← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

بِالحَصَى. يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ. أَفَأَنْزِلُ فَأُخبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَال: "نَعَمْ. إِنْ شِئْتَ" قَال فَلَمْ أَزَلْ أُحَدَّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ. وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ. وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا. ثُمَّ نَزَلَ نَبيُّ اللهِ ﷺ وَنَزَلْتُ. فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذع وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَأنَّمَا يَمْشِي عَلَى الأرْضِ مَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسعَةً وَعِشْرِينَ. قَال: "إِن الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ" ــ (بالحصى) تأسفًا على طلاقك، حالة كونهم (يقولون: طلّق رسول الله ﷺ نساءه أ) أُبشرهم ببيان الحال والشأن (فأنزل) إليهم (فأخبرهم أنك لم تطلّقهن) أم أتركهم على حالهم، وفيه بيان ما كانت عليه الصحابة من محبة الاطلاع على أحوال النبي ﷺ جلت أو قلت وتأسفهم بما يتأسف له ﵃ (قال) لي: (نعم) أخبرهم حقيقة الأمر (إن شئت) الإخبار لهم (قال) عمر: (فلم أزل أحدّثه) أي أتحدث معه وأكلمه (حتى تحسر) أي زال وانكشف (الغضب) أي أثره من الاحمرار بعد البياض (عن وجهه) الشريف (وحتى كشر) أي أظهر مقدم أسنانه بالتبسم (فضحك) أي بالغ في التبسم، والكشر بدو الأسنان يقال كشر الرجل عن أسنانه من باب ضرب إذا أبداها في الضحك (وكان) ﷺ (من أحسن الناس ثغرًا) أي فمًا، والثغر بفتح الثاء وسكون الغين مقدّم الأسنان كما في القاموس، وقال الفيومي: الثغر المبسم يعني الفم ثم أطلق على الثنايا يعني مقدّم الأسنان (ثم نزل نبي الله ﷺ من مشربته راجعًا إلى نسائه (ونزلت) معه ﷺ (فنزلت) أنا (أتشبث) أي أتعلق وأتمسك (بـ) يدي (الجذع) الذي كان كالسلم للغرفة خوفًا من السقوط (ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض) السهلة التي ليس فيها عقبة ولا درجة (ما يمسه) أي ما يمس الجذع (بيده) الشريفة لعدم مخافته من السقوط إما لزيادة تمكنه ﷺ وإما لاعتياده ذلك (فقلت) له: (يا رسول الله إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين) يومًا ولم يكمل لك الشهر، وفيه تذكير الحالف بيمينه إذا وقع منه ما ظاهره نسيانها لأن عمر ﵁ خشي أن يكون ﷺ نسي مقدار ما حلف عليه وهو شهر فذكّره ﷺ (قال) النبي ﷺ : (إن) هذا (الشهر) الذي آليت فيه (يكون) أي كان (تسعًا وعشرين) ليلة أو إن جنس الشهر يكون تسعًا وعشرين ليلة

стр. 6582

فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ. فَنَادَيتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّق رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ. وَنَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ــ وهذا الشهر من ذلك، قال الحافظ: وفيه تقوية لقول من قال إن يمينه ﷺ اتفق أنها كانت في أول الشهر، ولهذا اقتصر على تسعة وعشرين وإلا فلو اتفق ذلك في أثناء الشهر فالجمهور على أنه لا يقع البر إلا بثلاثين يومًا، قال عمر: (فـ) لما نزلت أنا من الغرفة ووصلت إلى المسجد (قمت على باب المسجد) النبوي (فناديت بأعلى صوتي) وأرفعه وقلت إنه (لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه) رضي الله تعالى عنهن، قال عمر ﵁: (ونزلت هذه الآية) يعني قوله تعالى: (وإذا جاءهم) أي جاء المنافقين أو ضعفاء المسلمين (أمر) وشأن من أمور المسلمين الغزاة (من الأمن) والسلامة والغلبة (أو الخوف) والقتل والهزيمة والخلل (أذاعوا به) أي بذلك الأمر أي أخبروه للناس وأشاعوه بينهم فتضعف قلوب المؤمنين بذلك ويتأذى به النبي ﷺ (ولو ردوه) أي ولو ردوا شأن ذلك الأمر من الإخبار أو عدمه (إلى الرسول) ﷺ (وإلى أُولي الأمر) والرأي والعقل (منهم) أي من المؤمنين وفوّضوا إذاعة ذاك الأمر إليهم (لعلمه) أي لعلم ما في إذاعة ذلك الأمر من المصلحة والمفسدة (الذين يستنبطونه) أي يستخرجون نتائج ذلك الأمر من مصلحة الإذاعة ومفسدتها (منهم) أي من أولي الأمر. والمشهور من هذه الآية أنها نزلت في الأخبار التي كان المنافقون وغيرهم يشيعونها في المدينة في أمر الحروب، قال ابن عباس: وإذا غزت سرية من سرايا المسلمين أخبر الناس عنها فقالوا: أصاب المسلمين من عدوهم كذا وكذا وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي ﷺ يخبرهم به، ولو ردوه إلى الرسول حتى يكون هو الذي يخبرهم به وإلى أولي الأمر منهم أي إلى أولي الفقه والدين والرأي كذا في الدر المنثور وتفسير ابن جرير. وهذه الآية من آيات سورة النساء، ورواية مسلم هذه ليس لها ذكر في التفاسير المتداولة ولا في تفسير ابن جرير وليس في سياق الآية وسياقها مناسبة فإن الذين في

стр. 6583

فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطتُ ذلِكَ الأَمْرَ. وَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ. ٣٥٧٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخبَرَنِي سُلَيمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ). أَخبَرَنِي يَحْيَى. أَخبَرَنِي عُبَيدُ بْنُ حُنَينٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ. قَال: ــ المسجد ما أذاعوا شيئًا بل تكلموا فيما بينهم مهمومين ومناداة عمر ﵁ إياهم بهذا الخبر كانت بعد أخذه الإذن من رسول الله ﷺ في ذلك فلينظر فيه. (قلت): لا تعارض بين ما ذكره المفسرون في سبب نزول الآية وما ذكره مسلم في سبب نزولها لما تقرر عندهم أنه لا تزاحم في أسباب النزول فيمكن أن يكون لهذه الآية شبان فإن الله تعالى ذكر في الآية أمرين أمرًا من الأمن وأمرًا من الخوف فلعل الأول ما ذكره عمر في حديث الباب فإن خبر الطلاق في حالة الأمن، والثاني سببه ما ذكره ابن عباس ﵄ فليتأمل. قال عمر: (فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر) أي بحثت عن ذلك الأمر عند رسول الله ﷺ وعرفت باطنه وأظهرت نتيجته للناس حين ناديتهم في المسجد (وأنزل الله بعد ذلك (آية التخيير) بين نسائه، قال الخفاجي في تفسيره: والاستنباط أصله استخراج الشيء من مأخذه كالماء من البئر والجوهر من المعدن والمستخرج نبط بالتحريك فتجوّز به عن كل أخذ وتلق اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥١٩١]، والترمذي [٣٣١٥]، والنسائي [٤/ ١٣٧]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٣٥٧٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا هارون بن سعيد) بن الهيثم (الأيلي) أبو جعفر التميمي نزيل مصر (حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، من (٩) (أخبرني سليمان يعني ابن بلال) التيمي المدني، ثقة، من (٨) (أخبرني يحيى) بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني (أخبرني عبيد بن حنين) مصغرًا بنونين مولى آل العباس، ويقال العدوي مولى زيد بن الخطاب أبو عبد الله المدني، روى عن عبد الله بن عباس في الطلاق، وأبي سعيد الخدري في الفضائل، ويروي عنه (ع) ويحيى بن سعيد الأنصاري وسالم أبو النضر، وثقه ابن سعد، وقال في التقريب: ثقة، قليل الحديث، من الثالثة، مات سنة (١٠٥) خمس ومائة (أنه سمع عبد الله بن عباس) ﵄ (يحدّث قال)

стр. 6584

مَكَثتُ سَنَةً وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ. فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيبَةً لَهُ. حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ، فَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيق، عَدَلَ إِلَى الأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ. فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ. ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ، مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَزوَاجِهِ؟ فَقَال: تِلْكَ ــ ابن عباس (مكثت) أي جلست (سنة) كاملة (وأنا) أي والحال أني (أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن) معنى (آية) من آي القرآن. وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد طائفي، غرضه بيان متابعة عبيد بن حنين لسماك بن الوليد في رواية هذا الحديث عن ابن عباس، قال ابن عباس (فما أستطيع) أي أقدر (أن أسأله) أي أن أسأل عمر (هيبة له) أي خوفًا منه لأنه رجل مهاب، قال المهلب: فيه توقير العالم ومهابته عن استفسار ما يخشى من تغيره عند ذكره وترقب خلوات العالم ليسأل عما لعله لو سُئل عنه بحضرة الناس أنكره على السائل، ويؤخذ منه مراعاة المروءة كذا في الفتح [٩/ ٢٥٥] ثم قال الحافظ: وفيه حسن تلطف ابن عباس وشدة حرصه على الاطلاع على فنون التفسير، وفيه طلب علو الإسناد لأن ابن عباس أقام مدة طويلة ينتظر خلوة عمر ليأخذ عنه وكان يمكنه الأخذ بواسطة عنه ممن لا يهابه، وفيه حرص الصحابة على طلب العلم وضبط أحوال الرسول ﷺ اهـ منه (حتى خرج) عمر من المدينة، حالة كونه (حاجًّا) أي قاصدًا مكة لنسك الحج (فخرجت معه فلما رجع) عمر من حجه (فكنا ببعض الطريق عدل) عمر (إلى) محل (الأراك) أي إلى محل كثير الأراك ليستتر به (لـ) قضاء (حاجة له) حاجة الإنسان (فوقفت له) أي لانتظاره (حتى فرغ) من قضاء حاجته يعني عدل عن الطريق المسلوكة إلى طريق لا يسلك غالبًا لقضاء حاجته، وكان ذلك بمر الظهران، والأراك شجر معروف ترعاه الإبل، وجاء في المعجم للعلايلي: الأراك في وصف القدماء شجرة طويلة ناعمة كثيرة الورق والأغصان خوارة العود يستاك بفروعها أي تنظف بها الأسنان وهو طيب النكهة له حمل كحمل عناقيد العنب، ويعدّ اليوم من فصيلة الزيتونيات اهـ من بعض الهوامش (ثم سرت معه) أي مع عمر (فقلت) له: (يا أمير المؤمنين) قال الحافظ: وفيه البحث عن العلم في الطريق والخلوات وفي حال القعود والمشي (من) المرأتان (اللتان تظاهرتا) أي تعاونتا وتشاورتا (على رسول الله ﷺ من أزواجه) في منعه من شربه العسل أو تحريم مارية (فقال) عمر (تلك)

стр. 6585

حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ. قَال: فَقُلْتُ لَهُ: وَاللهِ، إِنْ كُنْتُ لأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هذَا مُنْذُ سَنَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيبَةً لَكَ. قَال: فَلَا تَفْعَل. مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَسَلْنِي عَنْهُ. فَإِن كُنْتُ أَعْلَمُهُ أَخبَرْتُكَ. قَال: وَقَال عُمَرُ: وَاللهِ، إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا. حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَالى فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ. وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ. قَال: فَبَينَمَا ــ المرأتان هما (حفصة وعائشة قال) ابن عباس: (فقلت له) أي لعمر: (والله إن) وإن مخففة من الثقيلة بدليل ذكر اللام الفارقة بعدها أي والله إنه أي إن الشأن والحال (كنت) من زمان (لأريد أن أسألك عن هذا) السؤال (منذ سنة) أي من سنة (فما أستطيع) أن أسألك (هيبة لك) أي خوفًا منك، قال القاضي عياض: هيبته له عن سؤاله من تفسير تلك الآية تلك المدة هولما كانت إحدى المتظاهرتين ابنته حفصة، ولذلك قال له: واهًا لك يا ابن عباس، وهي كلمة وُضعت للتعجب كما قال في الآخر واعجبًا لك اهـ (قال) له عمر: (فلا تفعل) ذلك أي ترك سؤالي عما أشكلك هيبة مني، قال المهلب: وفي الحديث سؤال العالم عن بعض أمور أهله وإن كان عليه فيه غضاضة إذا كان في ذلك سنة تنقل ومسألة تحفظ، وفيه مهابة الطالب للعالم وتواضع العالم له كذا في الفتح، و (ما ظننت أن عندي من علم) به (فسلني عنه فإن كنت) أنا (أعلمه أخبرتك) عنه (قال) ابن عباس: (وقال عمر) أيضًا معطوف على قوله قال فلا تفعل، قال الحافظ: وفيه سياق القصة على وجهها وإن لم يسأل السائل عن ذلك إن كان في ذلك مصلحة من زيادة شرح وببان وخصوصًا إذا كان العالم يعلم أن الطالب يؤثر ذلك (والله إن) أي إن الشأن والحال (كنا) نحن معاشر قريش (في الجاهلية) أي قبل الإسلام (ما نعدّ) أي ما نظن ولا نعتقد أن (للنساء قدرًا) أي منزلة وأمرًا للرجال يعني كنا نحكم عليهن ولا يحكمن علينا بخلاف الأنصار فكانوا بالعكس من ذلك، وفي رواية يزيد بن رومان كنا ونحن بمكة لا يكلم أحد امرأته إلَّا إذا كانت له حاجة قضى منها حاجته، وفي رواية الطيالسي (كنا لا نعتد بالنساء ولا ندخلهن في أمورنا) كذا في الفتح (حتى أنزل الله تعالى فيهن ما أنزل) يعني حتى أمرنا بأداء حقوقهن كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وفي رواية البخاري في اللباس: فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك حقًّا علينا من غير أن ندخلهن في شيء من أمورنا (وقسم لهن ما قسم) من الحقوق والميراث (قال) عمر: (فبينما) هو ظرف زِيد فيه (ما) وكذا (بينا) ملازم للإضافة إلى الجملة، وللجواب

стр. 6586

أَنَا فِي أَمْرٍ أَأْتمِرُهُ. إِذْ قَالتْ لِي امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا! فَقُلْتُ لَهَا: وَمَا لكِ أَنْتِ وَلمَا ههُنَا؟ وَمَا تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فَقَالتْ لِي: عَجبًا لَكَ، يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضبَانَ. قَال عُمَرُ: فَآخُذُ رِدَائِي ثُمَّ أَخرُجُ مَكَانِي. حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى حَفْصَةَ. فَقُلْتُ لَهَا: ــ المقرون بإذا الفجائية كما تقدم البحث عنه في أوائل شرحنا هذا في مواضع أي فبينما (أنا في) تدبير (أمر) من أموري (أأتمره) أي أشاور فيه نفسي، والقياس في اجتماع الهمزتين تسهيل الثانية فيكون رسم الخط آتمره بمدة فوق الأولى كما في آمر وآخذ وآكل ومثلها قول الصدّيقة: وكان يأمرني إذا حضت أن أتزر. وذكر جواب بينما بقوله: (إذ قالت لي امرأتي) زينب بنت مظعون (لو صنعت كذا وكذا) والمعنى فبينما أوقات ائتمار نفسي في أمر من أموري ومشاورتي إياها فاجأني قول امرأتي: لو فعلت كذا وكذا في أمرك هذا لكان أصلح لك وأحسن، فلو شرطية جوابها محذوف أو للتمني أي أتمنى صنعتك كذا وكذا يعني أشارت عليّ بشيء وأغلظت لي فيه كما هو مصرح في رواية البخاري في اللباس وفي رواية يزيد بن رومان (فقمت إليها بقضيب فضربتها به، فقالت: يا عجبًا يا ابن الخطاب) قال عمر: (فقلت لها) أي لامرأتي زينب بنت مظعون (ومالك) أي وأي شيء ثبت لك (أنت) تأكيد للضمير المجرور ليعطف عليه قوله: (ولما ها هنا) أي وأي شيء ثبت لك ولهذا الأمر الذي أريد أنا ائتمار نفسي فيه ومشاورتي إياها وأي علقة بينك وبينه فتقولي لي لو صنعت كذا وكذا (وما تكلفك) أي وما تكليف نفسك بالدخول (في أمر أريده) أي أريد استئمار نفسي فيه؛ أي وأي علقة بينك وبينه لأنك من النساء اللاتي لا أمر ولا شأن لهن (فقالت لي) امرأتي: (عجبًا لك يا ابن الخطاب) أي عجبت لك عجبًا يا ابن الخطاب (ما تريد أن تراجع) وتراد (أنت) في كلامك وتعارض فيه، والمراجعة هي المعارضة في الكلام والمناظرة فيه (وإن ابنتك) أي والحال أن ابنتك حفصة (لتراجع) وتعارض (رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان) أي حتى يكون طول نهاره غضبان عليها لمراجعتها الكلام عليه (قال عمر: فآخذ ردائي ثم أخرج مكاني حتى أدخل على حفصة) أي فلما سمعت من امرأتي ذلك أخذت ردائي ثم خرجت من مكاني الذي سمعت فيه خبرها بلا تأخر حتى دخلت على حفصة (فقلت لها:

стр. 6587

يَا بُنَيَّةُ! إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضبَانَ. فَقَالت حَفْصَةُ: وَاللهِ! إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ. فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللهِ وَغَضَبَ رَسُولِهِ. يَا بُنَيَّةُ! لَا تَغُرَّنَّكِ هذِهِ الَّتِي قَدْ أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا. وَحُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهَا. ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ. لِقَرَابَتِي مِنْهَا. فَكَلَّمْتُهَا. فَقَالتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ: عَجبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّاب! قَدْ دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيءٍ حتَّى تَبْتَغِي أَنْ تَدْخُلَ بَينَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ! قَال: فَأَخَذَتْنِي أَخْذًا كَسَرَتنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ ــ يا بنية) تصغير ابنة تصغير شفقة (إنك لتراجعين) أي لتعارضين (رسول الله ﷺ كلامه (حتى يظل يومه غضبان) عليك (فقالت حفصة: والله إنا) معاشر أزواجه (لنراجعه) أي لنرد كلامه عليه، قال عمر: (فقلت) لها: (تعلمين) أي اعلمي مني ما أقول لك نصيحة (أني أحذرك) وأخوّفك (عقوبة الله) أي حلول عقوبة الله عليك (وغضب رسوله) ﷺ من عطف السبب على المسبب (يا بنية لا تغرنك هذه) يعني عائشة أي لا يغرنك مراجعة هذه (التي أعجبها حسنها) وجمالها (وحب رسول الله ﷺ إياها) يعني بها عائشة رضي الله تعالى عنها، وقد صرح به الراوي في رواية عبد العزيز بن عبد الله عند البخاري في تفسير سورة التحريم، والمعنى أنك لا تقيسي نفسك على عائشة ولا تسيري سيرها في كل شيء لأنها أحب منك إلى رسول الله ﷺ فربما يصدر من دلالها برسول الله ﷺ ما لا يليق بك، قال عمر: (ثم خرجت) من عند حفصة وذهبت (حتى أدخل على أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية (لقرابتي منها فكلمتها) أي كلمت أم سلمة في مراجعتهن رسول الله ﷺ (فقالت لي أم سلمة: عجبًا لك) أي عجبت لك عجبًا (يا ابن الخطاب قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي) وتريد (أن تدخل بين رسول الله ﷺ و) بين (أزواجه) ﷺ (قال) عمر: (فأخذتني) أم سلمة أي فمنعتني بحدة لسانها (أخذًا) أي منعًا (كسرتني) أي دفعتني به (عن) قول (بعض ما كنت أجد) في قلبي وأريد أن أقوله بلساني أي أخذتني بلسانها أخذًا دفعتني ومنعتني به عن مقصدي وكلامي، وفي رواية لابن سعد فقالت أم سلمة: إي والله إنا لنكلمه فإن تحمل ذلك فهو أولى به وإن نهانا عنه كان أطوع عندنا منك، قال عمر: فندمت على كلامي

стр. 6588

فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا. وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الأَنْصَارِ. إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ، وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ. وَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ. ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُريدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَينَا ــ لهن (فخرجت من عندها) أي من عند أم سلمة، وفي رواية يزيد بن رومان (ما يمنعنا أن نغار على رسول الله ﷺ وأزواجكم يغرن عليكم) وكان الحامل لعمر على ما وقع منه شدة شفقته وعظم نصيحته فكان يبسط على النبي صلى الله عيه وسلم فيقول له: افعل كذا، ولا تفعل كذا كقوله: احجب نساءك، وقوله: لا تصل على عبد الله ابن أُبي وغير ذلك، وكان النبي صلى الله عيه وسلم يحتمل ذلك لعلمه بصحة نصيحته وقوته في الإسلام قاله الحافظ في الفتح. قال عمر: (وكان لي صاحب) وجار (من الأنصار) يسكن معي في العوالي اسمه أوس بن خولي بن عبد الله بن الحارث الأنصاري على الصحيح اهـ تنبيه المعلم (إذا غبت) أنا من رسول الله ﷺ بأن لم أتزل إلى المديتة (أتاني) أي جاءني ذلك الصاحب في الليل (بالخبر) أي يخبر ما جرى عند رسول الله صلى الله عيه وسلم في ذلك اليوم (وإذا غاب) ذلك الصاحب عن رسول الله ﷺ بأن لم ينزل إلى المدينة (كنت أنا آتيه) أي آتي ذلك الصاحب في الليل (بالخبر) أي بخبر ما جرى في ذلك اليوم عند رسول الله ﷺ ، وقال النووي: فيه استحباب حضور مجالس العلم، واستحباب التناوب في حضور العلم إذا لم يتيسر لكل وأحد الحضور بنفسه اهـ (قلت): وبهذه المناسبة أورد البخاري هذا الحديث في باب التناوب في العلم، وقال الحافظ في الفتح: وفيه قبول خبر الواحد ولو كان الآخذ فاضلًا والمأخوذ عنه مفضولًا، وفيه رواية الكبير عن الصغير، وفيه أن الطالب لا يغفل عن النظر في أمر معاشه ليستعين على طلب العلم وغيره لما علم من حال عمر أنه كان يتعانى التجارة إذ ذاك كذا في الفتح في [١/ ١٦٨]. (ونحن) معاشر المسلمين (حينئذٍ) أي حين إذ تناوب مع الأنصاري في النزول على رسول الله ﷺ (فتخوف ملكًا) أي نخاف هجوم ملك (من ملوك غسان) الأشهر منع صرفه، قبيلة مشهورة من قبائل العرب اسم ذلك الملك الحارث بن أبي شمر (ذكر لنا أنه) أي أن ذلك الملك (بريد) ويقصد (أن يسير) ويذهب (إلينا) للغزو ويهجم

стр. 6589

فَقَدِ امْتَلأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ. فَأَتَى صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ الْبَابَ. وَقَال: افتَحِ. افْتَحْ. فَقُلْتُ: جَاءَ الْغَسَّانِيُّ؟ فَقَال: أَشَدُّ مِنْ ذلِكَ. اعْتَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ. فَقُلْتُ: رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ ــ علينا في المدينة (فقد امتلأت صدورنا) خوفًا أو غيظًا (منه) أي من ذلك الملك (فأتى) أي فجاء (صاحبي الأنصاري) إلى منزلي يوم نوبته، حالة كونه (يدق) ويقرع (الباب) أي باب منزلي دقًا بليغًا لأخرج إليه بسرعة (وقال) لي (افتح) الباب يا عمر (افتح) بالتكرار مرتين للتأكيد (فقلت) له: هل (جاء الغساني) وقد سماه في رواية ابن سعد: الحارث بن أبي شمر (فقال) الأنصاري وقع أمر (أشد من ذلك) لأنه (اعتزل) وانفرد وابتعد وفارق (رسول الله ﷺ أزواجه) وطلقهن فلا يدخل عليهن، قال عمر: (فقلت رغم) ولصق (أنف حفصة وعائشة) بالتراب خصهما بالذكر لكونهما متظاهرتين على سائر أزواجه ﷺ . وقوله: (أشد من ذلك) فيه ما كان عليه الصحابة من الاهتمام بما يهتم له رسول الله ﷺ لأنه جعل اعتزال نسائه أشد من طروق ملك الشام الغساني بجيوشه إلى المدينة وذلك لأنه كان يتحقق أن عدوهم ولو طرقهم مغلوب ومهزوم واحتمال خلاف ذلك ضعيف بخلاف الذي توهمه من تطليق رسول الله ﷺ أزواجه فإن وقوع الغم بذلك متيقن. وقوله: (اعتزل رسول الله ﷺ أزواجه) وفي رواية سفيان الآتية طلّق النبي ﷺ نساءه ولعل الراوي في روايتنا هذه رواها بالمعنى لأن أكثر الروايات على الطلاق، وأخرج ابن مردويه من طريق سلمة بن كهيل عن ابن عباس أن عمر قال: لقيني عبد الله بن عمر ببعض طرق المدينة فقال: إن النبي ﷺ طلق نساءه، وهذا إن كان محفوظًا محمول على أن ابن عمر لاقى أباه وهو يجيء من منزله من العوالي فأخبره بمثل ما أخبره به الأنصاري، ولعل الجزم بالطلاق وقع من إشاعة بعض أهل النفاق فتناقله الناس، وأصله ما وقع من اعتزال النبي ﷺ نساءه ولم تجر عادته بذلك فظنوا أنه طلّقهن قاله في الفتح. وقوله: (رغم أنف حفصة وعائشة) هو بفتح الغين وكسرها أي لصق بالرغام وهو التراب هذا هو الأصل ثم استعمل في كل من عجز من الانتصاف ووقع في الذل والانقياد كرهًا أفاده النووي.

стр. 6590

ثُمَّ آخُذُ ثَوْبِي فَأَخْرُجُ. حَتَّى جِئْتُ. فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يُرْتَقَى إِلَيهَا بِعَجَلَةٍ. وَغُلامٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ. فَقُلْتُ: هذَا عُمَرُ. فَأُذِنَ لِي. قَال عُمَرُ: فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ هذَا الْحَدِيثَ. فَلَمَّا بَلَغتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَينَهُ وَبَينَهُ شَيءٌ. وَتَحْتَ رَأْسِهِ وسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ. وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيهِ قَرَظًا مَضبُورًا. وَعِنْدَ رأْسِهِ أُهُبًا مُعَلَّقَةً ــ (ثم آخذ ثوبي فأخرج) فالمضارع هنا بمعنى الماضي أي ثم بعدما سمعت كلام الأنصاري أخذت ثوبي فخرجت من منزلي (حتى جئت) ونزلت المدينة، قال النووي: فيه استحباب التجمل بالثوب والعمامة ونحوهما عند لقاء الأئمة والكبار احترامًا لهم (فإذا رسول الله ﷺ معتزل عن نسائه (في مشربة) وغرفة (له يرتقى) ويصعد (إليها بعجلة) أي بدرجة من جذع النخل، ويروى بعجلتها بالإضافة إلى ضمير المشربة وبعجلها بحذف التاء وبالإضافة وكله صحيح وأجوده ما كان بالتاء من غير إضافة (وغلام لرسول الله ﷺ أي عبد (أسود) حارس واقف (على رأس الدرجة) أي على أعلاها (فقلت) له؛ أي لذلك الغلام قل لرسول الله ﷺ (هذا) الحاضر (عمر) ليأذن لي في الدخول عليه فأخبره (فأذن لي) بالبناء للمجهول أي فأذن لي رسول الله ﷺ في الدخول عليه (قال عمر): فدخلت عليه ﷺ (فقصصت) أي أخبرت (على رسول الله ﷺ هذا الحديث) الذي جرى بيني وبين الأنصاري وبين أزواجه (فلما بلغت حديث أم سلمة) وقصتها (تبسم رسول الله ﷺ وإنه) أي والحال إنه ﷺ (لـ) مضطجع (على حصير ما بينه) ﷺ (وبينه) أي وبين ذلك الحصير (شيء) من البساط (وتحت رأسه وسادة) أي مخدة (من أدم) أي من جلد مدبوغ وهو على ما قاله المجد اسم جمع للأديم (حشوها) أي حشو تلك الوسادة (ليف) أي لحيُ النخل (وإن عند رجليه قرظًا مضبورًا) بالضاد المعجمة أي مجموعًا منضدًا من ضبر الكتب من باب ضرب إذا جعلها في حزمة، قال النووي: وقع في بعض الأصول مضبورًا بالضاد المعجمة، وفي بعضها بالمهملة وكلاهما صحيح أي مجموعًا (وعند رأسه أُهبًا معلقة)

стр. 6591

فَرَأَيتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَبَكَيتُ. فَقَال: "مَا يُبْكِيكَ؟ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ. وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ؟ فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا الدُّنْيَا وَلَكَ الآخِرَةُ؟ ". ٣٥٧٣ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. أَخبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيدِ بْنِ حُنَينٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قال: أَقْبَلْتُ مَعَ عُمَرَ ــ بفتح الهمزة والهاء وبضمهما لعان مشهورتان جمع إهاب وهو الجلد قبل الدباغ وقيل الجلد مطلقًا اهـ نووي، والضبط الثاني قياس مثل كتاب وكتب بخلاف الأول، بل قال بعضهم كما في المصباح ليس في كلام العرب فعال يُجمع على فعل بفتحتين إلَّا إهاب وأهب وعماد وعمد اهـ من بعض الهوامش، قال عمر: (فرأيت أثر الحصير) أي أثر خيوطه (في جنب رسول الله ﷺ فبكيت) لذلك (فقال) لي رسول الله ﷺ : (ما يبكيك؟ ) يا عمر (فقلت) له: (يا رسول الله إن كسرى) ملك فارس (وقيصر) ملك الروم (فيما هما فيه) من زخارف الدنيا مع كفرهما (وأنت رسول الله) وصفيّه على هذا الحصير (فقال) لي (رسول الله ﷺ : أما ترضى أن تكون لهما الدنيا ولك الآخرة) هكذا هو في الأصول (ولك في الآخرة) وفي بعضها لهم في الدنيا وفي أكثرها لهما بالتثنية وأكثر الروايات في غير هذا الموضع لهم الدنيا ولنا الآخرة وكله صحيح. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ٣٥٧٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الأنصاري الحصري، ثقة، من (١٠) (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، عن (٨) (أخبرني يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني، ثقة، من (٥) (عن عبيد بن حنين) المدني، ثقة، من (٣) (عن ابن عباس) ﵄. وهذا السند عن سداسياته، غرضه بيان متابعة حماد بن سلمة لسليمان بن بلال (قال) ابن عباس: (أقبلت) أي رجعت (مع عمر) من مكة إلى المدينة بعد فراغنا من

стр. 6592

حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِطولِهِ. كَنَحْو حَدِيثِ سُلَيمَانَ بْنِ بِلالٍ. غَيرَ أَنَّهُ قَال: قُلْتُ: شَأنُ الْمَرْأَتَينِ؟ قَال: حَفْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ. وَزَادَ فِيهِ: وَأَتَيتُ الْحُجَرَ فَإِذَا فِي كُلِّ بَيتٍ بُكَاءٌ. وَزَادَ أَيضًا: وَكَانَ آلَى مِنْهُنَّ شَهْرًا. فَلَمَّا كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نَزَلَ إِلَيهِنَّ ــ الحج (حتى إذا كنا بمر الظهران) وفي القاموس: هو واد قريب إلى مكة (وساق) أي ذكر حماد بن سلمة (الحديث) السابق (بطوله كنحو حديث سليمان بن بلال) الكاف بمعنى مثل، ونحو مقحم بدليل الاستثناء بعده؛ أي وساق حماد الحديث المذكور حالة كونه مثل حديث سليمان بن بلال لفظًا ومعنى (غير أنه) هذا استثناء من المماثلة أي لكن أن حماد بن سلمة (قال) في روايته قال ابن عباس: (قلت) لعمر بن الخطاب: (شأن المرأتين) اللتين تظاهرتا على النبي ﷺ من هما، ولفظ شأن مقحم أيضًا بدليل الجواب المذكور بعده، يعني ما شأن المرأتين، وقد صرح في بعض النسخ بما الاستفهامية كما في حاشية الشيخ محمد دهني على صحيح مسلم [١/ ٦٧٩] اهـ من التكملة (قال) عمر: هما (حفصة وأم سلمة) والراجح ما في الرواية السابقة من أنهما حفصة وعائشة لأنه رواية الأكثر اهـ من الأبي (وزاد) حماد بن سلمة (فيه) أي في الحديث أي زاد على سليمان بن بلال قول عمر (وأتيت الحجر) أي بيوت أزواج النبي ﷺ (فإذا في كل بيت) من بيوتهن (بكاء) لظنهن أن النبي ﷺ طلّقهن، والحجر بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجرة، والحجرة في اللغة الغرفة وحظيرة الإبل وتُجمع على حجرات أيضًا كما في القاموس يعني بها بيوت أزواج النبي ﷺ ، وقوله: (في كل بيت بكاء) لما كانت الأزواج فيه من الحزن الشديد بسبب اعتزال النبي ﷺ إياهن اهـ تكملة (وزاد) حماد أيضًا أي كما زاد ما مر أي زاد على سليمان بن بلال لفظة (وكان) النبي ﷺ (آلى منهن شهرًا) أي حلف أن لا يدخل عليهن شهرًا، وليس هو من الإيلاء المعروف في اصطلاح الفقهاء وليس له حكلمه لأن الإيلاء عندهم هو الحلف على الامتناع من وطء زوجته مطلقًا أو مدة تزيد على أربعة أشهر، وأحكامه مبسوطة في كتبهم، وإيلاء النبي ﷺ من أزواجه هو الحلف على أن لا يدخل عليهن شهرًا لا على الوطء لأن الإيلاء لغة مطلق الحلف (فلما كان) اعتزاله كمل (تسعًا وعشرين) ليلة (نزل) من مشربته ورجع (إليهن)

стр. 6593

٣٥٧٤ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ) قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. سَمِعَ عُبَيدَ بْنَ حُنَينٍ (وَهُوَ مَوْلَى الْعَبَّاسِ) قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَينِ اللَّتَينِ تَظَاهَرَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَلَبِثْتُ سَنَةً مَا أَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا. حَتَّى صَحِبْتُهُ إِلَى مَكَّةَ. فَلَمَّا كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ذَهَبَ ــ مبتدئًا بعائشة رضوان الله تعالى عليهن جُمع. يعني حلف على عدم قربانهن ولم يكن ذلك إيلاء بحسب اصطلاح الفقهاء فإنه لا يكون لأقل من أربعة أشهر وإنما كان ذلك يمينًا كسائر الأيمان وإطلاق لفظ الإيلاء عليه في الحديث إطلاق لغوي. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ٣٥٧٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب واللفظ لأبي بكر قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني (سمع عبيد بن حنين) المدني العدوي مولاهم، وقوله: (وهو مولى العباس) بن عبد المطلب، قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ مولى العباس قالوا: وهذا قول سفيان بن عيينة، قال البخاري: لا يصح قول ابن عيينة هذا، وقال مالك: هو مولى آل زيد بن الخطاب، وقال محمد بن جعفر بن أبي كثير: هو مولى بني زريق، قال القاضي وغيره: الصحيح عند الحفاظ وغيرهم في هذا قول مالك اهـ (قال) عبيد بن حنين (سمعت ابن عباس يقول: كنت أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ . وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة سفيان بن عيينة لسليمان بن بلال، وقوله: (على عهد رسول الله ﷺ هكذا هو في جميع النسخ، إنما قال ابن عباس: تظاهرتا على عهده ولم يقل تظاهرتا عليه تأدبًا منه مع أزواج النبي ﷺ وتوقيرًا لهما، والمراد تظاهرتا عليه في عهده كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا﴾ وقد صرّح في سائر الروايات بأنهما تظاهرتا على رسول الله ﷺ أفاده النووي نقلًا عن القاضي، قال ابن عباس: (فلبثت سنة) كاملة، حالة كوني (ما أجد) أي لا أجد (له موضعًا) أخلو به فيه لسؤالي له في الخلوة (حتى صحبته) في سفري معه (إلى مكة) للحج (فلما كان) عمر (بمر الظهران) قافلًا من حجه (ذهب) عمر أي عدل عن

стр. 6594

يَقْضِي حَاجَتَهُ. فَقَال: أَدْرِكنِي بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيتُهُ بِهَا. فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَرَجَعَ ذَهَبتُ أَصُبُّ عَلَيهِ. وَذَكَرْتُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ! مَنِ الْمَرْأَتَانِ؟ فَمَا قَضَيتُ كَلامِي حَتَّى قَال: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ. ٣٥٧٥ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ (وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ) (قَال ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا. وَقَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَال: لَمْ أَزَل حَرِيصًا ــ الطريق لـ (يقضي حاجته) حاجة الإنسان (فقال) عمر: (أدركني) يا ابن عباس (بإداوة) أي بمطهرة (من ماء) لأتوضأ بها، ليس المراد أن يأتي ابن عباس بالماء ليستنجي به عمر ﵃، وإنما ذهب عمر ﵁ لقضاء حاجته وبعث ابن عباس ليأتي بالماء لوضوئه في أثناء ذلك واستنجى عمر بالحجارة وهو المراد بقول ابن عباس في الرواية الآتية (عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرّز ثم أتاني فسكبت) الخ ومن ثم قال الحافظ [٩/ ٢٥٥]: وفيه إيثار الاستجمار في الأسفار وإبقاء الماء للوضوء (فأتيته) أي أتيت عمر (بها) أي بالإداوة (فلما قضى حاجته ورجع) إليّ (ذهبت) أي شرعت (أصب عليه) الماء ليتوضأ (وذكرت) له سؤالي الذي لم أتمكن منه سنة كاملة (فقلت له) في سؤالي (يا أمير المؤمنين من المرأتان؟ ) اللتان تظاهرتا على رسول الله ﷺ (فما قضيت كلامي) ولا أتممت سؤالي (حتى قال) لي: هما (عائشة وحفصة) رضي الله تعالى عنهما. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث عمر ﵁ فقال: ٣٥٧٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي) المروزي (ومحمد) بن يحيى (ابن أبي عمر) العدني المكي (وتقاربا في لفظ الحديث قال ابن أبي عمر: حدثنا، وقال إسحاق: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور) القرشي النوفلي التابعي المدني، الثقة، روى عن ابن عباس في الطلاق، وليس له عن ابن عباس غير هذا الحديث، وصفية بنت شيبة، ويروي عنه (ع) والزهري، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة (عن ابن عباس قال: لم أزل حريصًا) أي شديد الرغبة في

стр. 6595

أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأتينِ مِنْ أَزْوَاج النَّبيِّ ﷺ اللَّتَينِ قَال اللهُ تَعَالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. حَتَّى حَجَّ عُمَرُ وَحَجَجْتُ مَعَهُ. فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيق عَدَلَ عُمَرُ وَعَدَلْتُ مَعَة بِالإِدَاوَةِ. فَتَبَرَّزَ. ثُمَّ أَتَانِي فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيهِ. فَتَوَضَّأَ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ! مَنِ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَانِ قَال اللهُ لَهُمَا: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]؟ قَال عُمَرُ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ (قَال الزُّهْرِيُّ: كَرِهَ، وَاللهِ! مَا سَأَلَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمُهُ) قَال: هِيَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ ــ (أن أسأل عمر) بن الخطاب ﵁. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور لعبيد بن حنين (عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله تعالى) فيهما: (﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾) [التحريم: ٤] وقوله: (حتى حج عمر) غاية لمحذوف تقديره أي كنت حريصًا على سؤال عمر عنهما فلم أتمكن من سؤاله حتى حج عمر (وحججت معه فلما كنا) ععمر (ببعض الطريق) يعني بمر الظهران كما هو مصرح في الرواية السابقة (عدل عمر) عن الطريق المسلوك لقضاء حاجته (وعدلت معه) ملتبسًا (بالإداوة) أي بالمطهرة ليتوضأ بها (فتبرّز) عمر أي قضى حاجته، يقال تبرّز إذا أتى اليراز يفتح الباء وهو كما في المصباح الصحراء البارزة، ثم كُني به عن النجو كما كُني عن الغائط فقيل تبرز كما قيل تغوّط (ثم أتاني فسكبت) أي صببت (على يديه) الماء (فتوضأ فقلت) له (يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله لهما ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ فـ (قال) لي (عمر واعجبًا) بالتنوين اسم فعل بمعنى أعجب كقوله (واهًا) ويجوز تركه لأن الأصل فيه: واعجبي فأُبدلت الكسرة فتحة فصارت الياء ألفًا كقوله يا أسفا، ويا حسرتا، وفي رواية لمعمر واعجبي (لك يا ابن عباس) أي كيف خفي عليك هذا القدر مع حرصك على طلب العلم اهـ من الإرشاد (قال الزهري) بالسند السابق، وإنما قال: واعجًا لك لأنه (كره والله ما سأله عنه) ابن عباس (و) لكن (لم يكتمه) أي لم يكتم عمر عن ابن عباس ما سأله عنه فأجابه فـ (قال) عمر في جواب سؤاله (هي) أي القصة هما (حفصة وعائشة) رضي الله تعالى عنهما، أراد الزهري أن يبين منشأ قول عمر واعجبًا لك يا ابن عباس فقال: إنه كره هذا السؤال لما كان يتضمن جوابه نوع شين على ابنته حفصة

стр. 6596

ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ. قَال: كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيشٍ، قَوْمًا نَغلِبُ النِّسَاءَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ. فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ. قَال: وَكَانَ مَنْزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيدٍ، بِالْعَوَالِي. فَتَغَضَّبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي. فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي. فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي ــ ولكنه لم يكتم جوابه ديانة منه ﵁، ولكن القرطبي استبعد قول الزهري لأن عمر أوصاه في نفس الحديث بأن يسأله عما يشاء ولا يمنعه من ذلك الحياء والمهابة فكيف يكره عمر هذا السؤال، والأصح أنه ﵁ إنما تعجب من ابن عباس كيف خفي عليه هذا القدر مع شهرته في علم التفسير وعظيم موقعه في نفس عمر ومع كونه حريصًا على العلم. وعبارة القرطبي: هنا (قولا عمر واعجبًا لك يا ابن عباس) فهم الزهري من هذا التعجب إنكار عمر لما سأله عنه، وفيه بعد، ويمكن أن يقال إن تعجبه إنما كان لأنه استبعد أن يخفى مثل هذا على مثل ابن عباس مع مداخلته لأزواج النبي ﷺ وشهرة هذه القصة وشدة حرصه هو على سماع الأحاديث وكثرة حفظه وغزارة علمه، ولما كان في نفس عمر من ابن عباس فإنه كان يعظمه ويقدمه على كثير من مشايخ الصحابة كما اتفق له معه إذ سأله عن قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ والقصة مشهورة اهـ من المفهم (ثم) بعد جوابه (أخذ) أي شرع عمر (يسوق) أي يذكر (الحديث) أي تمامه إلى آخر القصة التي كانت سبب نزول الآية المسؤول عنها، فـ (قال) عمر: (كنا) أخص (معشر قريش) وجملة الاختصاص معترضة أي كنا ونحن بمكة قومًا نغلب النساء أي قومًا يغلبون النساء أي نحكم عليهن ولا يحكمن علينا، ففيه التفات (فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم) ويحكمن عليهم يعني الأنصار (فطفق نساؤنا) أي شرعن (يتعلمن من نسائهم) عادتهن وسيرتهن يعني غلبة الرجال وولاية أمرهم فجعلن يكلمننا ويراجعننا (قال) عمر: (وكان منزلي) وداري في منازل (بني أمية بن زيد) أي وسطها، حالة كونها (بالعوالي) موضع قريب بالمدينة أي في مواضعهم بالعوالي فسميت البقعة باسم من نزلها كذا في عمدة القاري وبنو أمية فرع من أوس كذا يؤخذ من الفتح، وفي الإرشاد: والعوالي قرية من قرى المدينة مما يلي الشرق وكانت منازل الأوس (فتغضبت) أي غضبت (يومًا) من الأيام (على امرأتي) زينب بنت مظعون لأمر غضبت منه (فإذا هي تراجعني) أي تراددني في الكلام (فأنكرت) عليها (أن تراجعني) في

стр. 6597

فَقَالتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللهِ، إِنَّ أزوَاجَ النَّبِيَّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ. وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيلِ. فَانْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ. فَقُلْتُ: أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالت: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيلِ؟ قَالت: نَعَمْ. قُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فعَلَ ذلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ. أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ ﷺ . فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ. لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللهِ ﷺ وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيئًا. وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ. وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَت جَارَتُكِ ــ القول (فقالت) لي: (ما تنكر) أي أي شيء تنكر من (أن أُراجعك) في الكلام أي أي شيء من مراجعتي إياك تراه منكرًا، ورواية البخاري (ولم تنكر) على (أن أراجعك) (فوالله أن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه) بكسر الجيم وسكون العين وفتح النون (وتهجره) ﷺ في الكلام (إحداهن اليوم) أي طوال اليوم (إلى الليل) وفي رواية عبيد بن حنين (وإن ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان) كما مرت، قال عمر: (فانطلقت) أي ذهبت ونزلت من العوالي إلى المدينة (فدخلت على حفصة فقلت) لها: (أتراجعين رسول الله ﷺ في الكلام، والهمزة فيه للاستفهام الإنكاري (فقالت) حفصة: (نعم) أراجعه في الكلام وأغاضبه (فقلت: أتهجره) ﷺ (إحداكن اليوم) بالنصب على الظرفية (إلى الليل) وتقعد مفارقة له في بيتها بلا عذر (قالت) حفصة: (نعم) تهجره، قال عمر: فـ (قلت) لها: (قد خاب) في الدنيا (من فعل ذلك) الهجران (منكن) برسول الله ﷺ (وخسر) الآخرة (أ) تفعلن ذلك الهجران (فتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ﷺ فإذا هي) أي إحداكن (قد هلكت) في الدنيا والآخرة، يا بنية (لا تراجعي رسول الله ﷺ في الكلام (ولا تسأليه شيئًا) من المال لا كثيرًا ولا قليلًا فإن رسول الله ﷺ ليس عنده دنانير ولا دراهم (وسليني ما بدا) وعرض (لك) من حاجة (ولا يغرنك) بتشديد الراء والنون أي لا يخدعنك يا بنية (أن كانت جارتك) أي ضرتك أو على حقيقته لأنها كانت مجاورة لاصقة لها، والعرب تطلق على الضرة جارة لتجاورهما المعنوي لكونهما عند شخص واحد وإن لم يكن حسيًا، وقال القرطبي: اختار عمر تسميتها جارة تأدبًا من أن يضاف

стр. 6598

هِيَ أَوْسَمُ وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْكِ (يُرِيدُ عَائِشَةَ). قَال: وَكَانَ لِي جَارٌ مِنَ الأَنْصَارِ. فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا. فَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيرِهِ. وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذلِكَ. وَكُنَّا ــ لفظ الضرر إلى أحد من أمهات المؤمنين كذا في الفتح (هي أوسم) أي لا تغِرْن بأن كان جارتك أوسم أي أجمل وأحسن منك (وأحب إلى رسول الله ﷺ منك) أي وأكثر محبوبية منك عند رسول الله ﷺ ، وأوسم اسم تفضيل من الوسامة وهي العلامة والمراد أجمل كأن الجمال وسمها أي أعلمها بعلامة، ولفظ البخاري (أوضأ) بدل أوسم من الوضاءة وهو الحسن والبهجة، والمعنى لا تغتري بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه فإنها تُدِلُّ بجمالها وحبِّ النبي ﷺ إياها فلا تغتري بذلك لاحتمال أن لا تكوني عنده في تلك المنزلة كذا في فتح الباري، وقوله: (يريد) عمر بالجارة (عائشة) رضي الله تعالى عنها، كلام مدرج من الراوي يعني أن مراد عمر بالجارة التي وصفها بالوسامة والأحبية إليه ﷺ عائشة الصدّيقة، وفي إعراب أوسم وأحب كما في شروح البخاري وجهان النصب والرفع وحاصل المعنى لا تغتري يا حفصة بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه فإن لها عند رسول الله ﷺ من الحظوة والمنزلة ما ليس لك فلا يؤاخذها النبي ﷺ إذا فعلت ما نهيتك عنه فإنها تدل بجمالها ومحبته ﷺ إياها اهـ من الإرشاد بزيادة (قال) عمر (وكان لي) بالعوالي (جار من الأنصار) سماه ابن القسطلاني عتبان بن مالك، والصحيح أنه أوس بن خولي بن عبد الله بن الحارث الأوسي حكاه الحافظ عن ابن سعد [٩/ ٢٤٤] (فكنا) أي كنت أنا وذلك الجار (نتناوب النزول) أي نتعاقب النزول من العوالي (إلى) المدينة عند (رسول الله ﷺ والتناوب أن تفعل الشيء مرة ويفعل الآخر مرة أخرى وفسر التناوب بقوله أي (فينزل) ذلك الجار إلى المدينة (يومًا وأنزل) أنا يومًا آخر لئلا يفوتنا خبر ما حدث لرسول الله ﷺ كل يوم من الوحي وغيره كما بينه بقوله (فيأتيني) ذلك الجار (بخبر) ما حدث في ذلك اليوم من (الوحي وغيره) كوفود الوفد وهجوم العدو وبعث البعوث وتدوم السرية (وآتيه) أي وآتي أنا ذلك الجار (بمثل ذلك) أي بمثل ما يأتيني به في يومه من الوحي وغيره (وكنا) معاشر

стр. 6599

نَتَحَدَّثُ؛ أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الخَيلَ لِتَغزُوَنَا. فَنَزَلَ صَاحِبِي. ثُمَّ أَتَانِي عِشَاءً فَضَرَبَ بَابِي. ثُمَّ نَادَانِي. فَخَرَجْتُ إِلَيهِ. فَقَال: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قُلْتُ: مَاذَا؟ أَجَاءَت غَسَّانُ؟ قَال: لَا. بَل أَعْظَمُ مِنْ ذلِكَ وَأَطْوَلُ. طَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ. فَقُلْتُ: قَدْ خَابَت حَفْصَةُ وَخَسِرَت. قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هذَا كَائِنًا. حَتَّى إِذَا صَلَّيتُ الصُّبْحَ شَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي. ثُمَّ نَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ وَهِيَ تَبْكِي ــ المسلمين (نتحدث) فيما بيننا (أن غسان) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة أي أن قبيلة غسان وملكهم الحارث بن أبي شمر (تنعل الخيل) بضم الفوقية وكسر العين المهملة، أي يجعلون لخيولهم نعالًا (لتغزونا) والمراد التهيؤ للقتال، وفي كتاب اللباس من البخاري (وكان من حول رسول الله ﷺ قد استقام له فلم يبق إلَّا ملك غسان بالشام وكنا نتخوف أن يأتينا) (فنزل صاحبي) الأنصاري في يومه من العوالي إلى المدينة (ثم أتاني) أي جاءني من المدينة إلى العوالي (عشاء) أي أوائل الليل (فضرب) أي طرق (بابي) طرقًا شديدًا ليخبرني بما حدث عند النبي ﷺ من الوحي وغيره على العادة (ثم ناداني) بأرفع الصوت لما أبطأت عن إجايته فقال: أثم هو؟ أي في البيت عمر وكأنه ظن أنه خرج من البيت (فخرجت إليه) فقلت له ما الخبر؟ (فقال) لي: (حدث) اليوم (أمر عظيم) فـ (قلت) له: (ماذا) أي ما الذي حدث؟ (أجاءت غسان؟ قال لا) أي ما جاءت غسان (بل) حدث أمر (أعظم من ذلك) أي من مجيء غسان (وأطول) منه أي أشد من ذلك، وفي رواية البخاري في النكاح (وأهول) أي أفزع منه لأنه (طلّق النبي ﷺ نساءه) أي وحفصة منهن، فهو أهول بالنسبة إلى عمر لأجل ابنته يعني اعتزلهن، قال عمر: (فقلت: قد خابت حفصة وخسرت) إنما خصها بالذكر لمكانتها منه (قد كنت) أولًا (أظن هذا) الطلاق (كائنًا) أي حاصلًا لأن مراجعتهن قد تفضي إلى الغضب المفضي إلى الفرقة، ففزعت من ذلك وأخذني الهم وجلست في بيتي (حتى إذا) طلع الفجر (صليت الصبح) في بيتي منفردًا في أول وقتها ثم بعد فراغي من الصلاة (شددت علي ثيابي) وفي رواية البخاري (فجمعت علي ثيابي) أي ليستها جميعًا (ثم نزلت) إلى المدينة (فدخلت على حفصة وهي تبكي) لِما اجتمع عندها من الحزن على فراق رسول الله ﷺ ولما تتوقعه من شدة غضب أبيها عليها، وقد قال لها فيما أخرجه ابن مردويه (والله إن كان طلقك لا أكلمك أبدًا) كما في فتح الباري.

стр. 6600

فَقُلْتُ: أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالتْ: لَا أَدْرِي. هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي هذِهِ المَشرُبَةِ، فَأَتَيتُ غُلامًا لَهُ أَسْوَدَ. فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ. فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ. فَقَال: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ. فَانْطَلَقْتُ حَتَّى انْتَهَيتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ. فَإِذَا عِنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ. فَجَلَسْتُ قَلِيلًا. ثُمَّ غَلَبنِي مَا أَجِدُ. ثُمَّ أَتَيتُ الْغُلامَ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ. فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ. فَقَال: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ ــ (قلت): والظاهر من رواية مسلم صلاته الفجر في بيته بالانفراد في غير لباسه المعتاد ثم نزوله إلى المدينة والمذكور في صحيح البخاري نزوله متلبسًا وصلاته مع النبي ﷺ فبين الروايتين معارضة. (قلت): يُجمع بينهما بأنه صلى في بيته أولًا في أول وقتها ثم نزل إلى المدينة فأدرك النبي ﷺ فصلى معه ثم دخل على حفصة رضي الله تعالى عنهما اهـ ما ظهر للفهم السَّقيم. (فقلت) لها: (أطلّقكن رسول الله ﷺ فقالت لا أدري؟ ) ولا أعلم أطلّقنا أم لا؟ ولكن (ها) أي انتبه واستمع ما أقول لك: (هو) ﷺ هـ (إذا) الحاضر (معتزل) عنا (في هذه المشربة) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء وفتحها أي في هذه الغرفة، قال عمر: (فأتيت غلامًا له) ﷺ (أسود) يسمى رباحًا كان بوابًا له (فقلت) للغلام: (استأذن)، النبي ﷺ (لعمر) في الدخول عليه (فدخل) الغلام على النبي ﷺ (ثم خرج إليّ فقال: قد ذكرتك له) ﷺ (فصمت) أي سكت عني فلم يرد عليّ جوابًا، قال عمر: (فانطلقت) أي ذهبت من عند الغلام ودخلت المسجد النبوي ومشيت في نواحيه (حتى انتهيت) ووصلت (إلى المنبر فجلست) عنده (فإذا عنده) أي عند المنبر (رهط) وقوم (جلوس يبكي بعضهم) لأجل اعتزال النبي ﷺ نساءه، لم يقف الحافظ ابن حجر على أسمائهم (فجلست) معهم كما في رواية البخاري أي مع الرهط جلوسًا (قليلًا ثم غلبني ما أجد) وأرى من اعتزاله ﷺ نساءه ومنهن حفصة، وفيه أن الغضب والحزن يحمل الرجل الوقور على ترك التأني المألوف قاله الحافظ (ثم أتيت الغلام) ورجعت إليه (فقلت) له: (استأذن لعمر فدخل) الغلام على النبي ﷺ (ثم خرج إليّ فقال) الغلام (قد ذكرتك له) صلى الله عليه

стр. 6601

فَصَمَتَ. فَوَلَّيتُ مُدْبِرًا. فَإِذَا الْغُلامُ يَدْعُونِي. فَقَال: ادْخُل. فَقَدْ أَذِنَ لَكَ. فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ. قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ. فَقُلْتُ: أَطَلَّقْتَ، يَا رَسُولَ اللهِ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَقَال: "لَا" فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ، لَوْ رَأَيتَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيشِ، قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءِ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ. فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ ــ وسلم (فصمت) عني، قال عمر: (فوليت) أي ذهبت من عند الغلام، حالة كوني (مدبرًا) أي جاعلًا دبري وظهري إليه (فإذا الغلام يدعوني) أي يناديني أي ففاجأني نداء الغلام (فقال) الغلام: (ادخل) على رسول الله ﷺ (فـ) إنه (قد أذن لك) في الدخول عليه، قال عمر: (فدخلت) المشربة (فسلمت على رسول الله ﷺ فإذا هو) ﷺ (متكئ) أي مضطجع كما هو رواية البخاري (على رمل حصير) أي على سرير حصير بفتح الراء وسكون الميم، وفي رواية البخاري (على رمال حصير) بكسر الراء وتضم أي على سرير مرمول أي منسوج بما يُرمل به أي ينسج به الحصير من الخيوط المتداخلة فيه ورمال الحصير ضلوعه المتداخلة فيه كالخيوط في الثوب اهـ من الإرشاد، و (قد أثر) الرمال كما هو رواية البخاري أي ظهر أثرها (في جنبه) الشريف، قال عمر: (فقلت) له ﷺ : وأنا قائم كما هو رواية البخاري (أطلّقت) أي هل طلقت (يا رسول الله نساءك فرفع رأسه إليّ) وكان متكئًا على وسادة من أدم حشوها ليف كما في البخاري (وقال) لي: (لا) أي ما طلقتهن (فقلت: الله أكبر) تعجبًا مما أخبرني به الأنصاري من التطليق جازمًا به أو قاله حامدًا لله تعالى على ما أنعم به عليه من عدم وقوع الطلاق، وفي حديث أم سلمة عند ابن سعد (فكبر عمر تكبيرة سمعناها ونحن في بيوتنا، فعلمنا أن عمر سأله: أطلقت نساءَك؟ فقال: لا، فكبر حتى جاءنا الخبر بعد) كذا في الفتح، ثم قال عمر: (لو رأيتنا يا رسول الله) ونحن بمكة (و) قد (كنا) أخص (معشر قريش قومًا) خبر كان (نغلب النساء) صفة قومًا، وجواب لو محذوف تقديره لرأيت أمرًا عجيبًا أو هي للتمني لا جواب لها (فلما قدمنا) من مكة (المدينة وجدنا قومًا) من الأنصار (تغلبهم نساؤهم) ويحكمن عليهم (فطفق نساؤنا) نساء قريش بفتح الطاء المهملة وكسر الفاء وتفتح أي جعل أو أخذ أي شرع نساؤنا (يتعلمن

стр. 6602

مِنْ نِسَائِهِمْ. فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْمًا. فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي. فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي. فَقَالت: مَا تُنْكِرُ أنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللهِ، إِنَّ أَزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ. وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيلِ. فَقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذلِكَ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ. أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغضَبَ اللهُ عَلَيهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ ﷺ . فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَت؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْكِ. فَتَبَسَّمَ ــ من) دأب (نسائهم) وسيرتهن فجعلن يكلمننا ويراجعننا (فتغضبت على امرأتي) زينب بنت مظعون أي غضبت عليها لأمر يوجب الغضب عليها (يومًا) من الأيام (فإذا هي تراجعني) أي تراددني في القول (فأنكرت) عليها (أن تراجعني) في الكلام (فقالت) لي (ما تنكر أن أراجعك) يا ابن الخطاب؛ أي أي شيء أنكرت من مراجعتي إياك فهل استغربتها (نوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه) في الكلام فضلًا عني وعنك (وتهجره) ﷺ (إحداهن اليوم) كله (إلى) دخول (الليل). قال عمر: (فقلت) لزوجتي: (قد خاب) وحُرم مرافقة النبي ﷺ (من فعل ذلك) الهجر (منهن وخسر) عند الله تعالى بغضبه عليها لغضب رسول الله ﷺ (أ) أتفعلنَ ذلك (فتأمن إحداهن أن يغضب الله) تعالى (عليها لغضب رسوله ﷺ فإذا هي) أي تلك الإحدى (قد هلكت) بعقوبة الله تعالى اللازمة لغضبه (فتبسم رسول الله ﷺ أي ضحك من غير صوت، فيه أن شدة الوطأة على النساء مذموم لأن النبي ﷺ أخذ بسيرة الأنصار في نسائهم وترك سيرة قومه قريش قاله المهلب كما حكى عنه الحافظ. قال عمر: (فقلت: يا رسول الله قد دخلت على حفصة فقلت) لها: (لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم) وأجمل (منك وأحب إلى رسول الله ﷺ منك) بالرفع فيهما على أنهما خبران لضمير المؤنث، والجملة الاسمية خبر كان وبالنصب على أنهما خبر كان ولفظة هي ضمير فصل لتوفر الشروط فيه، قال النووي: في فعل عمر هذا وملاطفته ما يقتدى به في مثله من التلطف في الكلام المباح الحسن اهـ (فتبسم)

стр. 6603

أُخرَى فَقُلْتُ: أَسْتَأنِسُ. يَا رَسُولَ اللهِ، قَال: "نَعَمْ" فَجَلَسْتُ. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فِي البيتِ. فَوَاللهِ! مَا رَأَيتُ فِيهِ شَيئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ، إِلَّا أُهَبًا ثَلاثَةً. فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ. فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ. وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ. فَاسْتَوَى جَالِسًا ثُمَّ قَال: "أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابنْ الْخَطَّابِ؟ أُولئِكَ ــ رسول الله ﷺ مرة (أخرى ققلت) له: أ (أستأنس) بتقدير همزة الاستفهام أي أأطلب منك (يا رسول الله) الإذن لي في المحادثة معك والمؤانسة بك فهل تأذن لي في ذلك (قال) رسول الله ﷺ : (نعم) أذنت لك في المؤانسة والمحادثة معي. والظاهر من كلمة إجابته ﷺ بقوله: (نعم) أن الاستئناس هنا هو الاستئذان في الإنس والمحادثة، ويدل عليه قوله: (فجلست) عنده ولا يبعد فيه تقدير الاستفهام كما قررناه، ودل الحديث على أن الإنسان إذا رأى مهمومًا وأراد إزالة همه ومؤانسته بما يشرح صدره ويكشف همه ينبغي له أن يستأذنه في ذلك لئلا يأتي بما لا يوافقه فيزيده همًا وغمًا، وهذا الاستئذان من الأدب بين يدي الأكابر والعلماء اهـ من إكمال المعلم (فـ) لما أذن لي (جلست) عنده ﷺ مؤانسًا له بالمحادثة الموافقة له في إزالة غضبه (فـ) لما جلست (رفعت رأسي) لأنظر ببصري إلى ما (في البيت) والغرفة من المواعين والأمتعة، وفي رواية البخاري (فرفعت بصري في بيته) أي نظرت فيه (فوالله ما رأيت فيه) أي في البيت (شيئًا يرد البصر) أي يحمله على تكرار النظر (إلا أُهبًا) يضم الهمزة وفتح الهاء جمع أهبة أي إلَّا جلودًا (ثلاثة) لم تدبغ أو مطلقًا دُبغت أو لم تدبغ (فقلت: ادع الله) (يا رسول الله أن يوسّع) ويبسط الرزق (على أمتك) أمة الإجابة (فقد وسّع) الله وبسط الرزق (على فارس والروم وهم) أي والحال أنهم (لا يعبدون الله) تعالى ولا يستحقون التوسعة (فـ) لما قلت ذلك (استوى) واعتدل عن اتكائه (جالسًا) حال مؤكدة لعاملها، وكان متكئًا كما في رواية البخاري معناه لم يكن استواؤه قائمًا بل جلس مستويًا غير متكئ (ثم قال) لي (أفي شك أنت يا ابن الخطاب) أي هل أنت في شك أن التوصع في الآخرة خير من التوسع في الدنيا، وفي رواية البخاري (أوَفي هذا أنت يا ابن الخطاب) بهمزة الاستفهام الإنكاري وواو العطف على مقدر بعدها، قال الكرماني: أي هل أنت في مقام استعظام التجملات الدنيوية واستعجالها يا بن الخطاب (أولئك) الفُرس والروم

стр. 6604

قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا". فَقُلْتُ: اسْتَغفِرْ لِي. يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَانَ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخلَ عَلَيهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيهِنَّ. حَتَّى عَاتَبَه اللهُ . ٣٥٧٦ - (١٤٠٧) (١٦٧) قَال الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشةَ. قَالت: لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيلَةً، دَخَلَ عَلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ . بَدَأَ بِي ــ (قوم) قد (عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا فقلت) له: (استغفر لي يا رسول الله) عن اعتقادي أن التجملات الدنيوية مرغوب فيها أو عن جرأتي بهذا القول بحضرتك أو عن إرادتي ما فيه مشابهة الكفار في ملابسهم ومعايشهم، وفيه كراهة سخط النعمة واحتقاره ما أنعم الله به عليه ولو قليلًا والاستغفار من وقوع ذلك وطلب الاستغفار من أهل الفضل. كذا في فتح الباري، قال القاضي: يحتج به لتفضيل الفقر لأنه يدل أنه بمقدار ما عجل من طيبات الدنيا يفوت الآخرة، وتأوله آخرون بأنه في قوم كفار ليس لهم حظ إلَّا ما نالوه في الدنيا، قال عمر: (وكان) ﷺ (أقسم) أي حلف على (أن لا يدخل عليهن) أي على أزواجه (شهُرًا) كاملًا (من شدة موجدته) أي غضبه، يقال: وجدت عليه موجدة إذا غضبت عليه (عليهن) أي على أزواجه (حتى عاتبه الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ أي لامه على ذلك التحريم يعني تحريم مارية أو تحريم العسل على ما سبق من الخلاف، والعتاب: لوم الحبيب حبيبه على ما لا يليق. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عمر بحديث عائشة رضي الله عتهما فقال: ٣٥٧٦ - (١٤٠٧) (١٦٧) (قال الزهري) بالسند السابق يعني عن إسحاق عن عبد الرزاق عن معمر فقوله: (فأخبرني عروة عن عائشة) معطوف على قوله السابق عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس عن عمر (قالت) عائشة: (لما مضى تسع وعشرون ليلة دخل على رسول الله ﷺ حالة كونه قد (بدأ بي) في القَسْم لكونه اتفق أنه كان يوم نوبتها بعد التي خرج عنها قبل اليميني أو لفضيلتها وأثرتها عنده، ويحتمل أنه ابتداء قَسْم، ويحتمل أنه ابتدأ بها ويدخل على جميعهن فيسوّي بينهن قاله القاضي عياض، وقال الأبي: ويحتمل أنه لم يحضر عند نزول الآية إلَّا هي اهـ

стр. 6605

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَينَا شَهْرًا. وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعِ وَعِشْرِينَ. أَعُدُّهُنَّ. فَقَال: "إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشرُونَ" ثُمَّ قَال: "يَا عَائِشَةٌ! إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأمِرِي أَبَوَيكِ". ثُمَّ قَرَأَ عَلَى الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾. حَتَّى بَلَغَ: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. قَالت عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ، وَاللهِ، أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. قَالت: فَقُلْتُ: أَوَ فِي هذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. قَال مَعْمَرٌ: ــ (فقلت) له: (يا رسول الله إنك أقسمت) في مبدأ اعتزالك على (أن لا تدخل علينا شهرًا وإنك) اليوم (دخلت) علينا (من) تمام (تسع وعشرين) ليلة، وجملة قوله: (أعدّهن) ليلة ليلة صفة لتسع وعشرين (فقال) ﷺ لها: (إن) هذا (الشهر) الذي أقسمت عليه (تسع وعشرون) فهي ناقصة عن ثلاثين، وقوله: (أن لا تدخل علينا شهرًا) تقدم رواية سماك أن عمر ﵁ ذكّره ﷺ بذلك ولا منافاة بينهما لأن في سياق حديث عمر أنه ذكره بذلك عند نزوله من الغرفة وعائشة ذكرته بذلك حين دخل عليها فكأنهما تواردا على ذلك اهـ من التكملة، قال القرطبي: قوله: (إن الشهر تسع وعشرون) ظاهره أنه دخل في أول ذلك الشهر وأنه كان تسعًا وعشرين لكن قول عائشة (أعدّهن) يدل على أنه أراد به العدد وقد تقدم استيفاء هذا المعنى في الصيام اهـ من المفهم، قال في الفتح: ومن اللطائف أن الحكمة في الشهر مع أن مشروعية الهجر ثلاثة أيام أن عدتهن كانت تسعة فإذا ضُربت في ثلاثة كانت سبعة وعشرين واليومان لمارية لكونها كانت أمة فنقصت عن الحرائر اهـ (ثم قال) لي رسول الله ﷺ : (يا عائشة إني ذاكر لك أمرًا) من أموركن و (لا) في قوله (فلا عليك) زائدة أي فعليك (أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري) أي تشاوري (أبويك) أبا بكر وأم رومان (ثم قرأ عليّ) هذه (الآية) أعني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾، حتى بلغ) قوله: (﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قالت عائشة) رضي الله تعالى عنها إنما قال لي ذلك لأنه ﷺ (قد علم) وأيقن (والله أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت) عائشة (فقلت) له: (أ) تأمرني بذلك (وفي هذا) التخيير (أستأمر أبوي) والهمزة للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف كما قررناه (فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قال معمر) بن راشد بالسند

стр. 6606

فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالتْ: لَا تُخبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ. فَقَال لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الله أَرْسَلَنِي مُبَلِّغًا وَلَمْ يُرسِلْنِي مُتَعَنِّتًا". قَال قَتَادَةُ: صَغَتْ قُلُوبُكُمَا. مَالتْ قُلُوبُكُمَا ــ السابق (فأخبرني أيوب) السختياني كما أخبرني الزهري (أن عائشة قالت) لرسول الله ﷺ حين خيرها فاختارته (لا تخبر نساءك أني اخترتك) فيخترنك مثلي (فقال لها النبي ﷺ إن الله أرسلني مُبلغًا) للشريعة يعني بما سمعت (ولم يرسلني متعنتًا) أي طالبًا زلتهم يعني لكتمان ما سمعت، وأصل العنت المشقة كما سبق (قال قتادة) بن دعامة في تفسير قوله تعالى: (صغت قلوبكما) أي (مالت قلوبكما) عن العدل بسبب الغيرة، والخطاب لعائشة وحفصة والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥١٩١]، والترمذي [٣٣١٥]، والنسائي [٤/ ١٣٧]. فائدتان الأولى: قال الحافظ في الفتح: ثم في حديث عمر إشكال قوي وهو أنه قد مر في بعض رواياته (نزل نبي الله ﷺ ونزلت فنزلت أتشَبَّثُ بالجذع ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده فقلت: يا رسول الله إنما كنت في الغرفة تسعًا وعشرين) ظاهره يدل على أن النبي ﷺ نزل عقب ما خاطبه عمر فيلزم منه أن يكون عمر تأخر كلامه معه تسعًا وعشرين يومًا، وسياق أول الحديث يدل على أنه تكلم معه في نفس اليوم الذي أُخبر فيه باعتزال النبي ﷺ أزواجه وكيف يمهل عمر تسعًا وعشرين يومًا لا يتكلم في ذلك وهو مصرح بأنه لم يصبر ساعة في المسجد حتى قام ورجع إلى الغرفة واستأذن، وكذلك يستبعد جدًّا أن لا يطلع عمر على اعتزاله ﷺ تسعة وعشرين يومًا ثم يطلع عليه في آخر يوم، وأجاب عنه الحافظ بأن قوله فنزل أي بعد أن مضت المدة ويستفاد منه أنه كان يتردد إلى النبي ﷺ في تلك المدة التي حلف عليها فاتفق أنه كان عنده ﷺ عند إرادته النزول فنزل معه ثم خشي أن يكون نسي فذكَّره كما ذكَّرته عائشة كذا في فتح الباري [٩/ ٢٤٩ و ٢٥٠]. وقيل هنا احتمال آخر وهو أن يكون عمر مطلعًا على اعتزاله صلى الله عليه وسلم

стр. 6607

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نساءه قبل مجيء جاره الأنصاري إليه وكان يتردد إليه في هذه المدة حتى إذا تمت ثمانية وعشرون يومًا شاع الخبر بأنه ﷺ طلّق نساءه فأتاه جاره الأنصاري بهذا الخبر الجديد ففزع عمر إلى النبي ﷺ في اليوم التاسع والعشرين وكلّمه في ذلك ثم نزل معه وقال ما قال والله أعلم اهـ من التكملة. والثانية: قال النووي: وفي أحاديث الباب فوائد منها جواز احتجاب الإمام والقاضي ونحوهما في بعض الأوقات لحاجاتهم المهمة، ومنها أن الحاجب إذا علم منع الإذن بسكوت المحجوب لم يأذن والغالب من عادة النبي ﷺ أنه كان لا يتخذ حاجبًا واتخذه في هذا اليوم للحاجة، ومنها وجوب الاستئذان على الإنسان في منزله وإن علم أنه وحده لأنه قد يكون على حالة يكره الاطلاع عليه فيها، ومنها تكرار الاستئذان إذا لم يؤذن، ومنها أنه لا فرق بين الرجل الجليل وغيره في أنه يحتاج إلى الاستئذان، ومنها تأديب الرجل ولده صغيرًا كان أو كبيرًا أو بنتًا مزوجة لأن أبا بكر وعمر ﵄ أدبا ينتيهما ووجأ كل واحد منهما بنته، ومنها ما كان عليه النبي ﷺ من التقلل من الدنيا والزهادة فيها، ومنها جواز سكن الغرفة ذات الدرج واتخاذ الخزانة لأثاث البيت، ومنها ما كانوا عليه من حرصهم على طلب العلم وتناوبهم فيه، ومنها جواز قبول خبر الواحد لأن عمر ﵁ كان يأخذ عن صاحبه الأنصاري ويأخذ الأنصاري عنه، ومنها أخذ العلم عمن كان عنده وإن كان الآخذ أفضل من المأخوذ منه كما أخذ عمر عن هذا الأنصاري، ومنها أن الإنسان إذا رأى صاحبه مهمومًا وأراد إزالة همه ومؤانسته بما يشرح صدره ويكشف همه ينبغي له أن يستأذنه في ذلك كما قال عمر ﵁ أستأنس يا رسول الله لأنه قد يأتي من الكلام بما لا يوافق صاحبه فيزيده همًا وربما أحرجه وربما تكلم بما لا يرتضيه وهذا من الآداب المهمة، ومنها توقير الكبار وخدمتهم وهيبتهم كما فعل ابن عباس مع عمر، ومنها الخطاب بالألفاظ الجميلة كقوله أن كانت جارتك ولم يقل ضرتك، والعرب تستعمل هذا لما في لفظ الضرة من الكراهة، ومنها جواز قرع باب غيره للاستئذان وشدة الفزع للأمور المهمة، ومنها جواز نظر الإنسان إلى نواحي بيت صاحبه وما فيه إذا علم عدم كراهة صاحبه لذلك وقد كره السلف فضول النظر وهو محمول على ما إذا علم كراهته لذلك أو شك فيها، ومنها أن للزوج هجران زوجته واعتزاله في بيت آخر إذا جرى منها سبب

стр. 6608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقتضيه، ومنها جواز قوله لغيره رغم أنفه إذا أساء كقول عمر رغم أنف حفصة وبه قال عمر بن عبد العزيز وآخرون وكرهه مالك، ومنها فضيلة عائشة للابتداء بها في التخيير وفي الدخول بعد انقضاء الشهر، ومنها غير ذلك والله أعلم اهـ. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان الأول: حديث عمر ذكره للاستدلال وذكر فيه أربع متابعات، والثاني: حديث عائشة ذكره للاستشهاد. ***

стр. 6609

٥٤٧ - (٣٣) باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها ولا سكنى ٣٥٧٧ - (١٤٠٨) (١٦٨) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيسٍ؛ أَنَّ أبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا ألْبَتَّةَ. وَهُوَ غَائِبٌ. فَأَرْسَلَ إِلَيهَا وَكِيلهُ ــ ٥٤٧ - (٣٣) باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها ولا سكنى ٣٥٧٧ - (١٤٠٨) (١٦٨) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال: قرأت على مالك) بن أنس (عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان) المدني المخزومي أبي عبد الرحمن المقرئ، ثقة، من (٦) (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة، من (٣) (عن فاطمة بنت قيس) بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر الفهرية المدنية أخت الضحاك بن قيس، ولي العراق ليزيد بن معاوية يقال إنها كانت أكبر منه بعشر سنين، الصحابية المشهورة من المهاجرات الأول لها أربعة وثلاثون (٣٤) حديثًا اتفقا على حديث وانفرد (م) بثلاث، يروي عنها (ع) وأبو سلمة بن عبد الرحمن في الطلاق، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة في الطلاق، والشعبي في الطلاق والفتن، وأبو بكر بن أبي الجهم في الطلاق، والبهي في الطلاق، وعروة بن الزبير في الطلاق، وكانت فاطمة هذه ذات جمال وعقل وكمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الثوري عند قتل عمر بن الخطاب وخطبوا خطبتهم المأثورة، وقال الزبير: وكانت امرأة نجودًا يعني نبيلة. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون إلَّا يحيى بن يحيى (أن) زوجها (أبا عمرو) عبد الحميد (بن حفص) القرشي المخزومي وهو ابن عم خالد بن الوليد بن المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن فبعث إليها بتطليقة ثالثة بقيت لها ومات هناك، وقيل: بقي إلى خلافة عمر ﵁ ورجح الحافظ الأول في فتح الباري [٩/ ٤٢١] (طلّقها ألبتة) أي طلاقًا بانت بها عنه وصارت مبتوتة أي مقطوعة من النكاح من البت وهو القطع، والذي يتخلص من مجموع الروايات أنه كان طلّقها قبل هذه المرة طلقتين ثم طلّقها هذه المرة الطلقة الثالثة فبانت بها منه (وهو) أي والحال أن زوجها (غائب) عنها في اليمن فيه أن حضور المرأة ليس بشرط لوقوع الطلاق (فأرسل إليها) أي إلى فاطمة (وكيله) أي وكيل أبي عمرو وهو الحارث بن هشام وعياش بن أبي

стр. 6610

بِشَعِيرٍ. فَسَخِطَتْهُ. فَقَال: وَاللهِ، مَا لَكِ عَلَينَا مِنْ شَيءٍ. فَجَاءَت رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرَت ذلِكَ لَهُ. فَقَال: "لَيسَ لَكِ عَلَيهِ نَفَقَةٌ". فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيتِ أُمِّ شَرِيكٍ ــ ربيعة كما سيأتي عند المؤلف من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال القرطبي: قوله: (وكيله) الصواب أن يقول: (وكيلاه) بالتثنية لأنهما الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة كما جاء مفسرًا في الرواية الأخرى، وفيه دليل على العمل بالوكالة وشهرتها عندهم وكأن إرساله بهذا الشعير كان منه متعة فحسبته هي نفقة واجبة عليه ولذلك سخطته ورأت أنها تستحق عليه أكثر من ذلك وأطيب فحين تحقق الوكيلان منها ذلك أخبراها بالحكم فلم تقبل منهما حتى أتت رسول الله ﷺ فقال لها: "لا نفقة لك" على ما رواه مالك وأكثر الرواة من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة، وعلى ما رواه الزهري عن عبيد الله بن عتبة ولم يذكروا فيها قوله: (ولا سكنى) على أنها رواية مرسلة على ما قاله أبو مسعود اهـ من المفهم (بشعير) متعة لها وفصلته في طريق أبي بكر بن أبي الجهم بخمسة آصع تمر وخمسة آصع شعير كما سيأتي وقد وقع في طريق ابن أبي الجهم عند النسائي عشرة أقفزة خمسة شعير وخمسة تمر، وعند الترمذي عشرة أقفزة خمسة شعيرًا وخمسة برًا، قال الأبي: وكان إرسال هذا الشعير متعة فحسبته هي النفقة الواجبة عليه اهـ من التكملة (فسخطته) أي فسخطت وكرهت فاطمة ما أرسله الوكيل أي ما رضيت به لكونه شعيرًا أو لكونه قليلًا أي لم ترض بهذا القدر وتقالته كما سيأتي (فقال) الوكيل: (والله ما لك) يا فاطمة (علينا) أي على موكلنا (من شيء) من النفقة (فجاءت) فاطمة (رسول الله ﷺ فذكرت ذلك) الذي جرى بينهما وبين زوجها وبينها وبين وكيله (له) ﷺ (فقال) لها رسول الله ﷺ (ليس لك) يا فاطمة (عليه) أي على زوجك (نفقة) لأنه طلقك طلاقًا بائنًا باتًا، والمراد نفي النفقة التي تريدها منه كما في المبارق لا المتعة (فأمرها) أي فأمر فاطمة بنت قيس رسول الله ﷺ (أن تعتد) أي أن تستوفي عدتها (في بيت أم شريك) الأنصارية قيل هي بنت أنس بن رافع بن امرئ القيس بن زيد، وقيل بنت خالد بن حبيش الخزرجية، وقيل هي بنت أبي العكر بن سمي، وذكرها ابن أبي خيثمة من طريق قتادة قال: وتزوج النبي ﷺ أم شريك الأنصارية النجارية،

стр. 6611

ثُمَّ قَال: "تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي. اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى. تَضَعِينَ ثِيَابَكِ ــ قيل اسمها غزية، وقيل غزيلة بنت دودان بن عمرو بن عامر، ويقال: إنها هي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، وقال: "إني أحب أن أتزوج من الأنصار" ثم قال: "إني أكره غيرة الأنصار" فلم يدخل بها، وقد أخرج مسلم في قصة الجساسة في آخر الكتاب أنها كانت امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ينزل عليها الضيفان اهـ من الإصابة، وأما أمره ﷺ لها بالاعتداد في غير بيت زوجها فلما يُفهم من صحيح البخاري وسنن النسائي أن مسكن زوجها كان في مكان وحش خيف عليها أن يُقتحم من دخول سارق ونحوه، وقيل إنها كانت امرأة لسنة تستطيل على أهل مطلقها فلا يصلح السكنى لها معهم، وعلى كل لا يتم الاستدلال بالحديث على نفي السكن للمبتوتة، وقد قال عمر ﵁ كما ذُكر في كتب الأصول والفروع: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت. وعبارة الكشاف لقول امرأة نسيت أو شُبّه لها سمعت من النبي ﷺ يقول لها السكنى والنفقة ومراده بكتاب ربنا قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ﴾ الآية، وقال في أول السورة: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنّ﴾ وأما النفقة فلأنها محبوسة عليه كما أن الحوامل منصوص عليهن فيها اهـ من بعض الهوامش. (ثم) بعد ما أمرها بالاعتداد في بيت أم شريك (قال) لها رسول الله ﷺ : (تلك) المرأة التي أمرتك بالاعتداد في بيتها الخطاب لفاطمة بنت قيس فالكاف مكسورة والمشار إليها أم شريك وهو مبتدأ خبره (امرأة يغشاها) أي يأتي إليها (أصحابي) كثيرًا ويدخل عليها أقاربها وأولادها فلا يصلح لك بيتها فـ (اعتدي) أي كملي عدتك (عند ابن أم مكتوم) وكان ابن عم لها، وفي رواية (عند ابن عمك عمرو بن أم مكتوم) واختلفوا في اسم ابن أم مكتوم فقيل عمرو كما ذكر، وقيل عبد الله، وكذا ذكره في الموطإ، وفي آخر الكتاب والخلاف في ذلك كثير قاله القاضي عياض (فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك) عنده فلا يراك، أمرها بالانتقال للعدة إلى بيته وهو كما يأتي ابن عمهما لتكون آمنة من نظر الأجانب لأن صاحب البيت أعمى ولا يبصر ولا يتردد إلى بيته أحد غيره فتكون المرأة فيه آمنة كالقاعدة في بيتها، وهذا معنى قوله ﷺ :

стр. 6612

فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي" قَالتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ؛ أَنَّ مُعَاوَيةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ ــ "تضعين ثيابك"، وفيه دليل على أن المرأة يجوز لها أن تطلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع عليه من المرأة كالرأس ومعلق القرط ونحو ذلك فأما العورة فلا ولكن هذا يعارضه ما ذكره الترمذي من قول النبي ﷺ لميمونة وأم سلمة وقد دخل عليهما ابن أم مكتوم فقال: "احتجبا منه" فقالتا: إنه أعمى، فقال: "أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه" والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل لأن راويه عن أم سلمة نبهان مولاها وهو ممن لا يحتج بحديثه، وثانيهما على تقدير صحته فذلك منه ﷺ تغليظ على أزواجه لحرمتهن كما غلظ عليهن أمر الحجاب، وإلى هذا أشار أبو داود وغيره من الأئمة اهـ من المفهم. ثم قال الحافظ: ويُقوّي الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال ولا يؤمر الرجال بالانتقاب لئلا يراهم النساء فدل على تغاير الحكم بين الطائفتين وبهذا احتج الغزالي على الجواز فقال: لسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه بل هو كوجه الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط وإن لم تكن فتنة فلا اهـ فتح الباري [٩/ ٢٧٧]. (فإذا حللت) أي انقضت عدتك (فآذنيني) أي فأعلميني وأخبريني بانقضاء عدتك، وفي لفظ آخر (فلا تبدئيني بنفسك) وكل ذلك بمعنى واحد أي لا تزوجي نفسك حتى تعرفيني وكأنه ﷺ كان يريد أن يخطبها من يومئذٍ لأسامة بن زيد فدل الحديث على جواز التعريض بالخطبة أثناء العدة. (قالت) فاطمة: (فلما حللت) بانقضاء عدتي (ذكرت له) ﷺ (أن معاوية بن أبي سفيان) صخر بن حرب الأموي (وأبا جهم) بالتكبير، ابن حذيفة القرشي العدوي صاحب الأنبجانية المذكور في الصحيحين من طريق عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: صلى النبي ﷺ في خميصة لها أعلام فقال: "اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي" أخرجه البخاري في باب الأكسية والخمائص، قال الزبير بن بكار: كان من مشيخة قريش: وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب قال: وقال عمي كان من المعمرين حضر بناء الكعبة مرتين حين بنتها قريش وحين بناها ابن الزبير وهو أحد

стр. 6613

خَطَبَانِي. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ. وَأَمَّا مُعَاويَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَال لَهُ. انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيد" ــ الأربعة الذين تولوا دفن عثمان بن عفان ﵃ أجمعين (خطباني فقال رسول الله ﷺ : أما أبو جهم فـ) إن سألتني عن حاله فإنه (لا يضع عصاه عن عاتقه) أي عن منكبه وهو كناية عن كثرة ضربه للنساء كما وقع التصريح بذلك فيما سيأتي من رواية ابن أبي الجهم عند المصنف ولفظه (وأما أبو جهم فرجل ضرّاب للنساء) وبهذا يتبين خطأ من قال إنه كناية عن كثرة الأسفار، والعاتق هو ما بين العنق والمنكب، قال القرطبي: وفيه ما يدل على جواز تأديب النساء بالضرب لكن غير المبرح ولا خلاف في جواز ذلك على النشوز وهو الامتناع من الزوج، واختلف في ضربهن على خدمة بيوتهن وهذا إنما يتمشى على قول من أوجب ذلك عليهن ولا يعارض هذا قوله ﷺ : "لا يجلد أحدكم زوجته جلد العبد ثم يضاجعها" رواه البخاري ومسلم والترمذي لأن هذا النهي إنما يقتضي المنع من الضرب المبرح الذي لا يجوز وهو الشديد المفرط ولا خلاف في منع مثله اهـ من المفهم (وأما معاوية) بن أبي سفيان (فصعلوك) بضم الصاد واللام بينهما مهملة ساكنة أي فقير (لا مال له) ولا اعتماد ولا احتمال كما في مجمع البحار أطلقه على معاوية مجازًا ومبالغة في قلة ماله ويؤخذ منه جواز المبالغة، والمعنى فقير في غاية الفقر، وقوله لا مال له صفة كاشفة وأبوه أبو سفيان وإن كان متمولًا كان شحيحًا على امرأته وولده كما مر في الزكاة، وفي رواية النسائي "ترب لا مال له" وفي أخرى له: "رجل أملق من المال" وفي أخرى له: "غلام من غلمان قريش لا شيء له" وفي الحديث ما يدل على أن ذكر مساوي الخاطب أو من يعامل أو من يحتاج إلى قبول قوله أو فتياه جائز ولا يعد ذلك غيبة ولا بهتانًا إذ لا يذكر ذلك على جهة التنقيص وإضافة الغيب إليه لكن على جهة التعريف وأداء النصيحة وأداء الأمانة كما فعله أهل الحديث وغيرهم اهـ من المفهم، ودل أيضًا على أن المرأة لا بأس لها أن تنظر في مال خاطبها هل يقدر على تكلفها أم لا؟ فإن كان قليل المال بما يتعسر عليه أن يعول امرأة أعرضت عنه، وفيه أيضًا فضيلة ظاهرة لمعاوية لأن النبي ﷺ لم يذكر في وجه الإعراض عنه إلَّا قلة المال، ثم قال لي: (انكحي أسامة بن زيد) بن حارثة، فيه ما يدل على جواز نكاح المولى للقرشية فإن أسامة مولى وفاطمة قرشية كما تقدم وإن الكفاءة المعتبرة هي كفاءة الدين لا النسب كما هو مذهب مالك، وقد روى

стр. 6614

فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَال: "انْكِحِي أُسَامَةَ" فَنَكَحْتُهُ. فَجعَلَ اللهُ فِيهِ خَيرًا، وَاغْتَبَطْتُ ــ الدارقطني عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمه قالت: رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال رواه الدارقطني اهـ من المفهم. استدل به الترمذي على أن خطبة الرجل على خطبة أخيه إنما يحرم إذا عُلم من المرأة ركونها إلى الخاطب الأول فأما إذا لم يعلم ذلك فلا بأس وإلا لما خطبها ﷺ لأسامة بعد ما علم بخطبة أبي جهم ومعاوية ﵃، ولكن سيأتي أن أسامة كان قد خطبها مع معاوية وأبي جهم وأنها قد ذكرت لرسول الله ﷺ خطبة هؤلاء الثلاثة جميعًا فاختار رسول الله ﷺ لها أسامة بن زيد، وعليه فلا ينهض الاستدلال بهذا الحديث للترمذي قالت: (فكرهته) لعلها كرهته لعدم كفاءته لها في النسب لأنها قرشية وهو من الموالي أو لكون أسامة دميمًا أسود، وبهذا تبين أن النكاح لغير الكفؤ لا بأس به إذا كان لأجل الدين والعلم والخُلق اهـ تكملة. (ثم قال) لي رسول الله ﷺ : (انكحي أسامة فنكحته) كان ذلك منها بعد أن صدر منها توقف وما يدل على كراهتها لذلك كما جاء في رواية في الأم: فقالت بيدها هكذا أسامة أسامة فقال لها رسول الله ﷺ : (طاعة الله وطاعة رسوله خير لك" قالت: (فنكحته) أي نكحت أسامة وتزوجته (فجعل الله) سبحانه لي (فيه) أي في أسامة (خيرًا) كثيرًا ببركة دعائه ﷺ (واغتبطت) بالبناء للفاعل أي فرحت بزواجه ونلت المسرة، وفي بعض النسخ (واغتبطت به) بالبناء للمجهول أي صرت مغبوطة لها تغبط النساء لي لحظ كان لي من أسامة ﵄. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٤١٢]، وأبو داود [٢٢٨٥ - ٢٢٨٩]، والترمذي [١١٨٠]، والنسائي [٦ /. برقم (٣٢٤٤)]. مسألة النفقة والسكنى للمبتوتة واعلم أن العلماء قد اتفقوا على وجوب النفقة والسكنى للمعتدة الرجعية واختلفوا في المبتوتة على ثلاثة أقوال مشهورة: (١) قال أبو حنيفة وأصحابه: لها النفقة والسكنى على كل حال سواء كانت حاملًا أو غير حامل وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وبه قال حماد وشريح والنخعي

стр. 6615

٣٥٧٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَازِمٍ). وَقَال قُتَيبَةُ أَيضًا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيء) كِلَيهِمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَن أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ ــ والثوري وابن شبرمة والحسن بن صالح وعثمان البتي وهو رواية عن ابن أبي ليلى وحجتهم الكتاب والأحاديث والآثار والقياس كقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ فالمطلقات ها هنا تعم الرجعية والمبتوتة إلى آخر ما قالوا. (٢) وقال أحمد وإسحاق وأهل الظاهر: لا نفقة لها ولا سكنى احتجوا على عدم وجوبها بحديث الباب حديث فاطمة بنت قيس فإنه صريح في عدم وجوبها. (٣) وقال الشافعي ومالك: لها السكنى على كل حال ولا نفقة لها إذا كانت حاملًا وبه قال الأوزاعي والليث بن سعد وعبد الرحمن بن مهدي وأبو عبيدة، ورُوي ذلك عن ابن أبي ليلى أيضًا، واستدلا بقول الله ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فإنه تعالى جعل لها السكنى مطلقًا، وقيد وجوب النفقة بأن تكون حاملًا، والمفهوم حجة عند الشافعي فظهر أنه لا نفقة لها إذا لم تكن حاملًا اهـ ملخصًا من عمدة القاري وأحكام القرآن للجصاص. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث فاطمة رضي الله تعالى عنها فقال: ٣٥٧٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز يعني ابن أبي حازم) سلمة بن دينار المخزومي مولاهم المدني، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: صدوق، من (٨) روى عنه في (٤) أبواب، مات وهو ساجد في الحرم النبوي سنة (١٨٤) (وقال قتيبة أيضًا: حدثنا يعقوب يعني ابن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله المدني (القاري) بتشديد الياء نسبة إلى قارة بتخفيف الراء اسم قبيلة، ثقة، من (٨) روى عنه في (٧) أبواب يعني (كليهما) أي كلًّا من عبد العزيز ويعقوب بن عبد الرحمن، هكذا وقع في النسخ كلها وهو صحيح بالنصب على القطع، والأصح الأوفق كلاهما لأنه توكيد لعبد العزيز ويعقوب بن عبد الرحمن (عن أبي حازم) سلمة بن دينار الأعرج المخزومي المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٢) بابا (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن

стр. 6616

فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيسٍ؛ أَنَّهُ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . وَكَانَ أَنْفَقَ عَلَيهَا نَفَقَةَ دُونٍ. فَلَمَّا رَأَتْ ذلِكَ قَالتْ: وَاللهِ، لأُعْلِمَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَإِنْ كَانَ لِي نَفَقَةٌ أَخَذْتُ الَّذِي يُصْلِحُنِي وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِي نَفَقَةٌ لَمْ آخُذْ مِنْهُ شَيئًا. قَالتْ: فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَال: "لَا نَفَقَةَ لَكِ وَلَا سُكْنَى". ٣٥٧٩ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، ــ فاطمة بنت قيس) القرشية الفهرية المدنية الصحابية الشهيرة رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون إلَّا قتيبة بن سعيد، غرضه بيان متابعة أبي حازم لعبد الله بن يزيد مولى الأسود (أنه) أي أن الشأن والحال (طلّقها زوجها) أبو عمرو بن حفص (في عهد النبي ﷺ وكان) زوجها (أنفق عليها) بواسطة وكيله وهو غائب (نفقة دون) أي دون الواجب لها وأقل منه وهو شيء من شعير وهو هكذا (نفقة دون) في جميع النسخ بالإضافة وهو من قيل إضافة الموصوف إلى الصفة، والدون الرديء الحقير إما في القدر أو في الجنس أو الصفة (فلما رأت) فاطمة (ذلك) أي ذلك الإنفاق الدون (قالت: والله لأعلمن) أي لأخبرن هذا الإنفاق (رسول الله ﷺ فإن كان لي نفقة) واجبة (أخذت) الإنفاق (الذي يصلحني) بضم الياء وكسر اللام أي يجب لي (وإن لم تكن لي نفقة) واجبة (لم آخذ منه) أي من زوجي (شيئًا) لا قليلًا ولا كثيرًا (قالت) فاطمة: (فذكرت ذلك) الدون (لرسول الله ﷺ فقال) لي رسول الله ﷺ : (لا نفقة لك ولا سكنى) لك؛ لأنك مبتوتة عنه لا عُلقة بينك وبين زوجك لأنه لا يستحق عليك الرجعة، قال القاضي عياض: وفي الحديث استفتاء النساء وسماع كلامهن في ذلك. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ فقال: ٣٥٧٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث) بن سعد الفهمي المصري (عن عمران بن أبي أنس) القرشي العاهمري مولاهم المصري، ثقة، من (٥) وحكى ابن أبي شيبة أن أبا أنس كان مولى لعبد الله بن أبي سرح واسمه نوفل اهـ من تهذيب التهذيب

стр. 6617

عَنْ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَنَّهُ قَال: سَأَلْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيسٍ. فَأَخبَرَتنِي؛ أَنَّ زَوْجَهَا الْمَخزُومِيَّ طَلَّقَهَا. فَأَبَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيهَا. فَجَاءَت إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَتهُ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا نَفَقَةَ لَكِ. فَانتَقِلِي. فَاذهَبِي إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. فَكُوني عِنْدَهُ. فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى. تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ" ــ (عن أبي سلمة أنه قال: سألت فاطمة بنت قيس) ﵂ عن قصة طلاقها (فأخبرتني) فاطمة (أن زوجها) أبا عمرو بن حفص (المخزومي) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عمران بن أبي أنس لأبي حازم (طلّقها فأبى أن ينفق عليها فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال رسول الله ﷺ : لا نفقة لك) ولا سكنى (فانتقلي) من مسكن زوجك (فاذهبي إلى) بيت (ابن أم مكتوم فكوني عنده فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده) ولا يراك، وفي الرواية الأخرى (فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك) هذه الرواية مفسرة للأولى ومعناه لا تخافين من رؤية رجل لك، قال القرطبي: وإنما أذن النبي ﷺ لفاطمة أن تخرج من البيت الذي طُلّقت فيه لما ذكره مسلم في الرواية الأخرى من أنها خافت على نفسها من عورة منزلها أن يُقتحم عليها، وفيه دليل على أن المعدة تنتقل لأجل الضرورة وهذا أولى من قول من قال إنها كانت لَسِنَةً تؤذي زوجها وأحماءها بلسانها فإن هذه الصفة لا تليق بمن اختارها رسول الله ﷺ لحبه ابن حبه، وتواردت رغبات الصحابة عليها حين انقضت عدتها، ولو كانت على مثل تلك الحال لكان ينبغي أن لا يُرغب فيها ولا يحرص عليها أيضًا فلم يثبت بذلك نقل مسند صحيح وإنما الذي تمسك به في ذلك قول عائشة ما لفاطمة خير أن تذكر هذا، وقول عمر: لا ندع كتاب الله لقول امرأة لا نعلم حفظت أو نسيت، وقول بعضهم: امرأة فتنت الناس وليس في شيء من ذلك دليل على ذلك. ويا للعجب كيف يجترئ ذو دين أن يقدم على غيبة مثل هذه الصحابية التي اختارها النبي ﷺ لحبه ابن حبه لسبب خبر لم يثبت، وأعجب من ذلك قول بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إنها نزلت في فاطمة لأنها كانت فيها بذاذة لسان وأذى للأحماء وهذا لم يثبت فيه نقل ولا يدل عليه نظر فذكر ذلك عنها ونسبته إليها غيبة أو بهتان، وأحسن ما قيل في التفسير قول ابن عمر

стр. 6618

٣٥٨٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا حُسَينُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا شَيبَانُ، عَنْ يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ). أَخبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ بنْتَ قَيسٍ. أُخْتَ الضَّحَّاك بْنِ قَيسٍ، أَخْبرَتْهُ؛ أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ الْمَخزُومِيَّ طَلَّقَهَا ثَلاثًا. ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْيَمَنِ. فَقَال لَهَا أَهْلُهُ: لَيسَ لَكِ عَلَينَا نَفَقَةٌ. فَانْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ ــ ﵄: إن الفاحشة الزنا فيخرجن لإقامة الحد عليهن وتعليله منع اعتدادها في بيت أم شريك بدخول أصحابه دليل على أن المرأة ممنوعة من التعرض لموضع يشق عليها فيه التحرز من أن يطلع منها على ما لا يجوز اهـ من المفهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديثها ثالثًا فقال: ٣٥٨٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حدثنا حسين بن محمد) بن بهرام التميمي المروذي نسبة إلى مروذ مدينة بخراسان بتشديد الواو وبذال معجمة، البغدادي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٣) أبواب (حدثنا شيبان) بن عبد الرحمن التميمي البغدادي، ثقة، من (٧) (عن يحيى وهو ابن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من (٥) (أخبرني أبو سلمة أن فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس أخبرته) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة يحيى بن أبي كثير لعبد الله بن يزيد (أن أبا حفص) عبد الحميد بن عمرو (بن المغيرة المخزومي) وهو ابن عم خالد بن الوليد بن المغيرة، ويقال له أبو عمرو بن حفص كما سبق في الرواية أول الباب، وقوله: (طلقها ثلاثًا) قال النواوي: اختلفت الروايات في هذا الحديث، ففي هذه الرواية أنه طلقها ثلاثًا، وفي رواية أنه طلقها ألبتة، وفي رواية طلقها آخر ثلاث تطليقات، وفي رواية طلقها طلقة كانت بقيت من طلاقها، وفي رواية طلقها ولم يذكر عددًا ولا غيره، فالجمع بين هذه الروايات أنه كان طلقها قبل هذا طلقتين ثم طلقها هذه المرة الطلقة الثالثة، فمن روى أنه طلقها مطلقًا أو طلقها واحدة أو طلقها آخر ثلاث تطليقات فهو ظاهر، ومن روى ألبتة فمراده طلقها طلاقًا فصارت مبتوتة بالثلاث، ومن روى ثلاثًا أراد تمام الثلاث اهـ. (ثم انطلق) زوجها وذهب (إلى اليمن) حين بعثه النبي ﷺ مع علي ﵁ (فقال لها): أي لفاطمة بنت قيس (أهله) أي أقارب زوجها (ليس لك علينا نفقة) لأنك طُلقت طلاقًا بائنًا، قالت فاطمة: (فانطلق) ابن عم زوجي (خالد بن

стр. 6619

الْوَلِيدِ فِي نَفَرٍ. فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي بَيتِ مَيمُونَةَ. فَقَالُوا: إِنَّ أَبَا حَفْصٍ طَلَّقَ امْرأَتَهُ ثَلاثًا. فَهَلْ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ؟ فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ. وَعَلَيهَا الْعِدَّةُ". وَأَرْسَلَ إِلَيهَا: "أَنْ لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ". وَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيهَا: "أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ يَأْتِيهَا الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ. فَانْطَلِقِي إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى. فَإِنَّكِ إِذَا وَضَعْتِ خِمَارَكِ، لَمْ يَرَكِ" فَانْطَلَقَتْ إِلَيهِ. فَلَمَّا مَضَتْ عِدَّتُهَا أَنْكَحَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زيدِ بْنِ حَارِثَةَ. ٣٥٨١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ــ الوليد) بن المغيرة (في نفر) أي مع نفر من قومه إلى رسول الله ﷺ للاستفتاء في حكم طلاقي (فأتوا) أي فأتى خالد مع أولئك النفر (رسول الله ﷺ وهو (في بيت ميمونة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها (فقالوا: إن أبا حفص طلّق امرأته ثلاثًا) أي آخر ثلاث تطليقات (فهل لها من نفقة فقال رسول الله ﷺ : ليست لها نفقة وعليها العدة وأرسل إليها أن لا تسبقيني بـ) تزويج (نفسك) أي لا تفعلي شيئًا من تزويج نفسك قبل إعلامك لي بذلك، وإنما قال لها ذلك رسول الله ﷺ لأنه كان يريد أن يخطبها لأسامة وهذا هو التعريض بالخطبة وهو جائز لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] (وأمرها أن تنتقل) من مسكن زوجها الذي طلقت فيه (إلى) بيت (أم شريك) الأنصارية الخزرجية (ثم أرسل إليها) أي إلى فاطمة بنت قيس (أن أم شريك يأتيها) أي يأتي بيتها (المهاجرون الأولون) والضيفان لأنها كانت كثيرة الإنفاق في سبيل الله تعالى فليس محل خلوة (فانطلقي إلى) بيت عبد الله (بن أم مكتوم الأعمى) المكفوف بصره (فإنك إذا وضعت خمارك) وكشفت رأسك (لم يرك) هو ولا أحد من الرجال، قال الراوي: (فانطلقت) فاطمة (إليه) أي إلى بيت ابن أم مكتوم (فلما مضت عدتها) وانقضت (أنكحها) أي زوّجها (رسول الله ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة) الهاشمي مولاهم مولى رسول الله ﷺ وابن حبه ﵄. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديثها فقال: ٣٥٨١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة بن سعيد

стр. 6620

وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيسٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيسٍ. قَال: كَتَبْتُ ذلِكَ مِنْ فِيهَا كِتَابًا. قَالتْ: كُنْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ فَطَلَّقَنِي الْبَتَّةَ. فَأَرْسَلْتُ إِلَى أَهْلِهِ أَبْتَغِي النَّفَقَةَ. وَاقْتَصُّوا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. غَيرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو: "لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِكِ" ــ و) علي (بن حجر) بن إياس السعدي المروزي، ثقة، من (٩) (قالوا: حدثنا إسماعيل يعنون ابن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم المدني، ثقة، من (٨) (عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق له أوهام، من (٦) روى عنه في (٥) أبواب (عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس (ح) وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشر) العبدي الكوفي، ثقة، من (٩) (حدثنا محمد بن عمرو) بن علقمة (حدثنا أبو سلمة عن فاطمة بنت قيس) رضي الله تعالى عنها. وهذان السندان من خماسياته، غرضه بسوقهما بيان متابعة محمد بن عمرو ليحيى بن أبي كثير (قال) أبو سلمة بن عبد الرحمن: (كتبت ذلك) الحديث (من فيها) أي من فم فاطمة بنت قيس، وقوله: (كتابًا) أي كتبته كتابة من فمها مفعول مطلق لكتبت مؤكد لعامله؛ والمراد أني كتبت هذا الحديث بعد سماعه من فمها (قالت) فاطمة: (كنت) متزوجة (عند رجل من بني مخزوم) وهو أبو عمرو بن حفص (فطلقني ألبتة) أي طلاقًا باتًا بائنًا وهو غائب في اليمن (فأرسلت إلى أهله) حالة كوني (أبتغي) أي أطلب منهم أن يعطوني (النفقة) من ماله، وقوله: (واقتصوا الحديث) تحريف من النساخ والصواب (واقتص) محمد بن عمر (الحديث) السابق أي ذكر (بمعنى حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة) لا بلفظه (غير أن) أي لكن أن (في حديث محمد بن عمرو لا تفوتينا بـ) زواج (نفسك) حتى تعلمينا وهو في معنى لا تسبقيني بنفسك وفي مغزاه، وقال في الرواية السابقة: فإذا حللت فآذنيني أي إذا خرجت من العدة لتمامها فأعلميني وأخبريني حتى ننظر في إنكاحك ونطلب لك زوجًا صالحًا اهـ من بعض الهوامش.
следующие страницы →