Полный текст (11 982 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.
стр. 6476
٣٥١٠ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَمْرُو النَّاقِدُ. حَدُّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ. حَدَّثَنَا زُهَيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا شَرِيكٌ. كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ،
ــ
حكمه بخلاف الحقوق الثابتة وتلك لا يرجع في شيء منها من أسقطها مثل ما يترتب في الذمم أو في الأبدان وهذا أحد قولي مالك، وقيل يلزم ذلك دائمًا اهـ مفهم. قوله: (فلما كبرت) من باب فرح، أي زاد سنها (جعلت يومها) أي نوبتها (لعائشة) وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة لأن الأسماء الظاهرة من قبيل الغيبة، وكذا يقال فيما بعده إن لم يكن من كلام عروة، وقوله: (وكان يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة) معناه أنه كان يكون عند عائشة في يومها على ترتيبه ويكون عندها أيضًا في يوم سودة على ترتيبه لا أنه يوالي لها يومين، والأصح أنه لا يجوز الموالاة للموهوب لها إلا برضا الباقيات، وجوزه بعضهم بغير رضاهن وهو ضعيف. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥٢١٢].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٣٥١٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عقبة بن خالد) بن عقبة السكوني -نسبة إلى سكون بوزن صبور حي من العرب- أبو مسعود الكوفي، صدوق، من (٨) روى عنه في (٥) أبواب (ح وحدثنا عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (حدثنا الأسود بن عامر) الشامي أبو عبد الرحمن الملقب بشاذان، ثقة، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا زهير) بن معاوية الجعفي أبو خيثمة الكوفي، ثقة، من (٧) (ح وحدثنا مجاهد بن موسى) بن فروخ الخوارزمي أبو علي الختلي سكن بغداد، روى عن يونس بن محمد في النكاح، وهاشم بن القاسم في المناقب، ويروي عنه (م عم) وأبو يعلى والبغوي، وثقه النسائي، وقال في التقريب: ثقة، من العاشرة، مات سنة (٢٤٤) أربع وأربعين ومائتين، وله (٨٦) سنة (حدثنا يونس بن محمد) بن مسلم البغدادي أبو محمد المؤدب، ثقة، من (٩) روى عنه في (٥) أبواب (حدثنا شريك) بن عبد الله بن أبي شريك سنان بن أنس النخعي الكوفي، صدوق، من (٨) روى عنه في (٨) أبواب (كلهم) أي كل من عقبة بن خالد وزهير بن معاوية وشريك بن عبد الله رووا (عن هشام) بن عروة
стр. 6477
بِهذَا الإِسْنَادِ؛ أَنَّ سَوْدَةَ لَمَّا كَبِرَتْ، بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ: قَالتْ: وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةِ تَزَوَّجَهَا بَعْدِي.
٣٥١١ - (١٣٩٠) (١٥٠) حدَّثنا أَبُو كُرَيبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ
ــ
(بهذا الإسناد) يعني عن أبيه عن عائشة، غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لجرير بن عبد الحميد (أن سودة لما كبرت) وساقوا (بمعنى حديث جرير) لا بلفظه (وزاد) يونس بن محمد (في حديث شريك) وروايته لفظة (قالت) عائشة (وكانت) سودة بنت زمعة (أول امرأة تزوّجها) أي نكحها (بعدي) أي بعد نكاحي، ولكن دخل بسودة قبل الدخول بعائشة.
وهذه رواية يونس عن شريك وهكذا قال يونس أيضًا عن ابن شهاب وعبد الله بن محمد بن عقيل، وأشار بعضهم إلى الجمع بين القولين فقال أول من عقد عليها بعد خديجة عائشة وأول من دخل عليها بعد خديجة سودة فإنه دخل عليها بمكة قبل الهجرة ودخل على عائشة بالمدينة في شوال سنة اثنتين من الهجرة، وروى عقيل بن خالد عن ابن شهاب خلافه، وأنه ﷺ تزوج سودة قبل عائشة قال أبو عمرو: هذا قول قتادة وأبي عبيدة اهـ من المفهم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة بحديث آخر لها فقال:
٣٥١١ - (١٣٩٠) (١٥٠) (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من (٩) (عن هشام) بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان (قالت) عائشة: (كنت أغار) أي أُعيّب (على) النسوة (اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ أي أُعيّر عليهن هبتهن أنفسهن لرسول الله ﷺ لأنه من غار إذا عاب ويدل عليه قولها في الآخر: أما تستحي أن تهب المرأة نفسها للرجل، وهو ها هنا تقبيح وتنفير لئلا يهب النساء أنفسهن لرسول الله ﷺ فيكثر النساء عنده، وأوجب هذا القول منها الغيرة وإلا فقد علمت أن الله سبحانه أباح له هذا، خاصة وأن النساء معذورات
стр. 6478
وَأَقُولُ: وَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ [الأحزاب: ٥١]
ــ
ومشكورات في ذلك لعظيم بركته ﷺ اهـ من شرح الأبي، وقد تنافس الصحابة والسلف في تقريب ما لمسه من ثوب ونحوه وكادوا يقتتلون على وضوئه والتبرك بكل أثر من آثاره وأين ذلك كله من هذا القرب العظيم الذي لم يتمكن منه أحد سوى زوجاته.
وقوله: (اللاتي وهبن) ظاهر في أن الواهبات أكثر من واحدة وهن خولة بنت حكيم وفاطمة بنت شريح وليلى بنت الحطيم، وقد فصّل الحافظ أسماءهن في التفسير من فتح الباري، وأخرج الطبري بإسناد حسن عن ابن عباس: لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له. ذكره الحافظ وقال: والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له وإن كان مباحًا لأنه راجع إلى إرادته لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ اهـ (وأقول و) هل (تهب المرأة نفسها) للرجل وهذا عيب (فلما أنزل الله قوله: (﴿تُرْجِي﴾) وتؤخر (﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾) تأخيرها عن المضاجعة معها (﴿وَتُؤْوي﴾) أي تضم (﴿إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ﴾) ضمها إليك بالمضاجعة معها (﴿وَمَنِ ابْتَغَيتَ﴾) وطلبت الرجوع إليها بالمضاجعة (﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾) أي عطلتها من المضاجعة معها (فلا جناح عليك) في ابتغائها، اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على ثلاثة أقوال: الأول أنه إباحة له ﷺ في ترك القسم ومعنى الإرجاء والإيواء أن يؤخر من شاء منهن ويبيت مع من شاء وهذا قول الجمهور، والثاني أنه إباحة له ﷺ في طلاق بعض أزواجه وإمساك بعض وأنه كان همّ بطلاق بعضهن فقلن له لا تُطلِّقنا واقسم لنا ما شئت فكان يقسم لبعض قسمًا مستويًا وهن اللاتي آواهن ومنهن عائشة وحفصة وأم سلمة ويقسم للباقي ما شاء وهن اللاتي أرجاهن وهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهن ما شاء وتوفي ﷺ وقد آوى جميعهن إلا صفية، وهذا يدل على أن القسم ليس واجبًا عليه وهو أحد القولين، والثالث أن الآية في الواهبات وهو تخيير له ﷺ أن يقبل من شاء منهن ويرد من شاء، وحديث عائشة في الباب يؤيد هذا القول الأخير والذي قبله واللفظ محتمل للأقوال الثلاثة، هذا ملخص ما في فتح الباري، واتفقت أقوال أهل السير أنه ﷺ لم يعمل بهذه الرخصة في ترك القسم وإنما يقسم لهن جميعًا أي فلما أنزل
стр. 6479
قَالتْ: قُلْتُ: وَاللهِ، مَا أَرَى رَبَّكَ إلا يُسَارعُ لَكَ فِي هَوَاكَ.
٣٥١٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيمَانَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: أَمَا تَسْتَحْيِي امْرَأَةٌ تَهَبُ نَفْسَهَا لِرَجُلٍ؟
ــ
الله هذه الآية (قالت قلت) لرسول الله ﷺ : (والله ما أرى ربك إلا يسارع لك في) إنزال (هواك) ومرضاتك أي يُخفف عنك ويوسِّع عليك في الأمور ولهذا خيّرك تعني ما أرى الله إلا موجدًا لك ما تريد وترضى بلا تأخير مُنْزِلًا لما تحب وترضى، قال الأبي: وهذا إكرام أبرزته الغيرة والإدلال وإلا فإضافة الهوى إليه ﷺ مباعد لما يجب على الخلق من تعظيمه ﷺ وتوقيره، ولو أبدلت هواك بمرضاتك كان أولى اهـ.
(قلت): إن البساطة فيما بين الزوجين لا حاجة فيها إلى هذه الدقة والتكلف في الكلام وإنما هو إدلال من الزوجة على زوجها ﷺ وليس من سوء الأدب في شيء لأنه ﷺ لم يكن ليكرهه بل ربما يستحسن أمثاله منها اهـ تكملة، لكن أبعد هذا في حقها من نوع الذنوب أن كل ما يفعل المحبوب محبوب.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥١١٣]، وأبو داود [٢١٣٦]، والنسائي [٥٤١٦].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٣٥١٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي الكوفي، ثقة، من (٨) (عن هشام) بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) غرضه بيان متابعة عبيدة لأبي أسامة (أنها) أي أن عائشة كانت تقول: أما تستحيي امرأة) وقوله: (تهب نفسها لرجل) صفة لامرأة، وهذا تقبيح منها على من فعلت ذلك وتنفير أوجبه غيرتها وإلا فقد علمت أن الله تعالى أباح هذا للنبي ﷺ خاصة وأن النساء كلهن لو ملّكن رِقّهن ورقابهن للنبي ﷺ لَكُنَّ معذورات في ذلك ومشكورات عليه لعظيم بركته ولشرف منزلة القُرب منه، وعلى الجملة فإذا حُقق النظر في أحوال أزواجه ﷺ عُلم أنه لم يحصل أحد في العالم على مثل ما حصلت عليه ويكفيك من ذلك مخالطة اللحوم والدماء ومشابكة الأعضاء
стр. 6480
حتى أَنْزَلَ اللهُ : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] فَقُلْتُ: إِنَّ رَبَّكَ لَيُسَارعُ لَكَ فِي هَوَاكَ.
٣٥١٣ - (١٣٩١) (١٥١) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. قَال مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ. قَال: حَضَرْنَا، مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، جَنَازَةَ مَيمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَرِفَ
ــ
والأجزاء وناهيك بها مراتب فاخرة لا جرم هن أزواجه المخصوصات به في الدنيا والآخرة اهـ من المفهم، وقوله: (حتى أنزل أدته غاية للقول المذكور (﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ فـ) لما أنزلت هذه الآية (قلت: إن ربك ليُسارع لك في هواك) أي في مرضاتك.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٣٥١٣ - (١٣٩١) (١٥١) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (ومحمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي (قال محمد بن حاتم: حدثنا محمد بن بكر) الأزدي البرساني البصري، صدوق، من (٩) (أخبرنا ابن جريج) الأموي المكي (أخبرني عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم أبو محمد الجندي اليماني نزيل مكة، ثقة، من (٣) (قال: حضرنا مع ابن عباس) ﵄ وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مكيان وواحد طائفي وواحد بصري وواحد إما مروزي أو بغدادي؛ أي قال عطاء حضرنا مع ابن عباس (جنازة ميمونة) بنت الحارث الهلالية (زوج النبي ﷺ بسرف) وسرف على وزن تعب وجهل، موضع قريب من التنعيم على ستة أميال من مكة وقيل سبعة وقيل تسعة وقيل اثني عَشَرَ ميلًا وبه تزوج رسول الله ﷺ ميمونة الهلالية وبه توفيت وهي آخر أزواج النبي ﷺ موتًا، وهذا من عجائب التواريح وقع الهناء والعزاء في مكان واحد من الطريق، يقال إنها وهبت نفسها للنبي ﷺ وذلك أن خطبته ﷺ انتهت إليها وهي على بعيرها فقالت البعير وما عليه لله ورسوله، وقيل الواهبة نفسها غيرها أقول أي ابتداء فلا منافاة اهـ مرقاة، قيل إنها ماتت سنة ثلاث وستين وقيل ست وستين وعلى هذا تكون
стр. 6481
فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: هذِهِ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ . فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلَا تُزَعْزِعُوا. وَلَا تُزَلْزِلُوا. وَارْفُقُوا. فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِسْعٌ. فَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ وَلَا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ.
قَال عَطَاءٌ: الَّتِي لَا يَقْسِمُ لَهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ
ــ
ميمونة آخرهن موتًا، وقيل سنة إحدى وخمسين قبيل عائشة لأن عائشة توفيت سنة سبع وخمسين، وقيل ثمان وخمسين وعلى هذا فتكون عائشة آخرهن موتًا، وأما صفية فتوفيت سنة خمسين، وقول عطاء: (كانت آخرهن موتًا ماتت بالمدينة) قول مشكل يلزم عليه وهم وذلك أنه إن كان أراد ميمونة فقد وهم في قوله: إنها بالمدينة وقد بينا أنها ماتت بسرف إلا أن يريد بالمدينة هنا مكة وفيه بُعْد، وإن أراد بها صفية فقد وهم أيضًا لأنها لم تكن آخرهن موتًا على ما قدمناه، وقد وهم أيضًا في قوله إن التي لا يقسم لها النبي ﷺ هي صفية فإن المشهور أن التي لا يقسم لها هي سودة وهبت يومها لعائشة كما تقدم اهـ من المفهم.
(فقال ابن عباس) لحاملي نعشها (هذه) الميتة (زوج النبي ﷺ ولفظ الزوج يطلق على رجل المرأة وعلى مرأة الرجل في اللغة العالية وبها جاء القرآن نحو ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ والجمع فيهما أزواج (فإذا رفعتم نعشها) أي سريرها من الأرض (فلا تزعزعوا) أي لا تقلقلوا من الزعزعة وهو تحريك الشيء الذي يُرفع (ولا تزلزلوا) أي لا تحركوها بالاستعجال في المشي بها من الزلزلة وهو الاضطراب قاله الحافظ، والنعش سرير الميت ولا يُسمى نعشًا إلا وعليه الميت فإن لم يكن فهو سرير، وميت منعوش محمول على النعش اهـ مصباح (وارفقوا) أي واقصدوا في رفعها من الأرض وفي المشي بها، من رفق من باب نصر والرفق السهولة والقصد (فإنه) أي فإن الشأن والحال (كان عند رسول الله ﷺ تسع) نسوة (فكان يقسم) المبيت (لثمان) منهن فهي من الأزواج الثماني اللاتي كان ﷺ يهتم بشأنهن فيقسم بينهن بالتسوية، فهذا تعليل منه لنهيه عن ترك استعمال الرفق بنعشها (ولا يقسم لواحدة) من التسع وهي سودة.
وقوله: (قال عطاء التي لا يقسم لها صفية بنت حيي بن أخطب) قال العلماء: هو
стр. 6482
٣٥١٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: قَال عَطَاءٌ: كَانَتْ آخِرَهُنَّ مَوْتًا. مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ
ــ
وهم من ابن جريج الراوي عن عطاء وإنما الصواب هي سودة لأنها وهبت يومها لعائشة كما مر آنفًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٢٣١]، والبخاري [٥٠٦٧]، والنسائي [٦/ ٥٣].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٣٥١٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن رافع) القشيري (وعبد بن حميد) الكسي (جميعًا) أي كلاهما (عن عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن ابن جريج) المكي (بهذا الإسناد) يعني عن عطاء عن ابن عباس، غرضه بيان متابعة عبد الرزاق لمحمد بن بكر في الرواية عن ابن جريج (و) لكن (زاد) عبد الرزاق على أبي بكر قال ابن جريج: (قال عطاء: كانت) ميمونة رضي الله تعالى عنها (آخرهن) أي آخر أزواج النبي ﷺ (موتًا) هذا وهم من عطاء كما مر آنفًا، وقوله: (ماتت بالمدينة) وهم ثانٍ جدًّا كما مر بسط الكلام فيه قريبًا، وقول ابن عباس (فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوا) الخ كل ذلك تنبيه على ما يجب من احترام أزواجه ﷺ لعظيم رتبتهن وشرف منزلتهن.
(تتمة): قال الخطابي: إن الله اختار لنبيه ﷺ من الأمور أفضلها وأكملها وجمع له من الفضائل التي تزداد بها نفوس العرب جلالة وفخامة، وكانت العرب تتفاخر بقوة النكاح، وكان ﷺ من قوة البنية واعتدال المزاج وكمال الخلقة على نهايتها على ما شهدت به الأخبار، ومن كان بهذه الصفة كانت دواعي هذا الباب أغلب عليه وكان من عداها منسوبًا إلى نقص الجبلة وضعف النحيزة (الطبيعة) فأُبيح له الزيادة على أربع لاحتياجه إلى ذلك وأيضًا فلقوته على العدل بينهن فلما لم يكن غيره كذلك قُصِر على أربع والله أعلم اهـ من المفهم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ستة أحاديث: الأول: حديث أم سلمة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه أربع متابعات، والثاني: حديث أنس بن مالك ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث: حديث أنس الثاني
стр. 6483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والرابع: حديث عائشة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة والخامس: حديث عائشة الثاني ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والسادس: حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد أيضًا وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
***
стр. 6484
٥٤١ - (٢٧) باب الحث على نكاح ذات الدين ونكاح البكر
٣٥١٥ - (١٣٩٢) (١٥٢) حدثنا زُهَيرُ بْنُ حَربٍ وَمُحَمدُ بْنُ المُثَنى وَعُبَيدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيد، عَن عُبَيدِ اللهِ. أَخبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أبِي سَعِيدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: "تُنْكَحُ المَرأَةُ لأَربَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا. فَاظفَر بِذَاتِ الدينِ
ــ
٥٤١ - (٢٧) باب الحث على نكاح ذات الدين ونكاح البكر
٣٥١٥ - (١٣٩٢) (١٥٢) (حدثنا زهير بن حرب ومحمد بن المثنى وعبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري النيسابوري (قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ القطان البصري (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص العمري المدني (أخبرني سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري المدني (عن أبيه) أبي سعيد المقبري (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان بصريان أو بصري ونسائي أو بصري ونيسابوري (عن النبي ﷺ قال: تُنكح المرأة) بضم التاء وفتح الكاف مبنيًّا للمفعول، والمرأة مرفوع على النيابة عن المفعول، أي يرغب في تزوج المرأة إلى) إحدى (أربع) خصال إما المالها) بأن كانت موسرة بالنسبة إلى أمثالها (و) إما (لحسبها) أي لشرفها، والحسب بفتح المهملتين في الأصل الشرف بالآباء والأقارب، مأخوذ من الحساب لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها فمن زاد عدده على غيره سبق الاخرين في المفاخرة، وقيل المراد بالحسب هنا الفعال الحسنة، وقيل المال وهو مردود بذكره قبله في عمدة القاري، ويؤخذ منه أن الشريف النسيب يستحب له أن يتزوج نسيبة إلا إن تعارض نسيبة غير دينة وغير نسيبة دينة فتقدم ذات الدين وهكذا في كل الصفات (ولجمالها) يؤخذ منه استحباب تزوج الجميلة إلا إن تعارض الجميلة الغير المدينة والغير الجميلة المدينة، نعم لو تساوتا في الدين فالجميلة أولى ويلتحق بالحسنة الذات الحسنة الصفات ومن ذلك أن تكون خفيفة الصداق (ولدينها) أي ولكونها دئنة ذات دين علمًا وعملًا (فاظفر بذات الدين) أي فُز بنكاحها والمعنى أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء لا سيما فيما تطول صحبته فأمره النبي ﷺ بتحصيل صاحبة الدين الذي هو غاية البغية، والمراد أن الناس يتزوجون المرأة لإحدى هذه الخصال الأربع في العادة فاختر
стр. 6485
تَرِبَتْ يَدَاكَ".
٣٥١٦ - (١٣٩٣) (١٥٣) وحدثنا مُحَمدُ بن عَبدِ اللهِ بنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بن أبِي سُلَيمَانَ، عَن عَطَاءِ. أَخبَرَنِي جَابِرُ بن عَبدِ اللهِ. قَال:
ــ
أنت أيها المؤمن المرأة الديّنة الصالحة ولا تطمح لشيء آخر، وأخرج ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوّجوهن على الدين، ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل" وأخرج أحمد وأبو يعلى والبزار عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا "تُنكح المرأة على إحدى الخصال لجمالها ومالها وخلقها ودينها فعليك بذات الدين والخُلق".
(تربت يداك) أي افتقرت يداك ولصقت بالتراب إن لم تحصلها وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب ولا وقوع الأمر به؛ والمراد بها الحث والتحريض على الجد والتشمير في طلب المأمور به وليس معنى هذه الأحاديث أن لا يلتفت الرجل إلى الحسب والجمال أصلًا وإنما المعنى أن يُقدم الدين على كل شيء ولا يرغب في امرأة لمحض جمالها إن كانت غير متدينة وإلا فقد ثبت في عدة أحاديث أن الجمال من موجبات الرغبة في النكاح لأن العفة وغض البصر والتحصين لا يحصل إلا بأن يطمثن الرجل بزوجته، وظاهر هذا الحديث إباحة النكاح لقصد مجموع هذه الخصال الأربع أو الواحدة منها لكن قصد الدين أولى وأهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٤٢٨]، والبخاري [٥٠٩٠]، وأبو داود [٢٠٤٧]، والنسائي [٦/ ٦٨]، وابن ماجه [١٨٥٨].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث جابر ﵄ فقال:
٣٥١٦ - (١٣٩٣) (١٥٣) (وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان) ميسرة الفزاري الكوفي، صدوق، من (٥) (عن عطاء) بن أبي رباح المكي (أخبرني جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد مكي (قال)
стр. 6486
تَزَوَّجتُ امْرَأَةً فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَلَقِيتُ النَّبِيّ ﷺ فَقَال: "يَا جَابِرُ! تَزَوَّجْتَ؟ " قُلتُ: نَعَمْ. قَال: "بِكْرٌ أَمْ ثَيبٌ؟ " قُلتُ: ثَيبٌ. قَال: "فَهَلَّا بِكرًا تُلاعِبُهَا؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِن لِي أخَوَاتٍ. فَخَشِيتُ أَن تَدْخُلَ بَينِي وَبَينَهُنَّ. قَال: "فَذَاكَ إِذَنْ. إِن الْمَرأَةَ تُنْكَحُ عَلَى دِينِهَا، وَمَالِهَا، وَجَمَالِهَا. فَعَلَيكَ
ــ
جابر: (تزوجت امرأة) اسمها سهلة بنت مسعود بن أوس بن مالك الأنصارية الأوسية اهـ من فتح الباري (في عهد رسول الله ﷺ أي في زمن حياته (فلقيت النبي ﷺ أي رأيته، وكان ذلك اللقاء عند القفول من غزوة تبوك أو غزوة ذات الرقاع (فقال) لي رسول الله ﷺ : (يا جابر تزوجت) أي هل تزوجت؟ بتقدير الاستفهام كما هو مصرح به في الرواية الآتية (قلت) له: (نعم) تزوجت يا رسول الله (قال) لي (بكر أم ثيب) بالرفع فيهما مع حذف همزة الاستفهام، أي أهي بكر أم ثيب؟ وفي بعض الرواية بالنصب فيهما والتقدير أي أتزوجت بكرًا أم ثيبًا؟ (قلت ثيب) بالرفع أي قلت هي ثيب، وبالنصب أي تزوجت ثيبًا (قال) لي رسول الله ﷺ : (فهلا) تزوجت (بكرًا) توبيخ له على تزوجه ثيبًا، وقوله: (تلاعبها) وتلاعبك، تعليل لتزوج البكر أي لأنك تلاعبها وتلاعبك لما فيها من الألفة التامة فإن الثيب قد تكون متعلقة القلب بالزوج الأول فلم تكن محبتها كاملة بخلاف البكر، قال النووي: وفيه فضيلة تزوج الأبكار وثوابهن أفضل، وفيه ملاعبة الرجل امرأته وملاطفته لها ومضاحكتها وحسن العشرة، وفيه سؤال الإمام والكبير أصحابه عن أمورهم وتفقد أحوالهم وإرشادهم إلى مصالحهم اهـ. وفي العون: وفي الحديث دليل على استحباب نكاح الأبكار إلا لمقتض لنكاح الثيب كما وقع لجابر فإنه قال للنبي ﷺ لما قال له ذلك هلك أبي وترك سبع بنات إلخ، كما ذكره بقوله: (فلت) له ﷺ اعتذارًا عن تزوج الثيب (يا رسول الله أن لي أخوات) سبعًا أو تسعًا (فخشيت) أي خفت (أن تدخل) بكر خرقاء لا تعرف القيام بمصالحهن (بيني وبينهن) أي وبين أخواتي فتفرّق بيننا (قال) لي رسول الله ﷺ : (فذاك) أي فتزوجك الثيب حسن (إذن) أي إذا كانت الحال على ما أخبرت من النظر لمصالح أخواتك، ثم قال رسول الله ﷺ : (أن المرأة تنكح على دينها) أي لأجل دينها (و) لأجل (مالها و) لأجل (جمالها) والفاء في قوله: (فعليك) للإفصاح، أي إذا عرفت ما
стр. 6487
بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ".
٣٥١٧ - (٠٠) (٠٠) حدثنا عُبَيدُ اللهِ بن مُعَاذ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعبَةُ، عَن مُحَارِب، عَن جَابِرِ بن عَبدِ اللهِ. قَال: تَزَوجتُ امرأة. فَقَال لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَل تَزَوَّجتَ؟ " قُلْتُ: نَعَم. قَال: "أَبِكرا أَم ثَيبًا؟ " قُلْتُ: ثَيبًا. قَال: "فَأينَ أَنتَ مِنَ العَذَارَى وَلِعَابِهَا؟ "
ــ
قلته لك وأردت بيان الأهم لك منها فأقول لك: الزم (بذات الدين) واظفر بها لأنها خير متاع الدنيا إن لم تظفر بها (تربت) أي افتقرت (يداك) والتصقت بالتراب، وهذا الحديث يدل على فضل عقل جابر فإنه راعى مصلحة أخواته وآثرها على حق نفسه ونيل لذته ولذلك استحسنه منه النبي ﷺ وقال له: "فبارك الله لك" وفيه ما يدل على جواز قصد الرجل من الزوجة القيام له بأمور وبمصالح ليست لازمة لها في الأصل ولا يُعاب من قصد شيئًا من ذلك اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٢٠٩٧]، والنسائي [٦/ ٦٥]، وابن ماجه [١٨٦٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٥١٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبيد الله بن معاذ) العنبري البصري (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري البصري (حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي البصري (عن محارب) بن دثار السدوسي الكوفي، ثقة، من (٤) روى عنه في (٥) أبواب (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد مدني وواحد كوفي، غرضه بيان متابعة محارب لعطاء بن أبي رباح.
(قال) جابر: (تزوجت امرأة) في عهد رسول الله ﷺ ، قال في تنبيه المعلم: والذي في حفظي أنها سهيمة بنت مسعود مصغرًا، ووقع في الفتح وغيره أنها سهيلة كما مر آنفًا وهو خطأ تتابع عليه النساخ والطباع من قديم الزمان إلى الآن، والصواب سهيمة بالميم، فجزاه الله خيرًا على هذا التنبيه (فقال لي رسول الله ﷺ : هل تزوجت) يا جابر فـ (قلت) له: (نعم) تزوجت (قال) لي رسول الله ﷺ : (١) تزوجت (بكرًا أم) تزوجت (ثيبًا؟ قلت) له: تزوجت (ثيبًا، قال) لي رسول الله ﷺ : (فأين أنت) يا جابر، (من) تزوج (العذارى) بوزن الأسارى؛ أي فما المانع لك من تزوج العذارى والأبكار (و) التمتع بـ (لعابها) أي
стр. 6488
قَال شُعبَةُ: فَذَكَرتُهُ لِعَمرِو بنِ دِينَار. فَقَال: قَد سَمِعتُهُ مِن جَابِر. وإنمَا قَال: "فَهَلَّا جَارِيةَ تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ؟ ".
٣٥١٨ - (٠٠) (٠٠) حدثنا يَحيَى بن يَحيَى وَأَبُو الربِيعِ الزهرَانِي. قَال يَحيَى: أَخبَرَنَا حَمَّادُ بن زَيد، عَن عَمرِو بنِ دِينَارٍ، عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ؛ أَن عَبدَ اللهِ هَلَكَ
ــ
ملاعبتها معك، والعذارى بفتح العين وبالقصر جمع عذراء ذات عذرة، وعُذرة الجارية بالضم بكارتها، قال الأبي: وليست العذراء بمرادفة للبكر لأن العذراء هي التي لها ما يفتض، والبكر هي التي لم تر الرجل سواء كانت عذرتها باقية أم لا، بأن قفزت وسقطت على الأرض، أو سقطت من سلم فزالت بكارتها، فالعذراء على هذا أخص من البكر فكل عذراء بكر دون عكس، وقوله: (ولعابها) بكسر اللام أي ملاعبتها فهو مصدر للاعب يلاعب لعابًا وملاعبة من باب فاعل كقاتل قتالًا ومقاتلة، ورُوي لعابها بالضم يعني ريقها عند التقبيل وفيه بُعد، والصواب الأول اهـ مفهم.
قال معاذ بن معاذ: (قال) لنا (شعبة: نذكرته) أي فذكرت هذا الحديث الذي سمعته من محارب (لعمرو بن دينار) الجمحي (فقال) عمرو بن دينار: (قد سمعته) أي قد سمعت هذا الحديث (من جابر) ولم يقل جابر هذا اللفظ الذي قلته (وإنما قال) جابر لفظة (فهلا جارية) أي شابة بكرًا (تلاعبها وتلاعبك).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٥١٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وأبو الربيع الزهراني) سليمان بن داود البصري (قال يحيى: أخبرنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري (عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵁. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة عمرو بن دينار لعطاء بن أبي رباح (أن) والدي (عبد الله) بن عمرو بن حرام (هلك) أي قتل يوم أحد -كما صرح به في رواية سفيان عند البخاري في المغازي أنه قتل يوم أحد وبهذه المناسبة أخرجه البخاري في المغازي- واستشهد، فيه اختلف عليه أسياف المسلمين وهم يظنونه من الكفار فكان جابر يقول أبي أبي فلم يسمعوه حتى استشهد فتصدق ابنه بدمه على المسلمين كذا قاله القرطبي في المفهم.
стр. 6489
وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ (أَوْ قَال: سَبْعَ) فَتَزَوَّجتُ امرَأَةَ ثَيِّبًا. فَقَال لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا جَابِرُ! تَزَوَّجْتَ؟ " قَال: قُلْتُ: نَعَم. قَال: "فَبِكْرٌ أَم ثَيبٌ؟ " قَال: قُلْتُ: بَلْ ثَيبٌ. يَا رَسُولَ اللهِ! قَال: "فَهَلَّا جَارِيةَ تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ" (أَوْ قَال: تُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ) قَال: قلْتُ لَهُ: إِن عَبْدَ اللهِ هَلَكَ وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتِ (أَوْ سَبْعَ) وَإِنِّي كَرِهتُ أَن آتِيَهُن أَوْ أَجِيئَهُن بِمِثْلِهِن. فَأحببتُ أَنْ أجِيءَ بِامْرَأَةٍ تَقُومُ عَلَيهِن وَتُصْلِحُهُن
ــ
وهذا وهم في أن عبد الله والد جابر قتله المسلمون وأن جابرًا حضر أُحدًا ولم يحضرها محققًا إنما كان ذلك اليمان بن حسيل أبا حذيفة بن اليمان، والقائل أبي أبي حذيفة وهو المتصدق بدم أبيه على المسلمين ﵃ أجمعين اهـ من هامش المفهم.
(وترك) والدي عبد الله (تسع بنات أو قال) جابر ترك (سبع) بنات، والشك من عمرو أو ممن دونه، ووقع في رواية الشعبي عند البخاري في المغازي (ست بنات) وجمع بينهما الحافظ في الفتح أن ثلاثا منهن كن متزوجات أو بالعكس (فتزوجت امرأة ثيبًا) والثيب المرأة التي دخل بها الزوج وكأنها ثابت إلى غالب أحوال كبار النساء اهـ مفهم (فقال لي رسول الله ﷺ : يا جابر) هل (تزوجت؟ قال) جابر: (قلت) له ﷺ : (نعم) تزوجت (قال) لي رسول الله ﷺ : أ (فبكر) هي (أم ثيب؟ قال) جابر: (قلت) له ﷺ : (بل) هي (ثيب يا رسول الله، قال) لي رسول الله ﷺ : (فهلا) تزوجت (جارية) أي شابة بكرًا (تلاعبها) أنت (وتلاعبك) هي (أو قال) رسول الله ﷺ أو جابر أو من دونه فهلا تزوجت جارية (تضاحكها) أنت (وتضاحكك) هي (قال) جابر: (قلت له) ﷺ : (أن عبد الله) بن عمرو بن حرام والدي (هلك) أي مات (وترك تسع بنات أو) قال جابر: (سبع) بنات (وإني كرهت أن آتيهن) أي أن أضم إليهن (أو) قال جابر: (أجيئهن) أي أن أضم إليهن (بمثلهن) أي بخرقاء مثلهن (فأحببت أن أجيء) وأضم إليهن (بامرأة) عاقلة (تقوم) بالرعاية والمراقبة (عليهن وتصلحهن) أي تصلح أمورهن بغسل ثيابهن وتسريح شعورهن وخياطة دروعهن، وفي رواية سفيان عن
стр. 6490
قَال: "فَبَارَكَ اللهُ لَكَ" أو قَال لِي خَيرًا. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الرَّبيعِ: "تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ".
٣٥١٩ - (٠٠) (٠٠) وحدثناه قُتَيبَةُ بن سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عَمرٍو،
ــ
عمرو في مغازي البخاري: فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن، ولكن امرأة تقوم عليهن وتمشطهن. وفي رواية نُبيح العنزي عند أحمد: فكرهت أن أضم إليهن جارية كإحداهن، فتزوجت ثيبًا تقصع قملة إحداهن وتخيط درع إحداهن إذا تخرق. (قال) رسول الله ﷺ : (فبارك الله لك) الفاء للإفصاح لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إن صدقت فيما أخبرت فقد أصبت في زواجك وبارك الله لك فيه (أو قال لي) النبي ﷺ إن صدقت فيما أخبرت جعل الله لك في زواجك (خيرًا) أي بركة، والشك من جابر فيما قاله النبي ﷺ ، قال الأبي: وفي تصويبه اعتذاره ترجيح مصالح النفس والأولاد على لذات الدنيا وشهواتها، وفيه ما يلزم المرأة من القيام بمصالح زوجها وما تندب إليه من بر أهله اهـ منه (وفي رواية أبي الربيع) الزهراني (تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك) بلا ذكر أو الدالة على الشك.
(فائدة مهمة): وفي هذا الحديث دلالة على أن الاهتمام البليغ في الدعوة إلى مجلس النكاح كما يفعل في زماننا ليس بمطلوب شرعا فانظر إلى جابر ﵁ تزوج امرأة ولم يدع رسول الله ﷺ إلى مجلس زواجه مع ماله من علاقة وصحبة قوية برسول الله ﷺ ، ثم انظر إليه ﷺ كيف دعا له بخير ولم ينكر عليه أنه لم يدعه عند عقد النكاح، ولو كان الاهتمام مطلوبًا في الشرع لم يكن جابر ليذهل عن رسول الله ﷺ الدعوة إلى عقد النكاح، ولو قيل: إن الحفل الحادث في هذا الزمان حرام لم يبعد لما فيه من إسراف الأطعمة والأشربة، وفي أقمشة المرأة المزوجة مما لا فائدة فيه وفي إجارة المحافل بأجرة غالية، وفيه اجتماع الفسقة وتشغيل الملاهي وتضييع وقت صلاة الصبح والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٥١٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بن
стр. 6491
عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ، قَال: قَال لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَل نَكحْتَ يَا جَابِرُ؟ " وَسَاقَ الحَدِيثَ. إِلَى قَوْلِهِ: امرَأَةَ تَقُومُ عَلَيهِن وَتَمشُطُهُن. قَال: "أَصَبْتَ" وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
٣٥٢٠ - (٠٠) (٠٠) حدثنا يَحْيَى بن يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيمٌ، عَن سَيارٍ، عَنِ الشعْبِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبدِ اللهِ. قَال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاه
ــ
دينار الجمحي (عن جابر بن عبد الله) ﵄. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة سفيان بن عيينة لحماد بن زيد (قال) جابر: (قال لي رسول الله ﷺ : هل نكحت) أي تزوجت (يا جابر، وساق) سفيان أي ذكر (الحديث) السابق يعني حديث حماد بن زيد (إلى قوله) أي إلى قول جابر فأحببت أن أجيء بـ (امرأة تقوم عليهن وتمشطهن) بضم الشين المعجمة من باب نصر بدل قول حماد "وتصلحهن" أي تُسرح شعورهن (قال) لي النبي ﷺ : (أصبت) أي وافقت الصواب في زواجك (ولم يذكر) سفيان في روايته (ما بعده) أي ما بعد قول حماد وتصلحهن من الدعاء وبيان رواية أبي الربيع.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعا في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٥٢٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا هشيم) بن بشير السلمي الواسطي، ثقة، من (٧) (عن سيار) بن وردان العزي الواسطي، ثقة، من (٦) (عن الشعبي) عامر بن شراحيل الحميري الكوفي، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٩) بابًا (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة الشعبي لمن روى عن جابر (قال) جابر (كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة) اختلفت الروايات في تعيين هذه الغزوة فعلق البخاري في باب الشروط عن جابر اشتراه بطريق تبوك، وبمثله أخرج في رواية أبي المتوكل أن رسول الله ﷺ مر بجابر في غزوة تبوك، ولكن أخرج أحمد من طريق محمد بن إسحاق عن جابر قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع، وكذا أخرجه الواقدي من طريق عطية بن عبد الله عن جابر ورجحه الحافظ ابن حجر بوجوه؛
стр. 6492
فَلَما أقبَلنَا تَعَجَّلتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ. فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ خَلْفِي. فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةِ كَانَتْ مَعهُ. فَانطَلَقَ بَعِيرِي كَأجوَدِ مَا أَنتَ رَاءٍ مِنَ الإِبلِ. فَالتَفَت فَإذَا أنا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَال: "مَا يُعجِلُكَ
ــ
منها أنه مرويّ من طريق محمد بن إسحاق والواقدي وإن أهل المغازي أضبط لذلك من غيرهم، ومنها أنه وقع في رواية الطحاوي أن ذلك كان في رجوعهم من طريق مكة إلى المدينة، وليست طريق تبوك ملاقية لطريق مكة بخلاف غزوة ذات الرقاع، ومنها أن جابرًا في كثير من طرق هذا الحديث اعتذر لتزوج الثيب بأن أباه استشهد يوم أحد فأشعر بأن ذلك كان بالقرب من وفاة أبيه فيكون وقوع القصة في ذات الرقاع أظهر من وقوعها في تبوك لأن ذات الرقاع كانت بعد أحد بسنة واحدة على الصحيح وتبوك كانت بعدها بسبع سنين ولا جرم جزم البيهقي في الدلائل بما قال ابن إسحاق كذا في فتح الباري [٥/ ٢٣٥] في كتاب الشروط، باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة (فلما أقبلنا) ورجعنا من تلك الغزوة (تعجلت) أي أسرعت السير (على بعير لي قطوف) بفتح القاف أي بطيء في السير، يقال: قطف البعير يقطف بكسر الطاء وضمها من بابي ضرب ونصر إذا أبطأ في السير مع تقارب الخطو، والقطاف تقارب الخطو في سرعة كذا في مجمع البحار، ووقع عند البزار من طريق أبي المتوكل أن الجمل كان أحمر كذا في الفتح (فلحقني راكب) يسير (خلفي) أي من ورائي (فنخس بعيري) أي طعنه (بعنزة كانت معه) هي عصا نحو نصف الرمح في أسفلها زج أي حديدة (فانطلق بعيري) أي أسرع في سيره (كأجود ما أنت راءٍ من الإبل) أي كأسرع بعير أنت تراه من الإبل، أي أسرع إسراعًا كإسراع أجود بعير أنت تراه من الإبل، وهذا من بركات دعائه ﷺ ومن معجزاته. قال القرطبي: والقطوف هو البعير البطيء المشي المتقارب الخطو قاله الخليل وغيره، قال الثعالبي: إذا كان الفرس يمشي وثبًا وثبًا فهو قطوف، فإن كان يرفع يديه ويقوم على رجليه فهو شبوب، فإن كان يلتوي برأسه حتى يكاد يسقط عنه راكبه فهو قموص، فإذا كان مانعًا ظهره فهو شموس. و (العنزة) عصا مثل نصف الرمح أو أكثر وفيها زج قاله أبو عيد، قال الثعالبي: فإن طالت شيئًا فهي النيزك ومطرد فإذا زاد طولها وفيها سنان عريض نهي ألَّةٌ وحربة اهـ من المفهم. قال جابر: (فالتفت) إلى ورائي التفاتة (فإذا أنا) راءٍ (برسول الله ﷺ فقال) لي رسول الله ﷺ : (ما يُعجلك)
стр. 6493
يَا جَابِرُ؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِني حَدِيثُ عَهْدِ بِعُرْسٍ. فَقَال: "أَبِكرًا تَزَوَّجْتهَا أَمْ ثيِّبًا؟ " قَال: قُلْتُ: بَلْ ثيِّبًا. قَال: "هَلَّا جَارِيَةً تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ؟ ".
قَال: فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِندْخُلَ. فَقَال: "أَمْهِلُوا حَتى نَدْخُلَ لَيلًا (أَي عِشَاءً) كَي تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِد الْمُغِيبَةُ"
ــ
بضم الياء وكسر الجيم من أعجل الرباعي، أي أي شيء أعجلك (يا جابر) أي جعلك مستعجلًا إلى المدينة (قلت) له: (يا رسول الله إني حديث عهد) أي قريب زمن (بعرس) أي بزواج (فقال) لي رسول الله ﷺ : (أبكرًا تزوجتها أم) تزوجت (ثيبًا؟ قال) جابر: (قلت) له ﷺ : (بل) تزوجت (ثيبًا، قال) لي (هلا) تزوجت (جارية) أي فتاة بكرًا (تلاعبها وتلاعبك) وهلا هنا للتوبيخ على تزوجه ثيبًا قبل اعتذاره (قال) جابر: (فلما قدمنا المدينة) أي قاربنا القدوم والدخول فيها (ذهبنا) أي شرعنا وتهيأنا (لندخل) فيها (فقال) لنا رسول الله ﷺ (أمهلوا) أي أنظروا الدخول وأخروه (حتى ندخل ليلًا أي عشاء) تفسير مدرج من جابر أو ممن دونه، وقوله: كي تمتشط) وتُسرِّح (الشعثة) شعرها بيان لوجه تأخير الدخول، والشعثة بفتح المعجمة وكسر المهملة؛ هي المرأة المتغير حالها وهيئتها المتفرق شعر رأسها لعدم تعهده أي لتتزين لزوجها (وتستحد المغيبة) أي ولتزيل المرأة التي غاب زوجها عانتها بالحديد والموسى، من الاستحداد وهو استعمال الحديدة في شعر العانة وهو إزالته بالموسى، والمراد إزالته كيفما أمكن حلقًا أو نتفًا أو حرقًا، والمغيبة هي التي غاب عنها زوجها منذ أيام يقال: أغابت فهي مغيبة بالهاء وأشهدت إذا حضر زوجها فهي مشهد بغيرها، قال في المرقاة: فالسنة أن لا يدخل المسافر على أهله حتى يبلغهم خبر قدومه، وخبر (نُهي أن يطرق الرجل أهله ليلًا) فمحمول على أنه من غير إعلام اهـ، وفي هذا من التنبيه على رعاية المصالح الجزئية في الأهل والإرشاد إلى مكارم الأخلاق وتحسين المعاشرة ما لا يخفى، وذلك أن المرأة تكون في حالة غيبة زوجها على حالة بذاذة وقلة مبالاة بنفسها وشعث، فلو قدم الزوج عليها وهي في تلك الحال ربما نفر وزهد فيها وهانت عليه، فنبه على ما يزيل ذلك. ولا يعارض قوله: (حتى ندخل ليلًا) نهيه في الحديث الآخر عن أن يطرق الرجل أهله لأن ذلك إذا لم يتقدم إليهم خبره لئلا يستغفلهم ويرى منهم ما يكرهه، وقد ذُكر هذا مبينًا في الجهاد إذ قال: (كان لا يطرق أهله ليلًا وكان يأتيهم غدوًا وعشيًا)
стр. 6494
قَال: وَقَال: لا إِذَا قَدِمْتَ فَالْكَيسَ! الْكَيسَ! ".
٣٥٢١ - (٠٠) (٠٠) حدثنا مُحَمدُ بْنُ الْمُثَنى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهابِـ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثقَفِي). حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيسَانَ، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ. قَال: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ. فَأبْطَأَ بِي جَمَلِي
ــ
رواه أحمد والبخاري، وقد جاء في حديث النهي عن الطروق التنبيه على علة أخرى وهو أنه لا يطرقهم يتخونهم ويطلب عثراتهم وهو معنى آخر غير الأول وينبغي أيضًا أن يجتنب الطروق لأجل ذلك اهـ من المفهم.
(قال) جابر: (وقال) لي رسول الله ﷺ : (إذا قدمت) المدينة، وقوله: (فالكيس) منصوب على الإغراء أي فالزم الكيس أي الجماع (الكيس) أي العقل والحذق بأن تقصد به رزق الولد لا مجرد الشهوة، والاحتياط لدينك بأن لا تجامعها في حالة الحيض، قال ابن الأعرابي: الكيس الأول الجماع والكيس الثاني العقل؛ والمراد حثه على ابتغاء الولد فكأنه جعل ابتغاء الولد عقلًا، ومنه الحديث "أي المؤمنين أكيس! أي أعقل رواه ابن ماجه [٤٢٥٩]، وقال الكسائي: يقال كاس الرجل إذا وُلد له ولد كيس أي صاحب عقل وقيل معنى قوله: (فالكيس الكيس) أي فباشر الكيس واستعمل العقل حتى لا تقع في ممنوع كالتقرب في المحيض لطول العزوبة بامتداد الغربة اهـ من المفهم مع زيادة من بعض الهوامش. وشارك المؤلف في هذه الرواية أحمد [٣/ ٣٧٥]، والبخاري [٢٠٩٧].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٥٢١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى) البصري (حدثنا عبد الوهاب يعني ابن عبد المجيد الثقفي) البصري (حدثنا عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم العدوي المدني (عن وهب بن كيسان) القرشي الأسدي مولاهم أبي نعيم المدني المعفم المكي، ثقة، من (٤) (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان بصريان، غرضه بيان متابعة وهب بن كيسان لمن روى عن جابر (قال) جابر: (خرجت مع رسول الله ﷺ في غزاة) تقدم بيان الخلاف فيها، والراجح أنها غزوة ذات الرقاع (فأبطأ بي جملي) أي صار على بطيئًا غير مسرع
стр. 6495
فَأتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَال لِي: "يَا جَابرُ! " قُلْتُ: نَعَم. قَال: "مَا شأنكَ؟ " قُلتُ: أَبطَأ بِي جَمَلِي وَأَعيا فتَخَلقتُ. فَنَزَلَ فَحَجنَهُ بِمِحجَنِهِ. ثُم قَال: "اركب فَرَكبتُ. فَلَقَدْ رَأَيتُنِي أَكُفُّهُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَال: "أتزَوَّجتَ؟ " فَقُلتُ: نَعَمْ. فَقَال: "أَبِكرا أَم ثَيبًا؟ " فَقُلتُ: بَل ثَيبٌ. قَال: "فَهَلا جَارِيَة تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ؟ " قُلتُ: إِن لِي أَخَوَات. فَأحبَبتُ أَن أتزَوجَ امرَأَة تَجمَعُهُن وَتَمشُطُهُن وَتَقُومُ عَلَيهِن. قَال:
ــ
في السير، والباء للتعدية أي أخرني من الإياب إلى المدينة (فأتى على) أي وقف على (رسول الله ﷺ فقال لي): هل أنت هنا (يا جابر! تلت: نعم، قال: ما شأنك) أي ما حالك وشأنك مستأخرًا عن المدينة (قلت) له: (أبطأ) أي تأخر (بي جملي وأعيا) أي عجز عن السير (فتخلفت) عن الناس (فنزل) رسول ﷺ من ناقته (فحجنه) أي نخسه وجره (بمحجنه) والمحجن عصا معوَج الرأس يلتقط بها الراكب الشيء من الأرض ويلوي بها عنق الشاة وتحبس إذا نَدَّتْ اهـ من الأبي (ثم قال) لي: (اركب فركبتـ) ـه (فلقد رأيتني) أي فوالله لقد رأيت نفسي (أكفه) أي أمنعه أي أمنع جملي (عن) ناقة (رسول الله ﷺ حتى لا يتقدم عليها بالسبق في السير، وفي شروط البخاري (فسار سيرًا ليس يسير مثله) وهذا أثر بركته ﷺ ففي باب بيع البعير واستثناء ركوبه من بيوع مسلم (كيف ترى بعيرك؟ قال: قلت: بخير قد أصابته بركتك) يعني أنه أسرع في السير حتى كنت أكفه لئلا أبعد عن رسول الله ﷺ ، ويدل على هذا المعنى ما سيأتي عند المؤلف وما أخرجه (فكان بعد ذلك يكون في أول الركاب إلا ما كففته) وما أخرج ابن سعد (فكنت بعد ذلك أحبس خطامه لأسمع حديثه) ذكره الحافظ في الشروط (فقال) لي رسول الله ﷺ : (أتزوجت) أي هل تزوجت يا جابر (فقلت) له ﷺ : (نعم) تزوجت يا رسول الله (فقال) لي (أ) تزوجت (بكرًا أم ثيبًا نقلت) له ﷺ : (بل) هي (ثيب) فـ (قال) لي: (فهلا) تزوجت (جارية) أي شابة بكرًا (تلاعبها) أي تلاعب معها (وتلاعبك) أي تلاعب معك فـ (قلت) له: (إن لي أخوات) سبعًا أو تسعًا تحتاج إلى من يصلحهن ويمشط لهن (فأحببت) أي وددت (أن أتزوج امرأة) كبيرة (تجمعهن) أي تصلح جميع أمورهن (وتمشطهن) أي تسرِّحُ شعورهن بالمشط (وتقوم عليهن) بالخدمة فـ (قال) رسول الله صلى
стр. 6496
"أَمَا إنكَ قَادِمٌ. فَإِذَا قَدِمْت فَالكَيسَ! الكَيس! "، . ثُم قَال: "أتبِيعُ جمَلَكَ؟ " قلتُ: نَعَم. فَاشتَرَاهُ مِني بِأوقِيةٍ. ثُم قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدِمْتُ بِالغَدَاةِ. فَجِئتُ المسجِدَ فَوَجَدتُهُ عَلَى بَابِ المسجِدِ. فَقَال: "الآنَ حِينَ قَدِمتَ؟ " قُلْتُ: نَعَم. قَال: "فَدع جَمَلَكَ وَادخُل فَصَل رَكعَتَينِ" قَال: فَدَخَلتُ فَصَليتُ ثُم رَجَعتُ. فَأمَرَ بِلالًا أَن يَزِنَ لِي أُوقِية. فَوزَن لِي بِلالٌ. فَأرْجَحَ فِي المِيزَانِ. قَال: فَانطَلَقتُ. فَلَما ولَّيت قَال: "ادع لِي جَابِرًا" فَدُعِيتُ. فَقُلتُ: الآنَ يَرُد عَلَى
ــ
الله عليه وسلم: (أما) أي انتبه واستمع ما أقول لك (إنك قادم) على أهلك في المدينة (فإذا قدمت) عليهم (فـ) افعل (الكيس) والجماع، والزم (الكيس) والاحتياط لدينك ولا تقربها إذا كانت حائضًا (ثم قال) لي: (أتبيع جملك) هذا (قلت) له: (نعم) أبيعه (فاشتراه) أي فاشترى ذلك الجمل (مني) رسول الله ﷺ (بأوقية) أي بأربعين درهمًا، وفي رواية البخاري في الجهاد قال: (أتبيعنيه -فاستحييت- ولم يكن لنا ناضح غيره فقلت: نعم) وللنسائي وكانت لي إليه حاجة شديدة (ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة قبلي (وقدمتـ) ـها أنا (بالغداة) أي في غداة أي في صباح الليلة التي جاءوا فيها (فجئت المسجد) النبوي (فوجدته) ﷺ (على باب المسجد فقال) لي رسول الله ﷺ : (الآن) أي هذا الزمن الحاضر، وهو مبتدأ، والظرف في قوله: (حين قدمت) في محل الرفع خبر المبتدإ، والتقدير أي هذا الزمن الحاضر وقت قدومك من السفر (قلت) له: (نعم) الآن قدمت (قال) رسول الله ﷺ : (فدع) أي فاترك (جملك) خارج المسجد (وادخل) أنت المسجد (فصل ركعتين) صنة القدوم من السفر، وفي رواية نبيح المذكورة عند أحمد (فوجدت رسول الله ﷺ مقاومًا رجلًا يكلمه، قال: قلت: دونك يا نبي الله جملك، قال: فأخذ بخطامه ثم نادى بلالًا) الخ (قال) جابر: (فدخلت) المسجد (فصليت) ركعتين (ثم رجعت) إلى النبي ﷺ وهو خارج المسجد (فأمر بلالًا) بـ (أن يزن لي أوقية فوزن لي بلال فأرجح) أي زاد (في الميزان) على الأوقية (قال) جابر: (فانطلقت) أي ذهبت من عند رسول الله ﷺ (فلما وليت) وأدبرت أي ذهبت من عنده موليًا ظهري إليه (قال) رسول الله ﷺ لمن عنده (ادع لي جابرًا فدُعيت) إليه بالبناء للمجهول (فقلت) في نفسي (الآن يرد على)
стр. 6497
الْجَمَلَ. وَلَمْ يَكُنْ شَيء أَبْغَضَ إِلي مِنهُ. فَقَال: "خذ جَمَلَكَ. وَلَكَ ثَمنُهُ".
٣٥٢٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعلَى. حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ. قَال: سَمِعْتُ أَبِي
ــ
رسول الله ﷺ (الجمل، ولم يكن شيء) من كل مبغوض لي (أبغض إلي) أي أكثر مبغوضية عندي (منه) أي من ذلك الجمل يعني بعدما بعته لرسول الله ﷺ فكنت أكره أن أكلف رسول الله ﷺ البعير والثمن كليهما، وإلا فقد رُوي أنه كان من أحب النواضح إلى جابر (فـ) لما جئته (قال) لي رسول الله ﷺ : (خذ جملك) أي الذي بعته لي (ولك) باقي (ثمنه) الذي قضيته لك.
وفي رواية نبيح المذكورة عند أحمد قال: فبينما هو كذلك، إذ ذهبت إلى بيتي ولا أشعر، قال فنادى: أين جابر؟ قالوا: ذهب إلى أهله، قال: أدرك ائتني به، قال: فأتاني رسوله يسعى، قال: يا جابر يدعوك رسول الله ﷺ قال: فأتيته، فقال: "فخذ جملك" قلت: ما هو جملي، وإنما هو جملك يا رسول الله، قال: "خذ جملك" قلت: ما هو جملي، إنما هو جملك يا رسول الله، قال: "خذ جملك" فأخذته قال فقال: "لعمري ما نفعناك لننزلك عنه" قال: فجئت إلى عمتي بالناضح معي وبالأوقية قال فقلت لها: ما ترين رسول الله ﷺ أعطاني أوقية ورد على جملي، وكان رسول الله ﷺ زاد على الأوقية قيراطًا وبقي هذا القيراط عند جابر إلى يوم الحرة فقد أخرج أحمد من طريق سالم بن أبي الجعد قال: فقال: يا بلال زن له وقية وزده قيراطًا، قال: قلت: هذا قيراط زادنيه رسول الله ﷺ لا يفارقني أبدًا حتى أموت قال: فجعلناه في كيس فلم يزل عندي حتى جاء أهل الشام يوم الحرة فأخذوه فيما أخذوا، وفي رواية وهب بن كيسان عند أحمد: وزاد بي شيئًا يسيرًا قال: فوالله ما زال ينمي عندنا ونرى مكانه من بيتنا حتى أُصيب فيما أصاب الناس يعني يوم الحرة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة سادسًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٥٢٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن عبد الأعلى) القيسي البصري، ثقة، من (١٠) (حدثنا المعتمر) بن سليمان التيمي البصري، ثقة، من (٩) (قال: سمعت أبي)
стр. 6498
حَدَّثَنَا أَبُو نَضرَةَ، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ. قَال: كُنا فِي مَسِيرٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَأَنا عَلَى نَاضِحٍ. إِنمَا هُوَ فِي أُخرَيَاتِ الناسِ. قَال: فَضَرَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أوْ قَال نخَسهُ. (أُرَاهُ قَال) بِشَيء كَانَ مَعَهُ. قَال: فَجَعَلَ بَعْدَ ذلِكَ يَتَقَدمُ الناسَ. يُنَازعُني حتى إِني لأكُفَّهُ. قَال: فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أتبِيعُنيهِ بِكَذَا وَكَذَا؟ واللهُ يَغْفِرُ لَكَ" قَال: قُلتُ: هُوَ لَكَ. يَا نَبِي اللهِ! قَال: "أَتَبِيعُنِيهِ بِكَذَا وَكَذَا؟ وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ" قَال: قُلْتُ: هُوَ لَكَ. يَا نَبِيَّ اللهِ! قَال: وَقَال لِي: "أَتَزَوَّجْتَ بَعدَ أَبِيكَ؟ " قُلتُ: نَعَمْ. قَال: "ثَيِّبًا
ــ
سليمان بن طرخان التيمي البصري، ثقة، من (٤) (حدثنا أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي البصري، ثقة، من (٣) (عن جابر بن عبد الله) ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي نضرة لوهب بن كيسان (قال) جابر: (كنا في مسير) أي في سفر، والراجح أنه سفر غزوة ذات الرقاع (مع رسول الله ﷺ وأنا) أي والحال أني (على ناضح) وهو البعير الذي يستقى عليه (إنما هو) أي ذلك الناضح (في أخريات الناس) أي في أواخرهم يعني لبطئه وعدم إسراعه (قال) جابر: (فضربه رسول الله ﷺ بمحجن في يده (أو قال) جابر: (نخسه) بمحجنه، والنخس الطعن كما مر قريبًا، والشك من أبي نضرة، قال أبو نضرة: (أراه) أي أظن جابرًا (قال) ضربه (بشيء كان معه) ﷺ أي في يده (قال) جابر: (فجعل) أي شرع البعير (بعد ذلك) أي بعد أن ضربه النبي ﷺ (يتقدم الناس) أي أن يتقدم على أبعرة الناس حالة كونه (ينازعني) أي يعارضني ويجاذبني لإسراعه (حتى إني لأكفه) أي لأمنعه من الإسراع لئلا يبعد عن رسول الله ﷺ (قال) جابر: (فقال رسول الله ﷺ : أتبيعنيه) أي هل تبيعني هذا البعير (بكذا وكدا) درهمًا (والله يغفر لك) يا جابر (قال) جابر: (قلت) له ﷺ : (هو) أي هذا البعير الك) بلا عوض (يا نبي الله، قال) رسول الله ﷺ مرة ثانية: (أَتبيعُنِيه) يا جابر (بكذا وكذا والله يغفر لك، قال) جابر: (قلت) له ﷺ : (هو لك) بلا عوض (يا نبي الله، قال) جابر: (وقال لي) رسول الله ﷺ : (أتزوجت) أي هل تزوجت يا جابر (بعد) وفاة (أبيك؟ قلت) له: (نعم) تزوجت يا رسول الله (فقال) رسول الله ﷺ : هل تزوجت (ثيبًا
стр. 6499
أَم بِكرًا؟ " قَال: قُلْتُ: ثَيِّبًا. قَال: (فَهَلا تَزَوَّجتَ بكرًا تُضَاحِكُكَ وَتُضَاحِكُهَا، وَتُلاعِبُكَ وَتُلاعِبُهَا؟ ".
قَال أَبُو نَضرَةَ: فَكَانَتْ كَلِمَةً يَقُولُهَا المسلِمُونَ. افعَل كَذَا وَكَذَا. وَاللهُ يَغفِرُ لَكَ
ــ
أم بكرًا؟ قال) جابر: (قلت) له: تزوجت (ثيبًا، قال) لي: (فهلا تزوجت بكرًا تضاحكك وتضاحكها وتلاعبك وتلاعبها) وهذا كما مر يدل على تفضيل نكاح الأبكار كما قال في الحديث الآخر: (فإنهن أطيب أفواهًا وأنتق أرحامًا) وتلاعبها من اللعب بدليل قوله: وتضاحكها اهـ مفهم (قال أبو نضرة) بالسند السابق (فكانت كلمة) بالنصب خبر كان مقدم على اسمها، وجملة (يقولها المسلمون) صفة لكلمة، وقوله: (افعل كذا وكذا والله يغفر لك) اسم كان مؤخر محكي، والتقدير فكانت لفظة افعل كذا وكذا والله يغفر بعد ذلك اليوم كلمة جارية على ألسنة الناس يقولها المسلمون بعضهم لبعض في محاوراتهم والله أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان الأول: حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال، والثاني: حديث جابر ذكره للاستشهاد وذكر فيه ست متابعات والله أعلم.
***
стр. 6500
٥٤٢ - (٢٨) باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة ومداراة النساء وخيانتهن الأزواج
٣٥٢٣ - (١٣٩٤) (١٥٤) حدثني مُحَمَّدُ بن عَبدِ اللهِ بنِ نُمَيرٍ الهَمدَانِي. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ. حَدَّثَنَا حَيْوَةُ. أَخبَرَنِي شُرَحبِيلُ بن شَرِيكٍ؛ أَنهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرحْمَنِ الحُبُلِيَّ يُحَدِّثُ، عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "الدنيَا مَتَاعٌ. وَخَيرُ مَتَاعِ الدنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ"
ــ
٥٤٢ - (٢٨) باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة ومداراة النساء وخيانتهن الأزواج
٣٥٢٣ - (١٣٩٤) (٥٤ ١) (حدثني محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني) الكوفي (حدثنا عبد الله بن يزيد) القصير المصري المكي، ثقة، من (٩) (حدثنا حيوة) بن شريح بن صفوان التجيبي المصري، ثقة، من (٧) (أخبرني شرحبيل بن شريك) المعافري المصري، صدوق، من (٦) (أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي) المعافري عبد الله بن يزيد المصري، ثقة، من (٣) حالة كونه (يحدث عن عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل القرشي السهمي أبي عبد الرحمن المصري ﵁، وهذا السند من سداسياته رجاله خمسة منهم مصريون وواحد كوفي (أن رسول الله ﷺ قال: الدنيا) أي دارها ونعيمها (متاع) أي شيء يُتمتع به حينًا ما كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] (وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) وهي الصالحة في دينها ونفسها، والمُصْلحة لحال زوجها، وهذا كما قال في الحديث الآخر (ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء! قالوا: بلى، قال: (المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرَّتْه وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته") رواه أبو داود [١٦٦٤]. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النسائي [٦/ ٦٩]. قال الأبي: المتاع ما يُستمتع به من متاع الدنيا قليلًا أو كثيرًا ولا يبعد أنه إشارة إلى أن متنعمات الدنيا حقيرة لا يؤبه بها، ولذلك لما ذكر الله تعالى أصناف متمتعاتها في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ الآية، قال بعد ذلك: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] وخص هنا منها المرأة وقيدها بالصلاح ليؤذن بأنها شر متاعها إذا لم تكن بتلك الصفة، وفي حديث أسامة (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) وكونها في هذا الحديث أضر يتناول الزوجة مع زوجها فإنها إذا لم يمنعها
стр. 6501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصلاح كانت عين المفسدة فلا تأمر زوجها ولا تحثه إلا على شر وأقل ذلك أن ترغبه في الدنيا حتى يتهالك فيها، وأي شر أضر من ذلك، فحديث الباب من معنى ما تقدم من حديث (فاظفر بذات الدين تربت يداك).
فائدة في الصفات المطلوبة في الزوجة
وجملة ما استفيد من الأحاديث من الصفات المطلوبة في الزوجة عشرة:
الأول منها: أن تكون صالحة ذات دين كما في حديث الباب وكما مر في حديث أبي هريرة قبل هذا الباب، وأخرج ابن ماجه عن أبي أمامة مرفوعًا (ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله).
والثاني منها: أن تكون ذات حسبٍ ونسب لما مر في حديث أبي هريرة ولما رُوي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده" أخرجه البخاري في باب إلى من ينكح.
الثالث: أن تكون بكرًا لما أخرجه ابن ماجه عن عتبة بن عويم قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأنتق أرحاما وأرضى باليسير" أخرجه الطبراني عن ابن مسعود بسند ضعيف كما في مجمع [٤/ ٢٥٩].
الرابع: أن تكون ولودًا ودودًا لما روى النسائي وغيره عن معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب إلا أنها لا تلد أفاتزوجها، فنهاه، ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فنهاه، فقال: "تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم".
والخامس: أن تكون حسنة القيام بأمور البيت لما ورد في حديث ابن عمر (المرأة راعية على بيت زوجها وولده" أخرجه البخاري في النكاح والأحكام.
والسادس: أن تكون مطيعة لزوجها لما أخرجه النسائي عن أبي هريرة قال: قيل يا
стр. 6502
٣٥٢٤ - (١٣٩٥) (١٥٥) وحدَّثني حَرمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخبَرَنَا ابْنُ وَهْب. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدثَنِي ابْنُ الْمُسَيبِ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن الْمَرْأَةَ كَالضلعِ
ــ
رسول الله أي النساء خير؟ قال: "التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره".
والسابع: أن تكون عفيفة لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ﴾ [النور: ٣].
والثامن: أن تكون ذات جمال يستحسنه الرجل لما مر في باب استحباب نكاح ذات الدين.
والتاسع: أن لا تكون غيرتها شديدة لما روى أنس ﵁ قالوا: يا رسول الله ألا تتزوج من نساء الأنصار؟ قال: "إن فيهم لغيرة شديدة" أخرجه النسائي.
والعاشر منها: أن تكون خفيفة المؤنة لا يحتاج نكاحها إلى مؤونة شديدة وذلك لما أخرجه أحمد والحاكم عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "من يُمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها وتيسير رحمها" صححه الحاكم وأقره الذهبي، وقال العراقي: سنده جيد. والمراد من تيسير الرحم أن تكون سريعة الحمل كثيرة النسل، راجع الفتح الرباني. وأخرج البزار عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة" راجع كشف الأستار عن زوائد البزار والله أعلم. اهـ من التكمِلة.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٥٢٤ - (١٣٩٥) (١٥٥) (وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب حدثني) سعيد (بن المسيب) بن حزن (عن أبي هريرة) وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة مصريون (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إن المرأة كالضلع) بكسر الضاد وفتح اللام واحد الأضلاع؛ وهي عظام الجنبين، ووجه الشبه الاعوجاج، قال أهل اللغة: الضلع مؤنث، والمشهور في لامها الفتح وقد
стр. 6503
إِذَا ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا. وَإِنْ تَرَكْتَهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفيهَا عَوَجٌ".
٣٥٢٥ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيرُ بن حَربٍ وَعَبدُ بن حُمَيد. كِلاهُمَا عَن يَعقُوبَ بنِ إِبراهِيمَ بنِ سَعدٍ، عَنِ ابْن أَخِي الزهرِي،
ــ
تُسكن (إذا ذهبت) وقصدت أن (تقيمها كسرتها) أي إذا أردت أيها الرجل تسوية عوجها وتقويمه كسرتها، ويأتي أن كسرها طلاقها (وإن تركتها) على حالها (استمتعت بها) أي تمتعت بها (وفيها عوج) أي اعوجاج، ضبطه بعضهم هنا بفتح العين وبعضهم بكسرها ولعل الفتح أكثر، وضبطه ابن عساكر بالكسر وهو الأرجح على ما سننقله من أهل اللغة إن شاء الله تعالى قريبًا، قال أهل اللغة: العوج بالفتح في كل منتصب كالحائط والعود وشبهه، وبالكسر ما كان في بساط أو أرض أو معاش أو دين، ويقال فلان في دينه عوج بالكسر هذا كلام أهل اللغة، قال صاحب المطالع: قال أهل اللغة: العوج بالفتح في كل شخص مرئي، وبالكسر فيما ليس بمرئي كالرأي والكلام اهـ. وفي الحديث دليل لما يقوله المفسرون أن حواء خُلقت من ضلع آدم، قال القرطبي: أي أخرجت منه كما تخرج النخلة من النواة، واختلف متى خُلقت من ضلع آدم قيل قبل دخوله الجنة، وقيل في الجنة اهـ نواوي، قال الثعالبي: لما أسكن. الله آدم الجنة كان يمشي فيها وحشًا لم يكن من يؤانسه فألقى الله عليه النوم فنام فأخذ القصيراء من أضلاعه دون أن يجد آدم ألمًا لذلك، وفيه إشارة إلى تنويم أهل العصر الحديث المريض بالبنج عندما يعملون العملية، فخلق منها حواء ثم ألبسها وزينها بأنواع الزينة وأجلسها عند رأسه، وفيه إشارة إلى تزيين العروس الآن، فلما انتبه وجدها عند رأسه فسألته الملائكة عنها ليمتحنوا علمه فعرفهم باسمها وبما خُلقت له اهـ من الأبي: قال النواوي: وفي هذا الحديث ملاطفة النساء والإحسان إليهن والصبر على عوج أخلاقهن واحتمال ضعف عقولهن وكراهة طلاقهن بلا سبب وأنه لا يطمع باستقامتها والله أعلم اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥١٨٤]، والترمذي [١١٨٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٥٢٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه زهير بن حرب وعبد بن حميد كلاهما عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من (٩) (عن) محمد (بن أخي الزهري) عبد الله بن مسلم بن شهاب الزهري المدني، صدوق،
стр. 6504
عَن عَمِّهِ، بِهذَا الإِسنَادِ، مِثلَهُ سَوَاء.
٣٥٢٦ - (٠٠) (٠٠) حدثنا عَمرٌو الناقِدُ وَابنُ أَبِي عُمَرَ. (وَاللفظُ لابنِ أَبِي عُمَرَ) قَالا: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَن أَبِي الزنَادِ، عَنِ الأَعرَجِ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ المَرأَةَ خُلِقَت مِن ضِلعٍ. لَن تَستقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ. فَإنِ استَمتعتَ بِهَا استمتَعتَ بِهَا وَبِهَا عَوَجٌ. وَإِن ذَهَبتَ تُقِيمُهَا كسَرتَهَا وكَسرُهَا طَلاقهَا"
ــ
من (٦) روى عنه في (٣) أبواب (عن عمه) محمد بن مسلم الزهري (بهذا الإسناد) يعني عن ابن المسيب عن أبي هريرة وساق ابن أخي الزهري (مثله) أي مثل ما روى يونس عن ابن شهاب، غرضه بيان متابعة ابن أخي الزهري ليونس بن يزيد في الرواية عن ابن شهاب. وقوله: (سواء) حال من مثله وهو تأكيد لمعنى المماثلة، والتقدير حالة كون ذلك المثل مساويًا للحديث السابق لفظًا ومعنى.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٥٢٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (و) محمد (ابن) يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (واللفظ لابن أبي عمر قالا: حدثنا سفيان) بن عيينة (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة الأعرج لابن المسيب (قال: قال رسول الله ﷺ : إن المرأة) أي إن أصلها وأمها وهي حواء (خُلقت) أي أخرجت (من ضلع) آدم الأعوج؛ أي أخرجت منها كما تخرج النخلة من النواة، ويحتمل أنه تمثيل أي مثل ضلع في الاعوجاج أي فهي كالضلع الأعوج، ويشهد له قوله: (لن تستقيم) أي لن تثبت (لك على طريقة) مستقيمة عادلة (فإن استمتعت بها) أي أردت الاستمتاع بها (استمتعت بها) أي تمتعت بها (وبها عوج) أي والحال أن بها ميلًا عن حالة الاعتدال (وإن ذهبت) أي قصدت أن (تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها) يعني إن كان لا بد من الكسر فكسرها طلاقها، والطلاق بلا سبب شرعي مكروه، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيهِنَّ سَبِيلًا﴾ وفي حديث
стр. 6505
٣٥٢٧ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا حُسَينُ بن عَلِيّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَيسَرَةَ، عَنْ أَبِي حَازِم، عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَإِذَا شَهِدَ أَمرًا فَليَتَكَلمْ بِخَير
ــ
الجامع الصغير: "إن المرأة خُلقت من ضلع، وإنك إن ترد إقامة الضلع تكسرها فدار لها تعش معها". وهذا الحديث من أبلغ الكلام وأحسن التشبيه والمراد أنه لا ينبغي للرجل أن يطمع في استقامة المرأة كل الاستقامة فمن حاول حملها على الأخلاق المستقيمة أفسدها ومن تركها على ما هي عليه انتفع بها، وفيه إشارة إلى أن بعض الاعوجاج في أخلاق المرأة ليس بعيب فيها كما أنه ليس بعيب في الضلع فلا ينبغي للرجل أن يطلب فيها أخلاق الرجال فإن الله تعالى قد خلق كلًّا من الصنفين بخصائص لا توجد في الآخر، والمراد بتشبيه المرأة بالضلع أن استواءَهَا والانتفاع بها مع اعوجاجها قال الشاعر:
هي الضلع العوجاء لست تقيمها ... ألا إن تقويم الضلوع انكسارها
أتجمع ضعفًا واقتدارًا على الفتى ... أليس عجيبًا ضعفها واقتدارها
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٥٢٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي) بن الوليد الجعفي أبو عبد الله الكوفي، ثقة، من (٩) (عن زائدة) بن قدامة الثقفي أبي الصلت الكوفي، ثقة، من (٧) (عن مبسرة) بن عمار، وقيل ابن تمام الأشجعي الكوفي، روى عن أبي حازم في النكاح، وأبي عثمان النهدي وسعيد بن المسيب وعكرمة، ويروي عنه (خ م س) وزائدة بن قدامة والثوري وزهير بن معاوية وغيرهم، وثقه أبو زرعة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: من السادسة، وليس في مسلم من اسمه ميسرة إلا هذا الثقة (عن أبي حازم) الأشجعي مولى عزة الكوفي، ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم كوفيون إلا أبا هريرة (عن النبي ﷺ قال: من كان يومن بالله واليوم الآخر فإذا شهد) الفاء زائدة في جواب الشرط أي من كان يؤمن بالله واليوم الآخر إذا رأى من زوجته (أمرًا) لا ينبغي كنشوز واستطالة عليه (فليتكلم بخير) أي بكلام حسن طيب، كأن يعظها ويقول لها:
стр. 6506
أَوْ لِيَسْكُتْ. وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ. فَإنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ. وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاهُ. إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ. وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ. اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا"
ــ
اعلمي أن النشوز مسقط للنفقة ويوجب لك اللعنة من الله (أو ليسكت) عن الكلام مطلقًا أو عن الكلام السيئ كسبها والطعن في عرضها ونسبها وحسبها (واستوصوا بالنساء) أي اقبلوا وصيتي فيهن وارفقوا بهن وأحسنوا عشرتهن اهـ مناوي، لأن فيه رمزًا إلى التقويم برفق بحيث لا يبالغ فيه فيكسر ولا يتركه فيستمر على عوجه فيؤخذ منه أن لا يتركهن على الاعوجاج إذا تعدت إلى تعاطي المعصية، وإنما المراد أن يتركها على اعوجاجها في الأمور المباحة اهـ عسقلاني، وفي التيسير: من الوصية بهن تأديبهن إن تعين، سمع أبو حنيفة امرأة تصيح لضرب زوجها لها فقال: صدقة مقبولة وحسنة مكتوبة، فقيل له: كيف؟ قال لحديث: "ضرب الجاهل صدقة" وأنا أعرفها جاهلة اهـ من بعض الهوامش. قال الأبي: الاستيصاء قبول الوصية، فالمعنى أوصيكم بهن خيرًا فاقبلوا وصيتي فيهن (فإن المرأة خُلقت من ضلع) أي من أصل معوج، فإن أول النساء وهي حواء كما جاء في الحديث أخرجت من ضلع آدم (وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه) الذي يلي الإبط وهو أقصره مرة (إن ذهبت) وقصدت (تقيمه) أي أن تقيم ذلك الضلع الأعوج وتعدله، وأعاد الضمير عليه مذكرًا على تأويله بالعضو وإلا فالضلع مؤنث كما مر (كسرته) أي كسرت ذلك الضلع (وإن تركته) بلا تعديل (لم يزل أعوج) واستعمال أعوج من عوج شاذ لأنه من العيوب يعني أنها خُلقت من أعوج أجزاء الضلع فلا يتهيأ الانتفاع بها إلا بالصبر والمداراة معها على تعوجها، ذكر ذلك مبالغة في إثبات هذه الصفة لها (استوصوا بالنساء خيرًا) ختم بما بدأ به ذهابًا إلى شدة المبالغة في الوصية بهن، ويحتمل أنه يكون من الخطاب العام أي ليوص بعضكم بعضًا بهن، ويحتمل أن تكون السين للطلب مبالغة أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن اهـ أبي. وهذه الرواية انفرد بها الإمام مسلم رحمه الله تعالى. قوله: (إن المرأة خُلقت من ضلع) ويحتمل أن يكون هذا تشبيهًا ويؤيده ما مر في الرواية السابقة من التصريح بحرف التشبيه، ويحتمل أن يكون بيان أن المرأة قد خُلقت من ضلع آدم ﵇، قال النووي: وفيه دليل لما يقوله الفقهاء وغيرهم أن حواء خُلقت من ضلع آدم كان النووي يشير إلى قول الشافعي رحمه الله تعالى: إن الله
стр. 6507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى لما خلق آدم خُلقت حواء من ضلعه القصير فصار بول الغلام من الماء والطين وبول الجارية من اللحم والدم أخرجه ابن ماجه في باب بول الصبي الذي لم يطعم، ولكنه ليس قولًا للفقهاء فقط، وإنما هو مروي من عدة آثار فقد أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس أن حواء خُلقت من ضلع آدم الأقصر الأيسر وهو نائم، وكذا أخرجه ابن أبي حازم وغيره من حديث مجاهد ذكرهما الحافظ في الفتح، ويؤيده قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
قوله: (وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه) قيل فيه إشارة إلى أن أعوج ما في المرأة لسانها.
قوله: (استوصوا بالنساء خيرًا) فيه إشارة إلى أن تشبيه المرأة بالضلع لا ينافي إيصاءهن بالخير وأمرهن بالمعروف فالمراد أن المرأة إنما تقوم برفق بحيث لا يبالغ فيه فتكسر ولا يتركه فتستمر على عوج، وإلى هذا المعنى أشار البخاري حيث أتبع هذا الحديث بباب ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ فيؤخذ منه أنه لا يتركها على العوج إذا تعدت بما طُبعت عليه من النقص إلى تعاطي المعصية أو ترك الواجب، وإنما المراد أن يتركها على اعوجاجها في الأمور المباحة وفيما لا يضر عوجها فيه ضررًا بينًا وإلا لما أمر الله تعالى بقوله: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ ولَمَا أنكر رسول الله ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها في تعليق القرام. فالحاصل أن حديث الباب لا ينهى عن تقويم المرأة وتأديبها مطلقًا، وإنما ينهى عن المبالغة والتشدد في ذلك ويندب إلى المداراة لاستمالة النفوس وتأليف القلوب إلى سياسة النساء بأخذ العفو منهن والصبر على ما جُبلت عليه من العوج وإلى ترك المسارعة في أمر الطلاق والله أعلم.
(فائدة مستطردة): قال الغزالي في الإحياء: وكانت نساء العرب يُعلمن بناتهن اختبار الأزواج، كانت المرأة تقول لابنتها: اختبري زوجك قبل الإقدام والجرأة عليه، انزعي زج رمحه فإن سكت على ذلك فقطعي اللحم على ترسه، فإن سكت على ذلك فكسري العظام بسيفه فإن صبر فاجعلي الإكاف على ظهره وامتطيه فإنما هو حمارك اهـ إتحاف السادة المتقين للزبيدي اهـ تكملة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له ﵁ فقال:
стр. 6508
٣٥٢٨ - (١٣٩٦) (١٥٦) وحدَّثني إِبرَاهِيمُ بن مُوسَى الرَّازِي. حَدَّثَنَا عِيسَى (يَعْنِي ابنَ يُونُسَ). حَدَّثَنَا عَبدُ الحَمِيدِ بن جَعفَرٍ، عَن عِمرَانَ بنِ أَبِي أنسٍ. عَن عُمَر بْنِ الحَكَمِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَفرَك مُؤمِنٌ مُؤمِنَةً. إِن كَرهَ مِنهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنهَا آخرَ" أو قَال: "غيرَهُ"
ــ
٣٥٢٨ - (١٣٩٦) (١٥٦) (وحدثني إبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي أبو إسحاق (الرازي) ثقة، من (١٠) (حدثنا عيسى يعني ابن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة، من (٨) (حدثنا عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله الأنصاري أبو الفضل المدني، صدوق، من (٦) روى عنه في (٩) أبواب (عن عمران بن أبي أنس) القرضي العامري المدني أو المصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (٤) أبواب (عن عمر بن الحكم) بن رافع الأنصاري أبي حفص المدني، حليف الأوس، روى عن أبي هريرة في النكاح والفتن، وعبد الله بن عمرو في العلم، وجابر وكعب بن مالك، ويروي عنه (م دت س) وعمران بن أبي أنس وابن أخيه جعفر بن عبد الله بن الحكم وعبد الحميد بن جعفر، وثقه أبو زرعة، وذكره ابن حبان في المات، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد رازي (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : لا يفرك) من بابي سمع ونصر، يقال فركه يفركه إذا أبغضه، والفرك البغض، أي لا يبغض (مؤمن) يعني زوجًا (مؤمنة) يعني زوجة، أي لا يبغضها بغضا يؤدي إلى تركها وإعراضه عنها، قال الأبي: الفِرك بكسر الفاء هو بغض أحد الزوجين الآخر، قيل فهو نفي في معنى النهي أي لا ينبغي للرجل أن يبغضها بغضا تاما إذا رأى منها ما يكره لأنه (أن كره منها خُلقًا) لا يوافقه (رضي منها) خُلقا (آخر) يوافقه فيُقابل هذا بذاك (أو قال) أبو هريرة: رضي منها (غيره) أي غير الخُلق الذي كره، والشك من عمر بن الحكم أو ممن دونه، ويحتمل أن يكون من أبي هريرة، قال القرطبي: أي لا يبغضها بغضا كليًّا يحمله على فراقها أي لا ينبغي له ذلك بل يغفر سيئها لحسنها ويتغاضى عما يكره لما يحب، وأصل الفرك إنما يقال في النساء يقال: فركت المرأة زوجها تفركه وأبغض الرجل امرأته، وقد استعمل الفرك في الرجل قليلًا وتجوزًا، ومنه ما في هذا الحديث اهـ من المفهم. وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
стр. 6509
٣٥٢٩ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا مُحَمدُ بن المُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ. حَدَّثَنَا عَبدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعفَرٍ. حَدَّثَنَا عِمرَانُ بن أَبِي أَنس، عَن عُمَرَ بنِ الحَكَمِ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ . بِمِثلِهِ.
٣٥٣٠ - (١٣٩٧) (١٥٧) حدثنا هَارُونُ بن مَعرُوف. حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بن وَهبٍ. أَخبَرَنِي عَمرُو بن الْحَارِثِ؛ أَن أَبَا يُونُسَ، مَولَى أَبِي هُرَيرَةَ، حَدَثهُ عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَال: "لَولا حَواءُ، لَمْ تَخُن أُنثَى زَوجَهَا الدهرَ"
ــ
٣٥٢٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد بن الضحاك الشيباني البصري، ثقة ثبت، من (٩) (حدثنا عبد الحميد بن جعفر) الأنصاري المدني (حدثنا عمران بن أبي أنس) القرشي المدني (عن عمر بن الحكم) الأنصاري المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة أبي عاصم لعيسى بن يونس (عن النبي ﷺ وساق أبو عاصم (بمثله) أي بمثل حديث عيسى بن يونس، وفائدتها بيان كثرة طرقه.
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث آخر لأبي هريرة ﵁ فقال:
٣٥٣٠ - (١٣٩٧) (٥٧ ١) (حدثنا هارون بن معروف) المروزي أبو علي الضرير نزيل بغداد، ثقة، من (١٠) (حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقة، من (٩) (أخبرني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم أبو أيوب المصري، ثقة، من (٧) (أن أبا يونس) سليم بن جبير (مولى أبي هريرة) الدوسي المدني، ثقة، من (٣) (حدثه) أي حدّث لعمرو بن الحارث (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان مصريان وواحد مروزي (عن رسول الله ﷺ قال: لولا حواء) أي لولا خيانة حواء لآدم وغشها له بتزيين أكل الشجرة له، أي لولا خيانتها لآدم موجودة (لم تخن أنثى زوجها الدهر) أي أبدًا، أي لولا أن حواء خانت آدم في إغرائه وتحريضه على مخالفة النهي بتناول الشجرة وسنت هذه السنة لما سلكتها أنثى مع زوجها اهـ قاضي، وذلك خيانة منها له فنزع العرق في بناتها، وليس
стр. 6510
٣٥٣١ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا مُحَمدُ بن رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاقِ. أَخبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمامِ بْنِ مُنَبِّه. قَال: هذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ. مِنهَا: وَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ :
ــ
المراد بالخيانة هنا الزنا اهـ مناوي، إذ خيانة الفجور لم تقع من امرأة نبي قط ذكره الزمخشري في تفسير سورة التحريم عند قوله تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. وانتصاب الدهر على الظرفية أي أبدًا، وقال القرطبي: يعني أنها أمهن فأشبهنها بالولادة ونزع العرق لما جرى في قصة الشجرة مع إبليس فإنه أغواها من قبل آدم حتى أكلت من الشجرة، ثم إنها أتت آدم فزينت له ذلك حتى حملته على أن أكل منها اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٣٣٣٠].
وقوله: (لولا حواء) بالمد، قال ابن عباس: سُميت حواء لأنها أم كل حي، أو لأنها خُلقت من ضلع آدم القصرى اليسرى وهو حي قبل دخوله الجنة، وقيل فيها، قاله العيني، وقيل إنها ولدت لادم أربعين ولدًا في عشرين بطنًا في كل بطن ذكر وأنثى، وفي الحديث إشارة إلى تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم بما وقع من أمهن الكبرى وأن ذلك من طبعهن فلا يفرط في لوم من وقع منها شيء من غير قصد إليه أو على سبيل الندور، وينبغي لهن أن لا يتمسكن بهذا في الاسترسال في هذا النوع بل يضبطن أنفسهن ويجاهدن هواهن كذا في الفتح.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٣٥٣١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (عن همام بن منبه) بن كامل اليماني الصنعاني (قال) همام: (هذا) الحديث الذي أحدثه لكم من هذه الصحيفة (ما حدثنا) به (أبو هريرة عن رسول الله ﷺ وهذا إشارة إلى أن هذا الحديث مأخوذ من الصحيفة الصادقة التي أملاها أبو هريرة على تلميذه همام بن منبه، وهذا الحديث هو الحديث السابع والخمسون من تلك الصحيفة [ص ٩٩] بهذا اللفظ بعينه، وهذه الصحيفة موجودة أيضًا في مسند أحمد [٢/ ٣١٢ - ٣١٨]. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة همام لأبي يونس (فذكر) همام (أحاديث منها) قال رسول الله ﷺ كذا وكذا (وقال رسول الله ﷺ :
стр. 6511
"لَولا بَنُو إِسرَائِيلَ، لَم يخبُثِ الطعَامُ، وَلَم يَخنَزِ اللحمُ. وَلَولا حَوَّاءُ، لَم تَخُن أُنثَى زَوجَهَا الدهرَ"
ــ
لولا بنو إسرائيل) أي لولا ادخار بني إسرائيل الطعام واللحم في زمن موسى ﵇ أي لولا ادخارهم موجود (لم يخبث الطعام) بضم الموحدة من باب فعل المضموم أي لم يفسد الطعام ولم تتغير رائحته بطول الزمان (ولم يخنَزِ) بفتح النون وكسرها، من باب ضرب وفتح ومصدره الختز والخنوز أي لم ينتن (اللحم) ولم يتغير، أي لولا ادخارهم اللحم الذي نهوا عن ادخاره موجود لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم إذا ادخرا، قال العلماء: معناه أن بني إسرائيل أنزل الله عليهم المن والسلوى ونُهوا عن ادخارهما، فادخروا ففسد وأنتن عقوبة لهم على ادخارهم واستمر ذلك من ذلك الوقت، قال الفيومي: إن أهل الحجاز إذا أطلقوا الطعام عنوا به البُر خاصة، وفي العرف الطعام اسم لما يؤكل مثل الشراب اسم لما يُشرب اهـ.
قال القاضي عياض: لما أنزل الله سبحانه المن والسلوى على بني إسرائيل فكان يسقط عليهم في مجالسهم كالثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فيؤخذ منه كل يوم ما يُغني ذلك اليوم إلا يوم الجمعة فإنهم يأخذون له وللسبت إلى أن قصدوا إلى أكثر من ذلك وادخروه ففسد فكان ادخارهم فسادًا عليهم وعلى غيرهم أبدًا.
(فائدة مستطردة): أخرج الإمام أبو نعيم الأصبهاني عن وهب بن منبه قرأت في بعض الكتب: لولا أني كتبت النتن على الميت لحبسه الناس في بيوتهم، ولولا أني كتبت الفساد على الطعام لخزنته الأغنياء عن الفقراء، ولولا أني أذهبت الهم والغم لم تعمر الدنيا ولم أعبد" راجع له ترجمة وهب بن منبه من حلية الأولياء [٤/ ٣٧ و ٣٨].
(ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر) مر الكلام فيه قريبًا.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث: الأول: حديث عبد الله بن عمرو ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني: حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والثالث: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستشهاد به وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع: حديث أبي هريرة الثالث ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
стр. 6512
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٨ - كتاب الطلاق
ــ
١٨ - كتاب الطلاق
والطلاق لفظ جاهلي جاء الشرع بتقريره، وهو لغة: حل القيد؛ أي فكه سواء كان ذلك القيد حسيًا كقيد البهيمة أو معنويًا كعصمة النكاح فلذلك كان المعنى اللغوي أعم من المعنى الشرعي لأن القيد فيه معنوي فقط كما هو القاعدة الغالبة، ومن المعنى اللغوي قولهم ناقة طالقة أي محلول قيدها إذا كانت مرصلة بلا قيد، ومنه ما في قول الإمام مالك رحمه الله تعالى:
العلم صيد والكتابة قيده ... قيد صيودك بالحبال الواثقه
فمن الحماقة أن تصيد غزالة ... وتفكها بين الخلائق طالقه
وشرعًا: حل قيد النكاح المنعقد بين الأزواج بألفاظ مخصوصة كطلاق ونحوه، فخرج بقولنا بألفاظ مخصوصة الفسخ وهو إزالة ما يتوهم انعقاده لموجب يمنع العقد كعيب من عيوب النكاح فلا يسمى طلاقًا، وقد يطلق الفسخ ويراد به الطلاق اهـ من المفهم.
وأركانه خمسة: صيغة وهي قسمان صريح وكناية، فالصريح كل لفظ لا يحتمل غير الطلاق وهي ثلاثة ألفاظ: الطلاق، والفراق، والسراح، أي ما اشتق منها كطلقتك، وأنت طالق وفارقتك، وأنت مفارقة، وسرحتك، وأنت مسرحة، ومن الصريح الخلع إن ذكر المال معه ولا يفتقر صريح إلى النية، والكناية كل لفظ احتمل الطلاق وغيره ولا يقع به الطلاق إلا بالنية كالحقي بأهلك، وأنت برية. ومحل وهو الزوجة، وولاية عليه، وقصد، ومطلق اهـ من البيجوري على متن أبي شجاع.
стр. 6513
٥٤٣ - (٢٩) باب في طلاق السنة
٣٥٣٢ - (١٣٩٨) (١٥٨) حدثنا يَحْيَى بن يَحيَى التَّمِيمِي قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنّهُ طَلقَ امرَأَتَه وَهِيَ حَائِض. فِي عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَسَأَلَ عُمَرُ بن الْخَطابِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلِكَ؟ فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مُرهُ فَليُرَاجِعْهَا
ــ
٥٤٣ - (٢٩) باب في طلاق السنة
وهو الطلاق الجائز وهو أن يوقع الزوج الطلاق في طهر غير مجامع فيه فخرج به طلاق البدعة وهو الطلاق الحرام وهو أن يوقع الزوج الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه كما هو مبسوط في كتب الفروع.
٣٥٣٢ - (١٣٩٨) (١٥٨) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير (التميمي) النيسابوري (قال: قرأت على مالك بن أنس) الأصبحي المدني (عن نافع) العدوي مولاهم (عن ابن عمر) ﵄. وهذا السند من رباعياته (أنه) أي أن ابن عمر (طلق امرأته) أي زوجته. ذكر النووي في تهذيب الأسماء: أن اسمها امنة بنت غفار -بكسر الغين وتخفيف الفاء- وقيل آمنة بنت عمار، ووقع في مسند أحمد بسند على شرط الشيخين أن عبد الله طلق امرأته النوّار، ويمكن الجمع بينهما بان يكون اسمها آمنة ولقبها النوّار هذا ملخص ما في فتح الباري وتلخيص الحبير (وهي) أي والحال أنها (حائض في عهد رسول الله ﷺ أي في زمن حياته، متعلق بطلق (فسأل) والده (عمر بن الخطاب) ﵄ (رسول الله ﷺ عن ذلك) أي عن طلاقه في حالة الحيض هل هو جائز أم لا؟ وهل هو واقع أم لا؟ أي سأله عن حكمه، أي طلق امرأته تطليقة كما صرح به في بعض الرواية فذكر ذلك لوالده عمر فذكر عمر ذلك لرسول الله ﷺ (فقال له) أي لعمر (رسول الله ﷺ : مُرْهُ) أي مُرْ ولدك عبد الله برجعتها إلى نكاحه (فليراجعها) إلى نكاحه، وفي الرواية الأخرى (أن أباه عمر لما ذكر ذلك للنبي ﷺ تغيظ ثم أمره بمراجعتها) فيه دليل على أن الطلاق في الحيض يحرم فإنه أنكره بتغيظه عليه مع أن ابن عمر لم يكن عرف تحريم ذلك عليه فتغيظ بسبب ذلك وأمره بالمراجعة وهو مذهب الجمهور اهـ من المفهم.
стр. 6514
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: (فسأل عمر بن الخطاب) قال ابن العربي: سؤال عمر لرسول الله ﷺ عن ذلك يحتمل وجوها منها أنهم لم يروا قبل هذه النازلة مثلها فأراد السؤال ليعلموا الجواب، ويحتمل أن يكون ذلك معلومًا عنده بالقرآن وهو قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وقد عدم أن هذا ليس بقرء فافتقر إلى معرفة كيفية الحكم فيه، ويحتمل أن يكون سمع من النبي ﷺ النهي فجاء ليسأل عن الحكم بعد ذلك، كذا في عارضة الأحوذي [٥/ ١٢٦].
قال القرطبي: واختلف في منع الطلاق في الحيض فقيل هو تعبدي غير معقول المعنى، وقيل هو معلل بتطويل العدة وهذا على أصلنا في أن الأقراء هي الأطهار وينبني على هذا الخلاف الخلاف في المطلقة قبل الدخول والحامل في حال الحيض فإذا قلنا هو تعبدي لم يجز أن يطلقا وهما حائضان، وإذا قلنا هو للتطويل جاز ذلك لأن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها، ولأن عدة الحامل وضع حملها، وقيل إن علة ذلك خوف الإسراع إلى الطلاق والتساهل فيه بسبب أنه لا يتلذذ الزوج بوطئها لأجل الحيض بل تنفر نفسه منها ويهون عليه أمرها غالبًا فقد تحمله تلك الحالة على الإسراع إلى الطلاق والتساهل فيه، و (الطلاق أبغض الحلال إلى الله) كما قاله ﷺ رواه أبو داود وابن ماجه، لأنه نقيض الألفة المطلوبة شرعا، وإنما شُرع الطلاق تخلصًا من الضرر اللاحق بالزوج، ولذلك كره الطلاق من غير سبب، وإلى هذا الإشارة بقوله: (لا يفرك مؤمن مؤمنة) وبقوله: (والمرأة خُلقت من ضلع أعوج) الحديثين المتقدمين اهـ من المفهم.
وقوله: (مُرْه) أصله أأمره بهمزتين أولاهما للوصل مضمومة تبعًا للعين مثل اقتل والثانية فاء الكلمة ساكنة تبدل تخفيفا من جنس حركة سابقتها فتقول أومر فإذا وصل الفعل بما قبله زالت همزة الوصل وسُكنت الهمزة الأصلية كما في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ لكن استعملها العرب بلا همزة فقالوا: مُرْ لكرة الدوران على الألسنة ولأنهم حذفوا أولًا الهمزة الثانية تخفيفًا ثم حذفوا همزة الوصل استغناء عنها لتحرك ما بعدها وكذا حُكم أأخذ وأ أكل كما بسطنا الكلام على ذلك في شرحنا مناهل الرجال على لامية الأفعال فراجعه إن شئت. (فليراجعها) ظاهره وجوب الرجعة على من طلق امرأته وهي حائض طلاقًا رجعيًّا وهو قول مالك وداود الظاهري وإحدى الروايتين عن أحمد
стр. 6515
ثُمَّ لْيتركْهَا حَتَّى تطْهُرَ. ثُمَّ تَحِيضَ. ثُمَّ تَطْهُرَ. ثُمَّ، إنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ. فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ"
ــ
وهو المختار عند الحنفية، وقال الشافعي: لا تجب الرجعة، وإنما هي مستحبة وهو المختار عند الحنابلة كما في المغني.
واحتج القائلون بالوجوب بصيغة الأمر، وبأن الطلاق في حالة الحيض معصية فوجب التخلص عنها بالقدر الممكن وتعذر ارتفاع المعصية لا يصلح صارفًا للصيغة عن الوجوب لجواز إيجاب رفع أثرها وهو العدة وتطويلها إذ بقاء الشيء بقاء ما هو أثره من وجه فلا تترك الحقيقة واحتج القائلون بالاستحباب بأن ابتداء النكاح غير واجب فاستدامته كذلك، وأما صيغة الأمر في حديث الباب فمحمولة عندهم على الاستحباب اهـ تكملة.
وفيه دليل على أن الطلاق في الحيض يقع ويلزم وهو مذهب الجمهور خلافًا لمن شذ وقال إنه لا يقع لأنه غير مأذون فيه وهُمْ بعض الظاهرية، ثم إذا حكمنا بوقوعه اعتد له بها من عدد الطلاق الثلاث كما قال نافع وابن عمر في هذا الحديث على ما يأتي (ثم ليتركها) أي ليمسكها كما هو رواية أبي داود (حتى تطهر) من الحيضة التي طلقها فيها (ثم تحيض) حيضة أخرى (ثم تطهر) أي من الحيضة الثانية (ثم) بعدما طهرت من الحيضة الثانية (أن شاء) إمساكها في نكاحه (أمسكـ) ـها في نكاحه (بعد) بالبناء على الضم لقطعه عن المضاف إليه ونية معناه أي بعد الطهر من الحيضة الثانية (وإن شاء) تطليقها (طلقـ) ـها في الطهر الثاني (قبل أن يمسـ) ـها أي يجامعها (فإن قلت): الأمر بالرجعة كان لدفع المعصية فما فائدة الأمر بتأخير الطلاق إلى طهر بعد الطهر الذي يلي الحيض؟ قلنا فائدته لئلا تكون الرجعة لأجل الطلاق في الطهر لأنها حينئذٍ مكروهة كما يكره النكاح للطلاق اهـ مبارق، وفي التأخير المذكور فائدة أخرى وهي امتداد مقامه معها فلعله يجامعها فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها فيمسكها فبقاء الزواج أحب من وقوع الفراق على أنها ما كانت راضية بالطلاق اهـ منه، والإشارة في قوله: (فتلك) راجعة إلى الحالة التي عينها بقوله المتقدم لجواز إيقاع الطلاق وهي أن تكون في طهر لم تمس فيه، وهو مبتدأ خبره (العدة) أي فتلك الحالة التي هي الطهر الثاني زمن الشروع في العدة (التي أمر الله أن يُطلّق لها) أي فيها (النساء) بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ
следующие страницы →