← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأحَدٍ قَبْلِي. وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَارٍ. فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامةِ. لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ. وَلَا يُنَفَّرُ صَيدُهُ. وَلَا يَلْتَقِطُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا. وَلَا يُخْتَلَى خَلاهَا" ــ واقعة في جواب شرط مقدر تقديره إذا كان الله كتب في اللوح المحفوظ تحريمه ثم أمر خليله بتبليغه وإنهائه فأنا أيضًا أبلغ ذلك وأنهيه إليكم فأقول فهو حرام بحرمة الله اهـ من الإرشاد (وإنه) أي وإن الشأن والحال (لم يحل القتال فيه) أي في هذا البلد، وفي رواية القتل (لأحد قبلي) قال القرطبي: وظاهر هذا أن حكم الله تعالى كان في مكة أن لا يقاتل أهلها ويؤمن من استجار بها ولا يتعرض له وهو أحد أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران / ٩٧] (ولم يحل) القتال الي) فيه (إلا ساعة من نهار) أي قطعة منه، فالضمير في يحل يعود إلى القتال قطعًا كما قررناه كما يدل عليه مساقه فيلزم منه تحريم القتال فيه مطلقًا سواء كان ساكنه مستحقًا للقتال أو لم يكن وهو الذي يدل عليه قوله ﷺ : (ولا يحل لأحد بعدي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار" أي أُحل لي ساعة إراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر، وهذا يدل على أن فتح مكة كان عنوة وقهرًا (فهو) أي هذا البلد (حرام) أي: هتك حرمته على كل أحد بعد تلك الساعة (بحرمة الله) المؤبدة (إلى يوم القيامة) أي إلى النفخة الأولى (لا يُعضد) أي لا يقطع (شوكه) أي ولا شجرُهُ بطريق الأولى نعم لا بأس بقطع المؤذي من الشوك كالعوسج والسعدان قياسًا على الحيوان المؤذي؛ والمراد بالشجر هنا النابت بنفسه لا المستنبت كما هو مقرر في الفروع (ولا يُنفر صيده) أي لا يستعرض له بالاصطياد والإيحاش والإزعاج اهـ مرقاة، فإن نفره عصى سواء تلف أم لا (ولا يلتقط) أي لا يأخذ لقطته أي لقطة الحرم أحد (إلا من عرّفها) على الدوام ليردها إلى صاحبها، فالضمير في عرّفها عائد إلى اللقطة الساقطة في هذه الرواية الثابتة في الرواية التالية يعني لا يتملكها بعد التعريف كما يتملكها في غيره من البلاد وهذا مذهب الشافعية وهو رأي متأخري المالكية فيما ذكره صاحب تحصيل المرام من المالكية، والصحيح من مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد أن لا خصوصية للقطتها والوجه هو الأول لأن الكلام ورد مورد الفضائل المختصة بها كتحريم صيدها وقطع شجرها وإذا سوينا بين لقطة الحرم ولقطة غيره من البلاد بقي ذكر اللقطة في هذا الحديث خاليًا عن الفائدة اهـ من الإرشاد (ولا يختلى خلاها) أي ولا يقطع نباتها الرطب، وأما القلع فمن باب أولى، وأما النبات

стр. 6022

فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إلَّا الإِذْخِرَ. فَإِنَّهُ لِقَينِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ. فَقَال: "إِلَّا الإِذخِرَ" ــ اليابس فيسمى حشيشًا، والاختلاء الجز، والجز في النبت مثل الحصد في الزرع والخلى بالقصر كما في المصباح الرطب من النبات الواحدة خلاة مثل حصى وحصاة، قال الزمخشري في الفائق: وحق خلاها أن يكتب بالياء وتثنيته خليان اهـ أي لأنه من خليت بالياء (فقال العباس) بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ : (يا رسول الله إلا الاذخر) بالنصب على الاستثناء التلقيني أي قل يا رسول الله لا يختلى خلاها إلا الإذخر، ويجوز الرفع على البدلية من خلاها لأن الاستثناء من الكلام التام المنفي، والإذخر بالهمزة والخاء المعجمة المكسورتين بينهما ذال معجمة ساكنة نبت معروف طيب الرائحة وهو حلفاء مكة اهـ قسطلاني، وقال العيني: نبت عريض الأوراق طيب الرائحة اهـ، وفي فتح الملهم الإذخر نبت معروف عند أهل مكة طيب الريح له أصل متدفن وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن، وبالمغرب صنف منه فيما قاله ابن البيطار قال: والذي بمكة أجوده وأهل مكة يُسقفون به البيوت بين الخشب ويسدّون به الخلل بين اللبنات في القبور ويستعملونه بدلًا من الحلفاء في الوقود ولهذا قال العباس: فإنه لقينهم، ووقع في مرسل مجاهد عن عمر بن شبة فقال العباس: يا رسول الله إن أهل مكة لا صبر لهم عن الإذخر لقينهم وبيوتهم. وهذا يدل على أن الاستثناء في حديث الباب لم يرد به أن يستثني هو وإنما أراد به أن يُلقن النبي ﷺ الاستثناء اهـ منه، وقال العلايلي في معجمه: الإذخر نبات عشبي من فصيلة النجيليات له رائحة ليمونية عطرة أزهاره تستعمل منقوعًا كالشاي، ويقال له أيضًا طيب العرب، والإذخر المكي من الفصيلة نفسها جذورها من الأفاويه ينبت في السهول وفي المواضع الجافة الحارة، ويقال له أيضًا حلفاء مكة اهـ (فإنه) أي فإن الإذخر نافع ومحتاج إليه (لقينهم) بفتح القاف وسكون التحتية وبالنون أي حدادهم أي محتاج إليه لحداد أهل مكة وكذا الصواغ فإنه يحرقونه بدل الحطب والفحم، قال الطبري: والقين عند العرب كل ذي صناعة يعالجها بنفسه (و) محتاج إليه إلى) سُقف (بيوتهم) وكذا لسقف قبورهم أي ولبيوتهم حال حياتهم ومماتهم اهـ مرقاة؛ والمعنى يحتاج إليه القين في وقود النار، ويحتاج إليه في القبور لتسد به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات، ويحتاج إليه في سقوف البيوت يُجعل فوق الخشب اهـ (فقال) رسول الله ﷺ : (إلا الاذخر) وهذا استثناء بعض من كل

стр. 6023

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لدخول الإذخر في عموم ما يختلى، واختلفوا: هل كان قوله ﷺ : إلا الإذخر باجتهاد أو بوحي؟ . وقيل: كان الله سبحانه فوّض له الحكم في هذه المسألة مطلقًا، وقيل: أُوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك فأجب سؤاله، قال ابن المنير: والحق أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة وترخيص النبي ﷺ كان تبليغًا عن الله تعالى إما بطريق الإلهام أو بطريق الوحي، ومن ادعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متسع فقد وهم، قال الحافظ: وفي الحديث جواز مراجعة العالم في المصالح الشرعية والمبادرة إلى ذلك في المجامع والمشاهد، وعظيم منزلة العباس عند النبي ﷺ وعنايته بأمر مكة لكونه كان بها أصله ومنشؤه اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٢٢٦]، والبخاري [١٨٣٤]، وأبو داود [٢٤٨٠]، والترمذي [١٥٩٠]، والنسائي [٧/ ١٤٦]. قوله: (ولا يختلى خلاها) بصيغة المجهول مقصورًا أي لا يقطع نباتها وحشيشها، قال بعض العلماء: الخلا مقصورًا الرطب من النبات كما أن الحشيش هو اليابس منها، ولا فرق بين الرطب واليابس في حرمة القطع وعليه الأكثرون وهذا خلاف المشهور من المذهب، قال الشمني: بعد قوله: وكذا إن ذبح الحلال صيد الحرم أي لزمه قيمته ويُهدي بها أو يُطعم ولا يُجزئه الصوم أو قطع حشيشه أو شجره إلا مملوكًا أي للقاطع أو منبتًا أو جافًا أي يابسًا كذا في المرقاة، قال الحافظ: وفي تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس واختلائه وهو أصح الوجهين للشافعية لأن النبت اليابس كالصيد الميت، قال ابن قدامة: لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدل عليه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة "ولا يحتش حشيشها" قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم من بقل وزرع ومشموم فلا بأس برعيه واختلائه اهـ وقال ابن عابدين: واعلم أن النابت في الحرم إما جاف أو منكسر أو إذخر أو غيرها، والثلاثة الأول: مستثناة من الضمان وغيرها إما أن يكون أنبته الناس أو لا؛ والأول لا شيء فيه سواء كان من جنس ما ينبته الناس كالزرع أو لا كأم غيلان، والثاني: إن كان من جنس ما ينبتونه فكذلك وإلا ففيه الجزاء فما فيه الجزاء هو النابت بنفسه وليس مما يستنبت ولا منكسرا ولا جافا ولا إذخرًا كما قرره في البحر اهـ من فتح الملهم.

стр. 6024

٣١٨٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، فِي هذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ "يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" وَقَال، بَدَلَ الْقِتَالِ "الْقَتْلَ" وَقَال: "لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا". ٣١٨٥ - (١٢٧٠) (٢٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيحٍ الْعَدَويِّ؛ ــ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٣١٨٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) (حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي مولاهم الكوفي، ثقة، من (٩) (حدثنا مفضل) بن مهلهل السعدي الكوفي، ثقة ثبت نبيل عابد، من (٧) (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي الكوفي (في هذا الإسناد) أي بهذا الإسناد يعني عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس (بمثله) أي بمثل ما حدّث جرير بن عبد الحميد، غرضه بيان متابعة مفضل لجرير بن عبد الحميد (و) لكن الم يذكر) مفضل لفظة (يوم خلق السماوات والأرض وقال) مفضل: (بدل) لفظ (القتال) في رواية جرير لفظة (القتل وقال) مفضل أيضًا (لا يلتقط لقطته) أي لقطة الحرم بإظهار المفعول به (إلا من عزفها) أي من أراد تعريفها على الدوام لمعرفة صاحبها لا لتملكها، واللقطة اسم للشيء الذي تجده ملقى فتأخذه، والالتقاط هو أخذه، وأصل اللقط الأخذ من حيث لا يحس. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عباس بحديث أبي شريح رضي الله تعالى عنهما فقال: ٣١٨٥ - (١٢٧٠) (٢٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي البلخي (حدثنا ليث) بن سعد المصري (عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري المدني، ثقة، من (٣) (عن) خويلد بن عمرو، وقيل عمرو بن خويلد، وقيل عبد الرحمن بن عمرو، وقيل غير ذلك والمشهور الأول (أبي شريح) الخزاعي (العدوي) المدني الصحابي المشهور ﵁ أسلم يوم الفتح وكان يحمل أحد ألوية بني كعب، روى عنه نافع بن جبير في الإيمان، وسعيد بن أبي سعيد في الحج، له عشرون حديثًا، اتفقا على حديثين وانفرد (خ) بحديث و (م) بحديث، قاله ابن سعد: مات بالمدينة سنة (٦٨) ثمان وستين. (قوله عن أبي شريح العدوي) قاله الحافظ: في كتاب الحج كذا وقع هنا في كتاب الحج، وفيه

стр. 6025

أَنَّهُ قَال لِعَمْرِو بنِ سَعِيدٍ، وَهُوَ يَبعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي. أَيُّهَا الأَمِيرُ! أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ــ نظر لأنه خزاعي من بني كعب بن ربيعة بن لحي بطن من خزاعة ولهذا يقال له الكعبي أيضًا وليس هو من بني عدي لا عدي قريش ولا عدي مضر فلعله كان حليفًا لبني عدي بن كعب من قريش، وقيل في خزاعة بَطْن يقال لهم بنو عدي اهـ (أنه) أي أن أبا شريح (قال لعمرو بن سعيد) بن أبي العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي أبي أمية المعروف بالأشدق، وليست له صحبة، ولا كان من التابعين بإحسان قاله الحافظ أحد الأشراف، قيل له رؤية، وقال في التقريب: تابعي (مهمل) من الثالثة، وليست له في (م) رواية إلا في حديث واحد وهو الحديث الذي رواه عن عثمان بن عفان ﵁ سبق ذكره في باب الوضوء، ومعنى الأشدق هنا المعوج الشدق من داء أصابه يُسمى لقوة لا بمعنى الواسع الشدق الذي يوصف به الخطيب البليغ، فإن القسطلاني ذكر في وجه تلقيبه بالأشدق أنه صعد المنبر فبالغ في شتم علي بن أبي طالب فاصابته لِقْوَةٌ، وكان يزيد بن معاوية ولاه المدينة (وهو) أي والحال أن عمرًا (يبعث البعوث) أي يرسل الجيوش من المدينة (إلى مكة) لقتال عبد الله بن الزبير لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية واعتصم بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على المدينة، والقصة مشهورة، والبعوث جمع بعث بمعنى مبحوث وهو من تسمية المفعول بالمصدر، والمراد به الجيش المجهز للقتال، والجملة الاسمية حال من عمرو أي والحال أن عمرو بن سعيد يرسل الجيوش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير وذلك أن يزيد بن معاوية لما قام مقام أبيه طلب من عبد الله بن الزبير البيعة فامتنع ابن الزبير من بيعته وخرج إلى مكة عائذًا بحرم الله تعالى فغضب يزيد فكتب إلى عمرو بن سعيد أن يوجه جيشًا إلى ابن الزبير فجهز إليه جيشًا وأمر عليهم عمرو بن الزبير أخا عبد الله، وإن شديد العداوة لأخيه. وقوله: (ائذن لي) مقول لأبي شريح الصحابي يخاطب عمرًا الأشدق يا (أيها الأمير) بحذف حرف النداء للتخفيف، والأصل فيه يا أيها الأمير، ويستفاد منه حسن التلطف في مخاطبة الأمراء ليكون أدعى لقبولهم النصيحة، وأن السلطان لا يُخاطب إلا بعد استئذانه ولا سيما إذا كان في أمر يعترض به عليه فترك ذلك والغِلْظة له قد يكون سببًا لإثارة نفسه ومعاندة من يخاطبه (أحدثك) بالجزم لأنه جواب الطلب السابق أي إن أذنت (أحدثك) أي أخبرك (قولًا) أي حديثًا، وجملة قوله: (قام به رسول الله صلى الله

стр. 6026

صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتحِ. سَمِعَتهُ أُذُنَايَ. وَوَعَاهُ قَلْبِي. وَأَنصَرَتهُ عَينَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ. أَنَّهُ حَمِدَ اللهَ وَأَثنَى عَلَيهِ. ثُمَّ قَال: "إِن مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَم يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، ــ عليه وسلم) صفة للقول أي قولًا حدّث به رسول الله ﷺ خطيبًا، والمقول هو حمد الله تعالى وثناؤه عليه الخ، وقوله: (الغد) بالنصب على الظرفية (من يوم الفتح) والمراد به اليوم الثاني من فتح مكة أي خطب به في اليوم الثاني من فتح مكة، وقوله: (سمعته أذناي) صفة ثانية لقولًا، وفي رواية البخاري فسمعته أذناي بالفاء العاطفة على قام أي سمعت ذلك القول أذنان لي، وفيه إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه، فقوله: سمعته أي حملته عنه بغير واسطة، وذكر الأذنين للتأكيد، وقوله: (ووعاه) أي حفظه (قلبي) أي عقلي إشارة إلى تحققه وتثبته فيه، وفيه إشارة إلى أن العقل محله القلب، وقوله: (وأبصرته) ﷺ (عيناي حين تكلم به) أي بذلك القول زيادة في مبالغة التأكيد لتحققه وإشارة إلى أن سماعه منه لم يكن مقتصرًا على مجرد سماع الصوت بل كان مع المشاهدة والتحقيق لما قاله، قال النواوي: أراد بهذا كله المبالغة في تحقيق حفظه إياه وتيقنه، وقوله: (أنه) ﷺ (حمد الله) أي وصفه بالكمالات (وأثنى عليه) تعالى أي ذكره بتنزهه عن النقائص بفتح الهمزة بدل من قوله قولًا أي أحدثك أنه حمد الله تعالى الخ وبكسرها في رواية للبخاري على أنه بيان لتكلم فالجملة مستانفة استئنافًا بيانيًا، ويؤخذ منه استحباب الثناء بين يدي تعليم العلم وتبيين الأحكام والخطبة في الأمور المهمة اهـ فتح الملهم (ثم) بعد حمد الله تعالى وثنائه عليه (قال) رسول الله ﷺ : (إن مكة) المكرمة (حرمها الله) تعالى أي حكم بتحريمها وقضى به، وهل المراد مطلق التحريم فيتناول كل محرماتها أو خصوص ما ذكره بعد من سفك الدم وقطع الشجر يعني أنه حرمها ابتداء من غير سبب يُعزى إلى أحد ولا مقدمة ولا لأحد فيه مدخل لا نبي ولا عالم ولا مجتهد، وأكد ذلك المعنى بقوله: (ولم يحرمها الناس) وهذا نفي لما كان يعتقده الجاهلية وغيرهم من أنهم حرموا أو حللوا من قبل أنفسهم ولا منافاة بين هذا وبين حديث جابر المروي في مسلم "إن إبراهيم حرم مكة وأنا حرمت المدينة" لأن إسناد التحريم إلى إبراهيم من حيث إنه مبلغه فإن الحاكم بالشرائع والأحكام كلها هو الله تعالى والأنبياء

стр. 6027

فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً. فَإِنْ أَحَد تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ــ يبلغونها ثم إنها كما تضاف إلى الله تعالى من حيث إنه الحاكم بها تضاف إلى الرسل لأنها تسمع منهم وتظهر على ألسنتهم فلعله لما رُفع البيت المعمور إلى السماء وقت الطوفان اندرست حرمتها وصارت شريعة متروكة منسية إلى أن أحياها إبراهيم ﵇ فرفع قواعد البيت ودعا الناس إلى حَجِّهِ وحد الحرم وبين حرمته، وكذلك نسبته إلى نبينا محمد ﷺ كما قد يُنسب الحكم للقاضي لأنه منفذه والحكم لله العلي الكبير بحكم الأصالة والحقيقة، والحاصل أن تحريمها كان بوحي من الله تعالى لا من اصطلاح الناس ثم بيّن الله التحريم بقوله: (فلا يحل لامرئ) وكذا المرأة (يؤمن بالله واليوم الآخر) الخ فيه تنبيه على الامتثال لأن من آمن بالله لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر لزمه امتثال ما أُمر به واجتناب ما نهي عنه خوف الحساب عليه وقد تعلق به من قال: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، والصحيح عند الأكثر خلافه، وجوابهم بأن المؤمن هو الذي ينقاد للأحكام وينزجر عن المحرمات فجعل الكلام معه وليس فيه نفي ذلك عن غيره، وقال ابن دقيق العيد: الذي أراه أنه من خطاب التهييج المعلوم عند علماء البيان نحو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فالمعنى أن استحلال هذا النهي عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر بل ينافيه فهذا هو المقتضِي لذكر هذا الوصف، ولوقيل: لا يحل لأحد مطلقًا لم يحصل منه هذا الغرض وإن أفاد التحريم كذا في الفتح (أن يسفك) أي أن يريق (بها) أي بمكة بكسر الفاء وحكي ضمها وهو صب الدم والمراد به القئل، واستدل به على تحريم القتل والقتال بمكة أي أن يصب بمكة (دمًا) بالقتل الحرام وقيس بها سائر الحرم (ولا يعضد) بضم الضاد المعجمة كما قاله ابن الخشاب، وقيل: بكسر الضاد المعجمة وفتح الدال أي ولا يقطع (بها) أي في مكة (شجرة) وكلمة لا هنا زائدة لتأكيد النفي المستفاد من لا الأولى، ويؤخذ منه حرمة قطع شجر الحرم الرطب غير المؤذي، وإذا حرم القطع فالقلع من باب أولى (فإن أحد ترخص) بوزن تفعل من الرخصة وهو حكم ثبت لعذر مع قيام المحرم، وأحد مرفوع بفعل مضمر وجوبًا يفسره ما بعده وهو من باب الاشتغال الذي يجب فيه الرفع على الفاعلية؛ أي فإن ترخص أحد القتال رسول الله ﷺ متعلق بقوله: ترخص أي لأجل قتال رسول الله ﷺ أي فإن

стр. 6028

فِيهَا فَقُولوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُها الْيَوْمَ كحُرْمَتِهَا بِالأمْسِ. وليُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ". فَقِيلَ لأبَي شُرَيحٍ: مَا قَال لَكَ عَمْرٌو؟ قَال: أَنَا أَعْلَمُ بِذلِكَ مِنْكَ. يَا أَبَا شُرَيحٍ! إِن الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا ــ استدل أحد منكم على جواز القتال فيها مستدلًا بقتال رسول الله ﷺ (فيها فقولوا له) ردًّا عليه زعمه (أن الله) (أذن لرسوله) ﷺ خصوصية له (ولم يأذن لكم) أيها المترخصون بقتال رسول الله ﷺ (وإنما أذن) الله سبحانه (لي) بالقتال (فيها ساعة من نهار) أي قطعة زمن من نهار يوم الفتح وهو ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر فكانت مكة في حقه ﷺ في تلك الساعة بمنزلة الحل (وقد عادت) أي رجعت (حرمتها) أي الحكم الذي في مقابلة إباحة القتال فيها المستفادة من لفظ الإذن (اليوم) أي في هذا اليوم؛ وهو اليوم الذي بعد يوم الفتح المعبر عنه سابقًا بلفظ الغد، والمراد به الزمن الحاضر (كحرمتها بالأمس) أي في الأمس من يوم الفتح، قال السندي رحمه الله تعالى: الظاهر أن المراد وقد عادت حرمتها بعد تلك الساعة كحرمتها قبل تلك الساعة والله أعلم، وقال القسطلاني: أي عاد تحريمها كما كانت بالأمس قبل يوم الفتح حرامًا (وليبلغ الشاهد) بالرفع على الفاعلية أي الحاضر عندي (الغائب) عني بالنصب على المفعولية، قال ابن جرير: فيه دليل على جواز قبول خبر الواحد لأنه معلوم أن كل من شهد الخطبة قد لزمه التبليغ وأنه لم يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلا وهو لازم له فرض العمل بما بلغه كالذي لزم السامع سواء وإلا لم يكن للأمر بالتبليغ فائدة اهـ (فقيل لأبي شريح) العدوي ﵁ لم أر من ذكر اسم القائل (ما قال لك) يا أبا شريح (عمرو) بن سعيد الأموي في جواب نصيحتك له هل قبلها أم لا؟ قال أبو شريح: (قال) لي عمرو: (أنا أعلم بذلك) المذكور وهو أن مكة حرمها الله الخ (منك يا أبا شريح) يعني أنك قد صح سماعك ولكنك لم تفهم المراد منه فـ (أن الحرم لا يعيذ) بالذال المعجمة أي لا يُجير ولا يعصم ولا يُؤَمِّن (عاصيًا) بالخروج عن طاعة الإمام يشير إلى عبد الله بن الزبير لأن عمرو بن سعيد كان يعتقد أنه عاص بامتناعه من امتثال أمر يزيد لأنه كان يرى وجوب طاعته لكنها دعوى من عمرو بغير دليل لأن ابن الزبير لم يجب عليه حد فعاذ بالحرم فرارًا منه حتى

стр. 6029

وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. ٣١٨٦ - (١٢٧١) (٢١) حدّثني زُهَيرُ بنُ حَرْبٍ وَعُبَيدُ اللهِ بن سَعِيدٍ ــ يصح جواب عمرو (ولا فارًّا) بالفاء من الفرار أي ولا هاربًا (بدم) والمراد من وجب عليه حد القتل فهرب إلى مكة مستجيرًا بالحرم وهي مسألة خلاف بين العلماء، وأغرب عمرو بن سعيد في سياقه الحكم مساق الدليل في تخصيصه العموم بلا مستند (ولا فارًا بخربة) أي بسرقة بفتح المعجمة وسكون الراء ثم موحدة يعني السرقة، قال ابن بطال: الخربة بالضم الفساد وبالفتح السرقة، قال في الفتح: وقد تصرف عمرو في الجواب وأتى بكلام ظاهره حق ولكن أراد به الباطل، قال ابن حزم: ولا كرامة للطيم الشيطان أن يكون أعلم من صاحب رسول الله ﷺ وأغرب ابن بطال فزعم أن سكوت أبي شريح عن جواب عمرو بن سعيد دال على أنه رجع إليه في التفصيل المذكور ويعكر عليه ما وقع في رواية أحمد أنه قال في آخره: قال أبو شريح: فقلت لعمرو: وقد كنتُ شاهدًا وكنت غائبا، وقد أمرنا أن يُبلغ شاهدنا غائبنا، وقد بلغتك. فهذا يشعر بأنه لم يوافقه وإنما ترك مشاققته لعجزه عنه لما كان فيه من قوة الشوكة اهـ فتح الملهم. ثم قوله: (ولا فارًّا لدم) أي ولا يعيذ الحرم هاربا التجاء إليه بسبب من الأسباب الموجبة للقتل. وقوله: (ولا فارًّا بخربة) قال النووي: وتطلق على كل خيانة، والخارب: اللص المفسد في الأرض اهـ، ثم إن قوله: (إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدم) مذكور في كتب الأصول على أنه خبر واحد ظني لا يكون صالحًا لتخصيص العام وهو العام الغير المخصوص أعني قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ فمباح الدم في الخارج إذا التجأ إلى الحرم لا يُقتل فيه ولا يُؤذى ليخرج ولكن لا يطعم ولا يسقى حتى يضطر إلى الخروج فيقتل خارج الحرم فمعنى ولا فارًّا بدم على تقدير ثبوته لا تسقط عنه العقوبة اهـ من بعض الهوامش. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ٣١]، والبخاري [١٨٣٢]. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عباس بحديث أبي هريرة ﵃ فقال: ٣١٨٦ - (١٢٧١) (٢١) (حدثني زهير بن حرب وعبيد الله بن سعيد) بن يحيى

стр. 6030

جَمِيعًا عَنِ الْوَلِيدِ. قَال زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ. حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ. حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ (هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ). حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيرَةَ قَال: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَكَّةَ. قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثنَى عَلَيهِ. ثُمَّ قَال: "إِنَّ الله حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ ــ اليشكري مولاهم أبو قدامة النيسابوري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٨) أبواب (جميعًا) أي كلاهما رويا (عن الوليد) بن مسلم القرشي الأموي مولاهم الدمشقي، ثقة، من (٨) روى عنه في (٦) أبواب (قال زهير) بن حرب: (حدثنا الوليد بن مسلم) بصيغة السماع (حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الشامي، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٢) بابا (حدثني يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٦) بابًا (حدثني أبو سلمة هو) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة، من (٣) (حدثني أبو هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان شاميان وواحد يمامي وواحد إما نسائي أو نيسابوري، وفيه التحديث إفرادًا وجمعًا والعنعنة والمقارنة (قال) أبو هريرة: (لما فتح الله على رسول الله ﷺ مكة) المكرمة، وفي زاد المعاد إن مكة فتحت عنوة كما ذهب إليه جمهور أهل العلم ولا يعرف في ذلك خلاف إلا عن الشافعي وأحمد في أحد قوليه اهـ (قام) ﷺ خطيبًا (في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أن الله) (حبس عن مكة الفيل) أي منعه عنها، والفيل بالفاء المكسورة بعدها ياء تحتانية اسم الحيوان المشهور، واسم ذلك الفيل محمود كما في تنبيه المعلم، والمراد بحبس الفيل حبس أهله، وأشار بذلك إلى القصة المشهورة للحبشة في غزوهم مكة ومعهم الفيل فمنعها الله عنهم وسلط عليهم الطير الأبابيل مع كون أهل مكة إذ ذاك كانوا كفارًا فحرمة أهلها بعد الإسلام آكد لكن غزو النبي ﷺ إياها مخصوص به على ظاهر هذا الحديث وغيره، وقد ذكرنا قصة أصحاب الفيل مبسوطة مفصلة في تفسيرنا حدائق الروح والريحان فمن أراد الاطلاع عليها فليراجعه، قال القرطبي: يعني بالفيل فيل أبرهة الأشرم الحبشي الذي قصد خراب الكعبة فلما وصل إلى ذي المجاز سوق للعرب قريب من مكة عبأ فيله وجهزه إلى مكة فلما استقبل الفيل مكة رزم أي أقام وثبت فاحتالوا عليه بكل حيلة فلم

стр. 6031

وَسَلَّطَ عَلَيهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لأحَدٍ كَانَ قَبْلِي. وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لأحَدٍ بَعْدِي. فَلَا يُنَفَّرُ صَيدُهَا. وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا. وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ ــ يقدروا عليه واستقبلوا به جهة مكة فامتنع فلم يزالوا به هكذا حتى رماهم الله بالحجارة التي أرسل الطير بها على ما هو مذكور في السير وفي كتب التفسير اهـ مفهم (وسلط عليها رسوله) ﷺ (و) سلط عليها (المومنين وإنها) أي وإن مكة الن تحل لأحد كان قبلي) الصواب كما في رواية القرطبي لم تحل لأحد قبلي لأن لن لنفي المستقبل فليس المقام لها بل المقام مقام لم الموضوعة لنفي الماضي كما هو مقرر في علم النحو (وإنها) أي وإن مكة (أُحلت لي ساعة من نهار) قال في المرقاة: دل على أن فتح مكة كان عنوة وقهرًا كما هو عند الأحناف؛ أي أحل لي ساعة أي زمانًا قليلًا إراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر اهـ (وإنها لن تحل لأحد بعدي) قال ابن بطال: المراد به الإخبار عن الحكم في ذلك لا الإخبار بما سيقع لوقوع خلاف ذلك في الشاهد كما وقع من الحجاج وغيره اهـ ومحصله أنه خبر بمعنى النهي بخلاف قوله لم تحل لأحد كان قبلي فإنه خبر محض أو معنى قوله ولا تحل لأحد بعدي أي لا يحلها الله بعدي لأن النسخ ينقطع بعده لكونه خاتم النبيين ﷺ وعليهم (فلا ينفر صيدها) أي لا يتعرض له بالاصطياد والإيحاش والإيهاج (ولا يختلى) أي لا يقطع (شوكها) وذكر الشوك دال على منع قطع غيره من باب أولى (ولا تحل ساقطتها) أي لا يحل التقاط لقطتها (إلا لمنشد) أي معرف على الدوام، والمراد بالساقطة اللقطة كما هو الرواية فيما سبق ومعنى الساقطة ما سقط فيها بغفلة مالكه، والهاء فيها للاسمية كما في فاطمة بخلافها في قولهم (لكل ساقطة لاقطة) فإن المراد بالساقطة فيه الكلمة يضرب في التحفظ عند النطق، وأراد بالمنشد المعرِّف، قال العيني: يقال: نشدت الضالة إذا طلبتها، والناشد الطالب، وأنشدتها إذا عرفتها، وأصل الإنشاد رفع الصوت، ومنها إنشاد الشعر اهـ والمعنى أي لا يلتقطها أحد إلا من عرفها ليردها على صاحبها ولم يأخذها لنفسه وانتفاعها، قيل: أي ليس في لقطة الحرم إلا التعريف فلا يتملكها أحد ولا يتصدق بها وعليه الشافعي، وقيل حكمها كحكم غيرها والمقصود حينئذٍ من ذكرها أن لا يتوهم تخصيص تعريفها بأيام الموسم وعليه أبو حنيفة ومن تبعه اهـ من العون.

стр. 6032

وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيل فَهُوَ بِخَيرِ النَّظَرَينِ. إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ" فَقَال الْعَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ. يَا رَسُولَ اللهِ! فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا. فَقَال رَسُول اللهِ ﷺ : "إِلَّا الإِذْخِرَ" فَقَامَ أَبُو شَاهٍ، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَال: اكْتُبُوا لِي. يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ" ــ (ومن قُتل له قتيل) أي من قتل له قريب كان حيا فصار قتيلًا بذلك القتل (فهو) أي فولي الدم يختار (بخير النظرين) أي يختار بخير الأمرين له وأفضلهما عنده، وقوله: (إما) حرف تفصيل للنظرين، وجملة قوله: (أن يُفدى) بالبناء للمجهول في تأويل مصدر مجرور على البدلية من خير الأمرين بدل تفصيل من مجمل أي إما يختار الفدية وهو الدية سُميت بذلك لأنها فداء عن نفس القاتل أي إما بأن يُعطى الدية (وإما) بـ (أن يُقتل) قاتل قتيله يعني يقتص منه، قال النووي: يعني أن ولي الدم مخير بين أخذ الفدية وهي الدية وبين إجراء القود وهو مذهب الإمام الشافعي خلافًا للأحناف، قال القرطبي: الحديث حجة للشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، ورُوي عن ابن المسيب وابن سيرين على قولهم إن ولي دم العمد بالخيار بين القصاص والدية، ويُجبر القاتل عليها إذا اختارها الولي وهو رواية أشهب عن مالك، وذهب مالك في رواية ابن القاسم وغيره إلى أن الذي للولي إنما هو القتل فقط أو العفو وليس أن يجبر القاتل على الدية تمسكًا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وقوله ﷺ : "كتاب الله القصاص" وفي المسألة أبحاث تنظر في مسائل الخلاف اهـ من المفهم (فقال العباس) بن عبد المطلب: (إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا فقال رسول الله ﷺ : إلا الإذخر. فقام أبو شاه) بهاء منونة وتكون هاء في الوقف والوصل، ولا يقال بالتاء، وحكى السلفي أن بعضهم نطق بهاء وبتاء وغلطه وقال: هو فارسي من فرسان الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن هو (رجل من أهل اليمن) كلام مدرج من الراوي قالوا: ولا يُعرف اسم أبي شاه هذا، وإنما يعرف بكنيته (فقال) أبو شاه: معطوف على قام (اكتبوا لي يا رسول الله) هذه الخطبة أي وأمر من معك بكتابتها لي (فقال رسول الله ﷺ : لمن عنده (اكتبو) ها (لأبي شاه) قال النووي: هذا تصريح بجواز كتابة العلم غير القرآن ومثله حديث علي ﵁: ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة. ومثله حديث أبي هريرة:

стр. 6033

قَال الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلأَوزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ الله؟ قَال: هذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ . ٣١٨٧ - (٠٠) (٠٠) حدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا عُبَيدُ الله بْنُ مُوسَى، عن شَيبَانَ، عَنْ يَحْيَى. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ؛ أَنهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: إِنَّ خُزَاعَةَ ــ كان عبد الله بن عمرو يكتب ولا أكتب. وجاءت أحاديث بالنهي عن كتابة غير القرآن فمن السلف من منع كتابة العلم، وقال جمهور السلف بجوازه، ثم أجمعت الأمة بعدهم على استحبابه، وأجابوا عن أحاديث النهي بجوابين أحدهما: أنها منسوخة وكأن النهي في أول الأمر قبل اشتهار القرآن لكل أحد فنهي عن كتابة غيره خوفًا من اختلاطه واشتباهه فلما اشتهر وأمنت تلك المفسدة أُذن فيه، والثاني: أن النهي نهي تنزيه لمن وثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة والإذن لمن لم يُوثق بحفظه اهـ. (قال الوليد) بن مسلم القرشي الدمشقي بالسند السابق: (فقلت لـ) شيخي عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي ما قوله اكتبوا لي) أي ما المسؤول بكتابته في قول أبي شاة اكتبوا لي (يا رسول الله، قال) الأوزاعي: معناه اكتبوا لي (هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ . وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٣٨]، والبخاري [١١٢]، وأبو داود [٢٠١٧]. قال المنذري: والترمذي والنسائي أيضًا. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٣١٨٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثني إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة، من (١١) روى عنه في (١٧) بابا (أخبرنا عبيد الله بن موسى) العبسي أبو محمد الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (عن شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم أبي معاوية الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٧) أبواب (عن يحيى) بن أبي كثير الطائي اليمامي (أخبرني أبو سلمة أنه سمع أبا هريرة) ﵁ حالة كونه (يقول) الحديث الآتي. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة شيبان بن عبد الرحمن للأوزاعي في رواية هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير (إن خزاعة) بضم الخاء المعجمة وبالزاي وهي قبيلة كانوا غلبوا على مكة وحكموا فيها ثم

стр. 6034

قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيثٍ. عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ. بِقَتِيلٍ مِنْهُم قَتَلُوهُ. فَأُخْبِرَ بِذلِكَ رَسُولُ الله ﷺ . فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ فَقَال: "إِنَّ الله حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفيلَ. وَسلَّطَ عَلَيها رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ. أَلا وَإنَّها لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي وَلَنْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعدِي. أَلا وَإنَّها أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهارِ. أَلا وَإنَّها، سَاعَتي هذِهِ، حَرَامٌ. لَا يُخْبَطُ شَوْكُها. وَلَا يُعضَدُ شَجَرُها. وَلَا يَلْتَقِطُ ــ خرجوا منها فصاروا في ظاهرها وكانت بينهم وبين بني بكر عداوة ظاهرة في الجاهلية، وكانت خزاعة حلفاء بني هاشم بن عبد مناف إلى عهد النبي ﷺ وكانت بنو بكر حلفاء قريش (قتلوا رجلًا من بني ليث) يُنسبون إلى ليث بن بكر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، والقصة مبسوطة في الفتح وغيره، وقوله: (عام فتح مكة) ظرف متعلق بقتلوا، وكذا قوله: (بقتيل) متعلق بقتلوا أيضًا أي قتلوا (بقتيل) أي بمقابلة مقتول (منهم) أي من خزاعة (قتلوه) أي قتل ذلك القتيل قاتل من بني ليث، واسم هذا القاتل خراش بن أمية الخزاعي، والمقتول في الجاهلية منهم اسمه أحمر والمقتول في الإسلام من بني ليث لم يسم قاله الحافظ في الفتح (فأخبر) بصيغة المبني للمجهول أي أخبر (بذلك) القتل الذي فعلته خزاعة (رسول الله ﷺ نائب فاعل لأخبر (فركب) رسول الله ﷺ (راحلته) أي ناقته فذهب إلى بني خزاعة (فخطبـ) ـهم (فقال: أن الله حبس) أي منع (عن) دخول (مكة الفيل) حين جاء صاحبه بقصد تخريب الكعبة وهدمها، وكان اسم الفيل محمودًا، واسم صاحبه أبرهة الحبشي كما (وسلط) الله (عليها) أي على مكة (رسوله والمؤمنين) أي أذن لهم في قتالها ففتحوها (ألا) أي انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (وإنها) أي إن مكة (لم تحل لأحد قبلي) جاءت هذه الرواية على الصواب بلفظ لم النافية للمضي أي لم يحل القتال فيها لأحد من قبلي (ولن تحل لأحد بعدي) أي لم يحل القتال فيها لأحد من بعدي كان وقع ظلمًا كما وَقَعَ للحجاج بن يوسف الثقفي الجائر حين قاتل فيها ابن الزبير (ألا وإنها أُحلت في ساعة من النهار ألا وإنها) في (ساعتي هذه) التي أخاطبكم فيها (حرام) أي محرم فيها القتال (لا يُخبط) أي لا يقطع (شوكها) أي الشجر ذو الشوك إن لم يؤذ، وأصل الخبط إسقاط الورق عن الشجر (ولا يُعضد) أي لا يقطع (شجرها) غير ذي الشوك من باب أولى، وهذا تصريح بما عُلم بالمفهوم الأولى مما قبله (ولا يلتقط)

стр. 6035

سَاقِطَتَها إِلَّا مُنْشِدٌ. وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيرِ النَّظَرَينِ. إِمَّا أَنْ يُعْطَى (يَعْنِي الدِّيَةَ)، وَإِمَّا أَنْ يُقادَ (أَهْلُ الْقَتِيلِ) "قَال: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ. فَقَال: اكْتُبْ لِي. يَا رَسُولَ الله! فَقَال: "اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ". فَقَال رَجُلٌ مِنْ قُرَيشٍ: إلَّا الإِذْخِرَ. فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "إلا الإِذْخِرَ" ــ بصيغة المعلوم (ساقطتها) أي لقطتها (إلا منشد) أي معرف لها على الدوام (ومن قتل له قتيل) يعني في الإسلام (فهو بخير النظرين) أي غير بين خصلتين (إما أن يُعطى) ولي الدم الدية ويأخذها، وفي ديات البخاري إما أن يودى من الودي وهو إعطاء الدية، فقوله: (يعني) النبي ﷺ (الدية) تفسير من الراوي ولذلك ميزناه بالهلالين (وإما أن يقاد) أي يمكن ولي الدم ومستحقه من القود وهو بفتحتين قتل القاتل بدل القتيل، وفي فتح الباري: وأصله أنهم يدفعون القاتل لولي المقتول فيقوده بحبل اهـ، وقوله: (أهل القتيل) زيادة من الراوي من غير حاجة إليها ولذلك جعلناه بين هلالين، والمحتاج إليه تعيين الضبط في يقاد بأنه من الإقادة لا من ثلاثيها حتى لا يذهب الذهن إلى ما يوجب اختلال المعنى وأبين الروايات ما في سنن أبي داود وهو "إما أن يأخذوا العقل وإما أن يقتلوا" بصيغة المعلوم يعني أولياء القتيل، والمعنى هنا وإما يقاد أي يمكّن أهل القتيل من القود وهو القصاص (قال) أبو هريرة: (فجاء رجل من أهل اليمن يقال له: أبو شاه) بالصرف اسمه كنيته (فقال) الرجل: (اكتب لي يا رسول الله) هذه الخطبة (فقال) رسول الله ﷺ : (اكتبوا لأبي شاه) هذه الخطبة (فقال رجل من قريش) وهو العباس بن عبد المطلب حين قال رسول الله ﷺ : "ولا يُختلى خلاها" قل يا رسول الله مستثنيًا من خلاها ولا يُختلى خلاها (إلا الإذخر فإنا نجعله في) سُقف (بيوتنا) فوق الخشب ليمنع التراب (و) بين لبنات سد لحد (قبورنا) ليمنع سيلان التراب إلى الميت (فقال رسول الله ﷺ بوحي أو باجتهاد منه ولا يختلى خلاها (إلا الإذخر) بزيادة الاستثناء. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما فقال:

стр. 6036

٣١٨٨ - (١٢٧٢) (٢٢) حدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لأَحَدِكُم أَنْ يَحمِلَ بِمَكَّةَ السِّلاحَ" ــ ٣١٨٨ - (١٢٧٢) (٢٢) (حدثني سلمة بن شبيب) المسمعي النيسابوري نزيل مكة، ثقة، من (١١) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا) الحسن بن محمد (بن أعين) مولى بني مروان الحراني، وقد ينسب إلى جده كما هنا، صدوق، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا معقل) بن عبيد الله الجزري الحراني أبو عبد الله العبسي، صدوق، من (٨) روى عنه في (٨) أبواب (عن) محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم (أبي الزبير) المكي، ثقة مدلس، من (٤) روى عنه في (٩) أبواب (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم حرانيان وواحد مدني وواحد مكي وواحد نيسابوري (قال) جابر: (سمعت النبي ﷺ يقول: لا يحل لأحدكم) أيها المسلمون (أن يحمل) معه (بمكة) أي في بلدة مكة (السلاح) أي آلة القتل كالسيف والرماح والسهام والبنادق والمسدسات لأنها حرم آمن لا خوف فيها، قال ابن الملك: والمراد من الحمل ما يكون للقتال، وسيأتي التصريح به في متن الحديث، قال القاري: لا يحل حمل السلاح بمكة أي بلا ضرورة عند الجمهور، ومطلقًا عند الحسن البصري، وحجة الجمهور دخوله ﷺ مكة عام عمرة القضاء بما شرطه من السلاح في القراب ودخوله ﷺ عام الفتح متهيأ للقتال كذا ذكره عياض وتبعه الطيبي وابن حجر، وفيه بحث ظاهر إذ المراد بحمل السلاح حمله ظاهرًا بحيث يكون سببًا لرُعب مسلم أر أذى أحد كما هو مشاهد اليوم، ويؤيده أنه كان ابن عمر يمنع ذلك في أيام الحج، وأما عام الفتح فهو مستثنى من هذا الحكم فإنه كان أُبيح له ما لم يُبح لغيره من نحو حمل السلاح، قال النووي: وشذ عكرمة عن الجماعة فقال: إذا احتاج إليه حمله وعليه الفدية، ولعله أراد إذا كان محرمًا ولبس المغفر والدروع ونحوهما فلا يكون مخالفًا للجماعة والله أعلم. وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أنس ﵁ فقال:

стр. 6037

٣١٨٩ - (١٢٧٣) (٢٣) حدَّثنا عَبدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعنَبِيُّ وَيَحيَى بْنُ يَحيَى وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (أَمَّا الْقَعنَبِيُّ فَقَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَس. وَأَمَّا قُتَيبَةُ فَقَال: حَدَّثَنَا مَالِكٌ) وَقَال يَحيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ): قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَحَدَّثَكَ ابْنُ شِهابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ ــ ٣١٨٩ - (١٢٧٣) (٢٣) (حدثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب الحارثي (القعنبي) ثقة، من (٩) (ويحيى بن يحيى) بن بكير التميمي النيسابوري، ثقة، من (١٠) (وقتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي البلخي (أما القعنبي فقال) في روايته: (قرأت على مالك بن أنس) الأصبحي المدني (وأما قتيبة فقال: حدثنا مالك) فهو مخالف لقرأت لأنه بمعنى أخبرني (وقال يحيى واللفظ) الآتي (له) أي ليحيى (قلت لمالك: أحدثك ابن شهاب) بهمزة الاستفهام الاستخباري (عن أنس بن مالك) ﵁، قيل: إن مالكًا تفرد به عن الزهريّ، وممن جزم بذلك ابن الصلاح في الكلام على الشاذ، وادعى ابن العربي في قصة له أنه قد رُوي من ثلاثة عشر طريقًا غير طريق مالك، قال الحافظ: وقد تتبعت طرقه حتى وقفت على أكثر من العدد الذي ذكره ابن العربي ولله الحمد، قال: ولكن ليس في طرقه شيء على شرط الصحيح إلا طريق مالك ثم قال: فيُحمل قول من قال: انفرد به مالك أي بشرط الصحة، وقول من قال: توبع أي في الجملة، وعبارة الترمذي سالمة من الاعتراض فإنه قال بعد تخريجه: حسن صحيح غريب لا يُعرف كثير أحد رواه غير مالك عن الزهريّ فقوله: (كثير) يشير إلى أنه توبع في الجملة اهـ فتح الملهم. وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد بصري وواحد إما بصري أو نيسابوري أو بلخي (أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه) ﷺ (مغفر) بكسر الميم وفتح الفاء شبه قلنسوة من الدروع، قال القرطبي: وهو ما يُلبس على الرأس من دروع الحديد، وأصله من الغفر وهو الستر، وهو دليل على أن النبي ﷺ دخل مكة عنوة وهو الصحيح من الأحاديث والمعلوم من السير لكنه عندما دخلها أمن أهلها كما سيأتي، وإنما اغتر من قال بأنها فتحت صلحًا لما سمع أن النبي صلى الله عليه وسلآلم يُعرِّض لأهلها بقتل ولا سبي فظن وقدر هنالك صلحًا في الخفاء مع أبي سفيان أو غبره وهذا كله وهم والصحيح الأول اهـ من المفهم،

стр. 6038

فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ــ قال الطيبي: وفي الحديث دلالة على جواز الدخول بغير إحرام لمن لا يريد النسك وهذا أصح قولي الشافعي، وقال الشمني: ولنا ما روى ابن أبي شيبة عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تجاوزوا الميقات بغير إحرام" وأيضًا الإحرام لتعظيم البقعة فيستوي فيه الحاج والمعتمر وغيرهما ودخوله ﷺ عام الفتح بغير إحرام حكم مخصوص بذلك الوقت ولهذا قال ﷺ في ذلك اليوم إنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت في ساعة من نهار ثم عادت حرامًا كذا في المرقاة. قال الحافظ: وفي الحديث مشروعية لبس المغفر وغيره من آلاف السلاح حال الخوف من العدو وأنه لا ينافي التوكل، وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى: اعتمر رسول الله ﷺ فلما دخل مكة طاف وطفنا معه ومعه من يستره من أهل مكة أن يرميه أحد .. الحديث، وإنما احتاج إلى ذلك لأنه كان حينئذٍ محرمًا فخشي الصحابة أن يرميه بعض سفهاء المشركين بشيء يؤذيه فكانوا حوله يسترون رأسه ويحفظونه من ذلك اهـ فتح (فلما نزعه) أي فلما نزع النبي ﷺ المغفر عن رأسه وخلعه ليستريح بعد استقراره في مكة (جاءه) أي جاء النبي ﷺ (رجل) من المسلمين، قال الطيبي: هو أبو برزة الأسلمي، وفيه جواز رفع أخبار أهل الفساد إلى ولاة الأمور ولا يكون ذلك من الغيبة المحرمة ولا النميمة (فقال: ابن خطل) بفتحتين (متعلق بأستار الكعبة) مستجيرًا بها، قال الأبي: تعلقه بأستار الكعبة فعله عياذة بالبيت، واختلف في اسمه قيل: هو هلال بن خطل، وقيل: عبد العزى بن خطل هذا قول ابن إسحاق وجماعة، قال الزبير بن بكار: ابن خطل الذي أمر النبي ﷺ بقتله يوم الفتح هو هلال بن عبد الله بن عبد مناف بن أسعد بن جابر بن كثير بن تيم بن غالب بن فهر، قال: وعبد الله هو الذي يقال له خطل ولأخيه عبد العزى بن عبد مناف أيضًا خطل هما جميعًا الخطلان قاله ابن عمر، قال الحافظ: والجمع بين ما اختلف فيه من اسمه أنه كان يسمى عبد العزى فلما أسلم سُمي عبد الله، وأما من قال هلال فالتبس عليه بأخ له اسمه هلال بيّن ذلك الكلبي في النسب، وقيل: هو عبد الله بن هلال بن خطل، وقيل: غالب بن عبد الله بن خطل، واسم خطل عبد مناف من بني تيم بن فهر بن غالب، وكان ابن خطل هذا قد أسلم وهاجر فاستكتبه النبي صلى الله عليه

стр. 6039

فَقَال: "اقْتُلُوهُ"؛ فَقَال مَالِكٌ: نَعَم. ٣١٩٠ - (١٢٧٤) (٢٤) حدَّثنا يَحيَى بْنُ يَحيَى التَّمِيمِيُّ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ. (قَال يَحيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا مُعَاوَيةُ بْنُ عَمَّارٍ ــ وسلم ثم ارتد عن الإسلام، فقتل رجلًا مسلمًا كان يخدمه وفَرَّ إلى مكة، وكان يهجو النبي ﷺ ويسبه والمسلمين وأحكام الإسلام وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي ﷺ والمسلمين اهـ نووي (فقال) النبي ﷺ : (اقتلوه) أي اقتلوا ابن خطل ولو كان متعلقًا بأستار الكعبة قصاصًا، ويُعلم منه صحة مذهب الجمهور من أن الحرم لا يمنع من إقامة الحدود على من جنى خارجه والتجأ إليه، قال الطيبي: الظاهر أنه إنما قتله لارتداده انفرادًا أو مع انضمام قتل النفس ولو سُلم أنه قتله قصاصًا يُحمل على أنه أجاز ذلك له في تلك الساعة، ومما يدل على أن قتله لم يكن للقصاص عدم وجود شروطه من المطالبة والدعوى والشهادة اهـ (فقال مالك) في جواب استفهام يحيى بن يحيى (نعم) حدثني به ابن شهاب عن أنس بن مالك، قال النووي: فقد جاء في الصحيحين في مواضع كثيرة مثل هذه العبارة ولا يقول في آخره قال نعم، واختلف العلماء في اشتراط قوله نعم في مثل هذه الصورة وهي إذا قرأ على الشيخ قائلًا أأخبرك فلان أو نحوه والشيخ مصغ له فاهِمٌ لما يقرأ غير منكر، فقال بعض الشافعية وبعض أهل الظاهر: لا يصح السماع إلا بها فإن لم ينطق بها لم يصح السماع، وقال جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول يستحب قوله نعم ولا يشترط نطقه بشيء بل يصح السماع مع سكوته، والحالة هذه اكتفاء بظاهر الحال فإنه لا يجوز لمكلف أن يقر على الخطإ في مثل هذه الحالة، قال القاضي: هذا مذهب العلماء كافة، ومن قال من السلف نعم إنما قاله توكيدًا أو احتياطًا لا اشتراطًا اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١٠٩]، والبخاري [١٨٤٦]، وأبو داود [٢٦٨٥]، والترمذي [١٦٩٣]، والنسائي [٥/ ٢٠٠]، وابن ماجه [٢٨٠٥]. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث جابر بن عبد الله ﵃ فقال: ٣١٩٠ - (١٢٧٤) (٢٤) (حدثنا يحيى بن يحيى التميمي) النيسابوري (وقتيبة بن سعيد الثقفي قال يحيى: أخبرنا وقال قتيبة: حدثنا معاوية بن عمار) بن أبي معاوية

стр. 6040

الدُّهْنِيُّ) عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ (وَقَال قُتَيبَةُ: دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ) وَعَلَيهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيرِ إحْرَامٍ. وَفِي رِوَايَةِ قُتَيبَةَ قَال: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيرِ عَنْ جَابِرٍ ــ الكوفي البجلي (الدهني) -بضم المهملة وسكون الهاء ثم نون- منسوب إلى دهن، وهو بطن من بجيلة وهذا الذي ذكرناه من كونه بإسكان الهاء هو المشهور، ويقال بفتحها وممن حكى الفتح أبو سَعْد السمعاني في الأنساب والحافظ عبد الغني، روى عن أبي الزبير في الحج وأبيه وجعفر بن محمد، ويروي عنه (م ت س) ويحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد ويوسف بن عدي وغيرهم، وثقه ابن معين، وقال النسائي: ليس به بأس، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق، من الثامنة، له عندهم فرد حديث (عن أبي الزبير) المكي (عن جابر بن عبد الله الأنصاري) المدني ﵁. وهذا السند من رباعياته رجاله واحد منهم مدني وواحد مكي وواحد كوفي وواحد إما بلخي أو نيسابوري (أن رسول الله ﷺ دخل مكة وقال قتيبة: دخل يوم فتح مكة وعليه) ﷺ (عمامة سوداء) أي ذات سواد (بغير إحرام) متعلق بدخل (وفي رواية قتيبة قال) معاوية بن عمار: (حدثنا أبو الزبير عن جابر) بصيغة السماع، قال القرطبي: قوله: (وعليه عمامة سوداء) ليس مناقضًا لقوله: (إنه دخل ذلك اليوم وعليه المغفر) لإمكان أن تكون العمامة تحت المغفر وقاية من صدإ الحديد وشعثه، أو يكون نزع المغفر عند انقياد أهل مكة ولبس العمامة والله تعالى أعلم اهـ من المفهم. قال الحافظ: زعم الحاكم في الإكليل أن بين حديث أنس في المغفر وبين حديث جابر في العمامة السوداء معارضة وتعقبوه باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك فحكى كل منهما ما راه، ويؤيده أن في حديث عمرو بن حريث: أنه خطب الناس وعليه عمامة سوداء. أخرجه مسلم أيضًا. وكانت الخطبة عند باب الكعبة وذلك بعد تمام الدخول وهذا الجمع لعياض، وقال غيره: يُجمع بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر أو كانت تحت المغفر وقاية لرأسه عن صدإ الحديد فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيأ للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم وبهذا يندفع إشكال من قال لا دلالة في الحديث على جواز دخول مكة بغير إحرام لاحتمال أن يكون صلى الله عليه

стр. 6041

٣١٩١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمِ الأَوْدِيُّ. أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عن أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ ــ وسلم كان محرمًا ولكنه غطى رأسه لعذر فقد اندفع ذلك بتصريح جابر بأنه لم يكن محرمًا اهـ. قوله: (عمامة سوداء) قال النووي: فيه جواز لبس الثياب السود، وفي الرواية الأخرى خطب وعليه عمامة سوداء فيه جواز لبس الأسود في الخطبة، وأَنَّ الأبيض أفضل منه كما ثبت في الحديث الصحيح: "خير ثيابكم البياض" وأما لباس الخطباء السواد في حال الخطبة فجائز، ولكن الأفضل البياض كما ذكرنا، وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بيانًا للجواز والله أعلم كذا في الشرح. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٣٦٣]، وأبو داود [٤٠٧٦]، والترمذي [١٧٣٥]، والنسائي [٥/ ٢٠١]، وابن ماجه [٢٨٢٢]. ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر هذا ﵁ فقال: ٣١٩١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا علي بن حكيم) بن ذبيان بمعجمة بعدها موحدة ساكنة ثم تحتانية (الأودي) أبو الحسن الكوفي، روى عن شريك بن عبد الله بن سنان في الحج وابن عيينة وعبثر بن القاسم، ويروي عنه (م س) وعبد الله بن أحمد ومطين، قال ابن معين: ثقة ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال في التقريب: ثقة، من العاشرة، مات سنة (٢٣١) إحدى وثلاثين ومائتين (أخبرنا شريك) بن عبد الله بن سنان، ويقال شريك بن عبد الله بن أبي شريك النخعي الكوفي، صدوق، من (٨) روى عنه في (٨) أبواب (عن عمار) بن معاوية، ويقال ابن أبي معاوية، ويقال ابن خباب، ويقال ابن صالح البجلي (الدهني) بضم أوله وسكون ثانيه نسبة إلى دهن بطن من بجيلة كما آنفًا، أبي معاوية الكوفي، روى عن أبي الزبير في الحج وأبي الطفيل وأبي سلمة وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وشريك بن عبد الله وابنه معاوية وشعبة وعدة (عن أبي الزبير) المكي (عن جابر بن عبد الله) ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عمار الدهني لابنه معاوية بن عمار الدهني في رواية هذا الحديث عن أبي الزبير المكي (أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة) بمكة المكرمة (وعليه عمامة سوداء) بغير ذكر قوله: (بغير إحرام).

стр. 6042

٣١٩٢ - (١٢٧٥) (٢٥) حدَّثنا يَحيَى بن يَحيَى وَإسْحَاقُ بن إِبْرَاهِيمَ. قَالا: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عن مُسَاورٍ الْوَرَّاقِ، عن جَعْفَرِ بْنِ عَمرِو بْنِ حُرَيثٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. ٣١٩٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُسَاورٍ الْوَرَّاقِ. قَال: حَدَّثَنِي (وَفِي رِوَايَةِ الْحُلْوَانِيِّ قَال): سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ عَمرِو بْنِ ــ ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أنس بحديث عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنهما فقال: ٣١٩٢ - (١٢٧٥) (٢٥) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (وإسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي المروزي (قال: أخبرنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي (عن مساور) بن سواربن عبد الحميد (الوراق) أي الكاتب الشاعر الكوفي، روى عن جعفر بن عمرو بن حريث وأبي حصين الأسدي وشعيب بن يسار مولى ابن عباس، ويروي عنه (م عم) ووكيع وابن عيينة وأبو أسامة وغيرهم، قال أحمد: كان يقول الشعر ما أرى بحديثه بأسًا، وقال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق، من السابعة (عن جعفر بن عمرو بن حريث) المخزومي الكوفي، مقبول، من (٣) روى عنه في (٢) بابين الصلاة والحج (عن أبيه) عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي أبي سعيد الكوفي، صحابي صغير ﵁، مرت ترجمته في كتاب الصلاة. وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم كوفيون وواحد إما نيسابوري أو مروزي، وحكم هذا السند الحسن (أن رسول الله ﷺ خطب الناس) في بعض خطبه (وعليه عمامة سوداء). وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى. ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة فيه فقال: ٣١٩٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة والحسن) بن علي (الحلواني) الخلال الهذلي أبو علي المكي، ثقة، من (١١) (قال: حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (عن مساور) بن سوار بن عبد الحميد (الوراق) الكوفي (قال) مساور: (حدثني) جعفر بن عمرو بن حريث (وفي رواية الحلواني قال) مساور: (سمعت جعفر بن عمرو بن

стр. 6043

حُرَيثٍ) عَنْ أَبِيهِ، قَال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، عَلَى الْمِنْبَرِ. وَعَلَيهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. قَدْ أَرْخَى طَرَفَيها بَينَ كَتِفَيهِ. وَلَم يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى الْمِنْبَرِ ــ حريث) المخزومي الكوفي (عن أبيه) عمرو بن حريث المخزومي الكوفي. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي أسامة لوكيع (قال) عمرو بن حريث: (كأني أنظر) الآن (إلى رسول الله ﷺ حالة كونه قائمًا (على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى) وأسدل (طرفيها) أي طرفي العمامة (بين كتفيه، ولم يقل أبو بكر) بن أبي شيبة في روايته لفظة (على المنبر) بل قالها الحسن فقط قوله: (قد أرخى طرفيها) قال النواوي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا وغيرها طرفيها بالتثنية وكذا هو في الجمع بين الصحيحين للحميدي، وذكر القاضي عياض أن الصواب المعروف طرفها بالإفراد وأن بعضهم رواه (طرفيها) بالتثنية والله أعلم، وفيه استحباب إرخاء الذؤابة وسيأتي الكلام عليه مبسوطًا في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى. وجملة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب سبعة أحاديث، الأول: حديث ابن عباس ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني: حديث أبي شريح العدوي ذكره للاستشهاد، والثالث: حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد به ثانيًا وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع: حديث جابر الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والخامس: حديث أنس بن مالك ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة، والسادس: حديث جابر الثاني ذكره للاستشهاد به لحديث أنس وذكر فيه متابعة واحدة، والسابع: حديث عمرو بن حريث ذكره للاستشهاد به ثانيًا لحديث أنس وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم. ***

стр. 6044

٥٢٠ - (٦) باب فضل المدينة ودعاء النبي ﷺ فيها بالبركة وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها وبيان حدود حرمها ٣١٩٤ - (١٢٧٦) (٢٦) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَنْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَردِيَّ) عَنْ عَمرِو بْنِ يَحيَى الْمَازِنيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، ــ ٥٢٠ - (٦) باب فضل المدينة ودعاء النبي ﷺ فيها بالبركة وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها وبيان حدود حرمها [والمدينة] علم بالغلبة على البلدة المعروفة التي هاجر إليها النبي ﷺ ودُفن بها قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَغنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ فإذا أطلقت تبادر إلى الفهم أنها المراد وإذا أريد غيرها بلفظ المدينة فلا بد من قيد الإضافة مثلًا فهي كالنجم على الثريا وابن عمر وابن عباس على عبد الله فيهما وكان اسمها قبل ذلك يثرب قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالتْ طَائِفَةٌ مِنْهُم يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ ويثرب اسم لموضع منها سميت كلها به، وقيل: سميت بيثرب بن قانية من ولد إرم بن سام بن نوح ﵇ لأنه أول من نزلها حكاه أبو عبيد البكري، وقيل غير ذلك ثم سماها النبي ﷺ طيبة وطابة وكان سكانها العماليق ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل قيل: أرسلهم موسى ﵇ كما أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة بسند ضعيف ثم نزلها الأوس والخزرج حين تفرق أهل سبَإ بسبب سيل العرم، ولم تزل المدينة عزيزة في الجاهلية وأعزها الله بمهاجرة رسول الله ﷺ إليها، قال العيني: احتج بهذا الحديث وبالأحاديث التي بعده محمد بن أبي ذئب والزهري والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وقالوا: المدينة لها حرم فلا يجوز قطع شجرها ولا أخذ صيدها، ولكنه لا يجب الجزاء فيه عندهم خلافًا لابن أبي ذئب فإنه قال: يجب الجزاء وكذلك لا يحل سلب من يفعل ذلك عندهم إلا عند الشافعي وقال في القديم: من اصطاد في المدينة صيدًا أُخذ سلبه، ويروي فيه أثرًا عن سعد، وقال في الجديد بخلافه اهـ من فتح الملهم. ٣١٩٤ - (١٢٧٦) (٢٦) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد) بن عبيد (الدراوردي) المدني الجهني مولاهم نسبة إلى دراورد قرية بخراسان لأن جده كان منها (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة بن أبي حسن (المازني) المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (٩) أبواب (عن عباد بن تميم) بن غزية الأنصاري المازني المدني، ثقة، من (٣)

стр. 6045

عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الله بْنِ زَيدِ بْنِ عَاصِمٍ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "إنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكةَ وَدَعَا لأَهْلِها. وَإنِّي حَرَّفتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ. وَإنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِها وَمُدِّها ــ روى عنه في (٦) أبواب (عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم) الأنصاري المازني المدني الصحابي المشهور ﵁ وهو أخو أبي عباد بن تميم لأمه. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة بن سعيد فإنه بلخي (أن رسول الله ﷺ قال: إن إبراهيم) الخليل ﵇ (حرّم مكة) المكرمة أي بلّغ حكم تحريمها أي حكم تعظيم الله إياها أي بلّغ إلى الناس بتعظيم الله إياها من بين بقاع الأرض بتحريم اصطياد صيدها وقطع شجرها وحرمة القتال فيها فلا يعارض ما تقدم من قوله: "إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس" ويحتمل أن يكون وكل إليه تحريمها فصحت بذلك نسبة التحريم مرة إلى الله تعالى ومرة إلى إبراهيم ﵇ اهـ من الأبي. وعلى ذلك يُحمل قول نبينا ﷺ : "وإني أحرم ما بين لابتي المدينة" وقد دل على صحة هذا التأويل قوله ﷺ : "إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس" اهـ من المفهم (ودعا) إبراهيم ﵇ (لأهلها) أي لأهل مكة بقوله: ﴿وَاززُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (وإني حرمت المدينة) أي بلغت تحريم الله تعالى وتعظيمه إياها، قال المازري: وهذا حجة لمالك في تحريم صيدها وقطع شجرها، وأنكر تحريمها الحنفية على أصلهم في رد خبر الواحد فيما تعم به البلوى ولحديث: "ما فعل النغير يا أبا عمير" والجواب عن الأول بأن الحديث قد اشتهر واتفق على صحته وقد يكون بيانه بيانًا شافيًا ولكن اكتفى الناس بنقل بعض الأخبار عن بعض، والجواب عن الثاني بأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل التحريم أو يكون النغير إنما صيد من الحل لا من حرم المدينة، والمشهور عندنا أنه لا جزاء فيما صيد في حرم المدينة لعدم النص وثبوت التحريم لا يُوجب الجزاء والأصل براءة الذمة والله أعلم اهـ من الأبي (كما حرم إبراهيم مكة وإني دعوت في صاعها) أي في صالح المدينة (ومدها) في ذي صاعها وذي مدها أي فيما يكال بالصاع والمد أي دعوت البركة في المكيل بهما فهو من باب ذكر المحل وإرادة الحال لأن الدعاء إنما هو بالبركة في الطعام المكيل بهما لا في المكيال اهـ من المفهم، قال الأبي: الأظهر في البركة في المكيل بهما ليُستعمل في الاقتيات في الحال فلا يتناول غير الطعام ولا الطعام

стр. 6046

بِمِثْلي مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لأَهْلِ مَكَّةَ". ٣١٩٥ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ الْمُختَارِ). ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ. حَدَّثَنِي سُلَيمَانُ بْنُ بِلالٍ ــ المقتنى وكذلك يتناول الإدام المأكول في الحال والموزون لأن الحديث خرج مخرج الغالب في المعيار وقد قال ﷺ : "الكيل كيل أهل المدينة والوزن وزن أهل مكة" (بمثلي) أي بضعفي (ما دعا به إبراهيم لأهل مكة) قال القرطبي: يفسره حديث أنس: "اللهم اجعل بالمدينة ضعف ما بمكة من البركة" اهـ. قال الأبي: ومعنى ضعف ما بمكة أن المراد ما أشبع بغير مكة رجلًا أشبع بمكة رجلين وبالمدينة ثلاثًا، وحكى الشيخ ابن عرفة عن أبيه وكان من المجاورين أنه قال: كان يقوتني بالمدينة نصف ما يقوتني بمكة وهذا هو الأظهر من الحديث أعني أن البركة إنما هي في الاقتيات، وذكر ابن العربي أنها باعتبار الثواب اهـ أبي، قال القرطبي: ووجه البركة تكثير ذلك وتضعيفه في الوجود أو في الشبع وقد جعل الله تعالى كل ذلك بالمدينة فانجلب الناس إليها من كل أرض وبلد وصارت مستقر ملوك وجُلبت إليها الأرزاق وكثرت فيها مع قلة أكل أهلها وترك نهمهم وإنما هي وجبة واحدة يأكلون فيها العلقة -العلقة ما يتبلغ به من الطعام- من الطعام والكف من التمر ويكتفي به ثم لا يلزم أن يكون فيها ذلك دائمًا ولا في كل شخص بل تتحقق إجابة دعاء النبي ﷺ إذا وجد ذلك في أزمان أو غالب أشخاص والله تعالى أعلم اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ٤٠]، والبخاري [٢١٢٩]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن زيد ﵁ فقال: ٣١٩٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه أبو كامل الجحدري) فضيل بن حسين البصري (حدثنا عبد العزيز يعني ابن المختار) الأنصاري مولاهم مولى حفصة بنت سيرين أبو إسماعيل البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٩) أبواب (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد) البجلي مولاهم أبو الهيثم الكوفي، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (حدثني سليمان بن بلال) التيمي مولاهم أبو محمد المدني، ثقة، من

стр. 6047

ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ. حَدَّثَنَا وُهيبٌ. كُلُهُم عَنْ عَمرِو بْنِ يَحيَى (هُوَ الْمَازِنِيُّ) بِهذَا الإِسْنَادِ. أَمَّا حَدِيثُ وُهيبِ فَكَرِوَايَةِ الدَّرَاوَردِيِّ "بِمِثْلَي مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ". وَأَمَّا سُلَيمَانُ بْنُ بِلالٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، فَفِي رِوَايَتِهِمَا: "مِثْلَ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ". ٣١٩٦ - (١٢٧٧) (٢٧) وحدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا بَكْرٌ (يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ) عَنِ ابْنِ الْهادِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمرِو بْنِ عُثْمَانَ ــ (٨) روى عنه في (١٣) بابًا (ح وحدثناه إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا) عبد الله بن الحارث بن عبد الملك (المخزومي) أبو محمد المكي، ثقة، من (٨) روى عنه في (٣) أبواب (حدثنا وهيب) بن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم أبو بكر البصري، ثقة، من (٧) (كلهم) أي كل من هؤلاء الثلاثة أعني عبد العزيز بن المختار وسليمان بن بلال ووهيب بن خالد رووا (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة (هو المازني بهذا الإسناد) يعني عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد، غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لعبد العزيز الدراوردي (أما حديث وهيب) بن خالد أي روايته (فكرواية الدراوردي) في قوله: (بمثلي ما دعا به إبراهيم) بصيغة التثنية (وأما سليمان بن بلال وعبد العزيز بن المختار ففي روايتهما مثل ما دعا به إبراهيم) بصيغة الإفراد وإسقاط حرف الجر، قال الكرماني: مثل منصوب بنزع الخافض أي بمثل ما دعا به وليست لفظة به زائدة. ثم استشهد المؤلف ﵀ لحديث عبد الله بن زيد بحديث رافع بن خديج ﵄ فقال: ٣١٩٦ - (١٢٧٧) (٢٧) (وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر يعني ابن مضر) بن محمد بن حكيم مولى شرحبيل بن حسنة أبو محمد المصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (٩) أبواب (عن) يزيد بن عبد الله بن أسامة (بن الهاد) الليثي أبي عبد الله المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٣) بابا (عن أبي بكر بن محمد) بن عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (٥) أبواب (عن عبد الله بن عمرو بن عثمان) القرشي الأموي المصري الملقب بالمطرف -بضم الميم وسكون الطاء المهملة وفتح الراء- لُقب به لحسنه وجماله الفائق، روى عن راقع بن خديج في الحج،

стр. 6048

عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ. قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ. وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَينَ لابَتَيها" (يُرِيدُ الْمَدِينَةَ) ــ وعبد الرحمن بن أبي عمرة في الأحكام، وأبيه وابن عباس، ويروي عنه (م د ت س) وأبو بكر بن محمد بن حزم وابنه محمد والزهري، وثقه النسائي، وقال في التقريب: ثقة شريف نبيل، من الثالثة، مات بمصر سنة (٩٦) ست وتسعين (عن رافع بن خديج) بن رافع بن عدي الأنصاري الأوسي الصحابي المشهور المدني، روى عنه في (٥) أبواب. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد بلخي و (قال) رافع بن خديج: (قال رسول الله ﷺ إن إبراهيم) ﵇ (حرم مكة) أي بلّغ وأظهر حرمتها وعظمتها إلى الناس (وإني أحرم) أي أُبلغ وأظهر حرمة إما بين لابتيها) أي ما بين لابتي المدينة وحرّتيها وطرفيها الشرقي والغربي، قال الراوي: (يريد) النبي ﷺ بضمير لابتيها (المدينة) المنورة بنور رسول الله ﷺ ، واللابتان تثنية اللابة بتخفيف الموحدة وهي الحرة والمدينة المنورة بين حرتين وغربية تكتنفانها، والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود كأنها أحرقت بالنار ومعنى ذلك اللابتان وما بينهما؛ والمراد تحريم المدينة ولابتيها، وفي المرقاة: قوله: (إني أحرم ما بين لابتيها) أي أعظم ما بين جانبيها أو أحرم تخريب ما بينهما وتضييع ما فيهما من زينة البلد وليس المراد مثل تحريم مكة بالإجماع اهـ قال الحافظ: وقد تكرر ذكر اللابة في الحديث، ووقع في حديث عند أحمد: "أنا أحرم المدينة ما بين حرتيها" فادعى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب لأنه وقع في رواية ما بين جبليها، وفي رواية ما بين لابتيها، وفي رواية ما بين مأزميها، وتعقب بأن الجمع بينها واضح وبمثل هذا لا ترد الأحاديث الصحيحة فإن الجمع لو تعذر أمكن الترجيح ولا شك أن رواية ما بين لابتيها أرجح لتوارد الرواة عليها ورواية جبليها لا تنافيها فيكون عند كل لابة جبل أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال وجبليها من جهة الشرق والغرب، وتسمية الجبلين في رواية أخرى لا تضر، وأما رواية مأزميها فهي في بعض طرق حديث أبي سعيد، والمأزم بكسر الزاي المضيق بين الجبلين، وقد يطلق على الجبل نفسه كذا قال الحافظ في الفتح، وقال النووي: للمدينة لابتان شرقية وغربية اهـ فهذا يخالف ما جوزه الحافظ من كونهما جنوبًا وشمالًا والله أعلم اهـ فتح الملهم. وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى اهـ من تحفة الأشراف.

стр. 6049

٣١٩٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ بِلالٍ، عن عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيرٍ؛ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ خَطَبَ النَّاسَ. فَذَكَرَ مَكَّةَ وَأَهْلَها وَحُرمَتَها. وَلَم يَذكُرِ الْمَدِينَةَ وَأَهْلَها وَحُرمَتَها. فَنَادَاهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ. فَقَال: مَا لِي أَسْمَعُكَ ذَكَرتَ مَكَّةَ وَأَهْلَها وَحُرمَتَها، وَلَم تَذْكُرِ المَدِينَةَ وأَهْلَها وَحُرمَتَها وَقَد حَرَّمَ رَسُولُ الله ﷺ مَا بَينَ لابَتَيها. وَذلِكَ عِنْدَنَا فِي أَدِيمٍ خَوْلانيٍّ ــ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث رافع بن خديج ﵁ فقال: ٣١٩٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) الحارثي القعنبي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا سليمان بن بلال) التيمي المدني (عن عتبة بن مسلم) المدني وهو عتبة بن أبي عتبة التيمي مولاهم، روى عن نافع بن جبير في الحج، وحمزة بن عبد الله بن عمر في الطب، وعُبَيد بن حنين وأبي سلمة، ويروي عنه (خ م د ق) وسليمان بن بلال وإسماعيل بن جعفر، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة (عن نافع بن جبير) بن مطعم النوفلي أبي محمد المدني، ثقة، من (٢) روى عنه في (١٠) أبواب (أن مروان بن الحكم) بن أبي العاص الأموي أمير المدينة (خطب الناس) يومًا (فذكر) في خطبته (مكة) أي فضلها (وأهلها وحرمتها) أي عظمتها (ولم يذكر) مروان (المدينة وأهلها وحرمتها فناداه رافع بن خديج) الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة نافع بن جبير لعبد الله بن عمرو بن عثمان في رواية هذا الحديث عن رافع بن خديج (فقال) رافع لمروان: (ما لي) أي أي شيء ثبت في (أسمعك) يا مروان (ذكرت مكة وأهلها وحرمتها) في خطبتك (ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها، وقد حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتيها) أي ما بين لابتي المدينة وحرتيها (وذلك) أي تحريم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة محفوظ (عندنا) بالكتابة (في أديم خولاني) وهذا من كلام رافع بن خديج أي في جلد مدبوغ منسوب إلى خولان وهي كما في معجم البلدان كورة من كور اليمن أي قرية من قرى اليمن، وأيضًا قرية كانت بقرب دمشق خربت بها قبر أبي مسلم الخولاني وإليها ينسب أيضًا أبو إدريس الخولاني وهما تابعيان جليلان

стр. 6050

إنْ شِئْتَ أَقْرَأْتُكَهُ. قَال: فَسَكَتَ مَروَانُ ثُمَّ قَال: قَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ ذلِكَ. ٣١٩٨ - (١٢٧٨) (٢٨) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمرٌو النَّاقِدُ. كِلاهُمَا عَنْ أَبِي أحمَدَ. قَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الأَسْدِيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ. وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمدِينَةَ مَا بَينَ لابتَيها. لَا يُقْطَعُ عِضَاهُها ــ معاصران كما ذكرناهما في أوائل الكتاب وفي القاموس أن خولان اسم قبيلة باليمين، ولعل أديم تلك النواحي في ذلك الزمان كان من أنعم الجلود التي يكتبون فيها اهـ من بعض الهوامش، ثم قال رافع بن خديج لمروان بن الحكم (إن شئت) يا مروان أن تقرأه (أقرأتكه) أي جئتك به لتقرأه (قال) نافع بن جبير (فسكت مروان) فما رد على رافع جوابًا (ثم قال) مروان لرافع: (قد سمعت بعض ذلك) الذي ذكرته. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عبد الله بن زيد بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم فقال: ٣١٩٨ - (١٢٧٨) (٢٨) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) البغدادي (كلاهما عن أبي أحمد) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي الزبيري الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (قال أبو بكر: حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي) بصيغة السماع (حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن أبي الزبير) المكي (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد مكي (قال) جابر: (قال النبي ﷺ : إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها) ومعناه اللابتان وما بينهما، والمراد تحريم المدينة ولابتيها قاله النووي كما، واللابتان تثنية لابة، واللابة: الأرض ذات الحجارة وهي الحرة وجمعها في القلة لابات، وفي الكثرة لاب ولوب كقارة وقور وساحة وسوح وباحة وبوح قاله ابن الأنباري، واللابتان: الحرتان الشرقية والغربية، وللمدينة لابتان في القبلة والجرف وترجع إليهما الشرقية والغربية، قال الهروي: يقال ما بين لابتيها أجهل من فلان أي ما بين طرفيها يعني المدينة اهـ من المفهم (لا يقطع عضاهها) والعضاة بوزن كتاب كل شجر عظيم ذي شوك هو من أشجار البوادي كالعوسج والسمرة والسدر وأم غيلان واحدها عضاهة وعضهة كعنبة كما في

стр. 6051

وَلَا يُصَادُ صَيدُها". ٣١٩٩ - (١٢٧٩) (٢٩) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ. حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَينَ لابَتَيِ الْمَدِينَةِ. أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُها. أَوْ يُقْتَلَ صَيدُها" ــ المصباح (ولا يصاد صيدها) وهاتان الجملتان خبريتان معناهما النهي كأنه قال: لا تقطعوا عضاهها ولا تصيدوا صيدها، قال القاري: حمل أصحابنا هذا النهي على التنزيه اهـ فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النسائي أخرجه في المناسك اهـ من التحفة. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث عبد الله بن زيد بحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهما فقال: ٣١٩٩ - (١٢٧٩) (٢٩) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير ح وحدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير حدثنا أبي) عبد الله (حدثنا عثمان بن حكيم) بن عباد بن حنيف مصغرًا الأنصاري الأوسي أبو سهل الكوفي، ثقة، من (٥) روى عنه في (٦) أبواب (حدثني عامر بن سعد) بن أبي وقاص الزهريّ المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٩) أبواب (عن أبيه) سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف الزهريّ المدني الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان (قال) سعد (قال رسول الله ﷺ : إني أحرم ما بين لابتي المدينة) أي ما بين حرتيها، وجملة قوله: (أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها) في تأويل مصدر منصوب على أنه بدل اشتمال من ما الموصولة أي أحرم قطع عضاهها أو قتل صيدها، وكلمة أو بمعنى الواو العاطفة، وظاهر هذا الحديث مشعر بأن للمدينة حرمًا وهو مذهب الشافعي ومالك، وذهب أبو حنيفة إلى نفيه لأنه روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: كان قال محمد ﷺ بالمدينة وحوش يمسكونها. ولأن جمهور الصحابة على جواز الاصطياد في المدينة فتحريمها يكون عبارة عن تعظيم قدرها يؤيد هذا المعنى قوله: "أو يقتل صيدها" بكلمة أو لأن التحريم لو كان على ظاهره لحرم القطع والقتل كلاهما كما في حرم مكة لا أحدهما، ولهذا لم ينقل عن

стр. 6052

وَقَال: "الْمَدِينَةُ خَيرٌ لَهُم لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. لَا يَدَعُها أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْها إِلَّا أَبْدَلَ اللهُ فِيها مَنْ هُوَ خَيرٌ مِنْهُ. وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لأْوَائِها وَجَهْدِها إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا، يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ــ أحد إيجاب الجزاء بقطع شجرها اهـ ابن الملك (وقال) رسول الله ﷺ : (المدينة خير لهم) أي للمرتحلين عنها إلى غيرها من بلاد الريف كالشام (لو كانوا يعلمون) بما فيها من الفضائل كالصلاة في مسجدها وثواب الإقامة فيها وغير ذلك، قال الأبي رحمه الله تعالى: لو هذه إن كانت امتناعية ويعلمون قاصرًا فجوابها محذوف أي لو كان من أهل العلم لعلموا خيريتها لهم ولم يفارقوها، كان كانت متعدية فالتقدير لو كانوا يعلمون ذلك لما فارقوها، كان كانت للتمني أي غائية لم تفتقر إلى جواب، وعلى التقديرين هو تجميل لمن فعل ذلك لتفويته عن نفسه أجرًا عظيمًا، ولذلك قال إلا أبدل الله فيها خيرًا منهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُف﴾ الآية أي يخلق خلقًا سواكم على خلف صفتكم من الرغبة في الإيمان وفي الاكتفاء به اهـ منه (لا يدعها) أي لا يدع المدينة ولا يتركها (أحد) منكم ولا يفارقها (رغبة) وإعراضًا (عنها) وهذا القيد احتراز عمن تركها ضرورة كخوف على نفسه أو ماله اهـ من المبارق، وقال القرطبي: (رغبة عنها) أي كراهة لها من رغبت عن الشيء إذا كرهته، وقال المازري: قيل ذلك خاص بزمان حياته ﷺ وقيل دائمًا ويدل عليه قوله في حديث: "يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" وهذا فيمن يخرج عنها ممن كان مستوطنًا بها لا مقيمًا اهـ. (إلا أبدل الله فيها من هو خير منه) يعني أنه لا يضر المدينة عدمه بل ينفعها ويذهب شره إلى غيرها اهـ مبارق (ولا يثبت) أي ولا يستوطن بها (أحد) ولا يقيم فيها بالصبر (على لأوائها) أي شدتها وجوعها (وجهدها) بفتح الجيم وفي لغة قليلة بضمها أي وعلى مشقتها كشدة حرارتها وبرودتها ووبائها، وأما الجهد بضم الجيم الطاقة وحُكي فتحها (إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة) أي إلا كنت شفيعًا وشهيدًا معًا فأو بمعنى الواو أو للتقسيم أي شفيعًا لقوم من العصاة وشهيدًا لآخرين بجهدهم وهم المطيعون وليست للشك، قال القاضي عياض: إن هذا الحديث رواه جابر وسعد وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة وأسماء بنت عميس وصفية بنت أبي عبيد ﵃ عن

стр. 6053

٣٢٠٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا مَروَانُ بْنُ مُعَاويةَ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ الأنْصَارِيُّ. أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ــ النبي ﷺ بهذا اللفظ، ويبعد اتفاق جميعهم أو رواتهم على الشك وتطابقهم فيه على صيغة واحدة، بل الأظهر أنه قاله ﷺ هكذا اهـ نواوي، قال المازري: اللأواء الجوع وشدة الكسب فيها والمشقات، وضمير جهدها يحتمل أن يعود على اللأواء لأنها مؤنثة، ويحتمل أن يعود على المدينة والأول أقرب اهـ قال الأبي: والحديث خرج مخرج الحث على سكناها فمن لزم سكناها ولم يلحقه لأواء دخل في ذلك لأن التعليل بالغالب والمظنة لا يضر فيه التخلف في بعض الصور كتعليل القصر بمشقة السفر فإن الملك يقصر ولو لم تلحقه مشقة لوجود السفر اهـ. قوله: (إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا) قال القرطبي: زعم قوم أن أو هنا للشك من بعض الرواة وليس بصحيح فإنه قد رواه جماعة من الصحابة ومن الرواة كذلك على لفظ واحد ولو كان شكًّا لاستحال أن يتفق الكل عليه، وإنما أو هنا للتقسيم والتنويع كما قال الشاعر: فقالوا لنا ثنتان لا بد منهما ... صدور رماح أُشرعت أو سلاسل ويكون المعنى إن الصابر على شدة المدينة صنفان من يشفع له النبي ﷺ من العصاة ومن يشهد له بما قال فيها من الشدة ليوفى أجره، وشفاعته كان كانت عامة للعصاة من أمته إلا أن العصاة من أهل المدينة لهم زيادة خصوص منها وذلك والله تعالى أعلم بأن يشفع لهم قبل أن يعذبوا بخلاف غيرهم أو يشفع في ترفيع درجاتهم أو في السبق إلى الجنة أو فيما شاء الله من ذلك. وانفرد المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الحديث عن أصحاب الأمهات إلا أنه شاركه أحمد [١/ ١٦٩]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال: ٣٢٠٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (حدثنا مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء الفزاري الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٣) بابًا (حدثنا عثمان بن حكيم الأنصاري) الأوسي الكوفي (أخبرني عامر بن سعد بن

стр. 6054

أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال. ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيرٍ. وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: "وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلَّا أَذَابَهُ الله فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ، أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ" ــ أبي وقاص عن أبيه) سعد بن أبي وقاص. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة مروان بن معاوية لعبد الله بن نمير (أن رسول الله ﷺ قال ثم ذكر) مروان بن معاوية (مثل حديث) عبد الله (بن نمير وزاد) مروان (ق الحديث) على ابن نمير (ولا يريد) أي لا يقصد (أحد) من الظلمة (أهل المدينة بسوء) أي بضر وفتنة، قال الأبي: والمراد بالإرادة هنا العزم حتى لا يعارض حديث "إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها" ويكون حجة للقاضي أن العزم مؤاخذ به، وتقدم الكلام على ذلك في كتاب الإيمان اهـ (إلا أذابه الله) تعالى أي أهلكه (ق النار) الأخروية (ذوب الرصاص) أي ذوبًا كذوب الرصاص في النار الدنيوية (أو ذوب الملح) أي ذوبًا كذوب الملح (ق الماء) الدنيوي وأو لتنويع المشبه به لا للشك، وقال ابن الملك: قوله في النار متعلق بالمصدر أي ذوب الرصاص في النار فتكون العقوبة في الدنيا اهـ من بعض الهوامش، قال عياض: هذه الزيادة يعني قوله: (ق النار) تدفع إشكال الأحاديث وتوضح أن هذا حكمه في الآخرة، ويحتمل أن يكون المراد من أرادها في حياة النبي ﷺ بسوء اضمحل أمره كما يضمحل الرصاص في النار فيكون في اللفظ تقديم وتأخير ويؤيده قوله: "أو ذوب الملح في الماء" ويحتمل أن يكون المراد لمن أرادها في الدنيا بسوء أنه لا يمهل بل يذهب سلطانه عن قرب كما وقع لمسلم بن عقبة وغيره فإنه عُوجِلَ عن قرب وكذلك الذي أرسله، قال: ويحتمل أن يكون المراد من كادها اغتيالًا وطلبًا لغرتها في غفلة فلا يتم له أمر بخلاف من أتى ذلك جهارًا كما استباحها مسلم بن عقبة وغيره، وروى النسائي من حديث السائب بن خلاد رفعه "من أخاف أهل المدينة ظالمًا لهم أخافه الله وكانت عليه لعنة الله" الحديث ولابن حبان نحوه من حديث جابر اهـ فتح الملهم. قال القرطبي: ظاهر هذه الزيادة أن الله تعالى يعاقبه بذلك في النار، ويحتمل أن يكون ذلك كناية عن إهلاكه في الدنيا أو عن توهين أمره وطمس كلمته كما قد فعل ذلك بمن غزاها وقاتل أهلها فيمن تقدم كمسلم بن عقبة إذ أهلكه الله منصرفه عنها وكإهلاك يزيد بن معاوية إثر إغزائه أهل المدينة إلى غير ذلك.

стр. 6055

٣٢٠١ - (١٢٨٠) (٣٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. جَمِيعًا عَنِ الْعَقَدِيِّ. قَال عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمرٍو. حدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ. عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ. فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا أَوْ يَخْبِطُهُ. فَسَلَبَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ. جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلامِهِمْ، أَوْ عَلَيهِم، مَا أَخَذَ مِنْ غُلامِهِمْ ــ ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث عبد الله بن زيد بحديث آخر لسعد بن أبي وقاص ﵄ فقال: ٣٢٠١ - (١٢٨٠) (٣٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي (جميعًا عن) أبي عامر القيسي (العقدي) عبد الملك بن عمرو البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٩) أبواب (قال عبد) بن حميد: (أخبرنا عبد الملك بن عمرو) بصيغة السماع وبتصريح اسمه (حدثنا عبد الله بن جعفر) بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة القرشي الزهري المخزومي أبو محمد المدني، قال أحمد: ثقة، وقال أبو حاتم والنسائي: ليس به بأس، وقال ابن معين: ليس به بأس صدوق وليس بثبت، وقال الترمذي: مدني ثقة، وقال في التقريب: ليس به بأس، من (٨) روى عنه في (٥) أبواب (عن إسماعيل بن محمد) بن سعد بن أبي وقاص الزهريّ أبي محمد المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (٥) أبواب (عن) عمه (عامر بن سعد) بن أبي وقاص (أن سعدًا) ابنَ أبي وقاص ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد بصري وواحد إما مروزي أو كسي (ركب) أي سافر راكبًا (إلى قصره بالعقيق) وهو اسم موضع قريب من المدينة بينه وبينها عشرة أميال، وبه مات سعد وحُمل إلى المدينة فصُلي عليه ودُفن بها اهـ مفهم (فوجد) سعد في طريقه (عبدًا يقطع شجرًا) أي أغصانه لعلف المواشي، وكلمة أو في قوله: (أو يخبطه) أي يسقط ورق الشجر للتنويع لا للشك أي يقطع أغصانه تارة ويسقط ورقه أخرى، أو بمعنى الواو، والخبط جاء هنا عديلًا للقطع فيراد به معناه الأصلي وهو إسقاط الورق وهو من باب ضرب (فسلبه) أي فسلب سعد عيدًا أي أخذ ما عليه من الثياب ما عدا ساتر العورة زجرًا له عن العودة لمثله والسلب بفتحتين الشيء المسلوب أي المأخوذ وبإسكان اللام المصدر (فلما رجع سعد) إلى المدينة (جاءه) أي جاء سعدًا (أهل العبد) وأسياده (فكلموه) أي كلموا سعدًا وسألوه (أن يرد على غلامهم) نفسه (أو عليهم) وأو هنا للإباحة (ما أخذ من غلامهم) مفعول الرد

стр. 6056

فَقَال: مَعَاذَ الله، أَنْ أَرُدَّ شَيئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ الله ﷺ . وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيهِم ــ (فقال) سعد (معاذ الله) أي عياذًا بالله وهو مصدر ناب عن فعله فحذف عامله وجوبًا أي أعوذ بالله من (أن أرد) عليكم (شيئًا نفلنيه رسول الله على الله عليه وسلم) أي أباح في رسول الله ﷺ أخذه زيادة على ما أعطانيه في حياته من نصيبي من الغنيمة (وأبي) سعد أي امتنع (أن يرد عليهم) ما أخذه من العبد، وقوله: (شيئًا نفلنيه) بتشديد الفاء أي جعلنيه أو أعطانيه نفلًا أي غنيمة بإذنه لكل من رأى في المدينة صائدًا أو قاطع شجر أن يأخذ سلبه اهـ فتح الملهم، قال القاري: وفي رواية فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ ، ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه، وفي أخرى إنه كان يخرج فيجد الحاطب معه شجر رطب فيسأله فيكلمه فيه فيقول: لا أدع غنيمة غنمنيها رسول الله ﷺ وإني من أكثر الناس مالًا، وأصل النفل بفتحتين زيادة يعطيها الإمام لمن رأى فيه نفعًا للمسلمين زيادة على سهمه، قال القرطبي: وإنما فعل سعد هذا لأن النبي ﷺ أمر بذلك في حق من صاد في حرم المدينة كما رواه أبو داود من حديث سعد أيضًا وذكر نحو حديث مسلم في الشجر ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "من أخذ أحدًا بصيد في حرم المدينة فليسلبه" رواه أبو داود [٢٠٣٧] وكأن سعدًا قاس قطع شجرها على صيدها بجامع كونهما محرمين بحرمة الموضع، وهذا كله مبالغة في الردع والزجر لا أنها حدود ثابتة في كل أحد وفي كل وقت، وامتناعه من رد السلب لأنه رأى أن ذلك أدخل في باب الإنكار والتشديد، ولتنتشر القضية في الناس فيكفوا عن الصيد وقطع الشجر اهـ من المفهم. وانفرد الإمام مسلم رحمه الله تعالى برواية هذا الحديث عن أصحاب الأمهات لكنه شاركه أحمد [١/ ١٦٨]. قال النواوي رحمه الله تعالى: هذا الحديث صريح في الدلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجماهير في تحريم صيد المدينة وشجرها كما سبق، وخالف فيه أبو حنيفة كما قدمناه عنه، وقد ذكر هنا مسلم في صحيحه تحريمها مرفوعًا عن النبي ﷺ من رواية علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وأنس بن مالك وجابر بن عيد الله وأبي سعيد وأبي هريرة وعبد الله بن زيد ورافع بن خديج وسهل بن حنيف، وذكر غيره من رواية غيرهم أيضًا فلا يلتفت إلى من خالف هذه الأحاديث

стр. 6057

٣٢٠٢ - (١٢٨١) (٣١) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ بن سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ. جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ. قَال ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، ــ الصحيحة المستفيضة، وفي هذا الحديث دلالة لقول الشافعي القديم أن من صاد في حرم المدينة أو قطع شجرها أخذ سلبه وبهذا قال سعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة، قال القاضي: ولم يقل به أحد بعد الصحابة إلا الشافعي في قوله القديم، وخالفه أئمة الأمصار (قلت): ولا تضر مخالفتهم إذا كانت السنة معه وهذا القول القديم هو المختار لثبوت الحديث فيه وعمل الصحابة على وفقه ولم يثبت له رافع، قال أصحابنا: فإذا قلنا بالقديم ففي كيفية الضمان وجهان: أحدهما: يضمن الصيد والشجر والكلأ كضمان حرم مكة وأصحهما وبه قطع جمهور المفرعين على هذا القديم أنه يسلب الصائد وقاطع الشجر والكلأ وعلى هذا ففي المراد بالسلب وجهان: أحدهما: أنه ثيابه فقط وأصحهما وبه قطع الجمهور أنه كسلب القتيل من الكفار فيدخل فيه فرسه وسلاحه ونفقته وغير ذلك مما يدخل في سلب القتيل، وفي مصرف السلب ثلاثة أوجه أصحهما أنه للسالب وهو الموافق لحديث سعد، والثاني: أنه لمساكين المدينة، والثالث: لبيت المال وإذا سُلب أُخذ جميع ما عليه إلا ساتر العورة، وقيل: يؤخذ ساتر العورة أيضًا، قال أصحابنا: ويُسلب بمجرد الاصطياد سواء أتلف الصيد أم لا والله أعلم اهـ نواوي. قال الأبي: ومذهب مالك والجمهور والشافعي في الجديد أنه لا ضمان في صيد المدينة وقطع شجرها وإنما هو حرام دون ضمان، وقال بعض العلماء: فيه الجزاء كحرم مكة، وللشافعي في القديم ما تقدم، وقد تقدم الكلام على حرم المدينة وحديث السلب قريبًا في أوائل هذا الباب فليراجع اهـ. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى خامسًا لحديث عبد الله بن زيد بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما فقال: ٣٢٠٢ - (١٢٨١) (٣١) (حدثنا يحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (و) علي (بن حجر) بن إياس السعدي المروزي (جميعًا) أي كل من الثلاثة رووا (عن إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الزرقي المدني، ثقة، من (٨) (قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل بن جعفر) بصيغة السماع (أخبرني عمرو بن أبي عمرو) ميسرة

стр. 6058

مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ الله بنِ حَنْطَبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَال رَسُولُ الله ﷺ لأبَي طَلْحَةَ: "الْتَمِسْ لِي غُلامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي" فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ. فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ الله ﷺ كلَّمَا نَزَلَ ــ (مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب) أبو عثمان المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (٣) أبواب (أنه سمع أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد بصري وواحد إما بغدادي أو بلخي أو مروزي (يقول: قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة) الأنصاري زيد بن سهل زوج أم سليم أم أنس ﵃، كما قال الشاعر: أنا أبو طلحة واسمي زيد ... وفي جرابي كل يوم صيد أي قال له وقت خروجه إلى غزوة خيبر كما سيأتي في زيادة البخاري (التمس لي) أي اطلب (غلامًا من غلمانكم) يعني الأنصار فإن أبا طلحة كان أنصاريًا خزرجيًا، وقوله: (يخدمني) صفة ثانية لغلامًا أي يخدمني في سفري هذا فاختار أبو طلحة لخدمته ﷺ ربيبه أنس بن مالك، قال أنس: (فخرج بي أبو طلحة) إلى خيبر حالة كونه (يردفني) أي يركبني (وراءه) أي خلفه على راحلته فجاءني به إلى رسول الله ﷺ فسلمني إليه (فكنت أخدم) من باب نصر (رسول الله ﷺ في سفره (كلما نزل) من راحلته وفي الحضر أيضًا، وقوله: (يخدمني) زاد في البخاري حتى أخرج إلى خيبر، قال الحافظ: وقد استشكل من حيث إن ظاهره أن ابتداء خدمة أنس للنبي ﷺ من أول ما قدم المدينة لأنه صح عنه أنه قال: خدمت النبي ﷺ تسع سنين وفي رواية عشر سنين، وخيبر كانت سنة سبع فيلزم أن يكون إنما خدمه أربع سنين قاله الداودي وغيره، وأُجيب بأن معنى قوله لأبي طلحة: التمس في غلامًا من غلمانكم تعيين من يخرج معه في تلك السفرة فعيّن له أبو طلحة أنسًا فينحط الالتماس على الاستئذان في المسافرة به لا في أصل الخدمة فإنها كانت متقدمة فيجمع بين الحديثين بذلك، وفي الحديث جواز استخدام اليتيم بغير أجرة لأن ذلك لم يقع ذكره في هذا الحديث، وحمل الصبيان في الغزو كذا قاله بعض الشراح وتبعوه وفيه نظر لأن أنسًا حينئذٍ كان قد زاد على خمسة عشر لأن خيبر كانت سنة سبع

стр. 6059

وَقَال فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَال: "هذَا جَبَلٌ يُحِبّنَا وَنُحِبُّهُ" فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَال: "اللَّهُمَّ! إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَينَ جَبَلَيهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ. اللَّهُمَّ! بَارِكْ لَهُم فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ" ــ من الهجرة وكان عمره عند الهجرة ثمان سنين ولا يلزم من عدم ذكر الأجرة عدم وقوعها والله أعلم اهـ. (وقال) أنس (في الحديث) أي بعد قصة ذكرها (ثم) بعد مسافرته ﷺ إلى خيبر (أقبل) أي رجع من سفره إلى المدينة ودنا منها (حتى إذا بدا) وظهر (له) ﷺ (أُحُد) بضمتين أي جبل أحد وتراءى له وهو جبل بقرب المدينة من جهة الشام وكانت به الوقعة (قال) ﷺ : (هذا) الجبل (جبل يحبنا) قيل حقيقة بأن خلق الله فيه حياة ومحبة حقيقية، وقيل مجاز عن أهله وهم الأنصار أي يحبنا أهله، وقيل: مجاز عن موافقة هوائه ومائه لهم، واختار النواوي معنى الحقيقة (ونحبه) حقيقة لكونه في أرض طيبة (فلما أشرف) ﷺ واطلع (على المدينة قال: اللهم إني أحرم) وأعظم (ما بين جبليها) أي ما بين جبلي المدينة، وسيأتي في حديث علي أنه ﷺ حرّم ما بين عير إلى ثور وهما جبلان على طرفي المدينة جنوبها وشمالها، قوله: (مثل) منصوب بنزع الخافض أي بمثل (ما حرّم به إبراهيم مكة) من حرمة صيدها وقطع شجرها، ثم قال: (اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم) قوله: (يحبنا ونحبه) قال الحافظ: قال القرطبي: ذهب بعض الناس إلى أن هذا الحديث محمول على حقيقته وأن الجبل خلق فيه حياة ومحبة حقيقية وقال: هو من معجزات رسول الله ﷺ وهذا لا يصدر عن محقق إذ ليس في اللفظ ما يدل على ما ذكروا، والأصل بقاء الأمور على مستمر عاداتها حتى يدل قاطع على انحرافها لنبي أو ولي على ما تقرر في علم الكلام. والذي يصح أن يحمل عليه الحديث أن يقال إن ذلك من باب المجاز المستعمل فإما من باب الحذف فكأنه قال: يحبنا أهله وهم الأنصار لأنهم جيرانه كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وهذا المعنى موجود في كلام العرب وفي أشعارهم كثيرًا كقوله: أمرُّ على الديار ديار ليلى ... أُقَبِّلُ ذا الجدار وذا الجدارَا

стр. 6060

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وما تلك الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا وإما من باب الاستعارة أي لو كان ممن يعقل لأحبنا أو على جهة مطابقة اللفظِ اللفظَ المسمى بالمشاكلة ولأنه استشهد به من أحبه النبي ﷺ كحمزة وغيره من الشهداء الذين استشهدوا به يوم أحد ﵃ اهـ من المفهم، وقال السهيلي: كان ﷺ يحب الفأل الحسن والاسم الحسن ولا اسم أحسن من اسم مشتق من الأحدية، قال: ومع كونه مشتقًا من الأحدية فحركات حروفه الرفع وذلك يُشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه فتعلق الحب من النبي ﷺ به لفظًا ومعنى فخص من بين الجبال بذلك اهـ من فتح الملهم. قوله: (اللهم إني أحرم ما بين جبليها) وفي لفظ آخر مأزميها -بكسر الزاي وفتح الميم الثانية- بمعنى جبليها على ما قاله ابن شعبان، قال ابن دريد: المأزم المتضايق، ومنه مأزمي منى وهذا يقرب من تفسير ابن شعبان لأن المتضايق منقطع الجبال بعضها من بعض، وهما المعبر عنهما باللابتين، ومقدار حرم المدينة ما قاله أبو هريرة أنه ﷺ جعل اثني عشر ميلًا حول المدينة. قوله: (اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم) قال ابن المنير: يحتمل أن تختص هذه الدعوة بالمد الذي كان حينئذٍ حتى لا يدخل المد الحادث بعده، ويحتمل أن تعم كل مكيال لأهل المدينة إلى الأبد، قال: والظاهر الثاني كذا قال، وكلام مالك يجنح إلى الأول وهو المعتمد، وقد تغيرت المكاييل في المدينة بعد عصر مالك وإلى هذا الزمان وقد وُجد مصداق الدعوة بأن بورك في مدهم وصاعهم بحيث قدّرهما أكثر فقهاء الأمصار ومقلدوهم إلى اليوم في غالب الكفارات، قال ابن بطال عن المهلب: دعوة النبي ﷺ لأهل المدينة في صاعهم ومدهم خصهم من البركة ما اضطر أهل الآفاق إلى قصدهم في ذلك المعيار المدعو له بالبركة ليجعلوه طريقة متبعة في معاشهم وأداء ما فرض الله عليهم كذا في الفتح، وقال العيني: البركة النماء والزيادة وتكون بمعنى الثبات واللزوم، وقيل: يحتمل أن تكون هذه البركة دينية وهي ما يتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزكاة والكفارات فتكون بمعنى الثبات والبقاء بها لبقاء الحكم بها ببقاء الشريعة وثباتها، ويحتمل أن تكون دنيوية من تكثير الكيل والقدر بهذه الأكيال حتى يكفي منه ما لا يكفي مثله من غيره في غير المدينة، أو يرجع البركة في التصرف بها في التجارة وأرباحها أو إلى كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها، أو
следующие страницы →