Полный текст (11 982 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.
стр. 7001
٣٨٨٧ - (١٥٠٨) (٧٢) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ. حَدَّثَنَا رَوْحٌ. ح وَحَدَّثَنِي إِسحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ. حَتَّى إِنَّ الْمَرْأةَ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ. ثُمَّ نَهَى النَّبِيّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا. وَقَال: "عَلَيكُمْ بِالأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَينِ
ــ
الله عليه وسلم، قال القرطبي: لا يفهم منه أحد من العقلاء تهمة في حق أبي هريرة وإنما أراد به ابن عمر أن أَبا هريرة لما كان صاحب زرع وكان محتاجًا لما يُحفظ به زرعة سأل النَّبِيّ ﷺ عن ذلك فأجابه بالاستثناء فحصل له علم لم يكن عند ابن عمر ولا عند غيره ممن لم يكن له اعتناء بذلك ولا اهتمام به اهـ من المفهم. وهذا الحديث انفرد به الإِمام مسلم رحمه الله تعالى.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر الثاني بحديث جابر ﵄ فقال:
٣٨٨٧ - (١٥٠٨) (٧٢) (حَدَّثَنَا محمَّد بن أَحْمد بن أبي خلف) محمَّد السلمي مولاهم البغدادي، ثِقَة، من (١٠) (حَدَّثَنَا روح) بن عبادة بن العلاء بن حسان القيسي البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٩) (ح وحدثني إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التَّمِيمِيّ النَّيسَابُورِيّ، ثِقَة، من (١١) (أخبرنا روح بن عبادة حَدَّثَنَا ابن جريج أخبرني أبو الزُّبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله) ﵄ (يقول): وهذا السند من خماسياته (أمرنا رسول الله ﷺ بقتل) جميع (الكلاب) بلا استثناء (حتَّى إن المرأة) بكسر إن لأن حتَّى ابتدائية والمراد بالمرأة الجنس والمعنى إن المرأة (تقدم) بفتح الدال أي تجيء (من البادية) ملتبسة (بكلبها فنقتله) بالنُّون أي نحن، وفي نسخة بالتاء أي هي بنفسها، قال الطيبي: حتَّى هي الداخلة على الجملة وهي غاية لمحذوف أي أمرنا بقتل الكلاب فقتلنا ولم ندع في المدينة كلبًا إلَّا قتلناه حتَّى نقتل كلب المرأة من أهل البادية كذا نص في حديث آخر اهـ مرقاة (ثم نهى النَّبِيّ ﷺ عن قتلها) فقال: لا تقتلوا الكلاب (وقال): لكن (عليكم) أن تقتلوا (بالأسود البهيم) أي الخالص السواد الذي لا بياض فيه (ذي النقطتين) أي صاحب النقطتين أي الذي فوق عينيه نقطتان بيضاوان والحاصل أنَّه ﷺ أمر بقتل الكلاب كلها في مبدإ الأمر ثم
стр. 7002
فَإِنّهُ شَيطَانٌ".
٣٨٨٨ - (١٥٠٩) (٧٣) حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أبي التَّيَّاحِ. سَمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ الْمُغَفَّلِ. قَال: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ
ــ
خص القتل بالأسود البهيم ثم رخص فيه أَيضًا (فإنَّه) أي فإن الأسود البهيم (شيطان) حقيقة في كونه ضررًا محضًا لا نفع فيه أو مثل الشيطان للمفسدة الحاصلة منه فكيف يكون فيه منفعة، ولو قدرنا فيه أنَّه ضار أو للماشية لقتل لنص النَّبِيّ ﷺ على قتله اهـ من المفهم.
قال النووي: قوله: (فإنَّه شيطان) ليس المراد من الحديث إخراجه عن جنس الكلاب ولهذا لو ولغ في إناء وجب غسله كما يغسل من ولوغ الكلب الأبيض، وقال العيني في العمدة [٦/ ٣٠٥] إن المراد من كونه شيطانًا أنَّه بعيد عن المنافع قريب من المضرة، ثم قال العيني: وهذه أمور لا تُدرك بنظر ولا يُوصل إليها بقياس وإنما يُنتهى إلى ما جاء عن الشارع اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أَحْمد [٣/ ٣٣٣] , وأبو داود [٢٨٤٦].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عمر الثاني بحديث عبد الله بن المغفل ﵃ فقال:
٣٨٨٨ - (١٥٠٩) (٧٣) (حَدَّثَنَا عبيد الله بن معاذ) بن معاذ العنبري البَصْرِيّ (حَدَّثَنَا أبي) معاذ بن معاذ العنبري (حَدَّثَنَا شعبة) بن الحجاج (عن أبي التَّيَّاح) يزيد بن حميد الضبعي البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٥) (سمع مطرف بن عبد الله) بن الشخير العامري أَبا عبد الله البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٢) (عن) عبد الله (بن المغفل) على صيغة اسم المفعول بن عبيد بن نهم المزني أبي عبد الرَّحْمَن البَصْرِيّ الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون (قال) عبد الله بن مغفل (أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب) جميعًا لما رآهم يستأنسون بها استئناس الهر فشدد عليهم أولًا في ذلك ثم خفف، ومن أمثلة التشديد في ذلك ما أخرجه أَحْمد في مسنده [٦/ ٣٩١] عن أبي رافع قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقتل الكلاب فخرجت أقتلها لا أرى كلبًا إلَّا قتلته فإذا كلب يدور ببيت فذهبت لأقتله فناداني إنسان من
стр. 7003
ثُمّ قَال: "مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ؟ " ثُمَّ رَخَّصَ في كَلْبِ الصَّيدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ.
٣٨٨٩ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ). ح وَحَدَّثَنِي محمدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنِي محمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا النَّضرُ
ــ
جوف البيت يَا عبد الله ما تريد أن تصنع؟ قال: قلت: أريد أن أقتل هذا الكلب، فقالت: إنِّي امرأة مضيعة وإن هذا الكلب يطرد عني السبع ويؤذنني بالجائي فائت النَّبِيّ ﷺ فاذكر ذلك له، قال: فأتيت النَّبِيّ ﷺ فذكرت ذلك له فأمرني بقتله. وفي رواية أخرى عند أَحْمد [٦/ ٩] فقال: "يَا أَبا رافع اقتله، فإنما يمنعهن الله " يعني يحفظهن (ثم) بعد أمره بقتل الكلاب فقتلوها قتلًا ذريعًا (قال) لهم: (ما بالهم) أي ما بال النَّاس وشأنهم (وبال الكلاب) أي شأنها يقتلونها أي فليتركوها (ثم) بعد ما أمرهم بقتلها (رخص) لهم أي جوز لهم (في) اتخاذ (كلب الصيد) الذي عُلم كيفية الاصطياد (و) في اتخاذ (كلب الغنم) أي الذي يحفظها في المرعى عن السباع، وفي الدار عن السراق لضرورة الاحتياج إليها والانتفاع بها. وبهذا السند بعينه زاد المؤلف في الطهارة وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفِّرُوه الثامنة في التُّراب.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أَحْمد [٤/ ٨٥] و [٥/ ٥٦] , وأبو داود [٢٨٤٥] , والتِّرمذيّ [١٤٨٦] , والنَّسائيّ [١٨٥٧] , وابن ماجه [٣٢٠٥].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٣٨٨٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه يحيى بن حبيب) بن عربي الحارثيّ البَصْرِيّ (حَدَّثَنَا خالد يعني ابن الحارث) بن عبيد الهجيمي البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٨) (ح وحدثني محمَّد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي، صدوق، من (١٠) (حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد) القطَّان البَصْرِيّ (ح وحدثني محمَّد بن الوليد) بن عبد الحميد القُرشيّ العامري أبو عبد الله البَصْرِيّ الملقب بحمدان، وثقه النَّسائيّ وابن ماجه، وقال في التقريب: ثِقَة، من (١٠) (حدثنا محمَّد بن جعفر) الهذلي البَصْرِيّ المعروف بغندر (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (أخبرنا النضر) بن شميل المازنِيّ أبو الحسن البَصْرِيّ ثم الكُوفيّ، ثِقَة، من (٩)
стр. 7004
ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
وَقَال ابْنُ حَاتِمٍ في حَدِيثِهِ عَنْ يَحْيَى: وَرَخَّصَ في كَلْبِ الْغَنَمِ وَالصَّيدِ وَالزَّرْعِ.
٣٨٩٠ - (١٥١٠) (٧٤) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
ــ
(ح وحدثنا محمَّد بن المثنَّى حَدَّثَنَا وهب بن جرير) بن حازم بن زيد بن عبد الله الأَزدِيّ أبو العباس البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٩) (كلهم) أي كل هؤلاء الخمسة المذكورين يعني خالد بن الحارث ويحيى القطَّان ومحمَّد بن جعفر والنضر بن شميل ووهب بن جرير رووا (عن شعبة) بن الحجاج (بهذا الإسناد) يعني عن أبي التَّيَّاح عن مطرف عن ابن مغفل (مثله) أي مثل ما روى معاذ بن معاذ عن شعبة، غرضه بيان متابعة هؤلاء الخمسة لمعاذ بن معاذ (و) لكن (قال) محمَّد (بن حاتم) بن ميمون أي زاد في حديثه) أي في روايته (عن يحيى) القطَّان لفظة (ورخص) لهم رسول الله ﷺ في) اتخاذ (كلب الغنم و) كلب (الصيد و) كلب (الزرع) والله أعلم.
قال القرطبي: والحاصل من هذه الأحاديث أن قتل الكلاب غير المستثنيات مأمور به إذا أشرف بالمسلمين فإن كثر ضررها وغلب كان ذلك الأمر على الوجوب وإن قل وندر فأي كلب أضر وجب قتله وما عداه جائز قتله لأنه سبع لا منفعة فيه وأقل درجاته توقع الترويع وأنه ينقص من أجر مقتنيه كل يوم قيراطين فأما الشروع منهن المؤذي فقتله مندوب إليه وأما الكلب الأسود ذو النقطتين فلا بد من قتله للحديث المتقدم وقيل ما ينتفع بمثل تلك الصفة لأنه إن كان شيطانًا على الحقيقة فهو ضرر محض لا نفع فيه وإن كان على التشبيه به فإنما شُبه به للمفسدة الحاصلة منه فكيف يكون فيه منفعة ولو قدرنا فيه أنَّه ضار أو للماشية لقتل لنص النَّبِيّ ﷺ على قتله اهـ من المفهم.
ثم استدل على الجزء الثالث من الترجمة بحديث ابن عمر ﵄ فقال:
٣٨٩٠ - (١٥١٠) (٧٤) (حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى) التَّمِيمِيّ (قال: قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر) وهذا السند من رباعياته (قال) ابن عمر: (قال رسول الله صلى الله
стр. 7005
عَلَيهِ وَسلَّمَ: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إلا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارٍ، نَقَصَ من عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاطَانِ"
ــ
عليه وسلم: من اقتنى) واتخذ (كلبًا) غير منتفع به أي اتخذه وأمسكه، وقد ورد الحديث بكل من هذه الألفاظ (إلا كلب ماشية أو ضار) أي أو كلبًا ضاريًا أي معودًا بالصيد يقال: ضري الكلب بوزن خشي إذا تعود الاصطياد وأضراه صاحبه أي عوده الضراوة أي الاصطياد وعلمه إياه وأغراه به ويُجمع على ضوار والمواشي الفمارية المعتادة لرعي زروع النَّاس اهـ نهاية، وهو من جهة الإعراب مضاف إليه لكلب من إضافة الموصوف إلى صفته كمسجد الجامع، وفي بعض النسخ أو ضاري أي أو كلب ضاري بإثبات الياء من غير دخول الألف واللام عليه وهو لغة قليلة، وفي بعضها: ضاريًا بإظهار الإعراب على الياء أي أو كلبًا ضاريًا أي متعودًا للاصطياد باجتماع شروط كونه معلمًا به (نقص من) أجر (عمله كل يوم قيراطان) ولفظ نقص يُستعمل لازمًا ومتعديًا وهو هنا لازم بدليل رفع قيراطان، ورُوي (قيراطين) وهو حينئذ يكون متعديًا، وضمير الفاعل حينئذ يعود إلى الكلب أو على الرَّجل المقتني، قال النووي: والقيراط هنا مقدار معلوم عند الله تعالى والمراد نقص جزء من أجزاء أجور عمله الصالح اهـ.
وفي مجمع البحار: القيراط نصف عشر الدينار في أكثر البلاد وعند أهل الشَّام جزء من أربعة وعشرين جزءًا منه اهـ وقد وقع في رواية ابن أبي حرملة (قيراط) بدل (قيراطان) فيُجمع بينهما باحتمال أنَّه في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر كالأسود المتقدم أولمعنى فيهما أو يكون ذلك مختلفًا باختلاف المواضع فيكون القيراطان في المدينة خاصة لزيادة فضلها والقيراط في غيرهما أو القيراطان في المدائن ونحوها من القرى والقيراط في البوادي أو يكون ذلك في زمنين فذكر القيراط أولًا ثم زاد التغليظ فذكر القيراطين كذا حققه النووي، وذكر الحافظ في المزارعة من الفتح [٥/ ٥] أن الحكم للزائد منهما لكونه حفظ ما لم يحفظه الآخر وهو الأوجه عندي اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أَحْمد [٢/ ٤] , والبخاري [٥٤٨٢] , والتِّرمذيّ [١٤٨٧] , والنَّسائيّ [٧/ ١٨٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر هذا ﵄ فقال:
стр. 7006
٣٨٩١ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيرٍ. قَالُوا: حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَال: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إلا كَلْبَ صَيدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاطَانِ"
ــ
٣٨٩١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب و) محمَّد بن عبد الله (بن نمير قالوا: حَدَّثَنَا سفيان) بن عيينة (عن الزُّهْرِيّ عن سالم عن أَبيه عن النَّبِيّ ﷺ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة سالم لنافع (قال: من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان) واختلف العلماء في محل نقص القيراطين فقيل: ينقص قيراط من عمل النهار وقيراط من عمل الليل أو قيراط من عمل الفرض وقيراط من عمل النفل، والقول الأسلم الأصح أنَّه لا سبيل إلى تعيين هذا بالقياس فإن مثله يتوقف على السماع ولم يوجد فلا ضرورة إلى تعيين ذلك ومقصود الشارع أن اقتناء الكلب بدون حاجة ينقص من عمل الرَّجل قيراطين كل يوم فيجب أن يحذر منه وليس عندنا ما نتحقق به قدر القيراطين ولا تعيين عمل ينقص منه ذلك القدر فلا حاجة إلى الخوض في أمثال هذه المباحث.
ثم ذكروا في سبب نقصان الأجر وجوهًا فقيل: سببه امتناع دخول الملائكة بسببه وقيل ما يلحق المارين من الأذى من ترويع الكلب لهم وقصده إياهم وقيل إن ذلك عقوبة له لاتخاذه ما نهي عن اتخاذه وعصيانه في ذلك وقيل لما يبتلى به من ولوغه في غفلة صاحبه ولا يغسله بالماء والتراب كذا في شرح النووي، ثم الظاهر من هذه الأحاديث عدم جواز اقتناء الكلب إلَّا لحاجات استثناها رسول الله ﷺ وذكر ابن عبد البر أن هذه الأحاديث تدل على كراهة ذلك ولا تدل على التحريم لأنها لا تذكر إلَّا نقصان الأجر، والمحرم لا بد فيه من إثم ولكن رد عليه الحافظ في المزارعة في الفتح [٥/ ٥] بأن نقصان الأجر نوع من الإثم أو المراد بنقصان الأجر في الحديث أن الإثم الحاصل باتخاذه يوازي قدر قيراط أو قيراطين من أجر ومما يؤيد قول الحافظ الأحاديث التي ذكر فيها أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة أو كلب، والظاهر أن امتناع الملائكة لا يكون إلَّا بما فيه إثم.
وأما الحكمة في النهي عن اقتنائه فإنَّه يشبه الشيطان بجبلته لأن ديدنه لعب وغضب
стр. 7007
٣٨٩٢ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ (قَال يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إلا كَلْبَ ضَارِيَةٍ أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ من عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاطَانِ"
ــ
واطراح في النجاسات وإيذاء النَّاس ويقبل الإلهام من الشياطين فرأى منهم صدودًا وتهاونًا ولم يكن سبيل إلى النهي عنه بالكلية لضرورة الزرع والماشية والحراسة والصيد فعالج ذلك باشتراط أتم الطهارة. اهـ من التكملة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
٣٨٩٢ - (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى ويحيى بن أَيُّوب) المقابري أبو زكريا البغدادي، ثِقَة، من (١٠) (وقتيبة) بن سعيد (و) علي (بن حجر) السعدي المروزي (قال يحيى بن يحيى: أخبرنا وقال الآخرون: حَدَّثَنَا إسماعيل وهو ابن جعفر) بن أبي كثير الزُّرَقيّ المدنِيُّ، ثِقَة، من (٨) (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم المدنِيُّ (أنَّه سمع ابن عمر) ﵄. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة عبد الله بن دينار لنافع وسالم (قال: قال رسول الله ﷺ : من اقتنى) واتخذ (كلبًا إلا كلب ضارية) فيه حذف موصوف وإبقاء صفته تقديره إلَّا كلب ذي كلاب ضارية، والضاري هو المعلم كيفية الصيد المعتاد له اهـ نووي (أو) إلَّا كلب ذي (ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان) قال القرطبي: واختلف في معنى قوله: (نقص من عمله كل يوم قيراطان) وأقرب ما قيل في ذلك قولان: أحدهما: أن جميع ما عمله من عمل ينقص لمن اتخذ ما نُهي عنه من الكلاب بإزاء كل يوم يمسكه فيه جزءان من أجزاء ذلك العمل وقيل: من عمل ذلك اليوم الذي يمسكه فيه وذلك لترويع الكلب للمسلمين وتشويشه عليهم بنباحه ومنع الملائكة من دخول البيت ولنجاسته على ما يراه الشَّافعيّ، الثاني: أن يحبط من عمله كله عملان أو من عمل يوم إمساكه على ما تقدم عقوبة له على ما اقتحم من المنهي والله أعلم. ثم إن الكلب تتبعه أمراض وأدواء كثيرة وفي لعابه سُمِّية تضر بالإنسان فالاجتناب عن اقتنائه إلَّا لحاجة فيه حكم كثيرة، وذكر الدميري في
стр. 7008
٣٨٩٣ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرُونَ: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ مُحَمَّدٍ) (وَهُوَ ابْنُ أبي حَرْمَلَةَ) عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنِ اقْتَنَى كلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلْبَ صَيدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاطٌ".
قَال عَبْدُ الله: وَقَال أَبُو هُرَيرَةَ: "أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ"
ــ
حياة الحيوان [٢/ ٢٢٦] أن الجيفة أحب إلى الكلب من اللحم الغريض ويأكل العذرة ويرجع في قيئه، ومن عيوب الكلب أنَّه تعوزه الحمية الجنسية فإنَّه يعادي أبناء جنسه وكلما كان في موضع وجاء فيه كلب آخر طرده ولم يتحمله اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
٣٨٩٣ - (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى ويحيى بن أَيُّوب) المقابري (وقتيبة وابن حجر، قال يحيى) بن يحيى: (أخبرنا وقال الآخرون: حَدَّثَنَا إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الزُّرَقيّ المدنِيُّ (عن محمَّد وهو ابن أبي حرملة) كنيته اسمه القُرشيّ مولاهم أبي عبد الله المدنِيُّ ثِقَة، من (٦) روى عنه في (٦) أبواب (عن سالم بن عبد الله) بن عمر (عن أَبيه) عبد الله بن عمر ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة سالم لعبد الله بن دينار (أن رسول الله ﷺ قال: من اقتنى) وأمسك (كلبًا إلا كلب ماشية أو كلب صيد نقص من) أجر (عمله كل يوم قيراط) واختلاف العدد في القيراط محمول على اختلاف نوع الكلب أو على أنَّه أخبر أولًا بالعدد الأقل ثم بالأكثر تغليظًا عليهم كما مر مع زيادة (قال عبد الله) بن عمر بهذا السند (وقال) أي زاد (أبو هريرة) في هذا الحديث لفظة (أو كلب حرث) مصداقه قوله ﷺ : "من اقتنى كلبًا لا يغني عنه زرعًا ولا ضرعًا" والزرع: الحرث والضرع: الماشية اهـ من بعض الهوامش.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
стр. 7009
٣٨٩٤ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أخْبَرَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أبي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَال: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إلا كَلْبَ ضَارٍ أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاطَانِ".
قَال سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيرَةَ يَقُولُ: "أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ" وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ.
٣٨٩٥ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيدٍ. حَدَّثنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاويةَ. أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ
ــ
٣٨٩٤ - (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (أخبرنا وكيع حَدَّثَنَا حنظلة بن أبي سفيان) اسمه الأسود بن عبد الرَّحْمَن بن صفوان بن أمية الأُموي المكيّ، ثِقَة، من (٦) روى عنه في (٩) أبواب (عن سالم) بن عبد الله (عن أَبيه عن رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة حنظلة بن أبي سفيان لمحمد بن أبي حرملة (قال) رسول الله ﷺ : (من اقتنى كلبًا إلَّا كلب ضار) بالجر والتنوين من إضافة الموصوف إلى صفته كمسجد الجامع أي إلَّا كلبًا ضاريًا أي معلمًا للصيد (أو) إلَّا كلب (ماشية) أي كلبًا يحرس ماشية (نقص من عمله كل يوم قيراطان، قال سالم): أي فيما رواه عن أَبيه عبد الله كما هو الرواية المتقدمة (وكان أبو هريرة يقول): أي يزيد في روايته لفظة (أو كلب حرث) قال ابن عمر: (وكان) أبو هريرة (صاحب حرث) وزرع يعني أن أَبا هريرة يزيده في روايته فإن المفهوم من عبارة الفتح في باب اقتناء الكلب للحرث إنكار ابن عمر هذه الزيادة، وقد مر أنَّه قيل له: إن أَبا هريرة يقول أو كلب زرع فقال: إن لأبي هريرة زرعًا (قوله: وكان صاحب حرث) هذا قول ابن عمر في حق أبي هريرة كما ذُكر آنفًا وسيأتي أَيضًا، قال ابن حجر: ويقال: إن ابن عمر أراد بذلك الإشارة إلى تثبيت رواية أبي هريرة وأن سبب حفظه لهذه الزيادة دونه أنَّه كان صاحب زرع دونه ومن كان مشتغلًا بشيء احتاج إلى تعرّف أحكامه اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديثه ﵁ فقال:
٣٨٩٥ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا داود بن رشيد) مصغرًا الهاشمي مولاهم أبو الفضل البغدادي، ثِقَة، من (١٠) (حَدَّثَنَا مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء الفزاري أبو عبد الله الكُوفيّ، ثِقَة، من (٨) روى عنه في (١٣) بابا (أخبرنا عمر بن حمزة بن
стр. 7010
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيمَا أَهْلِ دَارٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا إلا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلْبَ صَائِدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاطَانِ".
٣٨٩٦ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى) قَالا: حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْحَكَمِ. قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يحدِّثُ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إلا كَلْبَ زَرْعٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ صَيدٍ، يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاطٌ"
ــ
عبد الله بن عمر) بن الخطاب العمري المدنِيُّ، ضعيف، من (٦) ذكره مسلم متابعة، روى عنه في (٤) أبواب (حَدَّثَنَا سالم بن عبد الله) بن عمر (عن أَبيه) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عمر بن حمزة لحنظلة بن أبي سفيان، وفائدتها بيان كثرة طرقه (قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : أيما أهل دار) بجر أهل بإضافة أي إليه وهي شرطية مرفوعة على الابتداء، والخبر جملة الجواب أو الشرط أو هما على الخلاف المذكور في محله (اتخذوا) أي اقتنوا (كلبًا) لا يجوز اتخاذه (إلا كلب ماشية أو كلب صائد) بجر صائد بإضافة كلب إليه من إضافة الموصوف إلى صفته أي كلبًا صائدًا أي يصيد صيدًا (نقص من عملهم كل يوم قيراطان).
ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة فيه سادسًا فقال:
٣٨٩٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمَّد بن المثنَّى و) محمَّد (بن بشار) بندار (واللفظ لابن المثنَّى قالا: حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر) الهذلي غندر (حَدَّثَنَا شعبة عن قتادة عن أبي الحكم) عمران بن الحارث السلمي الكُوفيّ، روى عن ابن عمر في المساقاة في اقتناء الكلب، وابن عباس، ويروي عنه (م س) وقتادة بن دعامة وسلمة بن كهيل، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال في التقريب: ثِقَة، من الرابعة (قال: سمعت ابن عمر يحدّث عن النَّبِيّ ﷺ وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة أبي الحكم لسالم بن عبد الله (قال) رسول الله ﷺ : (من اتخذ) واقتنى (كلبًا إلَّا كلب زرع أو غنم أو صيد ينقص من أجره كل يوم قيراط).
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة ﵄ فقال:
стр. 7011
٣٨٩٧ - (١٥١١) (٧٥) وحدثني أبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَال: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيسَ بِكَلْبِ صَيدٍ وَلَا مَاشِيَةٍ وَلَا أَرْضٍ، فَإِنّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ، كُلَّ يَوْمٍ".
وَلَيسَ في حَدِيثِ أَبِي الطَّاهِرِ: "وَلَا أَرْضٍ".
٣٨٩٨ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إلا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيدٍ أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاطٌ".
قَال الزُّهْرِيُّ:
ــ
٣٨٩٧ - (١٥١١) (٧٥) (وحدثني أبو الطاهر وحرملة) بن يحيى المصريان (قالا: أخبرنا) عبد الله (بن وهب) المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب) المخزومي المدنِيُّ (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته (عن رسول الله ﷺ قال: من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض) أي ولا كلب أرض أي زرع (فإنَّه) أي فإن الشأن والحال (ينقص من أجره قيراطان كل يوم وليس في حديث أبي الطاهر ولا أرض).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أَحْمد [٢/ ٤٢٥] , والبخاري [٢٣٢١] , وأبو داود [٢٨٤٤] , والتِّرمذيّ [١٤٩٠] , والنَّسائيّ [٧/ ١٨٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٨٩٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبد بن حميد) الكسي (حَدَّثَنَا عبد الرَّزّاق) بن همام الصَّنْعانِيّ (أخبرنا معمر) بن راشد البَصْرِيّ (عن الزُّهْرِيّ عن أبي سلمة) بن عبد الرَّحْمَن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة أبي سلمة لسعيد بن المسيب (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من اتخذ كلبًا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط، قال الزُّهْرِيّ)
стр. 7012
فَذُكِرَ لابْنِ عُمَرَ قَوْلُ أَبِي هُرَيرَةَ. فَقَال: يَرْحَمُ الله أَبا هُرَيرَةَ! كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ.
٣٨٩٩ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
ــ
بالسند السابق (فذُكر) بالبناء للمجهول لم أر من ذكر اسم الذاكر (لابن عمر) ﵄ (قول أبي هريرة) ﵁ يعني قوله أو زرع (فقال) ابن عمر: (يرحم الله أَبا هريرة كان صاحب زرع) وقال سالم في الرواية السابقة: (وكان أبو هريرة يقول أو كلب حرث وكان صاحب حرث) قال العلماء: ليس هذا توهينًا لرواية أبي هريرة ولا شكًّا فيها بل معناه أنَّه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه، والعادة أن المبتلى بشيء يتقنه ما لا يتقنه غيره ويتعرّف من أحكامه ما لا يعرفه غيره اهـ نووي.
ولعله ﵁ صار كذلك بعد عهد النَّبِيّ ﷺ وإلا فقد كان في ذلك العهد مسكينًا لا شيء له ضيفًا لرسول الله ﷺ يدل عليه قوله عن نفسه على ما ذكره الإِمام البُخَارِيّ في باب حفظ العلم من صحيحه: إن النَّاس يقولون: أكثر أبو هريرة لولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدّثت حديثًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواننا من الْأَنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم أي القيام على مصالح زرعهم وإن أَبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ بشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون اهـ.
وقال أَيضًا على ما ذكره البُخَارِيّ في باب مناقب جعفر بن أبي طالب الهاشمي: إن النَّاس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني حتَّى لا آكل الخمير (أي الخبز المجعول فيه الخميرة) ولا ألبس الحبير (أي الجديد) ولا يخدمني فلان ولا فلانة وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع وإن كنت لأستقرئ الرَّجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني وكان أخير النَّاس للمسكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتَّى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فيشقها فنلعق ما فيها اهـ من بعض الهوامش.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٨٩٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثني زهير بن حرب حَدَّثَنَا إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم
стр. 7013
حَدَّثنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيّ. حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاطٌ. إلا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ".
٣٩٠٠ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا شُعَيبُ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا الأوْزَاعِيُّ. حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ. حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ. حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
٣٩٠١ - (٠٠) (٠٠) حدثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ. حَدَّثَنَا
ــ
الأسدي البَصْرِيّ المعروف بابن عليّة (حَدَّثَنَا هشام) بن أبي عبد الله سنبر (الدستوائي) البَصْرِيّ (حَدَّثَنَا يحيى بن أبي كثير) الطَّائيّ اليماميّ (عن أبي سلمة عن أبي هريرة) ﵁ غرضه بيان متابعة يحيى بن أبي كثير للزهري (قال: قال رسول الله ﷺ : من أمسك) واقتنى (كلبًا فإنَّه ينقص من عمله كل يوم قيراط إلَّا كلب حرث أو ماشية).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٩٠٠ - (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا شعيب بن إسحاق) بن عبد الرَّحْمَن الأُموي مولاهم البَصْرِيّ ثم الدِّمشقيّ، ثِقَة، من (٩) روى عنه في (٩) أبواب (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيّ) عبد الرَّحْمَن بن عمرو الشَّاميّ، ثِقَة، من (٧) (حدثني يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطَّائيّ اليماميّ (حَدَّثني أبو سلمة بن عبد الرَّحْمَن) بن عوف (حَدَّثني أبو هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة الأَوْزَاعِيّ لهشام الدستوائي وساق الأَوْزَاعِيّ (عن رسول الله ﷺ بمثله) أي بمثل حديث هشام.
ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا فقال:
٣٩٠١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أَحْمد بن المنذر) بن الجارود البَصْرِيّ أبو بكر القزَّاز، ثِقَة، من (١١) روى عنه (م) في (٥) أبواب (حَدَّثَنَا عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد العنبري مولاهم أبو سهل البَصْرِيّ، صدوق، من (٩) روى عنه في (١٦) بابا (حَدَّثَنَا
стр. 7014
حَرْبٌ. حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، بِهذا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٣٩٠٢ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ (يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ) عَنْ إِسمَاعِيلَ بْنِ سُمَيعٍ. حَدَّثَنَا أبُو رَزِينٍ. قَال: سَمِعْتُ أبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا لَيسَ بِكَلْبِ صَيدٍ وَلَا غَنَمٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاطٌ"
ــ
حرب) بن شداد اليشكري أبو الخطاب البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٧) روى عنه في (٣) أبواب (حدثنا يحيى بن كثير بهذا الإسناد) يعني عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وساق حرب (مثله) أي مثل حديث هشام الدستوائي، غرضه بيان متابعة حرب بن شداد لهشام الدستوائي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا فقال:
٣٩٠٢ - (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد) بن جميل الثَّقَفيّ البلخي (حَدَّثَنَا عبد الواحد يعني ابن زياد) العبدي مولاهم أبو بشر البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (عن إسماعيل بن سميع) مصغرًا الحنفي أبي محمَّد الكُوفيّ، بيّاع السابري -بفتح المهملة وبكسر الموحدة- ثوب رقيق جيد كما في القاموس، روى عن أبي رزين في البيوع، ومسلم البطين في الزهد، ويروي عنه (م د س) وعبد الواحد بن زياد وشعبة وعلي بن عاصم وحفص بين غياث والثوري، وثقه أَحْمد وابن معين وأبو داود والعجلي وابن سعد، وروى أنَّه لم ير في جمعة ولا جماعة أربعين سنة وكان خارجيًا، وقال في التقريب: صدوق، تكلم فيه لبدعة الخوارج، من الرابعة (حَدَّثَنَا أبو رزين) مسعود بن مالك الأسدي الكُوفي، ثِقَة فاضل، من (٢) روى عنه في (٣) أبواب، مات سنة (٨٥) (قال: سمعت أَبا هريرة يقول): وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي رزين لأبي سلمة بن عبد الرَّحْمَن بن عوف (قال رسول الله ﷺ : من اتخذ كلبًا ليس بكلب صيد ولا غنم نقص من عمله كل يوم قيراط).
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث سفيان بن أبي زهير ﵃ فقال:
стр. 7015
٣٩٠٣ - (١٥١٢) (٧٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيفَةَ؛ أن السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيرٍ (وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ شَنُوءَةَ مِنْ أصْحَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لا يُغنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، قِيرَاطٌ".
قَال: آنْتَ سَمِعْتَ هذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَال: إِي، وَرَبِّ هذَا الْمَسْجِدِ!
ــ
٣٩٠٣ - (١٥١٢) (٧٦) (حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك) بن أنس (عن يزيد بن خصيفة) نُسب إلى جده لأنه (يزيد بن عبد الله بن خصيفة) مصغرًا ابن عبد الله بن يزيد الكندي المدنِيُّ، ثِقَة، من (٥) روى عنه في (٤) أبواب (أن السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثمامة -بضم ففتح مع التخفبف- الكندي الحجازي المعروف بابن أخت نمر الصحابي بن الصحابي ﵄ (أخبره) أي أخبر ليزيد بن خصيفة (أنَّه) أي أن السائب (سمع سفيان بن أبي زهير) اسمه القرد -بفتح القاف أو كسر الراء- وقيل: نمير الشنئي نسبة إلى أزد شنوءة قبيلة باليمن كما فسره بعض الرواة بقوله: (وهو رجل من شنوءة من أصحاب رسول الله ﷺ ﵁ المدنِيُّ. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلَّا يحيى فإنَّه نيسابوري، وفيه رواية صحابي عن صحابي (قال) سفيان: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من اقتنى) واتخذ (كلبًا لا يغني عنه) أي لا ينفعه، والضمير للموصول (زرعًا) تمييز أي من جهة حفظ زرعة (ولا ضرعًا) أي ولا ينفعه من جهة حراسة ذات ضرعه يعني مواشيه، والجملة الفعلية صفة لكلبًا (نقص من عمله كل يوم قيراط، قال) السائب: قلت لسفيان: (آنت) أي هل أَنْتَ (سمعت هذا) الحديث (من رسول الله ﷺ قال) سفيان: (إي) أي نعم سمعته من رسول الله ﷺ (ورب) أي أقسمت لك برب (هذا المسجد) الحرام أراد بالمسجد المسجد الحرام، وفي كتاب بدء الخلق من صحيح البُخَارِيّ قال: إي ورب هذه القبلة اهـ من بعض الهوامش.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخَارِيّ أخرجه في كتاب الحرث والمزارعة في باب اقتناء الكلب للحرث وفي بدء الخلق قبيل كتاب الأنبياء، والنَّسائيّ
стр. 7016
٣٩٠٤ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيفَةَ. أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ؛ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَيهِمْ سُفْيَانُ بْنُ أَبِي زُهَيرٍ الشَّنَئِيُّ. فَقَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
٣٩٠٥ - (١٥١٣) (٧٦) حدثنا يَحْيَى بْنُ أيوبَ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ) عَنْ حُمَيدٍ. قَال: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
ــ
في الصيد في باب الرخصة في إمساك الكلب والماشية، وابن ماجه في باب النهي عن اقتناء الكلب، وأَحمد في مسنده [٥/ ٢١٩ و ٢٢٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث سفيان بن أبي زهير ﵁ فقال:
٣٩٠٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن أَيُّوب) المقابري أبو زكرياء البغدادي (وقتيبة) بن سعيد (و) علي (بن حجر) السعدي المروزي (قالوا: حَدَّثَنَا إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الزُّرَقيّ مولاهم أبو إسحاق المدنِيُّ، ثِقَة، من (٨) (عن يزيد بن خصيفة أخبرني السائب بن يزيد أنَّه وفد) أي حضر (عليهم) في مكة (سفيان بن أبي زهير الشنئي) بفتح الشين المعجمة والنون وكسر الهمزة والياء المشددة نسبة إلى أزد شنوءة حيٌّ من اليمن أي قدم علينا حاجًّا ونحن في مكة في المسجد الحرام (فقال) سفيان (قال رسول الله ﷺ : الحديث السابق وساق إسماعيل بن جعفر (بمثله) أي بمثل ما حدّث مالك عن يزيد بن خصيفة، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة إسماعيل لمالك بن أنس.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أنس بن مالك ﵁ فقال:
٣٩٠٥ - (١٥١٣) (٧٦) (حَدَّثَنَا يحيى بن أَيُّوب) المقابري البغدادي (وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر) السعدي المروزي (قالوا: حَدَّثَنَا إسماعيل يعنون ابن جعفر) بن أبي كثير الزُّرَقيّ المدنِيُّ (عن حميد) بن أبي حميد الطَّويل البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٥) (قال) حميد: (سئل أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم
стр. 7017
عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ؟ فَقَال: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . حَجَمَهُ أَبُو طَيبَةَ. فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَينِ من طَعَامٍ. وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ. وَقَال: "إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيتُمْ بِهِ
ــ
بصريان وواحد مدني وواحد إما بغدادي أو بلخي أو مروزي أي سأله سائل (عن كسب الحجام) أي عن حكم ما يكتسبه الحجام من المال بحجامته هل هو حلال أم حرام أو مكروه؟ ولم أر أحدًا من الشراح ذكر اسم هذا السائل (فقال) أنس: (احتجم رسول الله ﷺ حجمه أبو طيبة) هو عبد لبني بياضة بطن من الْأَنصار اسمه نافع، وقيل: دينار قاله ابن عبد البر ووهموه، وقيل: ميسرة والصحيح الأول، وذكر ابن الحذَّاء في رجال الموطإ أنَّه عاش مائة وثلاثًا وأربعين سنة راجع الفتح والإصابة (فأمر) النَّبِيّ ﷺ عليًّا ﵁ بأن يعطي (له) أي لأبي طيبة في أجرة حجامته (بصاعين من طعام) يعني من تمر كما هو مصرح به عند البُخَارِيّ في البيوع من رواية مالك عن حميد، وأعطاه الأجر علي ﵁ كما هو مصرح في حديث علي عند التِّرْمِذِيّ وابن ماجه اهـ من التكملة (وكلم) النَّبِيّ ﷺ (أهله) أي كم موالي أبي طيبة وسادته في حق ما يعطيه لهم أبو طيبة من كسبه أن يُخففوا عنه (فوضعوا عنه) أي خففوا عنه (من خراجه) أي من وظيفته المالية التي كلفوه بها أولًا، والخراج هنا ما كان يجعل المولى على عبده من غلة معينة يكسبها له كل يوم ويقال له: الضريبة أَيضًا، وقد أخرج ابن أبي شيبة أنَّه ﷺ قال للحجام: كم خراجك؟ قال: صاعان، قال: فوضع عنه صاعأا. حكاه الحافظ في إجارة الفتح [٤/ ٣٧٨]. ودل هذا الحديث على جواز أجرة الحجام وهو قول الجمهور وحمل الجمهور أحاديث النهي على التنزيه لما في هذا الكسب من الدناءة والتلوث بالنجاسات، وذكر ابن الجوزي أن أجر الحجام إنما كُره لأنه من الأشياء التي تجب للمسلم على المسلم إعانة له عند الاحتياج إليه فما كان ينبغي له أن يأخذ على ذلك أجرًا، وجمع ابن العربي بين قوله ﷺ : "كسب الحجام خبيث" وبين إعطائه الحجام أجرته بأن محل الجواز ما إذا كانت الأجرة على عمل معلوم ويُحمل الزجر على ما إذا كان على عمل مجهول، ومنهم من ادعى النسخ وأنه كان حرامًا ثم أبيح وجنح إلى ذلك الطحاوي اهـ من فتح الباري [٤/ ٣٧٦].
(وقال) ﷺ : (إن أفضل) وأنفع (ما تداويتم) أي تعالجتم (به) من
стр. 7018
الْحِجَامَةُ. أَوْ هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ".
٣٩٠٦ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ (يَعْنِي الْفَزَارِيَّ) عَنْ حُمَيدٍ، قَال: سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ؟ فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ. غَيرَ أنَّهُ قَال: "إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ. وَلَا تُعَذِّبُوا
ــ
كثرة الدم (الحجامة) أي إخراج الدم الفاسد بالمحجم لا بالفصد وقطع العروق لأنه ربما يورث الشلل (أو) قال النَّبِيّ ﷺ أو أنس والشك من أنس أو ممن دونه (هو) أي الحجم (من أمثل) وأحسن (دوائكم) وأنفعه في إخراج الدم الفاسد من الفصد ونحوه والظاهر أن الأفضلية هنا ليست شرعية بل هي طبيّة وتجريبية، وقد وقع عند النَّسائيّ بلفظ: "خير ما تداويتم به الحجامة".
قال أهل المعرفة: والخطاب بذلك لأهل الحجاز ومن كان في معناهم من أهل البلاد الحارة لأن دماءهم رقيقة وتميل إلى ظاهر الأبدان لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح البدن، ويؤخذ من هذا أَيضًا أن الخطاب لغير الشيوخ لقلة الحرارة في أبدانهم، وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن ابن سيرين إذا بلغ الرَّجل أربعين سنة لم يحتجم، قال الطبري: وذلك أنَّه يصير من حينئذٍ في انتقاص من عمره وانحلال من قوى جسده فلا ينبغي له أن يزيده وهيًا بإخراج الدم اهـ وهو محمول على من لم تتعين حاجته إليه وعلى من لم يعتد به، وقد قال ابن سينا في أرجوزته:
ومن يكن تعوّد الفصاده ... فلا يكن يقطع تلك العاده
ثم أشار أنَّه يقلل ذلك بالتدريج إلى أن ينقطع جملة في عشر الثمانين اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث التِّرْمِذِيّ [١٢٧٨] , وأبو داود [٣٢٢٤].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
٣٩٠٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا) محمَّد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكيّ (حَدَّثَنَا مروان) بن معاوية (يعني الفزاري) أبو عبد الله الكُوفيّ نزيل مكة، ثِقَة، من (٨) (عن حميد) الطَّويل (قال) حميد: (سئل أنس) بن مالك. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة مروان لإسماعيل بن جعفر (عن كسب الحجام) أهو حلال أم لا (فذكر) مروان (بمثله) أي بمثل حديث إسماعيل (غير أنَّه) أي لكن أن مروان (قال) في روايته: (أن أفضل ما تداويتم به الحجامة) بلا شك فيه، ومع زيادة لفظة (والقسط البحري ولا تعذبوا
стр. 7019
صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ".
٣٩٠٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيدٍ. قَال: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: دَعَا النَّبِيّ صَلَّى
ــ
صبيانكم بالغمز) أي وإن أفضل وأسهل ما عالجتم به صبيانكم من العذرة إسعاط القسط الهندي أو تبخيرهم به فإنَّه ينفع من ذلك ولا تعذبوا صبيانكم بغمز حلوقهم وحكها بأصابعكم لعلاج العذرة وهو وجع الحلق وارتفاع اللهاة بالورم.
قال القرطبي: حديث أنس وحديث ابن عباس يدلان على جواز الاحتجام للحاجم والمحجوم، وجواز أخذ الأجرة على ذلك وقد بينا وجه كراهيتها، وفيه ما يدل على توظيف الخراج على العبيد إذا كانت لهم صنائع لكن على جهة الرفق لا العنف ويُكلّف من ذلك ما يقدر عليه ويستحب التَّخفيف عنهم كما قد كلم النَّبِيّ ﷺ سادات أبي طيبة في التَّخفيف، وقوله: (إن أفضل ما تداويتم به الحجامة) هذا الخطاب متوجه إلى من غلب عليه الدم فإخراجه بالحجامة أولى وأسلم من إخراجه بقطع العروق والفصاد، ويحتمل أن يكون الذين قال لهم هذا كان الغالب عليهم هيجان الدم فأرشدهم إلى إخراجه على الجملة بالحجامة لما ذكرناه من السلامة اهـ من المفهم.
وقوله: (القسط البحري) بضم القاف ويقال له: كست أَيضًا، وقال ابن العربي: والقسط نوعان: هندي وهو أسود وبحري وهو أبيض والهندي أشدهما حرارة، وقد وقع في الحديث الترغيب إلى كليهما فالقسط البحري مصرح ها هنا وأما الهندي فقد أخرج البُخَارِيّ في الطب باب السعوط بالقسط الهندي عن أم قيس بنت محصن قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عليكم بهذا العود الهندي" اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٣٩٠٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أَحْمد بن الحسن بن خراش) بكسر المعجمة الخُرَاسَانِيّ أبو جعفر البغدادي، صدوق، من (١١) روى عنه في (٨) أبواب (حَدَّثَنَا شبابة) بن سوار الفزاري مولاهم أبو عمرو المدائنيّ، ثِقَة، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (حدثنا شعبة عن حميد) الطَّويل (قال: سمعت أنسًا يقول): وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة شعبة لإسماعيل بن جعفر ومروان بن معاوية (دعا النَّبِيّ صلى
стр. 7020
الله عَلَيهِ وَسلَّمَ غُلَامًا لَنَا حَجَّامًا. فَحَجَمَهُ. فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ مُدٍّ أَوْ مُدَّينِ. وَكَلَّمَ فِيهِ. فَخُفِّفَ عَنْ ضَرِيبَتِهِ.
٣٩٠٨ - (١٥١٤) (٧٧) وحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ. كِلَاهُمَا عَنْ وُهَيبٍ. حَدَّثنَا ابْنُ طَاوُسٍ،
ــ
الله عليه وسلم غلامًا لنا) معاشر الْأَنصار أي غلامًا لبني بياضة وهو أبو طيبة (حجامًا) أي يعرف الحجامة فأمره بأن يحجمه (فحجمه) أي فحجم الغلام النَّبِيّ ﷺ (فأمر) عليًّا ﵁ كما مر أن يُعطى (له بصاع أو) قال الراوي بـ (مد أو) قال: بـ (مدين) شك شعبة فيما قاله حميد، ووقع في رواية آدم عنه عند البُخَارِيّ في الإجارة "بصاع أو صاعين أو مد أو مدين" وكذلك وقع الشك عنده أَيضًا في رواية سفيان وفيها "بصاع أو صاعين" ولم يذكر المد وقد تقدم في رواية إسماعيل بن جعفر أول الباب الجزم بالصاعين، وأخرجه البُخَارِيّ في البيوع من طريق مالك وفيه الجزم بالصاع ولعل السبب في هذا الاختلاف والشك أن النَّبِيّ ﷺ أعطاه صاعًا ووضع صاعًا من خراجه كما تقدم من رواية ابن أبي شيبة أن خراجه كان صاعين وإليه أشار الحافظ في الفتح [٤/ ٣٧٨] والله أعلم. ورواية الجزم بالصاعين أرجح من غيرها لجزمها وخلوها عن الشك.
(وكلم) رسول الله ﷺ مواليه (فيه) أي في شأن خراجه بأن يخففوا عنه (فخفف عنـ) ـه في (ضريبته) وجعلوا عليه كل يوم صاع تمر، قال في المصباح: وضربت عليه خراجًا إذا جعلته وظيفة والاسم الضريبة والجمع ضرائب.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث ابن عباس ﵄ فقال:
٣٩٠٨ - (١٥١٤) (٧٧) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا عفان بن مسلم) بن عبد الله الأَنْصَارِيّ أبو عثمان البَصْرِيّ، ثِقَة، من (١٠) (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا) المغيرة بن سلمة القُرشيّ (المخزومي) أبو هشام البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٩) (كلاهما) أي كل من عفان والمغيرة رويا (عن وهيب) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم أبي بكر البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٧) (حَدَّثَنَا) عبد الله (بن طاوس) اليماني
стр. 7021
عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَاسْتَعَطَ.
٣٩٠٩ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ (وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ). قَالا: أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَال: حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ
ــ
(عن أَبيه) طاوس بن كيسان اليماني (عن ابن عباس) ﵄. وهذا السند من سداسياته (أن رسول الله ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره) أي أجرة حجامته (واستعط) بوزن افتعل ماض من الاستعاط، وسينه أصلية وهو معطوف على احتجم أي واستعمل النَّبِيّ ﷺ السعوط، والسعوط بفتح السين ما يُصب على الأنف من الدواء وطريق الاستعاط أن يستلقي الرَّجل على ظهره ويجعل بين كتفيه ما يرفعهما لينحدر رأسه ويقطر في أنفه ماء أو دهنًا فيه دواء ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس، كذا في فتح الباري [١٠/ ١٢٤]. ولعل ذكر الاستعاط في هذا الحديث جاء في سياق ما تداوى به رسول الله ﷺ فذكر ابن عباس ﵄ منه الحجامة والاستعاط اهـ من التكملة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخَارِيّ [٥٦٩١] , وأبو داود [٣٤٢٣].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس ﵄ فقال:
٣٩٠٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (وعبد بن حميد) الكسي (واللفظ) الآتي (لعبد) بن حميد (قالا: أخبرنا عبد الرَّزّاق) بن همام الصَّنْعانِيّ (أخبرنا معمر) بن راشد الأَزدِيّ البَصْرِيّ (عن عاصم) بن سليمان الأحول التَّمِيمِيّ أبي عبد الرَّحْمَن البَصْرِيّ، ثِقَة من (٤) روى عنه في (١٧) بابا (عن الشعبي) عامر بن شراحيل الحميري أبي عمرو الكُوفيّ، ثِقَة، من (٣) روى عنه في (١٩) بابا (عن ابن عباس) ﵄. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة الشعبي لطاوس بن كيسان (قال) ابن عباس (حجم النَّبِيّ ﷺ بالنصب على المفعولية قدّمه على الفاعل للتنويه والتشريف (عبد) بالرفع على الفاعلية (لبني بياضة) بطن من الْأَنصار
стр. 7022
فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَجْرَهُ. وَكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عَنْهُ من ضَرِيبَتِهِ. وَلَوْ كَانَ سُحْتًا لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ ﷺ
ــ
وهو صفة لعبد (فأعطاه النَّبِيّ ﷺ أجره) أي أجرة حجامته له ﷺ (وكلم) النَّبِيّ ﷺ (سيده) أن يخفف عنه خراجه (فخفف) سيده (عنه) أي عن العبد أي وضع عنه وحط (من ضريبته) أي بعض ضريبته وخراجه، قال النووي: وحقيقة المخارجة أي صيغتها أن يقول السيد لعبده: عاقدتك على أن تكتب وتعطيني من الكسب كل يوم درهمًا مثلًا والباقي لك أو في كل أسبوع كذا وكذا ويشترط رضاهما اهـ. قال ابن عباس: (ولو كان) أجر الحجامة (سحتًا) أي حرامًا (لم يعطه النَّبِيّ ﷺ أجره لأنه إعانة على معصية، وفي قول ابن عباس هذا تقوية لمذهب الجمهور من أَجل أجرة الحجامة والله أعلم.
قال النووي: وفي هذه الأحاديث إباحة نفس الحجامة وأنها من أفضل الأدوية، وفيها إباحة التداوي دبهاباحة الأجرة على المعالجة بالتطبب، وفيها الشفاعة إلى أصحاب الحقوق والديون في أن يخففوا منها، وفيها جواز مخارجة العبد برضاه ورضاء سيده اهـ.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب تسعة أحاديث: الأول: حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين: والثاني: حديث ابن عمر الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والثالث: حديث جابر ذكره للاستشهاد به لحديث ابن عمر الثاني، والرابع: حديث عبد الله بن مغفل ذكره للاستشهاد به ثانيًا وذكر فيه متابعة واحدة، والخامس: حديث ابن عمر الثالث ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه ست متابعات، والسادس: حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد به لحديث ابن عمر الثالث وذكر فيه خمس متابعات، والسابع: حديث سفيان بن أبي زهير ذكره للاستشهاد به ثانيًا وذكر فيه متابعة واحدة، والثامن: حديث أنس بن مالك ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والتاسع: حديث ابن عباس ذكره استشهادًا لحديث أنس وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
***
стр. 7023
٥٧٥ - (١٥) باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
٣٩١٠ - (١٥١٥) (٧٨) حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى أَبُو هَمَّامٍ. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ بِالمَدِينَةِ قَال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِن الله تَعَالى يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ. وَلَعَلَّ الله سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا
ــ
٥٧٥ - (١٥) باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
٣٩١٠ - (١٥١٥) (٧٨) (حَدَّثَنَا عبيد الله بن عمر) بن ميسرة الجشمي مولاهم (القواريري) أبو شعيب البَصْرِيّ، ثِقَة، من (١٠) (حَدَّثَنَا عبد الأعلى بن عبد الأعلى) السامي أبو محمَّد البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٨) وكان إذا قيل له (أبو همام) يغضب (حَدَّثَنَا سعيد) بن إياس (الجريري) أبو مسعود البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٥) (عن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة بكسر فسكون أو بضم ففتح العبدي البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٣) (عن أبي سعيد الخُدرِيّ) سعد بن مالك ﵄. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون إلَّا أَبا سعيد الخُدرِيّ (قال) أبو سعيد: (سمعت رسول الله ﷺ حاله كونه (يخطب بالمدينة) وقوله: (قال): بدل من يخطب أي يقول في خطبته (يَا أيها النَّاس أن الله) سبحانه و (تعالى يعرض بالخمر) أي يذكر تحريمها بالتعريض وهو ضد التصريح يعني يشير إلى قبحها وكراهيتها من غير تصريح بالحرمة مما يدل على أنها سوف تجعل حرامًا (ولعل الله) تعالى (سيُنزل فيها) قريبًا (أمرًا) محتمًا لازمًا وهو التحريم، قال القرطبي: هذا التعريض وهذا التوقع إنما فهمه النَّبِيّ ﷺ من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة / ٢١٩] فإنَّه يشير من غير تصريح بالحرمة إلى استحباب تركها فإن العقل يقتضي ترك ما كان ضرره أكثر من نفعه، ومن قبيل هذا التعريض قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ فإنَّه تعالى عطف فيه الرزق الحسن على السكر فإنَّه يعرض بأن الخمر ليس من الرزق الحسن، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء / ٤٣] فإنَّه لما منع من الصلاة في حال السكر ظهر له أن هذا المنع مناسب
стр. 7024
فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيءٌ فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ". قَال: فَمَا لَبِثْنَا إلا يَسِيرًا حَتَّى قَال النَّبِيّ ﷺ : "إِنَّ الله تَعَالى حَرَّمَ الْخَمْرَ. فَمَق أَدْرَكَتْهُ هذِهِ الآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيءٌ فَلَا يَشْرَبْ وَلَا يَبعْ". قَال: فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا، في طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، فَسَفَكُوهَا
ــ
للمنع منها فتوقع ذلك اهـ (فمن كان عنده منها) أي من الخمر (شيء فليبعه ولينتفع به) أي بثمنه، وفي هذا بذل النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم لأنه ﷺ نصحهم في تعجيل الانتفاع بالخمر ما دامت حلالًا، وفيه دليل على أن شرب الخمر وبيعها كانا مباحين إباحة متلقاة من الشرع لأن النَّبِيّ ﷺ قرر أصحابه عليها وليس ذلك من باب البقاء على البراءة الأصلية لأن إقراره دليل الجواز والإباحة كما قررناه في الأصول، وفيه دليل على اغتنام فرصة المصالح المالية إذا عرضت وعلى صيانة المال وعلى بذل النصيحة والإشارة بأرجح ما يعمله من الوجوه المصلحية.
(قال) أبو سعيد الخُدرِيّ (فما لبثنا) أي ما مكثنا بعد خطبته ﷺ (إلا) زمنًا (يسيرًا حتَّى قال النَّبِيّ ﷺ : إن الله تعالى حرم الخمر) أي شربها وسائر الانتفاع بها بقوله سبحانه في سورة المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ قيل في هذه الآية دلالة على حرمة الخمر بوجوه: الأول: قصرها على الرجس وهو في اللغة القذر يعني ما الخمر إلَّا نجس في الحكم فيكون محرمًا كحرمته. والثاني: الإخبار بأنها من عمل الشيطان والذات ليس بعمل فيقدر تناولها. والثالث: الأمر بالاجتناب عنها والأمر للوجوب وهذا أبلغ في بيان تحريمها. والرابع: رجاء الفلاح بالاجتناب عنها اهـ من المبارق.
(فمن أدركته هذه الآية) المذكورة آنفًا أي من بلغته هذه الآية وهو حي بصفات المكلفين من العقل والبلوغ (وعنده منها شيء) أي والحال أن شيئًا منها عنده قليلا أو كثيرًا (فلا يشربـ) ـه (ولا يبعـ) ـه (قال) أبو سعيد: (فاستقبل النَّاس) أي فانطلق كل واحد منهم (بما كان) ووُجد (عنده منها) أي من الخمر (في طريق المدينة) أي إلى طريقها وزقاقها (فسفكوها) أي أراقوها في زقاقهم، يقال: سفك يسفك من باب ضرب إذا أراق، وقد فهمت الصَّحَابَة رضوان الله تعالى عليهم من نهيه عن الشرب والبيع أنَّه لا ينتفع بها بوجه من الوجوه ولذلك بادروا إلى إراقتها وإتلافها ولو كان فيها منفعة من
стр. 7025
٣٩١١ - (١٥١٦) (٧٨) حدثنا سُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيسَرَةَ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ وَعْلَةَ (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ)؛ أَنَّهُ جَاءَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ
ــ
المنافع الجائزة لنبه النَّبِيّ ﷺ عليها كما نبه على ما في جلد الميتة من المنفعة حين قال: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به" رواه البُخَارِيّ ومسلم وأبو داود والنَّسائيّ، وعلى هذا لا يجوز تخليلها ولا أن تعالج بالملح والسمك وإلى منع ذلك ذهب الجمهور مالك والشافعي وأَحمد وغيرهم وحُكي جواز تخليلها عن أبي حنيفة والأوزاعي والليث وقد دل على فساد هذا ما ذكرناه آنفًا وما يأتي من نهيه عن اتخاذ الخمر خلًا.
قال القاضي عياض: وفي هذا أَيضًا منع الانتفاع بها للتداوي وغير ذلك من العطش عند عدم الماء ولتجويز لقمة غُصّ بها وهو قول مالك والشافعي وغيرهما وأجاز ذلك أبو حنيفة وأَحمد وقاله بعض أصحابنا ورُوي عن الشَّافعيّ جوازه أَيضًا إذا خاف التلف وقاله أبو ثور.
(قلت): وإذا امتنع الانتفاع مطلقًا فلا يصح تملكها لمسلم ولا تقر في يده بل تُتلف عليه ويجب ذلك عليه ويتلفها الوصي على اليتيم.
وهذا الحديث انفرد به الإِمام مسلم رحمه الله تعالى.
ثم استشهد المؤلف ﵀ لحديث أبي سعيد بحديث ابن عباس ﵃ فقال:
٣٩١١ - (١٥١٦) (٧٨) (حَدَّثَنَا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي أبو محمَّد الحدثاني، صدوق، من (١٠) (حَدَّثَنَا حفص بن ميسرة) العقيلي مصغرًا أبو عمر الصَّنْعانِيّ ثم العسقلاني، ثِقَة، من (٨) (عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم مولى عمر بن الخطاب أبي عبد الله المدنِيُّ، ثِقَة، من (٣) (عن عبد الرَّحْمَن بن وعلة) السبائي المصري المعروف بابن أسميقع كما قال المؤلف: هو (رجل من أهل مصر) صدوق، من (٤) روى عنه في (٢) بابين الوضوء والبيوع (أنَّه) أي أن عبد الرَّحْمَن (جاء عبد الله بن عباس) ﵄، بالنصب على المفعولية أي جاء عبد الرَّحْمَن بن وعلة لابن عباس فسأله عن حكم الخمر. وهذا السند من خماسياته رجاله واحد منهم طائفي وواحد
стр. 7026
ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ (وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنسٍ وَغَيرُهُ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ وَغلةَ السَّبَائِيِّ (من أَهْلِ مِصْرَ)؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ؟ فَقَال ابْنُ عَبَّاسِ: إِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رَاويةَ خَمْرٍ. فَقَال لَهُ
ــ
مصري وواحد مدني وواحد صنعاني وواحد هروي، وفيه رواية تابعي عن تابعي ورواية الأكابر عن الأصاغر (ح وحدثنا أبو الطاهر) أَحْمد بن عمرو المصري (واللفظ) الآتي (له) أي لأبي الطاهر لا لسويد بن سعيد (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) المصري (أخبرني مالك بن أنس) المدنِيُّ (وغيره) أي وغير مالك بن أنس، والجهالة في المقارنة لا تضر في السند (عن زيد بن أسلم) العدوي (عن عبد الرَّحْمَن بن وعلة السبائي) قبيلة منسوبة إلى سبإ أبو قبيلة في اليمن المصري وطنًا كما قال: (من أهل مصر) المعروف بابن أسميقع -بضم أوله وسكون ثانيه وفتح الميم والقاف بينهما تحتانية ساكنة آخره عين مهملة - (أنه سأل عبد الله بن عباس عما يعصر من العنب) وفي رواية فليح عن زيد بن أسلم عند أَحْمد عن عبد الرَّحْمَن بن وعلة قال: سألت ابن عباس فقلت: إنَّا بأرض لنا بها الكروم وإن أكثر غلاتها الخمر فقال: الخ، أي سأله عن حكم عصير العنب هل هو حلال أم حرام؟ وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مصريون واثنان مدنيان وواحد طائفي، غرضه بيان متابعة مالك بن أنس لحفص بن ميسرة (فقال ابن عباس) في جواب سؤال عبد الرَّحْمَن: عصير العنب إذا أسكر فهو حرام فـ (إن رجلًا) من أصحاب رسول الله ﷺ اسمه أبو عامر الثَّقَفيّ كما هو مصرح في رواية الإِمام أبي حنيفة في جامع المسانيد [٢/ ٦١] وفي رواية القعقاع بن حكيم عند الدَّارميّ [٢/ ٤٠] , وأَحمد [١/ ٢٣٠] كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف أو دوس فلقيه بمكة عام الفتح براوية خمر يُهديها إليه، وفي رواية عبد الرَّحْمَن بن إسحاق عن زيد بن أسلم عند أَحْمد [١/ ٣٢٣] إن رجلًا خرج والخمر حلال فأهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر فأقبل يقتادها على بعير حتَّى وجد رسول الله ﷺ جالسًا فقال: "ما هذا معك؟ " قال راوية خمر: أهديتها لك الخ (أهدى لرسول الله ﷺ راوبة خمر) أي قربة ممتلئة خمرًا، والراوية هي المزادة أي القربة لأنها تروي صاحبها وقيل البعير كذا في مجمع البحار، وحكى النووي القولين ثم رجح الأول لأن الراوي سماها في أول الحديث راوية، وفي آخره مزادة (فقال له): أي للمهدي
стр. 7027
رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ الله قَدْ حَرَّمَهَا؟ " قَال: لا. فَسَارَّ إِنْسَانًا. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بِمَ سَارَرْتَهُ؟ "فَقَال: أَمَرْتُهُ بِبَيعِهَا. فَقَال: "إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيعَهَا" قَال: فَفَتَحَ الْمَزَادَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا
ــ
(رسول الله ﷺ : هل علمت) يَا صاحب الهدية (أن الله قد حرمها) أي قد حرم الخمر، قال النووي: لعل السؤال كان ليعرف حاله فإن كان عالمًا بتحريمها أنكر عليه هديتها وإمساكها وحملها وعزره على ذلك فلما أخبره أنَّه كان جاهلًا بذلك عذره، والظاهر أن هذه القضية كانت على قرب تحريم الخمر قبل اشتهار ذلك وفي هذا أن من ارتكب معصية جاهلًا تحريمها لا إثم عليه ولا تعزير اهـ من التكملة. وفي رواية أن هذا المهدي كان قد خرج من عند رسول الله ﷺ قبل تحريم الخمر ولذلك سأله رسول الله ﷺ عن ذلك، ووقع في رواية فليح عند أَحْمد فقال له رسول الله ﷺ : "هل علمت أن الله حرمها بعدك؟ " (قال) الرَّجل المهدي لرسول الله ﷺ : (لا) أي ما علمت أن الله حرمها، قال القرطبي: وقول المهدي (لا) يدل على قرب عهد التحريم بزمن الإهداء ثم إن النَّبِيّ ﷺ بيّن له الحكم ولم يوبخه ولم يذمه لأن الرَّجل كان متمسكًا بالإباحة المتقدمة ولم يبلغه الناسخ فكان ذلك دليلًا على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ بل ببلوغه كما قررناه في الأصول اهـ من المفهم (فسارَّ) الرَّجل المهدي (إنسانًا) كان معه وكان هذا الإنسان غلامًا له كما هو مصرح في رواية القعقاع عند أَحْمد وكان يقول بعيره كما هو مصرح في رواية عبد الرَّحْمَن بن إسحاق عند أَحْمد (فقال له رسول الله ﷺ : بم ساررته) إليه أي إلى جليسك (فقال) الرَّجل المهدي: (أمرته) أي أمرت جليسي (ببيعها) أي بيع هذه الخمر (فقال) له رسول الله ﷺ : (إن) الإله (الذي حرم شربها حرم بيعها، قال) ابن عباس: (ففتح) الرَّجل المهدي (المزاد) أي فم القربة (حتَّى ذهب) وخرج (ما فيها) وسال على الأرض (وقوله: بم ساررته) قال القرطبي: فيه دليل على أن العالم إذا خاف على أحد الوقوع فيما لا يجوز وجب عليه أن يستكشف عن ذلك الشيء حتَّى يتبين له وجهه ولا يكون هذا من باب التجسس بل من باب النصيحة والإرشاد اهـ من المفهم.
стр. 7028
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الأبي: قوله: (بم ساررته) فيه أن على العالم أن يكشف عما يظن أن باطنه خلاف ظاهره إذا خاف أن يجري فيه ما لا يجوز لأنه قام بباله أن مسارته في شأنها وقد سبق من جهله بالحكم ما سبق فاستكشف فإذا الأمر كما ظن وليس هذا من التجسس وكشف الأسرار وكثرة السؤال لأن المذموم من ذلك إنما هو فيما لا يختص بالإنسان ولا يلزمه القيام به.
وأما ما يختص بالإنسان أو يلزمه القيام به والنظر فيه فعليه البحث والكشف لئلا يجري من ذلك ما يضره أو يضاف إليه ما لا يرضاه اهـ منه، وقوله: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها) الذي هنا كناية عن اسم الله تعالى فكأنه قال إن الله حرم شربها وحرم بيعها، ويحتمل أن يكون معناه إن الذي اقتضى تحريم شربها اقتضى تحريم بيعها إذ لا تراد إلا للشرب فإذا حرم الشرب لم يجز البيع لأنه يكون من أكل المال الباطل، وقد دل على صحة هذا المعنى قوله ﷺ : "إن الله إذا حرم على قوم شيئًا حرم عليهم ثمنه" يعني شيئًا يؤكل أو يُشرب لأن ذلك هو السبب الذي خُرّج عليه الحديث ويلحق به كل محرم نجس لا منفعة فيه واختلف في جواز بيع ما فيه منفعة منها كالأزبال والعذرة فحرّم ذلك الشَّافعيّ ومالك وجل أصحابنا وأجاز ذلك الكوفيون والطبري وذهب آخرون إلى إجازة ذلك للمشتري دون البائع ورأوا أن المشتري أعذر من البائع لأنه مضطر إلى ذلك، رُوي ذلك عن بعض أصحابنا وهي قولة عن الشَّافعيّ اهـ من المفهم. وقوله: (ففتح المزادة) أي القربة التي فيها الخمر سماها مرة براوية ومرة بمزادة وهما بمعنى قال الفيومي: وربما قيل مزاد بلا هاء اهـ، قال القرطبي: قوله: (ففتح المزادة حتَّى ذهب ما فيها) فيه دليل على أن أواني الخمر إذا لم تكن مضراة بالخمر (الضاري من الآنية الذي ضري بالخمر أي اشتد فإذا جعل فيه النبيذ صار مسكرًا) أنَّه يجوز استعمالها في غير الخمر إذا غسلت ألا ترى أن النَّبِيّ ﷺ لم ينكر عليه إبقاءها عنده ولا أمره بشقها ولو كانت نجسة لا يطهرها الغسل لأمره بشقها وتقطيعها كما فعل أبو طلحة لما قال لأنس: قم إلى هذه الجرار فكسِّرها، قال أنس: فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتَّى تكسَّرت اهـ من المفهم. وذكر النووي عن القاضي أن المسارر الذي خاطبه النَّبِيّ ﷺ هو الرَّجل الذي أهدى الراوية كذا جاء مبينًا في غير هذه الرواية وأنه رجل من دوس وغلط من ظن أنَّه رجل آخر اهـ وفي رواية قتيبة عن
стр. 7029
٣٩١٢ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي سُلَيمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ وَعْلَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . مِثْلَهُ.
٣٩١٣ - (١٥١٦) (٨٠) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَال زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا. وَقَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ
ــ
مالك عند النَّسائيّ (ففتح المزادتين) ويمكن الجمع بينهما بأن اللام في حديث الباب للجنس، وفي رواية القعقاع عند الدَّارميّ وأَحمد فأمر بها فأُفرغت في البطحاء، وفي رواية عبد الرَّحْمَن بن إسحاق عند أَحْمد فأمر بعزال المزادة ففُتحت فخرجت في التُّراب فنظرت إليها في البطحاء ما فيها شيء.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أَحْمد [١/ ٣٢٣] , والنَّسائيّ [٧/ ٣٠٧].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه فقال:
٣٩١٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب أخبرنا سليمان بن بلال) التَّيميّ المدنِيُّ (عن يحيى بن سعيد) الأَنْصَارِيّ (عن عبد الرَّحْمَن بن وعلة عن عبد الله بن عباس) ﵄ (عن رسول الله ﷺ وساق يحيى بن سعيد (مثله) أي مثل ما روى زيد بن أسلم عن عبد الرَّحْمَن بن وعلة، غرضه بيان متابعة يحيى بن سعيد لزيد بن أسلم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي سعيد الخُدرِيّ بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما فقال:
٣٩١٣ - (١٥١٦) (٨٠) (حَدَّثَنَا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم قال زهير: حَدَّثَنَا وقال إسحاق: أخبرنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضَّبِّيّ الكُوفيّ، ثِقَة، من (٨) (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب الكُوفيّ، ثِقَة، من (٥) روى عنه في (١٩) بابا (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح مصغرًا الهمداني الكُوفيّ، ثِقَة، من (٤) (عن مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبي عائشة الكُوفيّ، ثِقَة، من (٢) (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم كوفيون
стр. 7030
قَالت: لَمَّا نَزَلَتِ الآيَاتُ من آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاقْتَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ. ثُمَّ نَهَى عَنِ التِّجَارَةِ في الْخَمْرِ.
٣٩١٤ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أبي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لأبِي كُرَيبٍ) (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ) عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ:
ــ
وواحد مدني وواحد إما نسائي أو مروزي (قالت) عائشة: (لما نزلت) في تحريم الربا كما سيصرح به في الرواية الآتية (الآيات) الكائنة (من آخر سورة البقرة) تعني قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الآيات (خرج رسول الله ﷺ من حجرته إلى المسجد كما هو مصرح به في الرواية الآتية (فاقترأهن) أي قرأ تلك الآيات (على النَّاس) فافتعل هنا لمبالغة معنى الثلاثي كما مر في كتاب الإيمان (ثم) بعد نزول تلك الآيات (نهى) رسول الله صلى الله عليه وسأنهي تحريم (عن التجارة في الخمر) لأنها نجسة العين فلا يصح بيعها لعدم ماليتها لكن تحريم الخمر كما في النووي نقلًا عن القاضي هو في سورة المائدة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهي نزلت قبل آية الربا بمدة طويلة فإن آية الربا آخر ما نزل أو من آخر ما نزل فيحتمل أن يكون هذا النهي عن التجارة فيها متأخرًا عن تحريمها، ويحتمل أنَّه أخبر بتحريم التجارة حين حُرمت الخمر ثم أخبر به مرة أخرى بعد نزول آية الربا توكيدًا ومبالغة في إشاعته ولعله حضر المجلس من لم يكن بلغه تحريم التجارة فيها قبل ذلك والله أعلم اهـ نووي.
وهذا الحديث انفرد به الإِمام مسلم رحمه الله تعالى عن سائر أصحاب الأمهات.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه فقال:
٣٩١٤ - (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُريب وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لأبي كُريب قال إسحاق: أخبرنا وقال الآخران: حَدَّثَنَا أبو معاوية عن الأَعمش عن مسلم) بن صبيح أبي الضحى (عن مسروق عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلَّا إسحاق بن إبراهيم وعائشة رضي الله تعالى عنها، غرضه بيان متابعة الأَعمش لمنصور بن المعتمر (قالت) عائشة
стр. 7031
لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، في الرِّبَا، قَالت: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ في الْخَمْرِ.
٣٩١٥ - (١٥١٧) (٧١) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثنَا لَيثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ,
ــ
(لما أنزلت) بالبناء للمجهول (الآيات) التي (من آخر سورة البقرة في الربا قالت): توكيد لفظي لقال الأول (خرج رسول الله ﷺ من حجرته (إلى المسجد فحرم التجارة في الخمر) ونهى عنها.
(تتمة): وقد فهم الجمهور من تحريم الخمر وبيعها والمنع من الانتفاع بها واستخباث الشرع لها وإطلاق الرجس عليها والأمر باجتنابها الحكم بنجاستها، وخالفهم في ذلك ربيعة -وحده من السلف- فرأى أنها طاهرة وأن المحرّم إنما هو شربها وهو قول يرده ما تقدم وما كان يليق بأصول ربيعة فإنَّه قد علم أن الشرع قد بالغ في ذم الخمر حتَّى لعنها وعشرة بسببها رواه التِّرْمِذِيّ، وأمرنا باجتنابها وبالغ في الوعيد عليها فمن المناسب بتصرفات الشرع الحكم بتنجيسها مبالغة في المباعدة عنها وحماية لقربانها فإن قيل: التنجيس حكم شرعي ولا نص فيه فلا يلزم من كون الشيء محرمًا أن يكون نجسًا فكم من محرم في الشرع ليس بنجس؟ فالجواب أنها وإن لم يكن فيها نص بالوضع المتحد لكن فيها ما يدل دلالة النصوصية بمجموع قرائن الآية ومساقها ويعرف ذلك من تصفح الآية وتفهمها ثم ينضاف إلى الآية جملة ما ذكرناه فيحصل اليقين بالحكم بتنجيسها وقوله: لا يلزم من الحكم بالتحريم الحكم بالتنجيس، قلنا: لم نستدل بمجرد التحريم بل بتحريم مستخبث شرعي يحرم شربه فيكون نجسًا كالبول والدم وهذا هو الأولى بربيعة فإنَّه الملقب بـ (ربيعة الرأي) والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أبي سعيد الخُدرِيّ في تحريم بيع الخمر واستدل على تحريم بيع الميتة والخنزير والأصنام بحديث جابر ﵁ فقال:
٣٩١٥ - (١٥١٧) (٧١) (حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد حَدَّثَنَا ليث) بن سعد الفهمي المصري (عن يزيد بن أبي حبيب) اسمه سويد مولى شريك بن الطفيل الأَزدِيّ المصري
стр. 7032
عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَن جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكةَ: "إِن اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيعَ الْخَمْرِ وَالمَيتَةِ
ــ
عالمها، ثقة، من (٥) (عن عطاء بن أبي رباح) اسمه أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة، من (٣) (عن جابر بن عبد الله) ﵄. وهذا السند من خماسياته (أنه) أي أن جابرًا (سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح: وهو) ﷺ (بمكة) المكرمة زادها الله تعالى شرفًا، قال العيني: وهذه الجملة حالية فيها بيان تاريخ ذلك وكان ذلك في رمضان سنة ثمان من الهجرة، ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك ثم أعاده ﷺ ليسمعه من لم يكن سمعه اهـ (أن الله ورسوله حرم) قال القرطبي: كذا صحت الرواية مسندًا إلى ضمير الواحد وكان أصله حرما بضمير التثنية لأنه تقدمه اثنان لكن تأدب النبي ﷺ فلم يجمع بينه وبين اسم الله تعالى بضمير الاثنين لأن هذا من نوع ما رده على الخطيب الذي قال: ومن يعصهما فقد غوى فقال له: "بئس الخطيب أنت، قل ومن يعص الله ورسوله" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي، وقد قدمنا الكلام عليه في كتاب الصلاة (بيع الخمر) وهذا الحديث يدل على أن تحريم الخمر كان متقدمًا على فتح مكة كما مر آنفًا، والخمر كل شراب يسكر من أي شيء كان من عنب أو غيره فيحرم بيع قليله وكثيره وقد قدّمنا أن تحريم نَفْعه معلل بنجاسته وأنه ليس فيها منفعة مسوغة شرعًا.
(و) بيع (الميتة) بفتح الميم وهي كل ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية سواء كانت مذكاة أو ماتت حتف أنفها فيحرم بيع جميع أجزائها حتى عظمها وقرنها ولا يستثنى عندنا منها شيء إلا ما لا تحله الحياة كالشعر والصوف والوبر فإنه طاهر من الميتة وينتزع من الحيوان في حال حياته وهو قول مالك وأبي حنيفة، وزاد أبو حنيفة وابن وهب من أصحابنا على ذلك أن العظم من الفيل وغيره والسن والقرن والظلف كلها لا تحلها الحياة فلا تنجس بالموت، والجمهور على خلافهما في العظم وما ذكر معه فإنها تحله الحياة وهو الصحيح فإن العظم والسن يألم وتحس به الحرارة والبرودة بخلاف الشعر وهذا معلوم بالضرورة فأما أطراف القرون والأظلاف وأنياب الفيل فاختلف فيها فهل حكمها حكم أصولها فتنجس أو حكمها حكم الشعر على قولين، وأما الريش فالشعري
стр. 7033
وَالخِنزِيرِ
ــ
منه شعر وأسفله عظم ومتوسطه هل يلحق بأطرافه أو بأصله فيه قولان لأصحابنا، وقد قال بنجاسة الشعر الحسن البصري والليث بن سعد والأوزاعي لكنها تطهر بالغسل عندهم فكأنها عندهم نجسة بما يتعلق بها من رطوبات الميتة وإلى نحو من هذا ذهب ابن القاسم في أنياب الفيل فقال: تطْهُر إن سُلقت بالماء، وعن الشافعي في الشعر ثلاث روايات إحداها أن الشعر ينجس بالموت، والثانية: أنها طاهرة كقولنا، والثالثة: أن شعر ابن آدم وحده طاهر وأن ما عداه نجس اهـ من المفهم.
وأما جلود الميتة فلا تُباع قبل الدباغ ولا ينتفع بها لأنها كلحم الميتة ولقوله ﷺ : "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأما بعد الدباغ فمشهور مذهب مالك أنها لا تطهر بالدباغ وإنما يُنتفع بها وهو مذهب جماعة من أهل العلم وعلى هذا فلا يجوز بيعها ولا الصلاة عليها ولا بها ولا ينتفع بها إلا في اليابسات دون المائعات إلا في الماء وحده، وذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أنها تطهُر طهارة مطلقة وأنه يجوز بيعها والصلاة عليها وبها وإليه ذهب الشافعي ومالك في رواية ابن وهب وهو الصحيح لقوله ﷺ : "أيما إهاب دُبغ فقد طهر" رواه أصحاب السنن، ولقوله ﷺ : "دباغ الإهاب طهوره" رواه أحمد وابن حبان وغير ذلك وكلها صحيح اهـ من المفهم.
واستدل بهذا الحديث أيضًا على أنه لا يجوز بيع ميتة الآدمي مطلقًا سواء فيه المسلم والكافر، أما المسلم فلشرفه وفضله حتى إنه لا يجوز الانتفاع بشيء من شعره وجلده وجميع أجزائه، وأما الكافر فلأن نوفل بن عبد الله بن المغيرة لما اقتحم الخندق وقُتل غلب المسلمون على جسده فأراد المشركون أن يشتروه فقال النبي ﷺ : "لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه" فخلى بينهم وبينه. ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل السير رواه ابن أبي شيبة، قال ابن هشام: أعطوا رسول الله ﷺ بجسده عشرة آلاف درهم فيما بلغني عن الزهري، وروى الترمذي من حديث ابن عباس أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبى النبي ﷺ أن يبيعهم كذا في عمدة القاري [٥/ ٦٠٦].
(و) حرم بيع (الخنزير) وهو الحيوان المعروف البري ولا تعرف العرب في البحر
стр. 7034
وَالأَصْنَامِ "
ــ
خنزيرًا، وقد سُئل مالك عن خنزير الماء فقال: أنتم تسمونه خنزيرًا أي لا تسميه العرب بذلك، وقد اتقاه مرة أخرى على جهة الورع والله تعالى أعلم. فأما البري فلا خلاف في تحريمه وتحريم بيعه وأنه لا تعمل فيه الذكاة ومن هنا قال كافة العلماء: إن جلده لا يُطهره الدباغ وإنما يطهر الدباغ جلد ما تعمل الذكاة في حيه، وألحق الشافعي بالخنزير الكلب فلا يُطهِّر جلده الدباغ عنده، وقال الأوزاعي وأبو ثور: إنما يُطفر الدباغ جلد ما يؤكل لحمه، وقد أجاز مالك تذكية السباع والفيل لأخذ جلودها وهذا إنما يتمشى على قوله بكراهة لحمها، وأما على ما قاله في الموطأ من أن السباع حرام فلا تعمل الذكاة فيها فلا تطهّر جلودها بالدباغ كالخنزير وقد شذ داود وأبو يوسف فقالا: إنه يطهر بالدباغ كل حيوان حتى الخنزير ومتمسكهما قوله ﷺ : "أيما إهاب دُبغ فقد طهر" ويعتضد أبو يوسف بقياس جلد الخنزير على جلد الميتة وينفصل الجمهور عنهما بأن هذا العموم محمول على نوع السبب الذي أخرجه وهو ميتة ما تعمل فيه الذكاة وبأن جلد الخنزير نادر لا يخطر بالبال حالة الإطلاق فلا يُقصد بالعموم كما قررناه في أصول الفقه وبأنه لا يقال: إهاب إلا على جلد ما يؤكل لحمه كما قاله النضر بن شميل، وأما القياس فليس بصحيح لوجود الفرق وذلك أن الأصل ميتة ما تعمل فيه الذكاة والفرع ميتة ما لا تعمل الذكاة فيه فكانت أغلظ وأفحش اهـ من المفهم.
(و) حرم بيع (الأصنام) فهي الصورة المتخذة للعبادة ولا خلاف في تحريم اتخاذها وبيعها وأنه يجب كسرها وتغييرها وكذلك كل صورة مجسدة كانت صورة ما يعقل أو ما لا يعقل، وأما ما كان رقمًا في ثوب أو حائط ففيه تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى، والأصنام جمع صنم وهو الوثن وفرّق بعضهم بينهما بأن الوثن ما له جثة والصنم ما كان مصورًا فبينهما عموم وخصوص وجهي فإن كانت الجثة مصورة فهي وثن وصنم جميعًا كما في فتح الباري [٤/ ٣٤١] وظهر من ذلك أن الصورة إذا لم يكن لها جثة كالصور المرسومة على القرطاس وغيره داخلة في الأصنام وإن لم تكن داخلة في الأوثان فلا يجوز بيعها واتخاذها بهذا الحديث ولكن هذا المنع إنما هو في بيع الصورة بقصد الصورة وإذا كسر الصنم وأمكن الانتفاع برضاضه فبيعه جائز عند بعض الحنفية والشافعية وكذا الحكم في الصلبان كما في عمدة القاري [٥/ ٦٠٦] والصلبان جمع صليب وهو كل ما نُحت على صورة آدمي وعبد كصورة عيسى ومريم، والوثن كل صورة مجسدة سواء
стр. 7035
فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيتَ شُحُومَ الْمَيتَةِ فَإِنهُ يُطلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُود ويسْتَصْبحُ بِهَا الناسُ؟ فَقَال: "لَا. هُوَ حَرَامٌ"
ــ
كانت على صورة حيوان كالعجل أم لا كالشجر والحجر، والصنم كل ما عُبد من دون الله تعالى سواء كان له جثة أم لا كذا فرّق بينهما بعضهم.
(فقيل): أي قال بعض الحاضرين لرسول الله ﷺ : ولم أر من ذكر اسم هذا القائل (يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة) أي أخبرنا عن حكمها هل يجوز بيعها أم لا؟ (فإنه) أي فإن الشأن والحال (يُطلى) ويُلطخ (بها) أي بشحوم الميتة (السفن) أي الفلك الجارية في البحر لئلا ينخرق ويتأكل ألواحها في الماء (وبُدهن بها الجلود) الصلبة لتلين (ويستصبح) أي يستضيء (بها الناس) في مصابيحهم أي فهل يجوز بيعها لما ذُكر من المنافع فإنها مقتضية لصحة البيع اهـ من الفتح (فقال) رسول الله ﷺ في جواب السائل: (لا) تبيعوها (هو) أي بيعها لهذه الأغراض وغيرها (حرام) أي ممنوع إذ كانت نجسة نظيرها الدم والخمر مما يحرم بيعه وأكل ثمنه، وقال القرطبي: وهذا نص في أنه يحرم بيعها وإن كانت فيها منافع وذلك لأنها جزء من الميتة كاللحم أو هي كالشحم مع اللحم فإنه عنه يكون ولا يلزم من تحريم بيعها والحكم بنجاستها أن لا يجوز الانتفاع بها على ما قدمناه وهذا هو الذي يتمشى على مذهب مالك فإنه قد أجاز الانتفاع بما ماتت فيه ميتة من المائعات كالزيت والسمن والعسل وغير ذلك مع الحكم بنجاسته فقال: يُعمل من الزيت النجس الصابون ويستصبح به في غير المساجد ويُعلف العسل النحل ويُطعم النجس الماشية وإلى نحو ذلك ذهب الشافعي والثوري وأبو حنيفة ورُوي عن علي وابن عمر، وفرّق بعض أهل العلم بين شحوم الميتة وبين ما تنجس بما وقع فيه من النجاسة فقال: لا ينتفع بالشحوم لأنها نجسة لعينها بخلاف ما تنجس بما وقع فيه فإنه ينتفع به لأن نجاسته ليست لعينه بل عارضة اهـ من المفهم.
وقوله: (يُطلى بها السفن) الخ ذُكرت ها هنا للانتفاع بشحم الميتة ثلاث طرق: الأولى: تطلية السفن ولعلهم كانوا يفعلون ذلك لصيانة السفن عن مضار هواء البحر، والثانية: إدهان الجلود بها وكانوا يضمدون شحم الميتة على الجلود لإحكامها وفي قوله: يُدهن بها الجلود نسختان تشديد الدال على كونه من باب الافتعال وتشديد الهاء على كونه من باب التفعيل ذكرهما علي القاري في المرقاة [٦/ ٣٩] والطريقة الثالثة: هي
стр. 7036
ثُم قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عِنْدَ ذلِكَ: "قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ. إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيهِمْ شُحُومَهَا. أَجْمَلُوهُ ثُم بَاعُوهُ. فَكُلُوا ثَمَنَهُ".
٣٩١٦ - (٠٠) (٠٠) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيبَةَ وَابْنُ نُمَيرٍ. قَالا: حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ،
ــ
الاستصباح يعني تنوير المصابيح بها وإيقاد السرج منها، والمقصود أن شحم الميتة يُنتفع به بهذه الطرق فهل يجوز بيعها؟ (فقال: لا هو حرام) قال أكثر الشافعية إن هذا الضمير المرفوع راجع إلى بيع الشحم دون الانتفاع به فيجوز عندهم الانتفاع بشحم الميتة بالطرق المذكورة أو بغيرها ولكن لا يجوز بيعه كما صرح به النووي والحافظ وغيرهما، وأما الجمهور ومنهم الحنفية فعلى أن شحم الميتة لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به أصلًا فكأنهم جعلوا الضمير راجعًا إلى الانتفاع بالطريق المذكورة ويؤيد الجمهور لفظ ابن ماجه (لا هن حرام).
(ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك) أي عند سؤالهم عن شحوم الميتة أي ثم قال بعد جوابهم عن سؤالهم (قاتل الله اليهود) أي لعنهم الله تعالى، وقد جاء مصرحًا به في الرواية. الأخرى وكذا قاله ابن عباس، وقال غيره عاداهم (أن الله لما حزم عليهم شحومها أجملوه) أي أذابوا الشحم، وفي رواية اجتملوها والإجمال والتجميل والجمل من باب نصر إذابة الشحم والجميل الشحم يذاب ويقطر على الخبز (ثم باعوه فكلوا ثمنه) وإنما فعلوا ذلك ليزول عنه اسم الشحم ويصير ودكًا فإن العرب إنما تسميه شحمًا قبل الإذابة وأما بعد الإذابة فهو ودك اهـ من المرقاة [٦/ ٤٠] ودل الحديث على أن مجرد تغير الاسم لا يؤثر في حال الشيء وحرمته ما لم تتغير حقيقته.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٣٢٦]، والبخاري [٢٢٣٦]، وأبو داود [٣٤٨٦]، والترمذي [١٢٩٧]، والنسائي [٧/ ٣٠٩]، وابن ماجه [٢١٦٧].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٩١٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة و) محمد (بن نمير قالا: حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (عن عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن
стр. 7037
عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيب، عَن عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ. قَال: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَ الفَتْحِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنى. حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ (يَعْنِي آَبَا عَاصِمِ) عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ. حَدَّثَنِي يَزِيدُ بن أَبِي حَبِيبِ. قَال: كَتَبَ إِليَّ عَطَاءٌ؛ أنهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، عَامَ الْفَتْحِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيثِ.
٣٩١٧ - (١٥١٨) (٨٢) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظ لأبِي بَكْرٍ). قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
ــ
رافع الأنصاري أبي الفضل المدني، صدوق، من (٦) (عن يزيد بن أبي حبيب) سويد الأزدي المصري، من (٥) (عن عطاء) بن أبي رباح (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري ﵄. وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة عبد الله بن جعفر لليث بن سعد (قال) جابر (سمعت رسول الله ﷺ عام الفتح) سنة ثمان من الهجرة (ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا الضحاك) بن مخلد الشيباني (يعني أبا عاصم) النبيل البصري، ثقة ثبت، من (٩) (عن عبد الحميد) بن جعفر الأنصاري المدني، من (٦) (حدثني يزيد بن أبي حبيب قال) يزيد: (كتب إليّ عطاء) فيه تصريح بأن يزيد بن أبي حبيب لم يسمعه من عطاء وإنما كتب به إليه فالعنعنة في الرواية السابقة محمولة على الكتابة والله أعلم (أنه) أي أن عطاء (سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عام الفتح) وساق عبد الحميد بن جعفر (بمثل حديث الليث) بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث جابر بحديث ابن عباس ﵃ فقال:
٣٩١٧ - (١٥١٨) (٨٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لأبي بكر قالوا): أي قال كل من الثلاثة (حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو) بن دينار الجمحي المكي (عن طاوس) بن كيسان اليماني (عن ابن عباس) ﵄ عن عمر بن الخطاب ﵁. وهذا السند من سداسياته لأنه من رواية عمر عن النبي ﷺ وفيه رواية صحابي عن صحابي وتابعي عن
стр. 7038
قَال: بَلَغَ عُمَرَ أَن سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا. فَقَال: قَاتَلَ اللهُ سَمُرَةَ. ألَمْ يَعْلَمْ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ. حُرِّمَت عَلَيهِمُ الشحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا"
ــ
ـ
تابعي (قال) ابن عباس: (بلغ عمر) بن الخطاب في زمن خلافته (أن سمرة) بن جندب ﵁ كما وقع مصرحًا في رواية الزعفراني عند البيهقي (باع خمرًا) واختلف العلماء في كيفية بيع سمرة بن جندب الخمر على أربعة أقوال: الأول: أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم معتقدًا جواز ذلك حكاه ابن الجوزي عن ابن ناصر ورجحه، والثاني: أنه باع العصير ممن يتخذه خمرًا والعصير يسمى خمرًا كما قد يسمى العنب به لأنه يؤول إليه، والثالث: أنه خلل الخمر ثم باع الخل معتقدًا جوازه كما هو مذهب أبي حنيفة، وأما إنكار عمر ذلك على سمرة فيمكن أنه لا يجوز التخليل عنده كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، والرابع: أن سمرة علم بتحريم الخمر ولم يعلم تحريم بيعها ولذلك اقتصر عمر ﵁ على ذَمّه دون عقوبته.
وقد رجح القرطبي وابن الجوزي الوجه الأول، ثم ذكر ابن الجوزي أن سمرة كان واليًا لعمر على البصرة ولكن رد عليه الحافظ في الفتح [٤/ ٣٤٤] بأن سمرة إنما ولي على البصرة لزياد وابنه عبيد الله بعد عمر بدهر وولاة البصرة لعمر قد ضبطوا وليس منهم سمرة، ويحتمل أن يكون بعض أمرائها استعمل سمرة على قبض الجزية والله أعلم هذا ملخص ما في فتح الباري.
(فقال) عمر: (قاتل الله سمرة) قال ابن الأثير في جامع الأصول: [١/ ٤٥١] أي قتله الله وهو في الأصل فاعَل من القتل ويستعمل في الدعاء على الإنسان وقيل معناه عاداه الله والأصل الأول. (قلت): وربما تطلق هذه الكلمة ولا يراد بها معناها الأصلي ولا الدعاء على الإنسان وإنما تطلق على طريق البساطة في الكلام كقولهم: تربت يمينك، وتربت يداك، وويحك، وويلك، فالظاهر أن عمر ﵁ إنما أطلقها بهذا الطريق ولم يرد بها الدعاء حقيقة وهو الظن بالصحابة رضوان الله عليهم (ألم يعلم) سمرة (أن رسول الله ﷺ قال: لعن الله اليهود حُرّمت عليهم الشحوم) أي شحوم الميتة (فجملوها) أي أذابوها (فباعوها) يعني بالحيلة المذكورة من إذابة الشحم ليزول عنه اسم الشحم لأنه يسمى حينئذٍ ودكًا كما مر فأكلوا أثمانها، قال ابن الأثير:
стр. 7039
٣٩١٨ - (٠٠) (٠٠) حدثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع. حَدَّثَنَا رَوْحٌ (يَعْنِي ابْنَ الْقَاسِمِ) عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٣٩١٩ - (١٥١٩) (٨٣) حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ،
ــ
ـ
وجمل في هذا المعنى أفصح من أجمل وذكره العيني قال الشاعر:
قد كنت قدمًا مثريًا متموِّلًا ... متجملًا متعففًا متدينا
فالآن صرت وقد عدمت تمولي ... متجملًا متعففًا متدينا
أي كنت ذا ثروة وزينة وعفة وديانة فصرت آكل شحم مذاب وشارب عفافة وهي بالضم بقية ما في الضرع من اللبن وذا دين اهـ من بعض الهوامش. قال أبو عبيد: يقال: جملت من باب نصر وأجملت من باب أفعل واجتملت من باب افتعل كلها بمعنى الإذابة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٢٤٢]، والبخاري [٢٢٢٣]، وأبو داود [٣٤٨٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه فقال:
٣٩١٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أمية بن بسطام) بالصرف وعدمه العيشي أبو بكر البصري، صدوق، من (١٠) (حدثنا يزيد بن زريع) مصغرًا التميمي العيشي أبو معاوية البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا روح يعني ابن القاسم) التميمي العنبري أبو غياث البصري، ثقة، من (٦) (عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي، ثقة، من (٤) (بهذا الإسناد) يعني عن طاوس عن ابن عباس عن عمر ﵃ وساق روح بن القاسم (مثله) أي مثل ما روى سفيان بن عيينة، غرضه بيان متابعة روح بن القاسم لسفيان بن عيينة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث جابر بحديث أبي هريرة ﵄ فقال:
٣٩١٩ - (١٥١٩) (٨٣) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أخبرنا روح بن عبادة) بن العلاء القيسي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا ابن جريج أخبرني ابن شهاب
стр. 7040
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَال: "قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ. حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِمُ الشُحُومَ فَبَاعُوهَا وَأكلُوا أَثْمَانَهَا"
ــ
ـ
عن سعيد بن المسيب) المخزومي المدني (أنه) أي أن سعيدًا (حدّثه) أي حدّث لابن شهاب (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد مكي وواحد بصري وواحد مروزي (عن رسول الله ﷺ قال: قاتل الله) أي لعن الله (اليهود حرم الله) سبحانه (عليهم الشحوم) أي شحوم الميتة فأذابوها (فباعوها وأكلوا أثمانها) بالحيلة المذكورة من إذابة الشحم، واستدل به من حرّم استعمال الحيل مطلقًا، والحق كما قال الألوسي في روح البيان [٢٣/ ٢٠٩] تحت قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ أن الحيلة كما أوجبت إبطال حكمة شرعية لا تقبل كحيلة سقوط الزكاة وسقوط الاستبراء وأما إذا توصل بها الرجل إلى ما يجوز فعله ودفع المكروه بها عن نفسه وعن غيره فلا باس بها، وقال السرخسي ﵀ في كتاب الحيل من المبسوط [٣٠/ ٢١٠] فالحاصل أن ما يتخلص به الرجل من الحرام أو يتوصل به إلى الحلال من الحيل فهو حسن وإنما يكره ذلك أن يحتال في حق الرجل حتى يبطله أو في باطل حتى يموهه أو في حق حتى يدخل فيه شبهة فما كان على هذا السبيل فهو مكروه وما كان على السبيل الذي قلنا أولًا فلا بأس به، واستدل على جواز الحيلة المشروعة بقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ فإن ذلك تعليم حيلة، وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ فإنه حيلة وجاء السرخسي رحمه الله تعالى بعدة أحاديث وآثار تدل على جوازها.
وقال صاحب التكملة: ومن أقوى ما يدل على جواز الحيلة المشروعة ما أخرجه الشيخان والنسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة أن رسول الله ﷺ استعملى رجلًا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب فقال: أكل تمر خيبر هكذا، قال: إنا لنأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة، قال: لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا، وسيأتي الحديث عند المصنف في باب بيع الطعام مثلًا بمثل وإنما هو تعليم حيلة للتوصل إلى طريق حلال فما كان من هذا القبيل فهو جائز قطعًا وأما حيلة اليهود في تحليل السبت وبيع الشحوم وأكل ثمنها فكانت من قبيل إبطال الحكمة الشرعية فإن الشريعة قصدت منعهم عن الصيد يوم السبت وعن أكل الشحوم وبيعها ففعلوا ما حصل منه ذلك بعينه وإنما غيّروا الطريق أو التعبير وقدمنا أن مجرد تغيير الاسم لا يؤثر في حل
следующие страницы →