← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قَال: فَأَخْبِرْنِي عَن أَمَارَتِهَا، قَال: "أَنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتَهَا، ــ بحسبها يشعر بأحد أخصائه على التعيين، وهو هنا كذلك، والقرينة اللفظية هي قوله: "في عداد خمس" أي في عداد الخمس التي لا يعلمها إلا الله تعالى، والسياقة هي أن الأصل في السائل عدم العلم، وجبريل ﵇ هنا سائل، فالمعنى: أنت لا تعلم، وأنا لست بأعلم منك، فكلانا لا يعلم، وقيل في الجواب إنه إنما ينفي الأعلمية بوقتها على التعيين، ولهما علم بأن لها مجيئًا في وقت ما وهو العلم المشترك اهـ من الأبي. قال القرطبي: (والساعة) في أصل الوضع مقدارٌ ما من الزمان غير معين ولا محدود لقوله تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا غَيرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] وفي عرف أهل الشرع عبارة عن يوم القيامة، وفي عرف الميقاتيين جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أوقات الليل والنهار. (قال) الرجل السائل إن لم تخبرني يا محمد عن وقت مجيئها (فأخبرني عن أمارتها) وعلاماتها، أي عن القرائن الدالة على قربها، والأمارات جمع أمارة بفتح الهمزة وبالهاء، والأمارُ بحذفها هي العلامة، قال القرطبي: وهي تنقسم إلى معتاد كالمذكورين في الحديث، وكرفع العلم، وظهور الجهل وكثرة الزنا وشرب الخمر وإلى غير معتاد كالدجال ونزول عيسى ﵇ وخروج يأجوج ومأجوج والدابة وطلوع الشمس من مغربها، قال ابن رُشد: واتفقوا على أنه لا بد من ظهور هذه الخمسة، واختلفوا في خمسة أُخر خسفٌ بالمشرق وخسفٌ بالمغرب وخسفٌ بجزيرة العرب والدخان ونار تخرج من قعر عدن تروح معهم حيث راحوا وتقيل معهم حيث قالوا، وزاد بعضهم وفتح القسطنطينية وظهور المهدي، ويأتي الكلام على المهدي إن شاء الله تعالى. (قال) رسول الله ﷺ الأمارات التي تدل على قرب الساعة كثيرة منها (أن تلد) وتضع (الأمة) أي الرقيقة المستفرشة (ربتها) أي مالكها هكذا جاء في رواية بالتأنيث، وفي أخرى ربها بالتذكير، وفي الأخرى بعلها وهو السيد، والرب المالك، وأُنث بالرواية الأولى على معنى النسمة ليشمل الذكر والأنثى، وقيل كراهية أن يقول ربها تعظيمًا للفظ الرب ولذا ورد: "لا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي ومولاي". قال القرطبي واختلف في معنى قوله: "أن تلد الأمة ربتها" على ثلاثة أقوال: أحدها أن المراد بها أن يستولي المسلمون على بلاد الكفار فيكثر التسري فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه بأبيه، وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة

стр. 597

وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالةَ ــ استيلاء المسلمين على المشركين، وكثرة الفتوح والتسري، وثانيها: أن يبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك فتتداول الأمهات المستولدة فربما يشتريها ولدها أو ابنتها ولا يشعر بذلك، فيصير ولدها ربها، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد والاستهانة بالأحكام الشرعية، وهذا على قول من يرى تحريم بيع أمهات الأولاد وهم الجمهور، ويصح أن يحمل على بيعهن في حال حملهن وهو محرم بالإجماع. وثالثها: أن يكثر العقوق في الأولاد فيُعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة والسب، ويشهد لهذا قوله في حديث أبي هريرة: "المرأة" مكان الأمة، وقوله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظًا" رواه الطبراني في الأوسط، وفيه جماعة لم يعرف حالهم. وفي السنوسي: قال الأكثرون هو كناية عن كثرة أولاد السراري وأمهاتهم، فإن ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لأن مال الإنسان صائر إلى ولده، ولا شك أنها مال لأبيه، وقد يتصرف الولد في مال أبيه قبل الموت تصرف المالكين، إما بتصريح أبيه له بالإذن، وإما بما يعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال. وقيل إن الإماء يلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته، وهذا قول إبراهيم الحربي اهـ، وأما بعلها في الرواية الأخرى فالصحيح في معناه أن البعل هو المالك أو السيد فيكون بمعنى ربها على ما ذكرناه فيه قال أهل اللغة بعل الشيء ربه ومالكه، وقال ابن عباس ﵄ والمفسرون في قوله : ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ أي ربًا وقيل المراد بالبعل في الحديث الزوج ومعناه نحو ما تقدم أنه يكثر بيع السراري حتى يتزوج الإنسان أمه وهو لا يدري وهذا أيضًا معنى صحيح إلا أن الأول أظهر لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى والله أعلم اهـ نووي. (و) منها (أن ترى) أنت يا محمد (الحفاة) جمع حاف وهو الذي لا يليس في رجله شيئًا (العراة) جمع عار وهو الذي لا يلبس على جسده ثوبًا (العالة) مخفف اللام جمع عائل وهو الفقير، والعيلة الفقر يقال عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر، وأما أعال

стр. 598

رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ في الْبُنْيَانِ" ــ الرجل يُعيل إذا كثر عياله فليس مرادًا هنا (رعاء الشاء) والرعاء بكسر الراء وبالمد جمع راع وأصل الرعي الحفظ قال النووي: ويجمع أيضًا على رعاة كغزاة (والشاء) جمع شاة وهو من الجمع الذي يفرق بينه وبين واحده بالهاء، وهو كثير فيما كان خلقةً لله تعالى كشجرة وشجر وثمرة وثمر، وإنما خص أهل الشاء بالذكر لأنهم أضعف أهل البادية، وجملة قوله (يتطاولون) أي يتفاخرون (في البنيان) أي في طولها، في محل النصب حال من مفعول ترى لأن الرؤية هنا بصرية. وهذه الأوصاف هي الغالبة على أهل البادية، ومقصود هذا الحديث الإخبار عن تبدل الحال وتغيره بأن يستولي أهل البادية الذين هم هذه صفاتهم على أهل الحاضرة ويتملكوا بالقهر والغلبة فتكثر أموالهم وتتسع في حطام الدنيا آمالهم، فتنصرف هممهم إلى تشييد المباني وهدم الدين وشريف المعاني، وأن ذلك إذا وجد كان من أشراط الساعة ويؤيد هذا ما ذكر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس لكع بن لكع" رواه أحمد (٥/ ٣٨٩) والترمذي (٢٢١٠) واللكع اللئيم، وقد شوهد هذا كله الآن عيانًا، فكان ذلك على صدق رسول الله ﷺ ، وعلى قرب الساعة حجة وبرهانًا. وفيه دليل على كراهية ما لا تدعو الحاجة إليه من تطويل البناء وتشييده، وقد قال ﷺ : "يؤجر ابن آدم في كل شيء إلا ما يضعه في هذا التراب" رواه البخاري (٥٦٧٢) بلفظ: "إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب" ومات رسول الله ﷺ ولم يضع حجرًا على حجر، ولا لبنة على لبنة، أي لم يشيد بناءً ولا طوله ولا تأنق فيه اهـ من المفهم. (فإن قلت) الساعة كما ذكر الله تعالى شيء عظيم فأشراطها ينبغي أن تكون كذلك فالدجال وإِخوانه من ذلك القبيل فما وجه العظم في أن تلد الأمة ربتها وتطاول الرعاء في البنيان (قلت) هو إما باعتبار ما يشعر أن به من تبدل الحال وتغيرها بانقلاب الأعزة أذلة كما في جعلها كناية عن كثرة أولاد السراري، فإن الأمهات بعد عزة التربية والحاجة إليهن في ذلك صرن ذليلات بالسلاطة عليهن، وإما باعتبار ما يشعر أن به من تناهي الحال المنذرة بالانحطاط وقرب الساعة، وإما باعتبار ما يشعر أن به من تغيير أحكام الله

стр. 599

قَال: ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَال لِي: "يَا عُمَرُ؛ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ " قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَال: "فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ ــ تعالى كما في جعلها كناية عن بيع أمهات الأولاد انتهى من الأبي. (قال) عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (ثم) بعد هذه الأسئلة والأجوبة (انطلق) وذهب الرجل السائل للنبي ﷺ (فلبث) أي أقام النبي ﷺ بعد انطلاقه وانصرافه، قال النووي هكذا ضبطناه (لبث) آخره ثاء مثلثة من غير تاء، وفي كثير من الأصول المحققة (لبثت) بزيادة تاء المتكلم المضمومة فيكون عمر هو الذي أخبر بذلك عن نفسه، وكلاهما صحيح، والمعنى عليه أي قال عمر ثم انطلق الرجل (فلبثث) أنا (مليًّا) بتشديد الياء أي زمانًا طويلًا وهو من الملاوة وهي القطعة من الدهر وفي ميمها الحركات الثلاثة وقد يُفسر الطول هنا بما في رواية أبي داود والترمذي: "ثم قال لي بعد ثلاث يا عمر ... " إلخ وفي شرح السنة للبغوي: "بعد ثالثة" وظاهر هذا أنه قال له بعد ثلاث ليال. وظاهر هذا الحديث معارض لقوله في حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا: "ثم أدبر الرجل فقال رسول الله ﷺ ردوا علي الرجل فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئًا فقال النبي ﷺ هذا جبريل" الحديث، فيجمع بينهما بأن عمر ﵁ لم يحضر قول النبي ﷺ لهم في الحال، بل كان قد قام من المجلس لحاجة فأخبر النبي ﷺ الحاضرين في الحال، وأخبر عمر ﵁ بعد ثلاث، إذ لم يكن حاضرًا وقت إخبار الباقين والله أعلم اهـ نووي بتصرف. (ثم قال لي) رسول الله ﷺ (يا عمر أتدري) أي هل تعلم جواب استفهام (من السائل) لي في الأمس عن الإسلام والإيمان والإحسان، أي هل تعلم جنسه واسمه ولم جاء، وقوله من السائل مبتدأ وخبر والجملة الاستفهامية سادة مسد مفعولي درى، قال عمر (قلت) لرسول الله ﷺ (الله ورسوله أعلم) بذلك السائل جنسه واسمه وحكمة مجيئه، قال الأبي: إن أعلم على بابه من المفاضلة، لأن تعجبهم من صورة إتيانه الموهمة أنه جن أو ملك كاف في الشركة، أي الله ورسوله أعلم به منا، وإن ظننا أنه جن أو ملك، (قال) رسول اللْه ﷺ (فإنه جبريل) والفاء في قوله (فإنه جبريل) للإفصاح لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إذا فوضتم علم جنسه

стр. 600

أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ــ واسمه وسبب مجيئه إلى الله ورسوله وأردتم بيان ذلك لكم فأقول لكم إن جنس ذلك السائل هو الملك، وإن اسمه جبريل، وحكمة مجيئه أنه (أتاكم يعلمكم دينكم) أي أتاكم حالة كونه معلمًا إياكم قواعد دينكم وأساسه وأصوله أي حالة كونه مريدًا التسبب في تعلمكم دينكم بسؤاله إياي، وجملة يُعلم في محل النصب حال من فاعل أتاكم، كما قدرنا، قال السهيلي: جبريل ﵇ ملك متوسط بين الله تعالى ورسله ﵈ ولفظه سرياني، ومعناه عبد الرحمن أو عبد العزيز فيما ذُكر عن ابن عباس مرفوعًا، والأصح فيه الوقف، والأكثر على أن آخر الاسم هو الله تعالى، وقال ابن دريد وغيره: إن الإضافة في لسان العجم عكس ما هي عند العرب، فيقولون في غلام زيد مثلًا: زيد غلام، فعلى هذا يكون إيل عبارة عن عبد وأول الاسم هو الله تعالى. وعبارة المفهم قوله: "إنه جبريل" دليل على أن الله تعالى مكن الملائكة من أن يتمثلوا فيما يشاؤوا من صور بني آدم، كما قد نص على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا﴾ [مريم: ١٧] وقد كان جبريل يتمثل للنبي ﷺ في صورة دحية بن خليفة الكلبي، وقد كان لجبريل صورة خاصة خلق عليها لم يره النبي ﷺ عليها غير مرتين كما صح الحديث بذلك، وهذا يدل على أن النبي ﷺ عرف جبريل لكن في آخر الأمر، فأما قبل ذلك فقد جاء في كتاب البخاري التصريح بأنه لم يعرف جبريل إلا في آخر الأمر انتهى. وقال القاضي عياض: ما تقدم من قوله: ما المسؤول عنها، وما يأتي من قوله ﷺ رُدوا علي الرجل يدلان على أنه لم يعرفه في الحال، ويحتمل أن يكون عرفه في الحال وأخفى ذلك عن الحاضرين لحكمة الله تعالى في ذلك، ويكون قوله: ما المسؤول عنها بيانًا لأنها لا تخفى على جبريل، وقال لهم: ردوا علي الرجل ليبين لهم بلا شبهة أنه ليس آدميًّا، وتأويل أنه لم يعرفه المصرح به في صحيح البخاري أصح وهو قوله: "أتاكم يعلمكم دينكم وما أتى في صورة إلا عرفته بها إلا في هذه". قال الأبي: (فإن قلت) قد صح أن عِظمه سد ما بين السماء والأرض فكيف انحصر في قدر الإنسان (قلت) اختلف في الجواب عنه، فقيل يُذهب الله تعالى عنه القدر الزائد ثم يعيده سبحانه إليه، وقيل التمثيل إنما هو في عين الرائي لا في جسد جبريل ﵇ وقيل لجبريل حقيقة ملكية لا تختلف، وإنما تختلف الصور، والصور قوالب

стр. 601

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أقدره الله تعالى على التشكل بضروبها، فقد رآه مرة في صورة دحية الكلبي ورآه أخرى في صورة فحل من الإبل فاتحًا فاه يريد أن يثب على أبي جهل حين أراد أن ينال من رسول الله ﷺ . وهذا كالروح بالنسبة إلى البدن والروح لا تختلف وإنما يختلف البدن ألا ترى أنه في الجنة ينقلب البدن إلى عالم الأجسام اللطيفة النورانية الملكية، بعد أن كان كثيفًا ثخينًا، والروح لم تختلف فحقيقة جبريل ﵇ كلها معلومة للنبي ﷺ في أي قالب كانت هكذا قالوا والله أعلم وليس فيه نص صريح. اهـ من الأبي. وقوله (يعلمكم دينكم) أي قواعد دينكم أو كليات دينكم، قال النووي: فيه أن الدين اسم للثلاثة الإسلام والإيمان والإحسان اهـ. قال القاضي عياض: وهذا الحديث قد اشتمل على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه. قال القرطبي: فيصلح هذا الحديث أن يقال فيه إنه أم السنة لما تضمنه من جمل علم السنة كما سُميت الفاتحة أم القرآن، لما تضمنته من جمل معاني القرآن، كما بسطنا الكلام فيها في تفسيرنا حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن فراجعه. قال النووي (واعلم) أن هذا الحديث يجمع أنواعًا من العلوم والمعارف والآداب واللطائف بل هو أصل الإسلام كما حكيناه عن القاضي عياض، وقد تقدم في ضمن الكلام السابق، بيان جمل من فوائده، ومما لم نذكره من فوائده أنه يدل على أنه ينبغي لمن حضر مجلس العالم إذا علم بأهل المجلس حاجة إلى مسألة لا يسألون عنها، أن يسأل هو عنها ليحصل الجواب للجميع، وعلى أنه ينبغي للعالم أن يرفق بالسائل ويدنيه منه ليتمكن من سؤاله غير هائب ولا منقبض، وأنه ينبغي للسائل أن يرفق في سؤاله والله أعلم انتهى. (واعلم) أن حكم سند هذا الحديث الصحة ودرجته أنه صحيح، وغرض المؤلف بذكره الاستدلال به على الترجمة، لأنه دل على الجزئين الأولين من الترجمة، وهو بيان معاني الإسلام والإيمان والإحسان الشرعية، وبيان وجوب الإيمان بالقدر وهو من

стр. 602

٢ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدٍ الغُبَرِيُّ وَأبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِي وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ ــ الأصول لا من الشواهد والتوابع، وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث أبو داود (٤٦٩٥) والترمذي (٢٦١٣) والنسائي (٩٧١٨) وابن ماجه (٦٣) وأحمد (١/ ٥١) ثم استتبع المؤلف رحمه الله تعالى لحديث كهمس فقال: (٢) - متا ١ (٠٠) (وحدثني محمد بن عبيد) مصغرًا بن حساب بكسر الحاء وتخفيف السين المهملة آخره موحدة (الغبري) بضم الغين المعجمة وتخفيف الموحدة المفتوحة، أبو عبد الله البصري روى عن أبي عوانة وحماد بن زيد وإسماعيل بن علية وجماعة ويروي عنه (م د س) وأبو زرعة وأبو حاتم وخلق، وقال في التقريب ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٨) ثمان وثلاثين ومائتين، وقال ابن منجويه روى عنه المؤلف عن حماد بن زيد في كتاب الإيمان، وفي باب الجنائز وفي غيرهما، وعنه عن أبي عوانة في كتاب الأدب، وعنه عن جعفر بن سليمان في باب (المرء مع من أحب) وجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيهما خمسةٌ تقريبًا (و) حدثني أيضًا (أبو كلامل) فضيل بن حسين بن طلحة (الجحدري) بفتح الجيم وبعدها حاء ساكنة البصري، روى عن الحمادين وأبي عوانة وسُليم بن أخضر ويروي عنه (م د س) وزكريا الساجي والبغوي وجمع، وقال في التقريب: ثقة حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣٧) سبع وثلاثين ومائتين. روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان والصلاة والصوم والحج والجهاد، وباب حق الجار وغيرها، وجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ستة تقريبًا. (و) حدثني أيضًا (أحمد بن عبدة) بن موسى الضبي أبو عبد الله البصري، روى عن حماد بن زيد وأبي عوانة وعبد الواحد بن زياد وفضيل بن عياض وخلق، ويروي عنه (م عم) وعبد الله بن محمد البغوي وابن خزيمة وخلق، وثقه أبو حاتم والنسائي، وقال في التقريب ثقة من العاشرة مات سنة (٢٤٥) خمس وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان والصلاة والزكاة وغيرها. وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، لأن كلًّا من الثلاثة ثقة، ومن لطائفه أن كلًّا

стр. 603

قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ بُرَيدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَال: لَمَّا تَكَلَّمَ مَعْبَدٌ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ في شَأنِ القَدَرِ .. أَنْكَرْنَا ذَلِكَ، قَال: فَحَجَجْتُ أَنَا وَحُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَجَّةً ــ منهم بصريون من العاشرة، ثلاثتهم (قالوا حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصري أحد الأئمة الأعلام، روى عن أنس بن سيرين وعاصم بن بهدلة وثابت وأيوب ومطر الوراق، وخلق ويروي عنه (ع) والثوري وابن مهدي وابن المديني وخلق، وقال في التقريب ثقة فقيه من كبار الثامنة مات سنة (١٧٩) تسع وسبعين ومائة وله (٨١) سنة وكان ضريرًا يحفظ حديثه كله، وكان جده درهم من سبي سجستان، روى عنه المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان والبيوع والفتن والوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج والنكاح واللباس والأيمان والجهاد والأطعمة والأدب وجملة الأبواب التي روى عنه فيها أربعة عشر تقريبًا. (عن مطر) بفتحتين بن طهمان بفتح فسكون أبي رجاء (الوراق) كان يكتب المصاحف فقيل له الوراق السلمي مولاهم الخراساني ثم البصري، روى عن أنس مرسلًا وعكرمة وعبد الله بن بريدة وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وابن أبي عروبة والحمّادان وغيرهم قال أحمد هو في عطاء ضعيف وقال في التقريب صدوق كثير الخطأ من السادسة مات سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة. روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الوضوء والصلاة والحج وكتاب البيوع وفي بيع المدبر وفي صفة أهل الجنة وأهل النار فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعة تقريبًا. وغرض المؤلف رحمه الله تعالى بسوق هذا السند بيان متابعة مطر الوراق لكهمس بن الحسن في رواية هذا الحديث عن عبد الله بن بريدة متابعة تامة وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأن مطرًا المتابع ضعيف أو صدوق فلا يقوى المتابع ومن لطائف هذا السند أن رواته كلهم بصريون (عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال) يحيى (لما تكلم معبد) الجهني (بما تكلم به في شأن القدر) وحكمه وهو نفسه (أنكرنا) نحن أهل السنة (ذلك) الكلام الذي تكلم به في شأن القدر عليه (قال) يحيى بن يعمر (فحججت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حجة) هو بكسر الحاء المهملة وفتحها

стр. 604

وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ كَهْمَسٍ وَإِسْنَادِهِ، وَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانُ أَحْرُفٍ. ٣ - (٠٠) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، ــ لغتان فالكسر هو المسموع من العرب والفتح هو القياس كالضربة وشبهها وذكر المؤلف هنا ما ذكر من المتن لما فيه من المخالفة لما في الرواية الأولى فلا اعتراض عليه. وقوله (وساقوا الحديث) بواو الجماعة تحريف من النساخ لأن المتابع هنا واحد وهو مطر الوراق والصواب (وساق الحديث) أي وذكر مطر الوراق الحديث (بمعنى حديث كهمس) السابق لا بلفظه (و) بـ (ـإسناده) أي وبإسناد كهمس يعني عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر وقوله بإسناده حشو لا حاجة إليه لأنه ذكر هنا تمام السند (وفيه) أي وفي ذلك المعنى الذي رواه مطر الوراق (بعض زيادة) من الألفاظ التي عبر بها عن ذلك المعنى على ما رواه كهمس (ونقصان أحرف) وألفاظ مما رواه كهمس والمعنى وفي ذلك المعنى الذي رواه مطر شيء من الزيادة على ما رواه كهمس وشيء من النقصان مما رواه كهمس، ولو قال أولًا بنحو معنى حديث كهمس لاستغنى عن هذه الجملة الركيكة. وقد مر لك في أوائل المقدمة أن قوله بنحو معناه عبارة عن الحديث اللاحق الموافق للحديث السابق في بعض معناه دون لفظه. ثم استتبع المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث كهمس فقال: (٣) - متا ٢ (٠٠) (وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون أبو عبد الله المؤدب السمين المروزي ثم البغدادي روى عن يحيى بن سعيد القطان ووكيع وابن علية وابن عيينة وغيرهم، ويروي عنه (م د) وأحمد بن الحسن الصوفي وجماعة وثقه الدارقطني وابن عدي وأفرط ابن معين فكذبه، وقال في التقريب صدوق ربما وهم وكان فاضلًا من العاشرة مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين. وروى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الوضوء وفي الصلاة وفي الصوم وفي الحج في ثلاثة مواضع وفي الديات وفي الأحكام وفي الجهاد وفي اللباس وفي الأمثال وفي الفتن في موضعين، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أحد عشر بابا تقريبًا. قال محمد بن حاتم: (حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم خاء معجمة (القطان) التميمي أبو سعيد البصري كان من

стр. 605

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ وَحُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالا: (لَقِينَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَذَكَرْنَا الْقَدَرَ وَمَا يَقُولُونَ فِيهِ ... ) فَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ كَنَحْو حَدِيثِهِمْ ــ سادات أهل زمانه حفظًا وورعًا وفهمًا وفضلًا ودينًا وعلمًا وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث وأمعن في البحث عن النقل وترك الضعفاء أحد أئمة الجرح والتعديل، روى عن عثمان بن غياث وسليمان التيمي وحميد الطويل ويحيى بن سعيد الأنصاري وخلق، ويروي عنه (ع) وشعبة وابن مهدي وأحمد وإسحاق وابن المديني وخلائق، وقال في التقريب: ثقة متقن حافظ إمام قدوة من كبار التاسعة مات سنة (١٩٨) ثمان وتسعين ومائة وله ثمان وسبعون (٧٨) سنة. روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان في مواضع وفي الوضوء وفي الصلاة في موضعين وفي الجنائز وفي الزكاة في ثلاثة مواضع وفي الصوم وفي الحج وفي كفارة المرض وفي النكاح وفي البيوع وفي الديات وصفة الحشر وعذاب القبر فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثلاثة عشر بابا تقريبًا. قال يحيى (حدثنا عثمان بن غياث) بغين معجمة وثاء مثلثة الراسبي أو الزهراني البصري روى عن عبد الله بن بريدة وأبي عثمان النهدي وعكرمة، ويروي عنه (خ م د س) وشعبة ويحيى القطان وغيرهم، قال ابن المديني: له نحو عشرة أحاديث، وقال أحمد: ثقة يرى الإرجاء، وقال في التقريب: ثقة من السادسة، روى عنه المؤلف رحمه الله تعالى في ثلاثة أبواب فقط في كتاب الإيمان وفي فضل عثمان بن عفان ﵁ وفي باب الدعاء. قال عثمان بن غياث (حدثنا عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن قالا) أي قال يحيى وحميد (لقينا عبد الله بن عمر) أي رأيناه في المسجد الحرام (فذكرنا) نحن له شأن (القدر) أي ما نقول ونعتقد فيه من وجوبه لله تعالى ووجوب الإيمان به (و) ذكرنا له (ما يقولون فيه) أي ما يقول مبتدعة البصرة، معبد وأصحابه فيه من نفيه وعدم وجوب الإيمان به (فاقتص) عثمان بن غياث (الحديث) السابق عن عمر وذكره، وقوله (كنحو حديثهم) بضمير الجمع من تحريف النساخ والصواب (كنحو حديثهما) بضمير التثنية، لأن المتابع بصيغة اسم المفعول اثنان كهمس ومطر والكاف في قوله كنحو حديثهما زائدة لأن الكاف بمعنى المثل والمثل

стр. 606

عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِيهِ شَيء مِنْ زِيَادَةٍ وَقَدْ نَقَصَ مِنْهُ شَيئًا. ٤ - (٠٠) وَحَدَّثَنِي حَجاجُ بْنُ الشاعِرِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ــ والنحو ضدان فلا يجتمعان، والمعنى واقتص عثمان بن غياث الحديث (عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ نحو حديثهما أي نحو حديث كهمس ومطر الوراق والضمير في قوله (وفيه) عائد إلى النحو الذي رواه عثمان بن غياث أي وفي ذلك النحو الذي رواه عثمان بن غياث (شيء من زيادة) على حديث كهمس ومطر (وقد نقص) عثمان بن غياث (منه) أي من الحديث المروي عن عمر (شيئًا) قليلًا من النقص وهذه الجملة حشو لا حاجة إليها لأن مضمونها مفهوم من قوله كنحو حديثهما وغرض المؤلف رحمه الله تعالى بسوق هذا السند بيان متابعة عثمان بن غياث لكهمس بن الحسن ومطر الوراق عن عبد الله بن بريدة وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأن المتابع والمتابع كليهما ثقتان. ثم استتبع المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث عبد الله بن بريدة فقال: (٤) - متا ٣ (٠٠) (وحدثني حجاج) بن يوسف بن حجاج الثقفي المعروف بـ (ابن الشاعر) البغدادي الحافظ روى عن يونس بن محمد المؤدب وروح بن عبادة وعبيد الله بن موسى وحجاج بن محمد وعفان بن مسلم وخلق ويروي عنه (م د) والمحاملي وابن أبي حاتم وغيرهم وقال في التقريب ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة (٢٥٩) تسع وخمسين ومائتين. روى عنه المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان وفي الصلاة في أربعة مواضع وفي صفة النبي ﷺ وفي الحج في موضعين وفي النكاح وفي البيوع في أربعة مواضع وفي الجهاد وفي الفضائل في ثلاثة مواضع وفي باب الصيد وفي الذبائح وفي باب الضحايا وفي الطب وفي الدعاء وفي باب صفة الجنة فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها أربعة عشر بابا تقريبًا. قال الحجاج: (حدثنا يونس بن محمد) بن مسلم البغدادي أبو محمد المؤدب الحافظ روى عن حرب بن ميمون وفليح ونافع بن عمر والحمادين وجماعة ويروي عنه (ع) وابنه إبراهيم وأحمد وعلي بن المديني وابنا أبي شيبة وحجاج بن الشاعر وجماعة، وثقه

стр. 607

حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْو حَدِيثِهِمْ ــ ابن معين ويعقوب بن شيبة وقال في التقريب ثقة ثبت من صغار التاسعة مات سنة (٢٠٧). روى عنه المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان وفي الصلاة وفي النكاح في موضعين وفي باب الأطعمة وفي الفتن فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها خمسة أبواب قال يونس بن محمد (حدثنا المعتمر) بن سليمان بن طرخان التيمي أبو محمد البصري أحد الأئمة الأعلام نزل في تيم وكان يلقب بالطفيل، روى عن أبيه سليمان وحميد الطويل ومنصور وكهمس وأيوب ويروي عنه (ع) وابن المبارك وابن مهدي وعفان والثوري، وثقه أبو حاتم وابن معين وابن سعد، وقال في التقريب: ثقة من كبار التاسعة مات سنة (١٨٧) وليس معتمر عندهم إلا هذا الثقة. روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الصلاة في ثلاثة مواضع، وفي الوضوء (الماء من الماء) وفي اللِّعان والجهاد، وفي الصوم وفي الحج وفي النكاح وفي الأدب وفي الشعر فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها عشرة تقريبًا. (عن أبيه) سليمان بن طرخان أبي المعتمر البصري التيمي نزل في التيم فنسب إليهم، أحد سادة التابعين علمًا وعملًا، وكان أبوه طرخان مكاتبًا لبني قرة، وكانت امرأته مكاتبة لبني سليم، فأعتقت قبل طرخان فولدت سليمان وهي حرة، قال المعتمر بن سليمان: قال لي أبي: اكتب القيسي فإن أمي مولاة لقيس وأبي عبد لقيس أحدهما قيس بن ثعلبة والآخر قيس عيلان. روى عن أنس وأبي عثمان النهدي وطاوس ويحيى بن يعمر، ويروي عنه (ع) وابنه المعتمر وشعبة وابن المبارك وخلق، وقال في التقريب: ثقة عابد من الرابعة مات سنة (١٤٣) ثلاث وأربعين ومائة عن (٩٩) تسع وتسعين سنة وقيل (٩٧) سبع وتسعين. روى عنه المؤلف في الإيمان في ثلاثة مواضع وفي الوضوء وفي الصلاة في ثلاثة مواضع وفي الصوم وفي النكاح وفي الجهاد والزكاة في موضعين وفي الحج وفي الأشربة في ثلاثة مواضع وفي ذكر موسى والقدر وفي الفضائل وفي الجامع وفي الفتن فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثلاثة عشر بابا تقريبًا. (عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر) ﵄ (عن النبي ﷺ وقوله (بنحو حديثهم) تحريف من النساخ ولعل الصواب (بنحو حديثه) لأن

стр. 608

٥ - (٩) حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا ــ المتابع واحد وهو سليمان بن طرخان، والمعنى روى أبو المعتمر سليمان بن طرخان بنحو حديث عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر فغرض المؤلف بسوق هذا السند بيان متابعة أبي المعتمر لعبد الله بن بريدة في رواية هذا الحديث عن يحيى بن يعمر. وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأن المتابع والمتابَع ثقتان ورجال هذا السند اثنان منهم بغداديان، وثلاثة بصريون، ومن لطائفه أن فيه رواية ولد عن والده في موضعين، ورواية صحابي عن صحابي والله أعلم. فجملة ما ذكره المؤلف ﵀ في حديث عمر بن الخطاب من المتابعة ثلاثةٌ، متابعة مطر الوراق لكهمس، ومتابعة عثمان بن غياث لكهمس ومطر، ومتابعة سليمان بن طرخان لعبد الله بن بريدة، ثم استشهد المؤلف لحديث عمر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما بعد ما استدل على الترجمة بحديث عمر تقوية له فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ... إلخ وفي بعض النسخ هنا ترجمة وهي (باب الإيمان ما هو وبيان خصاله). (٥) - ش (٩) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي بموحدة مولاهم الكوفي الحافظ أحد الأئمة الأعلام ممن كتب وصنف وجمع، روى عن إسماعيل بن عُلية وشريك وهشيم وابن المبارك وجرير بن الحميد وابن عيينة وخلق، ويروي عنه (خ م د س ق) وأبو زرعة وأحمد بن علي المروزي وخلق. روى عنه المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان في موضعين وفي الوضوء وفي الصلاة في ثلاثة مواضع وفي الجنائز والزكاة والصوم في ثلاثة مواضع وفي الحج في موضعين وفي النكاح في ثلاثة مواضع وفي الفضائل في موضعين وفي الجهاد وفي اللباس وفي الأطعمة في موضعين وفي الطب وفي الدعاء وفي صفة الحشر، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها خمسة عشر تقريبًا. (و) كذلك حدثنا (زهير بن حرب) بن شداد الحرشي بمهملتين ثم شين معجمة أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد من العاشرة مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه لأن المتقارنين ثقتان وقوله (جميعًا) حال من الفاعل أتى به

стр. 609

عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَال زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي حَيانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ابْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، ــ للتأكيد، أي حالة كونهما مجتمعين في الرواية (عن) إسماعيل بن إبراهيم بن سهم بن مقسم القرشي الأسدي مولاهم مولى بني أسد بن خزيمة الحافظ البصري المعروف بـ (ـا بن عُلية) بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء اسم أمه وهي أيضًا مولاة لبني أسد بن خزيمة، روى عن أبي حيان يحيى بن سعيد التيمي وأيوب وعطاء بن السائب وروح بن القاسم وخلق ويروي عنه (ع) وابن أبي شيبة وزهير بن حرب وعلي بن حجر وأحمد وابن راهويه وخلق، وقال في التقريب: ثقة حافظ من الثامنة ولد سنة عشر ومائة (١١٠) ومات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة في ذي القعدة. روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الجهاد في موضعين وفي الفضائل في موضعين وفي التفسير وفي الصلاة وفي الزكاة والنكاح وفي الصوم في ثلاثة مواضع وفي الحج في خمسة مواضع وفي الوصايا والفتن في موضعين وفي الأشربة في موضعين وفي الأطعمة وفي القدر، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أربعة عشر بابا تقريبًا. (قال زهير) بن حرب في صيغة روايته عنه (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) بصريح صيغة السماع وبذكر اسمه واسم أبيه، وأما أبو بكر بن أبي شيبة فروى عنه بالعنعنة، وبنسبته إلى أمه لكونه معروفًا بها، وفصل بين صيغتي شيخيه تورعًا من الكذب على أحدهما لو اقتصر على إحدى الصيغتين. أي روى كل منهما عن ابن عُلية حالة كون ابن علية راويًا (عن أبي حيان) يحيى بن سعيد بن حبَّان بمهملة وتحتانية التيمي تيم الرباب بفتح الراء إخوة بني عدي الكوفي المدني العابد، روى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير وأبيه وعمه يزيد بن حيان والشعبي وخلق، ويروي عنه (ع) وإسماعيل بن علية وأيوب وشعبة وابن المبارك والثوري وجماعة، قال العجلي: ثقة صالح صاحب سنة، وقال في التقريب: ثقة عابد من السادسة مات سنة (١٤٥) خمس وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الجهاد وفي الفضائل في موضعين وفي الهبة والفتن والتفسير، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ستة تقريبًا (عن أبي زرعة) هَرِم (بن عمرو بن جرير) بن عبد الله البجلي الكوفي، وقيل اسمه عمرو وقيل عبد الله وقيل عبد الرحمن وقيل جرير مشهور

стр. 610

عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَومًا بَارِزًا لِلناسِ، فَأتَاهُ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا الإِيمَانُ؟ قَال: "أنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ" ــ بكنيته، روى عن أبي هريرة وجده جرير بن عبد الله ومعاوية وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأبو حيان التيمي وعلي بن مُدرك وعمه إبراهيم بن جرير وإبراهيم النخعي وغيرهم، ثقة من الثالثة. روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي باب الفتن وفي غيرهما. (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني ﵁ تقدمت ترجمته في أوائل الكتاب (قال) أبو هريرة كان رسول الله ﷺ يومًا) من الأيام (بارزًا للناس) أي ظاهرًا بالبَراز خارجًا إليه لأجلهم، وهو الفضاء ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ وقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾ وقوله: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ﴾ (فأتاه) أي جاءه ﷺ (رجل) غير معروف لهم (فقال) ذلك الرجل (يا رسول الله ما الإيمان) أي ما حقيقته وماهيته وأركانه وأجزاؤه، لأن ما يسأل بها عن الحقيقة، وأما قوله في حديث أبي هريرة يا رسول الله بدل قوله في حديث عمر يا محمد فهو نقل بالمعنى، وحديث عمر نقل باللفظ والله أعلم. (قال) رسول الله ﷺ مجيبًا لسؤاله الإيمان أي حقيقته وأركانه (أن تؤمن) وتصدق (بالله) أي بوحدانيته تعالى (و) بوجود (ملائكته) أي وبوجود عباد له مكرمين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (و) بإنزال (كتابه) الذي أنزله على بعض رسله، والمراد بكتابه الجنس الصادق بجميع كتبه المنزلة على رسله وهي مائة وعشرة (و) بـ (ـلقائه) بالموت (و) بإرسال (رسله) بشريعته إلى جميع المكلفين ليأمروهم بها (وتؤمن بالبعث الآخر) بكسر الخاء واللقاء الموت والبعث الآخر القيام للحساب، قال القاضي عياض: وصف البعث بالآخر تأكيدًا أو لأن الخروج من الأرحام بعث أول اهـ. وقال النووي: واختلف في المراد بالجمع بين الإيمان بلقاء الله تعالى والإيمان بالبعث، فقيل اللقاء يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء والبعث بعده عند قيام الساعة،

стр. 611

قَال: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا الإِسْلامُ؟ قَال: "الإِسْلامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّه وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شيئًا، ــ وقيل اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب ثم ليس المراد باللقاء رؤية الله تعالى فإن أحدًا لا يقطع لنفسه برؤية الله تعالى لأن الرؤية مختصة بالمؤمنين ولا يدري الإنسان بماذا يختم له. وأما وصف البعث بالآخر فقيل هو مبالغة في البيان والإيضاح وذلك لشدة الاهتمام به وقيل سببه أن خروج الإنسان إلى الدنيا بعث من الأرحام، وخروجه من القبر للحشر بعث من الأرض، فقيد البعث بالآخر ليتميز عن الأول والله أعلم. وإنما أعاد العامل في قوله (وتؤمن بالبعث الآخر) وكذا الجار، ولم يكتف بالعطف على لفظ الجلالة اهتمامًا بشأنه لأن مشركي مكة وغيرهم من سائر المشركين ينكرونه. (قال) الرجل السائل (يا رسول الله) هذا نقل بالمعنى كما عرفت (ما الإسلام) أي ما حقيقته وماهيته (قال) رسول الله ﷺ (الإسلام) أي حقيقته وماهيته (أن تعبد الله) وتوحده وقوله (ولا تشرك به) (شيئًا) من المخلوقات حيوانًا ولا جمادًا مَلَكًا أو إنسانًا أو جنًّا حيًّا أو ميتًا، تفسير له، وهذا نقل بالمعنى، وأما حديث عمر (أن تشهد أن لا إله إلا الله) نقل باللفظ، قال النووي: أما العبادة فهي الطاعة مع خضوع فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى والإقرار بوحدانيته فعلى هذا يكون عطف الصلاة والصوم والزكاة عليها لإدخالها في الإسلام لأنها لم تكن دخلت في العبادة، وعلى هذا إنما اقتصر على هذه الثلاثة لكونها من أركان الإسلام، وأظهر شعائره، والباقي ملحق بها ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقًا، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وما بعدها عليها من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيهًا على شرفه ومزيته كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ ونظائره. وأما قوله (ولا تشرك به شيئًا) فذكره بعد العبادة التي هي التوحيد مع دخول عدم الشرك فيها للتفسير، ولأن الكفار كانوا يعبدونه في الصورة، ويعبدون معه أوثانًا يزعمون أنها شركاء لله تعالى، فنفى به عملهم هذا اهـ. كما يقولون: (لبيك اللهم

стр. 612

وَتُقِيمَ الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ" ــ لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه هو وما ملك) (و) أن (تقيم الصلاة المكتوبة) أي المفروضة، أي أن تؤديها بأركانها وشرائطها وآدابها أو تُديم إقامتها وتحافظ عليها (و) أن (تؤدي) أي تصرف (الزكاة المفروضة) أي الواجبة في مصارفها الثمانية المبينة في القرآن الكريم. قال النووي إقامة الصلاة إدامتها، وقيل هو فعلها على ما ينبغي لها ويطلب فيها، قال: والأول أوجه، قال الأبي: بل المعنى الثاني أوجه لأنه يستلزم الأول، والكتب في الصلاة والفرض في الزكاة بمعنى واحد، وغاير بينهما كراهية تكرير اللفظ بعينه، فهو مذموم إلا أن يفيد معنى زائدًا، وهذا هو المسمى عند البديعيين بالتفنن وهو ذكر نوعين من الكلام لثقل تكرار أحدهما على اللسان، قال الأبي: ويظهر لي أنه إنما فعل ذلك أعني تخصيص الصلاة بالكتب والزكاة بالفرض لأنه عُرف الشرع فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وقال ﷺ : "وخمس صلوات كتبهن الله" وقال أيضًا: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" وقال أيضًا: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل"، وفي كتاب رسول الله ﷺ في الصدقة: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ ، وفي الحديث: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر إلى غير ذلك من آية وحديث. وخص الزكاة بلفظ الفرض لأن الفرض التقدير، وفي الزكاة تقديرات، تقدير النصاب، وتقدير القدر المخرج وتخمين الثمر على الشجر إلى غير ذلك، وقال المارزي وقيدتا بالكتب والفرض لأن في كل منهما ما هو غير واجب كركعتي الفجر وسائر النوافل في الصلاة، وكالزكاة المعجلة قبل الحول فإنها تسمى زكاة وليست بفرض وتجزئ عند بعضهم، وكزكاة الفطر على القول بأنها سنة وكسائر صدقات التطوع. قال القرطبي: وتقييده في فذا الحديث الصلاة بالمكتوبة والزكاة بالمفروضة دليل على أن النوافل لا تدخل في مسمى الإسلام الشرعي فيخرج الصلوات المسنونات وغيرها، وزكاة الفطر على قول من يرى أنها سنة، وصدقات التطوع وهذا كله يدور على القول بدليل الخطاب على ما أوضحناه في الأصول انتهى. (و) أن (تصوم) شهر (رمضان) قال القرطبي: وهذا دليل على جواز أن يقال

стр. 613

قَال: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا الإِحْسَانُ؟ قَال: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ .. فَإِنهُ يَرَاكَ". قَال: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَال: "مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا ــ رمضان بلا إضافة شهر إليه خلافًا لمن يقول لا يقال رمضان بل يقال شهر رمضان متمسكًا في ذلك بحديث لا يصح، وهو أنه يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى" أخرجه ابن عدي في الكامل من حديث أبي معشر ولا يحتج به، ولو سلمنا صحته لكانت الأحاديث التي فيها ذكر رمضان من غير شهر هي الأولى بالصحة، لأنها أصح وأشهر ولأن مثبته منكر إذ لم يوجد في شيء من أسماء الله تعالى رمضان، ولأن المعنى الذي اشتق منه رمضان محال على الله تعالى، وحُكي عن القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني أنه قال: إنما يكره ذلك فيما يدخل في الكلام لبسًا مثل جاء رمضان ودخل رمضان، وأما صمنا رمضان فلا بأس به انتهى. (قال) الرجل السائل (يا رسول الله ما) حقيقة (الإحسان) والإخلاص في العمل (قال) رسول الله ﷺ مجيبًا له الإحسان (أن تعبد الله) أي أن تخلص عملك لله تعالى (كأنك تراه) وتشاهده، أي إن الإحسان عبادتك له مستحضرًا في عملك خشوعًا وخضوعًا مثل خضوعك له حين تراه وتشاهده لو رأيته (فإنك) أيها العابد لربه (أن لا تراه) أي إن لم ترَ ربك حين تعبده (فإنه) (يراك) أي يرى ذاتك وعملك، ويعلم أنك أخلصت فيه أم لا، والمعنى أخلص عملك له إخلاصًا كإخلاص من يراه ويشاهده ويقوم بين يديه ولا يلتفت إلى غيره. (قال) الرجل (يا رسول الله متى) قيام (الساعة) وأي وقت مجيء القيامة، قال القرطبي: مقصود هذا السؤال امتناع السامعين من السؤال عنها إذ قد كانوا أكثروا السؤال عن تعيين وقتها كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ وهو كثير في الكتاب والسنة فلما أجابه النبي ﷺ بأنه لا يعلمها إلا الله يئس السائلون من معرفتها فانكفوا عن السؤال عنها، وهذا بخلاف الأسئلة الأُخر فإن مقصودها استخراج الأجوبة عنها ليستعملها السامعون ويعمل بها العاملون انتهى. (قال) رسول الله ﷺ مجيبًا له (ما المسؤول عنها) يريد نفسه

стр. 614

بِأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَن اشرَاطِهَا: ــ (بأعلم من السائل) يريد الرجل، أي أنا وأنت وغيرنا من المخلوقات سواءٌ في عدم علم وقت مجيء الساعة لأنها من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه فلا يعلم أحد وقت مجيئها لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، قال الرجل السائل (ولكن) حدثني يا رسول الله عن أشراطها قال رسول الله ﷺ (سأحدثك عن أشراطها) أي في الزمن القريب أخبرك عن أشراط الساعة وأماراتها التي تدل على قربها، وإنما أوَّلنا هذا الحديث هكذا ليحصل الجمع بين هذا الحديث الوارد بطريق أبي هريرة، وبين الحديث الوارد بطريق عمر السابق قبل هذا، لأن بين الحديثين معارضة، لأن قوله في حديث عمر (فأخبرني عن أماراتها) يدل على أن المبتدئ بالسؤال جبريل ﵇ والمجيب هو النبي ﷺ ، وقوله هنا في حديث أبي هريرة (ولكن سأحدثك عن أشراطها) يدل على أن النبي ﷺ أجاب وأخبر له بلا سبق سؤال منه، فيجمع بينهما بأن جبريل ﵇ ابتدأ بالسؤال المقدر كما قدرناه فأجابه النبي ﷺ بقوله: (سأحدثك عن أشراطها) فذكر في حديث عمر السؤال والجواب، وذكر في حديث أبي هريرة الجواب وحذف السؤال، فبهذا يزول التعارض بين الحديثين والله أعلم. وعبارة القرطبي هنا قوله (سأحدثك عن أشراطها) هكذا في حديث أبي هريرة وفي حديث عمر (قال فأخبرني عن أماراتها) ووجه الجمع بينهما أنه لم يقل له النبي ﷺ سأحدثك عن أشراطها حتى قال له جبريل فأخبرني عن أمارتها فذكر في إحدى الروايتين السؤال والجواب، وفي الأخرى الجواب فقط والله أعلم انتهى. (فائدة) قال الأبي: إذا ورد حديثان في معنى بطريقين بينهما تنافٍ فلا بد من الجمع بين الطريقين، وطريق الجمع إن اتحد الموطن أن يُذكر وجهٌ يناسب، وإن تعدد الموطن فالجمع بان يذكر أيضًا وجهٌ يناسب، أو يقال إنه ذكر في موطن ما لم يذكر في موطن آخر، وهذا الحديث مع الأول من هذا القبيل، ففي الأول المبتدئ بالسؤال جبريل ﵇، وفي هذا النبي ﷺ فيجمع بينهما بأن يكون جبريل ﵇ ابتدأ بالسؤال فقال النبي ﷺ سأحدثك، فذكر في الأول السؤال وفي الثاني الجواب انتهى. وقوله (سأحدثك عن أشراطها) قال النووي: والأشراط بفتح الهمزة جمع شرط

стр. 615

إِذَا وَلَدَتِ الأمَةُ رَبَّهَا .. فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَتِ العُرَاةُ الْحُفَاةُ رُؤُوسَ النَّاسِ .. فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْبَهْمِ في الْبُنْيَانِ .. فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، ــ بفتح الشين والراء، والأشراط العلامات وقيل مقدماتها وقيل صغار أمورها قبل تمامها وكله متقارب انتهى. قال القرطبي: ومنه سُمي الشُرَطُ لأنهم يجعلون لأنفسهم علامات يُعرفون بها، فقيل أشراط الساعة مقدماتها، وأشراط الشيء أوله، ومنه سُمي الشُرطان لتقدمه الربيع، وقيل الأشراط جمع شرط وهو الدون من الشيء، فأشراط الساعة صغار أمورها المتقدمة عليها ومنه سُمي الشُرَطُ انتهى. قال الأبي: الشُرطان هي المنزلة المعروفة، وذكرها الزجاج في مقدمة شرح أدب الكتاب بالسين المهملة، وذكر بعض أهل اللغة أنهما سيان انتهى. ثم ذكر الأشراط الموعودة فقال منها (إذا ولدت) أي وضعت (الأمة) أي الرقيقة وفي بعض الروايات "إذا ولدت المرأة" أي حرة كانت أو رقيقة (ربها) أي سيدها ومالكها (فذاك) أي ولادها ووضعها ربها (من) بعض (أشراطها) أي من بعض أشراط الساعة وأمارات قربها وتقدم ما فيه من التفاسير (و) منها (إذا كانت) الأعراب (العراة) جمع عار وهو الذي لا شيء عليه من اللباس (الحفاة) جمع حاف وهو الذي لا نعل له (رووس الناس) وسادتهم وساستهم، قال الأبي: ليس قوله رؤوس الناس بمناف لقوله الأول يتطاولون في البنيان لأن تطاولهم لتغلبهم على الناس اهـ (فذاك) أي كونهم سادة الناس (من أشراطها). (و) منها (إذا تطاول رعاء البهم) أي تفاخروا بالطول (في البنيان) والعمائر (فذاك) التطاول والتباهي (من أشراطها) أي من أشراط قربها كما هو شأن أهل زماننا. والرِعاء بكسر الراء جمع راعٍ، وقد مر لك أنه يجمع على رعاة كغازٍ وغُزاة يقال: تطاول في البنيان إذا تفاخر وتباهى على غيره بطول بنيانه علي بنيانه، ويقال تطاول إذا تسابق وتغالب في طول البنيان مع غيره فغلبه فيه، أي إذا تطاول رِعاء الشاء البهم، والبهم بفتح الباء وسكون الهاء هي صغار الغنم، أي الصغار من أولاد الغنم الضأن والمعز جميعًا، وقيل من الضأن خاصة، وقيل من المعز خاصة وأصله كل ما استبهم من

стр. 616

في خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُن إِلَّا اللهُ، ، ثُمَّ تَلا ﷺ : ــ الكلام أي انغلق عليه واستعجم فلم يقدر عليه ومنه سُميت البهيمة لاستبهامها عن العقل، وقيل هو صغير الحيوان من غير الآدمي مطلقًا، والصغير ما ولد لشهرين، قال القاضي عياض: ووقع في البخاري (رعاء الإبل البُهم) بضم الباء أي السواد جمع بهيم، ثم رويناه بكسر الميم صفة للإبل لأن الإبل شرها السود، وبضمها صفة للرعاء لأن السواد غالب ألوانهم، وقيل معنى كون الرعاء بُهمًا أنهم عالة فقراء لا شيء لهم، من قوله ﷺ : "يحشر الناس حفاة عراة بُهمًا" ولا يبعد أن يعني بالبهم العرب لأن غالب ألوانهم الأدمة، ويؤيده أن في بعض الروايات قال: يعني العرب تفسيرًا للبهم، وحديث: "بعثت إلى الأحمر والأسود قيل إنَّ الأسود السودان والعرب، والأحمر غيرهم من البيض، وقيل الأسود الشياطين، والأحمر الإنس وهو عند بعض رواة البخاري. (البهم) بفتح الباء ولا وجه له مع ذكر الإبل، وقال الخطابي البهم المجهول الذي لا يُعرف من أبهم الأمر، ومن جر الميم جعله صفة للإبل أي السود لردائتها والله أعلم. قال القرطبي: واقتصر في هذا الحديث على ذكر بعض الأشراط التي يكون وقوعها قريبًا من زمانه وإلا فالشروط كثيرة، وهي أكثر مما ذكر هنا كما دل عليه الكتاب والسنة، ثم إنها منقسمة إلى ما يكون من نوع المعتاد كهذه الأشراط المذكورة في هذا الحديث، وكرفع العلم وظهور الجهل وكثرة الزنا وشرب الخمر إلى غير ذلك، وأما التي ليست من النوع المعتاد فكخروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها والدخان والنار التي تسوق الناس وتحشرهم على ما يأتي. وقوله (في خمس) متعلق بمحذوف تقديره هي في عداد خمس (لا يعلمهن) أحد (إلا الله) تعالى أي انفرد الله بعلمهن فلا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس لقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] فلا طريق إلى علم شيء من ذلك إلا أن يُعلم الله تعالى بذلك أو بشيء منه أحدًا ممن شاء كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧] (ثم تلا) وقرأ رسول الله ﷺ لبيان تلك الخمس قوله

стр. 617

﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ــ تعالى (﴿إِنَّ اللَّهَ﴾) (﴿عِنْدَهُ﴾) لا عند غيره (﴿عِلْمُ﴾) وقت قيام (﴿السَّاعَةِ﴾) أي القيامة، قال الفراء: إن معنى هذا الكلام النفي أي ما يعلمه أحد إلا الله والساعة جزء من أجزاء الجديدين سميت بها القيامة لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا أي عنده تعالى علم وقت قيام الساعة وما يتبعه من الأحوال والأهوال فهو متفرد بعلمه فلا يعلمه أحد سواه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل كما قال تعالى ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ﴾ فلا يدري أحد في أي سنة وفي أي شهر وفي أي ساعة من ساعات الليل والنهار تقوم الساعة اهـ من "حدائق الروح والريحان". وجملة قوله ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ معطوفة على ما يقتضيه الظرف في قوله (عنده علم الساعة) من الفعل تقديره إن الله سبحانه يثبت عنده علم الساعة وينزل الغيث، بالتشديد والتخفيف قرائتان سبعيتان وهذا من حيث ظاهر التركيب وأما من حيث المعنى فهو معطوف على الساعة فيكون العلم مسلطًا عليه أي وعنده علم وقت نزول الغيث وسمي المطر غيثًا لأنه غياث الخلق به رزقهم وعليه بقاؤهم والغيث مخصوص بالمطر النافع والمعنى أي وينزل الغيث في زمانه الذي قدره من غير تقديم ولا تأخير إلى محله الذي عينه في علمه من غير خطأ ولا تبديل فهو منفرد بعلم زمانه ومكانه وعدد قطراته، روي مرفوعًا "ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا السماء تمطر فيها يصرفه الله تعالى حيث يشاء" وفي الحديث "ما سنة بأمطر من أخرى ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار" فمن أراد استجلاب الرحمة فعليه بالتوبة والندامة والتضرع إلى قاضي الحاجات بأخلص المناجاة. (﴿وَيَعْلَمُ﴾) (﴿مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾) أي ما في أرحام النساء من الجنين أي يعلم ذاته أذكر أم أنثى حي أم ميت وصفاته أتام الخلق أم ناقصه حسن أم قبيح أحمر أم أسود سعيد أم شقي. أي يعلم أوصافه في حالة كونه نطفة قبل تمام خلقه وما يعرفه الناس الآن بالعلم الحديث فبعد تمام خلقه والأرحام جمع رحم بيت منبت الولد ووعاؤه (﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ﴾) من النفوس وما تعرف (﴿مَاذَا﴾) أي أي شيء (﴿تَكْسِبُ﴾) وتفعل (﴿غَدًا﴾) أي

стр. 618

وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤] ــ يومًا تاليًا ليومها الذي هي فيه أي لا يعرف أحد من الناس ماذا يفعل غدًا وماذا يحصل له فيه من خير أو شر ووفاق وشقاق وربما يعزم على خير فيفعل الشر وبالعكس، والمعنى أي وما تدري نفس من النفوس كائنة ما كانت من غير فرق بين الملائكة والأنبياء والجن ماذا تكسب غدًا من كسب دين أو كسب دنيا (﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ﴾) من النفوس وإن أعملت حيلها (﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾) ومكان (﴿تَمُوتُ﴾) أي لا تدري أين مضجعها من الأرض أفي بحر أم في بر أفي سهل أم في جبل كما لا تدري في أي وقت تموت وإن كانت تدري أنها تموت في الأرض في وقت من الأوقات وربما أقامت بمكان ناوية أن لا تفارقه إلى أن تدفن به ثم تدفن في مكان لم يخطر لها ببال قط وأنشدوا: إذا ما حِمامُ المَرْء كان ببلدة ... دعته إليها حاجة فيطير ومن ادعى أنه يعلم شيئًا من هذه الخمس فقد كفر بالقرآن لأنه خالفه. (﴿إِنَّ اللَّهَ﴾) (﴿عَلِيمٌ﴾) يعلم الأشياء كلها هذه الخمسة وغيرها (﴿خَبِيرٌ﴾) يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها. (فإن قلت) لم عد هذه الخمسة المذكورة في الآية مع أن كل المغيبات لا يعلمها إلا الله . (قلت) خصها لما أن السؤال عنها كثر كما ذكر في سبب النزول وكان أهل الجاهلية يسألون المنجمين عن هذه الخمسة زاعمين أنهم يعرفونها وتصديق الكاهن فيما يخبره من الغيب كفر لقوله ﷺ : "من أتى كاهنًا فصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد" والكاهن هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار. قال ابن العربي: فليس لأحد أن يدعي علم إحداها فمن قال ينزل المطر غدًا أو أكسب فيه كذا كفر، وإن استند في نزول المطر إلى أمارة فإن الله تعالى لم يجعل لواحدة منهن أمارة إلا ما جعل للساعة وكذلك إن ادعى علم ما في الرحم إلا أن يستند في ذلك إلى التجربة كقول الطبيب إن كان الثقل في الجانب الأيمن أو كانت حلمة ثديها الأيمن هي السوداء قالوا ولد ذكر وإن كان أحد الأمرين في الأيسر فالولد أنثى، وقال أيضًا وليس قوله تكسف غدًا من ذلك لأن الكسوف يعرف بالحساب لكن قال علماؤنا يؤدب لتطريقه الشك للعوام. انتهى

стр. 619

قَال: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ"، فَأَخَذُوا ــ ولابن رشد في جامع المقدمات اختلف في المنجم يقضي بتنجيمه فيدعي علم شيء من المغيبات كقدوم زيد وحدوث الفتن والأهوال فقيل يقتل دون استتابة وقيل يستتاب كالمرتد فإن تاب وإلا قتل. ولمالك في كتاب السلطان: يزجر عن اعتقاد ذلك ويؤدب حتى يتوب قال وليس هذا باختلاف وإنما هو لاختلاف حال المنجم فإن اعتقد تأثير الكواكب في ذلك ويستمر بقوله ذلك قتل بدون استتابة لأنه زنديق وإن كان يظهر ذلك وينتصر له استتيب كالمرتد وإن كان لا يعتقد التأثير وإنما يرى القرانات والطوالع أدلة عادية في ذلك فهذا يزجر ويؤدب كما قال مالك لأنه أتى بدعة تسقط أمانته وشهادته ولا يحل تصديقه لقوله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إلا اللَّهُ﴾ وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية وينبغي أن يعتقد فيما يصيبون فيه أنه بمقتضى التجربة لأنه سبحانه استأثر بعلم ذلك اهـ الأبي. قال القرطبي: فمن ادعى علم شيء من هذه الأمور كان في دعواه كاذبًا إلا أن يسند ذلك إلى رسول بطريق تفيد العلم القطعي ووجود ذلك متعذر بل ممتنع. وأما ظن الغيب فلم يتعرض شيء من الشرع لنفيه ولا لإثباته فقد يجوز أن يظن المنجم أو صاحب خط الرمل أو نحو هذا شيئًا مما يقع في المستقبل فيقع على ما ظنه فيكون ذلك ظنًّا صادقًا إذا كان عن موجب عادي يقتضي ذلك الظن وليس بعلم فيفهم هذا منه؛ فإنه موضع غلط بسببه رجال وأكلت به أموال. ثم اعلم أن أخذ الأجرة والجعل على ادعاء علم الغيب أو ظنه لا يجوز بالإجماع على ما حكاه أبو عمر ابن عبد البر وفي الحديث أبواب من الفقه وأبحاث يطول تتبعها والله أعلم اهـ. (قال) أبو هريرة ﵁ (ثم) بعد هذا السؤال المذكور (أدبر) وذهب (الرجل) السائل لرسول الله ﷺ مدبرًا موليًا (فقال رسول الله ﷺ لمن حوله ليظهر لهم أن الرجل السائل هو جبريل ﵇ (ردوا علي) هذا (الرجل) السائل المدبر وأرجعوه إلي (فأخذوا) أي شرعوا في رده وذهبوا وراءه

стр. 620

لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيئًا، فَقَال رَسُول الله ﷺ : "هَذَا جِبْرِيلُ، جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ". ٦ - (٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، ــ (ليردوه) أي ليردوا الرجل إلى الرسول ﷺ (فلم يروا شيئًا) أي فلم يجدوا من الرجل شيئًا لا ذاتًا ولا أثرًا ولا حركة ولا صوتًا فأخبروا الرسول ﷺ أنهم لم يجدوا شيئًا من آثار الرجل (فقال رسول الله ﷺ هذا) الرجل الذي سألني وذهب وأدبر هو (جبريل) الأمين ﵇ (جاء) ونزل إلي (ليعلم الناس) أصول (دينهم) وأساسه أي جاء ليتسبب في تعلم الناس أصول دينهم بسؤاله إياي إذ لم تسألوني. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: (٦) - متا (٠٠) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) مصغرًا الهمداني بسكون الميم أبو عبد الرحمن الكوفي الحافظ أحد الأئمة الأعلام روى عن محمد بن بشر وأبي خالد الأحمر وسفيان بن عيينة ووكيع وخلق، ويروي عنه (ع) ومطين وأبو يعلى وخلق، عظمه أحمد وأجلّه وقال: أي فتى وقال النسائي: ثقة مأمون، وقال في التقريب: ثقة حافظ فاضل من العاشرة مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين. روى عنه المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان في موضعين وفي الصلاة في موضعين وفي الدعاء وفي الوضوء وفي الحج وفي النكاح وفي الحدود وفي الجهاد في ثلاثة مواضع وفي باب المرء مع من أحب في موضعين وفي باب العاطس فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها عشرة أبواب تقريبًا. قال ابن نمير (حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة العبدي من عبد القيس أبو عبد الله الكوفي أحد العلماء الحفاظ روى عن أبي حيان وهشام بن عروة وإسماعيل بن أبي خالد وخلق، ويروي عنه (ع) ومحمد بن عبد لله بن نمير وابن المديني وأبو كريب وغيرهم، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة حافظ من التاسعة مات سنة (٢٠٣) ثلاث ومائتين. روى عنه المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان وفي الوضوء وفي الصلاة في

стр. 621

حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيمِيُّ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيرَ أَن في رِوَايَتِهِ: "إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ بَعْلَهَا"، يَعْنِي السَّرَارِيَّ. ثلاثة مواضع والصوم والطلاق والهبة في موضعين والأشربة وفي الأحكام والفتن وفي الجهاد فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها عشرة تقريبًا. قال محمد بن بشر (حدثنا أبو حيان) يحيى بن سعيد بن حيان (التيمي) تيم الرباب الكوفي المدني العابد ثقة من السادسة مات سنة (١٤٥) خمس وأربعين ومائة تقدم ما فيه من المباحث قريبًا فراجعه، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بقوله حدثنا محمد بن بشر وكذا قوله (مثله) مفعول ثان لقوله حدثنا محمد بن بشر لأن العامل في قوله بهذا الإسناد وفي قوله مثله أو نحوه أو معناه مثلًا هو العامل في المتابع بكسر الباء، واسم الإشارة في قوله بهذا الإسناد راجع إلى ما بعد شيخ المتابع بفتح الباء، والمتابع بفتح الباء هنا إسماعيل بن علية وشيخه أبو حيان وما بعد أبي حيان هو أبو زرعة وأبو هريرة والضمير في مثله عائد إلى المتابع بفتح الباء المذكور في السند السابق وهو إسماعيل بن علية والمعنى حدثنا محمد بن بشر بهذا الإسناد عن أبي حيان مثل ما روى إسماعيل بن علية عن أبي حيان والمثل عبارة عن الحديث اللاحق الموافق للسابق في جميع لفظه ومعناه إلا ما استثنى بقوله (غير أن في روايته) أي في رواية محمد بن بشر (إذا ولدت الأمة بعلها) أي سيدها بدل قول ابن علية (ربها) وهذا بيان لمحل المخالفة بين المتابع والمتابع والأمة هنا هي الجارية المستولدة وبعلها سيدها وربها كما سماه الله تعالى بعلًا في قوله ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ في الصافات، في قول ابن عباس وحكي عنه أنه قال: لم أدر ما البعل حتى قلت لأعرابي لمن هذه الناقة فقال أنا بعلها ويسمى الزوج بعلًا ويجمع على بعولة كما قال تعالى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في البقرة ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيخًا﴾ في هود. وقوله (يعني) النبي ﷺ بالأمة (السراري) كلام مدرج من بعض الرواة والسراري بتشديد الياء ويجوز تخفيفها لغتان معروفتان الواحدة سرية بالتشديد لا غير، قال ابن السكيت: كل ما كان واحده مشددًا من هذا النوع جاز في جمعه التشديد والتخفيف والسرية الجارية المتخذة للوطء مأخوذة من السر وهو النكاح، قال الأزهري: السرية فعلية من السر وهو النكاح، قال: وكان أبو الهيثم يقول: السر السرور

стр. 622

٧ - (١٠) حَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ - ــ فقيل لها سرية لأنها سرور مالكها، قال الأزهري وهذا القول أحسن والأول أكثر اهـ نووي. وغرض المؤلف بسوق هذا السند بيان متابعة محمد بن بشر لإسماعيل ابن علية في رواية هذا الحديث عن أبي حيان التيمي وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ مع إعادة الحديث بتمامه لما بين الروايتين من المخالفة بالزيادة وبتغيير بعض الكلمات فقال: (٧) - متا (١٠) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد أبو خيثمة النسائي من العاشرة مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين وقد مر قريبًا ما فيه من المباحث فراجعه، قال زهير (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن جرير بن قرط -بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة- بن هلال، بن قيس الضبي الكوفي ثم الرازي أبو عبد الله القاضي روى عن عمارة بن القعقاع وهشام بن عروة والأعمش ومنصور والمختار بن فلفل وغيرهم، ويروي عنه (ع) وزهير بن حرب وقتيبة وإسحاق ويحيى بن يحيى وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم، قال في التقريب: ثقة صحيح الكتاب قيل كان في آخر عمره يهم من حفظه مات سنة (١٨٨) ثمان وثمانين ومائة وله إحدى وسبعون سنة. روى عنه المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان في موضعين وفي الوضوء وفي الصلاة في أربعة مواضع وفي الجنائز وفي الزكاة في موضعين وفي الصوم وفي الحج في ثلاثة مواضع وفي البيوع في ثلاثة مواضع وفي الهبة والأطعمة واللباس وفي الفتن وفي الجهاد وفي الأدب وفي القدر وفي باب من مات له ثلاث فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ستة عشر بابا. (عن عمارة) بضم العين بن القعقاع بن شبرمة بضم المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة الضبي بالمعجمة والموحدة الكوفي ابن أخي عبد الله بن شبرمة، روى عن أبي زرعة وعبد الرحمن بن أبي نعم وجماعة، ويروي عنه (ع) وجرير بن عبد الحميد ومحمد بن فضيل وعبد الواحد والأعمش وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة من السادسة أرسل عن ابن مسعود.

стр. 623

وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاع- عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَلونِي"، ــ روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الصلاة وفي الزكاة في ثلاثة مواضع وفي الصوم واللباس فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها خمسة أبواب تقريبًا. وأتى المؤلف بقوله (وهو ابن القعقاع) إشعارًا بأن هذه النسبة ليست مما سمعه من شيخه بل مما زاده من عند نفسه إيضاحًا للراوي بأنه ابن القعقاع لا عمارة بن رويبة الثقفي ولا عمارة بن عمير التيمي ولا عمارة بن غزية الأنصاري الصحابي، لأن جملة من اسمه عمارة في مسلم أربعة (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي ثقة من الثالثة وقد مر ما فيه من المباحث قريبًا (عن أبي هريرة) ﵁ الصحابي الجليل عبد الرحمن بن صخر (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ يومًا (سلوني) أيها الناس عما بدا لكم من المشاكل في دينكم، قال النووي: أمرهم بسؤالهم إياه ليس بمخالف النهي عن سؤاله المذكور في الآية فإن هذا المأمور به هو فيما يحتاج إليه وهو موافق لقوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ اهـ. قال القرطبي: سبب قوله هذا أنهم لما أكثروا عليه الأسئلة استشعر أنه كان هناك من يسأل تعنتًا وتجهيلًا فغضب لذلك حتى احمر وجهه وجعل يقول سلوني سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم عنه ما دمت في مقامي هذا فدخل الناس من ذلك خوف ورعب فلم يزل كذلك حتى برك عمر بين يديه وجعل يقول رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا حتى سكن غضبه ﷺ وسيأتي الحديث بكماله إن شاء الله تعالى وأنزل الله تعالى في ذلك الوقت قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] فانكف الناس عن سؤال النبي ﷺ ولذلك قالوا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فلما انكفوا عن ذلك امتثالًا لنهي الله وتعظيمًا لحرمة رسول الله ﷺ علم الله ذلك منهم فأرسل السائل البصير جبريل ﵇ فأجابه العالم الخبير النبي ﷺ فجعل العلم للسامعين الممتثلين من غير سؤال كما قد كفى الله المؤمنين القتال، وقد نبه على ذلك النبي ﷺ بقوله هذا جبريل أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا.

стр. 624

فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيهِ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا الإِسْلامُ؟ قَال: "لَا تُشْرِكُ بِاللهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ"، قَال: صَدَقْتَ ــ وفي قوله (سلوني) أمر العالِم الناسَ أن يسألوه عما يحتاجون إليه وأنهم إن لم يحققوا السؤال ابتدءوا بالتعليم كما فعل جبريل ﵇ (فـ) ـلما رأوا غضبه ﷺ (هابوه) أي خافوا النبي ﷺ وجملة أن المصدرية في قوله (أن يسألوه) مع ما في حيزها في تأويل مصدر منصوب على البدلية من ضمير النصب في هابوه بدل اشتمال أي هابوا سؤال النبي ﷺ عما يحتاجون إليه في دينهم خوفًا من غضب الله تعالى لغضبه ﷺ (فجاء) في ذلك الوقت (رجل) لا يعرفونه (فجلس) أي قعد الرجل واضعًا ركبتيه (عند ركبتيه) ﷺ على صورة المتعلم المتأدب (فقال) ذلك الرجل (يا رسول الله) وهذا النداء لا يعارض نداءه في حديث عمر بقوله يا محمد لأن حديث عمر نقل باللفظ وهذا نقل بالمعنى وفي هذا تعليم لهم لأدب الجلوس عند رسول الله ﷺ حيث جلس على ركبتيه وأدب النداء لرسول الله ﷺ حيث قال يا رسول الله (ما) حقيقة (الإسلام) وماهيته وأجزاؤه التي يتركب منها. (قال) رسول الله ﷺ مجيبًا لسؤاله: الإسلام هو (لا تشرك بالله) أي عدم إشراكك بالله (شيئًا) من المخلوقات فهو مفعول به لتشرك ويصح كونه مفعولًا مطلقًا أي لا تشرك بالله شيئًا من الإشراك أي شركًا جليًّا ولا خفيًّا والأول أولى لأن المقام مقام الانقياد الظاهري لا مقام الإحسان، وفي نسخة الأبي (قال أن لا تشرك بالله) بزيادة أن المصدرية (وتقيم الصلاة) أي وتؤدي الصلاة المكتوبة في أوقاتها المحدودة بأركانها وآدابها وشرائطها المخصوصة (وتؤتي الزكاة) أي: وتعطي الزكاة المفروضة وتصرفها في مصارفها المذكورة في الكتاب العزيز (وتصوم) نهار شهر (رمضان) وتمسك نفسك عن تناول المفطرات بنية مخصوصة مبيتة، وهذا صريح في الرد على من يقول لا يقال رمضان إلا بإضافة شهر إليه لأنه من أسمائه تعالى كما مر بسط الكلام فيه ولم يذكر الحج لأنه لم يفرض وقتئذ (قال) الرجل السائل (صدقت) يا رسول الله فيما أخبرتني في بيان ماهية الإسلام.

стр. 625

قَال: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا الإِيمَانُ؟ قَال: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِه وَشَرِّه" (١)، قَال: صَدَقْتَ. قَال: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا الإِحْسَانُ؟ قَال: "أَنْ تَخشَى الله كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنكَ إِنْ لَا تَكُنْ تَرَاهُ .. فَإنَّهُ يَرَاكَ"، قَال: صَدَقْتَ ــ ثم (قال) الرجل السائل ثانيًا (يا رسول الله) ﷺ (ما) حقيقة (الإيمان) وما ماهيته (قال) رسول الله ﷺ مجيبًا له الإيمان (أن تؤمن) وتصدق (بـ) ـوحدانية (الله) في ذاته وصفاته وأفعاله (و) بوجود (ملائكته) الكرام الذين لا يعلم عددهم إلا الله (و) بإنزال جنس (كتابه) على بعض رسله المرسلين إلى المكلفين بالتكاليف الشرعية والنظام الإلهية (و) بوجوب (لقائه) بالموت وعرضه عليه للمجازاة (و) بإرسال (رسله) الذين أرسلهم إلى المكلفين بالتكاليف الإلهية (وتؤمن) أي تصدق (بـ) ـوجوب (البعث) والإحياء والحشر من القبور إلى أرض المحشر للعرض على رب العالمين، وأعاد العامل والجار والمجرور هنا وفيما بعده للاهتمام بهما لكثرة من ينكرهما جهلًا أو تعنتًا (وتؤمن) أي تصدق (بـ) وجوب (القدر) والعلم الأزلي بمقادير الأشياء لله ، وقوله (خيره) أي خير ذلك المقدر ونفعه للعباد كالإيمان والطاعات (وشره) أي شر ذلك المقدر وضرره على العباد كالكفر والمعاصي بدل من القدر بدل تفصيل من مجمل وفيه رد على من يقول الخير من الله تعالى والشر من العباد، وفي نسخة الأبي (وتؤمن بالقدر كله خيره وشره) بزيادة كله، وفي نسخة النووي (وتؤمن بالقدر كله) بحذف خيره وشره (قال) الرجل السائل (صدقت) يا رسول الله فيما أخبرتني في بيان حقيقة الإيمان. ثم (قال) الرجل السائل ثالثًا (يا رسول الله ما) حقيقة (الإحسان) وماهيته (قال) رسول الله ﷺ الإحسان (أن تخشى الله) وتخافه (كأنك تراه) وتشاهده بعينيك وبصرك (فإنك إن لا تكن تراه) أي إن لم تكن تراه (فإنه) سبحانه (يراك) أي يرى ذاتك وعملك ويعلم ظواهرك وبواطنك فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء (قال) الرجل (صدقت) يا رسول الله في بيان معنى الإحسان.

стр. 626

قَال: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَال: "مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا رَأَيتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا .. فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأيتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ .. فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيتَ رِعَاءَ الْبَهْمِ ــ (قال) الرجل السائل رابعًا (يا رسول الله متى تقوم الساعة) أي أيَّ وقت تقوم القيامة (قال) رسول الله ﷺ (ما المسؤول عنها) أي ليس الذي سُئل عن وقت قيامها يريد نفسه الشريفة (بأعلم) بها (من السائل) يريد جبريل ﵇ أي أنا وأنت وغيرنا سواء في عدم علم وقت مجيئها لأنها من المغيبات التي استأثر الله بعلمها قال الرجل السائل (و) لكن حدثني عن أشراطها فقال له النبي ﷺ (سأحدثك) أي أُحدثك وأخبرك في الزمن القريب (عن أشراطها) أي عن أشراط الساعة وأماراتها التي تدل على قربها وهي كثيرة فمنها أنك (إذا رأيت المرأة) حرة كانت أو أمة (تلد) وتضع (ربها) وسيدها (فذاك) أي وضعها وولادها ربها وسيدها (من أشراطها) أي من أشراط الساعة وأمارات قربها وهذا كناية عن كثرة السراري بالنسبة إلى الأمة وكثرة العقوق بالنظر إلى الحرة (و) منها أنك (إذا رأيت الحفاة) من النعال (العراة) من اللباس لعالتهم وفقرهم (الصم) جمع أصم وهو الذي لا يسمع بأذنه (البكم) جمع أبكم وهو الذي لا ينطق بلسانه وهو كناية عن قلة عقلهم وعدم فصاحتهم أي وإذا رأيت الفقراء الجهلة كانوا (ملوك) أهل (الأرض) ورؤساءهم وسادتهم وقادتهم (فداك) أي كون هؤلاء المذكورين سادة أهل الأرض ورؤساءهم (من أشراطها) أي من أشراط الساعة وأمارات قربها، قال القاضي عياض: أي وإذا صار الجهلة ملوكًا، وقيل المعنى وإذا صار الملوك صمًّا بكمًا عن الخير لشغلهم بالدنيا وما ذكرناه أولًا أولى إذ ليس في الحديث ما يدل على أن هذه صفتهم وهم ملوك وإنما يعني إذا صار ملكًا من هذه صفته اهـ. قال الأبي: فشرط الساعة وأماراتها على الأول أن يملك من فقد منه شرط الإمامة وعلى الثاني فساد حال من ملك وجعلوا صمًّا بكمًا لأنهم لما لم ينتفعوا بتلك الجوارح فكأنهم لم تخلق لهم، وقال النووي: المراد بهم الجهلة السفلة الرعاء كما قال سبحانه ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أي لما لم ينتفعوا بجوارحهم هذه فكأنهم عدموها هذا هو الصحيح في معنى الحديث اهـ (و) منها أنك (إذا رأيت رعاء البهم) أي رعاة الغنم والبهم بفتح الباء وسكون الهاء هي صغار الغنم قيل من المعز والضأن جميعًا وقيل من الضأن خاصة وقيل من المعز

стр. 627

يَتَطَاوَلُونَ في الْبُنْيَانِ .. فَذَاكَ مِنْ أَشرَاطِهَا، في خَمْسٍ مِنَ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ، ثُم قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]. قَال: ثُم قَامَ الرَّجُلُ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رُدُّوهُ عَلَيَّ" فَالْتُمِسَ .. فَلَم يَجِدُوهُ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَذَا جِبْرِيلُ أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا ــ خاصة وقيل هو صغار الحيوان من غير الآدمي على الإطلاق كما مر (يتطاولون) أي يتفاخرون ويتباهون (في) طول (البنيان) والعمائر والقصور (فذاك) أي تطاولهم في البنيان (من أشراطها) أي بعض أمارات قربها هي أي الساعة (في) عداد وحساب (خمس من) أمور (الغيب) أي من الأمور المغيبات عن علم الخلائق اللاتي إلا يعلمهن إلا الله) (ثم قرأ) رسول الله ﷺ لبيان تلك الخمس قوله تعالى (﴿إِنَّ اللَّهَ﴾) (﴿عِنْدَهُ عِلْمُ﴾) وقت قيام (﴿السَّاعَةِ﴾) والقيامة ﴿و﴾ علم الوقت الذي (﴿يُنَزِّلُ﴾) فيه (﴿الْغَيثَ﴾) والمطر ﴿وَ﴾ إنه (﴿يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾) أي في أرحام النساء من الأجنة أذكر أم أنثى مثلًا ﴿و﴾ إنه (﴿مَا تَدْرِي﴾) ولا تعرف (﴿نَفْسٌ﴾) من النفوس ولو ملكًا مقربًا ونبيًّا مرسلًا (﴿مَاذَا تَكْسِبُ﴾) أي أيّ عمل وكسب تكسبه (﴿غَدًا﴾) أنه (﴿مَا تَدْرِي﴾) ولا تعلم (﴿نَفْسٌ﴾) من النفوس (﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾) من أنحاء الأرض (﴿تَمُوتُ﴾) وتفنى وإنما استأثر الله سبحانه بعلم هذه الأمور الخمس وغيرها من المغيبات لـ (﴿إِنَّ اللَّهَ﴾) (﴿عَلِيمٌ﴾) بظواهر الأشياء كما أنه (﴿خَبِيرٌ﴾) ببواطنها. (قال) أبو هريرة (ثم) بعد فراغه من السؤال (قام الرجل) السائل وأدبر (فقال رسول الله ﷺ لمن حوله (ردوه) أي ردوا هذا الرجل السائل المدبر ليبين لهم بلا شبهة أنه ليس آدميًّا أي أدركوه وردوه (علي فالتمس) الرجل ليرد عليه ﷺ (فلم يجدوه) أي لم يروه ولم يعرفوا أين ذهب هل صعد في السماء أم دخل في الأرض (فقال رسول الله ﷺ لهم حين فقدوا الرجل (هذا) الرجل السائل المدبر هو (جبريل) ﵇ (أراد) بسؤاله إياي (أن تعلموا) أي أن

стр. 628

إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا" ــ تتعلموا بحذف إحدى التاءين، قال النووي: (تعلموا) رويناه بفتح التاء والعين أي تتعلموا وبإسكان العين اهـ. فجلى الأول مضارع تعلم الخماسي، وعلى الثاني مضارع علم الثلاثي أي أراد جبريل أن يتسبب في تعلم دينكم بسؤاله إياي (إذ لم تسألو) ني. وغرض المؤلف بسوق هذا الحديث متنًا وسندًا أن غرضه من حيث السند بيان متابعة عمارة بن القعقاع لأبي حيان التيمي في رواية هذا الحديث عن أبي زرعة وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأن كلا من المتاج والمتابَع ثقة وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد نسائي وإنما كرر المتن لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات فلا اعتراض عليه في التكرار لأنه لغرض، وشارك المؤلف في رواية حديث أبي هريرة هذا البخاري (٥٠) وأبو داود (٤٦٩٨) والنسائي (١٠١١٨) وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان الأول حديث عمر بن الخطاب وغرضه بسوقه الاستدلال على الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات والثاني حديث أبي هريرة وغرضه بسوقه الاستشهاد لحديث عمر ﵁ وذكر فيه متابعتين والله أعلم. ***

стр. 629

٢ - بَابُ عَدَمِ وُجُوبِ مَا عَدَا الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ وَمَا عَدَا صِيَامَ رَمَضَانَ، وَمَا عَدَا الزَّكَوَاتِ المَفْرُوضَةَ ٨ - (١١) حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ ــ ٢ - بَابُ عَدَمِ وُجُوبِ مَا عَدَا الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ وَمَا عَدَا صِيَامَ رَمَضَانَ، وَمَا عَدَا الزَّكَوَاتِ المَفْرُوضَةَ أي باب معقود في الاستدلال على عدم وجوب ما سوى الصلوات الخمس من الصلوات المسنونة وعلى عدم وجوب ما سوى صيام شهر رمضان من نوافل الصوم وعلى عدم وجوب ما سوى الزكاة المفروضة من صدقات النفل إلا أن ينذر في كل منها. وهذه الترجمة التي وضعناها هي المأخوذة من منطوق الحديث الآتي ولعلها هي الواضحة، وترجم له النووي بقوله: (باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام) ولعل هذه الترجمة غير مطابقة للحديث لأن الحديث لم يقتصر على الصلوات، والسؤال وقع فيه عن الإسلام لا عن الصلوات فقط، فشرحه بالصلاة والصيام والزكاة وبالجملة فالترجمة غير مناسبة للحديث. وترجم له السنوسي بقوله: (باب بيان الصلاة التي هي أحد أركان الإسلام) وهي غير مناسبة أيضًا، وترجم له الأبي بقوله: (باب حديث هل عليَّ غيرها) وهذه واضحة مطابقة لمنطوق الحديث فلا غبار عليها وترجم له القرطبي بقوله: (باب وجوب التزام شرائع الإسلام) وفيها غموض ومحلها من الحديث قوله (ولا أنقص) ولكن لا يدل على وجوب الالتزام والله أعلم. وبالسندين المتصلين المذكورين في أوائل المقدمة أروي لكم صحيح مسلم وأقول قال المؤلف ﵀ : (٨) - أصول (١١) (حدثنا قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي) مولاهم أبو رجاء البغلاني بغلان بلخ وقال في التقريب: ثقة ثبت من العاشرة قال أبو العباس السراج مات ليومين خليا من شهر رمضان سنة (٢٤٠) أربعين ومائتين عن تسعين (٩٠) سنة روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الوضوء وفي كتاب الصلاة في خمسة مواضع وفي الزكاة في موضعين وفي الحج في موضعين وفي الأشربة فجملة الأبواب

стр. 630

عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيهِ، عَنْ أَبِي سُهَيلٍ، عَنْ أبِيهِ: ــ التي روى المؤلف عنه فيها ستة أبواب تقريبًا. (عن مالك بن أنس) بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي نسبة إلى ذي أصبح وهو الحارث بن عوف بن مالك من يعرب بن قحطان وأصبح صارت قبيلة، أبي عبد الله المدني الفقيه إمام دار الهجرة وقد تقدم بسط الكلام في ترجمته، وقال في التقريب: من السابعة ولد سنة (٩٤) أربع وتسعين ومات سنة تسع وسبعين ومائة (١٧٩) ودفن بالبقيع بلغ (٩٠) تسعين سنة. روى عنه المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان وفي الوضوء وفي الحج في أربعة مواضع، وفي الصلاة في سبعة مواضع وفي الصوم وفي الزكاة في أربعة مواضع وفي النكاح في موضعين وفي الطب وفي البيوع في أربعة مواضع، وفي كفارة المرضى، وفي الجهاد وفي الصيد في موضعين وفي الضحايا وفي ذكر الجان وفي البر وفي القدر، وفي العتق فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعة عشر بابا تقريبًا، فجملة المواضع التي روى فيها عن الإمام مالك (٣٥) خمسة وثلاثون موضعًا تقريبًا. وقوله (فيما قُرئ عليه) أي على مالك، والحال أن قتيبة عنده بمنزلة قوله أخبرنا (عن أبي سهيل) نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبي سهل المدني حليف بني تيم قريش أخي الربيع بن مالك عم مالك بن أنس الإمام التابعي، سمع أنس بن مالك، روى عن أبيه وابن عمر وسهل بن سعد وأنس بن مالك وسعيد بن المسيب وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابن أخيه مالك بن أنس الإمام ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر بن أبي كثير والدراوردي والزهري وغيرهم، وثقه أبو حاتم وغيره، وقال في التقريب: ثقة من الرابعة مات بعد الأربعين ومائة (١٤٠) روى عنه المؤلف في بابين فقط في الإيمان وفي الصوم في موضعين. (عن أبيه) مالك بن أبي عامر الأصبحي جد مالك الإمام الفقيه حليف عثمان بن عبيد الله التيمي القرشي أبي أنس المدني، روى عن طلحة بن عبيد الله وأبي هريرة وعمر وعثمان وعائشة وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأبناؤه أبو سهيل وأنس والربيع وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة من الثانية مات سنة (٧٤) أربع وسبعين على الصحيح. روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الوضوء في موضعين، وفي الصوم وفي البيوع فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أربعة أبواب تقريبًا.

стр. 631

أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرَ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَويَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، ــ (أنه) أي أن أبا أبي سهيل (سمع طلحة بن عبيد الله) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن مرة التيمي أبا محمد المدني شهد أحدًا مع النبي ﷺ ، وكان بالشام حين غزا رسول الله ﷺ بدرًا وقدم بعد ما رجع النبي ﷺ من بدرٍ، فضرب له بسهمه وأجره شهد له بالجنة، ومات وهو عنه راضٍ، فهو أحد العشرة وأحد ستة الشورى وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، له ثمانية وثلاثون حديثًا قتل يوم الجمل بالبصرة سنة (٣٦) ست وثلاثين، وله ثلاث وستون سنة (٦٣) يروي عنه (ع) ومالك بن أبي عامر الأصبحي والسائب بن يزيد وقيس بن أبي حازم وأبو عثمان النهدي وبنوه موسى ويحيى وعيسى وعمران وإسحاق وسماه النبي ﷺ طلحة الخير وطلحة الجود وطلحة الفياض. روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الحج فقط، وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رواته كلهم مدنيون إلا قتيبة فإنه بغلاني، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي ورواية ولد عن والد. حالة كون طلحة (يقول جاء رجل) لم يسم (إلى رسول الله ﷺ متعلق بجاء، أي جاء وأقبل إلى مجلس رسول الله ﷺ رجل لم نعرفه وقوله (من أهل نجد) وسكانه صفة أولى لرجل، والنجد ما ارتفع من الأرض وضده الغور وهو ما انخفض منها، وسُمي تهامة وهما بحكم العرف جهتان مخصوصتان، وقوله (ثائر) شعر (الرأس) أي قائمه ومنتفشه ومرتفعه لقلة تعهده، من قولهم ثار الشيء إذا ارتفع، ومنه ثارت الفتنة إذا قامت، وهذه صفة شعر أهل البادية غالبًا بالرفع صفة ثانية لرجل، ويجوز نصبه على الحال من رجل لتخصصه بالجار والمجرور، قال القاضي عياض: يستفاد من الحديث أن ذكر مثل هذا الوصف على غير وجه التنقيص ليس بغيبةٍ. وجملة قوله (نسمع دوي صوته) أي شديد صوت ذلك الرجل ورفيعه (ولا نفقه ما يقول) لبعده عنا، صفة ثالثة لرجل أو حال ثانية منه، قال القرطبي: رُوي نسمع ونفقه بالنون المفتوحة فيهما مبنيين للفاعل، وبالياء التحتانية المضمومة فيهما مبنيين للمفعول وكلاهما واضح الصحة، قال السنوسي والأول هو الأشهر الأكثر الأعرف. اهـ وإنما لم

стр. 632

حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلامِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ في الْيَوْمِ وَالليلَةِ"، ــ يفهموا ما يقول لأنه نادى من بُعد فلما دنا فهموه كما قال حتى دنا من رسول الله ﷺ قال النووي: وأما دوي صوته فهو بعده في الهواء، ومعناه شدة صوت لا يفهم ورفيعه ومنه صوت الرعد وقيل هو الصوت الذي لا يفهم ومنه صوت النحل، وهو بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء هذا هو المشهور، وحكى صاحب المطالع فيه ضم الدال أيضًا اهـ، والصوت عرض سيال مجرد من الحروف ينتهي بانتهائه كاصوات البهائم والرياح والأشياء الساقطة فإن اشتمل على الحروف سمي لفظًا كما هو مقرر في محله. وفي المفهم قيل إن هذا الرجل هو ضمام بن ثعلبة الذي سماه البخاري في حديث أنس المذكور بعد هذا وإن الحديثين حديث واحد وهذا فيه بعد لاختلاف مساقهما وتباين الأسئلة فيهما ولزيادة الحج في حديث أنس ويبعد الجمع بينهما فالأولى أن يقال هما حديثان مختلفان والرجل في هذا الحديث غير معلوم وكذلك القول في كل ما يرد من الأحاديث التي فيها الأسئلة المختلفة كحديث أبي أيوب وجابر وغيرهما مما يذكر بعد هذا وقد رام بعض العلماء الجمع بينها وزعم أنها كلها حديث واحد فادعى فرطًا وتكلف شططًا من غير ضرورة نقلية ولا عقلية انتهى، وقوله (حتى دنا من رسول الله ﷺ غاية لمحذوف تقديره ووقف علينا حتى دنا وقرب من رسول الله ﷺ ، وإذا في قوله (فإذا هو) أي الرجل الحاضر فجائية (يسأل عن) شرائع (الإسلام) وفرائضه لأن هذا السائل إنما سأل عن فرائض الإسلام وشرائعه لا عن حقيقته إذ لو كان سؤاله ذلك لأجابه بما أجاب به جبريل ﵇ في حديثه السابق ولما رواه البخاري في هذا الحديث فإنه قال (فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام) وكان النبي ﷺ فهم عنه أنه إنما سأل عما تعين فعله وفرض من شرائع الإسلام الفعلية لا القلبية ولذلك لم يذكر له الحج لأنه لم يكن واجبًا عليه لأنه غير مستطيع أولًا لأن الحج على التراخي أو لأنه كان قبل فرض الحج والله أعلم (فقال رسول الله ﷺ في جواب سؤاله الإسلام أي شرائعه المتعينة وفرائضه المكتوبة (خمس صلوات) موزعة على أوقاتها المحددة: (في اليوم والليلة) اللذين هما أربع وعشرون ساعة وقدم اليوم هنا على الليل مع أن الليل مقدم عليه كما هو

стр. 633

فَقَال: هَل عَلَيَّ غَيرُهُنَّ؟ قَال: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطوَّعَ، ــ المعروف في القرآن لأن أول ما وجب من الصلاة في اليوم هو الصبح أو الظهر (فقال) الرجل السائل عن شرائع الإسلام مستفهمًا عن الزيادة يا رسول الله (هل علي غيرهن) أي غير الصلوات الخمس من الصلوات الواجبة (قال) رسول الله ﷺ مجيبًا له بالنفي (لا) عليك غيرهن يدل هذا على أن الوتر ليس بلازم ولا واجب وهو مذهب الجمهور وخالفهم أبو حنيفة فقال إنه واجب ولا يسميه فرضًا لأن الفرض عنده ما كان مقطوعًا بلزومه كالصلوات الخمس وقوله (إلا أن تطوع) أي تنفلت وتبرعت بالزيادة بما ورد في الشرع، قال النووي: المشهور فيه تطوع بتشديد الطاء على إدغام إحدى التاءين في الطاء لأن أصله تتطوع بتاءين إحداهما تاء المضارعة والأخرى تاء المطاوعة، وقال ابن الصلاح هو محتمل للتشديد والتخفيف على حذف إحدى التاءين قال أصحابنا وغيرهم من العلماء قوله ﷺ إلا أن تطوع استثناء منقطع ومعناه لكن يستحب لك أن تطوع وجعله بعض العلماء استثناء متصلًا واستدلوا به على أن من شرع في صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه إتمامه، ومذهبنا أنه يستحب الإتمام ولا يجب والله أعلم انتهى. قال الأبي: القائل بوجوب التطوعات بالدخول فيها مالك والحنفية واحتجوا بالحديث وقرروه بنحو ما ذكر، قالوا لأن الاستثناء من النفي إثبات والمنفي وجوب شيء آخر فيكون المثبت وجوب التطوعات وأجاب القائل بأنها لا تجب بأن الحديث دل على نفي وجوب شيءآخر مطلقًا شرع فيه أو لم يشرع والاستثناء منقطع أي لكن يستحب أن تتطوع وقد علمت أن الأصل في الاستثناء الاتصال والمنفصل مجاز والأصل عدمه اهـ. وعبارة المفهم هنا قوله (إلا أن تطوع) ظاهر في أن معنى هذا الكلام هل يجب علي من تطوع الصلوات شيء غير هذه الخمس فأجابه بأنه لا يجب عليه شيء إلا أن تطوع فيجب عليك وهذا ظاهر لأن أصل الاستثناء أن يكون من الجنس والاستثناء من غير الجنس مختلف فيه ثم هو مجاز عند القائل به فإذا حملناه على الاستثناء المتصل لزم منه أن يكون التطوع واجبًا ولا قائل به لاستحالته وتناقضه فلم يبق إلا ما ذهب إليه مالك، وهو أن التطوع يصير واجبًا بنفس الشروع فيه كما يصير واجبًا بالنذر، فالشروع فيه التزام له وحينئذ يكون معنى قوله (إلا أن تطوع) إلا أن تشرع فيه وتبتدئه، ومن ادعى

стр. 634

وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ"، فَقَال: هَلْ عَلَيَّ غَيرُهُ؟ فَقَال: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطوَّعَ"، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ، فَقَال: هَلْ عَلَى غَيرُهَا؟ قَال: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، قَال: فَأدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ! لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، ــ أنه استثناء من غير الجنس طُولب بتصحيح ما ادّعاه وتمسك مانعه بالأصل الذي قررناه انتهى. وقوله ﷺ : (وصيام شهر رمضان) معطوف على خمس صلوات أي فرائض الإسلام خمس صلوات في اليوم والليلة وصيام شهر رمضان في السنة في العبادات البدنية (فقال) الرجل السائل يا رسول الله (هل عليّ غيره) أي غير صيام شهر رمضان كصيام المحرم وشعبان (فقال) رسول الله ﷺ مجيبًا له بالنفي (لا) عليك غيره (إلا أن تطوع) أي تبرعت وتنفلت غيره من صيام النوافل (وذكر له) أي للرجل السائل (رسول الله ﷺ الزكاة) أي وجوبها على الوجه المذكور في أحاديث الزكاة، قال الأبي: فيه صحة نقل الحديث بالمعنى لأنه لما نسي عين اللفظ .. قال وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة كما يقول بعض الرواة أو كما قال اهـ وقال السنوسي: وفيه نظر لأن من قال ذكر فلان كذا واقتصر لا يصدق عليه أنه نقل كلامه لا لفظًا ولا معنى والله أعلم اهـ. (فقال) الرجل السائل (هل علي غيرها) أي غير الزكاة المفروضة من صدقات النفل (قال) رسول الله مجيبًا له بالنفي (لا) عليك غيرها (إلا أن تطوع) أي إلا إن تبرعت من صدقات النفل. (قال) الراوي طلحة بن عبيد الله ﵁ (فأدبر الرجل) السائل، أي ذهب من مجلس رسول الله ﷺ مدبرًا موليًا ظهره إلينا (وهو) أي والحال أن ذلك الرجل (يقول) في إدباره وذهابه (والله) أي أقسمت بالله الذي لا إله غيره إلا أزيد على هذا) الفرض الذي ذكره لي رسول الله ﷺ (ولا أنقص منه) شيئًا، وفي المفهم قيل معناه لا أغير الفروض المذكورة بزيادة فيها كان يصلي الظهر خمس ركعات أو بنقصان فيها كأن يصليها ركعتين أو ثلاثًا ولا يصح أن يقال إن معناه لا أفعل شيئًا زائدًا على هذه الفروض المذكورة من السنن ولا من فروض أخر إن فرضت، فإن ذلك لا يجوز أن يقوله ولا يعتقده لأنه منكر والنبي ﷺ لا يقر على مثله انتهى.

стр. 635

فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" ــ وعبارة المنهاج هنا: فإن قيل كيف قال: لا أزيد على هذا، وليس في هذا الحديث جميع الواجبات ولا المنهيات الشرعية ولا السنن المندوبات؟ فالجواب أنه جاء في رواية البخاري في آخر هذا الحديث زيادة توضح المقصود قال: "فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله تعالى علي شيئًا" فعلى عموم قوله بشرائع الإسلام وقوله مما فرض الله تعالى علي يزول الإشكال في الفرائض وأما النوافل فقيل يحتمل أن هذا كان قبل شرعها وقيل يحتمل أنه أراد لا أزيد في الفرض بتغيير صفته كأنه يقول لا أصلي الظهر خمسًا وهذا تأويل ضعيف، ويحتمل أنه أراد أن لا يصلي النافلة مع أنه لا يخل بشيء من الفرائض، وهذا مفلح بلا شك وإن كانت مواظبته على ترك السنن مذمومة وترد بها الشهادة إلا أنه ليس بعاصٍ بل هو مفلحٌ ناجٍ والله أعلم انتهى. قال الأبي: قوله (والله لا أزيد) لا يقال كيف أقسم على أن لا يفعل الخير وقد صح النهي عن ذلك، لأنه إنما أقسم لا يزيد في الفرائض، وعدم ذكره الحج يحتمل أنه رآه غير مستطيع اهـ. (فقال رسول الله ﷺ أفلح أن صدق) أي فاز وظفر بالمطلوب ونجح من المكروه إن صدق فيما قال، وفي المنهاج قيل هذا الفلاح راجعٌ إلى قوله: لا أنقص خاصة والأظهر أنه عائد إلى المجموع، بمعنى أنه إذا لم يزد ولم ينقص كان مفلحًا، لأنه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه فهو مفلح وليس في هذا أنه إذا أتى بزائد لا يكون مفلحًا لأن هذا مما يعرف بالضرورة، فإنه إذا أفلح بالواجب فلأن يفلح بالواجب والمندوب أولى. قال الهروي: العرب تقول لكل من أصاب خيرًا مفلح قال ابن دريد: أفلح وأنجح إذا أدرك مطلوبه وأصل الفلاح الشق والقطع قال الشاعر: قد علمت خيلك أني الصحصح ... إن الحديد بالحديد يفلح أي يشق فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه، وقد استعمل الفلاح في البقاء كما قال: لو كان حيٌّ مُدْرِكَ الفَلاحِ ... أدركها ملاعب الرماح
следующие страницы →