Полный текст (11 982 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.
стр. 7106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحرام وقيل: مكروهة والورع تركها وقيل: لا يقال فيها واحد منهما، والصواب الثاني لأن الشرع قد أخرجها من قسم الحرام فلا توصف به وهي مما يرتاب فيه وقد قال ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" رواه أحمد والترمذي والنسائي، وهذا هو الورع وقد قال فيها بعض الناس: إنها حلال ويتورع عنها.
(قلت): وليست بعبارة صحيحة لأن أقل مراتب الحلال أن يستوي فعله وتركه فيكون مباحًا وما كان كذلك لم يتصور فيه الورع من حيث هو متساوي الطرفين فإنه إن ترجح أحد طرفيه على الآخر خرج عن كونه مباحًا وحينئذٍ يكون تركه راجحًا على فعله وهو المكروه أو فعله راجحًا على تركه وهو المندوب، فإن قيل فهذا يؤدي إلى ترك معلوم من الشرع وهو أن النبي ﷺ والخلفاء بعده وأكثر الصحابة ﵃ كانوا يزهدون في المباح فإنهم رفضوا التنعم بأكل الطيبات من الأطعمة وبلباس اللين الفاخر من الملابس وبسكنى المباني الأنيقة من المساكن ولا شك في إباحة هذه الأمور ومع هذا فآثروا أكل الخشن ولباس الخشن وسكنى الطين واللبن وكل هذا معلوم من حالهم منقول من سيرتهم.
فالجواب إن تركهم التنعم بالمباح لا بد له من موجب شرعي أوجب ترجيح الترك على الفعل وحينئذٍ يلزم عليه خروج المباح عن كونه مباحًا فإن حقيقته التساوي من غير رجحان فلم يزهدوا في مباح بل في أمر تركه خير من فعله شرعًا وهذه حقيقة المكروه فإذًا إنما زهدوا في مكروه غير أن المكروه تارة يكرهه الشرع من حيث هو كما كره لحوم السباع وتارة يكرهه لما يؤدي إليه كما كره القبلة للصائم فإنها تكره لما يُخاف منها من فساد الصوم وتركهم التنعم من هذا القبيل فإنه انكشف لهم من عاقبته ما خافوا على نفوسهم منه مفاسد إما في الحال كالركون إلى الدنيا وإما في المال كالحساب عليه والمطالبة بالشكر وغير ذلك مما ذُكر في كتب الزهد وعلى هذا فقد ظهر ولاح أنهم لم يزهدوا ولا تورعوا عن مباح بل عن مكروه خوفًا من الوقوع في الحرام اهـ من المفهم.
وأما قوله ﷺ : (الحلال بيّن والحرام بيّن) فمعناه أن الأشياء ثلاثة أقسام: حلال بيّن واضح لا يخفى حاله كالخبز والفواكه والزيت والسمن والعسل ولبن مأكول اللحم وبيضه وغير ذلك من المطعومات وكذلك الكلام والمشي والنظر وغير ذلك
стр. 7107
فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ
ــ
من التصرفات فيها حلال بين واضح لا شك في حله، وأما الحرام البين فكالخمر والخنزير والميتة والبول والدم المسفوح وكذلك الزنا والكذب والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية وأشباه ذلك، وأما المشتبهات فمعناه أنها ليست بواضحة الحل ولا الحرمة فلهذا لا يعرفها كثير من الناس ولا يعلمون حكمها كما تولد بين شاة وكلب وما رُكب من حرير وغيره وكتزوجه بنته من الزنا، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك فإن تردد بين الحل والحرمة ولم يكن فيه نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي فإذا ألحقه بالحلال صار حلالًا وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال البين فيكون الورع تركه ويكون داخلًا في قوله ﷺ : "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء وهو مشتبه فهل يؤخذ بحله أم بحرمته أم يتوقف؟ فيه ثلاثة مذاهب حكاها القاضي عياض وغيره والظاهر أنها مخرجة على الخلاف المذكور في الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه أربعة مذاهب: الأصح أنه لا يحكم عليها بحل ولا حرمة ولا غيرهما لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع، والثاني: أن حكمها التحريم، والثالث: الإباحة، والرابع: التوقف والله أعلم اهـ نووي.
وقوله: (وبينهما أمور مشتبهات) كذا في النسخ الموجودة عندنا ولكن ذكر العسقلاني والعيني أن مسلمًا إنما رواه بلفظ مشبهات بصيغة اسم مفعول من شبه المضعف، وذكر العيني أن الحديث ورد بخمس روايات: الأولى: مشتَبِهات على صيغة اسم الفاعل من افتعل الخماسي يعني المشكلات من الأمور لما فيها من شبه الطرفين المتخالفين فيشتبه بهذا مرة وبهذا مرة أخرى، والثانية متشَبِّهات بوزن متفعلات على صيغة اسم الفاعل من تفعل الخماسي كما في رواية الطبري وفي المغني هي كالأولى إلا أن فيها معنى التكلف، والثالثة: مشبَّهات على صيغة اسم المفعول من شبه الرباعي المضعف وهي رواية السمرقندي ورواية مسلم والمعنى أنها مشبَّهات بغيرها ما لم يتيقن فيه حكمها على التعيين ويقال معناه مشبهات بالحلال، والرابعة: مشبَّهات على صيغة اسم الفاعل من شبه المضعف ومعناها أنها تشبه أنفسها بالحلال، والخامسة: مُشْبِهات على صيغة اسم الفاعل من أشبه الرباعي ومعناها مثل التي قبلها اهـ عيني [١/ ٣٤٥].
(فمن اتقى) أي تورع وتحرز (الشبهات) وابتعد عنها وتركها بضم الشين والباء
стр. 7108
اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ. وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الْحَرَامِ
ــ
والمراد ترك ما يشتبه كونه حلالًا فقد (استبرأ) أي طلب البراءة من الذم الشرعي والإثم وحصلها (لدينه و) صان لـ (عرضه) وحفظه من وقوع الناس فيه وتعييبهم له، والعرض بكسر العين وسكون الراء موضع المدح والذم من الناس والمعنى من ترك ما يشتبه عليه سلم دينه مما يفسده أو ينقصه وعرضه مما يشينه ويعيِّبه فيسلم من عقاب الله تعالى وذمّه ويدخل في زمرة المتقين الفائزين بثناء الله تعالى وثوابه لكن لا يصح اتقاء الشبهات حتى تعرف ومعرفتها على التعيين والتفصيل يستدعي فصل تطويل لكن نعقد فيه عقدًا كليًّا إن شاء الله تعالى عن التفصيل مغنيًا فنقول: المكلف بالنسبة إلى الشرع إما أن يترجح فعله على تركه، أو تركه على فعله، أو لا يترجح واحد منهما فالراجح الفعل، أو الترك، إما أن يجوز نقيضه بوجه ما أو لا يجوز نقيضه؟ فإن لم يجز نقيضه فهو المعلوم الحكم من التحليل كحلية لحوم الأنعام أو من التحريم كتحريم الميتة والخنزير على الجملة فهذان النوعان هما المرادان بقوله: الحلال بيّن والحرام بين، وأما إن جوز نقيض ما ترجح عنده فإما أن يكون ذلك التجويز بعيدًا لا مستند له أكثر من توهم وتقدير فلا يلتفت إلى ذلك ويُلغى بكل حال وهذا كترك النكاح من نساء بلدة كبيرة مخافة أن يكون له فيها ذات محرم من النسب أو الرضاع أو كترك استعمال ماء بأن على أوصافه في فلاة من الأرض مخافة تقدير نجاسة وقعت فيه أو كترك الصلاة على موضع لا أثر ولا علامة للنجاسة فيه مخافة أن يكون فيها بول قد جف أو كتكرار غسل الثوب مخافة طرو نجاسة لم يشاهدها إلى غير ذلك مما في معناه فهذا النوع يجب أن لا يلتفت إليه والتوقف لأجل ذلك التجويز هوس والورع فيه وسوسة شيطانية إذ ليس فيه من معنى الشبهة شيء وقد دخل الشيطان على كثير من أهل الخير من هذا الباب حتى يعطل عليهم واجبات أو ينقص ثوابها لهم وسبب الوقوع في ذلك عدم العلم بالمقاصد الشرعية وأحكامها اهـ من المفهم.
(ومن وقع في الشبهات) أي ارتكب الأمور المشتبهة (وقع في الحرام) وهذا يكون لأحد وجهين أحدهما إذا عود لنفسه عدم التحرز مما يشتبه أثر ذلك في استهانته وعدم المبالاة بأمور الدين فوقع في الحرام مع العلم به، وقيل: إن من أكثر الوقوع في الشبهات أظلم قلبه عليه لفقدان نور العلم والورع فيقع في الحرام ولا يشعر به.
وثانيهما: أن من اشتبه عليه الحكم في مسألة فارتكبها بدون تحقيق أو سؤال عنه
стр. 7109
كَالرَّاعي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى. يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ. أَلا وإن لِكُل مَلِكٍ حِمَى. أَلا وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ. أَلا وإن في الْجَسَدِ
ــ
فيمكن أن يكون ذلك الفعل حرامًا في نفس الأمر فحينئذٍ صار الوقوع في الشبهة وقوعًا في الحرام والله تعالى أعلم اهـ من التكملة.
حالة كون ذلك الواقع في الشبهات (كالراعي) الذي (يرعى) المواشي (حول الحمى) أي حول المرعى الذي حماه الملك ومنعه من الناس حالة كون ذلك الراعي (يوشك) ويقرب (أن يرتع) ويرعى مواشيه (فيه) أي في ذلك الحمى الذي حماه الإِمام فتصيبه العقوبة منه، والحمى بكسر الحاء وبالقصر كل موضع حظره السلطان لنفسه ومنع الغير من الدخول فيه وأكثر ما يستعمل في مراعي المواشي.
وقوله: (يوشك) بضم الياء وكسر الشين مضارع أوشك الرباعي بفتحها وهو من أفعال المقاربة ومعناه هنا يقع في الحرام بسرعة و (يرتع) بفتح التاء مضارع رتع بفتحها أيضًا وفُتحت في المضارع لوجود حرف الحلق لأنه من داعي الفتح بشرطه المذكور في كتب الصرف كما بسطنا الكلام عليه في شرحنا مناهل الرجال على لامية الأفعال؛ ومعناه أكل الماشية من المرعى وأصله إقامتها فيه وتبسطها في الأكل منه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢] وهذا مثل ضربه النبي ﷺ لمحارم الله تعالى وأصله أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها الخاصة بها وتُحرِّج بالتوعد بالعقوبة على من قربها فالخائف من عقوبة السلطان يبعد بماشيته من ذلك الحمى لأنه إن قرب منه فالغالب الوقوع وإن أكثر الحذر إذ قد تنفرد الفاذة وتشذ الشاذة ولا تنضبط فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة بحيث يأمن فيها من وقوع الفاذة والشاذة فيه وهكذا محارم الله تعالى لا ينبغي أن يحوم حولها مخافة الوقوع فيها على الطريقتين المتقدمتين.
(ألا) أي انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (وإن لكل ملك) من ملوك الدنيا أي لجنسهم (حمى) أي مرعى حماه ومنعه من الناس لرعي مواشيه وإلا فليس لكل ملك حمى بل لبعضهم (ألا وإن حمى الله) الذي حمى عباده منه (محارمه) أي محرماته أي ما حرمه على عباده من المنهيات والمعاصي، ولما كان التورع يميل القلب إلى الصلاح وعدمه يميله إلى الفجور، نبه النبي ﷺ عليه بقوله: (ألا وإن في الجسد)
стр. 7110
مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ"
ــ
أي انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم، وإن في جنس الجسد والجسم (مضغة) أي قطعة لحم قدر ما يمضغه الماضع والمضغة في اللغة قطعة لحم قدر ما يُمضغ عند الأكل وعبّر بها هنا عن القلب فإنه صغير جرمه في الرؤية وكبير قدره لأن صلاح سائر البدن وفساده تابع له (إذا صلحت) بفتح اللام من باب نصر أي إذا انشرحت واتسعت تلك المضغة بالهداية (صلح الجسد كله) أي استعملت الجوارح في الخيرات لأنها متبوعة للجسد وهي وإن كانت صغيرة صورة لكنها كبيرة رتبة لكونها الأميرة للجسد (وإذا فسدت) تلك المضغة أي انشرحت بالضلالة وهو من باب نصر أيضًا (فسد الجسد كله) باستعمال آلاته في المنكرات (ألا وهي) أي وتلك المضغة التي كانت أميرة الجسد (القلب) سميت بالقلب لأنها محل الخواطر المختلفة الحاملة على الانقلابات اهـ من المبارق.
وعبارة النووي هنا قوله: (ألا وإن لكل ملك حمى) إلخ معناه أن الملوك من العرب وغيرهم يكون لكل منهم حمى يحميه عن الناس ويمنعهم دخوله فمن دخله أوقع به العقوبة ومن احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفًا من الوقوع فيه، ولله تعالى أيضًا حِمَى وهي محارمه أي المعاصي التي حرمها الله تعالى كالقتل والزنا والسرقة والقذف والخمر والكذب والغيبة والنميمة وأكل المال بالباطل وأشباه ذلك فكل هذا حمى الله تعالى من دخله بارتكابه شيئًا من المعاصي استحق العقوبة ومن قاربه يوشك أن يقع فيه فمن احتاط لنفسه لم يقاربه ولم يتعلق بشيء يقربه من المعصية فلا يدخل في شيء من الشبهات (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله) قال أهل اللغة: يقال صلح الشيء وفسد بفتح اللام والسين وضمهما والفتح أفصح وأشهر والمعنى إذا صارت تلك المضغة ذات صلاح أو ذات فساد وقد يقال: صلح وفسد بضم العين فيهما إذا صار الصلاح أو الفساد هيئة لازمة لها كما يقال ظرف وشرف، والمضغة: القطعة من اللحم سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغرها قالوا: المراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب اهـ منه، قوله: (ألا وهي القلب) هذا اللفظ في الأصل مصدر قلبت الشيء أقلبه من باب ضرب إذا رددنه على بدأته وقلبت الإناء إذا رددته على وجهه وقلبت الرجل عن رأيه إذا صرفته عنه وعن طريقه كذلك ثم نُقل هذا اللفظ فسُمي به هذا العضو الذي هو أشرف أعضاء الحيوان لسرعة الخواطر فيه
стр. 7111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولترددها عليه وقد نظم بعض الفضلاء هذا المعنى فقال:
ما سُمي القلب إلا من تقلبه ... فاحذر على القلب من قلب وتحويل
وفي اللسان وتاج العروس:
ما سُمي القلب إلا من تقلبه ... والرأي يصرف بالإنسان أطوارا
ولبعضهم:
وما سُمي الإنسان إلا لنسيه ... وما القلب إلا أنه يتقلب
ثم لما نقلت العرب هذا المصدر إلى هذا العضو التزمت فيه تفخيم قافه تفريقًا بينه وبين أصله وليحذر اللبيب من سرعة انقلاب قلبه إذ ليس بين القلب والقلب إلا التفخيم وما يعقلها إلا كل ذي فهم مستقيم.
ثم اعلم أن الله تعالى خص جنس الحيوان بهذا العضو المسمى بالقلب وأودع فيه المعنى الذي تنظم به المصالح المقصودة من ذلك النوع فتجد البهائم تدرك مصالحها ومنافعها وتميّز بين مفاسدها ومضارها مع اختلاف أشكالها وصورها إذ منها ما يمشي على بطنه ومنها ما يمشي على أربع ومنها ما يطير بجناحيه ثم خص الله تعالى من بين سائر الحيوان نوع الإنسان الذي هو المقصود الأول من الكونين والمعنى في العالمين بهذا القلب المخصوص المشتمل على هذا المعنى المخصوص الذي تميّز الإنسان ووقع به بينه وبين سائر الحيوانات الفرقان وهو المعنى الذي به يفهم القلب المفهومات ويحصل به على معرفة الكليات والجزئيات ويعرف به فرق ما بين الواجبات والجائزات والمستحيلات، وقد أضاف الله تعالى العقل إلى القلب كما أضاف السمع إلى الأذن والإبصار إلى العين فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦] وهو رد على من قال من أهل الضلال إن العقل في الدماغ وهو قول من زل عن الصواب وزاغ كيف لا وقد أخبرنا عن محله خالقه القدير ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤] وقد روي ذلك عن أبي حنيفة وما أظنها عنه معروفة.
وإذا فهمت أن الإنسان إنما شرفه الله تعالى على سائر الحيوان بهذا القلب وأن هذا القلب لم يشرف من حيث صورته الشكلية فإنها موجودة لغيره من الحيوانات البهيمية بل
стр. 7112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من حيث هو مقر لتلك الخاصية الإلهية علمت أنه أشرف الأعضاء وأعز الأجزاء إذ ليس ذلك المعنى موجودًا في شيء منها ثم إن الجوارح مسخرة له ومطيعة فما استقر فيه ظهر عليها وعملت على مقتضاه إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر وعند هذا انكشف لك معنى قوله: (إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله) ولما ظهر ذلك وجبت العناية بالأمور التي يصلح بها القلب ليتصف بها وبالأمور التي تفسد القلب ليجتنبها ومجموع ذلك علوم وأعمال وأحوال.
فالعلوم ثلاثة: الأول: العلم بالله تعالى وصفاته وأسمائه وتصديق رسله فيما جاؤوا به. والثاني: العلم بأحكامه عليهم ومراده منهم. والثالث: العلم بمساعي القلوب من خواطرها وهمومها ومحمود أوصافها ومذمومها. وأما أعمال القلوب فالتحلي بالمحمود من الأوصاف والتخلي عن المذموم منها ومنازلة المقامات والترقي عن مفضول المنازلات إلى سَنِيِّ الحالات.
وأما الأحوال فمراقبة الله تعالى في السر والعلن والتمكن من الاستقامة على السنن وإلى هذا أشار رسول الله ﷺ حيث قال: "أن تعبد الله كأنك تراه" وتفصيل هذه المعاقد الجمليّة توجد في تصانيف محققي الزهادية.
(تنبيه): الجوارح وإن كانت متابعة للقلب فقد يتأثر القلب بأعمالها للارتباط والعلاقة التي بين الباطن والظاهر والقلب مع الجوارح كالملك مع الرعية إن صلح صلحت ثم يعود صلاحها عليه بزيادة مصالح ترجع إليه ولذلك قيل: الملك سوق ما نفق عنده جلب عليه وقد نص على هذا المعنى النبي ﷺ فقال: "إن الرجل ليصدق فينكت في قلبه نكتة بيضاء حتى يكتب عند الله تعالى صدّيقًا، وإن الرجل ليكذب الكذبة فيسودّ قلبه حتى يكتب عند الله كذابًا" رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وفي الترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إن الرجل ليصيب الذنب فيسود قلبه فإن هو تاب صقُل قلبه" قال: وهو الران الذي ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤] وقال مجاهد: القلب كالكف تُقبض منه بكل ذنب أصبع ثم يُطبع، وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله" متصلًا بقوله: "الحلال بيّن والحرام بيّن" إشعارًا بأن أكل الحلال ينوره
стр. 7113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويصلحه وأكل الحرام والشبهة يفسده ويقسيه ويظلمه وقد وجد ذلك أهل الورع حتى قال بعضهم: استسقيت جُنديًا فسقاني شربة ماء فعادت قسوتها على قلبي أربعين صباحًا، وقيل الأصل المصحِّح للقلوب والأعمال أكل الحلال ويُخاف على آكل الحرام والمتشابه أن لا يقبل له عمل ولا تسمع له دعوة ألا تسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] وآكل الحرام المسترسل في الشبهات ليس بمتق على الإطلاق وقد عضد ذلك قوله ﷺ : "يا أيها الناس إن الله طيب ولا يقبل إلا طيبًا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغُذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك" رواه مسلم والترمذي، ولما شرب أبو بكر جرعة لبن من شبهة استقاءها فأجهده ذلك حتى تقياها فقيل له: أكُل ذلك في شربة فقال: والله لو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به" رواه الطبراني في الكبير.
وعند هذا يعلم الواحد منا قدر المصيبة التي هو فيها وعظم المحنة التي ابتلي بها إذ المكاسب في هذه الأعصار قد فسدت وأنواع الحرام والشبهات قد عمت فلا يكاد منا اليوم يتوصل إلى الحلال ولا ينفك عن الشبهات فإن الواحد منا وإن اجتهد فيما يعمله فكيف يعمل فيمن يعامله مع استرسال الناس في المحرمات والشبهات وقلة من يتقي ذلك من جميع الأصناف والطبقات مع ضرورة المخالطة والاحتياج للمعاملة، وعلى هذا فالخلاص بعيد والأمر شديد ولولا النهي عن القنوط واليأس لكان ذلك أولى بأمثالنا من الناس لكنا إذا دفعنا عن أنفسنا أصول المحرمات واجتهدنا في ترك ما يمكننا من الشبهات فعفو الله تعالى مأمول وكرمه مرجو فلا ملجأ لنا إلا هو ولا مفزع إلا إليه ولا استعانة إلا به ولا استغاثة إلا إليه ولا حول ولا قوة إلا باللهِ العلي العظيم.
(تنبيه) ثان: وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الشريعة حتى لقد قال أبو داود: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث الثابت منها أربعة آلاف حديث وهي ترجع إلى أربعة أحاديث: قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" متفق عليه، و"من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" رواه الترمذي وابن ماجه،
стр. 7114
٣٩٦٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. قَالا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، بِهذا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ
ــ
و"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" متفق عليه، و"الحلال بين والحرام بين" متفق عليه، وقد جعل غيره مكان: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب ... " إلخ قوله: "ازهد في الدنيا يحبك الله" وقد نظم رموز هذه الأحاديث الأربعة أبو الحسن طاهر بن مفوز فقال:
عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البرية
اتق المشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملن بنيَّةْ
(قلت): وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى كلام حسن غير أنهم لو أمعنوا النظر في هذا الحديث كله من أوله إلى آخره لوجدوه متضمنًا لعلوم الشريعة كلها ظاهرها وباطنها وإن أردت الوقوف على ذلك فأعد النظر فيما قررناه من الجمل في الحلال والحرام والمتشابهات وما يُصلح القلوب وما يفسدها وتعلق أعمال الجوارح بها وحينئذٍ يستلزم هذا الحديث معرفة تفاصيل أحكام الشريعة كلها أصولها وفروعها والله هو المسؤول أن يستعملنا بما علمنا ويوفقنا بما يرضيه عنا إنه ولي التوفيق والهداية لأقوم الطريق والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥٢] , وأبو داود [٣٣٢٩] , والترمذي [١٢٠٥] والنسائي [٧/ ٢٤١].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث النعمان ﵁ فقال:
٣٩٦٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع (ح) وحدثنا إسحاق ابن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي (قالا): أي قال كل من وكيع وعيسى (حدثنا زكرياء) بن أبي زائدة الهمداني الكوفي (بهذا الإسناد) يعني عن الشعبي عن النعمان (مثله) أي مثل ما روى عبد الله بن نمير عن زكريا بن أبي زائدة، غرضه بيان متابعة وكيع وعيسى لعبد الله بن نمير في الرواية عن زكرياء.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث النعمان بن بشير ﵄ فقال:
стр. 7115
٣٩٦٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ وَأَبِي فَرْوَةَ الْهَمْدَانِيّ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْقَارِيَّ) عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَعِيدٍ. كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِهذا الْحَدِيثِ. غَيرَ أَنَّ حَدِيثَ زَكَرِيَّاءَ أَتَمُّ مِنْ حَدِيثهِمْ، وَأَكْثَرُ
ــ
٣٩٦٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي، ثقة، من (٨) (عن مطرف) بن طريف الحارثي أبي بكر الكوفي، ثقة، من (٦) روى عنه في (٧) أبواب (و) عن عروة بن الحارث الكوفي (أبي فروة) الأكبر (الهمداني) روى عن الشعبي في البيوع، وابن أبي ليلى وأبي زرعة بن عمرو بن جرير البجلي، ويروي عنه (خ م د س) وجرير بن عبد الحميد، وأبو إسحاق أكبر منه، ومسعر والثوري وشعبة، وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الخامسة (ح وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب يعني ابن عبد الرحمن القاري) نسبة إلى قارة اسم قبيلة المدني، ثقة، من (٨) (عن) محمَّد (بن عجلان) القرشي المدني، صدوق، من (٥) روى عنه في (٩) أبواب (عن عبد الرحمن بن سعيد) بن وهب الهمداني الخيواني بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتانية نسبة إلى خيوان بطن من همدان الكوفي، روى عن الشعبي في البيوع وأبيه وعائشة، ويروي عنه (م س) وابن عجلان، وثقه أبو حاتم والنسائي، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الرابعة كلهم) أي كل من هؤلاء الثلاثة يعني مطرفًا وأبا فروة وعبد الرحمن بن سعيد رووا (عن الشعبي) عامر بن شراحيل الكوفي (عن النعمان بن بشير) ﵄ وهو أول مولود من الأنصار بعد الهجرة كما أن عبد الله بن الزبير أول مولود من المهاجرين بعد الهجرة (عن النبي ﷺ غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لعبد الله بن نمير وزكرياء بن أبي زائدة أي كلهم رووا عن الشعبي (بهذا الحديث) المذكور عن النعمان (غير أن) أي لكن أن (حديث زكرياء) بن أبي زائدة (أتم) سندًا أي أصح سندًا (من حديثهم) أي من حديث هؤلاء الثلاثة لما في حديث زكرياء من تصريح سماع الشعبي عن النعمان وتصريح سماع النعمان عن النبي ﷺ دون حديثهم فإنهم عنعنوا في الموضعين (و) حديث زكرياء (أكثر) أي أطول متنًا من حديثهم.
стр. 7116
٣٩٦٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيبِ بْنِ اللَّيثِ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي. حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلالٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ نُعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ، صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِحِمْصَ. وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْحَلالُ بَين وَالْحَرَامُ بَيِّن". فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الشعْبِي، إلى قَوْلِهِ: "يُوشِكُ أن يَقَعَ فِيهِ"
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث النعمان بن بشير ﵄ فقال:
٣٩٦٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد) الفهمي المصري، ثقة، من (١١) (حدثني أبي) شعيب بن الليث، ثقة، من (١٠) (عن جدي) ليث بن سعد، ثقة ثبت، من (٧) (حدثني خالد بن يزيد) الجمحي مولاهم أبو عبد الرحيم المصري الإسكندراني، ثقة، من (٦) (حدثني سعيد بن أبي هلال) الليثي مولاهم أبو العلاء المصري، قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال الساجي: صدوق، وقال العجلي: مصري ثقة، ووثقه ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي والخطيب وابن عبد البر، وقال في التقريب: صدوق، من (٦) (عن عون بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي أبي عبد الله الكوفي الزاهد، ثقة، من (٤) (عن عامر) بن شراحيل الحميري (الشعبي) الكوفي، ثقة، من (٣) (أنه سمع نعمان بن بشير بن سعد) الأنصاري الخزرجي (صاحب رسول الله ﷺ ﵁ وهذا السند من ثمانياته، غرضه بيان متابعة عون بن عبد الله لزكرياء بن أبي زائدة أي سمع النعمان (وهو) أي والحال أن النعمان (يخطب الناس) أي يذكر الناس ويعظهم (بحمص) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم بلدة كبيرة في الشام (وهو) أي والحال أن النعمان (يقول) في خطبته: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: الحلال بيّن والحرام بيّن فذكر) عون بن عبد الله (بمثل حديث زكرياء) بن أبي زائدة (عن الشعبي إلى قوله): أي إلى قول النبي ﷺ : (يوشك أن يقع فيه) ولم يذكر عون ما بعده، وقال: يقع بدل قول زكرياء يرتع والله أعلم.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث جابر بن عبد الله ﵄ فقال:
стр. 7117
٣٩٦٥ - (١٥٣٧) (١٠٢) حدثنا محمدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أبي. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ. حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أعْيَا. فَأرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ. قَال: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ . فَدَعَا لِي وَضَرَبَهُ. فَسَارَ سَيرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ. قَال: "بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ" قُلْتُ: لَا. ثُمَّ قَال: "بِعْنِيهِ" فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ. وَاسْتَثْنَيتُ عَلَيهِ حُمْلانَهُ إلى أَهْلِي
ــ
٣٩٦٥ - (١٥٣٧) (١٠٢) (حدثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (حدثنا زكرياء) بن أبي زائدة (عن عامر) بن شراحيل الشعبي (حدثني جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا جابر بن عبد الله (أنه) أي أن جابرًا (كان يسير) ويذهب راكبًا (على جمل له) وهو ذكر الإبل وكان ذلك في سفر رجوعهم من غزوة تبوك أو ذات الرقاع (قد أعيا) وعجز عن السير في الطريق (فأراد) جابر (أن يسيبه) أي أن يُسيب الجمل ويتركه في الطريق (قال) جابر: (فلحقني النبي ﷺ من ورائي (فدعا لي) في سير الجمل ونشاطه (وضربه) أي وضرب النبي ﷺ الجمل بعصاه ليقوم ويسير (فسار) الجمل (سيرًا لم يسر مثله) قط فـ (قال) النبي ﷺ لجابر: (بعنيه) يا جابر أي بعني هذا الجمل (بوقية) -بضم الواو وكسر القاف وتشديد الياء المفتوحة- لغة في الأوقية أي بعنيه بوقية ذهب، قال النووي: هكذا هو في النسخ بوقية وهي لغة صحيحة سبقت مرارًا ويقال: أوقية وهي أشهر، وفيه أنه لا بأس بطلب البيع من مالك السلعة وإن لم يعرضها للبيع، قال جابر: (قلت) له: (لا) أبيعك يا رسول الله بل سأهبه لك (ثم قال) رسول الله ﷺ : (بعنيه) يا جابر مرة ثانية، قال جابر: (فبعته بوقية) من ذهب امتثالًا لأمره وإلا فقد كان غرضه أن يهبه له ﷺ (واستثنيت) أي وشرطت (عليه) ﷺ (حملانه) بضم الحاء وسكون الميم أي حملان الجمل وركوبه (إلى) وصول (أهلي) في المدينة، وهذا صريح في جواز بيع الدابة واستثناء ركوبها وشرطه قال به ابن شبرمة وغيره من الناس ومنعه أبو حنيفة والشافعي أخذًا بنهي النبي ﷺ عن بيع وشرط ورأوا أن هذا النهي أولى من حديث جابر إما لأنه ناسخ له أو مرجح عليه، وقال مالك: يجوز ذلك إذا كانت المسافة قريبة معلومة وحمل هذا الحديث عليه.
стр. 7118
فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيتُهُ بِالْجَمَلِ. فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ. ثُمَّ رَجَعْتُ. فَأَرْسَلَ في أَثَرِي. فَقَال: "أَتُرَاني مَاكسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ. فَهُوَ لَكَ".
٣٩٦٦ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ. أَخْبَرَنَا عيسَى (يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ)
ــ
وقد اختلفوا في جواز البيع والشرط فصححهما ابن شبرمة وأبطلهما أبو حنيفة وصحح ابن أبي ليلى البيع وأبطل الشرط تمسكًا بحديث بريرة المتقدم، وأما مالك فيحمل النهي عن بيع وشرط عنده على شرط يناقض مقصود العقد كقوله: أبيعك هذه الجارية على أن لا تطأها أو على أن لا تبيع وما شاكل ذلك فجمع بين الأحاديث وهي طريقته في القديم والحديث اهـ من المفهم.
(فلما بلغت) المدينة ووصلت إلى أهلي (أتيته) ﷺ وجئته (بالجمل فنقدني) أي أعطاني (ثمنه) نقدًا أي وزنًا بالوقية (ثم رجعت) إلى أهلي (فأرسل) أي بعث رجلًا (في أثري) أي ورائي فطلبني بالرجوع إليه فرجعت إليه (فقال) لي: (أتراني) بضم التاء أي تظنني (ماكستك) أي عاملتك بالنقص من الثمن، ذكر النووي أن المماكسة هي المكالمة في النقص من الثمن وأصلها النقص ومنه مكس الظالم وهو ما ينتقصه ويأخذه من أموال الناس اهـ وفي النهاية المماكسة انتقاص الثمن واستحطاطه أي أتظن بي أني ناقصت ثمن جملك (لآخذ جملك) بثمن ناقص وهو بفتح الهمزة وضم الخاء وفتح الذال على صيغة المضارع واللام فيه حينئذٍ لام كي كذا لجميع الرواة، وذكر الأبي عن القاضي عياض ضبطه بسكون الخاء وكسر الذال على صيغة المصدر المجرور بلام التعليل وقيد علي بن بحر (لا) (خذ جملك) على أن لا نافية، وخذ فعل أمر، والمعنى واحد (خذ جملك) الذي اشتريت منك (ودراهمك) التي سلمتها إليك في ثمن الجمل (فهو) أي الثمن الذي سلمته إليك باق (لك) فلا ترده على بعد أخذ الجمل، أو الضمير للمذكور من الجمل والدراهم والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٣٧٥] , والبخاري [٢٠٩٧] , وأبو داود [٣٥٠٥] , والترمذي [١٢٥٣] , والنسائي [٧/ ٢٩٧] , وابن ماجه [٢٢٠٥].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٩٦٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه علي بن خشرم) بن عبد الرحمن المروزي، ثقة، من (١٠) (أخبرنا عيسى يعني ابن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة، من (٨)
стр. 7119
عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عَامِرٍ. حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيرٍ.
٣٩٦٧ - (٠٠) (٠٠) حدْثنا عُثْمَانُ بْنُ أبي شَيبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ) (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال عُثْمَانُ: حَدَّثنَا جَرِيرٌ) عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله. قَال: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَتَلاحَقَ بِي. وَتَحْتِي نَاضِحٌ لِي قَدْ أَعْيَا وَلَا يَكَادُ يَسِيرُ. قَال: فَقَال لِي: "مَا لِبَعِيرِكَ؟ "
ــ
(عن زكرياء) بن أبي زائدة الهمداني الكوفي، ثقة، من (٦) (عن عامر) بن شراحيل الشعبي الكوفي، ثقة، من (٣) (حدثني جابر بن عبد الله) ﵄ وساق عيسى بن يونس (بمثل حديث) عبد الله (بن نمير) غرضه بيان متابعة عيسى لعبد الله بن نمير.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٩٦٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (واللفظ لعثمان قال إسحاق: أخبرنا وقال عثمان: حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، ثقة، من (٨) (عن مغيرة) بن مقسم الضبي الكوفي، ثقة، من (٦) (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن جابر بن عبد الله) ﵄ الأنصاري المدني. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة مغيرة بن مقسم لزكرياء بن أبي زائدة (قال) جابر: (فزوت مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك كما صرح به في رواية البخاري وجزم ابن إسحاق بأن ذلك في غزوة ذات الرقاع، وقال ابن حجر: وهي الراجحة في نظري لأن أهل المغازي أضبط لذلك من غيرهم اهـ من الإرشاد. فاستعجلت الرجوع إلى أهلي لحداثة تزوجي فاستأذنته فأذن لي في المتقدم فتقدمت عليهم (فتلاحق بي) أي أدركني رسول الله ﷺ ولحقني من ورائي (وتحتي ناضح لي) أي جمل نستقي عليه الماء في المدينة (قد أعيا) أي عجز عن السير بي (ولا يكاد يسير) أي لا يقرب أن يمشي بي لنهاية إعيائه (قال) جابر: (فقال لي) رسول الله ﷺ : (ما لبعيرك) أي أي شيء ثبت لجملك لا يسير بك يا جابر.
قال القرطبي: والبعير من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس يقال للجمل بعير وللناقة بعير، تقول العرب: صرعني بعيرك وشربت من لبن بعيري وإنما يقال له بعير إذا أجذع
стр. 7120
قَال: قُلْتُ: عَلِيلٌ. قَال: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ الله ﷺ فَزَجَرَهُ وَدَعَا لَهُ. فَمَا زَال بَينَ يَدَيِ الإِبِلِ قُدامَهَا يَسِيرُ. قَال: فَقَال لِي: "كَيفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟ " قَال: قُلْتُ: بِخَيرٍ. قَدْ أصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ. قَال: "أَفَتَبِيعُنِيهِ؟ " فَاسْتَحْيَيتُ. وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غيرُهُ. قَال: فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَبِعْتُهُ إِياهُ. عَلَى أَن لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتى أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ. قَال: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، إِني عَرُوسٌ فَاسْتَأْذَنْتُهُ. فَأَذِنَ لِي. فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى الْمَدِينَةِ. حَتَّى انتَهَيتُ. فَلَقِيَنِي خَالِي فَسَأَلَنِي عَنِ الْبَعِيرِ
ــ
أي صار جذعًا، والجذع من الإبل ما استكمل أربعة أعوام ودخل في السنة الخامسة سُمي جذعًا لأنه أجذع وأسقط مقدم أسنانه اهـ من المفهم بزيادة.
(قال) جابر: (قلت) له ﷺ في جواب استفهامه عن البعير هو (عليل) أي مريض (قال) جابر: (فتخلف رسول الله ﷺ أي قام خلف الجمل (فزجره) أي زجر الجمل عن البطء في السير وحثه عليه (ودعا له) أي للجمل بالشفاء والنشاط في السير فشفاه الله تعالى فصار يسرع فيه (فما زال) الجمل يسرع (بين يدي الإبل) أي إبل القوم، حالة كونه (قدامها يسير) ولابن سعد من هذا الوجه فانبعث فما كدت أمسكه، ولمسلم من رواية ابن الزبير عن جابر فكنت بعد ذلك أحبس خطامه لأسمع حديثه (قال) جابر: (فقال لي) رسول الله ﷺ : (كيف ترى) الآن (بعيرك؟ قال) جابر: (قلت) له ﷺ : أراه (بخير) ونشاط (قد أصابته) ونالته (بركتك) أي بركة دعائك يا رسول الله ثم (قال) لي رسول الله ﷺ : (أ) تنازلني عنه (فتبيعنيه؟ فاستحييت) من رد ما طلبه (ولم يكن لنا ناضح) أي جمل نستقي عليه الماء (غيره) أي غير هذا الجمل (قال) جابر: (فقلت) له ﷺ (نعم) أبيعه لك (فبعته) ﷺ (إياه) أي الجمل (على) شرط (أن لي فقار ظهره) أي خرزات ظهره أي مفاصل عظام ظهره والمراد: ركوبه (حتى أبلغ المدينة) المنورة (قال) جابر: (فقلت له) ﷺ (يا رسول الله: إني عروس) تائق إلى أهلي، قال النووي: هكذا يقال للرجل: عروس كما يقال ذلك للمرأة لفظهما واحد لكن يختلفان في الجمع فيقال رجل عروس ورجال عرس وامرأة عروس ونسوة عرائس اهـ (فاستأذنته) في المتقدم إلى المدينة (فأذن لي) فيه (فتقدمت الناس إلى المدينة حتى انتهيت) ووصلت إليه (فلقيني) أي رآني (خالي فسألني) خالي (عن) شأن (البعير) أي عن
стр. 7121
فَأخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ. فَلامَنِي فِيهِ. قَال: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ قَال لِي حِينَ استَأْذَنْتُهُ: "مَا تَزَوَّجْتَ؟ أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ " فَقُلْتُ لَهُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا. قَال: "أَفَلا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلاعِبُكَ وَتُلاعِبُهَا؟ " فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ الله! تُوُفِّيَ وَالِدِي (أَو اسْتُشْهِدَ) وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ. فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ إِلَيهِن مِثْلَهُن. فَلَا تُؤَدِّبُهُن وَلَا تَقُومُ عَلَيهِنَّ. فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا لِتَقُومَ عَلَيهِن وَتُؤَدِّبَهُنَّ. قَال: فَلمّا قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ المَدِينَةَ، غَدَوْتُ إِلَيهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ، وَرَدَّهُ عَلَيَّ.
٣٩٦٨ - (٠٠) (٠٠) حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أبي شَيبَةَ. حَدَّثنَا جَرِيرٌ،
ــ
نشاطه وسيره (فأخبرته) أي أخبرت خالي (بـ) شأنه وإعيائه في الطريق و (ما صنعت) فيه من محاولة سيره وما صنع الرسول ﷺ (فيه) من نخسه والدعاء فيه (فلامني) أي وبخني خالي (فيه) أي في بيعه، وقال لي: كيف تبيعه وليس لكم ناضح غيره وأنتم محتاجون إليه أشد الحاجة (قال) جابر: (وقد كان رسول الله ﷺ قال لي حين استأذنته) في التقدم إلى المدينة (ما تزوجت) أي أي امرأة تزوجت (أ) تزوجت (بكرًا أم) تزوجت (ثيبًا؟ فقلت له) ﷺ (تزوجت) يا رسول الله (ثيبًا قال) رسول الله ﷺ : (أ) تزوجت ثيبًا (فلا تزوجت بكرًا تلاعبك وتلاعبها فقلت له) ﷺ في بيان سبب تزوجي ثيبًا (يا رسول الله توفي) أي مات (والدي) عبد الله بن عمرو بن حرام ﵁ (أو) قال جابر: (استشهد) والدي أي مات شهيدًا يوم غزوة أحد، والشك من الشعبي أو ممن دونه (ولي) تسع أو سبع (أخوات صغار) يحتجن إلى تأديبهن وتعليمهن فليست لنا والدة تعلّمهن وتربيهن (فكرهت أن أتزوج) وأضم (إليهن) بكرًا خرقاء (مثلهن) في الصغر وقلة الفقه والتجربة (فلا تؤدبهن ولا تقوم عليهن) بالخدمة والتأديب (فتزوجت ثيبًا لتقوم عليهن) بالخدمة (وتؤدبهن) أي تعلمهن بأخلاق النساء وأشغالهن (قال) جابر: (فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة) بعد قدومي (غدوت) أي بكرت (إليه) ﷺ (بالبعير) الذي بعته (فأعطاني ثمنه) بأمر بلال (ورده) أي رد السعر (عليّ).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٩٦٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير) بن عبد الحميد،
стр. 7122
عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ. قَال: أَقْبَلْنَا مِنْ مَكةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ . فَاعْتَل جَمَلِي. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَفِيهِ: ثُمَّ قَال لِي: "بِعْنِي جَمَلَكَ هذَا" قَال: قُلْتُ: لَا. بَل هُوَ لَكَ. قَال: "لَا. بَل بِعْنِيهِ". قَال: قُلْتُ: لَا. بَلْ هُوَ لَكَ. يَا رَسُولَ الله، قَال: "لَا. بَلْ بِعْنِيهِ". قَال: قُلْتُ: فَإِن لِرَجُلٍ عَلَيَّ أوقِيةَ ذَهَبٍ. فَهُوَ لَكَ بِهَا. قَال: "قَدْ أَخَذْتُهُ. فَتَبَلَّغْ عَلَيهِ إِلَى الْمَدِينَةِ" قَال: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، قَال رَسُولُ الله ﷺ لِبِلالٍ:
ــ
ثقة، من (٨) (عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد) اسمه رافع الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، من (٣) (عن جابر) بن عبد الله ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة سالم بن أبي الجعد للشعبي في الرواية عن جابر (قال) جابر: (أقبلنا) أي رجعنا (من) طريق (مكة إلى المدينة مع رسول الله ﷺ وهذا مما يؤيد كون هذه القصة في غزوة ذات الرقاع لأن طريقها كانت ملاقية بطريق مكة (فاعتل) أي مرض وأعيا (جملي وساق) أي ذكر سالم بن أبي الجعد (الحديث) السابق (بقصته) السابقة (وفيه) أي ولكن في الحديث الذي ساقه سالم (ثم قال لي) رسول الله ﷺ : (بعني جملك هذا؟ قال) جابر: (قلت) له ﷺ (لا) أبيعك (بل هو) أي الجمل مملوك (لك، قال) رسول الله ﷺ : (لا) أستوهبه منك (بل بعنيه) بثمن (قال) جابر: (قلت) له ﷺ (لا) آخذ منك ثمنًا (بل هو لك) بلا مقابل (يا رسول الله) ﷺ ، (قال) رسول الله ﷺ مرة ثالثة: (لا) أستوهبه منك (بل بعنيه، قال) جابر: (قلت) له ﷺ (فإن لرجل) من المسلمين لم أر من ذكر اسم الرجل (على أوقية ذهب) من الدين (فهو) أي فالجمل مبيع (لك بها) أي بتلك الأوقية، وفي الأخرى أن المبتدئ بذكر الأوقية هو النبي ﷺ والجمع بيَّن اهـ أبي (قال) رسول الله ﷺ : (قد أخذته) أي قد أخذت الجمل بتلك الأوقية (فتبلغ) أي توصل (عليه) أي على الجمل (إلى المدينة) أي توصل به إلى المدينة (قال) جابر: (فلما قدمت المدينة) قبل قدوم الناس ثم قدم رسول الله ﷺ والناس معه بكرت بالجمل إلى رسول الله ﷺ ثم (قال رسول الله ﷺ لبلال) بن رباح
стр. 7123
"أَعْطِهِ أُوقِيَّةً من ذَهَبٍ. وَزِدْهُ" قَال: فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةٌ مِنْ ذَهَبٍ. وَزَادَنِي قِيرَاطًا. قَال: فَقُلْتُ: لَا تُفَارِقُنِي زَيادَةُ رَسُولِ الله ﷺ . قَال: فَكَانَ في كِيسٍ لِي. فَأَخَذَهُ أَهْلُ الشامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ
ــ
مؤذنه ﵁ (أعطه) أي أعط لجابر وأدِّ له (أوقية من ذهب) ثمن جمله (وزده) أي وأعطه زيادة على ثمن جمله بما ترى (قال) جابر: (فأعطاني) بلال (أوقية من ذهب) ثمن جملي (وزادني) على ثمن جملي الذي هو الأوقية (قيراطًا) أي أوقية أخرى بلا مقابل كما سيأتي التصريح بها في رواية أبي الزبير عن جابر فجملة ما أخذه أوقيتان من ذهب (قال) جابر: (فقلت) في نفسي (لا تفارقني زيادة رسول الله ﷺ قال) جابر: (فكان) ذلك القيراط (في كيس لي فأخذه أهل الشام يوم) فتنة (الحرة) يعني حرة المدينة كان قتال ونهب من أهل الشام هناك، سنة ثلاث وستين من الهجرة اهـ نووي.
قوله: (فإن لرجل عليّ أوقية ذهب فهو لك بها، قال قد أخذته) قال النووي: يحتج به أصحابنا في أن البيع لا ينعقد إلا بالإيجاب والقبول ولا ينعقد بالمعاطاة بدون الصيغة، والأصح انعقاده بها فيعطي ويأخذ ولا حجة فيه لأنه لم ينه عن المعاطاة والمعاطاة إنما تكون مع حضور العوضين فيأخذ ويعطي وفيه حجة لأصح الوجهين عندنا إن البيع ينعقد بالكناية لقوله ﷺ : "قد أخذته" اهـ.
قوله: (أعطه أوقية من ذهب وزده) فيه هبة المجهول وفيه الزيادة والرجحان في الثمن كان في مجلس القضاء أو بعده وهو قول مالك والكافة، وفيه أن كيل المبيع ووزنه على البائع ووزن الثمن وكَيْله على المشتري وأن كل واحد عليه توفية ما يدفع اهـ من الأبي. ولا يتحقق التسليم إلا بذلك، وفيه أيضًا دليل على صحة الوكالة وعلى جواز الزيادة في القضاء وهي من باب قوله ﷺ : "إن خيركم أحسنكم قضاء" وهذا لا يختلف فيه إذا كان من بيع، وإنما يختلف فيه إذا كان من قرض فاتفق على جوازه في الزيادة في الصفة إذا كان بغير شرط ولا عادة ولا قصد من المقرض للزيادة لقوله ﷺ : "كل قرض جر نفعًا فهو ربا" اهـ مفهم.
قوله: (يوم الحرة) والحرة أرض شرقي المدينة متصلة بالمدينة ويومها هو أنه لما توفي معاوية واستخلف ابنه يزيد وظهر من فسقه وشربه الخمر خلع أهل المدينة بيعته فبعث إليهم يزيد مسلم بن عقبة العدواني في اثني عشر ألف مقاتل من أهل الشام ليس
стр. 7124
٣٩٦٩ - (٠٠) (٠٠) حدثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ. حَدَّثَنَا الْجُرَيرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله. قَال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ. فَتَخَلَّفَ نَاضِحِي. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَقَال فِيهِ:
ــ
فيهم أصغر من ابن عشرين ولا أكبر من ابن خمسين، وقال له: آمرك أن لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الدخول فيما خرجوا منه ثلاثًا فإن هم أجابوك فانصرف عنهم إلى قتال ابن الزبير بمكة، وإن أبوا فناجزهم القتال فإذا ظهرت عليهم فأبح المدينة ثلاثًا بما فيها من المال والسلاح والطعام فإذا انقضت الثلاث فاكفف عن الناس فلما نزلها دعاهم إلى ما أمره به يزيد فأبوا إلا القتال وخرجوا لقتاله بجنود كثيرة وهيئة لم ير مثلها فأتاهم مسلم للقتال من جهة الحرة هذه، وكان الذي أشار عليه بقتالهم منها عبد الملك بن مروان لأنها شرقي المدينة بحيث إذا طلعت الشمس تطلع بين أكتاف أصحابك فلا تؤذيهم وتطلع في وجوه أهل المدينة فيؤذيهم حرها فيصيبهم أذاها فاقتتلوا قتالًا شديدًا كان عاقبته أن انهزم أهل المدينة وصرخ النساء والصبيان وركب الناس بعضهم بعضًا في الطرق ودخل أهل الشام المدينة وأباحوها ثلاثًا يدخلون البيوت يسلبون النساء الحلي ويأخذون ما بها من الثياب والأثاث الخ ما تقدم في كتاب الحج اهـ من الأبي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٩٦٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو كامل الجحدري) نسبة إلى جحدر اسم رجل، فضيل بن حسين البصري (حدثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي أبو بشر البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (حدثنا) سعيد بن إياس (الجريري) مصغرًا أبو مسعود البصري، ثقة، من (٥) (عن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي البصري، ثقة، من (٣) (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون إلا جابر بن عبد الله، غرضه بيان متابعة أبي نضرة للشعبي (قال) جابر: كنا مع النبي ﷺ في سفر) من أسفاره أي في غزوة من غزواته وقد مر لك أن الراجح أنه سفر غزوة ذات الرقاع (فتخلف ناضحي) أي أعيا بعيري في الرجوع من ذلك السفر عن السير وتأخر عن القوم لعجزه عن السير كما مر بيانه في كتاب النكاح (وساق) أبو نضرة أي ذكر (الحديث) السابق الذي ساقه الشعبي (و) لكن (قال) أبو نضرة: (فيه) أي في الحديث أي في روايته لفظة
стр. 7125
فَنَخَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ثُمّ قَال لِي: "اركَب بِاسمِ الله". وَزَادَ أَيضًا: قَال: فَمَا زَال يَزِيدُنِي وَيقُولُ: "وَاللهُ يَغفِرُ لَكَ".
٣٩٧٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني أبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِي. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أبي الزبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَال: لَمَّا أَتَى عَلَى النَّبِيّ ﷺ ، وَقَدْ أعْيَا بَعِيرِي،
ــ
(فنخسه) أي فنخس ناضحي وطعنه (رسول الله ﷺ بعنزة كانت معه ليقوم ويسير (ثم) بعد ما نخسه (قال لي) رسول الله ﷺ : (اركب) البعير مستعينًا (باسم الله) تعالى فركبته فسار يسير لم يسر مثله قط (وزاد) أبو نضرة على الشعبي (أيضًا) أي كما زاد قوله (فنخسه) الخ أي زاد لفظة (قال) جابر: (فما زال) رسول الله ﷺ (يزيدني) في الثمن شيئًا فشيئًا، قال القرطبي: وهذا يدل على أنه زاده بعد القيراط شيئًا آخر ولعلها الدرهم والدرهمان اللذان في الرواية الأخرى اهـ من المفهم (و) الحال أنه (يقول) بعد كل مرة: (والله يغفر لك) وهذا صار مثلًا سائرًا في أفواه المسلمين، وقال أبو نضرة: وكانت كلمة يقولها المسلمون: افعل كذا والله يغفر لك، قال القرطبي: وهو كلام يخرجه فرط المحبة والشفقة وإرادة الخير للمسلمين وهو على معنى الدعاء اهـ مفهم. والمعنى لم يزل رسول الله ﷺ يزيدني في ثمنه ويستغفر لي.
وفي قوله: (اركب باسم الله) دليل على استحباب التبرك باسم الله عند افتتاح كل فعل وإن كان من المباحات فليس مخصوصًا بالقرب فإنه كما قال ﷺ في الوضوء: "توضؤوا باسم الله" قال هنا في الركوب اركب باسم الله اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٩٧٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو الرّبيع العتكي) الزهراني نسبة إلى العتيك بن أزد، سليمان بن داود البصري (حدثنا حماد) بن زيد بن درهم الأزدي البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا أيوب) السختياني البصري (عن أبي الزبير) المكي (عن جابر) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي الزبير للشعبي (قال) جابر: (لما أتى) ومر (عليّ النبي ﷺ و) الحال أنه (قد أعيا) وعجز (بعيري) عن السير
стр. 7126
قَال: فَنَخَسَهُ فَوَثَبَ فَكُنْتُ بَعْدَ ذلِكَ أَحْبِسُ خِطَامَهُ لأسمَعَ حَدِيثَهُ، فَمَا أَقْدِرُ عَلَيهِ. فَلَحِقَنِي النبي ﷺ فَقَال: "بِعْنِيهِ" فَبِعْتُهُ مِنْهُ بِخَمْسِ أَوَاقٍ. قَال: قُلْتُ: عَلَى أَنَّ لِي ظَهْرهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَال: "وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ" قَال: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيتُهُ بِهِ، فَزَادَنِي وُقِيَّةً، ثُمّ وَهَبَهُ لِي.
٣٩٧١ - (٠٠) (٠٠) حدثنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ
ــ
(قال) جابر: (فنخسه) أي طعنه رسول الله ﷺ بعنزة في يده (فوثب) البعير أي قام بسرعة، قال جابر: (فكنت بعد ذلك) أي بعد قيامه وسيره (أحبسـ) ـه وأمنعه بـ (خطامه) وزمامه من الإسراع (لأسمع) أي لكي أسمع (حديثه) ﷺ (فما أقدر) ولا أستطيع (عليه) أي على منعه من الإسراع لشدة نشاطه يعني أي كنت أحبس خطامه ليتمهل في السير ويمكن لي سماع حديث النبي ﷺ فلا أقدر على ذلك لسرعته (فلحقني النبي ﷺ من ورائي (فقال) لي رسول الله ﷺ : (بعنيه) أي بعني هذا الجمل يا جابر (فبعته) أي بعت ذلك الجمل (منه) ﷺ أي له (بخمس أواق) من الفضة وهي صرف أوقية ذهب المذكورة في الرواية الأولى وسنذكر الجمع بين الروايات المختلفة في آخر الحديث (قال) جابر: (قلت) لرسول الله ﷺ : بعته لك (على) شرط (أن لي ظهره) أي ركوب ظهره حتى أصل (إلى المدينة، قال) رسول الله ﷺ : اشتريته منك (ولك ظهره) أي والحال أن لك ركوب ظهره حتى تصل (إلى المدينة) وتدخلها (قال) جابر: (فلما قدمت المدينة أتيته) ﷺ (به) أي بالجمل فأداني ثمنه أوقية ذهب (فزادني) على ثمنه (وقية) أخرى من ذهب (ثم) بعد ما أداني ثمنه وزادني وقية (وهبه) أي وهب الجمل (لي).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه سادسًا فقال:
٣٩٧١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عقبة بن مكرم) بصيغة اسم المفعول (العمِّي) بفتح العين أبو عبد الملك البصري، ثقة، من (١١) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا يعقوب بن إسحاق) بن زيد الحضرمي مولاهم أبو محمَّد البصري، روى عن بشير بن عقبة في
стр. 7127
حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله. قَال: سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ في بَعْضِ أَسْفَارِهِ. (أَظُنُّهُ قَال غَازِيًا). وَاقْتَصَّ الْحدِيثَ. وَزَادَ فِيهِ: قَال: "يَا جَابِرُ! أَتَوَفَّيتَ الثمَنَ؟ " لما قُلْتُ: نَعَم. قَال: "لَكَ الثمَنُ وَلَكَ الْجَمَلُ. لَكَ الثمَنُ وَلَكَ الجَمَلُ"
ــ
البيوع، وسوادة بن الأسود في الجهاد، والأسود بن شيبان في الفضائل، ويروي عنه (م د س ق) وعقبة بن مكرم ورزق بن موسى وآخرون، قال أحمد وأبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق، من صغار التاسعة، مات سنة (٢٠٥) خمس ومائتين (حدثنا بشير بن عقبة) السامي نسبة إلى سامة بن لؤي الناجي نسبة إلى بني ناجية قبيلة كبيرة من سامة أو الأزدي أبو عقيل مكبرًا الدورقي البصري، روى عن أبي المتوكل الناجي في البيوع، وأبي نضرة في الذبائح ويروي عنه (خ م) ويعقوب بن إسحاق وبهز بن أسد والقطان، وثقه أبو زرعة وابن معين وأبو حاتم، وقال في التقريب: من السابعة (عن) علي بن داود البصري (أبي المتوكل الناجي) نسبة إلى بني ناجية، ثقة، من (٣) (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون إلا جابر بن عبد الله الأنصاري المدني، غرضه بيان متابعة أبي المتوكل الناجي للشعبي (قال) جابر: (سافرت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره) ﷺ ، قال أبو المتوكل: (أظنه) أي أظن جابرًا (قال): حالة كونه (غازيًا) أي سافرت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حالة كون رسول الله ﷺ مريدًا الغزو لأعدائه (واقتص) أي ذكر أبو المتوكل الناجي (الحديث) السابق بقصته (و) لكن (زاد) أبو المتوكل (فيه) أي في الحديث لفظة (قال) رسول الله ﷺ : (يا جابر أتوفيت) أي هل قبضت (الثمن) أي ثمن جملك تامًّا وافيًا، والهمزة للاستفهام الاستخباري، وفي بعض النسخ (استوفيت الثمن) بتقدير همزة الاستفهام، قال في المصباح: وتوفيته واستوفيته بمعنى: قال جابر: (قلت) له ﷺ : (نعم) توفيته يا رسول الله ﷺ ثم (قال) رسول الله ﷺ : (لك الثمن) الذي أديته لك (ولك الجمل) الذي أخذته منك بالشراء، وقوله: ثانيًا (لك الثمن ولك الجمل) توكيد لفظي لما قبله.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة سابعًا فقال:
стр. 7128
٣٩٧٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عُبَيدُ الله بن مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: اشْتَرَى مِني رَسُول اللهِ ﷺ بَعِيرًا بِوقِيَّتَينِ وَدِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمينِ. قَال: فَلَمَّا قَدِمَ صِرَارًا أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ. فَأَكَلُوا مِنْهَا. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْمَسْجِدَ فَأُصَلِّيَ رَكْعَتَينِ
ــ
٣٩٧٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري) البصري (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري البصري (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن محارب) بن دثار السدوسي أبي مطرف الكوفي القاضي، ثقة، من (٤) روى عنه في (٥) أبواب (أنه) أي أن محاربًا (سمع جابر بن عبد الله يقول): وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة محارب بن دثار لمن روى عن جابر (اشترى مني رسول الله ﷺ بعيرًا) أي جملًا (بوقيتين) إحداهما الثمن والأخرى الزيادة، وقوله بوقيتين (ودرهم أو) قال جابر بوقيتين و (درهمين) مشكوك فيه لا يعتبر في المعارضة للرواية السابقة فهو في حكم الساقط والشك من محارب بن دثار.
قال القرطبي: وقوله: (وزادني قيراطًا) وفي أخرى: (درهمًا أو درهمين) هو اضطراب وقد تكلف القاضي أبو الفضل في الجمع بين هذه الروايات المختلفة التي في الثمن وفي الزيادة تكلفًا مبنيًّا على تقدير أمر لم يصح نقله ولا استقام ضبطه مع أنه لا يتعلق بتحقيق ذلك حكم ولا يفيد حكمه، والحاصل أنه باعه البعير بثمن معلوم لهما، وزاده عند القضاء زيادة محققة ولا يضرنا جهلنا بمقدار ذلك اهـ من المفهم. وسنذكر كلام القاضي في الجمع بين الروايات في آخر الحديث نقلًا عن الأبي إن شاء الله تعالى.
(قال) جابر: (فلما قدم) رسول الله ﷺ (صِرارًا) بالصرف على المشهور، ومنعه بعضهم الصرف للعلميَّة والتأنيث المعنوي لأنه بمعنى البقعة، وهو بصاد مهملة مفتوحة أو مكسورة والكسر أفصح وأشهر ولم يذكر الأكثرون غيره، اسم موضع قريب من المدينة، وقال الخطابي: هي بئر قديمة على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق، قال القاضي: والأشبه عندي أنه موضع لا بئر فيه (أمر) رسول الله ﷺ أي طلب (ببقرة) فأتي بها (فذبحت) أي أمر بذبحها (فكلوا منها) أي من لحمها، وفيه أن السنة في البقر الذبح وهو قطع أعلى العنق لا النحر ولو عكس جاز (فلما قدم) رسول الله ﷺ (المدينة أمرني أن آتي المسجد) النبوي (فأصلى ركعتين)
стр. 7129
وَوَزَنَ لي ثَمَنَ الْبَعِيرِ فَأرْجَحَ لِي.
٣٩٧٣ - (٠٠) (٠٠) حدّثني يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. أَخْبَرَنَا مُحَارِبٌ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِهذِهِ الْقِصَّةِ. غَيرَ أَنَّهُ قَال: فَاشْتَرَاهُ مِني بِثَمَنٍ قَدْ سَمَّاهُ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْوُقِيّتَينِ وَالدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمينِ. وَقَال: أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَنُحِرَتْ، ثُمَّ قَسَمَ لَحْمَهَا.
٣٩٧٤ - (٠٠) (٠٠) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثنَا ابْنُ أبي
ــ
سنة القدوم من السفر، فيه أنه يستحب للقادم من السفر أن يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين، وفيه أن نافلة النهار يستحب كونها ركعتين ركعتين كصلاة الليل كما مر في باب الصلاة (ووزن لي) رسول الله ﷺ (ثمن البعير فأرجح لي) أي زاد لي على قدر الثمن أي أمر بلالًا بوزنه وإرجاحه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثامنًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٩٧٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثني يحيى بن حبيب) بن عربي (الحارثي) البصري (حدثنا خالد بن الحارث) بن عبيد بن سليم الهجيمي البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا شعبة) بن الحجاج (أخبرنا محارب) بن دثار (عن جابر عن النبي ﷺ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة خالد بن الحارث لمعاذ بن معاذ العنبري، وساق خالد بن الحارث (بهذه القصة) التي ساقها معاذ بن معاذ عن شعبة (غير أنه) أي لكن خالد بن الحارث (قال) في روايته، قال جابر: (فاشتراه) أي فاشترى الجمل (مني) رسول الله ﷺ (بثمن قد سماه) أي قد سمى جابر ذلك الثمن وعينه بقدر معلوم (ولم يذكر) خالد بن الحارث في روايته لفظة (الوقيتين والدرهم والدرهمين وقال) خالد في روايته: (أمر) رسول الله ﷺ أي طلب (ببقرة) فأتي بها (فنُحرت) البقرة وهو الطعن في أسفل العنق أي فذُبحت البقرة كما في الرواية المتقدمة كما هو المسنون في البقرة، قال النووي: والمراد بالنحر هنا الذبح جمعًا بين الروايتين اهـ (ثم قسم) رسول الله ﷺ (لحمها) بين الناس أي أمر بقسمه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة تاسعًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٩٧٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا) يحيى بن زكرياء (بن أبي
стр. 7130
زَائِدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَن النبي ﷺ قَال لَهُ: "قَدْ أَخَذتُ جَمَلَكَ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ. وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ"
ــ
زائدة) خالد بن ميمون الهمداني الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٢) بابا (عن ابن جريج عن عطاء) بن أبي رباح (عن جابر) بن عبد الله ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عطاء بن أبي رباح لمن روى عن جابر (أن النبي ﷺ قال له) أي لجابر (قد أخذت جملك بأربعة دنانير) وهي أوقية ذهب المذكورة في الرواية السابقة لأن أوقية الذهب لم يكن لها وزن معلوم عندهم وقتئذٍ كما قاله الداوودي (ولك ظهره) أي والحال أن لك ركوب ظهره إلى أن تصل (إلى المدينة).
فصل
(واعلم) أن سبب اختلاف هذه الروايات أنهم رووه بالمعنى، وبمثل هذا احتج من أجاز نقل الحديث بالمعنى، قال: نجد الحديث الواحد لم ينطق به النبي ﷺ إلا مرة واحدة ويرويه عنه جماعة بألفاظ مختلفة بمعان متقاربة اهـ من إكمال المعلم. قال الأبي: لا شك أن عياضًا تكلف وأطال في الجمع بين هذه الروايات ونحن لخصنا من كلامه ما يحتاج إليه في الجمع بين الروايات المختلفة في قدر الزيادة، أما روايات الثمن فهي هذه إنه استزاد بأوقية لا بقيد أنها ذهب، وفي الأخرى بأوقية ذهبًا، وفي الأخرى بأوقيتين، وفي الأخرى بأربع أواق، وفي أخرى بخمس أواق، وفي أخرى بأربعة دنانير، وفي أخرى ذكرها القاضي بمائتي درهم فجمع بين الجميع بأن ردها إلى أوقية ذهبًا، أما رد الأوقية لا بقيد فلأنها مطلقة والمطلق يرد إلى المقيد، وأما رد الأوقيتين فلأن إحداهما ثمن والأخرى زيادة ويشهد لذلك قوله في الأخرى وزادني أوقية، وأما رواية الأربع الأواقي فلا يُتكلف لها لأن الراوي شك فيها، وأما رواية الخمس الأواقي فلأن الخمس من فضة هي صرف أوقية الذهب، وأما رواية الأربعة دنانير فلاحتمال أنها زنة الأوقية ذهبًا حينئذٍ على ما ذكر الداوودي أن أوقية الذهب لم يكن لها وزون معلوم عندهم وقتئذٍ وأن وزن أوقية الفضة أربعون درهمًا، ويحتمل أن الأربعة دنانير وقعت المساومة بها ابتداءً وانعقد البيع في الآخر بأوقية الذهب، وأما رواية المائتي درهم فلأن المائتين هي خمس أواقي الفضة على ما تقدم في معرفة نصاب الفضة في الزكاة وخمس أواقي الفضة تقدم أنها صرف أوقية الذهب، وأما الاختلاف
стр. 7131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الواقع في قدر الزيادة ففي رواية وزادني قيراطًا، وفي أخرى درهمًا، فالقيراط هو ذهب وصرفه درهم، هذا تلخيص ما يحتاج إليه من كلامه في جمع ما وقع في مسلم من الروايات المختلفة المتعارضة لكن يبقى النظر في الجمع بين كون الزيادة قيراطًا وكونها أوقية فيحتمل أن القيراط رجحان في الوزن والأوقية زيادة، ويحتمل أن القيراط هو نفس الأوقية الزائدة لأن قيراط الذهب لم يكن معلوم الوزن عندهم وقتئذٍ كما أن أوقيته لم تكن معلومة عندهم وقتئذٍ على ما ذكره الداوودي والله أعلم، والجمع بهذا الذي لخصناه جلي حسن ولا تكلّف فيه اهـ من الأبي.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث: الأول: حديث ابن مسعود ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني: حديث جابر الأول ذكره للاستشهاد به لحديث ابن مسعود، والثالث: حديث النعمان بن بشير ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والرابع: حديث جابر الأخير ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه تسع متابعات والله أعلم.
(واعلم) أيضًا أن في حديث جابر هذا فوائد كثيرة:
(١) منها هذه المعجزة الظاهرة لرسول الله ﷺ في انبعاث جمل جابر وإسراعه بعد إعيائه. و (٢) منها جواز طلب البيع ممن لم يعرض سلعته للبيع. و (٣) منها جواز المماكسة في البيع وسبق تفسيرها. و (٤) منها استحباب سؤال الرجل الكبير أصحابه عن أحوالهم والإشارة عليهم بمصالحهم. و (٥) منها استحباب نكاح البكر. و (٦) منها استحباب ملاعبة الزوجين. و (٧) منها فضيلة جابر في أنه ترك حظ نفسه من نكاح بكر واختار مصلحة أخواته بنكاح ثيب تقوم بمصالحهن. و (٨) منها استحباب الابتداء بالمسجد وصلاة ركعتين فيه عند القدوم من السفر. و (٩) منها استحباب الدلالة على الخير. و (١٠) منها استحباب إرجاح الميزان فيما يدفعه. و (١١) منها أن أجرة وزن الثمن على البائع. و (١٢) منها التبرك بآثار الصالحين لقوله: لا تفارقه زيادة رسول الله ﷺ . و (١٣) منها جواز تقدم بعض الجيش الراجعين بإذن الأمير. و (١٤) منها جواز الوكالة في أداء الحقوق ونحوها. وفيه غير ذلك مما سبق والله أعلم اهـ نووي.
стр. 7132
٥٧٩ - (١٩) باب الاستقراض وحسن القضاء فيه وجواز بيع الحيوان بالحيوان من جنسه وجواز الرهن والسلم
٣٩٧٥ - (١٥٣٨) (١٠٣) حدَّثنا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. أَخْبَرَنَا ابْن وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ بْنِ أنَسٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا. فَقَدِمَتْ عَلَيهِ إبلٌ مِنْ إبلِ الصَّدَقَةِ. فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ
ــ
٥٧٩ - (١٩) باب الاستقراض وحسن القضاء فيه وجواز بيع الحيوان بالحيوان من جنسه وجواز الرهن والسلم
٣٩٧٥ - (١٥٣٨) (١٠٣) (حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح) المصري (أخبرنا ابن وهب عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم مولى عمر بن الخطاب المدني، ثقة، من (٣) (عن عطاء بن يسار) الهلالي مولاهم مولى ميمونة رضي الله تعالى عنها المدني، ثقة، من (٣) (عن أبي رافع) الهاشمي مولاهم مولى رسول الله ﷺ إبراهيم القبطي المدني ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان مصريان (أن رسول الله ﷺ استسلف) أي استقرض (من رجل) لم أر من ذكر اسمه، أي اقترض منه والسين والتاء فيه زائدتان، وفيه دليل على جواز الأخذ بالذين ولم يختلف العلماء في جواز الاقتراض عند الحاجة إليه ولا نقص على طالبه ولا تثريب ولا منة تلحق فيه ولو كان فيه شيء من ذلك لما استسلف النبي ﷺ فإنه كان أنزه الناس وأبعدهم عن تلك الأمور (بكرًا) والبكر بفتح الباء وسكون الكاف الصغير من الإبل كالغلام من الآدميين والأنثى بكرة وقلوص وهي الصغيرة كالجارية، وهذا الحديث دليل على جواز قرض الحيوان وهو مذهب الجمهور ومنع ذلك الكوفيون وهذا الحديث الصحيح حجة عليهم واستثنى من الحيوان أكثر العلماء الجواري فمنعوا قرضهن لأنه يؤدي إلى عارية الفروج، وأجاز ذلك بعض المالكية بشرط أن يرد غيرها وأجاز ذلك مطلقًا الطبري والمزني وداود الأصبهاني وقصر بعض الظاهرية جواز القرض على ما لَهُ مثل من المكيل والموزون، وهذا الحديث حجة عليهم اهـ من المفهم (فقدمت عليه) ﷺ (إبل من إبل الصدقة) أي الزكاة (فأمر أبا رافع) مولاه إبراهيم القبطي (أن يقضي) أي أن يؤدي
стр. 7133
الرَّجُلَ بَكْرَهُ. فَرَجَعَ إِلَيهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَال: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا. فَقَال: "أَعْطِهِ إِيَّاهُ. إِن خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُم قَضَاءً"
ــ
ويدفع (الرجل) المقرض له ﷺ (بكره) أي بدل بكره فطلب أبو رافع مثل بكره في الإبل فلم يجده (فرجع إليه) ﷺ (أبو رافع، فقال) لرسول الله ﷺ : إني (لم أجد فيها) أي في إبل الصدقة بكرًا مماثلًا لبكره "إلا خيارًا" أي إلا بعيرًا جيدًا من بكره، وقوله: (رباعيًّا) بدل من خيار أو عطف بيان له، وخيار كل شيء أحسنه وأفضله، ويطلق على الواحد والجمع والرباعي مخفف الياء من الإبل ما استكمل ست سنين ودخل في السابعة سُمي بذلك لأنه أطلع وأنبت رباعيته، والرباعية بوزن الثمانية السن التي بين الثنية والناب وهي أربع رباعيات مخفف الياء، والذكر رباع والأنثى رباعية (فقال) رسول الله ﷺ لأبي رافع: (أعطه) أي أعط الرجل (إياه) أي رباعيًّا فـ (إن خيار الناس) وأفضلهم (أحسنهم قضاء) للدّين برد الأجود في الصفة أو الأرجح في الميزان، وفيه دليل على أن رد الأجود في القرض أو الذين من السنة ومكارم الأخلاق وليس هو من قرض جر منفعة لأن الممتنع منه ما كان مشروطًا في عقد القرض، وأما إذا لم يكن مشروطًا فيه وتبرع به المديون فلا بأس بأخذه ولا بإعطائه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [٣٣٤٦]، والترمذي [١٣١٨]، والنسائي [٧/ ٦٥]. وفي المرقاة عن شرح السنة: فيه من الفقه جواز استسلاف الإمام للفقراء إذا رأى بهم خلة وحاجة ثم يؤديه من مال الصدقة إن كان قد أوصل إلى المساكين اهـ منه.
قال القرطبي: واختلف أرباب التأويل في استسلاف النبي ﷺ هذا البكر وقضائه عنه من مال الصدقة هل كان ذلك السلف لنفسه أو لغيره فمنهم من قال كان لنفسه وكان هذا قبل أن تحرم عليه الصدقة وهذا فاسد فإنه ﷺ لم تزل الصدقة محرمة عليه منذ قدوم المدينة وكان ذلك من خصائصه ﷺ ومن جملة علاماته ﷺ المذكورة في الكتب المقدمة بدليل قصة سلمان الفارسي فإنه عند قدوم النبي ﷺ المدينة جاءه سلمان بتمر فقدمه إليه وقال: كل، فقال: "ما هذا؟ فقال: صدقة، فقال لأصحابه: "كلوا، ولم يأكل، وأتاه
стр. 7134
٣٩٧٦ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ. سَمِعْتُ زيدَ بْنَ أسْلَمَ. أخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أبِي رَافِعٍ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَال: اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَكْرًا. بِمِثْلِهِ، غَيرَ أنَّهُ قَال: "فَإنَّ خَيرَ عِبَادِ اللهِ أَخسَنُهُمْ قَضَاءً"
ــ
يومًا آخر بتمر وقال: هدية، فأكل. رواه أحمد [٥/ ٤٤١ - ٤٤٤]، وابن هشام في السيرة [١/ ٢١٤ - ٢٢١]، والذهبي في سير أعلام النبلاء [١/ ٥١٠] فقال سلمان: هذه واحدة، ثم رأى خاتم النبوة فأسلم، وقال: هذا واضح، وقيل: استسلفه لغيره ممن يستحق أخذ الصدقة فلما جاءت إبل الصدقة دفع منها.
وقد استبعد هذا من حيث إنه قضاء أزيد من الفرض من مال الصدقة وقال: "إن خيركم أحسنكم قضاء" فكيف يعطي زيادة من مال ليس له ويجعل ذلك من باب حسن القضاء؟ وقد أجيب عن هذا بأن قيل كان الذي استقرض منه من أهل الصدقة فدفع الرباعي بوجهين بوجه القرض وبوجه الاستحقاق وقيل وجه ثالث وهو أحسنها إن شاء الله تعالى وهو أن يكون استقرض البكر على ذمته فدفعه لمستحق فكان غارمًا فلما جاءت إبل الصدقة أخذ منها بما هو غارم جملا رباعيا فدفعه فيما كان عليه فكان أداء عما في ذمته وحُسن قضاء بما يملكه اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي رافع ﵁ فقال:
٣٩٧٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو كريب حدثنا خالد بن مخلد) البجلي مولاهم أبو الهيثم الكوفي القطواني (عن محمد بن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني، ثقة، من (٧) (سمعت زيد بن أسلم أخبرنا عطاء بن يسار، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة محمد بن جعفر لمالك بن أنس (قال) أبو رافع: (استسلف رسول الله ﷺ بكرًا) وساق محمد بن جعفر (بمثله) أي بمثل حديث مالك بن أنس (غير أنه) أي لكن أن محمد بن جعفر (قال) في روايته (فإن خير عباد الله) تعالى (أحسنهم قضاء) للدّين.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي رافع بحديث أبي هريرة ﵄ فقال:
стр. 7135
٣٩٧٧ - (١٥٣٩) (١٠٤) حدَّثنا مُحَمَدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَقٌّ. فَأَغْلَظَ لَهُ. فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا"
ــ
٣٩٧٧ - (١٥٣٩) (١٠٤) (حدثنا محمد بن بشار بن عثمان العبدي) البصري (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري (حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل) الحضرمي الكوفي، ثقة، من (٤) (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان مدنيان وواحد كوفي (قال) أبو هريرة: (كان لرجل على رسول الله ﷺ حق) أي دين (فأغلظ) أي شدد ذلك الرجل في الطلب (له) ﷺ بدينه أي عنفه ولم يرفق به في طلب حقه، ولعل هذا المتقاضي كان من جفاة العرب أو ممن لم يتمكن الإيمان في قلبه اهـ من المرقاة، وليس المعنى أنه تكلم بكلام مؤذ فإن ذلك كفر ويحتمل أن الرجل كان يهوديًّا فإن اليهود كانوا أكثر من يعامل بالدين، قيل: إن الكلام الذي أغلظ فيه هو أنه قال: يا بني عبد المطلب إنكم مطّلٌ. وكذب اليهودي فإنه لم يكن في أجداده ﷺ ولا في أعمامه من هو كذلك بل هم أهل الكرم والوفاء ويبعد أن يكون هذا القائل مسلمًا إذ مقابلة النبي ﷺ بذلك إذاية له وإذايته كفر كذا في شرح الأبي (فهَم) أي قصد (به) أي بذلك الرجل (أصحاب رسول الله ﷺ أي قصدوا أن يأخذوه ليزجروه ويؤذوه بقول أو فعل لكن لم يفعلوا تأدبًا معه ﷺ قاله علي القاري في المرقاة (فقال) لهم (النبي ﷺ دعوه أي اتركوه ولا تعزروه، وهذه اللفظة لم ترد في رواية مسلم ولكنها في رواية البخاري الحديث رقم (٢٣٠٦) وفي هذه اللفظة دليل على حُسن خُلقه وحلمه وقوة صبره على الجفاء مع القدرة على الانتقام فـ (أن لصاحب الحق) أي الدّين (مقالًا) أي صولة الطلب وقوة الحجة لكن على من يمطل أو يسيء المعاملة، وأما من أنصف من نفسه فبذل ما عنده وأعتذر عما ليس عنده فيقبل عذره ولا تجوز الاستطالة عليه واستقباله بالكلام الفاحش يعني أن الدائن معذور في بعض التغليظ في كلامه عند طلب الحق
стр. 7136
فَقَال لَهُمُ: "اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ" فَقَالُوا: إِنا لَا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا هُوَ خَيرٌ مِنْ سِنِّهِ. قَال: "فَاشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ. فَإِن مِنْ خَيرِكُمْ -أَوْ خَيرَكُمْ- أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً".
٣٩٧٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ،
ــ
(فقال) رسول الله ﷺ الهم) أي لأصحابه (اشتروا له) أي للرجل الدائن (سنًّا) أي إبلًا ذا سن معين معلوم عندهم من العمر (فأعطوه) أي فأعطوا ذلك الرجل (إياه) أي ذلك السنن (فقالوا) له ﷺ : (إنا لا نجد إلا سنًّا) أي إلا إبلًا ذا سن وعمر (هو) أي سنه (خير) أي أكبر (من سنه) أي من سن إبله (قال) رسول الله ﷺ : (فاشتروه) أي فاشتروا ذلك السن الخير له (فأعطوه) أي فأعطوا ذلك الرجل (إياه) أي السن الخير، وهذا دليل على أن هذا الحديث قضية أخرى غير قضية حديث أبي رافع فإن ذلك الحديث يقتضي أنه أعطاه من إبل الصدقة وهذا اشترى له، وفيه دليل على صحة التوكيل في قضاء الدين، وفيه جواز الزيادة فيه وقد تقدم تفصيله وذكر الخلاف فيه اهـ من المفهم (فإن من خيركم) وأفضلكم جار ومجرور خبر مقدم لإن (أو) قال أبو هريرة أو من دونه والشك منه أو ممن دونه فإن (خيركم) بالنصب اسم إن (أحسنكم) بالنصب اسم إن مؤخر، والتقدير فإن أحسنكم (قضاء) للدين من خيركم وبالرفع خبر إن أي فإن خيركم أحسنكم قضاء، وقوله: أحسنكم قضاء هذا هو اللفظ الفصيح الحسن، وقد روي أحاسنكم وهو جمع أحسن ذهبوا به مذهب الأسماء فجمعوا كأحمد وأحامد وسيأتي محاسنكم بالميم وكأنه جمع محسن بكسر السين كمطلع ومطالع وفيه بعد وأحسنها الأول والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٢٣٩٢]، والترمذي [١٣١٦]، والنسائي [٧/ ٢٩١].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٩٧٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن علي بن صالح) بن صالح بن مسلم بن حيان الهمداني أبي الحسن الكوفي، روى عن سلمة بن كهيل في البيوع، وسماك ومنصور، ويروي عنه (م عم) ووكيع وابن نمير وأبو نعيم، وثقه أحمد وابن معين والنسائي، وقال العجلي: كوفي ثقة، وقال ابن المديني: له نحو ثمانين (٨٠) حديثًا، وقال في التقريب: ثقة عابد، من السابعة، مات سنة (١٥١) إحدى وخمسين ومائة
стр. 7137
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيلٍ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سِنًّا. فَأَعْطَى سِنًّا فَوْقَهُ. وَقَال: "خِيَارُكُمْ مَحَاسِنُكُم قَضَاءً".
٣٩٧٩ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أبِي. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ. قَال: جَاءَ رَجُلٌ يَتَقَاضَى رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعِيرًا. فَقَال: "أَعْطُوهُ سِنًّا فَوْقَ سِنِّهِ". وَقَال: "خَيرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً"
ــ
(عن سلمة بن كهيل) الكوفي (عن أبي سلمة عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة علي بن صالح لشعبة بن الحجاج (قال) أبو هريرة: (استقرض) أي اقترض (رسول الله ﷺ سنًّا) أي إبلًا ذا سن وعمر معلوم (فأعطى) المقرض أي أمر بإعطائه (سنًّا) أي إبلًا ذا سن وعمر (فوقه) أي فوق سن الإبل الذي اقترضه أي سنه وعمره أكبر من سن الأول (وقال) ﷺ (خياركم) أي خيركم وأفضلكم أخلاقًا وأكثركم كرمًا (محاسنكم) أي أحسنكم (قضاء) للدين برد الأجود صفة والأرجح وزنًا والقياس أن يقال: أحاسنكم جمع أحسن.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٣٩٧٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا سفيان) الثوري (عن سلمة بن كهيل عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة سفيان لشعبة بن الحجاج (قال) أبو هريرة: (جاء رجل يتقاضى رسول الله ﷺ بعيرًا) أي يطلب من رسول الله ﷺ قضاء بعير كان له عليه وردّه (فقال) رسول الله ﷺ لأصحابه: (أعطوه) أي أعطوا الرجل المقرض لنا (سنًّا) أي إبلًا ذا سن وعمر، عمره وسنه (فوق سنه) أي فوق سن بعيره أي أعطوه أكبر من بعيره سنًّا (وقال) رسول الله ﷺ : (خيركم) أي أفضلكم أخلاقًا (أحسنكم قضاء) للدين، ولعله وقع الاعتذار بأنه لم يوجد مثله كما في المرقاة.
стр. 7138
٣٩٨٠ - (١٥٤٠) (١٠٥) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَابْنُ رُمْحٍ. قَالا: أَخْبَرَنَا اللَّيثُ. ح وَحَدَّثَنِيهِ قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَال: جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْهِجْرَةِ. وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ. فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ. فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "بِعْنِيهِ"
ــ
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث آخر لجابر ﵁ فقال:
٣٩٨٠ - (١٥٤٠) (١٠٥) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير (التميمي) النيسابوري (و) محمد (بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري (قالا: أخبرنا الليث) بن سعد المصري (ح وحدثنيه قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن أبي الزبير) المكي (عن جابر) بن عبد الله ﵄. وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم مصريان وواحد مكي وواحد مدني (قال) جابر: (جاء عبد) مملوك لمسلم لم يعلمه النبي ﷺ (فبايع) ذلك العبد (النبي ﷺ أي عاقده عقد البيعة (على الهجرة) إلى المدينة (ولم يشعر) أي والحال أن النبي ﷺ لم يعلم (أنه) أي أن ذلك الشخص الذي بايعه (عبد) مملوك لإنسان، وفيه دليل على أن الأصل في الناس الحرية ولذلك لم يسأله إذ حمله على ذلك الأصل حيث لم يظهر له ما يخرجه عن ذلك الأصل ولو لم يكن الأمر كذلك لتعين أن يسأله وهذا أصل مالك في هذا الباب فكل من ادعى ملك أحد من بني آدم كان مدفوعا إلى بيان ذلك الأصل لكن إذا ناكره المدعى رقه وادعى الحرية سواء كان ذلك المدعى رقه ممن أكثر ملك نوعه أو لم يكن فإن كان في حوز المدعي لرقه كان القول قوله إذا كان حوز رق فإن لم يكن فالقول قول المدعى عليه مع يمينه اهـ من المفهم (فجاء سيده) أي سيد ذلك العبد إلى النبي ﷺ حالة كونه (يريده) أي يريد أخذ ذلك العبد (فقال له): أي لسيده (النبي ﷺ بعنيه) أي بعني هذا العبد المبايع، لم يرد في شيء من طرقه أنه ﷺ طالب سيده بإقامة بينة فيحتمل أن يكون النبي ﷺ علم صحة مالكه له حين عرف سيده، ويحتمل أن يكون اكتفى بدعواه وتصديق العبد له فإن العبد بالغ عاقل يقبل إقراره على نفسه ولم يكن للسيد من ينازعه ولا يستحلف السيد كما إذا ادعى اللقطة وعرف عفاصها ووكاءها أخذها ولم يستحلف لعدم المنازع اهـ من المفهم
стр. 7139
فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَينِ أَسْوَدَينِ. ثُمَّ لَمْ يُبَايعْ أحَدًا بَعْدُ. حَتَّى يَسْأَلَهُ "أَعَبْدٌ هُوَ؟ "
ــ
(فاشتراه) أي فاشترى النبي ﷺ العبد المبايع من سيده (بعبدين أسودين) قال القاضي عياض: هذا من كرم أخلاقه ﷺ فإنه كره أن يرد ما عقد له من الهجرة، ويدل على أن سيده مسلم وإلا فقد بايع النبي ﷺ من نزل من عبيد أهل الطائف وغيرهم ولم يردهم إلى ساداتهم اهـ.
وعبارة القرطبي هنا إنما فعل النبي ﷺ هذا الشراء منه جريًا على مقتضى مكارم أخلاقه ورغبة في تحصيل ثواب العتق وكراهية أن يفسخ له عقد الهجرة فحصل له العتق وثبت له الولاء، فهذا المعتق مولى للنبي ﷺ غير أنه لا يعرف اسمه، وفيه دليل على جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا نقدًا، وهذا ما اتفق عليه الفقهاء ولكنهم اختلفوا في النسيئة في بيع الحيوان فقال الشافعي: هو جائز، وقال أبو حنيفة: هو ممنوع، استدل الشافعي بما أخرجه أبو داود وغيره عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشًا فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة فجعل يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة، واستدل أبو حنيفة بما أخرجه أصحاب السنن عن سمرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وسأنهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وقال الحنفية: إنه ناسخ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ وفي الحديثين كلام ليس هذا موضع بسطه من شاء فليراجع إعلاء السنن [١٤/ ٢٨٠ و ٢٨٧] فإنه قد أتى في هذه المسألة بما لا مزيد عليه.
(ثم) بعد ذلك العبد (لم يبايع) رسول الله ﷺ (أحدًا) من الناس، وقوله: (بعد) أي بعد ذلك اليوم تأكيد لمعنى ثم (حتى يسأله) أي حتى يسأل من يريد بيعته (أعبد هو) أم لا؟ يعني أنه لما وقعت له هذه الواقعة أخذ بالحزم والحذر فكان يسأل من يرتاب فيه، وفيه من الفقه الأخذ بالأحوط.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٣٤٩]، وأبو داود [٣٣٥٨]، والترمذي [١٢٣٩]، والنسائي [٧/ ١٥٠].
ثم استدل المؤلف على الجزء الثالث من الترجمة أعني الرهن بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
стр. 7140
٣٩٨١ - (١٥٤١) (١٠٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ) عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ. قَالتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ. فَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ رَهْنًا
ــ
٣٩٨١ - (١٥٤١) (١٠٦) (حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء) بن كريب أبو كريب الهمداني الكوفي (واللفظ ليحيى قال يحيى: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا عائشة ويحيى بن يحيى (قالت) عائشة: (اشترى رسول الله ﷺ من يهودي) اسمه أبو الشحم الظفري كذا رواه الشافعي والبيهقي كما في التلخيص الحبير [٣/ ٣٥] (طعامًا) ورد عند البخاري في الجهاد والمغازي أنه كان ثلاثين صاعًا من الشعير، وكذا رواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما عن ابن عباس، وأخرجه الترمذي والنسائي عن ابن عباس فذكرا عشرين صاعًا وجمع بينهما الحافظ في الفتح في الرهن [٥/ ٩٩] بأنه كان دون الثلاثين فجبر الكسر تارة وألغى أخرى، ووقع لابن حبان من طريق شيبان عن قتادة عن أنس أن قيمة الطعام كانت دينارًا كذا في فتح الباري (بنسيئة) أي بثمن مؤجل إلى سنة كما في تنبيه المعلم فأبى اليهودي إلا برهن (فأعطاه) أي فأعطى النبي ﷺ اليهودي (درعًا له) ﷺ هي ذات الفضول قاله غير واحد كما في تنبيه المعلم حالة كون الدرع (رهنًا) أي مرهونًا عند اليهودي وجوّز مجيء الحال من النكرة تخصصه بالوصف والدرع زرد ينسج من حديد وهو من لباس الحرب، وفي الحديث دليل على جواز الشراء بالنسيئة، وعلى جواز الرهن بالذين، وعلى جوازه في الحضر وإن كان الكتاب قيده بالسفر، وعلى جواز المعاملة مع أهل الذمة وإن كان مالهم لا يخلو عن الربا وثمن الخمر اهـ من المرقاة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في أبواب كثيرة منها في البيوع في رقم [٢٥٦٨] وأخرجه النسائي أيضًا في البيوع من حديث ابن عباس والترمذي وابن ماجه أيضًا.
стр. 7141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: (من يهودي) استُشكل هذا بأن النبي ﷺ كان يمكن له أن يشتري الطعام من مسلم فلماذا رجع إلى يهودي؟ وأجاب عنه النووي رحمه الله تعالى بأنه فعل ذلك بيانًا للجواز أو لأنه لم يكن هناك طعام فاضل عن حاجة صاحبه إلا عنده أو لأن الصحابة لا يأخذون رهنه ﷺ ولا يقبضون منه الثمن فعدل إلى معاملة اليهودي لئلا يضيق على أحد من أصحابه اهـ وقيل: تفصيل هذه القصة يغني عن هذه الأجوبة كلها وهو ما أخرجه البزار عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أن ضيفًا نزل برسول الله ﷺ فأرسلني أبتغي له طعامًا فأتيت رجلًا من اليهود فقلت: يقول لك محمد ﷺ إنه نزل لنا ضيف وإنه لم يلق عندنا بعض الذي يصلحه فبعني أو أسلفني إلى هلال رجب، فقال اليهودي: لا والله لا أسلفه ولا أبيعه إلا برهن. فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: إني والله لأمين في أهل السماء أمين في أهل الأرض ولو أسلفني أو باعني لأديت إليه اذهب بدرعي فنزلت هذه الآية تعزيه على الدنيا ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ الآية كذا في كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي في باب القرض والبيع إلى أجل وفي إسناده موسى بن عبيدة ضعفه أحمد وغيره، ووثقه وكيع كما في التهذيب.
قوله: (فأعطاه درعًا له) والدرع بالكسر يذكر ويؤنث، وفيه جواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمة ويقاس عليه بيعه منهم إذا كان الذمي مأمونًا فأما أهل الحرب فلا يجوز أن يباع السلاح لهم ولا أن يرهن عندهم اهـ نووي وفتح الباري.
قال القرطبي: فيه دليل على جواز معاملة أهل الذمة مع العلم بأنهم يبيعون الخمر ويأكلون الربا لأنا قد أقررناهم على ما بأيديهم من ذلك وكذلك لو أسلموا لطاب لهم ذلك وليس كذلك المسلم الذي يعمل بشيء من ذلك لا يقر على ذلك ولا يترك بيده ولا يجوز أن يُعامل من كان كسبه من ذلك وإذا تاب تصدق ما بيده منه، وأما أهل الحرب فيجوز أن يُعاملوا ويشترى منهم كل ما يجوز لنا شراؤه وتملكه ويباع منهم كل شيء من العروض والحيوان ما لم يكن ذلك مضرا بالمسلمين مما يحتاجون إليه وما خلا آلة الحرب وعدّته وما يخاف أن يتقووا به على المسلمين فلا يُباع منهم شيء منه، ولا يُباع منهم ولا من أهل الذمة مسلم ولا مصحف، وقال ابن حبيب: لا يُباع من أهل الحرب
стр. 7142
٣٩٨٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ. قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا. وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ.
٣٩٨٣ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الأعْمَشِ. قَال: ذَكَرْنَا الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. فَقَال: حَدَّثنَا الأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ،
ــ
الحرير ولا الكتاب ولا البُسُط لأنهم يتجملون بذلك في حروبهم ولا الطعام لعلهم أن يضعفوا اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٣٩٨٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي) المروزي (وعلي بن خشرم) بن عبد الرحمن المروزي (قالا: أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي (عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عاكشة) رضي الله تعالى عنها، غرضه بيان متابعة عيسى لأبي معاوية (قالت: اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعامًا ورهنه) أي أعطاه رهنًا (درعًا من حديد) قيّده بالحديد إخراجا لدرع المرأة وهو قميصها.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٣٩٨٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا) مغيرة بن سلمة (المخزومي) أبو هشام القرشي البصري، ثقة ثبت، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم أبو بشر البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (عن الأعمش قال) الأعمش: (ذكرنا الرهن) أي حكم ارتهان الرهن (في السلم) أي في بيع السلم لتكون وثيقة لدين المسلم فيه (عند إبراهيم) بن يزيد (النخعي) أي ذكرنا هل يجوز الرهن عليه أم لا؟ (فقال) لنا إبراهيم: (حدثنا الأسود بن يزيد) بن
стр. 7143
عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ. وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ.
٣٩٨٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثناه أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
ــ
قيس النخعي (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة عبد الواحد بن زياد لأبي معاوية وعيسى بن يونس (أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعامًا) بثمن مؤجل (إلى أجل) معلوم يعني إلى سنة كما في تنبيه المعلم كما مر (ورهنه) أي وأعطى اليهودي (درعًا له من حديد) رهنًا لتكون وثيقة للثمن المؤجل. وهذا الحديث في البيع بثمن مؤجل وأخذ الرهن لذلك الثمن، ولعل ذكر إبراهيم هذا الحديث إشارة إلى أن حكم السلم كالبيع لأن السلم نوع منه.
والرهن لغة: الثبوت والدوام، ومنه الحالة الراهنة. وشرعًا: جعل عين مالية وثيقة لدين يستوفى من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر الوفاء، ويلزم الرهن بالعقد، ويجبر الراهن على دفع الرهن للمرتهن كما هو مبسوط في كتب الفروع.
قوله: (ذكرنا الرهن في السلم) ذكر الحافظ في البيوع أن السلم ها هنا بمعنى القرض وليس بمعناه العرفي. (قلت): ولكن يؤخذ منه جواز الرهن في السلم أيضًا ولهذا قال الحافظ نفسه في كتاب السلم من الفتح [٤/ ٣٥٨] وفي الحديث رد على من قال: إن الرهن في السلم لا يجوز وقد أخرج الإسماعيلي من طريق ابن نمير عن الأعمش أن رجلًا قال لإبراهيم النخعي: إن سعيد بن جبير يقول: إن الرهن في السلم هو الربا المضمون، فرد عليه إبراهيم بهذا الحديث ورُويت كراهة ذلك عن ابن عمر والحسن والأوزاعي وهي إحدى الروايتين عن أحمد، ورخص فيه الباقون والحجة فيه قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى أن قال ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ واللفظ عام فيدخل السلم في عمومه لأنه أحد نوعي البيع اهـ من التكملة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٣٩٨٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٤) بابا (عن الأعمش عن
стр. 7144
إِبْرَاهِيمَ. قَال: حَدَّثَنِي الأسوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ: مِنْ حَدِيدٍ.
٣٩٨٥ - (١٥٤٢) (١٠٧) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو النَّاقِدُ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) (قَال عَمْرٌو: حَدَّثَنَا. وَقَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ) عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ، السَّنَةَ وَالسَّنَتَينِ،
ــ
إبراهيم قال) إبراهيم: (حدثني الأسود عن عائشة عن النبي ﷺ غرضه بيان متابعة حفص بن غياث لعبد الواحد بن زياد، وساق حفص بن غياث (مثله) أي مثل ما روى عبد الواحد بن زياد عن الأعمش (و) لكن الم يذكر) حفص لفظة (من حديد) كما ذكره عبد الواحد.
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة وهو السلم بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:
٣٩٨٥ - (١٥٤٢) (١٠٧) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (واللفظ ليحبى قال عمرو: حدثنا وقال يحيى: أخبرنا سفيان بن عيينة عن) عبد الله (بن أبي نجيح) مكبرًا اسمه يسار الثقفي مولاهم أبي يسار المكي، ثقة، من (٦) (عن عبد الله بن كثير) بن المطلب السهمي المكي، مقبول، من (٦) (عن أبي المنهال) عبد الرحمن بن مطعم البناني بموحدة مضمومة ونونين مخففتين المكي، ثقة، من (٣) (عن ابن عباس) ﵄. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مكيون وواحد طائفي وواحد كوفي وواحد إما نيسابوري أو بغدادي (قال) ابن عباس: (قدم النبي ﷺ المدينة) المنورة مهاجرًا إليها (وهم) أي والحال أن أهل المدينة (يسلفون في الثمار) أي يسلمون فيها مؤجلة (السنة والسنتين) أي مؤجلا تسليمها للمُسْلِم إلى سنة أو إلى سنتين، والسَّلَم والسلَف بفتحتين فيهما متحدان لفظًا ومعنى، وذكر الماوردي أن السلف لغة أهل العراق والسلم لغة أهل الحجاز وهما لغة التسليم والتعجيل لما فيه من تعجيل رأس المال في مجلس العقد، وشرعًا: بيع آجل بعاجل، وعزفه بعضهم بأنه بيع موصوف ملتزم في الذمة مؤجلًا بأجل معلوم، واتفق العلماء على مشروعيته إلا ما حُكي عن ابن المسيب كذا في فتح الباري، ولكن أخرج
стр. 7145
فَقَال: "مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِف فِي كَيلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ"
ــ
عبد الرزاق في مصنفه [٨/ ٦] عن ابن المسيب أنه سُئل عن سلف الحنطة والكرابيس والثياب فقال: "ذرع معلوم إلى أجل معلوم، والحنطة بكيل معلوم إلى أجل معلوم" وهو صريح في أنه يقول بجواز السلم في المذروعات فضلًا عن المقذرات فَلْيُتَنَبَّه اهـ من التكملة. قال ملا علي: قوله: (وهم يُسلِفُون) أي يعطون الثمن في الحال ويأخذون السلعة في المال، وقوله: (السنة والسنتين) وفي المشكاة زيادة (والثلاث) وهو من روايات البخاري فقال ملا علي: منصوبات إما على نزع الخافض أي يشترون إلى السنة أو إلى السنتين، واما على المصدر أي إسلاف السنة الخ (فقال) رسول الله ﷺ : (من أسلف) وفي المشارق: من أسلم، قال ابن الملك في شرحه: أي من أراد أن يعقد عقد السلم وهو عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلًا، وفي رواية: من أسلم (في تمر) بدل أسلف معناهما واحد كما مر آنفًا، والسلف في البيع كالسلم وزنًا ومعنى، سُمي سلما لتسليم رأس المال دون قبض عوضه، وسُمي سلفا لتقديم رأس المال دون عوض ذكره القاضي، وفي بعض النسخ في ثمر بالمثلثة وهو أعم وإنما جرى ذكر التمر في هذه الرواية لأنه غالب ما يسلم فيه عندهم اهـ. وأجمع المسلمون على جواز السلم، والذمة وصف قائم بالإنسان يصلح للإلزام والالتزام وينخرب بالموت والسفه (فليسلف) أي فليسلم (في كيل معلوم) إن كان المسلم فيه من المكيل كالتمر والزبيب والحبوب (ووزن معلوم) إن كان من الموزون كالنقدين وما كبُر من الثمار على تمر مؤجلا تسليمه (إلى أجل معلوم) وفي هذا دلالة على وجوب الكيل أو الوزن وتعيين الأجل من المكيل والموزون وأن جهالة أحدهما مفسدة للبيع اهـ مرقاة، والواو في قوله ووزن معلوم بمعنى أو وإلا فيلزم الجمع في السلم الواحد بين الكيل والوزن وليس كذلك بالإجماع اهـ من المبارق.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٢١٧]، والبخاري [٣٢٣٩]، وأبو داود [٣٤٦٣]، والترمذي [١١ ١٣١]، والنسائي [٧/ ٢١٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس ﵄ فقال:
следующие страницы →