← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِن أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبْنَا وَنُحِبهُ". ٣٢٥٤ - (٠٠) (٠٠) وَحَدثَنِيهِ عُبَيدُ الله بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِي. حَدثَنِي حَرَميُّ بْنُ عُمَارَةَ. حَدَّثَنَا قُرةُ، عَن قَتَادَةَ، عَن أَنس، قَال: نَظَرَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى أُحُدٍ فَقَال: "إِن أُحُدا جَبَلٌ يُحِينَا وَنُحِبْهُ". ٣٢٥٥ - (١٣١١) (٦١) حدثني عَمرٌو الناقِدُ وَزُهَيرُ بن حَرْبٍ (وَاللفْظُ لِعَمرٍو) قَالا: حَدَّثَنَا سُفيَانُ بن عُيَينَةَ، عَنِ الزهْرِي. عَن سَعِيدِ بنِ الْمُسَيبِ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ، ــ (قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : إن أحدًا جبل يحبنا) أهله وهم الأنصار (ونحبه) نحن أي نحب نحن معاشر المهاجرين أهله لإيوائهم إيانا وإيثارهم إيانا على أنفسهم، والأكثر أنه على ظاهره فلا يؤول. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في المغازي عن نصر بن علي اهـ تحفة الأشراف. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه فقال: ٣٢٥٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه عبيد الله بن عمر) بن ميسرة الجشمي مولاهم أبو شعيب (القواريري) البصري (حدثني حرمي بن عمارة) بن أبي حفصة العتكي البصري، صدوق، من (٩) (حدثنا قرة) بن خالد (عن قنادة عن أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون كسابقه، غرضه بيان متابعة حرمي بن عمارة لمعاذ بن معاذ (قال) أنس: (نظر رسول الله ﷺ إلى أحد فقال: إن أحدًا جبل يحبنا ونحبه). ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٣٢٥٥ - (١٣١١) (٦١) (حدثني عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور أبو عثمان (الناقد) البغدادي، ثقة، من (١٠) (وزهير بن حرب) بن شداد (واللفظ) الآتي (لعمرو قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي إما نسائي أو

стр. 6127

يَبْلُغُ بِهِ النبِي ﷺ . قَال: "صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هذَا، أَفْضَلُ مِنْ أَلْف صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ" ــ بغدادي حالة كون أبي هريرة (يبلغ به النبي ﷺ أي يرفع بهذا الحديث إلى النبي ﷺ (قال) النبي ﷺ : (صلاة) واحدة ولو نفلًا (في مسجدي هذا) الذي أُسس على التقوى (أفضل) أي أكثر أجرًا (من ألف صلاة فيما سواه) أي فيما سوى مسجدي من سائر المساجد (إلا المسجد الحرام) قوله: (صلاة) التنكير فيه للوحدة أي صلاة واحدة، قال ابن الملك: وهذا عام للفرض والنفل اهـ وقولهم: إن النكرة في سياق الإثبات لا تعم قاعدة أغلبية، وحديث "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" مخصوص بغير المساجد الثلاثة لأن المساجد الثلاثة إذا كان لها فضل على سائر المساجد فأفضليتها على سائر المواضع من باب أولى، قال القاضي عياض: اختلف في قوله: (صلاة) فقال الطحاوي: هو خاص بصلاة الفرض، قال النووي: وهذا مخالف إطلاق هذه الأحاديث الصحيحة والله أعلم، وقال مطرف: هو عام في الفرض والنفل، وقال الأبي: صلاة نكرة في سياق الإثبات فلا تعم، وكان الشيخ ابن عبد السلام يقول: العموم فيها مستفاد من المعنى والسياق اهـ أبي، وقد قدمنا في باب صلاة الشكل أن هذا الخلاف فيما إذا لم يكن له عذر كان يريد الطواف ثم الصلاة أو كان متشوشًا في البيت أو خاف من الغفلة وإلا فلا خلاف في عموم النكرة هنا، قوله: (في مسجدي هذا) أي المسجد النبوي لا مسجد قباء وغيره، قال النووي: ينبغي أن يحرص المصلي على الصلاة في الموضع الذي كان في زمانه ﷺ دون ما زيد فيه بعده لأن التضعيف إنما ورد في مسجده وقد أكده بقوله هذا ووافقه السبكي وغيره على الاختصاص بذلك الموضع، بخلاف مسجد مكة فإنه يشمل جميع مكة بل صحح النووي أنه يعم جميع الحرم واعترضه ابن تيمية وأطال فيه والمحب الطبري وأوردا آثارًا استدلالًا بها وبأنه سُلم في مسجد مكة أن المضاعفة لا تختص بما كان موجودًا في زمنه ﷺ وبأن الإشارة في الحديث إنما هي لإخراج غيره من المساجد المنسوبة إليه ﷺ وبأن الإمام مالكًا سئل عن ذلك فأجاب بعدم الخصوصية وقال: لأنه ﷺ أخبر بما يكون بعده وزُويت له الأرض فعلم بما يحدث بعده ولولا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون أن يستزيدوا فيه بحضرة الصحابة ولم ينكر ذلك عليهم، وبما في تاريخ المدينة عن عمر ﵁ أنه

стр. 6128

٣٢٥٦ - (٠٠) (٠٠) حدثني مُحَمدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ (قَال عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَال ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاقِ). أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزهْرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُول الله ﷺ : "صَلاة في مَسْجِدِي هذَا، ــ لما فرغ من الزيادة قال: لو انتهى إلى الجبانة وفي رواية إلى ذي الحليفة لكان الكل مسجد رسول الله ﷺ ، وبما رُوي عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو زيد في هذا المسجد ما زيد كان الكل مسجدي" وفي رواية: "لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي" هذا خلاصة ما ذكره ابن حجر في الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم والله أعلم، وقال العيني: ما حاصله أنه إذا اجتمع الاسم والإشارة كما في قوله ﷺ : مسجدي هذا هل تُغلّب الإشارة أو الاسم؟ فيه خلاف فمال النووي إلى تغليب الإشارة، وأما مذهبنا فالذي يظهر من قولهم أن الاسم يغلب الإشارة والله أعلم بالصواب. قوله: (أفضل من ألف صلاة فيما سواه) أي صلاة واحدة في مسجدي هذا أزيد أجرًا من ألف صلاة في غيره والله أعلم بقدر تلك الزيادة قيل: هذا مع اتحاد المصلي في الموضعين فلا يقال مثلًا إن صلاة زيد الظهر به أفضل من صلاة علي بن أبي طالب الظهر بمسجد الكوفة، قوله: (إلا المسجد الحرام) أي فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة فيما سواه على الإطلاق لأنه قبله المساجد، وفي الإحياء ذكر مضاعفة سائر الأعمال فيه أيضًا اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢٥٦٢]، والبخاري [١١٩٠]، والترمذي [٣٢٥]، والنسائي [٢/ ٣٥]، وابن ماجه [١٤٠٤]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه فقال: ٣٢٥٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) (وعبد بن حميد) الكسي، ثقة، من (١١) (قال عبد: أخبرنا، وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة معمر بن راشد لسفيان بن عيينة (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : صلاة) واحدة نفلًا أو فرضًا (في مسجدي هذا) الذي أنا بنيته على الخلاف

стр. 6129

خَيرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِي غيرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجدَ الْحَرَامَ". ٣٢٥٧ - (٠٠) (٠٠) حدثني إِسحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا عِيسَى بن المنذِرِ الحمصِي. حَدَّثَنَا مُحَمدُ بن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الزبَيدِي، عَنِ الزهْرِي، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرحْمَنِ، وَأَبِي عَبْدِ الله الأَغَر مَولَى الْجُهَنِيينَ (وَكَانَ مِن ــ السابق (خير) أي أكثر أجرًا (من ألف صلاة) صليت (في غيره من) سائر (المساجد إلا المسجد الحرام) قال ابن بطال: يجوز في هذا الاستثناء أن يكون المراد أنه مساو لمسجد المدينة أو فاضل أو مفضول، والأول أرجح لأنه لو كان فاضلًا أو مفضولًا لم يعلم مقدار ذلك إلا بدليل بخلاف المساواة اهـ، وكأنه لم يقف على دليل الثاني وقد أخرجه الإمام أحمد وصححه ابن حبان من طريق عطاء عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في مسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا" وفي رواية ابن حبان: "وصلاة في ذلك أفضل من مائة صلاة في مسجد المدينة" قال ابن عبد البر: اختلف على ابن الزبير في رفعه ووقفه ومن رفعه أحفظ وأثبت ومثله لا يقال بالرأي اهـ فتح الملهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٣٢٥٧ - (٠٠) (٠٠) حدثني إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي المروزي، ثقة، من (١١) (حدثنا عيسى بن المنذر) السلمي أبو موسى (الحمصي) روى عن محمد بن حرب في الحج، وبقية بن الوليد في النكاح، وإسماعيل بن عياش، ويروي عنه (م) وإسحاق الكوسج وابنه موسى، وثقه ابن حبان وقال: يغرب، وقال في التقريب: مقبول، من العاشرة (حدثنا محمد بن حرب) الخولاني الأبرش أبو عبد الله الحمصي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا الزبيدي) مصغرًا محمد بن الوليد بن عامر أبو الهذيل الحمصي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٨) أبواب (عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (وأبي عبد الله) سلمان (الأغر مولى الجهنيين) أصله من أصبهان المدني، ثقة، من (٣) (وكان) سلمان الأغر (من

стр. 6130

أَصْحَابِ أَبِي هُرَيرَةَ) أنهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: صَلاة فِي مَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ أَفضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلا الْمَسْجِدَ الحرَامَ. فَإِن رَسُولَ الله ﷺ آخِرُ الأَنْبِيَاءِ. وإن مَسْجِدَهُ آخِرُ الْمَسَاجِدِ. قَال أَبُو سَلَمةَ وَأَبُو عَبْدِ الله: لَم نَشُك أَن أَبَا هُرَيرَةَ كَانَ يَقُولُ عَنْ حَدِيثِ رَسُولِ الله ﷺ . فَمَنَعَنَا ذلِكَ أَنْ نَسْتَثبِتَ أَبَا هُرَيرَةَ عَن ذلِكَ الْحَدِيثِ. حَتَّى إِذَا تُوُفيَ أَبُو هُرَيرَةَ. تَذَاكَرْنَا ذلِكَ. وَتَلاوَمْنَا أَنْ لَا نَكُونَ كَلمْنَا أَبَا هُرَيرَةَ فِي ذلِكَ حَتى يُسْنِدَهُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ . إِنْ كَانَ سَمِعَهُ مِنْهُ. فَبَينَا نَحْنُ عَلَى ذلِكَ، ــ أصحاب أبي هريرة) أي ممن يلازمه (أنهما سمعا أبا هريرة يقول): وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة شاميون وواحد مروزي، غرضه بسوقه بيان متابعة أبي سلمة وأبي عبد الله لسعيد بن المسيب (صلاة) واحدة لأن التنكير فيه للوحدة (في مسجد رسول الله ﷺ أفضل) أي أكثر أجرًا (من ألف صلاة فيما سواه من) سائر (المساجد إلا المسجد الحرام) ثم علل فضله على سائر المساجد بقوله: (فإن رسول الله ﷺ آخر الأنبياء) وخاتمهم (وإن مسجده) ﷺ (آخر المساجد) المنسوبة إلى الأنبياء ﵈، قال القاضي عياض: وهذا ظاهر في تفضيل مسجده صلى إله عليه وسلم لهذه العلة، قال القرطبي: لأن ربط الكلام بهذا التعليل يشير بأن مسجده ﷺ إنما فُضل على المساجد كلها لأنه متأخر عنها ومنسوب إلى نبي متأخر عن الأنبياء كلهم فتدبره فإنه واضح (قال أبو سلمة وأبو عبد الله: لم نشك) في (أن أبا هريرة كان يقول) ذلك راويًا (عن حديث رسول الله ﷺ فمنعنا ذلك) أي عدم الشك في ذلك (أن نستثبت أبا هريرة عن ذلك الحديث) أي عن أن نطلب من أبي هريرة إثبات الرفع في ذلك الحديث إلى رسول الله ﷺ (حتى إذا توفي) ومات (أبو هريرة تذاكرنا ذلك) التقصير (ونلاومنا) أي لام بعضنا بعضًا على (أن لا نكون كلمنا أبا هريرة في ذلك) أي في رفع ذلك الحديث (حتى يسنده) ويرفعه (إلى رسول الله ﷺ إن كان) أبو هريرة (سمعه) أي سمع ذلك الحديث (منه) ﷺ (فبينا نحن على ذلك) التلاوم

стр. 6131

جَالسَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ. فَذَكَرْنَا ذلِكَ الْحَدِيثَ. وَالذِي فَرَّطْنَا فِيهِ مِنْ نَص أَبِي هُرَيرَةَ عَنْهُ. فَقَال لَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَشْهَدُ أَني سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "فَإِني آخِرُ الآَنبِيَاءِ، وَإِن مَسْجِدِي آخِرُ الْمَسَاجِدِ". ٣٢٥٨ - (٠٠) (٠٠) حدثنا مُحَمدُ بْنُ الْمُثَنى وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعًا عَنِ ــ جاءنا و (جالسنا) أي جلس معنا (عبد الله بن إبراهيم بن قارظ) فصرنا معه جلساء، قال في الخلاصة الخزرجية: والصواب إبراهيم بن عبد الله بن قارظ اهـ (فذكرنا ذلك الحديث) لعبد الله بن قارظ (و) الشأن (الذي فرطنا) وقصرنا (فيه من) طلب (نص) وتصريح (أبي هريرة) في رواية هذا الحديث (عنه) أي عن رسول الله ﷺ والمعنى ذكرنا له تقصيرنا في استثبات أبي هريرة لإسناد ما حدثه إلى رسول الله ﷺ (فقال لنا عبد الله بن إبراهيم: أشهد) على (أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : فإني آخر الأنبياء وإن مسجدي) هذا (آخر المساجد) المنسوبة إلى الأنبياء كمسجد الحرام المنسوب إلى إبراهيم وإسماعيل، والمسجد الأقصى المنسوب إلى يعقوب وبنيه لأنه أْول من بناه بعد بناء إبراهيم وإسماعيل الكعبة بأربعين سنة، ثم جدده وزخرفه سليمان بن داود عليهم وعلى نبينا أفضل الصلوات وأزكى التحيات كما في كتب التواريخ، وفي بعض الهوامش قوله: (فإني آخر الأنبياء) الخ ذكره الصغاني في ثاني فصول الباب الثاني من مشارقه برمز مسلم ولا فاء في أوله؛ والمراد بالمساجد التي أخبر ﷺ بأن مسجده الشريف آخرها هي مساجد الأنبياء المفضلة على غيرها؛ وهي المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجده ﷺ كما في المبارق، أو أنه يبقى آخر المساجد ويتأخر عن المساجد الأخر في الفناء أي فكما أنه تعالى شرف آخر الأنبياء بما شرف كذلك شرف مسجده الذي هو آخر المساجد بأن جعل الصلاة فيه كألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام زاده السندي في حواشيه على سنن النسائي. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٣٢٥٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى و) محمد (بن أبي عمر جميعًا عن)

стр. 6132

الثَّقَفِي. قَال ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهابِ قَال: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيد يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا صَالِح: هَلْ سَمِعْتَ أَبَا هُرَيرَةَ يَذْكُرُ فَضْلَ الصلاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُول الله ﷺ ؟ فَقَال: لَا. وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الله بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ؛ أَنهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يُحَدِّثُ؛ أَن رَسُول الله ﷺ قَال: "صَلاة فِي مَسْجِدِي هذَا خَيرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاة (أَوْ كَألْفِ صَلاة) فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلا أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ". ٣٢٥٩ - (٠٠) (٠٠) وَحَدثَنِيهِ زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُبَيدُ الله بْنُ سَعِيد وَمُحَمدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيد، بِهذَا الإِسْنَادِ ــ عبد الوهاب بن عبد المجيد (الثقفي) البصري (قال ابن المثنى: حدثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني (يقول: سألت أبا صالح) السمان ذكوان الزيات (هل سمعت أبا هريرة يذكر فضل الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ وأجرها (فقال) أبو صالح (لا) ما سمعت بنفسي (ولكن أخبرني عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أنه سمع أبا هريرة يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة أو) قال أبو هريرة: (كألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا أن يكون) ذلك السوى (المسجد الحرام) فإن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في المسجد النبوي، وسند هذا الحديث من خماسياته غرضه بيان متابعة أبي صالح لمن روى عن أبي هريرة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه رابعًا فقال: ٣٢٥٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه زهير بن حرب وعبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري مولاهم النيسابوري، ثقة، من (١٠) (ومحمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي صدوق من (١٠) (قالوا: حدثنا يحيى) بن سعيد (القطان عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (بهذا الإسناد) يعني عن أبي صالح عن أبي هريرة مثله، غرضه بسوقه بيان متابعة القطان لعبد الوهاب الثقفي. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر ﵃ فقال:

стр. 6133

٣٢٦٠ - (١٣١٢) (٦٢) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى. قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبَيدِ اللهِ. قَال: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هذا، أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ". ٣٢٦١ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيدِ اللهِ، بِهذَا الإِسْنَادِ. ٣٢٦٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ــ ٣٢٦٠ - (١٣١٢) (٦٢) (وحدثني زهير بن حرب ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا يحيى) بن سعيد (وهو القطان عن عبيد الله) بن عمر بن حفص العمري المدني (قال: أخبرني نافع عن ابن عمر) وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان بصريان أو بصري ونسائي وواحد مكي (عن النبي ﷺ قال: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه) من المساجد (إلا المسجد الحرام) تقدم بسط ما فيه من الكلام. وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى اهـ تحفة الأشراف. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال: ٣٢٦١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا) عبد الله (بن نمير وأبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (ح وحدثناه) محمد بن عبد الله (بن نمير حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (ح وحدثناه محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (كلهم) أي كل من ابن نمير وأبي أسامة وعبد الوهاب رووا (عن عبيد الله) بن عمر (بهذا الإسناد) يعني عن نافع عن ابن عمر مثله، غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء الثلاثة ليحيى القطان. ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال: ٣٢٦٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني إبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي الرازي، ثقة،

стр. 6134

أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُوسَى الجُهَنِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ. بِمِثلِهِ. ٣٢٦٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ . بِمِثلِهِ. ٣٢٦٤ - (١٣١٣) (٦٣) وحدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. جَمِيعًا عَنِ اللَّيثِ بْنِ سَعْدٍ. قَال قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا لَيثٌ عَنْ نَافِعٍ، ــ من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (أخبرنا) يحيى بن زكرياء (بن أبي زائدة) خالد بن ميمون الهمداني الكوفي، ثقة، من (٩) (عن موسى) بن عبد الله أو ابن عبد الرحمن (الجهني) أبي سلمة الكوفي، روى عن نافع في الحج، ومصعب بن سعد في الدعاء، وزيد بن وهب والشعبي وأبي بردة بن أبي موسى وعدة، ويروي عنه (م ت س ق) ويحيى بن أبي زائدة وعلي بن مسهر وعبد الله بن نمير ومروان بن معاوية وغيرهم، وثقه ابن معين وأحمد والنسائي والقطان والعجلي، وقال أبو زرعة: صالح، وقال في التقريب: ثقة عابد، من السادسة (٦) مات سنة (١٤٤) أربع وأربعين ومائة (عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول): الحديث السابق وساق موسى الجهني (بمثله) أي بمثل ما روى عبيد الله عن نافع، غرضه بيان متابعة الجهني لعبيد الله بن عمر. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال: ٣٢٦٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه) محمد (بن أبي عمر) العدني المكي (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (عن أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ بمثله) أي بمثل ما روى عبيد الله عن نافع، غرضه بيان متابعة أيوب لعبيد الله بن عمر. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة ثانيًا بحديث ابن عباس ﵃ فقال: ٣٢٦٤ - (١٣١٣) (٦٣) (وحدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح) بن المهاجر المصري (جميعًا عن الليث بن سعد) الفهمي المصري (قال قتيبة: حدثنا ليث عن نافع

стр. 6135

عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَال: إِنَّ امْرَأَةً اشْتَكَتْ شَكْوَى. فَقَالتْ: إِنْ شَفَانِي اللهُ لأخرُجَنَّ فَلأُصَلِّيَنَّ فِي بَيتِ الْمَقْدِسِ. فَبَرَأَتْ. ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الْخُرُوجَ. فَجَاءَتْ مَيمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، تُسَلِّمُ عَلَيهَا. فَأَخْبَرَتْهَا ذلِكَ. فَقَالتْ: اجْلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعْتِ. وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ . فَإِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "صَلاةٌ فِيهِ ــ عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد) بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي المدني، صدوق، من (٣) (عن ابن عباس) والصواب إسقاط ابن عباس لأنه حفظ إبراهيم عن ميمونة، والمتن صحيح بلا خلاف ولعل الروايتين أيضًا صحيحتان اهـ سنوسي، وهذا الحديث مما أُنكِر على مسلم بسبب إسناده، قال الحافظ: ذكر ابن عباس فيه وَهْمٌ صوابه عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن ميمونة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها هكذا هو المحفوظ من رواية الليث وابن جريج عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله عن ميمونة من غير ذكر ابن عباس وكذلك رواه البخاري في صحيحه، قال النووي: ومع هذا فالمتن صحيح بلا خلاف والله أعلم. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون إذا جرينا على الصواب أن الراوي ميمونة واثنان مصريان أو مصري وبلخي (أنه) أي أن ابن عباس والصواب أي أن ميمونة (قال: إن امرأة اشتكت شكوى) أي مرضت مرضًا، ولم أر من ذكر اسم هذه المرأة المريضة (فقالت: إن شفاني الله) وعافاني من هذا المرض (لأخرجن) إلى الشام (فلأصلين في بيت المقدس) صلاة الشكر على شفائي من مرضي (فبرأت) المرأة من ذلك المرض أي شفيت منه (ثم تجهزت) أي تأهبت واستعدت وتزودت للسفر، حالة كونها (تريد الخروج) إلى بيت المقدس للصلاة فيه (فجاءت) تلك المرأة (ميمونة زوج النبي ﷺ حالة كونها (تسلم عليها) أي على ميمونة (فأخبرتها) أي فأخبرت تلك المرأة لميمونة (ذلك) النذر الذي وقع منها وإرادتها الخروج إلى بيت المقدس لوفائه (فقالت) لها ميمونة: (اجلسي) في بيتك ولا تسافري (فكلي ما صنعت) وتزودت جهازًا لسفرك فإن جهاز السفر كما ذُكر في كتب اللغة أهبته وما يحتاج إليه في قطع المسافة (وصلي في مسجد الرسول ﷺ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: صلاة فيه) أي في مسجد الرسول صلى الله عليه

стр. 6136

أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا مَسْجدَ الْكَعْبَةِ" ــ وسلم (أفضل) أي أكثر أجرًا (من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة). قال المازري: ذهب بعض شيوخنا إلى ما ذهبت إليه ميمونة أن المكي والمدني إذا نذر أحدهما الصلاة في مسجد بيت المقدس لا يخرج إليه لأن مسجده أفضل، وأن المقدسي إذا نذر الصلاة في مسجد أحد الحرمين يأتيه لأنهما أفضل من مسجده، وقياس قول مالك على هذه الطريقة أن المدني إذا نذر مسجد مكة لا يأتيه لأن المدينة عنده أفضل، وإن نذر المكي مسجد المدينة أتاه. وقال بعض شيوخنا: الأولى للمدني والمكي أن يأتي كل واحد منهما مسجد الآخر ليخرج من الخلاف الواقع في تفضيل أحدهما على الآخر (قلت): ليس في الحديث نص في قضية المرأة التي اشتكت وإنما أخذت ذلك ميمونة من أنه لا تخرج من الأفضل إلى المفضول وهو مستند اجتهادها، ولكن يعارض اجتهادها حديث "لا تشد المطي إلا لثلاثة مساجد" فظاهره أنها تشد لها ولو من بعضها إلى بعض إلا إن تخصص ذلك بما إذا كان المنتقل إليه أفضل كذا في إكمال المعلم للأبي (قلت): ويؤيد ما ذهبت إليه ميمونة ما في حديث جابر أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: "صل ها هنا" قال الحافظ: واستدل بحديث شد الرحال على أن من نذر إتيان أحد هذه المساجد الثلاثة لزمه ذلك وبه قال مالك والشافعي وأحمد والبويطي واختاره أبو إسحاق المروزي، وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقًا، وقال الشافعي في الأم: يجب في المسجد الحرام لتعلق النسك به بخلاف المسجدين الأخيرين، وهذا هو المنصور لأصحاب الشافعي، وقال ابن المنذر: يجب إلى الحرمين، وأما الأقصى فلا، واستأنس بحديث جابر اهـ فتح الملهم. قال القرطبي: إنما أمرت ميمونة المرأة بالصلاة في مسجد الرسول ﷺ لأنها لو مشت إلى مسجد بيت المقدس فصلت فيه حصل لها أقل مما يحصل لها في مسجد النبي ﷺ وضيعت على نفسها ألف صلاة في مسجد الرسول ﷺ مع ما يلحقها من مشقات الأسفار وكثرة النفقات فرفعت عنها الحرج وكثرت لها في الأجر اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٣٣٣]، والنسائي [٢/ ٣٣]. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب سبعة أحاديث، الأول: حديث عبد الله بن زيد المازني ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة،

стр. 6137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثاني: حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستشهاد، والثالث: حديث أبي حميد ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والرابع: حديث أنس بن مالك ذكره للاستشهاد، والخامس: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه أربع متابعات، والسادس: حديث ابن عمر ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات، والسابع: حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد والله أعلم. * * *

стр. 6138

٥٢٤ - (١٠) باب فضل المساجد الثلاثة وبيان المسجد الذي أُسس على التقوى وفضل مسجد قباء ٣٢٦٥ - (١٣١٤) (٦٤) حدّثني عَمْرو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْب. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ. قَال عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ : "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاثةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى" ــ ٥٢٤ - (١٠) باب فضل المساجد الثلاثة وبيان المسجد الذي أُسس على التقوى وفضل مسجد قباء ٣٢٦٥ - (١٣١٤) (٦٤) (حدثني عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) البغدادي (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (جميعًا عن ابن عيينة قال عمرو: حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد) بن المسيب المخزومي المدني (عن أبي هريرة) حالة كونه (يبلغ به النبي ﷺ أي يرفعه إليه. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد إما بغدادي أو نسائي، أنه قال: (لا تشد) بالبناء للمفعول (الرحال) نائب فاعل أي لا ترحل الرواحل والمراكب إلى أيِّ مسجد (إلا إلى) واحد من (ثلاثة مساجد) فإنها ترحل إليها لفضلها على غيرها، قال القاضي عياض: شد الرحال كناية عن السفر البعيد، وقد فسر هذا المعنى بقوله في الحديث الآخر إنما يسافر لثلاثة مساجد فالمعنى لا يسافر لمسجد بعيد للصلاة فيه إلا لأحد الثلاثة، واختصت الثلاثة بذلك لفضلها على غيرها، وجملة الشد خبرية اللفظ إنشائية المعنى فهي في معنى النهي وهو أبلغ في ثبوت الحكم من صريح النهي لأنه يعطي أن الحكم ثبت وتقرر حتى صار يخبر عنه اهـ من الأبي، ولا يقال: إن النهي عن شد الرحال عام مخصوص لجواز شده لطلب العلم والجهاد ولزيارة الصالحين على قول من يقول بجواز شدها لزيارتهم لأن هذه المذكورات لا يتناولها اللفظ حتى يخصص اهـ أبي. والمعنى لا تشدوا إلى غيرها لأن ما سوى الثلاثة متساو في الرتبة غير متفاوت في الفضيلة وكان الترحل إليه ضائعًا وعبثًا اهـ من المرقاة (مسجدي هذا) بدل من الثلاثة بدل تفصيل من مجمل (ومسجد الحرام ومسجد الأقصى) قال الأبي: ليس هذا من باب إضافة الشيء إلى نفسه المتفق على منعها، وإنما هي من إضافة الموصوف إلى صفته المختلف في جوازها

стр. 6139

٣٢٦٦ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأعلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ. غَيرَ أَنَّهُ قَال: "تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى ثَلاثَّةِ مَسَاجِدَ" ــ فيجيزها الكوفيون ويمنعها البصريون ويتأولون ما جاء منها على حذف موصوف، فالتقدير مسجد المكان الحرام ومسجد المكان الأقصى كما يقال مسجد المكان الجامع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ أي المكان الغربي ونظائره كثير في كلامهم، قال النووي: وسُمي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام. قال القرطبي: ولا شك في أن هذه المساجد الثلاثة إنما خصت بهذا لفضلها على سائر المساجد فمن قال: لله على صلاة في أحدها وهو في غيرها، فعليه إتيانها بعد أو قرب، فإن قال: ماشيًا فلا يلزمه المشي على المشهور إلا في مسجد مكة خاصة، وأما المسجدان الآخران فالمشهور أنه لا يلزم المشي إليهما من نذره ويأتيهما راكبًا، وقال ابن وهب: يأتيهما ماشيًا كما سمَّى وهو القياس لأن المشي إلى مكة إنما يلزم من حيث إنه كان قربة موصلة إلى عبادة تفعل في مسجد له حرمة عظيمة فكذلك يلزم كل مشي قربة بتلك الصفة ولا يلزمه المشي إلى سائر المساجد لأن البعيد منها قد نُهي عن السفر إليها والقريبة منها متساوية الفضيلة فيصلي حيث شاء منها، وقد قال بعض أصحابنا: إن كانت قريبة على أميال يسيرة فيأتيها وإن نذر أن يأتيها ماشيًا أتى ماشيًا لأن المشي إلى الصلاة طاعة ترفع به الدرجات وتحط به الخطايا، وقد ذهب القاضي إسماعيل إلى أن من قال: عليّ المشي إلى المسجد أُصلي فيه فإنه يأتي راكبًا إن شاء ويدخل مكة محرمًا وأحل المساجد الثلاثة محلًا واحدًا، وسيأتي لهذا مزيد بيان في النذر إن شاء الله تعالى اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢٣٤]، والبخاري [١١٨٩]، وأبو داود [٢٠٣٢]، والنسائي [٢/ ٣٧]، وابن ماجه [١٤٠٩]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٣٢٦٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصري، ثقة، من (٨) (عن معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من (٧) (عن الزهري بهذا الإسناد) يعني عن سعيد عن أبي هريرة، غرضه بيان متابعة معمر لسفيان (غير أنه) أي لكن أن معمرًا (قال) في روايته: (تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد) بلا ذكر لا النافية وإلا الاستثنائية.

стр. 6140

٣٢٦٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ؛ أَن عِمْرَانَ بْنَ أَبِي أَنَسٍ حَدَّثهُ؛ أَن سَلْمَانَ الأَغَرَّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يُخْبِرُ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلاثةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءِ". ٣٢٦٨ - (١٣١٥) (٦٥) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ــ ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة فيه ثانيًا فقال: ٣٢٦٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا هارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي (الأيلي) ثقة، من (١٠) (حدثنا) عبد الله (ابن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقة، من (٩) (حدثني عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري أبو الفضل المدني، صدوق، من (٦) (أن عمران بن أبي أنس) القرشي المصري نزيل الإسكندرية، ثقة، من (٥) روى عنه في (٤) أبواب (حدّثه أن سلمان الأغر) الجهني مولاهم أصله من أصبهان أبا عبد الله المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (حدّثه) أي حدّث لعمران (أنه سمع أبا هريرة) ﵁ (يُخبر أن رسول الله ﷺ قال): وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة سلمان الأغر لسعيد بن المسيب (إنما يسافَر إلى ثلاثة مساجد) وكلمة إنما أداة حصر بمعنى ما النافية وإلا المثبتة، والتقدير لا يسافر إلى أي مسجد كان إلا إلى ثلاثة مساجد (مسجد الكعبة) والإضافة فيه للمجاورة وهو بدل بعض من ثلاثة (ومسجدي هذا) يعني المسجد النبوي (ومسجد إيلياء) وهو بيت المقدس، وفي لفظ إيلياء ثلاث لغات أقصحها وأشهرها هذه الواقعة هنا إيلياء بكسر الهمزة واللام بالمد، والثانية كذلك إلا أنه مقصور، والثالثة إلياء بحذف الياء الأولى وبالمد، وفي هذا الحديث فضيلة المساجد الثلاثة وفضيلة شد الرحال إليها لأن معناه عند جمهور العلماء لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها، وقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: يحرم شد الرحال إلى غيرها وهو غلط اهـ. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال: ٣٢٦٨ - (١٣١٥) (٦٥) (حدثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي

стр. 6141

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيدٍ الْخَرَّاطِ. قَال: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَال: مَرَّ بِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَال: قُلْتُ لَهُ: كَيفَ سَمِعْتَ أبَاكَ يَذْكُرُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَال: قَال أَبِي: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيتِ بَعْضِ نِسَائِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الْمَسْجِدَينِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَال: فَأخَذَ كفًّا مِنْ حَصْبَاءَ فَضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ. ثُمَّ قَال: "هُوَ مَسجِدُكُمْ هذَا" (لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ) ــ (حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ التميمي البصري المعروف بالقطان (عن حميد) بن زياد (الخراط) أي صخر المدني، صدوق، من (٦) (قال) حميد: (سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة، من (٣) (قال) أبو سلمة: (مر بي) أي مر عليّ (عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي أبو محمد المدني، ثقة، من (٣) (قال) أبو سلمة: (قلت له): أي لعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري (كيف سمعت أباك) أبا سعيد الخدري، حالة كونه (يذكر) ويحدّث عن رسول الله ﷺ الحديث الذي ورد (في) بيان فضل (المسجد الذي أُسس) أي وُضع وبُني (على التقوى) من الله والإخلاص له (قال) عبد الرحمن: (قال أبي) أبو سعيد الخدري ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد بصري وواحد بغدادي، وفيه التحديث والسماع والقول، ورواية تابعي عن تابعي (دخلت) يومًا (على رسول الله ﷺ وهو (في بيت بعض نسائه) أي أزواجه لم أر من ذكر اسم ذلك البعض (فقلت) له: (يا رسول الله أي المسجدين) أي أي مسجد من المسجدين مسجد المدينه ومسجد قباء هو (الذي أُسس)، وبُني (على التقوى) والإخلاص المذكور في القرآن (قال) أبو سعيد الخدري: (فأخذ) النبي ﷺ بيده الشريفة (كفًّا) أي قبضة (من حصباء فضرب به) أي بذلك المأخوذ من الحصى (الأرض، ثم قال: هو) أي المسجد الذي أُسس على التقوى (مسجدكم هذا) القريب منا، قال أبو سعيد يشير النبي ﷺ بقوله هذا (لمسجد المدينة) المسجد النبوي، قال عياض: هذا نص في أنه مسجد المدينة، وفيه رد لما يقوله بعض المفسرين إنه مسجد قباء، وضربه الأرض بالحصباء مبالغة في البيان، والحصباء الحصى الصغار، قال الأبي: ولا يقال فيه تأخير البيان لأنه لم يبينه إلا الآن لجواز تقدم البيان،

стр. 6142

قَال: فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ هكَذَا يَذكُرُهُ ــ وإنما تأخر بالنسبة إلى هذا السائل الخاص وليس التأسيس على التقوى خاصًّا بمسجد المدينة، وإنما سئل عنه من حيث ما المراد به في الآية اهـ لكن الرد على من قال من المفسرين أنه مسجد قباء ليس هينًا لأن في سياق الآية الكريمة مؤيد ذلك فإن المفسرين لم يختلفوا في أن قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ نزل في أهل قباء كما يظهر بالمراجعة لكتبهم، وقال بعضهم: كل من المسجدين مراد في الآية لأن كلًّا منهما أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه، والسر في التخصيص الواقع في جواب النبي ﷺ دفع ما توهمه السائل من اختصاص ذلك بمسجد قباء والتويه بمزية هذا على ذاك اهـ، قال حميد بن زياد الخراط: (قال) أبو سلمة بن عبد الرحمن: (فقلت) لعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري (أشهد أني سمعت أباك) أبا سعيد الخدري (هكذا) أي مثل هذا الذي ذكرته لي (يذكره) للناس ويحدّثه. قال القرطبي: قوله: (هو مسجدكم هذا لمسجد المدينة) يرد قول ابن عباس إذ قال إنه مسجد قباء قال: لأنه أول مسجد بني في الإسلام، وهذا السؤال صدر ممن ظهرت له المساواة بين مسجدين معينين لهما مزية على غيرهما من المساجد بحيث يصلح أن يقال على كل واحد منهما أُسِّسَ على التقوى، وذلك أنه رأى مسجد قباء أول مسجد بناه النبي ﷺ وأصحابه وذلك أنه لما هاجر ﷺ نزل علي بني عمرو بن عوف في قباء يوم الاثنين فأقام فيهم أيامًا وأسس فيها مسجد قباء ثم إنه ارتحل عنهم يوم الجمعة إلى بني سالم بن عوف فصلى عندهم الجمعة، وهي أول جمعة جُمعت في الإسلام، ثم إنه دخل المدينة فنزل علي بني مالك بن النجار على أبي أيوب فأسس مسجده بالمربد الذي كان للغلامين اليتيمين فاشتراه من الناظر لهم على ما تقدم في كتاب الصلاة، فلما تساوى المسجدان المذكوران في بناء النبي ﷺ وأصحابه لهما صار كل واحد من المسجدين مؤسسًا على التقوى، فلما قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] أشكل التعيين فسئل عن ذلك فأجاب بأنه مسجد المدينة فإن قيل إذا كان كل واحد منهما أُسس على التقوى فما المزية التي أوجبت تعيين مسجد المدينة (قلت): يمكن أن يقال إن بناء مسجد قباء لم يكن بأمر جزم من الله تعالى لنبيه ﷺ بل ندب إليه أوكان رأيًا رآه بخلاف مسجد المدينة فإنه أمر بذلك وجُزم عليه فأشبه امتثال الواجب فكان

стр. 6143

٣٢٦٩ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأشعَثِيُّ (قَال سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ ــ بذلك الاسم أحق أو حصل له ﷺ ولأصحابه ﵃ من الأحوال القلبية عند بنائه ما لم يحصل لهم عند غيره فكان أحق بذلك والله أعلم اهـ مفهم. ويلزم من تعيين النبي ﷺ مسجده لأن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ أن يكون الضمير في ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ عائدًا على المسجد الذي أُسس على التقوى لأنه لم يتقدمه ظاهر غيره يعود إليه الضمير وليس الأمر كذلك بدليل ما رواه أبو داود من طريق صحيح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "نزلت هذه الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] في أهل قباء لأنهم كانوا يستنجون بالماء فعلى هذا يكون الضمير في ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ غير عائد على المسجد المذكور قبله بل على مسجد قباء الذي دلت عليه الحال والمشاهدة عندهم، وأما عندنا فلولا هذا الحديث لحملناه على الأول وعلى هذا يتعين على القارئ أن يقف على ﴿فِيهِ﴾ من قوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ ويبتدئ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ليحصل به التنبيه على ما ذكرناه والله تعالى أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٨]، والترمذي [٣٠٩٩]، والنسائي [٢/ ٣٦] اهـ من المفهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٣٢٦٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وسعيد بن عمرو) بن سهل الكندي (الأشعثي) أبو عثمان الكوفي، ثقة، من (١٠) (قال سعيد: أخبرنا، وقال أبو بكر: حدثنا حاتم بن إسماعيل) العبدري مولى بني عبد الدار أبو إسماعيل المدني، صدوف، من (٨) (عن حميد) الطويل أبي عبيدة البصري، ثقة، من (٥) (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي سعيد) الخدري ﵁ (عن النبي ﷺ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة حميد الطويل لحميد الخراط وساق حميد الطويل (بمثله) أي بمثل ما حدّث حميد الخراط (و) لكن (لم يذكر) حميد الطويل

стр. 6144

عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي سَعِيدٍ فِي الإِسْنَادِ. ٣٢٧٠ - (١٣١٦) (٦٦) حدَّثنا أَبُو جَعْفَرِ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَزُورُ قُبَاءَ، رَاكِبًا وَمَاشِيًا ــ (عبد الرحمن بن أبي سعيد) الخدري (في الإسناد) أي في إسناده بل روى عن أبي سلمة عن أبي سعيد. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٣٢٧٠ - (١٣١٦) (٦٦) (حدثنا أبو جعفر أحمد بن منيع) بن عبد الرحمن الأصم البغدادي، ثقة، من (١٠) (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم الأسدي البصري المعروف بابن علية، ثقة، من (٨) (حدثنا أيوب) السختياني البصري (عن نافع عن ابن عمر) ﵄. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم بصريان وواحد مكي وواحد مدني وواحد بغدادي (أن رسول الله ﷺ كان) دائمًا (يزور قباء) أي يأتي مسجده (راكبًا) في بعض الأحيان (وماشيًا) في أخرى، وقباء بضم القاف يمد ويقصر ويذكر ويؤنث ويصرف ويمنع، موضع قرب المدينة من عواليها، وهو محل بني عمرو بن عوف من الأنصار، نزل به ﷺ أول ما هاجر وصلى فيه ثلاث ليال بمحل المسجد، ثم وضع أساسه بيده الشريفة، وأتم بناءه بنو عمرو بن عوف، وللطبراني برجال ثقات عن الشموس بنت النعمان قالت: نظرت إليه ﷺ حين قدم ونزل وأسس مسجد قباء فرأيته يأخذ الحجر أو الصخرة حتى يهصره أي يميله، وأنظر إلى التراب على بطنه وسرته فيأتي الرجل فيقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أكفيك؟ ! فيقول: "لا، خذ مثله" حتى أسسه اهـ فتح الملهم، وقوله: (يزور قباء) والمراد زيارة مسجده والصلاة فيه كما في الرواية التالية، وقباء موضع بقرب المدينة المنورة من جهة الجنوب على نحو ميلين اهـ من بعض الهوامش، وقوله: (راكبًا وماشيًا) أي تارة راكبًا وتارة ماشيًا بحسب ما تيسر له، والواو بمعنى أو. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٥٨]، والبخاري [٧٢٣٦]، والنسائي [٢/ ٣٧]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال:

стр. 6145

٣٢٧١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ، رَاكِبًا وَمَاشِيًا. فَيُصَلِّي فِيهِ رَكعَتَينِ. قَال أَبُو بَكرٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَال ابْنُ نُمَيرٍ: فَيُصَلِّي فِيهِ رَكعَتَينِ ــ ٣٢٧١ - ) (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير وأبو أسامة عن عبيد الله) بن عمر بن حفص العمري المدني (ح وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر) ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عبيد الله لأيوب (قال) ابن عمر: (كان رسول الله ﷺ يأتي مسجد قباء راكبًا وماشيًا فيصلي فيه ركعتين، قال أبو بكر في روايته: قال ابن نمير): كان رسول الله ﷺ يأتي مسجد قباء راكبًا وماشيًا (فيصلي فيه ركعتين) بزيادة الصلاة، وأما أبو أسامة فلم يذكر الصلاة كرواية أحمد بن منيع، وعبارة فتح الملهم: قوله: (قال ابن نمير) الخ أي، وقال أبو بكر بن أبي شيبة في سنده: حدثنا عبد الله بن نمير وأبو أسامة عن عبيد الله فذكره بالزيادة أي بزيادة الصلاة، ثم قال: قال ابن نمير: فيصلي فيه ركعتين إشارة إلى أنه لم يسمع هذه الزيادة من أبي أسامة، وادعى الطحاوي أنها (أي أن زيادة الصلاة) مدرجة، وأن أحد الرواة قاله من عنده لعلمه أن النبي ﷺ كان من عادته أن لا يجلس حتى يصلي اهـ، قال ابن عبد البر: اختلف في سبب إتيانه قباء، فقيل لؤيارة الأنصار، وقيل للتفرج في بساتينه، وقيل للصلاة في مسجده وهو الأشبه، قال: ولا يعارضه حديث "لا تعمل المطي إلا لثلاثة مساجد" لأن معناه عند العلماء النذر فإذا نذر أحد الثلاثة لزمه، أما إتيان مسجد قباء أو غيره تطوعًا بلا نذر فيجوز، وقال الباجي: ليس إتيان مسجد قباء من المدينة من إعمال المطي لأنه من صفات الأسفار البعيدة ولا يقال لمن خرج من داره إلى المسجد راكبًا إنه أعمل المطي ولا خلاف في جواز ركوبه إلى مسجد قريب منه في جمعة أو غيرها، ولو أتى أحد إلى قباء من بلد بعيد لارتكب النهي اهـ فتح الملهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال:

стр. 6146

٣٢٧٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى. حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ. أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأتِي قُباءٌ، رَاكِبًا وَمَاشِيًا. ٣٢٧٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني أَبُو مَعْني الرَّقَاشِيُّ زَيدُ بْنُ يَزِيدَ الثَّقَفِيُّ (بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ). حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ) عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى الْقَطَّانِ. ٣٢٧٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ ــ ٣٢٧٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا يحيى) بن سعيد القطان البصري (حدثنا عبيد الله) بن عمر العمري المدني (أخبرني نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يأتي قباء راكبًا وماشيًا) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة يحيى بن سعيد لعبد الله بن نمير وأبي أسامة، قال الأبي: قال الشيخ: الأفضل في مثل هذا المشي، وركوبه ﷺ يحتمل أنه لتعذر المشي عليه اهـ. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال: ٣٢٧٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو معن الرقاشي زيد بن يزيد الثقفي بصري ثقة) من (١١) قال: (حدثنا خالد يعني ابن الحارث) بن عبيد بن سليم الهجيمي أبو عثمان البصري، ثقة، من (٨) (عن) محمد (بن عجلان) القرشي مولاهم أبي عبد الله المدني، صدوق، من (٥) (عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ وساق خالد بن الحارث (بمثل حديث يحيى القطان) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة خالد بن الحارث ليحيى القطان في رواية هذا الحديث عن نافع ولكنها متابعة ناقصة لمخالفة شيخيهما. ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة فيه رابعًا فقال: ٣٢٧٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال: قرأت

стр. 6147

عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أن رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ، رَاكِبًا وَمَاشِيًا. ٣٢٧٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيوبَ وَقُتَيبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَال ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأتِي قُبَاءَ، رَاكِبًا وَمَاشِيًا. ٣٢٧٦ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دِينَارِ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ. وَكَانَ يَقُولُ: رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ ــ على مالك) بن أنس (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم المدني، ثقة، من (٤) (عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ كان يأتي قباء) الفصيح المشهور فيه المد والتذكير والصرف؛ وهو قريب من المدينة من حواليها كما مر أي يأتي مسجده (راكبًا وماشيًا) وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة عبد الله بن دينار لنافع، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال: ٣٢٧٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة) بن سعيد الثقفي البلخي (و) علي (بن حجر) السعدي المروزي (قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني، ثقة، من (٨) (أخبرني عبد الله بن دينار) العدوي (أنه سمع عبد الله بن عمر) ﵄ (يقول: كان رسول الله ﷺ يأتي قباء راكبًا وماشيًا) وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة إسماعيل بن جعفر لمالك بن أنس. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة سادسًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال: ٣٢٧٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن دينار أن ابن عمر كان يأتي قباء كل سبت) وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة سفيان لمن روى عن عبد الله بن دينار (وكان يقول): إذا سئل عن سبب إتيانه (رأيت النبي ﷺ يأتيه كل سبت) فأنا أحب اتباعه ﷺ خصه

стр. 6148

٣٢٧٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَن رَسُول اللهِ ﷺ كَانَ يَأْتِي قُبَاءً، يَعْنِي كُلَّ سَبْتٍ، كَانَ يَأتِيهِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا. قال ابْنُ دِينَارٍ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ ــ لأجل مواصلته لأهل قباء وتفقده لحال من تأخر منهم عن حضور الجمعة معه ﷺ في مسجده بالمدينة قاله الحافظ وغيره، وقال الزين العراقي: ومن حكمته أنه كان يوم السبت يتفرغ لنفسه ويشتغل بقية الجمعة أي الأسبوع من أول الأحد بمصالح الأمة، ومن حكمته أيضًا إرغام اليهود وإظهار مخالفتهم في ملازمة بيوتهم، قال الحافظ: وفي حديث الباب فضل قباء ومسجدها، وفضل الصلاة فيه لكن لم يثبت في ذلك مضاعفة الصلاة بخلاف المساجد الثلاثة، وروى عمر بن شبة في أخبار المدينة بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقاص قال: لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إليّ من أن آتي بيت المقدس مرتين لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل. وعند الترمذي وابن ماجه والبيهقي من حديث أسيد بن ظهير الأنصاري يرفعه "صلاة في مسجد قباء كعمرة" أي في الفضل، قال الترمذي: حسن غريب، وقال العراقي: رواته كلهم ثقات، وقال المنذري: لا نعرف لأسيد حديثًا صحيحًا غير هذا، وبذلك جزم الترمذي، ورواه أحمد وابن ماجه من حديث سهل بن حنيف مرفوعًا بلفظ "من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة" وصححه الحاكم. قال العبد الفقير: ولعل فيه إيماء إلى أن تفاوت ما بين حضور المسجد النبوي وحضور مسجد قباء كالتفاوت بين الحج والعمرة في الأجر اهـ فتح الملهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه سابعًا فقال: ٣٢٧٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه) محمد (بن أبي عمر) العدني المكي (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر) وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة ابن أبي عمر لزهير بن حرب (أن رسول الله ﷺ كان يأتي قباء يعني) ابن عمر بقوله كان يأتي قباء أنه يأتيه (كل سبت كان) النبي ﷺ (يأتيه راكبًا) يومًا (وماشيًا) في آخر (قال ابن دبنار) بالسند السابق (وكان ابن عمر يفعله) أي يفعل الإتيان بقباء كل سبت اقتداء بالنبي ﷺ .

стр. 6149

٣٢٧٨ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذكُرْ كُلَّ سَبْتٍ ــ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه ثامنًا فقال: ٣٢٧٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه عبد الله بن هاشم) بن حيان بتحتانية العبدي أبو عبد الرحمن النيسابوري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا وكيع) بن الجراح الأموي المكي (عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي (عن) عبد الله (بن دينار بهذا الإسناد) يعني عن ابن عمر عن النبي ﷺ (و) لكن (لم يذكر) سفيان الثوري لفظة (كل سبت) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة سفيان الثوري لسفيان بن عيينة. (تتمة): قال القرطبي: وفي إتيانه ﷺ قباء كل سبت دليل على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة والمداومة على ذلك، وأصل مذهب مالك كراهة تخصيص شيء من الأوقات بشيء من القرب إلا ما ورد فيه نص، وقباء بينها وبين المدينة نحو الثلاثة أميال فليست مما تشد الرحال إليها فلا يتناولها الحديث المتقدم، وكونه ﷺ يأتيها راكبًا وماشيًا إنما كان ذلك بحسب ما اتفق له، وكان تعاهده لقباء لفضيلة مسجدها ولتفقد أهلها اعتناء بهم وتشريفًا لهم، وليس في تعاهده ﷺ مسجد قباء ما يدل على إلحاق مسجدها بالمساجد الثلاثة كما ذهب إليه محمد بن مسلمة كما قدمنا. و (قباء) ملحق ببعاث لأنه من قبوت أو قبيت فليست همزته للتأنيث بل للإلحاق فلذلك صرف والله تعالى أعلم. وجملة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب ثلاثة أحاديث، الأول: حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثاني: حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث: حديث ابن عمر ذكره للاستدلال على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه ثماني متابعات. والله أعلم بالصواب، ومنه المرتجى في إكمال الآراب في تأليف الكتاب، إلى هنا تم كتاب الحج والعمرة ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة عن

стр. 6150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الخطإ والزلة في شرح السنة وحديث نبي الرحمة، وسيد الأمة نبينا وحبيبنا ومنبعنا ومشربنا وحياتنا ونورنا وشفيعنا في عرصات القيامة. اللهم يا حي يا قيوم صل وسلم أفضل الصلاة وأزكى السلام على سيدنا ومولانا محمد من أرسلته رحمة للأنام وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته السادات الكرام صلاة تحل به العقد وتفك به الكرب وتبلغ بها العبد غاية ما طلب، صلاة أرقى بها مراقي الإخلاص وأنال بها غاية الاختصاص، صلاتك التي صليت عليه دائمة بدوامك باقية ببقائك عدد ما أحاط به علمك وجرى به قلمك. في تاريخ ٢٣/ ٥ / ١٤٢٤ من الهجرة المصطفية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية آمين آمين وسلام على المرسلين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين * * *

стр. 6151

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١٦ - كتاب النكاح ــ ١٦ - كتاب النكاح والنكاح لغة: يطلق على الضم يقال تناكحت الأشجار إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض لما فيه من انضمام أحد الزوجين إلى الآخر في الاستمتاع، وعلى العقد كما في قولهم: فلان نكح فلانة أو بنت فلان أرادوا عقد عليها، وعلى الوطء كما في قولهم: نكح امرأته أو جاريته أرادوا وطئها. وشرعًا: عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح أو تزويج أو ترجمته. وأركانه خمسة زوج، وزوجة، وولي، وشاهدان، وصيغة. والنكاح من الشرائع القديمة المستمرة فإنه شرع من لدن أبينا آدم ﵇ واستمر حتى في الجنة فإنه يجوز للإنسان النكاح في الجنة وهو من خاصية الإنسان وفائدته في الدنيا حفظ النسل وتفريغ ما يضر حبسه من المني واستيفاء اللذة والتمتع وهذه هي التي تبقى في الجنة اهـ بيجوري. ونقل الثعالبي عن بعضهم أنه قال: النكاح فرح شهر، وغم دهر، وغرم مهر، ودق ظهر. وفائدته حفظ النسل وتفريغ ما يضر حبسه واستيفاء اللذة والتمتع وهذه هي التي في الجنة اهـ شرح م ر. (فائدة): ذكر ابن عبد السلام أنه كان في شريعة موسى ﵇ جواز النساء من غير حصر تغليبًا لمصلحة الرجال، وفي شريعة عيسى ﵇ أنه لا يجوز غير واحدة تغليبًا لمصلحة النساء وراعت شريعة نبينا محمد ﷺ مصلحة النوعين، والحكمة في أن موسى ﵇ غلب مصلحة الرجال أن فرعون كان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم فناسب أن يغلب في شريعته مصلحة الرجال لقلتهم وكثرة النساء، والحكمة في أن عيسى ﵇ غلب مصلحة النساء أنه خُلق من أمه بلا أب

стр. 6152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فناسب أن يغلب في شريعته مصلحة النساء لكونها نوع أصله الذي هو أمه، والحكمة في تخصيص الأربع في هذه الشريعة المحمدية أن الشخص له طبائع أربع وأن المقصود من النكاح الألفة والمؤانسة وذلك يفوت بالزيادة على الأربع دون الاقتصار على الأربع لأنه إذا دار عليهن بالقسم فإنه يغيب عن كل واحدة منهن ثلاث ليال وهي مدة قريبة مغتفرة شرعًا في كثير من الأبواب اهـ من البيجوري على الغزي. * * *

стр. 6153

٥٢٥ - (١١) باب الترغيب في النكاح وكراهية التبتل ودفع ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة ٣٢٧٩ - (١٣١٧) (٦٧) حدَّثنا يَحيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ الْهَمْدَانِيُّ. جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاويةَ (وَاللًّفْظُ لِيَحْيَى). أَخبَرَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبرَّاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللهِ بِمِنًى. فَلَقِيَهُ عُثمَانُ. فَقَامَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ. فَقَال لَهُ عُثمَانُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَلا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً شَابَّةً ــ ٥٢٥ - (١١) باب الترغيب في النكاح وكراهية التبتل ودفع ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة ٣٢٧٩ - (١٣١٧) (٦٧) (حدثنا يحيى بن يحيى التميمي) النيسابوري (وأبو بكر بن أبي شيبة و) أبو كريب (محمد بن العلاء الهمداني) الكوفي (جميعًا عن أبي معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي (واللفظ) الآتي (ليحيى أخبرنا أبو معاوية) وفي بعض النسخ: (واللفظ ليحيى قال): أي يحيى أخبرنا أبو معاوية (عن الأعمش عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي (عن علقمة) بن قيس النخعي الكوفي وهو من أصحاب ابن مسعود، قال الحافظ: وهذا الإسناد مما ذكر أنه أصح الأسانيد، وهو رواية الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود (قال) علقمة: (كنت أمشي مع عبد الله) بن مسعود ﵁ (بمنى) في أيام الموسم، قال الحافظ: كذا وتع لفظ (بمنى) في أكثر الروايات، وفي رواية زيد بن أبي أنيسة عن الأعمش عند ابن حبان (بالمدينة) وهي شاذة، والصواب ما هنا بلفظ بمنى. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا يحيى بن يحيى (فلقيه) أي لقي ورأى (عثمان) بن عفان عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما (فقام) عثمان بن عفان (معه) أي مع عبد الله بن مسعود حال كون عثمان (يحدّثه) أي يحدّث مع عبد الله (فقال له): أي لعبد الله (عثمان) في تحدّثه معه (يا أبا عبد الرحمن) كنية ابن مسعود (ألا) بالتخفيف حرف عرض؛ وهو الطلب برفق ولين، أو حرف تحضيض بمعنى هلا بالتشديد وهو الطلب بحث وإزعاج كما هو مقرر في علم النحو أي هلا (نزوجك) لعل عثمان رأى به قشفًا ورثاثة هيئة فحمل ذلك على فقده الزوجة التي ترفهه قاله الحافظ: (جارية) أي بنتًا (شابة) يؤخذ منه أن

стр. 6154

لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ. قَال: فَقَال عَبْدُ اللهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ قَال لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشبَابِ! ــ معاشرة الزوجة الشابة تزيد في القوة والنشاط بخلاف عكسها فبالعكس كذا في الفتح، قال النووي: فيه استحباب نكاح الشابة لأنها المحصلة لمقاصد النكاح فإنها ألذ استمتاعًا وأطيب نكهة وأرغب في الاستمتاع الذي هو مقصود النكاح وأحسن عشرة وأفكه محادثة وأجمل منظرًا وألين ملمسًا وأقرب إلى أن يعوِّدها زوجها الأخلاق التي يرتضيها اهـ (لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك) قال النووي: أي تذكر بها ما مضى من قوة شبابك فإن ذلك ينعش البدن، ويحتمل كون لعل على بابها ومعناها الأصلي من الترجي، ويحتمل كونها للتعليل، وأُخبرت عن بعض شيوخنا أنه قال: كنت أظن أني عجزت عن النساء فلما تزوجت الصغيرة وجدت في نفسي من النشاط ما كنت أعهده في الصغر، قال القرطبي: إنما قال له ذلك لأنه كان قد قلّت رغبته في النساء إما لاشتغاله بالعبادة أو للسن أو لهما (قلت): فعلى أنه للسن ففيه جواز نكاح ذي السن البكر، ويأتي الكلام على ذلك في حديث جابر إن شاء الله تعالى كذا في شرح الأبي رحمه الله تعالى (قال) علقمة بن قيس: (فقال عبد الله) بن مسعود لعثمان رضي الله تعالى عنهما (لئن قلت ذاك) أي تزويجكم إياي (لقد) حضنا رسول الله ﷺ عليه حين (قال لنا رسول الله ﷺ يا معشر الشباب) اجتمع في الكلام القسم والشرط فيكون الجواب للمقدم منهما وهو القسم هنا، ويقدر الجواب للشرط واللام الثانية مؤكدة للأولى، والتقدير والله لئن حضضتني على ذلك التزوج فقد حضنا عليه رسول الله ﷺ حين قال: "يا معشر الشباب .. " الخ إن قلت ذلك فقد طابق كلامك سنة الرسول ﷺ وحينئذٍ فجوابه مطابق لما أرشد إليه عثمان، وكان الشيخ ابن عرفة يقول: إنما هو رد عليه، والمعنى أنه يحض على ذلك من هو في سن الشبيبة لا مَنْ في سِنِّ الشيخوخة، وقال الحافظ أجابه بالحديث فاحتمل أن يكون لا أرب له فيه فلا يوافقه واحتَمل أن يكون وافقه وإن لم ينقل ذلك اهـ. المعشر هم الطائفة الذين يشملهم وصف فالشباب معشر والشيوخ معشر، والشباب جمع شاب ولم يُجمع فاعل على فعال غيره ويجمع أيضًا على شيبة وشبان بضم أوله وتشديد الموحدة كفارس وفرسان وأصله الحركة والنشاط، وقال النووي: والشاب عند أصحابنا هو من بلغ ولم يجاوز الثلاثين سنة، وقال القرطبي: يقال له: حدث إلى ست عشرة ثم شاب إلى اثنين

стр. 6155

مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ. فإنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ــ وثلاثين ثم كهل وكذا ذكره الزمخشري، وقال ابن شاس المالكي في الجواهر: إلى أربعين، وإنما خص الشباب بالخطاب لأن الغالب وجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح بخلاف الشيوخ وإن كان المعنى معتبرًا إذا وجد السبب في الكهول والشيوخ أيضًا (من استطاع منكم الباءة) أي من قدر منكم الباءة أي مؤن النكاح أي من وجد منكم ما يتزوج به من مهر ونفقة يوم وليلة، وكذا كسوة إذ الخطاب للقادرين على الفعل وإلا لم يستقم قوله: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم"، وفي الباءة أربع لغات الفصيحة المشهورة منها (الباءة) بالمد والهاء، والثانية (الباة) بلا مد، والثالثة (الباء) بالمد بلا هاء، والرابعة (الباهة) بهاءين بلا مد، قال الخطابي: المراد بالباءة النكاح، وأصله الموضع الذي يتبوؤه ويأوي إليه، وقال المازري: اشتق العقد على المرأة من أصل الباءة لأن من شأن من يتزوج المرأة أن يبوأها منزلًا، وقال النووي: اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما أن المراد معناها اللغوي وهو الجماع، تقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح (فليتزوج) ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء ولا ينفكون عنها غالبًا، والقول الثاني أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح سميت باسم ما يلازمها تقديره من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع فليصم لدفع شهوته (فإنه) أي فإن التزوج (أغض للبصر) أي أشد غضًا لها أي أخفض وأدفع لعين المتزوج عن الأجنبية من غض طرفه إذا خفضه وكفه (وأحصن للفرج) أي أشد إحصانًا له ومنعًا من الوقوع في الفاحشة أي أحفظ لوقوع الفرج في الحرام، وما ألطف ما وقع لمسلم حيث ذكر عقب حديث ابن مسعود هذا بيسير حديث جابر رفعه "إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يرد ما وقع في نفسه" فإن فيه إشارة إلى المراد من حديث الباب، وقال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون أفعل على بابها فإن التقوى سبب لغض البصر وتحصين الفرج، وفي معارضتها الشهوية الداعية وبعد حصول التزوج يضعف هذا العارض فيكون أغض وأحصن مما لم يكن لأن وقوع الفعل مع ضعف الداعي أندر من وقوعه مع وجود الداعي، ويحتمل أن يكون أفعل فيه لغير المبالغة بل إخبار عن الواقع فقط، وفيه الحث على كض البصر وتحصين الفرج بكل

стр. 6156

وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ. فَإنَّهُ لَهُ وجَاءٌ" ــ ممكن وعدم التكليف بغير المستطاع، ويؤخذ منه أن حظوظ النفس والشهوات لا تتقدم على أحكام الشرع بل هي دائرة معها كذا في الفتح (ومن لم يستطع) الباءة أي ومن لم يجد ما يتزوج به من مؤن النكاح (فعليه بالصوم) أي فليلزم الصوم، قال عياض: ليس فيه إغراء الغائب بل الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم أولًا بقوله من استطاع منكم فالهاء في قوله فعليه ليست لغائب وإنما هي للحاضر المبهم إذ لا يصح خطابه ونظير هذا قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى أن قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ﴾ ومثله لو قلت للاثنين من قام منكما فله درهم، فالهاء للمبهم من المخاطبين لا لغائب اهـ ملخصًا، وقد استحسنه القرطبي، قال الدهلوي: واعلم أن المني إذا كثر تولده في البدن صعد بخاره إلى الدماغ فحبب إليه النظر إلى المرأة الجميلة وشغف قلبه حبها ونزل قسط منه إلى الفرج فحصل الشبق واشتدت الغلمة وأكثر ما يكون ذلك في وقت الشباب وهذا يعني التزوج حجاب عظيم من حجب الطبيعة يمنعه من الإمعان في الاستحسان الذي يهيجه إلى الزنا ويفسد عليه الأخلاق ويوقعه في مهالك عظيمة من فساد ذات البين فوجب عليه إرخاء هذا الحجاب، فمن استطاع الجماع وقدر عليه بان تيسرت له مثلًا امرأة على ما تأمر به الحكمة وقدر على نفقتها فلا أحسن له من أن يتزوج فإن التزوج أغض للبصر وأحصن للفرج من حيث إنه سبب لكثرة إفراغ المني ومن لم يستطع ذلك فعليه بالصوم فإن سرد الصوم له خاصية في كسر سورة الطبيعة وكبحها عن غلائها لما فيه من تقليل مادتها فيتغير به كل خلق فاسد نشأ من كثرة الأخلاط اهـ (فإنه) أي فإن الصوم (له) أي للعاجز عن الباءة (وجاء) بوزن كتاب أي خصاء لما فيه من الجوع وتقليل الأكل مما يزيد في الشهوة وطغيان الماء أي كالوجاء له ففي الكلام تشبيه بليغ، والوجاء مصدر وجا يوجأ من باب نفع؛ وهو رض عروق البيضتين حتى تنفضخا من غير إخراج، ويقال كبش موجوء إذا رضت عروق البيضتين كما في المصباح، قال أبو عبيد: الوجاء بكسر الواو رض الأُنثيين؛ والمعنى أن الصوم يقطع شهوة النكاح كما يقطعها الوجاء يقال وجئ الفحل وجاء إذا رضت خصيتاه، وقال غيره: الوجاء أن توجا العروق والخصيتان قائمتان على حالهما، والخصاء شق الخصيتين واستئصالهما أي إلقاؤهما، والجب أن تحمي الشفرة ثم يستأصل بها الخصيتان، قال الخطابي: وفي الحديث جواز معالجة الشهوة بالأدوية، ودليل على أن مقصود النكاح الوطء، قال ابن بزيزة: فيما قاله نظر فإن

стр. 6157

٣٢٨٠ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عُثمَانُ بن أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبرَاهِيمَ، عَنْ عَلقَمَةَ، قَال: إِنِّي لأَمشِي مَعَ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ بِمِنًى. إِذْ لَقِيَهُ عُثْمَانُ بن عَفَّانَ. فَقَال: هَلُمَّ، يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَال: فَاستَخْلاهُ. فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللهِ أَنْ لَيسَت لَهُ حَاجَةٌ ــ لقائل أن يقول: قطعه بالصوم فيه قطع عبادة بعبادة بخلاف قطعه بالعلاجات الطبية اهـ من الأبي. وشارك المؤلف في روابة هذا الحديث أحمد [١/ ٤٣٢]، والبخاري [٥٠٦٦]، وأبو داود [٢٠٤٦]، والترمذي [١٠٨١]، والنسائي [٤١/ ١٦٩]، وابن ماجه [١٨٤٥]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن مسعود ﵁ فقال: ٣٢٨٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي ثقة، من (٨) (عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال) علقمة: (إني لأمشي مع عبد الله بن مسعود بمنى إذ لقيه عثمان بن عفان) وإذ فجائية واقعة في جواب بينما المقدرة تقديره بينما أوقات مشيي مع عبد الله بن مسعود في منى فاجأه لقاء عثمان بن عفان. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة جرير بن عبد الحميد لأبي معاوية، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون واجتماع ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض (فقال) عثمان بن عفان لعبد الله بن مسعود: (هلم) أي أقبل إليّ (يا أبا عبد الرحمن قال) علقمة: (فاستخلاه) عثمان أي فخلا عثمان بعبد الله، فيه دليل على استحباب الإسرار بمثل هذا فإنه مما يستحيى من ذكره بين الناس قاله النووي، وفي صحيح البخاري فقال: يا أبا عبد الرحمن إن لي إليك حاجة فخليا، وفي رواية الأصيلي: فخَلَوَا، قال ابن التين: وهو الصواب لأنه ناقص واوي يعني من الخلوة مثل دعوا قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ﴾ قال علقمة: (فلما رأى) وعرف (عبد الله) بن مسعود (أن) مخففة من الثقيلة؛ أي أنه (ليست له) أي لعثمان إليه (حاجة) إلا هذا الترغيب في النكاح زاد في البخاري (إلى هذا) قال العيني: فلما رأى عبد الله برفع عبد الله أن ليس له أي لعثمان حاجة إلا هذا أي الترغيب، ويروى بنصب عبد الله أي فلما رأى عثمان عبد الله أن ليس له حاجة إلى هذا أي الزواج، ومن هنا جاءت كلمة إلا

стр. 6158

قَال: قَال لِي: تَعَال يَا عَلقَمَةُ. قَال: فَجِئْتُ. فَقَال لَهُ عُثمَانُ: أَلا نُزَوِّجُكَ، يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! جَارِيَةً بِكرًا. لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَيكَ مِنْ نَفْسِكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟ ــ التي هي أداة الاستثناء وكلمة إلى التي هي حرف جر فالمعنى على الوجه الأول على كلمة إلا وفي الوجه الثاني على كلمة إلى (قلت) وفي رواية زيد بن أبي أنيسة عند ابن حبان ما يشرح هذا الكلام حيث قال: (فلقي عثمان فأخذ بيده فقاما وتنحيت عنهما، فلما رأى عبد الله أنه ليست له حاجة يسرها قال: ادن علقمة، فانتهيت إليه، وهو يقول: ألا نزوجك) فالظاهر أن عبد الله فاعل رأى، والضمير في ليست له عائد على عثمان يعني لما رأى عبد الله بن مسعود أن ليست لعثمان حاجة إلا الترغيب في النكاح وهو ليس مما يحتاج إلى الإسرار والتخلية قال: ادن يا علقمة فكان هذا القول وقع في مقابلة قول عثمان حين استخلاه: إن لي إليك حاجة والله أعلم اهـ من فتح الملهم (قال) علقمة: (قال لي) عبد الله: (تعال) هلم إليّ (يا علقمة قال) علقمة: (فجئت) إلى عبد الله (فقال له) أي لعبد الله (عثمان ألا نزوجك يا أبا عبد الرحمن جارية) أي بنتًا (بكرًا) هكذا هو في رواية زيد المذكورة آنفًا أن مراجعة عثمان لابن مسعود في أمر التزويج كانت بعد استدعائه لعلقمة، ووقع في رواية البخاري: فانتهيت إليه وهو يقول: أما لئن قلت ذلك، لقد قال لنا النبي ﷺ : "يا معشر الشباب .. " الحديث، وهذا يشعر بأن مراجعة عثمان كانت قبل استدعائه لعلقمة، قال الحافظ: ويحتمل في الجمع بين الروايتين أن يكون عثمان أعاد على ابن مسعود ما كان قال له بعد أن استدعى علقمة لكونه فهم منه إرادة إعلام علقمة بما كانا فيه اهـ (قلت): ظاهر سياق البخاري لا يساعد هذا الجمع إلا بالتكلف والله أعلم اهـ فتح الملهم، قوله: (بكرًا) بدل من جارية في الرواية الأولى، والبكر الذي لم يتزوج من الرجال والنساء يقال رجل بكر، وامرأة بكر بكسر الباء، والبكر بالكسر أيضًا أول الأول كما قال الشاعر: يا بِكْرَ بِكْرَينِ ويا خِلْبَ الكَبِد ... أصبَحْتَ مِنِّي كَذِرَاعٍ مِنْ عَضُد وفي مقابلة البكر الأيم، والجارية هنا المعصر وما قارب ذلك، والمعصر هي التي بلغت عصر شبابها وأدركت كما في اللسان اهـ مفهم (لعله) أي لعل الشأن والحال (يرجع إليك من نفسك ما كنت تعهد) وفي رواية لعله يرجع إليك ما كنت تعهد من نفسك أي تعرفه من نفسك من النشاط والرغبة في النساء، وكان عبد الله قد قلَّت رغبته في

стр. 6159

فَقَال عَبْدُ اللهِ: لَئِنْ قلْتَ ذَاكَ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاويةَ. ٣٢٨١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. قَال: قَال لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشَبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ. فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ. فَإِنَّهُ لَهُ وجَاءٌ". ٣٢٨٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأعمَشِ، ــ النساء إما للاشتغال بالعبادة، واما لكبر السن، وإما لمجموعهما فحركه عثمان بذلك (فقال عبد الله: لئن قلت ذاك فذكر) جرير (بمثل حديث أبي معاوية) السابق آنفًا. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن مسعود ﵁ فقال: ٣٢٨١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب (قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير) التيمي الكوفي، ثقة، من (٤) روى عنه في (٥) أبواب (عن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة، من كبار (٣) (عن عبد الله) بن مسعود. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون، وفيه ثلاثة من الأتباع، غرضه بيان متابعة عبد الرحمن بن يزيد لعمه علقمة بن قيس (قال) عبد الله: (قال لنا رسول الله ﷺ : يا معشر الشباب من استطاع منكم) أي من وجد منكم (الباءة) أي مؤن النكاح (فليتزوج) حمل الجمهور الأمر فيه على الندب لأن التزوج أمر مندوب إليه مرغب فيه، وحمله داود ومن وافقه على الوجوب لأنه الظاهر من الأمر والواجب عندهم العقد لا الدخول فإنه إنما يجب عندهم مرة في العمر (فإنه) أي فإن التزوج (أغض للبصر) أي أخفض وأدفع لعين المتزوج عن الأجنبية (وأحصن للفرج) أي أحفظ له من الوقوع في الحرام (ومن لم يستطع) أي مؤن الباءة (فعليه بالصوم فإنه له وجاء) أي خصاء أي كالوجاء. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه ثالثًا فقال: ٣٢٨٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير) بن عبد الحميد (عن

стр. 6160

عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ. قَال: دَخَلْتُ أَنَا وَعَمِّي عَلْقَمَةُ وَالأسوَدُ، عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودِ. قَال: وَأَنَا شَابٌّ يَؤمَئِذٍ. فَذَكَرَ حَدِيثا رُئيتُ أَنهُ حَدَّثَ بِهِ مِنْ أَجْلِي. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاويةَ. وَزَادَ. قَال: فَلَمْ أَلْبَثْ حَتَّى تَزَوَّجْتُ. ٣٢٨٣ - (٠٠) (٠٠) حدّثني عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الأَشَجُّ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ــ الأعمش عن عمارة بن عمير) التيمي الكوفي (عن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس (قال) عبد الرحمن: (دخلت أنا وعمي علقمة) بن في (و) أخي (الأسود) بن يزيد بن قيس، قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ وهو الصواب، قال القاضي: ووقع في بعض الروايات: (أنا وعماي علقمة والأسود) وهو غلط ظاهر لأن الأسود أخو عبد الرحمن بن يزيد لا عمه وعلقمة بن في عمهما جميعًا لأنه أخو يزيد بن قيس والدهما؛ أي دخلنا (على عبد الله بن مسعود) ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم كوفيون، وفيه ثلاثة من التابعين أيضًا، غرضه بيان متابعة جرير لأبي معاوية (قال) عبد الرحمن بن يزيد (وأنا شاب يومئذٍ) أي يوم إذ دخلنا على عبد الله بن مسعود (فذكر) لنا عبد الله بن مسعود معطوف على جملة دخلت، وما قبله جملة معترضة أي حدّث لنا عبد الله بن مسعود (حديثًا رُئيت) على صيغة المجهول، والمعنى على صيغة المعلوم، قال النووي: هكذا هو في كثير من النسخ، وفي بعضها رأيت وهما صحيحان الأول من الظن والثاني من العلم اهـ أي فذكر حديثًا ظننت (أنه حدَّث به) أي بذلك الحديث (من أجلي) أي لأجلي أي لأجل حثي على التزوج (قال) عبد الله بن مسعود، وجملة القول تفسير لجملة ذكر (قال رسول الله ﷺ : الحديث السابق وساق جرير (بمثل حديث أبي معاوية و) لكن (زاد) جرير (قال) عبد الرحمن بن يزيد: (فلم ألبث) أي لم أمكث بعد ذلك اليوم زمنًا طويلًا (حتى تزوجت) أي فتزوجت على الفور. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه رابعًا فقال: ٣٢٨٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثني عبد الله بن سعيد) بن حصين الكندي (الأشج) أبو سعيد الكوفي، ثقة، من (١٠) (حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله) بن مسعود ﵁. وهذا السند من سداسياته،

стр. 6161

قَال: دَخَلنَا عَلَيهِ وَأَنَا أَحْدَثُ الْقَوْمِ. بِمِثلِ حَدِيثِهِمْ. وَلَم يَذْكُرْ: فَلَم أَلبَثْ حَتَّى تَزَوَّجْتُ. ٣٢٨٤ - (١٣١٨) (٦٨) وحدّثني أَبُو بَكرِ بْنُ نَافِع الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَن نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ــ غرضه بيان متابعة وكيع لجرير وأبي معاوية في الرواية عن الأعمش (قال) عبد الرحمن: (دخلنا) نحن معاشر الثلاثة يعني نفسه وعمه وأخاه (عليه) أي على ابن مسعود (وأنا) أي والحال أني (أحدث القوم) أي أصغرهم سنًّا لأنه كان شابًا كما في الرواية السابقة وساق وكيع (بمثل حديثهم). الصواب (بمثل حديثهما) أي بمثل حديث جرير وأبي معاوية عن الأعمش (و) لكن (لم يذكر) وكيع لفظة (فلم ألبث حتى تزوجت) أي فما أبطأت حتى تزوجت أي لم يتأخر تزويجي عن ذلك بكثير. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن مسعود بحديث أنس ﵄ فقال: ٣٢٨٤ - (١٣١٨) (٦٨) (وحدثني أبو بكر) محمد بن أحمد (بن نافع العبدي) البصري ثقة، من (١٠) (حدثنا بهز) بن أسد العمي نسبة إلى بني عم بن مرة بن وائل أبو الأسود البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي مولاهم أبو سلمة البصري، ثقة، من (٨) (عن ثابت) بن أسلم بن موسى البناني مولاهم أبي محمد البصري، ثقة، من (٤) (عن أنس) بن مالك الأنصاري البصري ﵁. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون (أن نفرًا) أي جماعة (من أصحاب النبي ﷺ كذا في رواية ثابت، وفي رواية حميد الطويل عند البخاري جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ ، قال الحافظ: ولا منافاة بينهما فالرهط من ثلاثة إلى عشرة، والنفر من ثلاثة إلى تسعة وكل منهما اسم جمع لا واحد له من لفظه، ووقع في مرسل سعيد بن المسيب عند عبد الرزاق أن الثلاثة المذكورين هم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون، وعند ابن مردويه من طريق الحسن العدني كان علي في أناس ممن أرادوا أن يحرِّموا الشهوات فنزلت الآية التي في المائدة، ووقع في أسباب الواحدي بغير إسناد أن

стр. 6162

سَالُوا أَزواجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ في السرِّ؟ فَقَال بَعْضُهُم: لَا أتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. وَقَال بعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ. وَقَال بَعْضُهُمْ: لَا أنَامُ عَلَى فِرَاشٍ. فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ فَقَال: "مَا بَال أَقْوَامٍ ــ رسول الله ﷺ ذكّر الناس وخوّفهم فاجتمع عشرة من الصحابة؛ وهم أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبو ذر وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد وسلمان وعبد الله بن عمرو بن العاص ومعقل بن مقرن في بيت عثمان بن مظعون، فاتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفراش ولا يأكلوا اللحم ولا يقربوا النساء ويجبُّوا مذاكيرهم فإن كان هذا محفوظًا احتمل أن يكون الرهط الثلاثة هم الذين باشروا السؤال فنُسب ذلك إليهم بخصوصهم تارة وتارة للجميع لاشتراكهم في طلبه ويؤيد أنهم كانوا أكثر من ثلاثة في الجملة ما روى مسلم من طريق سعد بن هشام: أنه قدم المدينة فأراد أن يبيع عقاره فيجعله في سبيل الله ويجاهد للروم حتى يموت، فلقي ناسًا بالمدينة فنهوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطًا ستة أرادوا ذلك في حياة رسول الله ﷺ فنهاهم فلما حدّثوه ذلك راجع امرأته وكان قد طلقها يعني بسبب ذلك، لكن في عدِّ عبد الله بن عمرو معهم نظر لأن عثمان بن مظعون مات قبل أن يهاجر عبد الله فيما أحسب اهـ فتح الملهم. (سالوا أزواج النبي ﷺ عن عمله) أي عن عبادته ﷺ (في السر) أي في البيت، والمراد معرفة قدر عادة وظائفه في كل يوم وليلة حتى يفعلوا ذلك كذا في المرقاة، فلما سمعوا منهن عمله ﷺ استقلوا أعمالهم (فقال بعضهم): هو عثمان بن مظعون اهـ من مبهمات مسلم (لا أتزوج النساء) لأنه شاغل عن كمال الجد في العبادة أي ولا واحدة منهن فإنه لفظ عام بخلاف قول الرجل: لا أتزوج نساء، فإنه جمع منكر، وحكمه كما بُيّن في محله أن يتناول الثلاثة وأكثر فلا تدخل فيه الواحدة ولا الثنتان، قال الأبي: يحتمل أن ذلك زهد منه عن الدنيا (وقال بعضهم): هو عبد الله بن عمرو بن العاص كما في مبهمات مسلم (لا آكل اللحم) لأنه يقوي البدن فلا يأمن الإنسان أن يزداد ميلًا إلى الشهوات وكسلًا عن الطاعات، قال الأبي: يحتمل أنه كناية عن الزهد عمومًا أو في المستلذات فقط (وقال بعضهم): هو أبو هريرة (لا أنام على فراش) يريد ترك النوم على وجه النعومة، لا تركه بالكلية فإنه لم يقل لا أنام (فـ) ـلما سمع رسول الله ﷺ خبرهم هذا (حمد الله) (وأثنى عليه فقال: ما بال أقوام) أي ما

стр. 6163

قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ. وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ. وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي" ــ حال رجال (قالوا: كذا وكذا) كره رسول الله ﷺ قولهم ولم يعيّن قائلهم لئلا يحصل توبيخ في الملإ، وفي رواية البخاري فجاء إليهم رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا" قال الحافظ: ويُجمع بأنه منع من ذلك عمومًا جهرًا مع عدم تعيينهم كما في رواية مسلم ثم خصوصًا فيما بينه وبينهم رفقًا بهم وسترًا لهم كما في رواية البخاري و (لكني أصلي) بعض الليل (وأنام) بعضه، وفي رواية البخاري: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكن أصوم وأفطر" قال الحافظ: فيه إشارة إلى رد ما بنوا عليه أمرهم من أن المغفور له لا يحتاج إلى مزيد في العبادة، بخلاف غيره فأعلمهم أنه مع كونه لا يبالغ في التشديد في العبادة أخشى لله وأتقى من الذين يشددون، وإنما كان كذلك لأن المشدد لا يأمن من الملل بخلاف المقتصد فإنه أمكن لاستمراره وخير العمل ما دام عليه صاحبه، قال: وفيه إشارة إلى أن العلم بالله ومعرفة ما يجب من حقه أعظم قدرًا من مجرد العبادة البدنية والله أعلم اهـ، قال القاري: قوله: (لكني) الخ استدراك على محذوف تقديره: أما أنا فاخشاكم لله وأتقاكم له، فينبغي على زعمكم أو في الحقيقة أن أقوم في الرياضة إلى أقصى مداه لكن أقتصد وأتوسط فيها فأصلي بعض الليل وأنام في بعضه (وأصوم) في وقت (وأفطر) في آخر، قال الأبي: رحمه الله تعالى في جواب من قال: لا آكل اللحم، وبيان مطابقته أنه جعل قوله: لا آكل اللحم كناية عن إدامة الصوم فقال في الرد عليه: لكني أصوم وأفطر، والمطابقة في غيره واضحة (وأتزوج النساء) ولا أزهد فيهن، وكمال الرجل أن يقوم بحقهن مع القيام بحقوق الله تعالى والتوكل عليه والتفويض إليه وهذا كله لتقتدي بي الأمة (فمن رغب) وأعرض (عن سنتي) وطريقتي يعني من تركها إعراضًا عنها غير معتقد لها على ما هي عليه (فليس مني) أي من أهل هديي، قال الحافظ: المراد بالسنة الطريقة لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التزموه، وطريقة النبي ﷺ هي الحنفية السمحة فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل، وقوله: (فليس مني) إن كانت الرغبة بضرب

стр. 6164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من التأويل يعذر صاحبه فمعنى فليس مني أي على طريقتي ولا يلزم أن يخرج من الملة، وإن كان إعراضًا وتنطعًا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله، فمعنى فليس مني أي على ملتي لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر، قال القرطبي: وما دلت عليه الأحاديث من راجحية النكاح هو أحد القولين وهذا حين كان في النساء المعونة على الدين والدنيا وقلة التكلف والشفقة على الأولاد، وأما في هذه الأزمنة فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن النسوان فوالله الذي لا إله إلا هو لقد حلت العُزبة والغزلة، بل ويتعين الفرار منهن ولا حول ولا قوة إلا بالله اهـ. (قلت): وهذا الذي قاله القرطبي بالنظر إلى ما يناسب مع ظروفه وزمانه وإلا ففي كل زمان نساء مؤمنات صالحات طيبات مساعدات على الدين والدنيا والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٢٤١]. والبخاري [٥٠٦٣]، والنسائي [٦٠/ ٦]. تتمة: قال القرطبي: وقد ذكر البخاري حديث أنس هذا على سياق أحسن من سياق مسلم وأتم فقال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته فلما أُخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ ؟ ! قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم القائلون كذا، أما إني والله لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". (قلت): فهؤلاء القوم حصل عندهم أن الانقطاع عن ملاذ الدنيا من النساء والطيب من الطعام والنوم والتفرغ لاستغراق الأزمان بالعبادات أولى فلما سألوا عن عمل رسول الله ﷺ وعبادته ولم يدركوا من عبادته ما وقع لهم أبدوا بينهم وبين النبي ﷺ بأنه مغفور له، ثم أخبر كل واحد منهم بما عزم على فعله فلما بلغ ذلك النبي ﷺ أجابهم بأن ألغى الفارق بقوله: (إني أخشاكم لله) وتقرير ذلك إني وإن كنت مغفورًا لي فخشية الله وخوفه يحملني على الاجتهاد وملازمة العبادة لكن طريق العبادة ما أنا عليه فمن رغب وتركه فليس على طريقي في العبادة. (قلت): ويوضح هذا المعنى ويبينه أن عبادة الله إنما هي امتثال أوامره الواجبة

стр. 6165

٣٢٨٥ - (١٣١٩) (٦٩) وحدَّثنا أَبُو بَكرِ بن أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بن المُبَارَكِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ مُحَمَّدُ بن العَلاءِ ــ والمندوبة واجتناب نواهبه المحظورة والمكروهة وما من زمان من الأزمان وإلا وتتوجه على المكلف فيه أوامر أو نواهٍ فمن قام بوظيفة كل وقت فقد أدى العبادة وقام بها فإذا قام الليل مصليًا فقد قام بوظيفة ذلك الوقت، فإذا احتاج إلى النوم لدفع ألم السهر ولتقوية النفس على العبادة ولإزالة تشويش مدافعة النوم المشوشة للقراءة أو لإعطاء الزوجة حقها من المضاجعة كان نومه ذلك عبادة لصلاته، وقد بين هذا المعنى سلمان الفارسي لأبي الدرداء بقوله: (لكني أقوم وأنام وأحتسب في نومتي ما أحتسبه في قومتي) وكذلك القول في الصيام، وأما التزوج فيجري فيه مثل ذلك وزيادة نية تحصين الفرج والعين وسلامة الدين وتكثير نسل المسلمين وبهذه القصود الصحيحة تتحقق فيه العبادات العظيمة، ولذلك اختلف العلماء في أي الأمرين أفضل التزويج أم التفرغ منه للعبادة كما هو معروف في مسائل الخلاف؟ وبالجملة فما من شيء من المباحات المستلذات وغيرها إلا ويمكن لمن شرح الله صدره أن يصرفه إلى باب العبادات والطاعات بإخطار معانيها بباله وقصد نية التقرب بها كما قد نص عليه المشايخ في كتبهم كالحارث المحاسبي وغيره، ومن فهم هذا المعنى وحصله تحقق أن النبي ﷺ قد حل من العبادات أعلاها لانشراح صدره وحضور قصده ولعلمه بحدود الله وما يقرب منه ولما لم ينكشف هذا المعنى للنفر السائلين عن عبادته استقلوها بناء منهم على أن العبادة إنما هي استفراغ الوسع في الصلاة والصوم والانقطاع عن الملاذ، وهيهات بينهما، ما بين الثريا والثرى وسهيل والسها (بضم السين وبالقصر؛ كويكب صغير خفي في بنات نعش الصغرى والناس يمتحنون به أبصارهم) اهـ اللسان، وعند الوقوف على ما أوضحناه من هذا الحديث يتحقق أن فيه ردًّا على غلاة المتزهدين وعلى أهل البطالة من المتصوفين إذ كل فريق منهم قد عدل عن طريقه وحاد عن تحقيقه والله أعلم اهـ من المفهم. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن مسعود بحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهما فقال: ٣٢٨٥ - (١٣١٩) (٦٩) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي المروزي، ثقة، من (٨) (ح وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء)
следующие страницы →