من المجلس لحاجة فأخبر النبي ﷺ الحاضرين في الحال، وأخبر عمر ﵁ بعد ثلاث، إذ لم يكن حاضرًا وقت إخبار الباقين والله أعلم اهـ نووي بتصرف. (ثم قال لي) رسول الله ﷺ (يا عمر أتدري) أي هل تعلم جواب استفهام (من السائل) لي في الأمس عن الإسلام والإيمان والإحسان، أي هل تعلم جنسه واسمه ولم جاء، وقوله من السائل مبتدأ وخبر والجملة الاستفهامية سادة مسد مفعولي درى، قال عمر (قلت) لرسول الله ﷺ (الله ورسوله أعلم) بذلك السائل جنسه واسمه وحكمة مجيئه، قال الأبي: إن أعلم على بابه من المفاضلة، لأن تعجبهم من صورة إتيانه الموهمة أنه جن أو ملك كاف في الشركة، أي الله ورسوله أعلم به منا، وإن ظننا أنه جن أو ملك، (قال) رسول اللْه ﷺ (فإنه جبريل) والفاء في قوله (فإنه جبريل) للإفصاح لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إذا فوضتم علم جنسه

стр. 600

أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ــ واسمه وسبب مجيئه إلى الله ورسوله وأردتم بيان ذلك لكم فأقول لكم إن جنس ذلك السائل هو الملك، وإن اسمه جبريل، وحكمة مجيئه أنه (أتاكم يعلمكم دينكم) أي أتاكم حالة كونه معلمًا إياكم قواعد دينكم وأساسه وأصوله أي حالة كونه مريدًا التسبب في تعلمكم دينكم بسؤاله إياي، وجملة يُعلم في محل النصب حال من فاعل أتاكم، كما قدرنا، قال السهيلي: جبريل ﵇ ملك متوسط بين الله تعالى ورسله ﵈ ولفظه سرياني، ومعناه عبد الرحمن أو عبد العزيز فيما ذُكر عن ابن عباس مرفوعًا، والأصح فيه الوقف، والأكثر على أن آخر الاسم هو الله تعالى، وقال ابن دريد وغيره: إن الإضافة في لسان العجم عكس ما هي عند العرب، فيقولون في غلام زيد مثلًا: زيد غلام، فعلى هذا يكون إيل عبارة عن عبد وأول الاسم هو الله تعالى. وعبارة المفهم قوله: "إنه جبريل" دليل على أن الله تعالى مكن الملائكة من أن يتمثلوا فيما يشاؤوا من صور بني آدم، كما قد نص على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا﴾ [مريم: ١٧] وقد كان جبريل يتمثل للنبي ﷺ في صورة دحية بن خليفة الكلبي، وقد كان لجبريل صورة خاصة خلق عليها لم يره النبي ﷺ عليها غير مرتين كما صح الحديث بذلك، وهذا يدل على أن النبي ﷺ عرف جبريل لكن في آخر الأمر، فأما قبل ذلك فقد جاء في كتاب البخاري التصريح بأنه لم يعرف جبريل إلا في آخر الأمر انتهى. وقال القاضي عياض: ما تقدم من قوله: ما المسؤول عنها، وما يأتي من قوله ﷺ رُدوا علي الرجل يدلان على أنه لم يعرفه في الحال، ويحتمل أن يكون عرفه في الحال وأخفى ذلك عن الحاضرين لحكمة الله تعالى في ذلك، ويكون قوله: ما المسؤول عنها بيانًا لأنها لا تخفى على جبريل، وقال لهم: ردوا علي الرجل ليبين لهم بلا شبهة أنه ليس آدميًّا، وتأويل أنه لم يعرفه المصرح به في صحيح البخاري أصح وهو قوله: "أتاكم يعلمكم دينكم وما أتى في صورة إلا عرفته بها إلا في هذه". قال الأبي: (فإن قلت) قد صح أن عِظمه سد ما بين السماء والأرض فكيف انحصر في قدر الإنسان (قلت) اختلف في الجواب عنه، فقيل يُذهب الله تعالى عنه القدر الزائد ثم يعيده سبحانه إليه، وقيل التمثيل إنما هو في عين الرائي لا في جسد جبريل ﵇ وقيل لجبريل حقيقة ملكية لا تختلف، وإنما تختلف الصور، والصور قوالب
следующие страницы →