← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

٣٥٥٦ - (١٤٠٠) (١٦٠) وحدّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرب. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ (يَعْنِي الدَّسْتَوَائِيَّ) قَال: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ يُحَدِّثُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيد بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ، فِي الْحَرَامِ: يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: ــ قال الحافظ: وبالجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء أعني قول جابر إنها كانت تفعل في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحدًا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ هان كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق والله أعلم اهـ كلامه. ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث ابن عباس ﵄ فقال: ٣٥٥٦ - (١٤٠٠) (١٦٠) (وحدثنا زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم المعروف بابن علية (عن هشام) بن أبي عبد الله سنبر (يعني) به (الدستوائي) أبي بكر البصري (قال) هشام: (كتب إليَّ) رسالة (يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائفي اليمامي، ثقة، من (٥) بأنه كان (يحدّث عن يعلى بن حكيم) الثقفي مولاهم المكي، ثقة، من (٦) روى عنه في (٤) أبواب (عن سعيد بن جبير) الوالبي مولاهم الكوفي، ثقة، من (٣) (عن ابن عباس) ﵄. وهذا السند من سباعياته رجاله اثنان منهم بصريان وواحد طائفي وواحد كوفي وواحد مكي وواحد يمامي وواحد نسائي، وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر (أنه) أي أن ابن عباس (كان يقول في الحرام) أي في تحريم الرجل امرأته على نفسه بأن قال لها: أنت عليّ حرام، فهو عند ابن عباس (يمين يكفِّرها) أي يجب التكفير عنها بكفارة يمين وليس بطلاق، واستدل عليه بفعل النبي ﷺ حيث حرّم عليه بعض نسائه كما سيأتي (وقال ابن عباس) في

стр. 6547

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ــ الاستدلال (لقد كان لكم في رسول الله) أسوة حسنة أي قدوة حسنة [الأحزاب / ٢١]. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥٢٦٦]، والنسائي [٦/ ١٥١]. وفي رواية عن ابن عباس قال: إذا حرّم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها، وذكر مسلم حديث عائشة في سبب نزول قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. قال النواوي: وقد اختلف العلماء فيما إذا قال لزوجته: أنت عليّ حرام، فمذهب الشافعي أنه إن نوى طلاقها كان طلاقًا، وإن نوى الظهار كان ظهارًا، وإن نوى تحريم عينها بغير طلاق ولا ظهار لزمه بنفس اللفظ كفارة يمين ولا يكون ذلك يمينًا، وإن لم ينو شيئًا ففيه قولان للشافعي أصحهما يلزمه كفارة، والثاني أنه لغو لا شيء فيه، ولا يترتب عليه شيء من الأحكام هذا مذهبنا، وحكى القاضي في المسألة أربعة عشر مذهبًا: أحدها المشهور من مذهب مالك أنه يقع به ثلاث طلقات سواء كانت مدخولًا بها أم لا، لكن لو نوى أقل من الثلاث قُبِل في غير المدخول بها خاصة وبهذا المذهب قال أيضًا علي بن أبي طالب وزيد والحسن والحكم. والثاني أنه يقع به ثلاث طلقات ولا تُقبل نيته في المدخول بها ولا في غيرها قاله ابن أبي ليلى وعبد الملك بن الماجشون المالكي. والثالث أنه يقع به على المدخول بها ثلاث طلقات وعلى غيرها واحدة قاله أبو مصعب ومحمد بن عبد الحكم المالكيان والرابع أنه يقع به طلقة واحدة بائنة سواء المدخول بها وغيرها وهو رواية عن مالك. والخامس أنها طلقة رجعية قاله عبد العزيز بن أبي سلمة المالكي. والسادس أنه يقع ما نوى ولا يكون أقل من طلقة واحدة قاله الزهري. والسابع أنه إن نوى واحدة أو عددًا أو يمينًا فهو ما نوى وإلا فلغو قاله سفيان الثوري. والثامن مثل السابع إلا أنه إذا لم ينو شيئًا لزمه كفارة يمين قاله الأوزاعي وأبو ثور. والتاسع مذهب الشافعي وسبق إيضاحه وبه قال أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة والتابعين ﵃. والعاشر إن نوى الطلاق وقعت طلقة بائنة وإن نوى ثلاثًا وقع الثلاث وإن نوى اثنتين وقعت واحدة وإن لم ينو شيئًا فيمين وإن نوى الكذب فلغو قاله أبو حنيفة وأصحابه. والحادي عشر مثل العاشر إلا أنه إذا نوى اثنتين وقعتا قاله زفر. والثاني عشر أنه تجب كفارة الظهار قاله إسحاق بن راهويه. والثالث عشر هي يمين فيها كفارة اليمين قاله ابن عباس وبعض التابعين. والرابع عشر أنه كتحريم الماء

стр. 6548

٣٥٥٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ بِشرٍ الْحَرِيرِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَاوَيةُ (يَعْنِي ابْنَ سَلَّامِ) عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرِ؛ أَنَّ يَعْلَى بْنَ حَكِيم أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيرٍ أَخبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسِ قَال: إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيهِ امْرَأتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. وَقَال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ــ والطعام فلا يجب فيه شيء أصلًا ولا يقع به شيء بل هو لغو قاله مسروق والشعبي وأبو سلمة وأصبغ المالكي. هذا كله إذا قال لزوجته الحرة أما إذا قاله لأمة فمذهب الشافعي إنه إن نوى عتقها عتقت وإن نوى تحريم عينها لزمه كفارة يمين ولا يكون يمينًا وإن لم ينو شيئًا وجبت كفارة يمين على الصحيح من المذهب. وقال مالك هذا في الأمة لغو لا يترتب عليه شيء، قال القاضي: وقال عامة العلماء: عليه كفارة يمين بنفس التحريم، وقال أبو حنيفة: يحرم عليه ما حزمه من ماء وطعام وغيره ولا شيء عليه حتى يتناوله فيلزمه حينئذٍ كفارة يمين. ومذهب مالك والشافعي والجمهور أنه إن قال: هذا الطعام حرام عليّ أو هذا الماء أو هذا الثوب أو دخول البيت أو كلام زيد أو سائر ما يحرمه غير الزوجة والأمة يكون لغوًا لا شيء فيه ولا يحرم عليه ذلك الشيء، فإذا تناوله فلا شيء عليه، وأم الولد كالأمة فيما ذكرناه والله تعالى أعلم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٣٥٥٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن بشر) بن كثير (الحريري) بفتح المهملة أبو زكرياء الكوفي، صدوق، من (١٠) (حدثنا معاوية يعني ابن سلام) بن أبي سلام ممطور الحبشي الدمشقي، ثقة، من (٧) (عن يحيى بن أبي كثبر أن يعلى بن حكيم أخبره أن سعيد بن جبير أخبره أنه سمع ابن عباس) ﵄. وهذا السند من سداسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة معاوية بن سلام (قال) ابن عباس: (إذا حزم الرجل عليه) أي على نفسه (امرأته) أي عينها (فهي) أي ذلك التحريم، أنث الضمير نظرًا إلى كون الخبر مؤنثًا وهو قوله: (يمين) أي قَسَمٌ على عدم قربانها وليس بطلاق لأن الأعيان لا توصف بذلك (يكفرّها) أي يكفر تلك اليمين أي يخرج كفارة اليمين ويأتيها (وقال) ابن عباس مستدلًا على ما ذهب (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فيما حزم وأحل وفعل وترك، أشار بذلك إلى قصة مارية ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عباس بحديث عائشة ﵄ فقال:

стр. 6549

٣٥٥٨ - (١٤٠١) (١٦١) وحدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. أَخبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخبَرَنِي عَطَاءٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيدَ بْنَ عُمَيرٍ يُخبِرُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تُخبِرُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَيَشرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا. قَالت: فَتَوَاطَيتُ أَنَا وَحَفْصَةُ؛ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ. أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالت ذلِكَ ــ ٣٥٥٨ - (١٤٠١) (١٦١) (وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي (حدثنا حجاج بن محمد) الأعور البغدادي ثم المصيصي، ثقة، من (٩) (أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء) بن أبي رباح القرشي المكي، ثقة، من (٣) (أنه سمع عبيد بن عمير) بن قتادة الليثي أبا عاصم المكي القاص، ثقة مخضرم، من (٢) (يخبر أنه سمع عائشة) ﵂. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مكيون واثنان بغداديان وواحد مدني (تُخبر أن النبي ﷺ كان يمكث) ويتأخر (عند زينب بنت جحش) عندما يدور علينا عشية كل يوم للسلام علينا (فيشرب عندها عسلًا قالت) عائشة: (فتواطيت) هكذا هو في النسخ، وأصله تواطأت بالهمز كما هو في أكثر النسخ، وعبارة البخاري فتواصيت- بالصاد المهملة من التواصي- والمعنى واحد أي توافقت (أنا وحفصة) بنت عمر ﵄ على (أن أيتنا) بفتح الهمزة وتشديد التحتانية وتخفيف النون، وفي بعض روايات البخاري إسقاط أن ورفع آية، وما في قوله: (ما دخل عليها) زائدة أي اتفقنا على أن إحدانا إن دخل عليها (النبي ﷺ فلتقل) له: (إني أجد) وأشم (منك) يا رسول الله (ريح مغافير) فهل (أكلت مغافير) بتقدير أداة الاستفهام، والمغافير- بالغين المعجمة والفاء بعدها تحتية ساكنة- جمع مغفور بضم أوله على وزن عصفور هو صمغ حلو له رائحة كريهة، وذكر البخاري أنه شبيه بالصمغ يكون في الرمث -بكسر الراء وسكون الميم بعدها مثلثة- من الشجر التي ترعاها الإبل، والصمغ مادة تسيل من بعض الأشجار، وكان ﷺ لا يحب الرائحة الكريهة فلذلك ثقل عليه ما قالتا وعزم على عدم العودة (فدخل) رسول الله ﷺ (على إحداهما) فيه التفات من التكلم إلى الغيبة، قال ابن حجر: لم أقف على تعيينها وأظنها حفصة (فقالت) التي دخل عليها أولًا (ذلك) القول

стр. 6550

لَهُ. فَقَال: "بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ" فَنَزَلَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تَتُوبَا﴾ [التحريم: ١ - ٤] (لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ) ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] لِقَوْلِهِ: (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا) ــ الذي توافقتا عليه أكلت مغافير (له) ﷺ (فقال) رسول الله ﷺ للسائلة: ما شربت مغافير (بل ضربت عسلًا عند زينب بنت جحش ولن أعود) وأرجع (له) أي لشربه؛ أي لا أشربه أبدًا فقد حرم العسل على نفسه، وزاد في رواية هشام بن يوسف عند البخاري في تفسير سورة التحريم "وقد حلفتُ لا تخبري بذلك أحدًا" وبهذه الزيادة تظهر مناسبة قوله فنزل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم / ١] قال عياض: حذفت هذه الزيادة من رواية حجاج بن محمد فصار النظم مشكلًا فزال الإشكال برواية هشام بن يوسف كذا في فتح الباري (فنزل) قوله تعالى: (﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾) من العسل، وقوله: (إلى قوله) تعالى: (﴿إِنْ تَتُوبَا﴾) غاية لنزل أي نزلت هذه السورة من أولها إلى قوله إن تتوبا إلى الله حالة كونه تعالى يُعزض بألف التثنية في تتوبا (لعائشة وحفصة) ويكني عنهما أي يعني أن المراد باللتين تواطأتا، وحكى في الآية تظاهرهما على النبي ﷺ هما الصدِّيقة وحفصة رضي الله تعالى عنهما، وأراد بالسر المذكور في قوله: (﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقوله) أي أراد به قوله ﷺ ما أكلت مغافير (بل شربت عسلًا) يريد أن المراد بالسر المحكي في الكتاب العزيز هو تحريمه ﷺ العسل على نفسه كما هو أحد الأقوال التفسيرية في معنى الحديث الذي أسرّه النبي ﷺ إلى بعض أزواجه وهي حفصة، وقيل المراد به تحريم سُرِّيته مارية على نفسه لما واقعها في بيت حفصة، وكانت غائبة فجاءت وشق عليها كون ذلك في بيتها وعلى فراشها فقال: "هي حرام عليّ" وقيل إمامة الشيخين يعني أن الخلافة بعده لأبي بكر وعمر ﵄، وفيما ذكره مسلم اختصار وتمامه كما في تفسير صحيح البخاري (فلن أعود له، وقد حلفت أن لا تخبري بذلك أحدًا) اهـ من بعض الهوامش. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٢٢١]، والبخاري [٦٦٩١]، وأبو داود [٣٧١٤]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:

стр. 6551

٣٥٥٩ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو كُريب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالعَسَلَ. فَكَانَ، إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ، دَارَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْهُنَّ. فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ. فَسَألْتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِي: ــ ٣٥٥٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء) الهمداني (وهارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي (قالا: حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي مولاهم الكوفي (عن هشام) بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عروة لعبيد بن عمير في الرواية عن عائشة (قالت) عائشة: (كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل) والحلواء بالمد ويجوز قصره، قال القسطلاني في فقه اللغة للثعالبي: إن حلوى النبي ﷺ التي كان يحبها هي المجيع بالجيم بوزن عظيم وهو تمر يعجن باللبن فإن صح هذا وإلا فلفظ الحلوى يعم كل ما فيه حلو كذا قال القسطلاني، قال النووي: المراد بالحلواء في هذا الحديث كل شيء حلو، وذكر العسل بعدها للتنبيه على شرفه ومزيته وهو من عطف الخاص على العام، وفي القسطلاني: وليس هذا من عطف الخاص على العام، لأن العام هو الذي يدخل فيه الخاص وليس كذلك هنا (فكان) ﷺ (إذا صلى) صلاة (العصر) وفرغ منها (دار) أي طاف (على نسائه) وأزواجه في حجرهن (فيدنو منهن) أي يقرب من إحداهن بأن يقبلها ويباشرها من غير جماع كما في رواية أخرى، وفي رواية حماد بن سلمة عن هشام عند عبد بن حميد أن ذلك إذا انصرف من صلاة الفجر لكنها كما في الفتح رواية شاذة، وعلى تسليمها فيحتمل أن الذي كان يفعله أول النهار سلام ودعاء محض والذي في آخره معه جلوس ومحادثة (فدخل على حفصة) بنت عمر (فاحتبس) أي فمكث (عندها) احتباسًا (كثر مما كان يحتبس) عند غيرها أي مكث عندها مكثًا كان أطول من مكثه عند غيرها، قالت عائشة: (فسألت) بعض الناس (عن ذلك) أي عن مكثه عند حفصة مكثًا طويلًا، وفي حديث ابن عباس أن عائشة قالت لجويرية حبشية كانت عندها يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فادخلي عليها فانظري ماذا يصنع، فأخبرتها الجارية بشأن العسل (فقيل لي) أي قال لي بعض من

стр. 6552

أَهْدَت لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةَ مِنْ عَسَلٍ. فَسَقَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْهُ شَرْبَةً. فَقُلْتُ: أَمَا وَاللهِ، لَنَحْتَالنَّ لَهُ. فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِسَوْدَةَ. وَقُلْتُ: إِذَا دَخَلَ عَلَيكِ، فَإِنَّهُ سيَدْنُو مِنْكِ. فَقُولِي لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لَا. فَقُولِي لَهُ: مَا هذِهِ الرِّيحُ؟ (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَشتَدُّ عَلَيهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ) فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْني حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ ــ سألته (أهدت لها) أي لحفصة (امرأة من قومها) أي من قوم حفصة وأقاربها، ولم أر من ذكر اسم المرأة (عكة من عسل) وسقط الجار من بعض روايات البخاري، وزاد ابن عباس من الطائف، قال الجوهري: العكة إناء السمن وفسرها ابن حجر في مقدمة الفتح بالقربة الصغيرة (فسقت) حفصة (رسول الله ﷺ منه) أي من ذلك العسل (شربة) قالت عائشة: (فقلت أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (والله لنحتالن له) أي لأجله أي لنطلبن له الحيلة في حرمانه عن ذلك العسل، وهي كما في المصباح: الحذق في تدبير الأمور وهو تقليب الفكر حتى يهتدي إلى المقصود، وفي القسطلاني في كتاب الحيل من صحيح البخاري: الحيلة كل ما يتوصل به إلى المقصود بطريق خفي اهـ، قال الكرماني: كيف جاز على أزواج رسول الله ﷺ الاحتيال؟ فأجاب بأنه من مقتضيات الغيرة الطبيعية للنساء وهو صغيرة معفو عنها مكفرة كذا في عمدة القاري (فذكرت ذلك) الاحتيال (لسودة) بنت زمعة (وقلت) عطف تفسير لذكرت أي قلت لها "ذا دخل عليك) رسول الله ﷺ (فإنه) ﷺ (سيدنو) أي سيقرب (منك) للقبلة والمعانقة (فقولي له) وقتئذٍ (يا رسول الله أكلت) أي هل أكلت (مغافير؟ ) فإنه يُشم منك رائحته (فإنه سيقول لك لا) أي ما أكلت المغافير (فقولي له) عندئذٍ (ما هذه الريح؟ ) التي تشم منك (وكان رسول الله ﷺ يشتد) ويشق (عليه أن يوجد) ويشم (منه الريح) الكريهة (فإنه) ﷺ (سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل) وفي الرواية السابقة من هذا الباب إن شُرب العسل كان عند زينب بنت جحش وفي هذه عند حفصة، وقد قدمنا أن رواية ابن عباس عند ابن مردويه إنه كان عند سودة وأن عائشة وحفصة هما اللتان تواطأتا كما في رواية عبيد بن عمير المروية أول هذا الباب وإن اختلفتا في صاحبة العسل فيمكن حمله على التعدد إذ لا يمتنع تعدد السبب للشيء الواحد، أو رواية عبيد أثبت لموافقة ابن عباس لها على أن المتظاهرتين

стр. 6553

فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ. وَسأَقُولُ ذلِكَ لَهُ. وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ. قَالتْ: تقُولُ سَوْدَةُ: وَالَّذِي لَا إِلهَ إلا هُوَ، لَقَدْ كِدْتُ أَنْ أُبَادِئَهُ بِالَّذِي قُلْتِ لِي. وَإنَّهُ ــ حفصة وعائشة على ما تقدم في التفسير فلو كانت حفصة صاحبة العسل لم تُقرن في المظاهرة بعائشة لكن يمكن تعدد القصة التي في شرب العسل وتحريمه واختصاص النزول بالقصة التي فيها أن عائشة وحفصة هما المتظاهرتان، ويمكن أن تكون القصة التي وقع فيها الشرب عند حفصة كانت سابقة، والراجح أيضًا أن صاحبة العسل زينب لا سودة لأن طريق عبيد أثبت من طريق ابن أبي مليكة، ويؤيده أن في الهبة أن نساء النبي ﷺ كن حزبين عائشة وسودة وحفصة وصفية في حزب وزينب بنت جحش وأم سلمة والباقيات في حزب، ولذا غارت عائشة منها لكونها من غير حزبها، وممن ذهب إلى الترجيح عياض فقال: رواية عبيد بن عمير أولى لموافقتها ظاهر القرآن لأن فيه ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ﴾ فهما ثنتان لا أكثر، قال: فكان الأسماء انقلبت على راوي الرواية الأخرى، لكن اعترضه الكرماني فقال: متى جوزنا هذا ارتفع الوثوق بأكثر الروايات، وفي تفسير السُّدِّي: إن شرب العسل كان عند أم سلمة أخرجه الطبري وغيره وهو مرجوح لإرساله وشذوذه اهـ ملخصًا من الفتح اهـ من الإرشاد. (فقولي له) ﷺ يا سودة: (جرست) بفتح الجيم والراء والسين المهملة أي رعت (نحله) أي نحل هذا العسل الذي شربته (العرفط) بضم العين المهملة والفاء بينهما راء ساكنة آخره طاء مهملة؛ هو الشجر الذي صمغه المغافير (وسأقول) أنا (ذلك) القول الذي أمرتك به (له) ﷺ حين دخل ودنا إليّ (وقوليه) أي وقولي له ﷺ (أنت يا صفية) إذا دخل ودنا إليك، وفي رواية البخاري زيادة (ذاك) بكسر الكاف بلا لام، وفي رواية له لأبي ذر (ذلك) أي قولي له يا صفية بنت حيي الكلام الذي علمته لسودة، زاد يزيد بن رومان عن ابن عباس: "وكان رسول الله ﷺ أشد عليه أن توجد منه ريح كريهة لأنه يأتيه الملك" (فلما دخل) رسول الله ﷺ (على سودة) بنت زمعة (قالت) عائشة: (تقول) لي (سودة: و) الله (الذي لا إله إلا هو لقد كدت) وقربت (أن أبادئه) بالموحدة من المبادأة، وفي رواية البخاري عند ابن عساكر (أناديه) بالنون بدل الموحدة أي أن أناديه (بـ) الكلام (الذي قلت لي) وأمرتني به من أن أقول له أكلت مغافير (و) الحال (أنه) صلى الله عليه

стр. 6554

لَعلَى الْبَابِ، فَرَقًا مِنْكِ. فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَال: "لَا" قَالت: فمَا هذِهِ الرِّيحُ؟ قَال: "سَقَتْنِي حَفْصةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ" قَالتْ: جَرَسَتْ نَخلُهُ الْعُرْفُطَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ قُلْتُ لهُ مِثْلَ ذلِكَ. ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ فَقَالتْ بِمِثْلِ ذلِكَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ قَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ألَا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَال: "لَا حَاجَةَ لِي بِهِ". قَالت تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَاللهِ، لَقَدْ حَرَمْنَاهُ. قَالتْ: قُلْتُ لَهَا: اسْكُتِي ــ وسلم (لـ) واقف (على الباب) قبل دخوله علي (فرقًا) بفتح الفاء والراء أي خوفًا (منك) أي من لومك، وهو مفعول له لفعل المقاربة؛ والمعنى والله لقد كدت خوفًا من لومك أن أبدأه وأناديه وهو لدى الباب لم يدنو مني بعد بالكلام الذي علمتنيه، قالت عائشة: (فلما) دخل و (دنا) وقرب (رسول الله ﷺ إلى سودة (قالت) له سودة: (يا رسول الله) هل (أكلت مغافير؟ قال) لها رسول الله ﷺ : (لا) أي ما أكلت مغافير (قالت) له سودة: (فما هذه الريح؟ ) الكريهة التي تُشَمّ منك (قال) لها رسول الله ﷺ : (سقتني حفصة شربة عسل. قالت) له سودة لعله (جرست) أي رعت (نحله العرفط) أي شجر المغافير، قالت عائشة: (فلما دخل عليّ) رسول الله ﷺ (قلت له مثل ذلك) أي مثل القول الذي قلت لسودة أن تقوله له، والظاهر أنها تخاطب عروة فالكاف مفتوحة فيه في الموضعين (ثم دخل على صفية) بنت حيي (فقالت) له (بمثل ذلك) أي بمثل ما قلت أنا وصودة له من قول أكلت مغافير (فلما دخل) رسول الله ﷺ (على حفصة) بنت عمر صاحبة العسل في اليوم الثاني (قالت) له حفصة: (يا رسول الله ألا) بالتخفيف أداة عرض وهو الطلب برفق ولين نظير قولهم ألا تنزل عندنا (أسقيك منه) أي من العسل (قال) لها رسول الله ﷺ : (لا حاجة لي) اليوم (به) أي بالعسل، لما وقع من توارد النسوة الثلاث على أنه نشأت له من شربه ريح كريهة فتركه حسمًا للمادة (قالت) عائشة: (تقول سودة) فيما بيننا (سبحان الله، والله لقد حرمناه) بتخفيف الراء، أي لقد منعناه ﷺ من العسل (قالت) عائشة (قلت لها) أي لسودة: (اسكتي) يا سودة عن هذا الكلام الذي احتلنا له به لئلا يفشو ذلك بين الناس فيظهر ما دبّرته لحفصة صاحبة

стр. 6555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العسل، وهذا منها على مقتضى طبيعة النساء في الغيرة، وليس بكبيرة بل صغيرة معفو عنها مكفرة بنحو الصلاة والطهارة كما مر اهـ من الإرشاد. قوله: (كدت أن أبادئه) وفي بعض الروايات (أبادره) وفي بعضها (أناديه) والمعنى أني كنت أهاب عائشة وأخاف أن تغضب علي إذا أنا أبطأت في سؤال رسول الله ﷺ عما علمتني عائشة فكدت أن أبادره بالسؤال عن ذلك وهو بالباب قبل أن يدخل البيت. وإنما كانت سودة تهاب عائشة لما تعلم من مزيد حب النبي ﷺ إياها فخشيت إذا خالفتها أن تغضبها وإذا أغضبتها لا تأمن عليها خاطر النبي ﷺ ولا تحتمل ذلك فهذا معنى خوفها منها قاله الحافظ. قوله: (سبحان الله، والله لقد حرمناه) قالت ذلك تندمًا على ما فعلت، وفيه إشارة إلى ورعها لأنها وافقت أولًا على دفع ترفع حفصة عليهن بمزيد الجلوس عندها بسبب العسل ورأت أن التوصل إلى بلوغ المراد من ذلك لحسم مادة شرب العسل، ولكن أنكرت بعد ذلك أنه يترتب عليه منع النبي ﷺ من أمر كان يشتهيه وهو شرب العسل فأخذت سودة تتعجب مما وقع منهن في ذلك ولم تجسر على التصريح بالإنكار ولا راجعت عائشة بعدما قالت لها: اسكتي بل أطاعتها وسكتت لما تقدم من اعتذارها في أنها كانت تهابها كذا في فتح الباري. قولها: (اسكتي) كانها خشيت أن يفشو ذلك فيظهر ما دبزته من احتيالها لحفصة، وفيه ما يشهد بعلو مرتبة عائشة عند النبي ﷺ حتى كانت ضرتها تهابها وتطيعها في كل شيء تأمرها به حتى في مثل هذا الأمر مع الزوج الذي هو أرفع قدرًا. ثم في هذا الحديث فوائد منها أن الغيرة مجبولة في النساء طبعًا فالغيراء تُعذر في ما يقع منها من احتيال فيما يدفع عنها ترفع ضرتها عليها بأي وجه كان قاله الحافظ، ومنها أن عماد القسم الليل وأن النهار يجوز فيه الاجتماع بالجميع بشرط ترك المجامعة إلا مع صاحبة النوبة، ومنها أن الأدب استعمال الكنايات فيما يستحيى من ذكره كما في قوله في الحديث (فيدنو منهن) والمراد التقبيل والتحضين لا مجرد الدنو، ومنها أن فيه

стр. 6556

٣٥٦٠ - (٠٠) (٠٠) قَال أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ بِشرِ بْنِ الْقَاسِمِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، بِهذَا، سَوَاءً. وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ ــ فضيلة الحلواء والعسل لمحبة النبي ﷺ إياهما، ومنها أن فيه بيان صبر النبي ﷺ غاية ما يكون ونهاية حلمه وكرمه الواسع كذا في عمدة القاري [٩/ ١٥٥١]. وشارك المؤلف في هذه الرواية البخاري [٥٢٦٨]، وأبو داود [٣٧١٥]، والنسائي [٦/ ١٥١]، وابن ماجه [٣٣٢٣]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: ٣٥٦٠ - (٠٠) (٠٠) (قال أبو إسحاق إبراهيم) بن سفيان صاحب مسلم راوي هذا الجامع عنه (حدثنا الحسن بن بشر بن القاسم) السلمي قاضي نيسابور، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٤) أربع وأربعين ومائتين، لم يصح أن مسلمًا روى عنه، وإنما روى عنه أبو إسحاق بن سفيان الراوي عن مسلم في مواضع علا فيها إسناده في الطلاق والوصايا والإمارة وغيرها (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي الكوفي (بهذا) الإسناد، يعني عن هشام عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها مثله (سواء) أي حالة كون حديث أبي كريب وحديث الحسن بن بثر متساويين. غرضه بيان متابعة الحسن بن بشر لأبي كريب وهارون بن عبد الله، قال أبو إسحاق أيضًا (وحدثنيه) أي وحدثني الحديث المذكور (سويد بن سيد) بن سهل الهروي، صدوق، من (١٠) (حدثنا علي بن مسهر) القرشي المروزي، ثقة، من (٨) (عن هشام بن عروة بهذا الإسناد) يعني عن أبيه عن عائشة (نحوه) أي نحو ما روى أبو أسامة عن هشام. غرضه بيان متابعة علي بن مسهر لأبي أسامة، قال النووي: معنى هذا الكلام أن إبراهيم بن سفيان صاحب مسلم يساوي مسلمًا في إسناد هذا الحديث فرواه أولًا عن واحد عن أبي أسامة كما رواه مسلم عن واحد عن أبي أسامة فعلا برجل، ورواه ثانيًا عن اثنين عن هشام كما رواه مسلم عن اثنين عن هشام فعلا برجلين.

стр. 6557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث، الأول: حديث ابن عباس ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثاني: حديث ابن عباس الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث: حديث عائشة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين والله أعلم. ***

стр. 6558

٥٤٥ - (٣١) باب بيان أن تخيير الرجل امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية ٣٥٦١ - (١٤٠٢) (١٦٢) وحدَّثني أَبُو الطَّاهِرِ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ (وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَخيِيرِ أَزوَاجِهِ بَدَأَ بِي. فَقَال: (إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا. فَلَا عَلَيكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأمِرِي أَبَوَيكِ" ــ ٥٤٥ - (٣١) باب بيان أن تخيير الرجل امرأته لا يكون طلاقًا لا بالنية ٣٥٦١ - (١٤٠٢) (١٦٢) (وحدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو الأموي المصري (حدثنا) عبد الله (بن وهب) القرشي المصري (ح وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي) المصري (واللفظ) الآتي (له) أي لحرملة (أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس بن يزيد) الأيلي (عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري المدني (أن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة مصريون (قالت) عائشة (لما أُمر) بالبناء للمفعول (رسول الله ﷺ أي لما أمره ربه (بتخيير أزواجه) بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الدنيا وزخرفها وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال ولهن عند الله تعالى الثواب الجزيل والأجر العظيم، أي أمره بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ الآية (بدأ بي) رسول الله ﷺ في التخيير قبل أزواجه، وإنما بدأ بها لعقلها ولفضيلتها على غيرها (فقال) لي (إني ذاكر لك أمرًا) أي سأذكر لك أمرًا مهمًا وهو التخيير (فلا) بأس ولا ضرر (عليك) في (أن لا تعجلي) أي في عدم العجلة والتأني في الجواب (حتى تستأمري) وتشاوري (أبويك) أبا بكر وأم رومان أي حتى تطلبي منهما أن يبينا لك رأيهما في ذلك الأمر، والمعنى أي إلى أن تشاوريهما، قاله لها لعلمه أن أبويها لا يوافقانها في اختيارها نفسها إن حصل ذلك منها بسبب حداثتها، وزاد محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة (إني عارض عليك أمرًا فلا تفتني فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان) أخرجه أحمد والطبري. ويستفاد منه أن أم رومان كانت

стр. 6559

قَالتْ: قَدْ عَلِمَ أَن أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأمُرَانِي بِفِرَاقِهِ ــ يومئذٍ موجودة فيرد به على من زعم أنها ماتت سنة ست من الهجرة فإن التخيير كان في سنة تسع، كذا في فتح الباري [٨/ ٤٥١]. واعلم أنه قد اختلفت الروايات في سبب هذا التخيير فورد في بعضها أن سببه قصة المتظاهرتين وهي قصة العسل كما عند البخاري في باب موعظة الرجل ابنته في النكاح، وفي بعضها أن سببه سؤال النفقة كما سيأتي عند المؤلف في حديث جابر ﵁ وفي بعضها غير ذلك، ولما كانت هذه القصص متقاربة ربما اختلطت على من لا يعرف حقيقة الأمر أوردناها لك مرتبة. واعلم أن غضبه ﷺ من أزواجه واعتزاله عنهن وتخييرهن كان لأسباب متعددة متوالية فوقعت أولًا قصة العسل، ثم قصة مارية رضي الله تعالى عنها إن صحت فحرم رسول الله ﷺ العسل على نفسه من أجل ذلك فنزلت آية التحريم، ثم اجتمعت أزواج النبي ﷺ عليه يسألنه زيادة النفقة وكلما سيأتي في حديث جابر، وحدثت أمور أخرى ستأتي هناك فآلى رسول الله ﷺ من أزواجه واعتزلهن شهرًا كما سيأتي في حديث عمر وابن عباس حتى إذا فرغ من إيلائه نزلت آية التخيير التي خيّر من أجلها رسول الله ﷺ نساءه بين المكث معه وبين الفراق، هذا ما لُخِّص من فتح الباري [٨/ ٤٠٠]، في تفسير سورة الأحزاب و [٩/ ٢٥٣ و ٢٥٤]، باب موعظة الرجل ابنته من النكاح والله أعلم. قال النووي: قوله: (فلا عليك أن لا تعجلي) إلخ معناه لا يضرك أن لا تعجلي إنما قال ذلك لها شفقة عليها وعلى أهلها لأنه خاف أن يستغرَّها الصغر فتختار نفسها فيجب فراقها فتتاذى بذلك فيتأذى أهلها ويتأذى بقية النسوة في الاقتداء بها، قال القاضي: وقال ذلك لكراهية فراقها وخوف أن تبادر بذلك إذ جعل ذلك إليها لما في ظاهره من الزهد فيها بتخييرها وأنفة النساء من مثل هذا مع صغر سنها اهـ من الأبي. (قالت) عائشة: وإنما قال لي رسول الله ﷺ عليك أن لا تعجلي لأنه (قد علم أن أبويّ لم يكونا ليأمراني بفراقه) ﷺ وهذه اللام أعني لام ليأمراني لام الجحود الواقعة بعد الكون المنفي بما أو بما نظير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ﴾ ووقع في رواية عمرة عن عائشة في هذه القصة (وخشي رسول الله

стр. 6560

قَالتْ: ثُمَّ قَال: "إِنَّ اللهَ قَال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٨ ــ ﷺ حداثتي) والمراد أن رسول الله ﷺ إنما أمرها باستشارة أبويها خشية أن يحملها صغر السن على اختيار الشق الآخر، وفيه منقبة عظيمة لعائشة رضي الله تعالى عنها من وجوه: الأول أنه ﷺ بدأ بها قبل سائر الأزواج وما ذلك إلا لفضيلتها عنده ﷺ . والثاني أن النبي ﷺ لم يكن يحب فراقها حتى عند التخيير ولذلك أمرها باستشارة أبويها حبًّا لها ونصحًا لأمرها. والثالث أنها لم تتوقف في اختيار رسول الله ﷺ فدل ذلك على كمال عقلها وجودة رأيها مع حداثة سنها رضي الله تعالى عنها وأرضاها. (قالت) عائشة: (ثم قال) لي رسول الله ﷺ : (إن الله قال) لي في تخييركن (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾) أي السعة في الدنيا وزهرتها (﴿فَتَعَالينَ﴾) أي أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد أمرين ولم يرد نهوضهن إليه بأنفسهن (﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾) أي أعطكن متعة الطلاق (﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾) أي أطلقكن (﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾) لا ضرر فيه ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وهذا أمر من الله تعالى لرسوله ﷺ أن يخيّر نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الدنيا وزخرفها وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل فاخترن رضا الله ورسوله والدار الآخرة فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خيري الدنيا وسعادة الآخرة. والحاصل أن سبب نزول هذه الآية مطالبتهن إياه ﷺ من زينة الدنيا ما ليس عنده، ففي تفسير البيضاوي رُوي أنهن سألنه ﷺ ثياب الزينة وزيادة النفقة فنزلت فبدأ بعائشة فخيرها فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم اختارت الباقيات اختيارها فشكر الله لهن ذلك فنزل ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ فقصره الله تعالى عليهن وهن التسع اللاتي تقدم ذكرهن في باب القسم بين الزوجات، وجاء في بعض الروايات أنه خير نساءه فاخترنه جميعًا غير العامرية فاختارت قومها فكانت بعد

стр. 6561

- ٢٩] قَالتْ: فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هذا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. قَالتْ: ثُمَّ فَعلَ أَزْواجُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ. ٣٥٦٢ - (١٤٠٣) (١٦٣) حدَّثنا سُرَيجُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عبَّادٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَويَّةِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ــ تقول: أنا الشقية، ويقال: إنها كانت ذاهبة العقل حتى ماتت. (قالت) عائشة: (فقلت في أي هذا) المذكور من الأمرين من الفراق والمقام معك (أستامر) وأستشير (أبوي) لا حاجة لي إلى استئمارهما (فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة) تعني أن الأمر واضح لا حاجة فيه إلى مشاورة الأبوين، وفي رواية محمد بن عمرو (فقلت فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ولا أُوامر أبويّ أبا بكر وأم رومان فضحك) وفي رواية عمر بن أبي سلمة عند الطبري (ففرح) (قالت) عائشة: (ثم فعل أزواج رسول الله ﷺ مثل ما فعلت) أنا من اختيار الله ورسوله والدار الآخرة. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في باب الغرفة والعلية المشرفة من كتاب المظالم وفي تفسير سورة الأحزاب، وأخرجه الترمذي [١١٧٩]، والنسائي [٦/ ٥٦]، وابن ماجه [٢٠٥٢]. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى بحديث آخر لعائشة رضي الله تعالى عنها فقال: ٣٥٦٢ - (١٤٠٣) (١٦٣) (حدثنا سريج بن يونس) بن إبراهيم البغدادي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا عباد بن عباد) بن حبيب بن المهلب العتكي أبو معاوية البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٨) أبواب (عن عاصم) بن سليمان الأحول التميمي البصري، ثقة، من (٤) روى عنه في (١٧) بابا (عن معاذة) بنت عبد الله (العدوية) البصرية، امرأة صلة بن أشيم، ثقة، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد مدني وواحد بغدادي (قالت) عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 6562

يَسْتَأذِنُنَا. إِذَا كَانَ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا. بَعْدَمَا نزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] فَقَالتْ لَهَا مُعَاذَةُ: فَمَا كُنْتِ تَقُولِينَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا اسْتأذَنَكِ؟ قَالتْ: كُنْتُ أَقُولُ: إِنْ كَانَ ذَلكَ إِلَيَّ لَمْ أُوثِرْ أَحَدًا عَلَى نَفْسِي. ٣٥٦٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى. أخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ. أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، ــ يستأذننا) معاشر أزواجه، قال القاضي: هذا على أن القسم غير واجب عليه إنما يفعله تطييبًا لقلوبهن على ما تقدم في باب القسم بين الزوجات (إذا كان في يوم المرأة منا) تعني أنه ﷺ إذا كان في نوبة إحدانا وأراد التوجه والذهاب إلى الأخرى استأذن صاحبة النوبة التي كان عندها في الذهاب إلى الأخرى. وقوله: (في يوم المرأة) بإضافة اليوم إلى المرأة، ويروى في اليوم المرأة بنصب المرأة، والمراد اليوم الذي تكون فيه نوبتها (بعدما نزلت) آية (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء) تقدم تفسيره (فقالت لها) أي لعائشة (معاذة) العدوية (فما كنت تقولين لرسول الله ﷺ إذا استأذنك) للتحول إلى الزوجة الأخرى (قالت) عائشة: (كنت أقول) له ﷺ : (إن كان ذلك) أي ما ذكرته من الإرجاء والإيواء مفوضًا (إليّ) فإني (لم أرثر) بك (أحدًا) من ضرائري ولم أفضلها (على نفسي) قال النووي: هذه المنافسة فيه ﷺ ليست لمجرد الاستمتاع ولمطلق العشرة وشهوات النفوس وحظوظها التي تكون من بعض الناس بل هي منافسة في أمور الآخرة والقرب من سيد الأولين والآخرين والرغبة فيه وفي خدمته ومعاشرته والاستفادة منه وفي قضاء حقوقه وحوائجه وتوقع نزول الرحمة والوحي عليه عندها ونحو ذلك، ومثل هذا حديث ابن عباس وقوله في القدح إلا أوثر بنصيبي منك أحدًا) ونظائر ذلك كثير اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في تفسير الأحزاب، وأبو داود في النكاح، والنسائي في عشرة النساء. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٣٥٦٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه الحسن بن عيسى) بن ماسرجس الحنظلي النيسابوري مولى ابن المبارك، أسلم على يديه، ثقة، من (١٠) (أخبرنا) عبد الله (بن المبارك) بن واضح الحنظلي المروزي، ثقة، من (٨) (أخبرنا عاصم) بن سليمان الأحول

стр. 6563

بِهذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ٣٥٦٤ - (١٤٠٤) (١٦٤) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَال: قَالث عائِشَةُ: قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَم نَعُدَّهُ طَلاقًا ــ البصري (بهذا الإسناد) يعني عن معاذة عن عائشة (نحوه) أي نحو ما روى عباد بن عباد عن عاصم. غرضه بيان متابعة عبد الله بن المبارك لعباد بن عباد. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا بحديث آخر لعائشة رضي الله تعالى عنها فقال: ٣٥٦٤ - (١٤٠٤) (١٦٤) (حدثنا يحيى بن يحيى التميمي) النيسابوري (أخبرنا عبثر) بن القاسم الزبيدي بالضم أبو زبيد بالضم الكوفي، ثقة، من (٨) (عن إسماعيل بن أبي خالد) سعْد الأحمسي الكوفي، ثقة، من (٤) (عن الشعبي) عامر بن شراحيل الحميري الكوفي، ثقة، من (٣) (عن مسروق) بن الأجدع الهمداني الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) (قال: قالت عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد نيسا بوري (قد خيّرنا) معاشر أزواجه (رسول الله ﷺ بين الدنيا والآخرة فإن اخترن الدنيا طلّقهن طلاق السنة اهـ من الإرشاد (فـ) اخترنا المقام معه و (لم نعُدّه) أي ولم نعُدّ ذلك التخيير ولم نحسبه (طلاقًا) أي شيئًا من الطلاق رجعيًّا ولا بائنًا، وهذا موضع الترجمة، وفيه المطابقة. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٢٠٢]، والبخاري [٥٢٦٣]، والترمذي [١١٧٩]، والنسائي [٦/ ٥٦]، وابن ماجه [٢٠٥٢]. قال القرطبي: وفي قول عائشة هذا دليل على أن المخيّرة إذا اختارت نفسها أن نفس ذلك الخيار يكون طلاقًا من غير احتياج إلى النطق بلفظ يدل على الطلاق سوى الخيار ويُقتبس ذلك من مفهوم لفظها فتأمله اهـ من المفهم. وبهذا الحديث أخذ الأئمة الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار وأئمة الفتوى فقالوا: إذا خيّر الرجل امرأته فاختارته لا يقع بذلك طلاق لا واحدة ولا أكثر، وحُكي عن علي وزيد بن ثابت ﵄ روايتان إحداهما كما قال جماعة السلف وأئمة الفتوى إنه لا يقع بذلك شيء، والرواية الثانية أن نفس الخيار طلقة واحدة بائنة وإن اختارت زوجها، ويؤيد قول

стр. 6564

٣٥٦٥ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثناه أَبُو بَكرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشعْبِيِّ، عَنْ مَسرُوقٍ. قَال: مَا أُبَالِي خَيَّرْتُ امْرأَتِي وَاحِدَةً أَوْ مِائَةَ أَوْ أَلْفًا. بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي. وَلَقَدْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقَالتْ: قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَفَكَانَ طَلاقًا؟ ٣٥٦٦ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ــ الجمهور من حيث المعنى أن التخيير ترديد بين شيئين فلو كان اختيارها زوجها طلاقًا لاتّحدا فدل على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة كذا في فتح الباري، هذا إذا اختارت المخيرة زوجها، وأما إذا اختارت نفسها فهي ثلاث عند مالك والليث وهو المروي عن زيد بن ثابت، وقال أبو حنيفة: هي واحدة بائنة، وهو المروي عن عمر وابن مسعود وعلي ﵃، وقال الشافعي وأحمد: هي طلقة رجعية وهو مذهب إسحاق والثوري وابن أبي ليلى وهو المروي عن ابن عباس هذا ملخص ما في فتح الباري. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٣٥٦٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا علي بن مسهر) القرشي، ثقة، من (٨) (عن إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي الكوفي (عن الشعبي عن مسروق) عن عائشة. وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم كوفيون إلا عائشة، غرضه بيان متابعة علي بن مسهر لعبثر بن القاسم (قال) مسروق: (ما أبالي) ولا أكترث أن (خيّرت امرأتي) مرة (واحدة أو مائة) مرة (أو ألفًا) من المرات (بعد أن تختارني) يعني لا يقع بذلك شيء ما دامت زوجتي تختارني، وقد روي مثل قول مسروق عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وعائشة وعطاء وسليمان بن يسار وربيعة والزهري كما في عمدة القاري. قال مسروق: (ولقد سألت عائشة) رضي الله تعالى عنها عن تخيير الرجل امرأته هل يعد طلاقًا أم لا؟ (فقالت) عائشة لا يعد طلاقًا لأنه (قد خيّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه (أفكان) ذلك التخيير (طلاقًا) أي لم يكن طلاقًا، فالهمزة للاستفهام الإنكاري. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه ثانيًا فقال: ٣٥٦٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري (حدثنا محمد بن

стр. 6565

جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَيَّرَ نِسَاءَهُ. فَلَمْ يَكُنْ طَلاقًا. ٣٥٦٧ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخبَرَنَا عَبدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمِ الأحوَلِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِي، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَة. قَالتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَاخْتَرْنَاهُ. فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا ــ جعفر) الهذلي البصري (حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي البصري (عن عاصم) بن سليمان الأحول البصري (عن الشعبي) عامر بن شراحيل الكوفي (عن مسروق) بن الأجدع الكوفي (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة عاصم الأحول لإسماعيل بن أبي خالد (أن رسول الله ﷺ خيّر نساءه) أي أزواجه الطاهرات رضي الله تعالى عنهن فاخترنه (فلم يكن) ذلك التخيير (طلاقًا). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: ٣٥٦٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي النيسابوري، ثقة، من (١١) روى عنه في (١٧) بابا (أخبرنا عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان الأزدي البصري (عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة، من (٧) (عن عاصم) بن سليمان (الأحول) البصري، ثقة، من (٤) (وإسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي الكوفي، ثقة، من (٧) (عن الشعبي عن مسروق عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة سفيان الثوري لشعبة بن الحجاج (قالت) عائشة رضي الله تعالى عنها (خيّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه) أي اخترنا المقام معه والدار الآخرة (فلم يعُدَّه) أي فلم يعد النبي ﷺ ذلك التخيير (طلاقًا) علينا. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:

стр. 6566

٣٥٦٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ) عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاختَزنَاهُ. فَلَمْ يَعْدُدْهَا عَلَينَا شَيئًا. ٣٥٦٩ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زكرِيَّاءَ. حَدَّثَنَا الأعَمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ــ ٣٥٦٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (وأبو بكر بن أبي شيبة) العبسي (وأبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني (قال يحيى: أخبرنا وقال الآخران حدثنا أبو معاوية عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن مسلم) بن صبيح مصغرًا الهمداني مولاهم أبي الضحى الكوفي، ثقة، من (٤) (عن مسروق) بن الأجدع، ثقة مخضرم، من (٢) (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة مسلم بن صبيح للشعبي. (قالت) عائشة: (خيّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه فلم يعددها) أي فلم يعدّ خصلة التخيير (علينا شيئًا) أي طلاقًا، وتأنيث الضمير في قوله: (فلم يعددها) نظرًا لمعنى الخيرة الكائنة في التخيير، وقوله: (شيئًا) أي طلاقًا، قال السندي: في حواشي سنن ابن ماجه، وفيه أن النزاع فيما إذا قال اختاري نفسك مثلًا لا فيما إذا خيّرها بين الدنيا وبين الدار الآخرة مثلًا، كيف لو اختارت في هذه الصورة الدنيا لما كان طلاقًا كما يفيده القرآن الكريم، ولهذا قال بعض أهل التحقيق: إن هذا الاختيار خارج عن محل النزاع فلا يتم به الاستدلال على مسائل الاختيار فليتأمل، وفي المسألة أقاويل بسطها أبو السعود فعليك بإرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم اهـ من بعض الهوامش. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: ٣٥٦٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو الربيع الزهراني) سليمان بن داود البصري (حدثنا إسماعيل بن زكرياء) بن مرة الأسدي الكوفي المعروف بالخلقاني، صدوق، من (٨) (حدثنا الأعمش عن إبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة، من (٥) (عن الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) (عن عائشة) رضي الله تعالى

стр. 6567

وَعَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشةَ، بِمِثْلِهِ. ٣٥٧٠ - (١٤٠٥) (١٦٥) وحدّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. قَال: دَخَلَ أَبُو بَكرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ لمْ يُؤذنْ لأَحَدٍ مِنْهُمْ. قَال: فَأُذِنَ لأَبِي بَكْرٍ. فَدَخَلَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأذَنَ فَأُذِنَ لَهُ. فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا، حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ. وَاجِمًا سَاكِتًا ــ عنها (و) حدثنا إسماعيل بن زكرياء أيضًا (عن الأعمش عن مسلم) بن صبيح (عن مسروق) بن الأجدع (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة إسماعيل بن زكرياء لأبي معاوية، وساق إسماعيل بن زكرياء (بمثله) أي بمثل ما روى أبو معاوية عن الأعمش. ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عائشة الأول بحديث جابر ﵄ فقال: ٣٥٧٠ - (١٤٠٥) (١٦٥) (وحدثنا زهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (حدثنا روح بن عبادة) بن العلاء القيسي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا زكريا بن إسحاق) المكي ثقة، من (٦) (حدثنا أبو الزبير) محمد بن مسلم الأسدي المكي (عن جابر بن عبد الله) ﵄. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مكيان وواحد مدني وواحد بصري وواحد نسائي (قال) جابر بن عبد الله: (دخل أبو بكر) أي جاء أبو بكر حالة كونه (يستأذن) في الدخول (على رسول الله ﷺ فوجد) أبو بكر (الناس جلوسًا) أي جالسين (ببابه) أي عند بابه ﷺ . وجملة قوله: (لم يؤذن لأحد منهم) في الدخول على رسول الله ﷺ صفة لجلوسا أي وجدهم جالسين غير مأذون لأحد منهم في الدخول عليه ﷺ (قال) جابر: (فأذن لأبي بكر) في الدخول (فدخل) أبو بكر على رسول الله ﷺ (ثم أقبل) أي جاء (عمر فاستأذن) في الدخول (فأذن له) في الدخول فدخل (فوجد) عمر (النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه) محدقات به ﷺ (واجمًا) أي حزينًا مطرقًا رأسه إطراق المغضب (ساكتًا) عن الكلام معهن، قال علي القاري: لعل هذا الدخول قبل نزول الحجاب ولكن يرده ما حققه الحافظ في الفتح من أن التخيير كان سنة تسع بعد نزول الحجاب، وأما دخول أبي بكر وعمر على أمهات

стр. 6568

قَال: فَقَال: لأَقُولَنَّ شَيئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ . فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ! لَوْ رَأَيتَ بِنْتَ خَارِجَةَ! سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيهَا فَوَجَأتُ عُنُقَهَا ــ المؤمنين فلا يلزم منه رفع الحجاب، ويحتمل أن تكون مرتديات ولعل مسارعتهن إلى الحجاب كان هو السبب في تأخير الإذن بدخولهما والله أعلم. وقوله: (واجمًا) يقال: وجم الرجل يجم من باب وعد وجومًا إذا أسكته الهم وعلته الكآبة فهو واجم أي مهموم اهـ مجمع البحار. (قال) جابر: (فقال) أبو بكر في نفسه، ووهم الشيخ علي القاري فجعل قائل هذه المقالة عمر، وسيأتي الرد عليه قريبًا، والله (لأقولن شيئًا) من المقالة (أُضحك) بها (النبي ﷺ بضم الهمزة وكسر المهملة مضارع مسند إلى المتكلم من أضحك الرباعي، وفي بعض النسخ (يُضحك النبي ﷺ قال النووي: فيه استحباب مثل هذا وأن الإنسان إذا رأى صاحبه مهمومًا حزينًا يستحب له أن يحدثه بما يُضحكه أو يشغله ويطيب نفسه اهـ، وعن علي ﵁ أنه قال: كان النبي ﷺ يُسرّ الرجل من أصحابه إذا رآه مغمومًا بالمداعبة كذا في المرقاة لعلي القاري (فقال) أبو بكر: (يا رسول الله لو رأيت) زوجتي (بنت خارجة) وفي رواية أحمد [٣/ ٣٢٨] (بنت زيد) وهي امرأة أبي بكر ﵁ اسمها حبيبة بنت خارجة بن زيد أو بنت زيد بن خارجة كما في الإصابة [٤/ ٢٦١]. فنُسبت في بعض الروايات إلى أبيها، وفي بعضها إلى جدها ومن هنا يتبين أن قائل هذا القول هو أبو بكر ﵁ لا عمر، ووقع في رواية عبد الملك وأبي عامر وابن لهيعة عند أحمد [٣/ ٣٢٨ و ٣٤٢]، التصريح بأن قائله عمر، وصرح علي القاري في المرقاة أيضًا بنسبة هذا القول إلى عمر، والظاهر أن كل ذلك وهم لأني لم أجد في أزواج عمر ﵁ من تُسمى بنت خارجة أو بنت زيد، وإنما أزواجه زينب بنت مظعون ومليكة بنت جرول وجميلة بنت عاصم وأم كلثوم بنت علي كما في المعارف لابن قتيبة وتهذيب الأسماء للنووي، وبنت خارجة أو بنت زيد إنما كانت زوجة لأبي بكر الصديق ﵁ ويدل على أن قائله أبو بكر أنه بادر إلى القيام إلى عائشة لِوَجْئِ عنقها وضربه قبل أن يقوم عمر كما هو مصرح في الحديث، ويظهر من كلام النووي أنه جعل هذا القول لأبي بكر دون عمر لأنه قال: وفيه فضيلة لأبي بكر الصديق ﵁، أي لو رأيت يا رسول الله زوجتي بنت خارجة حين (سألتني النفقة) الكثيرة (فقمت إليها فوجأت) أي ضربت بيدي (عنقها)

стр. 6569

فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَال: "هُن حَوْلِي كمَا تَرَى. يَسْألْنَنِي النَّفَقَةَ. فَقَامَ أَبو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا كِلاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا لَيسَ عِنْدَهُ. فَقُلْنَ: وَاللهِ! لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَيئًا أَبدًا لَيسَ عِنْدَهُ ــ والعنق الرقبة وهو مذكر والحجاز تؤنث والنون مضمومة للإتباع في لغة الحجاز وساكنة في لغة تميم قاله الفيومي اهـ. فلو شرطية جوابها محذوف تقديره لرأيت أمرًا عجيبًا، ويحتمل كونها للتمني يقال: وجأ العنق يجأه من باب فتح إذا طعنه كذا في مجمع البحار، وفي المغرب الوجأ الضرب باليد، وقال الطيبي: الوجأ الضرب، والعرب تحترز عن لفظ الضرب فلذلك عدل إلى الوجإ (فضحك رسول الله ﷺ أي تبسم، وفي رواية لأحمد فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه (وقال) رسول الله ﷺ : (هن) مجتمعات (حولي كما ترى يسألنني النفقة) يعني زيادة النفقة على المقدار المعتاد وإلا فكان رسول الله ﷺ يعزل نفقة أهله سنة كما أخرجه الشيخان وغيرهما، قال العيني: إنهن اجتمعن عنده يومًا فقلن: نريد ما تريد النساء من الحُليّ، حتى قال بعضهن: لو كنا عند غير النبي ﷺ لكان لنا شأن وثياب وحليّ، وقيل إن كل واحدة منهن طلبت شيئًا فطلبت أم سلمة معلمًا، وميمونة حلة يمانية، وزينب ثوبًا مخططًا، وأم حبيبة ثوبًا سحوليًا، وحفصة ثوبًا من ثياب مصر، وجويرية مِعْجَزًا، وسودة قطيفة خيبرية إلا عائشة رضي الله تعالى عنها فلم تطلب شيئًا كذا في تفسير الأحزاب من عمدة القاري. (فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها) أي يضربها بيده، وفي رواية عبد الملك وغيره عند أحمد فقام أبو بكر ﵁ إلى عائشة ليضربها وقام عمر إلى حفصة اهـ (فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما) أي كل من العمرين (يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده) ﷺ من زخارف الدنيا (فقلن) جميعًا (والله لا نسأل رسول الله ﷺ بعد اليوم (شيئًا) من متاع الدنيا (أبدًا) أي مدة حياتنا مما (ليس عنده) ﷺ ، وزاد أحمد قبله (فنهانا رسول الله ﷺ يعني نهى أبا بكر وعمر عن ضربهما وهو اللائق بمكارم أخلاقه ﷺ ، وهذا الفعل من أبي بكر وعمر بابنتيهما مبالغة في تأديبهما وكذلك غضب

стр. 6570

ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ. ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيهِ هذِهِ الآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾، حَتَّى بَلَغَ، ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. قَال: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ. فَقَال: "يَا عَائِشَةُ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَفرِضَ عَلَيكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَستَشِيرِي أَبوَيكِ" قَالت: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَتَلا عَلَيهَا الآيَةَ. قالتْ: أَفِيكَ، يَا رَسُولَ اللهِ! اسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ أَختَارُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. وَأَسْألُكَ أَنْ لَا تُخبِرَ امْرَأَةَ مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ ــ رسول الله ﷺ عليهن وهجرانه لهن إنما كان مبالغة في تأديبهن فإنهن كن كثرن عليه وتبسطن عليه تبسطًا أي تسلطن عليه تسلطًا تعدين فيه ما يليق بالنبي ﷺ من احترامه وإعظامه، وكان ذلك منهن بسبب حسن معاشرته ولين خلقه، وربما امتدت أعين بعضهن إلى شيء من متاع الدنيا كما مر آنفًا، ولذلك أمر الله تعالى نبيه ﷺ بأن يخترهن بين إرادة الدنيا وارادة الله تعالى وما عنده فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولم يكن فيهن من توقف في شيء من ذلك ولا تردد فيه لأنهن مختارات لمختار وطيبات لطيب سلام الله تعالى عليهن جمع كتع بتع بصع اهـ من المفهم. (ثم اعتزلهن) رسول الله ﷺ تأديبًا لهن أي انفرد عنهن في عليته (شهرًا) كاملًا (أو تسعًا وعشرين) ظاهره شك من الراوي، وسيأتي حديث ابن عباس أنه إنما اعتزلهن تسعًا وعشرين وهو الصحيح اهـ من المفهم (ثم نزلت عليه) ﷺ (هذه الآية) الكريمة يعني قوله: (يا أبها النبي قل لأزواجك، حتى بلغ) أي إلى أنْ بلغ نزولها قوله: (للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا، قال) جابر: (فبدأ) رسول الله ﷺ في التخيير بعد نزول الآية (بعائشة) الصدّيقة رضي الله تعالى عنها (فقال) لها: (يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرًا) هو التخيير فـ (أحب أن لا تعجلي فيه) أي في ذلك الأمر (حتى تستشيري) وتستأمري (أبويك قالت) عائشة: (وما هو) أي وما ذلك الأمر الذي تعرضه عليّ (يا رسول الله فتلا) أي فقرأ (عليها الآية) المذكورة آنفا (قالت) عائشة: (أفيك) أي أفي اختيارك واختيار الله والدار الآخرة (يا رسول الله أستشير) وأستأمر (أبوي بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة و) لكن (أسألك أن لا تخبر) يا رسول الله (امرأة) واحدة (من نسائك) وأزواجك (بـ) الأمر (الذي قلت) من اختيارك

стр. 6571

قَال؛ "لَا تَسْألُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخبَرْتُها. أَنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا. وَلَكِنْ بَعثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا" ــ واختيار الله والدار الآخرة، كأنها أرادت أن تختار بعض نسائه الفراق، قال القرطبي: هو قول أخرجته غيرتها وحرصها على انفرادها بالنبي ﷺ وكان عائشة رضي الله تعالى عنها توقعت أنه إذا لم يُخبر أحدًا من زوجاته يكون فيهن من يختار الدنيا فيفارقها النبي ﷺ وأنهن إذا سمعن باختيارها هي له ﷺ اقتدين بها فيخترنه وكذلك فعلن اهـ من المفهم، قال الحافظ: فيه أن الغيرة تحمل المرأة الكاملة الرأي والعقل على ارتكاب ما لا يليق بحالها ولكنه ﷺ لما علم أن الحامل لها على ذلك ما طُبع عليه النساء من الغيرة ومحبة الاستبداد دون ضرائرها لم يسعفها بما طلبت من ذلك كذا قال في الفتح في تفسير سورة الأحزاب. قال القرطبي: ووقع للنبي ﷺ أنه إن سألته واحدة منهن عن فعل عائشة فلم يخبرها كان ذلك نوعًا من العنت وادخال الضرر عليهن بسبب إخفاء ما يُسأل عنها فـ (قال) مجيبًا لها (لا تسألني امرأة منهن) عما قلت (إلا أخبرتها) به لي (أن الله) سبحانه (لم يبعثني) إلى الخلق، حالة كوني (معنتًا) بضم الميم وفتح العين وتشديد النون المكسورة؛ أي مشددًا على الناس أُمورهم وملزمًا إياهم ما يصعب عليهم (ولا) حالة كوني (متعنتًا) بضم الميم وفتح التاء الفوقية والعين المهملة وتشديد النون المكسورة؛ أي طالبًا زلاتهم وباحثًا عن هفواتهم (ولكن بعثني معلمًا) لهم أحكام دينهم (ميسرًا) عليهم أمورهم في دينهم ودنياهم، والمعنت هو الذي يوقع العنت بغيره، والعنت المشقة، والمتعنت هو الذي يحمل غيره على العمل بها، ويحتمل أن يقال المعنت هو المجبول على ذلك، والمتعنت هو الذي يتعاطى ذلك وإن لم يكن في جبلته اهـ من المفهم، وفي رواية عند أحمد (معنفًا)، والمعاني متقاربة لأن المعنت من عنته إذا شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه أداؤه، والمتعنت من التعنيت وهو الذي يطلب زلة غيره كما في القاموس، والمعنف مأخوذ من التعنيف؛ وهو التشديد والتوبيخ، والمراد أنني لا أريد أن أشق على نسائي أو أطلب زلاتهن فلا أمسك على إخبارهن باختيارك. وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن أصحاب الأمهات الست ولكن أخرجه النسائي في السنن الكبرى في عشرة النساء كما في تحفة الأشراف للمزي [٢/ ٢٩٧] وأخرجه أحمد أيضًا في مسند جابر ٣ [/ ٣٢٨ و ٣٤٢].

стр. 6572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تتمة ذكر من اختارت نفسها وقد مر في حديث عائثشة رضي الله تعالى عنها أن أزواج النبي ﷺ كلهن قد اخترنه وهو الصحيح المحفوظ، وذكر ابن العربي عن ابن شهاب أن امرأة واحدة منهن اختارت نفسها فذهبت وكانت بدوية اسمها عمرة بنت يزيد الكلابية اختارت فذهبت فابتلاها الله تعالى بالجنون، ويقال إن أباها تركها ترعى غنمًا له فسارت في طلب إحداها فلم يعلم ما كان من أمرها إلى اليوم، وذكر ابن سيد الناس عن أبي عمر أن اسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي وذكر أنها كانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول: أنا الشقية، اخترت الدنيا. ولكن هذه الروايات قد رد عليها ابن العربي في أحكام القرآن [١/ ١٦٢]، وابن سيد الناس في عيون الأثر [٢/ ٣١٠]، وراجع لتحقيق هذه الروايات الإصابة للحافظ ابن حجر [٤/ ٣٧١] والله أعلم. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث: الأول: حديث عائشة الأول ذكره للاستدلال به على الترجمة، والثاني: حديث عائشة الثاني ذكره للاستشهاد به للأول وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث: حديث عائشة الثالث ذكره للاستشهاد به للأول وذكر فيه خمس متابعات، والرابع: حديث جابر ذكره للاستشهاد به والله أعلم. ***

стр. 6573

٥٤٦ - (٣٢) باب إيلاء الرجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة ٣٥٧١ - (١٤٠٦) (١٦٦) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ. حَدَّثَنَا عِكرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ سِمَاكٍ أَبِي زُمَيل. حَدَّثَنِي عَبدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ. حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَال: لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ قَال: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ. فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالحَصَى وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ. وَذلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤمَرْنَ بِالْحِجَابِ ــ ٥٤٦ - (٣٢) باب إيلاء الرجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة ٣٥٧١ - (٠٦ ١٤) (١٦٦) (حدثني زهير بن حرب حدثني عمر بن يونس) بن القاسم (الحنفي) أبو حفص اليمامي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا عكرمة بن عمار) العجلي الحنفي أبو عمار اليمامي، صدوق، من (٥) روى عنه في (٩) أبواب (عن سماك) بن الوليد الحنفي (أبي زميل) اليمامي، ليس به بأس، من (٣) روى عنه في (٥) أبواب (حدثني عبد الله بن عباس) قال: (حدثني عمر بن الخطاب) ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم يمانيون وواحد مدني وواحد طائفي وواحد نسائي (قال) عمر بن الخطاب: (لما اعتزل) وابتعد وانفصل وفارق (نبي الله ﷺ نساءه) في السكن (قال) عمر: (دخلت المسجد) النبوي (فإذا الناس) كلهم (ينكتون) أي يضربون (بالحصى) الأرض كفعل المهموم المفكر في أمر مشكل، وفيه اهتمام المسلمين لما أهمَّ نبيهم ﷺ واجتماعهم لذلك، قال الحافظ: لم أقف على أسمائهم، وإذا في قوله: (فإذا الناس) فجائية، والفاء عاطفة؛ أي دخلت المسجد ففاجأني نكت الناس الأرض بالحصى (و) الحال أنهم (يقولون طلق رسول الله ﷺ نساءه) أي أزواجه (وذلك) أي اعتزال النبي ﷺ نساءه وقول الناس طلق رسول الله ﷺ (قبل أن يؤمرن) النساء (بالحجاب) أي بالاحتجاب من الرجال، استدل به ابن العربي في أحكام القرآن وغيره على أن واقعة التخيير كانت قبل نزول الحجاب، ولكن رد عليه الحافظ في الفتح فقال: هو غلط بيّن فإن نزول الحجاب كان في أول زواج زينب بنت جحش سنة أربع أو خمس، وهذه القصة كانت سبب نزول آية التخيير سنة تسع وكانت زينب بنت جحش فيمن خُيّر فبهذا يظهر أن نكاح زينب قبل التخيير، وقد ثبت أن الحجاب إنما نزل في

стр. 6574

فَقَال عُمَرُ: فَقُلْتُ: لأَعْلَمَنَّ ذلِكَ الْيَوْمَ. قَال: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ. فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ أَبِي بَكرٍ! أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالتْ: مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ عَلَيكَ بِعَيبَتِكَ. قَال: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصةَ بِنْتِ عُمَرَ. فَقُلْتُ لَهَا: يَا حَفْصَةُ! أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ وَاللهِ، لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَا يُحِبُّكِ. وَلَوْلا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ــ وليمة زينب فدل على أن التخيير كان بعد نزول الحجاب، وأما حديث الباب فقال فيه الحافظ: وأحسن محامله عندي أن يكون الراوي لما رأى قول عمر أنه دخل على عائشة ظن أن ذلك قبل الحجاب فجزم به ولكن جوابه أنه لا يلزم من الدخول رفع الحجاب فقد يدخل من الباب وتخاطبه من وراء الحجاب كما لا يلزم من وهم الراوي في لفظة من الحديث أن يطرح حديثه كله اهـ (فقال عمر فقلت) في نفسي والله (لأعلمن ذلك) الذي قالوا من طلاق رسول الله ﷺ نساءه أي لأبحثن عنه (اليوم) أي في هذا اليوم الحاضر وأعرفن حقيقته هل هو كذب انتشر أو صدق استقر؟ (قال) عمر: (فدخلت على عائشة فقلت) لها: (يا بنت أبي بكر أقد بلغ) ووصل (من شأنك) وترفعك على ضرائرك (أن توذي رسول الله ﷺ حتى اعتزل عنكن (فقالت) لي عائشة: (ما لي) أي أي عُلقة لي بك (وما لك) أي وأي علقة لك بي أي وأي علقة بيني وبينك (يا ابن الخطاب عليك بعيبتك) أي عليك بخاصتك وموضع سرك، والعيبة وعاء يجعل فيه الإنسان أفضل ثيابه ونفيس متاعه فشبهت بها عائشة حفصة ابنة عمر، والمعنى عليك بوعظ ابنتك حفصة لا بوعظي (قال) عمر: (فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها: يا حفصة أقد بلغ من شأنك) وسوء أدبك (أن تؤذي رسول الله ﷺ والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك) أي لا يحب صحبتك (ولولا أنا) موجود ولولا استحياؤه مني موجود (لطلقك رسول الله ﷺ وكأن هذا إشارة إلى ما رواه موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر قال: طلق رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر فبلغ ذلك عمر فحثى التراب على رأسه وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها، فنزل جبريل من الغد على النبي ﷺ فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر. وفي رواية أبي صالح عند أبي

стр. 6575

فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ. فَقُلْتُ لَهَا: أَينَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالت: هُوَ فِي خِزَانَتِهِ فِي الْمَشرُبَةِ. فَدَخَلْتُ فَإذَا أنَا بِرَبَاحٍ غُلامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشرُبَةِ ــ يعلى دخل عمر على حفصة وهي تبكي فقال: لعل رسول الله ﷺ قد طلقك إنه كان قد طلقك مرة ثم راجعك من أجلي فإن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدًا. ذكرهما الحافظ في ترجمة حفصة من الإصابة [٤/ ٢٦٥]، وأخرج ابن سعد عن قيس بن زيد مرسلًا أن رسول الله ﷺ طلق حفصة بنت عمر فأتاها خالاها عثمان وقدامة ابنا مظعون فبكت وقالت: والله ما طلقني رسول الله ﷺ عن شبع فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها فتجلببت فقال رسول الله ﷺ : "إن جبريل ﵇ أتاني فقال لي أرجع حفصة فإنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة " اهـ طبقات ابن سعد [٨/ ٨٤] (فـ) ـلما قلت لها ذلك (بكت) حفصة (أشد البكاء) قال عمر: (فقلت لها) أي لحفصة: (أين رسول الله ﷺ ؛ قالت) حفصة: (هو) أي رسول الله ﷺ (في خزانته) ومستودعه، والخزانة بكسر الخاء مكان الخزن كالمخزن وما يُحزن فيه يسمى خزينة، وقوله: (في المشربة) بفتح الميم والراء وبضمها بدل من خزانته بدل كل من كل، قال في المصباح: المشربة هي الخزانة التي يكون فيها طعامه وشرابه، قيل لها مشربة فيما أرى لأنهم كانوا يخزنون فيها شرابهم، وقيل بمعنى الغرفة العلية، وقال ابن قتيبة: هي كالصفة بين يدي الغرفة، وقال الداودي: هي الغرفة الصغيرة كذا في عمدة القاري وذكر في مجمع البحار: أن المشربة بمعنى الخزانة مفتوحة الراء فقط، وأما بمعنى الغرفة فتفتح راؤها وتضم اهـ والمراد أن الخزانة هي المستوح الذي يُخزن فيه الطعام والشراب والمتاع لا يدخله إلا صاحبه وخواصه، والمشربة الصفة أمامه يدخل فيها الزائرون ويستريحون فيها ويأكلون ويتحدثون فيها مع صاحب الخزانة والمعنى هو في خزانته التي هي في داخل المشربة، قال عمر: (فدخلت) المشربة (فإذا أنا) راءٍ (برباح غلام رسول الله ﷺ أي عبده، وهو بفتح الراء من موالي رسول الله ﷺ كان يأذن في الدخول عليه، حالة كون رباح (قاعدًا على أسكفة المشربة) أي على عتبتها، والأسكفة بضم الهمزة والكاف وتشديد الفاء المفتوحة عتبة الباب السفلى، وفيه

стр. 6576

مُدَلٍّ رِجْلَيهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ. وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَيَنْحَدِرُ. فَنَادَيتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَلَمْ يَقُلْ شَيئًا. ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَبَاحُ، استأذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ ــ مجاز بالحذف أي قاعد على أسكفة خزانة المشربة لان عمر دخل المشربة ولم يدخل الخزانة التي فيها الرسول ﷺ ، وقوله: (مدلٍّ رجليه) من دلى يدلي تدلية نظير زكى يزكي تزكية فهو مزكٍّ أي مرسل الرجلين ومادهما إلى الأسفل كالدلوفي البئر (على نقير من خشب) والنقير هو الجذع المنقور أي مدل رجليه على شيء من خشب منقور نقر وسطه وقور حتى يكون كالدرجة، قال النووي: هذا هو الصحيح الموجود في جميع النسخ، وذكر القاضي أنه بالفاء بدل النون وهو فقير بمعنى مفقور مأخوذ من فقار الظهر وهو جذع فيه درج اهـ نووي، وفقار الظهر خَرَزات عظامه التي بطوله (وهو) أي النقير (جذع) أي أصل نخل قوّر وسطه (يرقى) من رقي من باب رضي أي يصعد (عليه رسول الله ﷺ إذا صعد إلى الخزانة (وينحدر) أي ينزل منه إذا خرج من الخزانة. وفي بعض هوامش المتن قوله: (على نقير) أي شيء من خشب نقر وسطه حتى يكون كالدرجة يدل على ذلك قوله: (وهو جذع يرقى عليه رسول الله ﷺ وينحدر) أي يصعد عليه إلى الغرفة وينزل عليه منها، وسيأتي في أواخر هذا الحديثه (فإذا رسول الله ﷺ في مشربة يرتقى إليها بعجلة أي بدرجة والجذع أصل النخلة) اهـ. قال عمر: (فناديت) الغلام فقلت: (يا رباح استأذن لي) في الصعود (عندك) لأدخل (على رسول الله ﷺ فنظر رباح إلى الغرفة) التي فيها رسول الله ﷺ ليستأذن لي (ثم نظر إليّ فلم يقل) لي (شيئًا) من الإذن لي وعدمه، وفيه جواز اتخاذ الحاكم عند الخلوة بوابًا يمنع من يدخل إليه بغير إذنه، وأما ما رواه أنس عند البخاري وغيره في المرأة التي وعظها النبي ﷺ فلم تعرفه ثم جاءت إليه فمحمول على الأوقات التي يجلس فيها للناس قاله الحافظ في الفتح (ثم قلت يا رباح استأذن لي) في الصعود (عندك) لأدخل (على رسول الله ﷺ فنظر رباح إلى) داخل (الغرفة) التي فيها النبي ﷺ استئذانًا لي من

стр. 6577

ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ. فَلَمْ يَقُلْ شَيئًا. ثُمَّ رَفَعْتُ صوْتِي فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ. وَاللهِ، لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضَرْبِ عُنُقِهَا لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا. وَرَفَعْتُ صَوْتِي. فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنِ ارْقَةْ. فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُضطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ. فَجَلَسْتُ. فَأَدْنَى عَلَيهِ إِزَارَهُ. وَلَيسَ عَلَيهِ غَيرُهُ. وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ ــ النبي ﷺ (ثم نظر إليّ فلم يقل) لي (شيئًا) من الكلام، وفي الحديث دلالة على أن للإمام أن يحتجب عن بطانته وخاصته عند الأمر يطرقه من جهة أهله حتى يذهب غيظه ويخرج إلى الناس وهو منبسط إليهم، وعلى الرفق بالأصهار والحياء منهم إذا وقع للرجل من أهله ما يقتضي معاتبتهم، وعلى أن السكوت قد يكون أبلغ من الكلام لأنه ﷺ لو أمر غلامه برد عمر لم يجز لعمر العود إلى الاستئذان مرة بعد أخرى فلما سكت فهم عمر من ذلك أنه لم يؤثر رده مطلقًا، وعلى أن الحاجب إذا علم منع الإذن بسكوت المحجوب لم يأذن، وعلى أن الاستئذان مشروع ولو كان الرجل وحده لاحتمال أن يكون على حالة يكره الاطلاع عليها كذا قال في الفتح، قال عمر: (ثم رفعت صوتي) في المرة الثالثة كأنه أراد أن يبلغ صوته إلى النبي ﷺ ، وفيه جواز تكرار الاستئذان إذا رجا صاحبه الإذن (فقلت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظن أني جئت من أجل) الاستشفاع لي (حفصة، والله لئن أمرني رسول الله ﷺ بضرب عنقها لأضربن عنقها ورفعت صوتي) أيضًا بهذا الكلام (فأومأ) أي أشار (إلي) رباح بـ (أن ارقه) أي بالصعود إلى المشربة بواسطة ذلك الجذع المنقور كالسلم فـ (أن) تفسيرية و (ارقه) أمر من الرقي بمعنى الصعود والهاء في آخره إما للسكت أي للوقف أو ضمير عائد إلى الجذع، وفي الكلام حذف تقديره فرقيت (فدخلت على رسول الله ﷺ في الغرفة (وهو) ﷺ (مضطجع على حصير) أي على نسيج خوص النخل (فجلست) عنده (فأدنى عليه إزاره) أي تغطى به زيادة على تغطيه في خلوته ﷺ ، وفي نسخة (فإذا عليه إزاره) (و) الحال أنه (ليس عليه) ﷺ (غيره) أي غير إزاره (وإذا الحصير قد أثر) أي أظهر

стр. 6578

فِي جَنْبِهِ. فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْو الصَّاعِ. وَمِثلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ. وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ. قَال: فَابْتَدَرَت عَينَايَ. قَال: "مَا يُبكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ " قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! وَمَا لِي لَا أَبْكِي؟ وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ. وَهذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إلا مَا أَرَى. وَذَاكَ قَيصَرُ ــ خيوطه (في جنبه فنظرت ببصري في خزانة رسول الله ﷺ فإذا أنا) راءٍ (بقبضة) بضم القاف وفتحها والضم أفصح، قال الجوهري: القبضة بالضم ماقبضت عليه من شيء يقال أعطاه قبضة من سويق أو تمر أو شعير أي حفنات (من شعير نحو الصاع) أي قدر الصاع (و) رأيت (مثلها) أي مثل قبضة شعير (قرظًا) تمييز لمثلها أي ورأيت قرظًا مثلها (في ناحية الغرفة) وجانبها، والقَرَظ بفتحتين ورق السلم يدبغ به، قال أبو حنيفة: القرظ أجود ما يدبغ به الأهب (يعني الجلود) في أرض العرب وهي تدبغ بورقه وثمره، وقال مرة: القرظ شجر عظام لها سوق غلاظ أمثال شجر الجوز، ورقه أصغر من التفاح وله حب يرضع في الموازين وهو ينبت في القيعان، واحدته قرظة وبها سمي الرجل قرظة أو قريظة (وإذا أفيق) بفتح الهمزة وكسر الفاء هو الجلد الذي لم يتم دباغه، وفيه بقية رائحة ويجمع على أفق بفتحتين نظير أدم وأديم وزنًا وهو مبتدأ خبره (معلق) أي بالجدار، وقيل: الأفيق الأديم المدبوغ قبل أن يخرز أو قبل أن يشق، وقيل هو ما دُبغ بغير القرظ والأرطى وغيرهما من أدبغة أهل نجد، وقيل هو حين يخرج من الدباغ مفروغًا منه وفيه رائحته، وقيل أول ما يكون من الجلد في الدباغ فهو منيئة ثم أفيق ثم يكون أديمًا، وجمعه أفق بفتح الهمزة والفاء كأديم وأدم اهـ من تاج العروس (قال) عمر: (فابتدرت) أي أسرعت (عيناي) إلى البكاء، أي لم أتمالك أن بكيت حتى سالت دموعي فـ (قال) لي رسول الله ﷺ : (ما يبكيك يا ابن الخطاب) فـ (قلت يا نبي الله ومالي) أي وأي شيء ثبت لي، حالة كوني (لا أبكي) أي وأي شيء مانع يمنعني من البكاء (وهذا الحصير) أي والحال أن هذا الحصير (قد أثر) أي قد ظهر أثر خيوطه (في) لحم (جنبك وهده) الغرفة الفارغة (خزانتك) أي مخزن مالك ومتاعك، والحال أني إلا أرى) ولا أبصر (فيها) أي في خزانتك (إلا ما أرى) وأنظر من محقرات الأموال أي وأي مانع منعني من البكاء والحال أن الفقر بلغك هذا الحد (وذاك) العدو مبتدأ (قيصر) بدل

стр. 6579

وَكِسرَى فِي الثِّمَارِ وَالأنْهَارِ. وَأَنتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَفوَتُهُ. وَهذِهِ خِزَانَتُكَ. فَقال: "يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! أَلا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟ " قُلْتُ: بَلَى. قَال: وَدَخَلْتُ عَلَيهِ حِينَ دَخَلْتُ وَأَنا أَرَى فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَشُقُّ عَلَيكَ مِنْ شَأنِ النِّسَاءِ؛ فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مَعَكَ ــ من اسم الإشارة وهو كل من ملك الروم (وكسرى) معطوف عليه وهو كل من ملك الفرس، وقوله: (في الثمار والأنهار) خبر المبتدإ أي وأي مانع منعني من البكاء، والحال أن أولئك الأعداء قيصر وكسرى متبسطون ومترفهون في الثمار اليانعة والأنهار النابعة (وأنت رسول الله ﷺ وصفوته) أي مصطفاه ومختاره من خلقه (وهذه) الغرفة الفارغة (خزانتك) أي مستودع نفائس أموالك، فوجب بكائي تعجبًا من هذه الحكمة الباهرة والقسمة العادلة، قوله: (صفوته) وصفوة الشيء بتثليث الصاد خالصُهُ وما صفا منه كما في القاموس والصحاح، والمراد ها هنا صفوة خلق الله تعالى، قوله: (وهذه خزانتك) قال الحافظ: وفيه جواز نظر الإنسان إلى نواحي بيت صاحبه وما فيه إذا علم أنه لا يكره، وبهذا يجمع بين ما وقع لعمر وبين ما ورد من النهي عن فضول النظر أشار إلى ذلك النووي، ويحتمل أن يكون نظره في بيت النبي ﷺ وقع أولًا اتفاقًا فرأى الشعير والقرظ مثلًا فاستقله فرفع رأسه لينظر هل هناك شيء أنفس منه فلم ير إلا الأهب فقال ما قال، ويكون النهي الوارد محمولًا على من تعمد النظر في ذلك والتفتيش ابتداءً. كذا في فتح الباري [٩/ ٢٥٧]. (فقال) له رسول الله ﷺ : (يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا) معاشر المؤمنين (الآخرة) ونعيمها (و) تكون (لهم) أي الكفار (الدنيا) وزخارفها (قلت: بلى) رضيت ذلك يا رسول الله (قال) عمر: (ودخلت عليه) ﷺ (حين دخلت) عليه أولًا، وجملة قوله: (وأنا أرى في وجهه الغضب) حال من ضمير المتكلم في دخلت الأول أي ودخلت عليه أول دخولي، والحال أني أرى الغضب في وجهه أي أثره من تغير اللون (فقلت) له: (يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء) أي لا يشق عليك شيء من شؤونهن فلا تهتم بهن، فما نافية ويحتمل كونها شرطية أو استفهامية (فإن كنت طلقتهن) وفارقتهن (فإن الله) (معك) بتعويضك خيرًا

стр. 6580

وَمَلائِكَتَهُ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا وَأَبُو بَكرٍ وَالْمُؤمِنُوَنَ مَعَكَ. وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ، وَأَحْمَدُ اللهَ، بِكَلامٍ إلا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ. وَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ. آيَةُ التخيِيرِ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكرٍ وَحَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النبِيِّ ﷺ . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَطَلَّقتَهُنَّ؟ قَال: "لَا" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ ــ منهن (و) إن (ملائكته وجبريل وميكائيل) كلهم معك بالتأييد (وأنا وأبو بكر والمومنون معك) أيضًا بالمناصرة على أعدائك فلا تهتم بهن، قال عمر: (وقلما تكلمت) وقلما من الأفعال الأربعة المكفوفة بما عن الفاعل وهي قلما وكثرما وطالما وقصرما وزاد عليها بعضهم فليطلب في محله، وقوله: (وأحمد الله) جملة معترضة، وقوله: (بكلام) متعلق بتكلمت أي وقل تكلمي بكلام يتعلق بأمر الله ودينه (إلا رجوت أن يكون الله يصدّق قولي الذي أقول) في دينه بوحي نزل من السماء وأحمد الله سبحانه على قبول رجائي وتصديق قولي (و) في قبول رجائي وتصديق قولي المذكور (نزلت هذه الآية آية التخيير) بدل مما قبله يعني قوله: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن) وقوله: (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) والظهير المعين، ويطلق كما في المصباح على الواحد والجمع، وقوله: (وإن تظاهرا عليه) خطاب لعائشة وحفصة والمعنى فإن تتعاونا عليه ﷺ بما يسوؤه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره فإن الله تعالى مولاه وناصره عليكما لأن الآية نزلت في تظاهرهما في قصة العسل أو في قصة تحريم مارية كما مر تفصيله (وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة) بنتي (تظاهران) أي تتظاهران وتتعاونان (على سائر نساء النبي ﷺ أي على غيرهما من أمهات المؤمنين، وقوله: (فقلت: يا رسول الله أطلقتهن) الخ معطوف على قوله سابقًا (فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء) أي قلت له: هل طلقتهن (قال) لي: (لا) أي ما طلقتهن لأنه ﷺ إنما آلى من نسائه شهرًا ولم يطلقهن، وسيأتي ذكر الإيلاء في الحديث الآتي إن شاء الله (قلت) له ﷺ : (يا رسول الله إني دخلت المسجد) آنفًا (والمسلمون ينكتون) أي يضربون الأرض

стр. 6581

بِالحَصَى. يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ. أَفَأَنْزِلُ فَأُخبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَال: "نَعَمْ. إِنْ شِئْتَ" قَال فَلَمْ أَزَلْ أُحَدَّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ. وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ. وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا. ثُمَّ نَزَلَ نَبيُّ اللهِ ﷺ وَنَزَلْتُ. فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذع وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَأنَّمَا يَمْشِي عَلَى الأرْضِ مَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسعَةً وَعِشْرِينَ. قَال: "إِن الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ" ــ (بالحصى) تأسفًا على طلاقك، حالة كونهم (يقولون: طلّق رسول الله ﷺ نساءه أ) أُبشرهم ببيان الحال والشأن (فأنزل) إليهم (فأخبرهم أنك لم تطلّقهن) أم أتركهم على حالهم، وفيه بيان ما كانت عليه الصحابة من محبة الاطلاع على أحوال النبي ﷺ جلت أو قلت وتأسفهم بما يتأسف له ﵃ (قال) لي: (نعم) أخبرهم حقيقة الأمر (إن شئت) الإخبار لهم (قال) عمر: (فلم أزل أحدّثه) أي أتحدث معه وأكلمه (حتى تحسر) أي زال وانكشف (الغضب) أي أثره من الاحمرار بعد البياض (عن وجهه) الشريف (وحتى كشر) أي أظهر مقدم أسنانه بالتبسم (فضحك) أي بالغ في التبسم، والكشر بدو الأسنان يقال كشر الرجل عن أسنانه من باب ضرب إذا أبداها في الضحك (وكان) ﷺ (من أحسن الناس ثغرًا) أي فمًا، والثغر بفتح الثاء وسكون الغين مقدّم الأسنان كما في القاموس، وقال الفيومي: الثغر المبسم يعني الفم ثم أطلق على الثنايا يعني مقدّم الأسنان (ثم نزل نبي الله ﷺ من مشربته راجعًا إلى نسائه (ونزلت) معه ﷺ (فنزلت) أنا (أتشبث) أي أتعلق وأتمسك (بـ) يدي (الجذع) الذي كان كالسلم للغرفة خوفًا من السقوط (ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض) السهلة التي ليس فيها عقبة ولا درجة (ما يمسه) أي ما يمس الجذع (بيده) الشريفة لعدم مخافته من السقوط إما لزيادة تمكنه ﷺ وإما لاعتياده ذلك (فقلت) له: (يا رسول الله إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين) يومًا ولم يكمل لك الشهر، وفيه تذكير الحالف بيمينه إذا وقع منه ما ظاهره نسيانها لأن عمر ﵁ خشي أن يكون ﷺ نسي مقدار ما حلف عليه وهو شهر فذكّره ﷺ (قال) النبي ﷺ : (إن) هذا (الشهر) الذي آليت فيه (يكون) أي كان (تسعًا وعشرين) ليلة أو إن جنس الشهر يكون تسعًا وعشرين ليلة

стр. 6582

فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ. فَنَادَيتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّق رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ. وَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ــ وهذا الشهر من ذلك، قال الحافظ: وفيه تقوية لقول من قال إن يمينه ﷺ اتفق أنها كانت في أول الشهر، ولهذا اقتصر على تسعة وعشرين وإلا فلو اتفق ذلك في أثناء الشهر فالجمهور على أنه لا يقع البر إلا بثلاثين يومًا، قال عمر: (فـ) لما نزلت أنا من الغرفة ووصلت إلى المسجد (قمت على باب المسجد) النبوي (فناديت بأعلى صوتي) وأرفعه وقلت إنه (لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه) رضي الله تعالى عنهن، قال عمر ﵁: (ونزلت هذه الآية) يعني قوله تعالى: (وإذا جاءهم) أي جاء المنافقين أو ضعفاء المسلمين (أمر) وشأن من أمور المسلمين الغزاة (من الأمن) والسلامة والغلبة (أو الخوف) والقتل والهزيمة والخلل (أذاعوا به) أي بذلك الأمر أي أخبروه للناس وأشاعوه بينهم فتضعف قلوب المؤمنين بذلك ويتأذى به النبي ﷺ (ولو ردوه) أي ولو ردوا شأن ذلك الأمر من الإخبار أو عدمه (إلى الرسول) ﷺ (وإلى أُولي الأمر) والرأي والعقل (منهم) أي من المؤمنين وفوّضوا إذاعة ذاك الأمر إليهم (لعلمه) أي لعلم ما في إذاعة ذلك الأمر من المصلحة والمفسدة (الذين يستنبطونه) أي يستخرجون نتائج ذلك الأمر من مصلحة الإذاعة ومفسدتها (منهم) أي من أولي الأمر. والمشهور من هذه الآية أنها نزلت في الأخبار التي كان المنافقون وغيرهم يشيعونها في المدينة في أمر الحروب، قال ابن عباس: وإذا غزت سرية من سرايا المسلمين أخبر الناس عنها فقالوا: أصاب المسلمين من عدوهم كذا وكذا وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي ﷺ يخبرهم به، ولو ردوه إلى الرسول حتى يكون هو الذي يخبرهم به وإلى أولي الأمر منهم أي إلى أولي الفقه والدين والرأي كذا في الدر المنثور وتفسير ابن جرير. وهذه الآية من آيات سورة النساء، ورواية مسلم هذه ليس لها ذكر في التفاسير المتداولة ولا في تفسير ابن جرير وليس في سياق الآية وسياقها مناسبة فإن الذين في

стр. 6583

فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطتُ ذلِكَ الأَمْرَ. وَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ. ٣٥٧٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخبَرَنِي سُلَيمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ). أَخبَرَنِي يَحْيَى. أَخبَرَنِي عُبَيدُ بْنُ حُنَينٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ. قَال: ــ المسجد ما أذاعوا شيئًا بل تكلموا فيما بينهم مهمومين ومناداة عمر ﵁ إياهم بهذا الخبر كانت بعد أخذه الإذن من رسول الله ﷺ في ذلك فلينظر فيه. (قلت): لا تعارض بين ما ذكره المفسرون في سبب نزول الآية وما ذكره مسلم في سبب نزولها لما تقرر عندهم أنه لا تزاحم في أسباب النزول فيمكن أن يكون لهذه الآية شبان فإن الله تعالى ذكر في الآية أمرين أمرًا من الأمن وأمرًا من الخوف فلعل الأول ما ذكره عمر في حديث الباب فإن خبر الطلاق في حالة الأمن، والثاني سببه ما ذكره ابن عباس ﵄ فليتأمل. قال عمر: (فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر) أي بحثت عن ذلك الأمر عند رسول الله ﷺ وعرفت باطنه وأظهرت نتيجته للناس حين ناديتهم في المسجد (وأنزل الله بعد ذلك (آية التخيير) بين نسائه، قال الخفاجي في تفسيره: والاستنباط أصله استخراج الشيء من مأخذه كالماء من البئر والجوهر من المعدن والمستخرج نبط بالتحريك فتجوّز به عن كل أخذ وتلق اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥١٩١]، والترمذي [٣٣١٥]، والنسائي [٤/ ١٣٧]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٣٥٧٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا هارون بن سعيد) بن الهيثم (الأيلي) أبو جعفر التميمي نزيل مصر (حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، من (٩) (أخبرني سليمان يعني ابن بلال) التيمي المدني، ثقة، من (٨) (أخبرني يحيى) بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني (أخبرني عبيد بن حنين) مصغرًا بنونين مولى آل العباس، ويقال العدوي مولى زيد بن الخطاب أبو عبد الله المدني، روى عن عبد الله بن عباس في الطلاق، وأبي سعيد الخدري في الفضائل، ويروي عنه (ع) ويحيى بن سعيد الأنصاري وسالم أبو النضر، وثقه ابن سعد، وقال في التقريب: ثقة، قليل الحديث، من الثالثة، مات سنة (١٠٥) خمس ومائة (أنه سمع عبد الله بن عباس) ﵄ (يحدّث قال)

стр. 6584

مَكَثتُ سَنَةً وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ. فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيبَةً لَهُ. حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ، فَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيق، عَدَلَ إِلَى الأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ. فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ. ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ، مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَزوَاجِهِ؟ فَقَال: تِلْكَ ــ ابن عباس (مكثت) أي جلست (سنة) كاملة (وأنا) أي والحال أني (أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن) معنى (آية) من آي القرآن. وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد طائفي، غرضه بيان متابعة عبيد بن حنين لسماك بن الوليد في رواية هذا الحديث عن ابن عباس، قال ابن عباس (فما أستطيع) أي أقدر (أن أسأله) أي أن أسأل عمر (هيبة له) أي خوفًا منه لأنه رجل مهاب، قال المهلب: فيه توقير العالم ومهابته عن استفسار ما يخشى من تغيره عند ذكره وترقب خلوات العالم ليسأل عما لعله لو سُئل عنه بحضرة الناس أنكره على السائل، ويؤخذ منه مراعاة المروءة كذا في الفتح [٩/ ٢٥٥] ثم قال الحافظ: وفيه حسن تلطف ابن عباس وشدة حرصه على الاطلاع على فنون التفسير، وفيه طلب علو الإسناد لأن ابن عباس أقام مدة طويلة ينتظر خلوة عمر ليأخذ عنه وكان يمكنه الأخذ بواسطة عنه ممن لا يهابه، وفيه حرص الصحابة على طلب العلم وضبط أحوال الرسول ﷺ اهـ منه (حتى خرج) عمر من المدينة، حالة كونه (حاجًّا) أي قاصدًا مكة لنسك الحج (فخرجت معه فلما رجع) عمر من حجه (فكنا ببعض الطريق عدل) عمر (إلى) محل (الأراك) أي إلى محل كثير الأراك ليستتر به (لـ) قضاء (حاجة له) حاجة الإنسان (فوقفت له) أي لانتظاره (حتى فرغ) من قضاء حاجته يعني عدل عن الطريق المسلوكة إلى طريق لا يسلك غالبًا لقضاء حاجته، وكان ذلك بمر الظهران، والأراك شجر معروف ترعاه الإبل، وجاء في المعجم للعلايلي: الأراك في وصف القدماء شجرة طويلة ناعمة كثيرة الورق والأغصان خوارة العود يستاك بفروعها أي تنظف بها الأسنان وهو طيب النكهة له حمل كحمل عناقيد العنب، ويعدّ اليوم من فصيلة الزيتونيات اهـ من بعض الهوامش (ثم سرت معه) أي مع عمر (فقلت) له: (يا أمير المؤمنين) قال الحافظ: وفيه البحث عن العلم في الطريق والخلوات وفي حال القعود والمشي (من) المرأتان (اللتان تظاهرتا) أي تعاونتا وتشاورتا (على رسول الله ﷺ من أزواجه) في منعه من شربه العسل أو تحريم مارية (فقال) عمر (تلك)

стр. 6585

حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ. قَال: فَقُلْتُ لَهُ: وَاللهِ، إِنْ كُنْتُ لأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هذَا مُنْذُ سَنَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيبَةً لَكَ. قَال: فَلَا تَفْعَل. مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَسَلْنِي عَنْهُ. فَإِن كُنْتُ أَعْلَمُهُ أَخبَرْتُكَ. قَال: وَقَال عُمَرُ: وَاللهِ، إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا. حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَالى فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ. وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ. قَال: فَبَينَمَا ــ المرأتان هما (حفصة وعائشة قال) ابن عباس: (فقلت له) أي لعمر: (والله إن) وإن مخففة من الثقيلة بدليل ذكر اللام الفارقة بعدها أي والله إنه أي إن الشأن والحال (كنت) من زمان (لأريد أن أسألك عن هذا) السؤال (منذ سنة) أي من سنة (فما أستطيع) أن أسألك (هيبة لك) أي خوفًا منك، قال القاضي عياض: هيبته له عن سؤاله من تفسير تلك الآية تلك المدة هولما كانت إحدى المتظاهرتين ابنته حفصة، ولذلك قال له: واهًا لك يا ابن عباس، وهي كلمة وُضعت للتعجب كما قال في الآخر واعجبًا لك اهـ (قال) له عمر: (فلا تفعل) ذلك أي ترك سؤالي عما أشكلك هيبة مني، قال المهلب: وفي الحديث سؤال العالم عن بعض أمور أهله وإن كان عليه فيه غضاضة إذا كان في ذلك سنة تنقل ومسألة تحفظ، وفيه مهابة الطالب للعالم وتواضع العالم له كذا في الفتح، و (ما ظننت أن عندي من علم) به (فسلني عنه فإن كنت) أنا (أعلمه أخبرتك) عنه (قال) ابن عباس: (وقال عمر) أيضًا معطوف على قوله قال فلا تفعل، قال الحافظ: وفيه سياق القصة على وجهها وإن لم يسأل السائل عن ذلك إن كان في ذلك مصلحة من زيادة شرح وببان وخصوصًا إذا كان العالم يعلم أن الطالب يؤثر ذلك (والله إن) أي إن الشأن والحال (كنا) نحن معاشر قريش (في الجاهلية) أي قبل الإسلام (ما نعدّ) أي ما نظن ولا نعتقد أن (للنساء قدرًا) أي منزلة وأمرًا للرجال يعني كنا نحكم عليهن ولا يحكمن علينا بخلاف الأنصار فكانوا بالعكس من ذلك، وفي رواية يزيد بن رومان كنا ونحن بمكة لا يكلم أحد امرأته إلَّا إذا كانت له حاجة قضى منها حاجته، وفي رواية الطيالسي (كنا لا نعتد بالنساء ولا ندخلهن في أمورنا) كذا في الفتح (حتى أنزل الله تعالى فيهن ما أنزل) يعني حتى أمرنا بأداء حقوقهن كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وفي رواية البخاري في اللباس: فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك حقًّا علينا من غير أن ندخلهن في شيء من أمورنا (وقسم لهن ما قسم) من الحقوق والميراث (قال) عمر: (فبينما) هو ظرف زِيد فيه (ما) وكذا (بينا) ملازم للإضافة إلى الجملة، وللجواب
следующие страницы →