Полный текст (11 982 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.
стр. 7036
ثُم قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عِنْدَ ذلِكَ: "قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ. إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيهِمْ شُحُومَهَا. أَجْمَلُوهُ ثُم بَاعُوهُ. فَكُلُوا ثَمَنَهُ".
٣٩١٦ - (٠٠) (٠٠) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيبَةَ وَابْنُ نُمَيرٍ. قَالا: حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ،
ــ
الاستصباح يعني تنوير المصابيح بها وإيقاد السرج منها، والمقصود أن شحم الميتة يُنتفع به بهذه الطرق فهل يجوز بيعها؟ (فقال: لا هو حرام) قال أكثر الشافعية إن هذا الضمير المرفوع راجع إلى بيع الشحم دون الانتفاع به فيجوز عندهم الانتفاع بشحم الميتة بالطرق المذكورة أو بغيرها ولكن لا يجوز بيعه كما صرح به النووي والحافظ وغيرهما، وأما الجمهور ومنهم الحنفية فعلى أن شحم الميتة لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به أصلًا فكأنهم جعلوا الضمير راجعًا إلى الانتفاع بالطريق المذكورة ويؤيد الجمهور لفظ ابن ماجه (لا هن حرام).
(ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك) أي عند سؤالهم عن شحوم الميتة أي ثم قال بعد جوابهم عن سؤالهم (قاتل الله اليهود) أي لعنهم الله تعالى، وقد جاء مصرحًا به في الرواية. الأخرى وكذا قاله ابن عباس، وقال غيره عاداهم (أن الله لما حزم عليهم شحومها أجملوه) أي أذابوا الشحم، وفي رواية اجتملوها والإجمال والتجميل والجمل من باب نصر إذابة الشحم والجميل الشحم يذاب ويقطر على الخبز (ثم باعوه فكلوا ثمنه) وإنما فعلوا ذلك ليزول عنه اسم الشحم ويصير ودكًا فإن العرب إنما تسميه شحمًا قبل الإذابة وأما بعد الإذابة فهو ودك اهـ من المرقاة [٦/ ٤٠] ودل الحديث على أن مجرد تغير الاسم لا يؤثر في حال الشيء وحرمته ما لم تتغير حقيقته.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٣٢٦]، والبخاري [٢٢٣٦]، وأبو داود [٣٤٨٦]، والترمذي [١٢٩٧]، والنسائي [٧/ ٣٠٩]، وابن ماجه [٢١٦٧].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٩١٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة و) محمد (بن نمير قالا: حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (عن عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن
стр. 7037
عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيب، عَن عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ. قَال: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَ الفَتْحِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنى. حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ (يَعْنِي آَبَا عَاصِمِ) عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ. حَدَّثَنِي يَزِيدُ بن أَبِي حَبِيبِ. قَال: كَتَبَ إِليَّ عَطَاءٌ؛ أنهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، عَامَ الْفَتْحِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيثِ.
٣٩١٧ - (١٥١٨) (٨٢) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظ لأبِي بَكْرٍ). قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
ــ
رافع الأنصاري أبي الفضل المدني، صدوق، من (٦) (عن يزيد بن أبي حبيب) سويد الأزدي المصري، من (٥) (عن عطاء) بن أبي رباح (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري ﵄. وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة عبد الله بن جعفر لليث بن سعد (قال) جابر (سمعت رسول الله ﷺ عام الفتح) سنة ثمان من الهجرة (ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا الضحاك) بن مخلد الشيباني (يعني أبا عاصم) النبيل البصري، ثقة ثبت، من (٩) (عن عبد الحميد) بن جعفر الأنصاري المدني، من (٦) (حدثني يزيد بن أبي حبيب قال) يزيد: (كتب إليّ عطاء) فيه تصريح بأن يزيد بن أبي حبيب لم يسمعه من عطاء وإنما كتب به إليه فالعنعنة في الرواية السابقة محمولة على الكتابة والله أعلم (أنه) أي أن عطاء (سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عام الفتح) وساق عبد الحميد بن جعفر (بمثل حديث الليث) بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث جابر بحديث ابن عباس ﵃ فقال:
٣٩١٧ - (١٥١٨) (٨٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لأبي بكر قالوا): أي قال كل من الثلاثة (حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو) بن دينار الجمحي المكي (عن طاوس) بن كيسان اليماني (عن ابن عباس) ﵄ عن عمر بن الخطاب ﵁. وهذا السند من سداسياته لأنه من رواية عمر عن النبي ﷺ وفيه رواية صحابي عن صحابي وتابعي عن
стр. 7038
قَال: بَلَغَ عُمَرَ أَن سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا. فَقَال: قَاتَلَ اللهُ سَمُرَةَ. ألَمْ يَعْلَمْ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ. حُرِّمَت عَلَيهِمُ الشحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا"
ــ
ـ
تابعي (قال) ابن عباس: (بلغ عمر) بن الخطاب في زمن خلافته (أن سمرة) بن جندب ﵁ كما وقع مصرحًا في رواية الزعفراني عند البيهقي (باع خمرًا) واختلف العلماء في كيفية بيع سمرة بن جندب الخمر على أربعة أقوال: الأول: أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم معتقدًا جواز ذلك حكاه ابن الجوزي عن ابن ناصر ورجحه، والثاني: أنه باع العصير ممن يتخذه خمرًا والعصير يسمى خمرًا كما قد يسمى العنب به لأنه يؤول إليه، والثالث: أنه خلل الخمر ثم باع الخل معتقدًا جوازه كما هو مذهب أبي حنيفة، وأما إنكار عمر ذلك على سمرة فيمكن أنه لا يجوز التخليل عنده كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، والرابع: أن سمرة علم بتحريم الخمر ولم يعلم تحريم بيعها ولذلك اقتصر عمر ﵁ على ذَمّه دون عقوبته.
وقد رجح القرطبي وابن الجوزي الوجه الأول، ثم ذكر ابن الجوزي أن سمرة كان واليًا لعمر على البصرة ولكن رد عليه الحافظ في الفتح [٤/ ٣٤٤] بأن سمرة إنما ولي على البصرة لزياد وابنه عبيد الله بعد عمر بدهر وولاة البصرة لعمر قد ضبطوا وليس منهم سمرة، ويحتمل أن يكون بعض أمرائها استعمل سمرة على قبض الجزية والله أعلم هذا ملخص ما في فتح الباري.
(فقال) عمر: (قاتل الله سمرة) قال ابن الأثير في جامع الأصول: [١/ ٤٥١] أي قتله الله وهو في الأصل فاعَل من القتل ويستعمل في الدعاء على الإنسان وقيل معناه عاداه الله والأصل الأول. (قلت): وربما تطلق هذه الكلمة ولا يراد بها معناها الأصلي ولا الدعاء على الإنسان وإنما تطلق على طريق البساطة في الكلام كقولهم: تربت يمينك، وتربت يداك، وويحك، وويلك، فالظاهر أن عمر ﵁ إنما أطلقها بهذا الطريق ولم يرد بها الدعاء حقيقة وهو الظن بالصحابة رضوان الله عليهم (ألم يعلم) سمرة (أن رسول الله ﷺ قال: لعن الله اليهود حُرّمت عليهم الشحوم) أي شحوم الميتة (فجملوها) أي أذابوها (فباعوها) يعني بالحيلة المذكورة من إذابة الشحم ليزول عنه اسم الشحم لأنه يسمى حينئذٍ ودكًا كما مر فأكلوا أثمانها، قال ابن الأثير:
стр. 7039
٣٩١٨ - (٠٠) (٠٠) حدثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع. حَدَّثَنَا رَوْحٌ (يَعْنِي ابْنَ الْقَاسِمِ) عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٣٩١٩ - (١٥١٩) (٨٣) حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ،
ــ
ـ
وجمل في هذا المعنى أفصح من أجمل وذكره العيني قال الشاعر:
قد كنت قدمًا مثريًا متموِّلًا ... متجملًا متعففًا متدينا
فالآن صرت وقد عدمت تمولي ... متجملًا متعففًا متدينا
أي كنت ذا ثروة وزينة وعفة وديانة فصرت آكل شحم مذاب وشارب عفافة وهي بالضم بقية ما في الضرع من اللبن وذا دين اهـ من بعض الهوامش. قال أبو عبيد: يقال: جملت من باب نصر وأجملت من باب أفعل واجتملت من باب افتعل كلها بمعنى الإذابة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٢٤٢]، والبخاري [٢٢٢٣]، وأبو داود [٣٤٨٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه فقال:
٣٩١٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أمية بن بسطام) بالصرف وعدمه العيشي أبو بكر البصري، صدوق، من (١٠) (حدثنا يزيد بن زريع) مصغرًا التميمي العيشي أبو معاوية البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا روح يعني ابن القاسم) التميمي العنبري أبو غياث البصري، ثقة، من (٦) (عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي، ثقة، من (٤) (بهذا الإسناد) يعني عن طاوس عن ابن عباس عن عمر ﵃ وساق روح بن القاسم (مثله) أي مثل ما روى سفيان بن عيينة، غرضه بيان متابعة روح بن القاسم لسفيان بن عيينة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث جابر بحديث أبي هريرة ﵄ فقال:
٣٩١٩ - (١٥١٩) (٨٣) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أخبرنا روح بن عبادة) بن العلاء القيسي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا ابن جريج أخبرني ابن شهاب
стр. 7040
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَال: "قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ. حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِمُ الشُحُومَ فَبَاعُوهَا وَأكلُوا أَثْمَانَهَا"
ــ
ـ
عن سعيد بن المسيب) المخزومي المدني (أنه) أي أن سعيدًا (حدّثه) أي حدّث لابن شهاب (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد مكي وواحد بصري وواحد مروزي (عن رسول الله ﷺ قال: قاتل الله) أي لعن الله (اليهود حرم الله) سبحانه (عليهم الشحوم) أي شحوم الميتة فأذابوها (فباعوها وأكلوا أثمانها) بالحيلة المذكورة من إذابة الشحم، واستدل به من حرّم استعمال الحيل مطلقًا، والحق كما قال الألوسي في روح البيان [٢٣/ ٢٠٩] تحت قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ أن الحيلة كما أوجبت إبطال حكمة شرعية لا تقبل كحيلة سقوط الزكاة وسقوط الاستبراء وأما إذا توصل بها الرجل إلى ما يجوز فعله ودفع المكروه بها عن نفسه وعن غيره فلا باس بها، وقال السرخسي ﵀ في كتاب الحيل من المبسوط [٣٠/ ٢١٠] فالحاصل أن ما يتخلص به الرجل من الحرام أو يتوصل به إلى الحلال من الحيل فهو حسن وإنما يكره ذلك أن يحتال في حق الرجل حتى يبطله أو في باطل حتى يموهه أو في حق حتى يدخل فيه شبهة فما كان على هذا السبيل فهو مكروه وما كان على السبيل الذي قلنا أولًا فلا بأس به، واستدل على جواز الحيلة المشروعة بقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ فإن ذلك تعليم حيلة، وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ فإنه حيلة وجاء السرخسي رحمه الله تعالى بعدة أحاديث وآثار تدل على جوازها.
وقال صاحب التكملة: ومن أقوى ما يدل على جواز الحيلة المشروعة ما أخرجه الشيخان والنسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة أن رسول الله ﷺ استعملى رجلًا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب فقال: أكل تمر خيبر هكذا، قال: إنا لنأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة، قال: لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا، وسيأتي الحديث عند المصنف في باب بيع الطعام مثلًا بمثل وإنما هو تعليم حيلة للتوصل إلى طريق حلال فما كان من هذا القبيل فهو جائز قطعًا وأما حيلة اليهود في تحليل السبت وبيع الشحوم وأكل ثمنها فكانت من قبيل إبطال الحكمة الشرعية فإن الشريعة قصدت منعهم عن الصيد يوم السبت وعن أكل الشحوم وبيعها ففعلوا ما حصل منه ذلك بعينه وإنما غيّروا الطريق أو التعبير وقدمنا أن مجرد تغيير الاسم لا يؤثر في حل
стр. 7041
٣٩٢٠ - (٠٠) (٠٠) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. عَنْ أبِي هُرَيرَةَ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ. حُرِّمَ عَلَيهِمُ الشحمُ فَبَاعُوهُ وَأكلُوا ثَمَنَهُ"
ــ
الشيء وحرمته حتى تتغير حقيقته فمن أجل ذلك عابهم رسول الله ﷺ والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في البيوع باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٩٢٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (أخبرنا ابن وهب) المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي (محن ابن شهاب) المدني (عن سعيد بن المسيب) المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة يونس بن يزيد لابن جريج (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله صلى-الله عليه وسلم: قاتل الله اليهود) ولعنهم (حُرِّم) بالبناء للمجهول (عليهم الشحم فـ) أذابوه و (باعوه وأكلوا ثمنه) وزاد أبو داود وأحمد في حديث ابن عباس ﵄ (وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه) فاستدل به من حرم بيع كل محرم الأكل وأجاب عنه المارديني في الجوهر النقي إن قوله: (إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه) خُرِّج على شحوم الميتة التي حُرِّم أكلها والانتفاع بشيء منها وكذا الخمر أي إذا حرم أكل شيء ولم يبح الانتفاع به حرم ثمنه ولم يعن ما أبيح الانتفاع به بدليل إجماعهم على بيع الهر والفهد والسباع المتخذة للصيد والحمر الأهلية، وقال ابن حزم: وممن أجاز بيع المائع تقع فيه النجاسة والانتفاع به علي وابن مسعود وابن عمر وأبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري والقاسم وسالم وعطاء والليث وأبو حنيفة وسفيان وإسحاق وغيرهم، وراجع أيضًا إعلاء السنن [١٤/ ٨١] إلى [٨٣] باب حرمة بيع الخمر والميتة والخنزير والله أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ستة أحاديث: الأول: حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني: حديث ابن عباس
стр. 7042
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكره للاستشهاد به لحديث أبي سعيد وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث: حديث عائشة ذكره للاستشهاد أيضًا وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع: حديث جابر ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والخامس: حديث عمر ذكره للاستشهاد به لحديث جابر وذكر فيه متابعة واحدة، والسادس: حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
* * *
стр. 7043
٥٧٦ - (١٦) أبواب الربا والصرف وتحريم التفاضل والنساء في بيع النقود
ــ
٥٧٦ - (١٦) أبواب الربا والصرف وتحريم التفاضل والنساء في بيع النقود
والربا بكسر الراء مع القصر وبفتحها مع المد ويقال فيه رما بالميم بدل الباء وهو حينئذٍ أيضًا بكسر الراء وفتحها مع القصر والمد فيهما، ففيه ثمان لغات ويكتب بالألف والواو معًا كما في المصحف العثماني نظرًا للأصل والبدل معًا فإن أصله ربو تحركت الواو وانفتح ما قبلها قُلبت ألفًا وبالياء وحدها في غير خط المصحف نظرًا لإمالته عند بعض القراء وإن كان واويًا وهو لغة الزيادة كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي زادت ونمت ويقال: ربا الشيء إذا زاد سواء كانت الزيادة بعقد أو لا، وسواء كانت في العوضين أو في أحدهما، وشرعًا: عقد على مقابلة عوض مخصوص بآخر غير معلوم التماثل حالة العقد بمعيار الشرع وقولنا عقد خرج به ما إذا لم يكن هناك عقد كما لو باع معاطاة وهو الواقع في أيامنا غالبًا فلا يكون ربا وإن كان حرامًا لكن أقل من حرمة الربا، وقولنا عوض مخصوص وهو الجنس الربوي الذي هو النقد والمطعوم ودخل في النقد النوط العصري لأنه بدل عن النقد فلا ربا في غيرهما كنحاس ورصاص وقماش، وقولنا غير معلوم التماثل يصدُق بمعلوم التفاضل وبمجهول التماثل والتفاضل وقوله في معيار الشرع متعلق بالتماثل ومعيار الشرع هو الكيل في المكيل كالثمار والحبوب والوزن في الموزون كالنقدين والعد في المعدود والذرع في المذروع ودخل بذلك ما لو كان معلوم التماثل لكن في غير معيار الشرع كوزن المكيل وكيل الموزون فإنه يصدق عليه أنه مجهول التماثل في معيار الشرع كما هو مبسوط في كتب الفروع ولا يكون الربا إلا في الذهب والفضة لكونهما قيم الأشياء وإلا في المطعومات لكونها مطعومًا وهي كل ما يقصد للطعم اقتياتًا كالبر والشعير والذرة ونحوها أو تفكهًا كالتمر والزبيب والتين ونحوها أو تداويًا كالملح والمصطكى والزنجبيل ونحوها ولا فرق بين ما يصلح البدن أو ما يصلح الغذاء فإن الأغذية تحفظ الصحة والأدوية ترد الصحة ولا ربا في حب الكتان ودهنه ودهن السمك لأنها لا تقصد للطعم، والربا من أكبر الكبائر فإن أكبر الكبائر على الإطلاق الشرك بالله ثم قتل النفس التي حرم الله تعالى قتلها إلا بالحق، ثم الزنا، ثم الربا، ولم يحل في شريعة لقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أي
стр. 7044
٣٩٢١ - (١٥٢٠) (٨٤) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأتُ عَلَي مَالِكٍ، عَنْ نَافِع، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا تَبِيعُوا الذهَبَ بِالذهَبِ إِلا مِثلًا بِمِثْلٍ. وَلَا
ــ
في الكتب السابقة فهو من الشرائع القديمة ولم يؤذن الله تعالى في كتابه بالحرب سوى آكله ولذا قيل: إنه يدل على سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى، وقد قال ﷺ : "لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه" متفق عليه.
والربا أربعة أقسام: ربا الفضل وهو بيع الربوي بجنسه مع زيادة في أحد العوضين، وربا اليد وهو بيع الربويين ولو مختلفي الجنس مع تأخير القبض لهما أو لأحدهما عن المجلس ونُسب إلى اليد لأن القبض يكون بها أصالة، وربا النساء بفتح النون والمد وهو بيع الربويين ولو مختلفي الجنس مع أجل ولو لحظة، وربا القرض وهو كل قرض جر نفعًا للمقرض غير نحو رهن لكن لا يحرم عند الشافعية إلا إذا شُرط في عقده ولا يختص بالربويات بل يجري في غيرها كالعروض والحيوانات.
واعلم أن علة الربا في النقود النقدية أي كونها قيم الأشياء وفي الطعام المطعومية كما مر ويشترط لصحة التعاقد على الجنس الربوي نقدًا كان أو طعامًا فيما إذا اتحد جنس العوضين كذهب بذهب وبر ببر ثلاثة شروط المماثلة بين العوضين، والتقابض في المجلس، والحلول أي عدم ذكر الأجل ولو دقيقة، وفيما إذا اختلف الجنسان كذهب بفضة وبر بشعير شرطان التقابض في مجلس العقد، والحلول، فلا تشترط المماثلة لاختلاف الجنس كما هو مستفاد من الأحاديث الآتية ومبسوط في كتب الفقه.
(والصرف) مصدر صرف يصرف صرفًا من باب ضرب إذا دفع ذهبًا وأخذ فضة أو عكسه وحقيقته الشرعية هي بيع النقود بعضها ببعض، وتقدم شروط صحة بيعها في الحالتين والتفاضل عدم علم المماثلة فيما يشترط فيه التماثل، والنساء بالمد تأخير قبض العوضين أو أحدهما.
٣٩٢١ - (١٥٢٠) (٨٤) (حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن نافع عن أبي سعيد الخدري) ﵁. وهذا السند من رباعياته (أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا) حالة كونه (مثلًا) مقابلا (بمثل) في الوزن (ولا
стр. 7045
تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ. وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلا مِثْلا بِمِثْلٍ. وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَي بَعْضٍ. وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ".
٣٩٢٢ - (٠٠) (٠٠) حدثنا قتيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثنَا لَيثٌ. ح وَحَدثنَا
ــ
تشفوا) أي لا تفاضلوا (بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض) وقوله: (إلا مثلًا بمثل) حال من الذهبين أي إلا حالة كونهما متساويين وقوله: (ولا تشفوا) بضم التاء وكسر الشين من باب الإفعال أي لا تزيدوا في البيع (بعضها على بعض) وهذه الجملة كما قال ابن الملك تأكيد لما قبلها، قال في المصباح: وشفَّ الشيء يشف شفًا (من باب حَسَّ) مثل حمل يحمل حملًا إذا زاد وقد يُستعمل في النقص أيضًا فيكون من الأضداد يقال هذا يشف قليلًا أي ينقص وأشففت هذا على هذا أي فضلت اهـ وقال في الذهب: هو معروف وهو جوهر معدني أحمر ويؤنث فيقال هي الذهب الحمراء ويقال: إن التأنيث لغة الحجاز اهـ. وتأنيث الضمير في الورق باعتبار أنها النقرة المضروبة أو باعتبار معنى الفضة وهي جوهر معدني أبيض اهـ من الهامش، وفي هذا النهي عن ربا الفضل ثم ذكر النهي عن ربا النسيئة بقوله: (ولا تبيعوا منها) أي من النقود (غائبًا) أي مؤجلًا (بناجز) أي بحال، والغائب المؤجل والناجز هو الحاضر ومنه إنجاز الوعد أي إحضاره اهـ من المبارق. وقد ذكر في هذا الحديث تحريم التفاضل والنسيئة في مبادلة شيئين الذهب بالذهب والفضة بالفضة، وسيأتي في حديث عبادة بن الصامت ذكر أربعة أشياء معهما وهي البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح فصارت هذه الأشياء ستة وقد نص الحديث على حرمة التفاضل والنسيئة في كل واحد منها إذا بيع بجنسه ويُسمى ربا الفضل ويقال له: ربا السُّنَّة أيضًا لأن هذا النوع من الربا لم يذكره القرآن نصًّا وإنما عرفت حرمته بالسنة اهـ من التكملة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٢١٧٧]، والنسائي [٧/ ٢٧٨ و ٢٧٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
٣٩٢٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث) بن سعد (ح وحدثنا
стр. 7046
مُحَمَّدُ بن رُمْح. أخْبَرَنَا الليثُ، عَنْ نَافِع؛ أَن ابنَ عُمَرَ قَال لَهُ رَجُل مِن بَنِي لَيث: إِنَّ أَبَا سَعِيد الخُدْرِي يَأثُرُ هذَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فِي رِوَايَةِ قُتَيبَةَ: فَذَهَبَ عَبْدُ اللهِ وَنَافِعٌ معَهُ. وَفِي حَدِيثِ ابنِ رُمْح: قَال نَافِعٌ: فَذَهَبَ عَبْدُ اللهِ وَأَنا مَعَهُ وَاللَّيثِي، حَتى دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِي. فَقَال: إِنَّ هذَا أَخْبَرَنِي أنَّكَ تُخْبِرُ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيعِ الْوَرِقِ بِالوَرِقِ إِلا مِثْلًا بِمِثْل وَعَنْ بَيعِ الذهَبِ بِالذهَبِ إِلا مِثْلًا بِمِثْلٍ. فَأَشَارَ أَبُو سَعِيد بِإصْبَعَيهِ إِلَى عَينَيهِ وَأُذنَيهِ. فَقَال: أَبْصَرَتْ عَينَايَ وَسَمِعَتْ أذُنَايَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ. وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ. إِلا مِثْلًا بِمِثلٍ. وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهُ عَلَي بَعْضٍ
ــ
محمد بن رمح) المصري (أخبرنا الليث) بن سعد (عن نافع، أن ابن عمر قال له رجل من بني ليث): لم أر من ذكر اسم هذا الرجل (إن أبا سعيد الخدري يأثر) بضم المثلثة من باب نصر أي يذكر ويروي (هذا) الحديث (عن رسول الله ﷺ يعني حديث النهي عن بيع الورق بالورق إلا مثلًا بمثل والذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل (في رواية قتيبة فذهب عبد الله ونافع معه) أي مع ذلك الرجل الليثي (وفي حديث ابن رمح قال نافع: فذهب عبد الله) بن عمر (وأنا) يريد نافع نفسه أي والحال أني (معه) أي مع ابن عمر (و) الرجل (الليثي) الذي نبه ابن عمر على حديث أبي سعيد، معطوف على عبد الله (حتى دخل) عبد الله (على أبي سعيد الخدري) ﵁. وهذان السندان أيضًا من رباعياته (فقال) ابن عمر لأبي سعيد: (أن هذا) الرجل الليثي (أخبرني) آنفًا (أنك) يا أبا سعيد (تخبر) وتحدّث (أن رسول الله صلى الله عليه وسأنهى عن بيع الورق بالورق إلا) حالة كونهما (مثلًا) مقابلًا (بمثل) أي إلا حالة كونهما متساويين في الوزن (و) نهى (عن بيع الذهب بالذهب إلا مثلًا) مقابلًا (بمثل) قال نافع: (فأشار أبو سعيد بأصبعيه) المسبحتين (إلى عينيه وأذنبه فقال: أبصرت عيناي) هاتان رسول الله ﷺ حين نهى (وسمعت أذناي) هاتان (رسول الله ﷺ حالة كونه (يقول: لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا) مقابلًا (بمثل ولا تشفوا) أي لا تزيدوا (بعضه) أي بعض المعقود عليه (على بعض) في هذا دلالة على
стр. 7047
وَلَا تَبِيعُوا شَيئًا غَائِبًا مِنهُ بِنَاجِزٍ، إِلَّا يَدًا بِيَدٍ"
ــ
اشتراط المماثلة (ولا تبيعوا شيئًا غائبًا) أي مؤجلًا (منه) أي من المعقود عليه (بناجز) أي بحال، وفيه دلالة على اشتراط الحلول في العوضين (إلا يدًا) أي إلا حالة كون كل منهما مقبوضًا (بيد) عن يد أي إلا مقبوضين، وفيه دلالة على اشتراط التقابض في المجلس فالحديث دل على الشروط الثلاثة المعتبرة في حالة اتخاذ جنس العوضين في الربوي.
قوله: (إن ابن عمر قال له رجل) الخ ولعله قال ذلك له لأن ابن عمر وابن عباس ﵃ كانا يقولان بجواز التفاضل في الأموال الربوية إذا كان البيع يدًا بيد تمسكًا بقوله ﷺ : "لا ربا إلا في النسيئة" كما سيأتي مصرحًا به عند المصنف في أواخر هذا الباب وسنذكر هناك إن شاء الله تعالى أنهما قد رجعا عن ذلك.
فصل في بيان اختلاف الفقهاء في علة ربا الفضل
ثم إن حرمة التفاضل والنسيئة مقتصرة في الحديث على الأشياء الستة المذكورة فاختلفت فيه أنظار الفقهاء، فقال طاوس وقتادة: إن الحرمة مقصورة على هذه الأشياء الستة الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح ولا تتعدى إلى غيرها وبه قال داود الظاهري ونفاة القياس كما في المغني لابن قدامة [٤/ ٢] وهو قول الشعبي ومسروق وعثمان البتي أيضًا كما في عمدة القاري [٥/ ٤٩٠] فيجوز عندهم بيع الذرة بالذرة متفاضلًا لأن الحديث لم يذكر الحرمة إلا في الأشياء الستة فيبقى ما عداها على أصل الإباحة لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾.
واتفق القائلون بالقياس على أن الحرمة في هذه الستة معللة بعلة فكلما وُجدت تلك العلة في غيرها من الأشياء ثبتت الحرمة لأن القياس دليل شرعي فيجب استخراج علة هذا الحكم وإثباته في كل موضع وُجدت العلة فيه، ثم اختلف المعللون في تعيين العلة على أقوال أربعة: الأول: إن العلة في الذهب والفضة الوزن مع الجنس وفي الأشياء الأربعة الكيل مع الجنس وهو قول أبي حنيفة وأحمد والثوري والنخعي والزهري وإسحاق بن راهويه فعلى هذا القول يجري الربا في كل مكيل أو موزون إذا بيع بجنسه مطعومًا كان أو غير مطعوم كالحبوب والنورة والقطن والصوف والورس والحناء والعصفر
والحديد والنحاس والرصاص والياقوت وسائر الجواهر ونحو ذلك.
стр. 7048
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثاني: إن العلة في الذهب والفضة الثَّمنِيَّة مع اتحاد الجنس وفيما عداهما كونها مطعومة مع اتحاد الجنس وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى وهو رواية عن أحمد ودليلهم ما سيأتي ولأن الطعم وصف شرف إذ به قوام الأبدان، والثمنية وصف شرف إذ بها قوام الأموال فيقتضي التعليل بهما، فعلى هذا القول يجري ربا الفضل في سائر المطعومات سواء كانت مكيلة أو موزونة أو عددية كالتفاح والرمان والبيض وغيرها.
والثالث: إن العلة في الذهب والفضة الثَّمنِيَّة مع الجنس وفيما عداهما الادخار مع الجنس وهو قول المالكية، وزاد بعضهم الاقتيات مع الادخار فإن كان الشيء مدخرًا غير مقتات حرم التفاضل فيه عند بعضهم وجاز عند آخرين وإلى تعليل المالكية مال الشيخ الدهلوي في المصفى، واستدلوا بأنه لو كان المقصود الطعم وحده لاكتفى في الحديث بالتنبيه على ذلك بالنص على واحد من تلك الأصناف الأربعة فلما ذكر منها عددًا أنه قصد بكل واحد منها التنبيه على ما في معناه وهي كلها يجمعها الاقتيات والادخار، أما البر والشعير فنبه بهما على أصناف الحبوب المدخر، ونبه بالتمر على جميع أنواع الحلاوات المدخرة كالسكر والعسل والزبيب، ونبه بالملح على جميع التوابل المدخرة لإصلاح الطعام وأيضًا فإنهم قالوا لما كان معقول المعنى في الربا إنما هو أن لا يغبن بعض الناس بعضًا وأن تحفظ أموالهم فواجب أن يكون ذلك في أصول المعايش وهي الأقوات كذا في بداية المجتهد [٢١/ ١٣٠ و ١٣١].
والرابع: أن العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعومًا ومكيلًا أو موزونًا مع الجنس فلا يجري الربا في مطعوم لا يُكال ولا يُوزن كالبيض وسائر العدديات المطعومة ولا فيما ليس بمطعوم سواء كانت مكيلة أو موزونة كالزعفران والحديد والنحاس وغيره وهو قول سعيد بن المسيب ورواية عن أحمد وبه قال الشافعي في القديم كما في المغني لابن قدامة [٤/ ٥] واستدلوا بما رُوي عن سعيد بن المسيب عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا ربا إلا فيما كيل أو وُزن مما يؤكل أو يُشرب" أخرجه الدارقطني، وقال: الصحيح أنه من قول سعيد ومن رفعه فقد وهم اهـ من التكملة. وإن هذه المذاهب الأربعة هي المشهورة في هذا الباب وإن كانت فيه ستة أقوال أخرى فإنها ليست مشهورة ولا متبعة وقد ذكرها العيني في باب بيع الطعام والحكرة من عمدة القاري [٥/ ٤٩٠].
стр. 7049
٣٩٢٣ - (٠٠) (٠٠) حدثنا شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثنَا جَرِيرٌ (يَعْنِي ابْنَ حَازِمِ). ح وَحَدثنَا مُحَمّدُ بْنُ الْمُثنَّى. حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَال: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ. ح وَحَدثَنَا مُحَمّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِي، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ. كُلهُمْ عَنْ نَافِعٍ. بِنَحْو حَدِيثِ اللَّيثِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي، عَنِ النَّبِي ﷺ .
٣٩٢٤ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْقَارِيَّ) عَنْ سُهَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ،
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
٣٩٢٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا شيبان بن فروخ) الحبطي مولاهم أبو محمد الأبُلي بضم الهمزة والموحدة، صدوق، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا جرير يعني ابن حازم) بن زيد الأزدي البصري، ثقة، من (٦) روى عنه في (١٩) بابا (ح وحدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري، ثقة، من (٨) (قال) عبد الوهاب: (سمعت يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني، ثقة، من (٥) (ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) السلمي البصري، ثقة، من (٩) (عن) عبد الله (بن عون) بن أرطبان المزني البصري، ثقة ثبت، من (٦) كلهم) أي كل من هؤلاء الثلاثة من جرير ويحيى بن سعيد وابن عون رووا (عن نافع بنحو حديث الليث عن نافع عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ وهذه الأسانيد الثلاثة الأول منها من رباعياته والثاني والثالث من خماسياته، غرضه بسوقها بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لليث بن سعد.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
٣٩٢٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (حدثنا يعقوب يعني ابن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله (القاري) المدني، ثقة، من (٨) (عن سهيل) بن أبي صالح السمان أبي يزيد المدني، صدوق، من (٦) (عن أبيه) ذكوان الزيات المدني،
стр. 7050
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا تَبِيعُوا الذهَبَ بِالذَّهَبِ وَلَا الْوَرِقَ بِالوَرِقِ، إِلا وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ".
٣٩٢٥ - (١٥٢١) (٨٥) حدثنا أَبُو الطَّاهِرِ. وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِي، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: سَمِعْتُ سُلَيمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ مَالِكَ بن أَبِي عَامِرٍ يُحَدِّثُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَينِ. وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَينِ"
ــ
ثقة، من (٣) (عن أبي سعيد الخدري) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي صالح لنافع (أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنًا) أي إلا موزونًا مقابلًا (بوزن) أي بموزون، وقوله: (مثلًا) أي إلا مماثلًا مقابلًا (بمثل) أي بمماثله إلا (سواء) أي مساويًا مقابلًا (بسواء) أي بمساواته، قال النووي: يحتمل أن يكون الجمع بين هذه الألفاظ توكيدًا ومبالغة في الإيضاح اهـ. قال العلماء: وهذا يتناول جميع أنواع الذهب والورق من جيد ورديء وصحيح ومكسور وحلي وتبر وغير ذلك وسواء الخالص والمخلوط بغيره وهذا كله مجمع عليه.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي سعيد الخدري بحديث عثمان بن عفان ﵄ فقال:
٣٩٢٥ - (١٥٢١) (٨٥) (حدثنا أبو الطاهر وهارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي (الأيلي) من (١٠) (وأحمد بن عيسى) بن حسان المصري المعروف بالتستري، صدوق، من (١٠) (قالوا: حدثنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم المصري، ثقة، من (٩) (أخبرني مخرمة) بن بكير بن عبد الله بن الأشج المخزومي مولاهم المدني، صدوق، من (٧) (عن أبيه) بكير بن عبد الله بن الأشج المخزومي المدني ثم المصري، ثقة، من (٥) (قال) بكير بن عبد الله: (سمعت سليمان بن يسار) الهلالي المدني، ثقة، من (٣) (يقول: إنه سمع مالك بن أبي عامر) الأصبحي المدني جد مالك الإمام الفقيه، ثقة، من (٢) (يُحدّث عن عثمان بن عفان) ﵁. وهذا السند من سباعياته رجاله خمسة منهم مدنيون واثنان مصريان (أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين) وهذا ظاهر في الدنانير المضروبة من الذهب والدراهم
стр. 7051
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المضروبة من الفضة فإن التفاضل في مبادلتها بجنسها عين الربا، أما الدراهم والدنانير المغشوشة فقد ذكر فقهاء الأحناف أن الغش إن كان مغلوبًا فلا عبرة به ويحرم التفاضل فيه كما في الذهب والفضة الخالصين لأنها لا تخلو عن قليل غش عادة لأنها لا تنطبع إلا مع الغش وقد يكون الغش خلقيًا كما في الرديء منها فيُلحق بها القليلُ بالرداءة والجيد والرديء سواء.
وأما إذا كان الغالب عليها الغش فليس في حكم الدراهم والدنانير الخالصة فإن بيعت بجنسها متفاضلًا جاز عند الأحناف صرفًا للجنس إلى خلاف الجنس فهي في حكم شيئين فضة وصفر ولكنه صرف حتى يشترط القبض في المجلس لوجود الفضة من الجانبين فإذا شُرِط القبض في الفضة يشترط في الصفر لأنه لا يتميز عنه إلا بضرر اهـ من التكملة.
وأما الشافعية فالعلة عندهم جوهرية الثمن فيختص الربا بالذهب والفضة وليست الفلوس في حكمهما فقد صرح علماؤهم بأنه لا ربا في الفلوس وإن راجت رواج النقود فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلًا كما في نهاية المحتاج للرملي [٣/ ٤١٨] وتحفة المحتاج لابن حجر المكي مع حاشيته للشرواني [٤/ ٢٧٩]. وأما المالكية فيعتبرون الفلوس كالدراهم والدنانير سواء بسواء مهما كانت مادتها واحدة حتى لو راجت فلوس الجلد كان لها حكم الذهب والفضة. وأما الحنفية فالفلوس عندهم عددية فليست من الأموال الربوية والذي يظهر أن فلوس مملكة واحدة كلها جنس واحد والتماثل فيها بالقيمة دون الوزن أو العدد وفلوس ممالك مختلفة أجناس مختلفة كالهللات السعودية والبيسات الباكستانية فلا يشترط فيها التماثل لعدم اتحاد الجنس.
وأما الأوراق النقدية التي تسمى نوطأ فالمختار فيها أنها بمنزلة الدراهم والدنانير فتجب فيها الزكاة إذا بلغت نصابًا بقيمتها من الدراهم أو الدنانير وحال عليها الحول وتجري فيها أحكام الربا فلا يجوز التفاضل فيها عند مبادلتها عند اتحاد الجنس ويجوز التفاضل عند اختلافه واختلاف الجنس فيها باختلاف دولتها كما مر آنفًا فلا يجوز صرف أبي عشرة من الريالات السعودية بإحدى عشرة من الريالات السعودية المتفرقة أو بتسع منها كما يفعله بعض الغشاشين من الصيارفة لاشتراط المماثلة قيمة، وأما إذا اختلف جنس الأوراق فيجوز فيها التفاضل مع اشتراط التقابض والحلول كبيع أبي عشرة من
стр. 7052
٣٩٢٦ - (١٥٢٢) (٨٦) حدثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ. ح وَحَدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللّيثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ؛ أَنهُ قَال: أَقْبَلْتُ أقُولُ: مَن يَصْطَرِفُ الدرَاهِمَ؟ فَقَال طَلْحَةُ بْنُ عُبَيدِ اللهِ (وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ): أَرِنَا ذَهَبَكَ. ثُم ائتِنَا، إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا، نُعْطِكَ وَرِقَكَ. فَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَلَّا، وَاللَهِ! لَتُعْطِيَنَّهُ
ــ
الريال السعودي بعشرين من الريالات الأثيوبية لاختلاف الجنس باختلاف دولتها نظير بيع ذهب بفضة والله أعلم. وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن سائر أصحاب الأمهات.
ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث عمر بن الخطاب ﵁ فقال:
٣٩٢٦ - (١٥٢٢) (٨٦) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث ح وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان) -بفتح المهملتين وبالمثلثة- ابن عوف بن ربيعة النصري أحد بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن أبي سعد المدني، روى عن عمر بصري أن الخطاب في البيوع والجهاد، وعثمان بن عفان في الجهاد، وعبد الرحمن بن عوف في الجهاد، والزبير بن العوام في الجهاد، وسعد بن أبي وقاص في الجهاد، وعباس بن عبد المطلب في الجهاد، وعلي بن أبي طالب في الجهاد، ويروي عنه (ع) والزهري ومحمد بن عمرو بن عطاء وعكرمة بن خالد ومحمد بن جبير بن مطعم وخلائق، مختلف في صحبته، وقال ابن خراش: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: من زعم أن له صحبة فقد وهم، مات سنة (٩٢) اثنتين وتسعين (أنه) أي أن مالك بن أوس (قال: أقبلت) أي جئت إلى مجلس فيه عمر بن الخطاب، حالة كوني (أقول) للقوم المجتمعين في المجلس: (من يصطرف) أي من يصرف ويبيع لي (الدراهم) التي عنده بالذهب الذي عندي (فقال طلحة بن عبيد الله) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن تيم بن مرة التيمي أبو محمد المدني أحد العشرة وستة الشورى وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام ﵃ أجمعين (وهو) أي طلحة (عند عمر بن الخطاب أرنا ذهبك) الذي تريد صرفه بالفضة (ثم) أبصرتنا ذهبك اصبر حتى يجيء خادمنا فـ (ائتنا إذا جاء خادمنا نعطك ورقك) أي دراهمك التي تريد شراءها بدل الذهب الذي تركته عندنا (فقال عمر بن الخطاب) لي: (كلا) أي ارتدع يا طلحة عما قلت (والله لتعطينه) أي
стр. 7053
وَرِقَهُ. أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيهِ ذَهَبَهُ. فَإِن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "الْوَرِقُ بِالذهَبِ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ. وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ. وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبا إِلا هَاءَ وَهَاءَ. وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ"
ــ
لتعطين مالك بن أوس (ورقه) الذي يريد شراءه منك (أو لتردن إليه) أي إلى مالك بن أوس (ذهبه) الذي أخذته منه (فإن رسول الله ﷺ قال: الورق) أي بيع الورق (بالذهب ربا) أي فيه ربا نسيئة في جميع الأحوال (إلا) في حالة كونه مقولًا فيه (هاء) أي خذ المبيع (وهاء) أي وهات ثمنه (والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء) وسند هذا الحديث من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان أو مصري وبلخي، وهاء فيه لغتان المد والقصر والمد أفصح وأشهر والهمزة مفتوحة ويجوز كسر الهمزة نحو هات وسكونها مع القصر وهو اسم فعل بمعنى خذ هذا ويقول به صاحبه مثله ومعناه: التقابض أفاده النووي وحقها أن لا تقع بعد إلا كما لا يقع بعدها خذ فإذا وقع قُدّر قبله قول يكون به محكيًا أي إلا مقولًا من المتعاقدين خذ وخذ أي يدًا بيد فمحله النصب على الحال والمستثنى منه مقدر يعني بيع الورق بالذهب ربا في جميع الحالات إلا حال الحضور والتقابض فكنى عنه بقوله هاء وهاء لأنه لازمه ذكره الزرقاني، قال ملا علي: وفي الحديث دليل على صحة بيع المعاطاة، ثم ذكر عن شرح ابن الهمام أن سفيان الثوري جاء إلى صاحب الرمان فوضع عنده فلسًا وأخذ رمانة ولم يتكلم ومشى اهـ، وفي الحديث أيضًا دلالة على اشتراط التقابض في المجلس في الصرف وإن اختلف جنس البدلين غير أن التقابض إذا تم في المجلس صح العقد وإن لم يكن تم عند العقد، وقال أصحاب مالك: يُشترط التقابض عند العقد فإن تأخر عن العقد ثم قبض في المجلس لا يصح عندهم فيما حكاه النووي ويحتجون بحديث طلحة هذا، وأجاب عنه النووي بأن عمر ﵁ إنما قال هذا لأن طلحة ظن جوازه كسائر البياعات وما كان بلغه حكم المسألة فابلغه إياه عمر ﵁ اهـ من التكملة.
قال القرطبي: (قوله: الورق بالذهب ربا إلا هاء وهاء) الرواية المشهورة في (هاء) بالمد وبهمزة مفتوحة وكذلك رويته ومعناها خذ فكأنها اسم من أسماء الأفعال كما تقول هاؤم وفيها أربع لغات: إحداها: ما تقدم وفيها لغتان: إحداهما: أنها تقال للمذكر والمؤنث والواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد (ها) من غير زيادة، قال السيرافي:
стр. 7054
٣٩٢٧ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وإِسْحَاقُ، عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ، عَنِ الزُّهْرِي، بِهذَا الإِسْنَادِ
ــ
كأنهم جعلوها كصه ومه. وثانيهما: تلحق بها العلامات المفرّقة فتقول للمذكر هاء وللمؤنث هائي وللاثنين هاءا وللجمع هاؤوا كالحال في هاؤم وفي هلم، الثانية: بالقصر والهمزة الساكنة فتقول: هَأُ وفيها اللغتان المتقدمتان حكاهما ثابت وغيره من أهل اللغة. الثالثة: هاء بالمد وكسر الهمزة وهي للواحد والاثنين والجميع بلفظ واحد غير أنهم زادوا ياء مع المؤنث فقالوا: هائي. الرابعة: ها بالقصر وترك الهمزة حكاها بعض اللغويين وأنكرها أكثرهم وخُطئ من رواها من المحدثين كذلك. وقد حُكيت لغة خامسة هاءك بمدة وهمزة مفتوحة وكاف خطاب مكسورة (قلت): ولا بُعد في أن يقال إن (هاء) هذه هي اللغة وإنما زادوا عليها كاف خطاب المؤنث خاصة فلا تكون خامسة.
ومعنى (هاء وهاء) خذ وهات في هذه الحال من غير تراخ كما قال: "يدًا بيد" وقد بالغ مالك -رحمه الله تعالى- في هذا حتى منع المواعدة على الصرف والحوالة والوكالة على عقد الصرف دون القبض ومنع أن يعقد الصرف ويقوم إلى قعر دكانه ثم يفتح صندوقه ويُخرج ذهبه بناء على ما تقدم من أصله وهذا هو الذي فهمه عمر ﵁ عن الشرع حين قال: وإن أنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الربا وقال: دعوا الربا والريبة، و (الورق) بكسر الراء الفضة وهو اسم جنس معرف بالألف واللام الجنسيتين فيتضمن ذلك الجنس كله مسكوكه ونقاره وكذلك الذهب فلا يجوز مصوغ بتبر إلا مثلًا بمثل وكذلك جميع أنواعها وليس له أن يستفضل قيمة الصنعة ولا عمالتها اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٢١٣٤]، وأبو داود [٣٣٤٨]، والترمذي [١٢٤٣]، والنسائي [٧/ ٢٧٣]، وابن ماجه [٢٢٥٩ و ٢٢٦٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عمر ﵁ فقال:
٣٩٢٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق) بن إبراهيم الحنظلي (عن) سفيان (بن عيينة عن الزهري بهذا الإسناد) يعني عن مالك بن أوس عن عمر بن الخطاب، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة ابن عيينة لليث بن سعد.
стр. 7055
٣٩٢٨ - (١٥٢٣) (٨٧) حدثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَال: كُنْتُ بالشَّامِ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بن يَسَارٍ. فَجَاءَ أبُو الأَشْعَثِ. قَال: قَالُوا: أَبُو الأَشْعَثِ، أَبُو الأشْعَثِ. فَجَلَسَ فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عمر بحديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنهما فقال:
٣٩٢٨ - (١٥٢٣) (٨٧) (حدثنا عبيد الله بن عمر) بن ميسرة الجشمي أبو شعيب (القواريري) البصري، ثقة، من (١٠) (حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري، ثقة، من (٨) (عن أيوب) السختياني البصري (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي البصري (قال) أبو قلابة: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار) المصري أبو عثمان الطنبِذِي -بكسر المهملة والموحدة بينهما نون ساكنة آخره معجمة- وفي القاموس طنبذ كقنفذ بلدة بمصر منها مسلم بن يسار الطنبِذِيّ تابعي محدّث اهـ والظاهر أنه البصري الأموي أبو عبد الله الفقيه مولى بني أمية من فقهاء البصرة وزهادها، وكان رضيع عبد الملك بن مروان، روى عن أبي هريرة وابن عمر، ويروي عنه (من د ت ق) وشراحيل بن يزيد وحميد بن هانئ وغيرهم، وثقه ابن حبان، وقال أحمد: ثقة، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة فاضلًا ورعًا عابدًا، قال ابن عون: كان مسلم بن يسار إذا كان في غير صلاة كأنه كان في صلاة وإذا كان في صلاة كأنه وتد لا يتحرك شيء منه كما في التهذيب [١٠/ ١٤١] وقال في التقريب: مقبول، من الرابعة، فقال أبو قلابة: (فجاء) إلينا (أبو الأشعث) شراحيل بن آدة -بالمد وتخفيف الدال- الصنعاني صنعاء دمشق وقيل اليمن، روى عن عبادة بن الصامت في البيوع والحدود، وشداد بن أوس في الذبائح، وأبي أسماء الرحبي في الصلة، ويروي عنه (م عم) وأبو قلابة وحسان بن عطية وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وثقه ابن حبان والعجلي، وقال في التقريب: ثقة، من الثانية (قال) أبو قلابة: (قالوا): أي قال الحاضرون في الحلقة (أبو الأشعث) جاء أو جاء (أبو الأشعث) والثاني: توكيد لفظي للأول، وهذا يدل على علو منزلته عند معاصريه (فجلس) أبو الأشعث في الحلقة، قال أبو قلابة: (فقلت له) أي لأبي الأشعث (حدّث) لنا يا (أخانا) بصيغة الأمر (حديث عبادة بن الصامت) بن قيس بن
стр. 7056
قَال: نَعَمْ. غَزَوْنَا غَزَاةً. وَعَلَى الناسِ مُعَاويةُ. فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً. فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا، آنِيَةُ مِنْ فِضَّةٍ. فَأَمَرَ مُعَاويةُ رَجُلًا أنْ يَبِيعَهَا فِي أعْطِيَاتِ الناسِ. فَتَسَارَعَ الناسُ فِي ذلِكَ. فَبَلَغَ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ فَقَامَ فَقَال: إِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَن بَيعِ الذهَبِ بِالذهَبِ وَالْفِضةِ بِالْفِضةِ
ــ
أصرم بن فهر الأنصاري الخزرجي الشامي، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين وله (٧٢) سنة ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم بصريون واثنان شاميان، وفيه رواية تابعي عن تابعي (قال) أبو الأشعث: (نعم) أحدثكم حديث عبادة، ثم قال أبو الأشعث: (غزونا غزاة) أي غزوة قبل الشام (وعلى الناس معاوية) بن أبي سفيان أميرًا من جهة عمر لا خليفة فإن زمان خلافته متأخر عن ذلك بكثير (فغنمنا) في تلك الغزوة (غنائم كثيرة فكان فيما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلًا) من الجيش (أن يبيعها) أي أن يبيع تلك الأواني (في أعطيات الناس) أي بما يعطاه الناس في الأرزاق من الدراهم، وهذا البيع لهذه الأواني كان بالدراهم ولذلك أنكره عبادة بن الصامت ﵁ واستدل عليه بقوله: (الفضة بالفضة) ولو كان بذهب أو عرض لما كان للإنكار ولا للاستدلال وجه، والأعطيات جمع أعطية وهي جمع عطاء وهو اسم لما يعطى كالعطية، أي أمره أن يبيعها بالدراهم نسيئة إلى أن يخرج عطاء المشتري ورزقه، ورواية البيهقي [٥/ ١٨٢] من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة صريحة في هذا ولفظها عن عبادة بن الصامت أنه شهد الناس يتبايعون آنية الذهب والفضة إلى الأعطية.
(فتسارع) أي تبادر (الناس) أي الجيش (في ذلك) يعني في شراء تلك الأواني بدراهم مؤجلة إلى أخذ أرزاقهم. قال القرطبي: (قوله: فتسارع الناس في ذلك) يعني في شراء تلك الآنية بالدراهم وهو يدل على أقلية العلماء وأن أكثرهم الجهال ألا ترى معاوية ﵁ قد خفي عليه ذلك مع صحبته وكونه من كتاب الوحي، ويحتمل أن يقال: إن معاوية كان لا يرى ربا الفضل كابن عباس وغيره، والأول الأظهر من مساق الخبر فتأمل نصه فإنه صريح في أن معاوية لم يكن علم بشيء من ذلك اهـ من المفهم.
(فبلغ عبادة بن الصامت) ﵁ خبر صنيع الناس من تسارعهم إلى شراء الأواني بالدراهم مع أنها فضة (فقام) عبادة خطيبًا (فقال): يا أيها الناس (إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة) قد تقدم
стр. 7057
وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشعِيرِ بِالشعِيرِ وَالتمْرِ بِالتمرِ وَالْمِلْحِ بِالمِلحِ إِلا سَوَاءً بِسَوَاءٍ. عَينًا بِعَينٍ
ــ
القول في النقود والقول هنا في الأطعمة ولم يُختلف في جريان الربا في هذه الأصناف الستة المذكورة هنا لكن هل تعلق حكم الربا باسمائها أم بمعانيها فأهل الظاهر قصروه على أسمائها فلا يجري الربا عندهم في غير هذه الأصناف الستة وفقهاء الأمصار من الحجازيين وغيرهم رأوا أن ذلك الحكم متعلق بمعانيها وتمسكوا في ذلك بما تقدم وبأن الدقيق يجري فيه حكم الربا بالاتفاق ولا يصدق عليه اسم شيء من تلك الأصناف المذكورة في الحديث فإن قيل: دقيق كل صنف منها مردود إلى حبه في حكمه قلنا: فهذا اعتراف بأن الحكم لم يتعلق بأسمائها بل بمعانيها والله تعالى أعلم، وقد اختلفوا في تعيين ذلك المعنى فقال أبو حنيفة: إن علة ذلك كونه مكيلًا أو موزونًا جنسًا، وذهب الشافعي في القديم إلى أن المعنى هو أنه مأكول مكيل أو موزون جنسًا، وفي الجديد هو أنه مطعوم جنس، وحكى عن ربيعة أن العلة كونه جنسًا تجب فيه الزكاة، واختلفت عبارات أصحابنا وأحسن ما في ذلك هو كلونه مقتاتًا مدخرًا للعيش غالبًا جنسًا ولبيان الأرجح من هذه العلل والفروع المبنية عليها عِلْمُ الخلاف وكتُبُ الفروع اهـ من المفهم.
وقوله: (والبر بالبر والشعير بالشعير) دليل على أنهما نوعان مختلفان كمخالفة التمر للبر وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والثوري وابن علية وفقهاء أهل الحديث، وذهب مالك والأوزاعي والليث ومعظم علماء المدينة والشام إلى أنهما صنف واحد وهو مروي عن عمر وسعيد وغيرهما من السلف متمسكين بتقاربهما في المنبت والمحصد والمقصود لأن كل واحد منهما في معنى الآخر والاختلاف الذي بينهما إنما هو من باب مخالفة جيد الشيء لرديئه اهـ من المفهم (والتمر بالتمر والملح بالملح) أي نهى عن بيع هذه الأشياء بعضها ببعض في حال من الأحوال (إلا) حالة كونها (سواء) مقابلًا (بسواء) وهذا إشارة إلى أن المماثلة شرط في حال اتحاد الجنس وإلا حالة كونها (عينًا) أي معينًا مقابلًا (بعين) أي بمعين، وهذا إشارة إلى اشتراط التقابض والحلول في حالة اختلاف الجنس.
واستدلت الحنفية بقوله: (عينًا بعين) على أن الواجب في غير الذهب والفضة من الأموال الربوية هو تعيين البدلين في المجلس لا تقابضهما بخلاف الذهب والفضة فإنه
стр. 7058
فَمَنْ زَادَ أَو ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبى. فَرَدَّ الناسُ مَا أَخَذُوا. فَبَلَغَ ذلِكَ مُعَاويةَ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَال: أَلا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَادِيثَ. قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مْنهُ. فَقَامَ عُبَادَةُ بن الصامِتِ فَأَعَادَ الْقِصةَ. ثُم قَال: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وإنْ كَرِهَ مُعَاويةُ (أَوْ قَال: وإِنْ رَغِمَ)
ــ
يجب فيهما التقابض في المجلس ونتيجة ذلك أنه لو تبايع الرجلان الحنطة بالحنطة وعيّن كل واحد ما وقع عليه العقد بالإشارة مثلًا ثم افترقا قبل التقابض صح العقد، وأما في الصرف فيبطل العقد ولا يكفي التعيين، واستدلوا بلفظ حديث الباب (عينًا بعين) فإنه يدل على أن الشرط هو تعيين البدلين، وقال الشافعي: يجب التقابض في المجلس في سائر الأموال الربوية ولا يكفي التعيين واستدل بما مر من حديث عمر ﵁ (والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء) وبما سيأتي في طريق خالد الحذاء من حديث عبادة (والملح بالملح مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد) فإنه صريح في اشتراط التقابض اهـ من التكملة (فمن زاد) أي أعطى الزيادة (أو ازداد) أي طلب الزيادة (فقد أربى) أي أوقع نفسه في الربا المحرم، قال التوربشتي: أي أتى الربا وتعاطاه ومعنى اللفظ أخذ أكثر مما أعطاه، من ربا الشيء يربو إذا زاد اهـ عون، قال أبو الأشعث: (فرد الناس ما أخذوا) من الأواني على الرجل الذي باعها لهم (فبلغ ذلك) الحديث الذي حدّثه عبادة (معاوية) بن أبي سفيان (فقام) معاوية (خطيبًا فقال) في خطبته: (إلا ما بال رجال) وشأن أناس (يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث) لم نسمعها منه ﷺ فوالله لـ (قد كنا نشهده) أي نحضره في حضره (ونصحبه) في سفره (فلم نسمعها) أي فلم نسمع هذه الأحاديث التي رواها عبادة بن الصامت (منه) ﷺ ظاهره أن معاوية ﵁ لم يسمع هذا الحديث ولا علمه كما لم يعلمه في البداية عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ﵃ (فقام عبادة بن الصامت) حينما أنكر عليه معاوية (فأعاد) عبادة (القصة) أي قصة نهيه ﷺ عن هذه الربويات وذكره مرة ثانية (ثم قال) عبادة: فوالله (لنُحدِّثن) ولنخبرن الناس (بما سمعنا من رسول الله ﷺ من الأحاديث (وإن) خالف هواهم، وكر هـ) ـه (معاوية) بن أبي سفيان أمير الجيش، قال أبو الأشعث: (أو قال) عبادة: (وإن رغم) معاوية أي لصق أنفه
стр. 7059
مَا أُبَالِي أَن لَا أَصحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيلَةً سَودَاءَ.
قَال حَمَّاد: هذَا أَوْ نَحْوَهُ.
٣٩٢٩ - (٠٠) (٠٠) حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثقَفِي، عَنْ أيُّوبَ، بِهذَا الإسْنَادِ، نَحْوَهُ
ــ
بالتراب وهو بكسر الغين وفتحها معناه ذل وصار كاللاصق بالرغام وهو التراب وهو كناية عن كراهيته ما حدّثه لمخالفته أمره والشك من أبي الأشعث أو ممن دونه (ما أبالي) أي لا أبالي (أن لا أصحبه) ولا أكترث عدم صحبته ولا أريد الدوام (في جنده) وأريد مفارقته (ليلة سوداء) أي في ليلة مظلمة غير مستنيرة بالقمر لمعارضته حديث رسول الله ﷺ برأيه، قال عبيد الله القواريري (قال) لنا (حماد) بن زيد أي حدّث لنا (هذا) الحديث المذكور بلفظه (أو) حدّث لنا حماد (نحوه) أي نحو اللفظ المذكور سابقًا أي حديثًا قريبًا له في اللفظ والمعنى، والشك من عبيد الله بن عمر. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [٣٣٤٩]، والنسائي [٤/ ٢٧٤]، وابن ماجه [٤٤٥٤].
قال القرطبي: قوله: (فمن زاد) أي من بذل الزيادة وطاع بها (أو ازداد) أي سأل الزيادة وطلبها (فـ) كل واحد منهما (قد أربى) أي قد فعل الربا وهما سواء في الإثم كما قال في الرواية الأخرى الآخذ والمعطي فيه سواء أي في فعل المحرم وإثمه، وفي سنن أبي داود وكذا في مسلم كما سيأتي "أن رسول الله ﷺ لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء" أي في استحقاق اللعنة والإثم اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبادة ﵁ فقال:
٣٩٢٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (و) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (جميعًا) أي كلاهما رويا (عن عبد الوهاب) بن عبد المجيد (الثقفي) البصري (عن أيوب) السختياني (بهذا الإسناد) يعني عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن عبادة (نحوه) أي نحو ما حدّث حماد بن زيد عن أيوب، غرضه بيان متابعة عبد الوهاب الثقفي لحماد بن زيد.
(تتمة): في معنى الحديث قوله: (فلم نسمعها منه) لكن من حفظ حجة على من لم
стр. 7060
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يحفظ، وكيف لا وهو عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ شهد ما لم يشهده معاوية وصحب ما لم يصحبه، قال السندي في حواشي النسائي: وهذا استدلال بالنفي على رد الحديث الصحيح بعد ثبوته مع اتفاق العقلاء على بطلان الاستدلال بالنفي وظهور بطلانه بأدنى نظر بل بديهة فهذا جراءة عظيمة يغفر الله لنا وله اهـ.
قوله: (فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة) ولفظ النسائي فبلغ ذلك عبادة بن الصامت فقام فاعاد الحديث وكان بدريًا وكان بايع النبي ﷺ أن لا يخاف في الله لومة لائم وإلا لما قام خوفًا من معاوية اهـ من السندي باختصار.
قوله: (وإن رغم) هو بكسر الغين وفتحها. معناه: ذل وصار كاللّاصق بالرغام وهو التراب وفي هذا الاهتمام بتبليغ السنن ونشر العلم وإن كرهه من كرهه لمعنى، وفيه القول بالحق وإن كان المقول له كبيرًا اهـ نووي.
وفي الاستيعاب وأُسد الغابة أن عمر ﵁ كان وجه عبادة بن الصامت إلى الشام قاضيًا ومعلمًا وكان معاوية قد خالفه في شيء أنكره عليه عبادة فأغلظ له معاوية في القول فقال له عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبدًا ورحل إلى المدينة، فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره فقال: ارجع إلى مكانك فقبح الله أرضًا لست فيها ولا أمثالك. وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك على عبادة اهـ وقال ابن حجر في الإصابة: ولعبادة قصص متعددة مع معاوية وإنكاره عليه أشياء وفي بعضها رجوع معاوية له وفي بعضها شكواه إلى عثمان منه تدل على قوة عبادة في دين الله وقيامه في الأمر بالمعروف اهـ من بعض الهوامش، وعند النسائي في سننه [٢/ ٢٢١] وكان عمر ﵁ بعث ثلاثة من فقهاء الصحابة إلى الشام بطلب من يزيد بن أبي سفيان فأقام أبو الدرداء بدمشق ومعاذ بفلسطين وعبادة بحمص ثم لما مات معاذ انتقل عبادة إلى فلسطين وأقام بها حتى توفي وكان عبادة يبادر إلى الإنكار على المنكرات إيفاء لبيعته وكانت له مع معاوية ﵄ أخبار سردها ابن عساكر في تاريخه ومن جملتها هذا الحديث، وقد أخرجه ابن عساكر عن الحسن مرسلًا ونحكيه هنا بلفظه لما فيه من فوائد زائدة عن الحسن قال: كان عبادة بن الصامت بالشام فرأى آنية من فضة يباع الإناء منها بمثلي ما فيه أو نحو ذلك فمشى إليهم عبادة فقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا عبادة بن الصامت، ألا وإني سمعت رسول الله ﷺ في
стр. 7061
٣٩٣٠ - (٠٠) (٠٠) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي شَيبَةَ) (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثنَا وَكِيعٌ). حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَبِي الأشْعَثِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الذهَبُ بِالذهَبِ
ــ
مجلس من مجالس الأنصار ليلة الخميس في رمضان ولم يصم رمضان بعده يقول: "الذهب بالذهب مثلًا بمثل سواء بسواء وزنًا بوزن يدًا بيد فما زاد فهو ربا والحنطة قفيز بقفيز يدًا بيد فما زاد فهو ربا والتمر بالتمر قفيز بقفيز يدًا بيد فما زاد فهو ربا" قال: فتفرق الناس عنه، فأتي معاوية فأخبر بذلك فأرسل إلى عبادة فأتاه فقال له معاوية: لئن كنت صحبت النبي ﷺ وسمعت منه لقد صحبناه وسمعنا منه فقال له عبادة: لقد صحبته وسمعت منه، فقال له معاوية: فما هذا الحديث الذي تذكره فأخبره به، فقال له معاوية: اسكت عن هذا الحديث ولا تذكره، فقال له: بلى وإن رغم أنف معاوية، ثم قال: فقال له معاوية ما نجد شيئًا أبلغ فيما بيني وبين أصحاب محمد ﷺ من الصفح عنهم. راجع له وللأخبار الأخرى مثله تهذيب تاريخ ابن عساكر [٧/ ٢١٢] وحديث ابن عساكر هذا يدل على أن حديث ربا الفضل تكلم به النبي ﷺ في رمضان سنة عشر من الهجرة والله أعلم اهـ من التكملة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عبادة بن الصامت ﵁ فقال:
٣٩٣٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (واللفظ لابن أبي شيبة قال إسحاق: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا وكيع حدثنا سفيان) الثوري (عن خالد) بن مهران المجاشعي مولاهم أبي المنازل البصري (الحذاء) ثقة، من (٥) (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي البصري (عن أبي الأشعث) شراحيل بن آدة الصنعاني (عن عبادة بن الصامت) ﵁. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة خالد الحذاء لأيوب السختياني (قال) عبادة بن الصامت: (قال رسول الله ﷺ : الذهب) أي يُباع الذهب (بالذهب) يجوز في الذهب الأول الرفع بتقدير يُباع كما قررناه
стр. 7062
وَالْفِضةُ بِالْفِضةِ. وَالْبُرِّ بِالْبُر. وَالشعِيرُ بِالشعِيرِ. وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ. وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ. مِثْلا بِمِثْلٍ. سَوَاءً بِسَوَاءٍ. يَدا بِيَدٍ. فَإِذَا اختَلَفَتْ هذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيفَ شِئتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ".
٣٩٣١ - (١٥٢٤١) (٨٨) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا
ــ
والنصب على تقدير بيعوا، قال زين العرب: الربويات المذكورة في هذا الحديث ست لكن لا يختص بها وإنما ذُكرت ليقاس عليها غيرها اهـ من المرقاة (و) تُباع (الفضة بالفضة و) يُباع (البر بالبر و) يُباع (الشعير بالشعير و) يُباع (التمر بالتمر و) يُباع (الملح بالملح) حالة كونها (مثلًا) مقابلًا (بمثل) أي بمماثله (سواء) أي مساويًا مقابلًا (بسواء) أي بمساويه (يدًا بيد) أي متقابضين (فإذا اختلفت هذه الأصناف) أي هذه الأجناس المذكورة، وقوله: هذا إشارة إلى ما ذكره في الحديث من الأصناف ويُلحق بها ما في معناها على ما ذكرناه سابقًا وينضاف إلى كل نوع منها ما في معناه وما يقاربه وما بعد عن ذلك كان صنفًا مستقلًا بنفسه ولذلك لم يختلف قول مالك في أن الدخن صنف منفرد ومثله الطيف والهندباء والأرز كذلك وهو قول كافة العلماء، والعلس عند أكثر المالكية جنس مستقل، وقال الشافعي: هو نوع من أنواع الحنطة وقاله بعض أصحابنا وقد ضم مالك السلت إلى البر والشعير وقال الشافعي: هو جنس مستقل بنفسه، وقال الليث: السلت والدخن والذرة جنس واحد وقاله ابن وهب، وسبب هذا الاختلاف اختلاف الشهادة بالتقارب في المقصود والمحصد والمنبت فمن شهدت له عادة استعمال صنف في معنى صنف وشابهه في شيء مما ذكرناه ألحقه به ومن لم يحصل له ذلك لم يُلحق والأصل أن ما اختلفت أسماؤه ومقاصده أن يُعد أصنافًا مختلفة بدليل ظاهر الحديث المتقدم والله أعلم اهـ من المفهم.
أي فإذا اختلفت هذه الأجناس المذكورة بأن بيع الذهب بالفضة أو البر بالشعير والملح بالسكر (فبيعوا كيف شئتم) سواء تفاضلا أو تساويا (إذا كان) البيع (يدًا بيد) أي مقابضة في العوضين في مجلس العقد بلا نسيئة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عمر ثانيًا بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما فقال:
٣٩٣١ - (١٥٢٤) (٨٨) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا
стр. 7063
إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الذهَبُ بِالذهَبِ. وَالْفِضةُ بِالْفِضةِ. وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ. وَالشعِيرُ بَالشعِيرِ. وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ. وَالمِلحُ بِالمِلحِ. مِثْلًا بِمِثْلٍ. يَدًا بِيَدٍ. فَمَنْ زَادَ أَو اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى. الآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ".
٣٩٣٢ - (٠٠) (٠٠) حدثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أخْبَرَنَا سُلَيمَانُ الرَّبَعيُّ
ــ
إسماعيل بن مسلم العبدي) أبو محمد البصري، ثقة، من (٦) روى عنه في (٥) أبواب (حدثنا أبو المتوكل) علي بن داود، ويقال ابن دؤاد بضم الدال بعدها واو بهمزة (الناجي) منسوب إلى بني ناجية بن لؤي كما في تاج العروس البصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (٣) أبواب (عن أبي سعيد الخدري) الأنصاري المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم بصريان واثنان كوفيان وواحد مدني (قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : ) يُباع (الذهب بالذهب و) تُباع (الفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح) حالة كونها (مثلًا) مقابلًا (بمثل) وحالة كونها (يدًا بيد) أي متقابضات (فمن زاد) أي أعطى الزيادة (أو استزاد) أي طلب الزيادة (فقد أربى) أي فقد فعل الربا (الأخذ) وهو المستزيد (والمُعطي) وهو الذي زاد (فيه) أي في أصل إثم الربا (سواء) أي متساويان والمعنى فدافع الزيادة وآخذها عاصيان مربيان.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في البيوع في مواضع، والترمذي في البيوع، والنسائي في البيوع، وابن ماجه في التجارات.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
٣٩٣٢ - (٠٠) (٠٠) حدثنا عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) البغدادي (حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٩) بابًا (أخبرنا سليمان) بن علي الأزدي (الربعي) أي المنسوب إلى ربيعة الأزد أبو عكاشة البصري -بضم العين المهملة وفتح الكاف المشددة- روى عن أبي المتوكل الناجي في
стр. 7064
حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ الناجِي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الذهَبُ بِالذهَبِ مِثْلا بِمِثْل". فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
٣٩٣٣ - (١٥٢٥) (٨٩) حدثنا أَبُو كُرَيبٍ مُحَمَدُ بْنُ الْعَلاءِ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "التَّمرُ بِالتَّمرِ. وَالْحِنطَةُ بِالْحِنْطَةِ. وَالشعِيرُ بِالشعِيرِ. وَالْمِلْحُ بِالْمِلحِ. مِثْلًا بِمِثْلٍ. يَدًا بِيَدٍ. فَمَن زَادَ أَو استَزَادَ فَقَدْ أَربَى
ــ
البيوع، وأنس وأبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي، ويروي عنه (م س ق) ويزيد بن هارون وحماد بن زيد وخالد بن الحارث وابن المبارك وروح، وثقه ابن معين، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، له عندهم حديثان، وقال في التقريب: ثقة، من الخامسة (حدثنا أبو المتوكل الناجي) علي بن داود البصري (عن أبي سعيد الخدري) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة سليمان الربعي لإسماعيل بن مسلم (قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالدهب مثلًا بمثل فذكر) سليمان الربعي (بمثله) أي بمثل ما روى إسماعيل بن مسلم عن أبي المتوكل الناجي.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث عمر بحديث أبي هريرة ﵄ فقال:
٣٩٣٣ - (١٥٢٥) (٨٩) (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي (وواصل بن عبد الأعلى) بن هلال الأسدي أبو القاسم الكوفي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (قالا: حدثنا) محمد (بن فضيل) بن غزوان الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق، من (٩) روى عنه في (٢٠) بابا (عن أبيه) فضيل بن غزوان الضبي أبي الفضل الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٢) بابا (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا أبا هريرة (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى
стр. 7065
إِلا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ".
٣٩٣٤ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ. حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِي، عَنْ فُضَيلِ بْنِ غَزْوَانَ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ؛ "يَدًا بِيَدٍ".
٣٩٣٥ - (٠٠) (٠٠) حدثنا أَبُو كُرَيب وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ
ــ
إلا ما اختلفت ألوانه) أي أجناسه وهو استثناء من قوله مثلًا بمثل فلا تشترط فيه المماثلة لاختلاف جنسه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النسائي أخرجه في البيوع.
ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة فيه فقال:
٣٩٣٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه أبو سعيد الأشج) الكندي الكوفي عبد الله بن سعيد بن حصين، ثقة، من (١٠) (حدثنا المحاربي) عبد الرحمن بن محمد بن زياد أبو محمد الكوفي، روى عن فضيل بن غزوان في البيوع، والأعمش ومحمد بن سوقة ويحيى بن سعيد، ويروي عنه (ع) وأبو سعيد الأشج وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل، وثقه ابن معين والنسائي، وزاد النسائي: ليس به باس، وقال أبو حاتم: صدوق إذا حدّث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة، وقال العجلي: كان يدلس، وقال في التقريب: لا بأس به وكان يدلس، من التاسعة، مات سنة (١٩٥) خمس وتسعين ومائة (عن فضيل بن غزوان) الضبي الكوفي (بهذا الإسناد) يعني عن أبيه عن أبي زرعة عن أبي هريرة، غرضه بيان متابعة المحاربي لمحمد بن فضيل (و) لكن الم يذكر) المحاربي لفظة (يدًا بيد).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٩٣٥ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني (وواصل بن عبد الأعلى) الأسدي الكوفي (قالا: حدثنا) محمد (بن فضيل عن أبيه) فضيل بن غزوان (عن) عبد الرحمن (بن) زياد (أبي نعم) بضم النون وسكون العين المهملة البجلي أبي الحكم الكوفي، صدوق، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من
стр. 7066
قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الذهَبُ بِالذهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ. مِثْلًا بِمِثْلٍ. وَالْفِضةُ بِالْفضَةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ. مِثْلًا بِمِثْلٍ. فَمَنْ زَادَ أَو اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا".
٣٩٣٦ - (٠٠) (٠٠) حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ
ــ
خماسياته، غرضه بيان متابعة ابن أبي نعم لأبي زرعة (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : ) يُباع (الذهب بالذهب) حالة كونهما (وزنًا) أي موزونًا مقابلًا (بوزن) أي بموزون يعني أن المعيار الشرعي في الذهب الوزن لا الكيل حالة كونهما (مثلًا) مقابلًا (بمثل) يعني يشترط التماثل بين العوضين (و) تباع (الفضة بالفضة وزنًا بوزن مثلًا بمثل) يعني أن المعيار فيها أيضًا الوزن فالحديث يدل على وجوب تحقيق المماثلة في بيع الربوي بجنسه وذلك لا يكون إلا بمعيار معلوم مقداره بالشرع أو بالعادة وزنًا أو كيلًا، والأولى عند مالك أن تجعل ذهبك في كفة ويجعل ذهبه في كفة فإذا استوى أخذ وأعطى وكذلك يكون الكيل واحدًا ويجوز بصنجة واحدة معلومة المقدار بالعادة أو بالتحقيق ولا يجوز عند مالك والشافعي في الصرف ولا غيره من البيوع أن يتعاملا بمعيار مجهول يتفقان عليه لجهل كل واحد منهما بما يصير إليه حالة العقد (فمن زاد) أي دفع الزيادة وبها (أو استزاد) أي طلب الزيادة وأخذها (فهو) أي فكل واحد منهما (ربا) أي فاعل إثم بفعله سواء في استحقاق اللعنة والإثم اهـ من المفهم.
قوله ﷺ : (فمن زاد) أي على مقدار البيع الآخر من جنسه (أو استزاد) أي طلب زيادته وأخذه (فهو) أي فالزائد يكون (ربا) ويحرم ذلك البيع، وفيه إشارة إلى أن من أعطى الربا ومن أخذه في الماثم سواء، وهذا الحديث بين حقيقة الربا وهي زيادة أحد العوضين على الآخر في القدر إذا اتحد الجنس اهـ ابن الملك لكن قوله في المأثم سواء معناه في أصل إثم الربا لا في قدره صرح به في المرقاة وقوله: (وزنًا بوزن) أي متوازيين (مثلا بمثل) أي متماثلين، وقوله: (سواء بسواء) أي متساويين اهـ من بعض الهوامش.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٩٣٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب الحارثي (القعنبي)
стр. 7067
حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ) عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي تَمِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "الدّينَارُ بِالدينَارِ لَا فَضْلَ بَينَهُمَا، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرهَمِ لَا فَضلَ بَينَهُمَا".
٣٩٣٧ - (٠٠) (٠٠) حَدثَنِيهِ أبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. قَال: سَمِعْت مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: حَدَثَنِي موسَى بْنُ أَبِي تَمِيمٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ
ــ
المدني البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا سليمان يعني ابن بلال) القرشي التيمي مولاهم أبو محمد المدني، ثقة، من (٨) (عن موسى بن أبي تميم) المدني، روى عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة في البيوع في الصرف، ويروي عنه (م س) وسليمان بن بلال ومالك بن أنس وزهير بن محمد العنبري، وثقه أبو حاتم، وقال: ليس به باس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من السادسة (عن سعيد بن يسار) الهلالي مولاهم مولى ميمونة رضي الله تعالى عنها أبي الحباب المدني، ثقة متقن، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة سعيد بن يسار لمن روى عن أبي هريرة (أن رسول الله ﷺ قال: ) يُباع (الدينار بالدينار لا فضل لينهما) أي لا فضل ولا زيادة لأحد العوضين على الآخر (و) يُباع (الدرهم بالدرهم لا فضل بينهما) أي متماثلين لا زيادة لأحدهما على الآخر.
ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة فيه رابعًا فقال:
٣٩٣٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنيه أبو الطاهر) أحمد بن عمرو المصري (أخبرنا عبد الله بن وهب) المصري (قال: سمعت مالك بن أنس يقول: حدثني موسى بن أبي تميم بهذا الإسناد) يعني عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة، وساق مالك بن أنس (مثله) أي مثل حديث سليمان بن بلال، غرضه بيان متابعة مالك بن أنس لسليمان بن بلال والله أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ستة أحاديث: الأول: حديث أبي سعيد الخدري الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والثاني: حديث عثمان بن عفان ذكره للاستشهاد، والثالث: حديث عمر بن الخطاب ذكره للاستشهاد به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة،
стр. 7068
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والرابع: حديث عبادة بن الصامت ذكره للاستشهاد به لحديث عمر وذكره فيه متابعتين، والخامس: حديث أبي سعيد الخدري الثاني ذكره للاستشهاد به ثانيًا لحديث عمر وذكر فيه متابعة واحدة، والسادس: حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد به ثالثًا لحديث عمر وذكر فيه أربع متابعات والله أعلم
* * *
стр. 7069
٥٧٧ - (١٧) باب النهي عن بيع الورق بالذهب دينًا وبيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب
٣٩٣٨ - (١٥٢٦) (٩٠) حدثنا مُحَمّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيمُونٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ. قَال: بَاعَ شَريكٌ لِي وَرِقًا بِنَسِيئَةٍ إِلَى الْمَوْسِمِ، أَوْ إِلَى الْحَجِّ. فَجَاءَ إِلَيَّ فَأخْبَرَنِي. فَقُلْتُ: هذَا أمْرٌ لَا يَصْلُحُ. قَال: قَدْ بِعْتُهُ فِي السُّوقِ. فَلَمْ يُنْكِرْ ذلِكَ عَلَيَّ أحَدٌ. فَأتَيتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فَسَأَلْتُهُ
ــ
٥٧٧ - (١٧) باب النهي عن بيع الورق بالذهب دينًا وبيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب
٣٩٣٨ - (١٥٢٦) (٩٠) (حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون) السمين البغدادي (حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو) بن دينار الجمحي المكي (عن أبي المنهال) عبد الرحمن بن مطعم البناني المكي أصله من البصرة، روى عن البراء بن عازب في البيوع، وزيد بن أرقم في البيوع، وابن عباس في البيوع، ويروي عنه (ع) وعمرو بن دينار وحبيب بن أبي ثابت وعبد الله بن كثير وسليمان الأحول، وثقه ابن معين وأبو زرعة والعجلي والدارقطني وأبو حاتم وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وأثنى عليه ابن عيينة وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة، مات سنة (١٠٦) ست ومائة (قال) أبو المنهال: (باع شريك لي) في التجارة، لم أر من ذكر اسم هذا الشريك (ورقًا) بذهب (بنسيئة) بوزن كريمة أي بتأخير أي مؤجلا ًثمنه (إلى) أجل هو (الموسم) أي أيام موسم الحج أي مجمع الحج، وقوله: (أو) مؤجلًا (إلى الحج) أي إلى مجيء أيامه شك من الراوي (فجاء) ذلك الشريك (إليّ) بتشديد ياء المتكلم (فأخبرني) بيعه الورق بذهب مؤجل إلى موسم الحج، قال أبوالمنهال: (فقلت) له: (هذا) البيع (أمر) أي بيع (لا يصلح) أي لا يصح ولا يحل لأنه عقد ربوي (قال) ذلك الشريك: (قد بعثه) أي قد بعت ذلك الورق (في السوق) بمحضر من الناس (فلم ينكر ذلك) البيع (على أحد) من أهل ذلك المحضر ولو كان حرامًا لأنكروه على لكونه من منكرات الشرع، وهذا يدل على مدى معرفة أصحاب السوق بأحكام الشريعة في ذلك الزمان فإنه كان يستدل بترك نكيرهم على الجواز اهـ من التكملة، قال أبوالمنهال (فأتيت البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي أبا عمارة الكوفي ﵁ (فسألته) أي فسألت البراء عن
стр. 7070
فَقَال: قَدِمَ النَّبِي ﷺ الْمَدِينَةَ وَنَحْنُ نَبِيعُ هذَا الْبَيعَ. فَقَال: "مَا كَانَ يَدًا بِيَدِ، فَلَا بَأسَ ول. وَمَا كانَ نَسِيئَة فَهُوَ رِبًا" وَائْتِ زيدَ بْنَ أَرقَمَ فَإِنهُ أعْظَمُ تِجَارَةً مِني. فَأَتَيتُهُ فَسَأَلْتُهُ. فَقَال مِثْلَ ذلِكَ.
٣٩٣٩ - (٠٠) (٠٠) حدثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبٍ؛
ــ
حكم ذلك البيع أيصلح أم لا؟ وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم كوفيان واثنان مكيان وواحد بغدادي (فقال) البراء: (قدم النبي ﷺ المدينة) مهاجرًا إليها (ونحن) معاشر الأنصار أي والحال أننا (نبيع هذا البيع) الربوي يعني بيع أحد النقدين بالآخر فسألنا رسول الله ﷺ عن حكمه (فقال) لنا رسول الله ﷺ : (ما كان) من هذا البيع (يدًا بيد) أي مقابضة في العوضين (فلا بأس به) أي حلال صحيح لا مانع به (وما كان نسيئة) أي غير حال حاضر في المجلس (فهو) أي فذلك البيع (ربًا) أي حرام لا يحل ولا يصح، قال أبو المنهال: ثم قال لي البراء بن عازب: (و) لكن (ائت زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي ﵁ أي اذهب إليه واسأله عن حكم هذا البيع (فإنه) أي فإن زيد بن أرقم (أعظم) أي أكثر (تجارة مني) فلعله يسأل النبي ﷺ عن حكم هذا البيع فيأمره بغير ما قلت لك، قال أبوالمنهال: (فأتيته) أي فأتيت زيد بن أرقم (فسألته) عن حكم ذلك البيع (فقال) لي زيد بن أرقم: (مثل ذلك) أي مثل ما قال لي البراء بن عازب من قوله ما كان يدًا بيد فلا بأس به.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في البيوع وفي الشركة وفي فضائل أصحاب النبي ﷺ وفي غيرها، والنسائي أخرجه في البيوع باب بيع الفضة بالذهب نسيئة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث البراء بن عازب ﵄ فقال:
٣٩٣٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبيد الله بن معاذ) بن معاذ (العنبري) البصري (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ التميمي العنبري أبو المثنى البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري، ثقة، من (٧) (عن حبيب) بن أبي ثابت زيد بن دينار
стр. 7071
أَنهُ سَمِعَ أَبَا الْمِنْهَالِ يَقُولُ: سَأَلْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ عَنِ الصَّرفِ؟ فَقَال: سَلْ زَيدَ بْنَ أَرْقَمَ فَهُوَ أَعْلَمُ. فَسَألْتُ زَيدًا فَقَال: سَلِ الْبَرَاءَ فَإِنهُ أعْلَمُ. ثُم قَالا: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيعِ الْوَرِقِ بِالذهَبِ دَينًا.
٣٩٤٠ - (١٥٢٧) (٩١) حدثنا أبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ
ــ
الأسدي أبي يحيى الكوفي، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٥) بابا (أنه) أي أن حبيبًا (سمع أبا المنهال) عبد الرحمن بن مطعم المكي (يقول: سألت البراء بن عازب عن) حكم (الصرف) أي عن حكم بيع النقد بالنقد هل يصلح أم لا؟ (فقال) البراء لي (سل زيد بن أرقم) بن زيد الأنصاري (فهو) أي فزيد بن أرقم (أعلم) مني أي أكثر علمًا بحكم الصرف مني لكثرة اشتغاله بالتجارة، قال أبو المنهال: (فسألت زيدًا) ابن أرقم عن حكم الصرف كما أمرني البراء (فقال) زيد بن أرقم (صل البراء) بن عازب (فإنه) أي فإن البراء (أعلم) أي أكثر علمًا بحكم الصرف مني فرجعت إلى البراء فسألته كما أمرني زيد به (ثم) بعد سؤالي إياهما (قالا) أي قال كل من البراء وزيد بن أرقم في جواب سؤالي (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الورق بالذهب) وبالعكس حالة كون الذهب (دينًا) أي غير حال حاضر في المجلس لما فيه من ربا النساء، وفي رواية حفص بن عمر عند البخاري في البيوع (فكان واحد منهما يقول هذا خير مني) فكلاهما يقول: نهى رسول الله ﷺ ، قال الحافظ في الفتح [٤/ ٣١٩]: وفي الحديث ما كان عليه الصحابة من التواضع وإنصاف بعضهم بعضًا ومعرفة أحدهم حق الآخر واستظهار العالم في الفتيا بنظيره في العلم.
(قلت): ويظهر من رواية سليمان بن أبي مسلم عند البخاري في الشركة أن البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين في التجارة في عهد رسول الله ﷺ اهـ.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث البراء بحديث أبي بكرة ﵄ فقال:
٣٩٤٠ - (١٥٢٧) (٩١) (حدثنا أبو الربيع) الزهراني (العتكي) سليمان بن داود البصري (حدثنا عباد بن العوام) بن عمر بن عبد الله الكلابي مولاهم أبو سهل الواسطي،
стр. 7072
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبيهِ. قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْفِضةِ بِالْفِضةِ. وَالذَهَبِ بِالذهَبِ. إِلا سَوَاء بِسَوَاء. وَأمَرَنَا أنْ نَشْتَرِيَ الْفِضةَ بِالذهَبِ كَيفَ شِئْنَا. وَانْ نَشْتَرِيَ الذهَبَ بِالْفِضةِ كَيفَ شِئْنَا. قَال: فَسَألَهُ رَجُلٌ فَقَال: يَدًا بِيَدٍ؟ فَقَال: فكَذَا سَمِعْتُ
ــ
ثقة، من (٨) روى عنه في (٥) أبواب (أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق) الحضرمي مولاهم البصري النحوي، صدوق، من (٥) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة) نفيع مصغرًا ابن الحارث الثقفي البصري، أول مولود للمسلمين بالبصرة فأطعم أبوه أهل البصرة جزورًا فكفتهم، وُلد سنة (١٤) ومات سنة (٩٦) وكان زياد ولاه على بيت المال كذا في التهذيب، ثقة، من (٢) الثانية، روى عنه في (٨) أبواب (عن أبيه) أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة -بفتحتين- ابن عمرو الثقفي البصري الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون إلا عباد بن العوام فإنه واسطي (قال) أبو بكرة (نهى رسول الله ﷺ عن) بيع (الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواء بسواء) أي إلا حالة كونهما متساويين في الوزن لاتحاد الجنس (وأمرنا) أمر إباحة وإرشاد إلى المصالح (أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا) أي سواء تساويا أم تفاضلا (و) أمرنا (أن نشتري الدهب بالفضة) أمر إباحة كيف شئنا) أي كذلك (قال) عبد الرحمن بن أبي بكرة (فسأله) أي فسأل أبا بكرة (رجل) من الحاضرين عنده (فقال) الرجل في سؤاله: ألم يقل رسول الله ﷺ لفظة (يدًا بيد) في شراء الفضة بالذهب وفي عكسه (فقال) أبو بكرة في جواب سؤال الرجل (هكذا) أي مثل ما حدّثته لكم (سمعت) من رسول الله ﷺ بلا ذكر يدًا بيد، قال القاضي: اسم الإشارة يحتمل أن يعود على يدًا بيد ويحتمل أنه ما سمع دون زيادة عليه اهـ أبي.
واعلم أن اشتراط القبض في الصرف متفق عليه وإنما وقع الاختلاف في التفاضل بين الجنس الواحد، وقد عد ﷺ أصولًا وصرح بأحكامها وشروطها المعتبرة في بيع بعضها ببعض جنسًا واحدًا أو أجناسًا متعددة وبين ما هو العلة في كل واحد منها ليتوصل المجتهد بالشاهد إلى الغائب فإنه ﷺ ذكر النقدين والمطعومات إيذانًا بأن علة الربا هي النقدية أو الطعم وإشعارًا بأن الربا إنما يكون في
стр. 7073
٣٩٤١ - (٠٠) (٠٠) حدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ صَالِح. حَدَّثَنَا مُعَاويَةُ، عَنْ يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ) عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ؛ أن عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ أبِي بَكْرَةَ أَخْبَرَهُ؛ أن أَبَا بَكْرَةَ قَال: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ
ــ
النوعين المذكورين وهما النقدان والمطعوم، واختلف في العلة التي هي سبب التحريم في الربا في الستة التي هي الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، فقال الشافعية: العلة في الذهب والفضة كونهما جنسًا للأثمان فلا يتعدى الربا منهما إلى غيرهما من الموزونات كالحديد والنحاس وغيرهما لعدم المشاركة في المعنى والعلة في الأربعة الباقية كونها مطعومة فيتعدى الربا منها إلى كل مطعوم سواء كان اقتياتًا أو تفكهًا أو تداويًا كما مر، وقال أبو حنيفة: العلة في الذهب والفضة الوزن فيتعدى إلى كل موزون من نحاس وحديد وغيرهما اهـ من الإرشاد.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في البيوع باب بيع الذهب بالورق يدًا بيد، وباب بيع الذهب بالذهب، والنسائي أخرجه في البيوع باب بيع الفضة بالذهب.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي بكرة ﵁ فقال:
٣٩٤١ - (٠٠) (٠٠) (حدثني إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي النيسابوري، ثقة، من (١١) روى عنه في (١٧) بابا (أخبرني يحيى بن صالح) الوحاظي -بضم الواو وتخفيف المهملة ثم معجمة- أبو زكرياء الحمصي أحد كبار المحدثين والفقهاء، روى عن معاوية بن سلام في البيوع، وسليمان بن بلال في الأطعمة، ومالك بن أنس والحسن بن أيوب، ويروي عنه (خ م دت ق) وإسحاق بن منصور وموسى بن قريش وأبو حاتم ومحمد بن يحيى وغيرهم، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق من أهل الرأي، من صغار التاسعة، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين (٢٢٢) قال سلمة بن شبيب: قال يحيى بن صالح: وُلدت سنة سبع وثلاثين ومائة (١٣٧) (حدثنا معاوية) بن سلام بن أبي سلام ممطور الحبشي، ثقة، من (٧) (عن يحيى وهو ابن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من (٥) (عن يحيى بن أبي إسحاق) الحضرمي البصري (أن عبد الرحمن بن أبي بكرة أخبره أن أبا بكرة قال: نهانا رسول الله
стр. 7074
صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلمَ، بِمِثْلِهِ.
٣٩٤٢ - (١٥٢٨) (٩٢) حدثني أبُو الطَّاهِرِ أحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلانِيُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُلَيَّ بْنَ رَبَاحٍ اللَّخْمِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ فَضَالةَ بْنَ عُبَيدٍ الأَنْصَارِيَّ
ــ
ﷺ : ) وساق يحيى بن أبي كثير (بمثله) أي بمثل حديث عباد بن العوام، غرضه بيان متابعة يحيى بن أبي كثير لعباد بن العوام، ولكن هذا السند من سباعياته والأول من خماسياته.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة فقال:
٣٩٤٢ - (١٥٢٨) (٩٢) (حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح) الأموي المصري (أخبرنا ابن وهب) المصري (أخبرني أبو هانئ الخولاني) نسبة إلى خولان بسكون الواو اسم قبيلة نزلت بالشام حُميد بن هانئ المصري، روى عن علي بن رباح اللخمي في البيوع، وأبي عبد الرحمن الحبلي في الجهاد واللباس والقدر، ويروي عنه (م عم) وابن وهب وهو أكبر شيخ لابن وهب وحيوة بن شريح ونافع بن يزيد والليث، قال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات في التابعين، وقال في التقريب: لا بأس به، من الخامسة، مات سنة (١٤٢) اثنتين وأربعين ومائة (أنه سمع عُليَّ) بضم العين مصغرًا (بن رباح) بفتح الراء وتخفيف الموحدة ابن قصير ضد الطويل (اللخمي) نسبة إلى بني لخم اسم قبيلة أبا عبد الله المصري، قال علي بن عمر: اسمه علي بفتح العين مكبرًا، ولقبه علي بضم العين مصغرًا، وروى المزي عن أبي عبد الرحمن المقري قال: كانت بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه فبلغ ذلك والده رباحًا فقال: هو عُلَيّ بالضم، ولعل هذا هو الوجه في اشتباه اسمه، قال ابن سعد: كان ثقة، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من صغار (٣) مات سنة (١١٧) روى عنه في (٤) أبواب (يقول: سمعت فضالة بن عبيد) بن نافذ بن قيس (الأنصاري) الأوسي أبا محمد الدمشقي الصحابي المشهور ﵁، روى عنه في (٣) أبواب، مات سنة (٥٨) وليس في مسلم من اسمه فضالة إلا هذا الصحابي الجليل. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مصريون إلا فضالة بن عبيد فإنه دمشقي حالة كون فضالة
стр. 7075
يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ بِخَيبَرَ، بِقِلادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ وَهِيَ مِنَ الْمَغَانِمِ تُبَاعُ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالذهَبِ الَّذِي فِي الْقِلادَةِ فَنُزعَ وَحْدَهُ. ثُم قَال لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الذهَبُ بَالذهَبِ وَزْنا بِوَزْنٍ"
ــ
(يقول: أُتي) بالبناء للمجهول أي جيء (رسول الله ﷺ وهو بخيبر) أي والحال أنه نازل بخيبر في غزوتها (بقلادة) ولعل الآتي هو فضالة نفسه كما تدل عليه الروايات الآتية، والقلادة بكسر القاف حلية تعلقها المرأة في عنقها (فيها) أي في تلك القلادة (خرز وذهب) يعني أنها مركبة ومجموعة منهما، والخرز بفتح الخاء المعجمة والراء جمع خرزة بفتحتين وهي الجوهر كاللؤلؤ والياقوت والمرجان وغيرها يعني أن حبوب القلادة بعضها ذهب وبعضها جوهر آخر (وهي) أي والحال أن تلك القلادة (من) بعض (المغانم) التي غنموها من خيبر، وجملة قوله: (تباع) خبر ثان لهي أي أُتي بها وهي مباعة وكان بيعها بعد قسمة الغنائم وبعد أن صارت في ملك من صارت له اهـ من الأبي، وقال القرطبي: كان بيع هذه القلادة بعد قسم الغنيمة وبعد أن صارت إلى فضالة في سهمه كما قال في رواية حنش الآتية ولأن الغنيمة لا يُتصرف فيها ببيع شيء منها إلا بعد القسمة (فأمر رسول الله ﷺ صاحب القلادة (بـ) فصل (الذهب الذي) رُكِّب وخُرز (في القلادة) عنها وجعله على حاله (فنُزع) الذهب وفصل من القلادة وجُعل (وحده) أي منفردًا عنها (ثم قال لهم): أي لأصحاب القلادة (رسول الله ﷺ يعني هكذا بعد فصله من القلادة يباع (الذهب بالذهب) حالة كونه (وزنًا بوزن) أي موزونًا مقابلًا بموزون مماثل له في الوزن، قال القرطبي: وأمره ﷺ بتفصيل القلادة وبيع الذهب على انفراده إنما كان لأن المشتري أراد أن يشتريها بذهب لقوله: (الذهب بالذهب وزنًا بوزن) أو يكون قد وقع البيع بذهب كما جاء في الرواية الأخرى التي قال فيها إنه اشتراها باثني عشر دينارًا ففصلها فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا ففسخ النبي ﷺ البيع بقوله: (لا تُباع حتى تفصل) ووجه هذا المنع في هذه الصورة وجود المفاضلة بين الذهبين فإنه إن كان مساويًا للآخر فقد فضله من صار إليه الذهب والعرض بالعرض يعني الخرز وإن لم يكن مساويًا فقد حصل التفاضل في عين أحد الذهبين كما قال في رواية الاثني عشر دينارًا وهذا قول
следующие страницы →