Полный текст (11 982 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.
стр. 7141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: (من يهودي) استُشكل هذا بأن النبي ﷺ كان يمكن له أن يشتري الطعام من مسلم فلماذا رجع إلى يهودي؟ وأجاب عنه النووي رحمه الله تعالى بأنه فعل ذلك بيانًا للجواز أو لأنه لم يكن هناك طعام فاضل عن حاجة صاحبه إلا عنده أو لأن الصحابة لا يأخذون رهنه ﷺ ولا يقبضون منه الثمن فعدل إلى معاملة اليهودي لئلا يضيق على أحد من أصحابه اهـ وقيل: تفصيل هذه القصة يغني عن هذه الأجوبة كلها وهو ما أخرجه البزار عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أن ضيفًا نزل برسول الله ﷺ فأرسلني أبتغي له طعامًا فأتيت رجلًا من اليهود فقلت: يقول لك محمد ﷺ إنه نزل لنا ضيف وإنه لم يلق عندنا بعض الذي يصلحه فبعني أو أسلفني إلى هلال رجب، فقال اليهودي: لا والله لا أسلفه ولا أبيعه إلا برهن. فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: إني والله لأمين في أهل السماء أمين في أهل الأرض ولو أسلفني أو باعني لأديت إليه اذهب بدرعي فنزلت هذه الآية تعزيه على الدنيا ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ الآية كذا في كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي في باب القرض والبيع إلى أجل وفي إسناده موسى بن عبيدة ضعفه أحمد وغيره، ووثقه وكيع كما في التهذيب.
قوله: (فأعطاه درعًا له) والدرع بالكسر يذكر ويؤنث، وفيه جواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمة ويقاس عليه بيعه منهم إذا كان الذمي مأمونًا فأما أهل الحرب فلا يجوز أن يباع السلاح لهم ولا أن يرهن عندهم اهـ نووي وفتح الباري.
قال القرطبي: فيه دليل على جواز معاملة أهل الذمة مع العلم بأنهم يبيعون الخمر ويأكلون الربا لأنا قد أقررناهم على ما بأيديهم من ذلك وكذلك لو أسلموا لطاب لهم ذلك وليس كذلك المسلم الذي يعمل بشيء من ذلك لا يقر على ذلك ولا يترك بيده ولا يجوز أن يُعامل من كان كسبه من ذلك وإذا تاب تصدق ما بيده منه، وأما أهل الحرب فيجوز أن يُعاملوا ويشترى منهم كل ما يجوز لنا شراؤه وتملكه ويباع منهم كل شيء من العروض والحيوان ما لم يكن ذلك مضرا بالمسلمين مما يحتاجون إليه وما خلا آلة الحرب وعدّته وما يخاف أن يتقووا به على المسلمين فلا يُباع منهم شيء منه، ولا يُباع منهم ولا من أهل الذمة مسلم ولا مصحف، وقال ابن حبيب: لا يُباع من أهل الحرب
стр. 7142
٣٩٨٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ. قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا. وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ.
٣٩٨٣ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الأعْمَشِ. قَال: ذَكَرْنَا الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. فَقَال: حَدَّثنَا الأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ،
ــ
الحرير ولا الكتاب ولا البُسُط لأنهم يتجملون بذلك في حروبهم ولا الطعام لعلهم أن يضعفوا اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٣٩٨٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي) المروزي (وعلي بن خشرم) بن عبد الرحمن المروزي (قالا: أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي (عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عاكشة) رضي الله تعالى عنها، غرضه بيان متابعة عيسى لأبي معاوية (قالت: اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعامًا ورهنه) أي أعطاه رهنًا (درعًا من حديد) قيّده بالحديد إخراجا لدرع المرأة وهو قميصها.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٣٩٨٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا) مغيرة بن سلمة (المخزومي) أبو هشام القرشي البصري، ثقة ثبت، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم أبو بشر البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (عن الأعمش قال) الأعمش: (ذكرنا الرهن) أي حكم ارتهان الرهن (في السلم) أي في بيع السلم لتكون وثيقة لدين المسلم فيه (عند إبراهيم) بن يزيد (النخعي) أي ذكرنا هل يجوز الرهن عليه أم لا؟ (فقال) لنا إبراهيم: (حدثنا الأسود بن يزيد) بن
стр. 7143
عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ. وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ.
٣٩٨٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثناه أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
ــ
قيس النخعي (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة عبد الواحد بن زياد لأبي معاوية وعيسى بن يونس (أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعامًا) بثمن مؤجل (إلى أجل) معلوم يعني إلى سنة كما في تنبيه المعلم كما مر (ورهنه) أي وأعطى اليهودي (درعًا له من حديد) رهنًا لتكون وثيقة للثمن المؤجل. وهذا الحديث في البيع بثمن مؤجل وأخذ الرهن لذلك الثمن، ولعل ذكر إبراهيم هذا الحديث إشارة إلى أن حكم السلم كالبيع لأن السلم نوع منه.
والرهن لغة: الثبوت والدوام، ومنه الحالة الراهنة. وشرعًا: جعل عين مالية وثيقة لدين يستوفى من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر الوفاء، ويلزم الرهن بالعقد، ويجبر الراهن على دفع الرهن للمرتهن كما هو مبسوط في كتب الفروع.
قوله: (ذكرنا الرهن في السلم) ذكر الحافظ في البيوع أن السلم ها هنا بمعنى القرض وليس بمعناه العرفي. (قلت): ولكن يؤخذ منه جواز الرهن في السلم أيضًا ولهذا قال الحافظ نفسه في كتاب السلم من الفتح [٤/ ٣٥٨] وفي الحديث رد على من قال: إن الرهن في السلم لا يجوز وقد أخرج الإسماعيلي من طريق ابن نمير عن الأعمش أن رجلًا قال لإبراهيم النخعي: إن سعيد بن جبير يقول: إن الرهن في السلم هو الربا المضمون، فرد عليه إبراهيم بهذا الحديث ورُويت كراهة ذلك عن ابن عمر والحسن والأوزاعي وهي إحدى الروايتين عن أحمد، ورخص فيه الباقون والحجة فيه قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى أن قال ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ واللفظ عام فيدخل السلم في عمومه لأنه أحد نوعي البيع اهـ من التكملة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٣٩٨٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٤) بابا (عن الأعمش عن
стр. 7144
إِبْرَاهِيمَ. قَال: حَدَّثَنِي الأسوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ: مِنْ حَدِيدٍ.
٣٩٨٥ - (١٥٤٢) (١٠٧) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو النَّاقِدُ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) (قَال عَمْرٌو: حَدَّثَنَا. وَقَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ) عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ، السَّنَةَ وَالسَّنَتَينِ،
ــ
إبراهيم قال) إبراهيم: (حدثني الأسود عن عائشة عن النبي ﷺ غرضه بيان متابعة حفص بن غياث لعبد الواحد بن زياد، وساق حفص بن غياث (مثله) أي مثل ما روى عبد الواحد بن زياد عن الأعمش (و) لكن الم يذكر) حفص لفظة (من حديد) كما ذكره عبد الواحد.
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة وهو السلم بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:
٣٩٨٥ - (١٥٤٢) (١٠٧) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (واللفظ ليحبى قال عمرو: حدثنا وقال يحيى: أخبرنا سفيان بن عيينة عن) عبد الله (بن أبي نجيح) مكبرًا اسمه يسار الثقفي مولاهم أبي يسار المكي، ثقة، من (٦) (عن عبد الله بن كثير) بن المطلب السهمي المكي، مقبول، من (٦) (عن أبي المنهال) عبد الرحمن بن مطعم البناني بموحدة مضمومة ونونين مخففتين المكي، ثقة، من (٣) (عن ابن عباس) ﵄. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مكيون وواحد طائفي وواحد كوفي وواحد إما نيسابوري أو بغدادي (قال) ابن عباس: (قدم النبي ﷺ المدينة) المنورة مهاجرًا إليها (وهم) أي والحال أن أهل المدينة (يسلفون في الثمار) أي يسلمون فيها مؤجلة (السنة والسنتين) أي مؤجلا تسليمها للمُسْلِم إلى سنة أو إلى سنتين، والسَّلَم والسلَف بفتحتين فيهما متحدان لفظًا ومعنى، وذكر الماوردي أن السلف لغة أهل العراق والسلم لغة أهل الحجاز وهما لغة التسليم والتعجيل لما فيه من تعجيل رأس المال في مجلس العقد، وشرعًا: بيع آجل بعاجل، وعزفه بعضهم بأنه بيع موصوف ملتزم في الذمة مؤجلًا بأجل معلوم، واتفق العلماء على مشروعيته إلا ما حُكي عن ابن المسيب كذا في فتح الباري، ولكن أخرج
стр. 7145
فَقَال: "مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِف فِي كَيلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ"
ــ
عبد الرزاق في مصنفه [٨/ ٦] عن ابن المسيب أنه سُئل عن سلف الحنطة والكرابيس والثياب فقال: "ذرع معلوم إلى أجل معلوم، والحنطة بكيل معلوم إلى أجل معلوم" وهو صريح في أنه يقول بجواز السلم في المذروعات فضلًا عن المقذرات فَلْيُتَنَبَّه اهـ من التكملة. قال ملا علي: قوله: (وهم يُسلِفُون) أي يعطون الثمن في الحال ويأخذون السلعة في المال، وقوله: (السنة والسنتين) وفي المشكاة زيادة (والثلاث) وهو من روايات البخاري فقال ملا علي: منصوبات إما على نزع الخافض أي يشترون إلى السنة أو إلى السنتين، واما على المصدر أي إسلاف السنة الخ (فقال) رسول الله ﷺ : (من أسلف) وفي المشارق: من أسلم، قال ابن الملك في شرحه: أي من أراد أن يعقد عقد السلم وهو عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلًا، وفي رواية: من أسلم (في تمر) بدل أسلف معناهما واحد كما مر آنفًا، والسلف في البيع كالسلم وزنًا ومعنى، سُمي سلما لتسليم رأس المال دون قبض عوضه، وسُمي سلفا لتقديم رأس المال دون عوض ذكره القاضي، وفي بعض النسخ في ثمر بالمثلثة وهو أعم وإنما جرى ذكر التمر في هذه الرواية لأنه غالب ما يسلم فيه عندهم اهـ. وأجمع المسلمون على جواز السلم، والذمة وصف قائم بالإنسان يصلح للإلزام والالتزام وينخرب بالموت والسفه (فليسلف) أي فليسلم (في كيل معلوم) إن كان المسلم فيه من المكيل كالتمر والزبيب والحبوب (ووزن معلوم) إن كان من الموزون كالنقدين وما كبُر من الثمار على تمر مؤجلا تسليمه (إلى أجل معلوم) وفي هذا دلالة على وجوب الكيل أو الوزن وتعيين الأجل من المكيل والموزون وأن جهالة أحدهما مفسدة للبيع اهـ مرقاة، والواو في قوله ووزن معلوم بمعنى أو وإلا فيلزم الجمع في السلم الواحد بين الكيل والوزن وليس كذلك بالإجماع اهـ من المبارق.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٢١٧]، والبخاري [٣٢٣٩]، وأبو داود [٣٤٦٣]، والترمذي [١١ ١٣١]، والنسائي [٧/ ٢١٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس ﵄ فقال:
стр. 7146
٣٩٨٦ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَال: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ. فَقَال لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَسْلَفَ فَلَا يُسْلِفْ إِلَّا فِي كَيلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ"
ــ
٣٩٨٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا شيبان بن فروخ) الحبطي مولاهم أبو محمد الأبلي بضمتين وتشديد اللام، صدوق، من (٩) (حدثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبري البصري، ثقة، من (٨) (عن) عبد الله (بن أبي نجيح) يسار الثقفي المكي (حدثني عبد الله بن كثير) السهمي المكي (عن أبي المنهال) عبد الرحمن بن مطعم البناني المكي (عن ابن عباس) ﵄، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عبد الوارث لسفيان بن عيينة (قال) ابن عباس: (قدم رسول الله ﷺ المدينة مهاجرًا (والناس يسلفون) أي يسلمون في الثمار (فقال لهم رسول الله ﷺ : (من أسلف فلا يسلف إلا في كيل معلوم ووزن معلوم) إلى أجل معلوم، استدل به ابن حزم في المحلى [٩/ ١٠٦] على أن السلم لا يجوز إلا في المكيلات أو الموزونات، وقال جمهور الفقهاء: إنه يجوز في المذروعات والمعدودات المتقاربة أيضًا بشرط تعيين الذرع أو العدد لأن خصوصية الكيل والوزن لا دخل لهما في جواز السلم وإنما المجوز هو كون المسلم فيه معلومًا وهو متحقق في المذروعات والمعدودات المتقاربة.
فإن قيل: إن السلم إنما شُرع على خلاف القياس فلا يقاس عليه غيره فالجواب أن جواز السلم في المذروعات لا يحتاج فيه إلى قياس واجتهاد وإنما ثبت بدلالة النص في حديث الباب للقطع بأن سبب شرعيته هو الحاجة الماسة إلى أخذ العاجل بالآجل وهي ثابتة من البزازين في المذروع كما في أصحاب المكيلات والموزونات يفهم ذلك كل من سمع سبب المشروعية المنقول في أثناء الأحاديث سواء كان له رتبة الاجتهاد أو لم يكن فلذا كان ثبوت السلم في المذروعات بدلالة النصوص المتضمنة للسبب كذا حققه الحافظ في الفتح.
وقوله: (إلى أجل معلوم) استدل به الحنفية على أن السلم لا يجوز إلا إذا كان المسلم فيه مؤجلا ولا يصح حالًا وهو قول مالك وأحمد والأوزاعي كما في مغني ابن قدامة [٤/ ٣٢١] خلافًا للشافعي رحمه الله تعالى فإنه يقول: إن ذكر الأجل في هذا
стр. 7147
(٣٩٨٧) - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ،
ــ
الحديث ليس لكونه شرطًا لجواز العقد، وإنما المراد أنه إن كان مؤجلًا فليكن إلى أجل معلوم ولأنه عقد يصح مؤجلًا فجوازه حالًا أولى لأنه من الغرر أبعد.
(وأجاب) عنه الموفق ابن قدامة بان السلم إنما جاز رخصة للرفق ولا يحصل الرفق إلا بالأجل فإذا انتفى الرفق فلا يصح ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه، أما الاسم فلأنه يسمى سلمًا وسلفًا لتعجيل أحد العوضين وتأخر الآخر، أما المعنى فإن الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية إليه ومع حضور ما يبيعه حالًا لا حاجة إلى السلم فلا يثبت بخلاف بيوع الأعيان فإنها لم تثبت على خلاف الأصل لمعنى يختص بالتاجيل، ولكن ليس في هذا الخلاف كبير طائل فإنه إن أراد عقد البيع حالًا عقده بلفظ البيع لا بلفظ السلم ثم يستلم المشتري المبيع في مجلس آخر ولا يمنع ذلك كون البيع حالًا.
ويروى أن مذهب الجمهور في هذا الباب أوفق بالتيسير الذي شُرع له السلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عباس ﵄ فقال:
٣٩٨٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وإسماعيل بن سالم) الصائغ بمكة البغدادي ثم المكي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب، لم يرو عنه غير مسلم من أصحاب الأمهات (جميعًا) أي كل من الثلاثة رووا (عن ابن عيينة) كذا في النسخ الموجودة عندنا، ولكن ذكر النووي أنه وقع في رواية ابن ماهان عن مسلم (جميعًا عن ابن علية) أي عن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري المعروف بابن علية اسم أمه، ثقة، من (٨) بدل ابن عيينة وهو الصواب الصحيح لأن ابن عيينة قد ذكر في روايته السابقة أول الحديث (إلى أجل معلوم) وإن هذه الرواية موافقة لرواية عبد الوارث المذكورة قبلها في عدم ذكر الأجل مخالفة لرواية ابن عيينة فإذن الصواب (عن ابن علية) وما وقع في أكثر النسخ من لفظة ابن عيينة تحريف من النساخ، هذه خلاصة ما ذكره النووي ويؤيده أن البخاري أخرج هذه الرواية من طريق ابن علية عن ابن أبي نجيح ولم يذكر فيها الأجل، راجع أول حديث من كتاب السلم في صحيحه والله أعلم.
стр. 7148
عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ. وَلَمْ يَذْكُرْ "إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ".
٣٩٨٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو كُرَيبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، بِإِسْنَادِهِمْ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَينَةَ. يَذْكُرُ فِيهِ لا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ"
ــ
(عن ابن أبي نجيح بهذا الإسناد) يعني عن عبد الله بن كثير عن أبي المنهال عن ابن عباس، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة ابن علية لعبد الوارث بن سعيد، وساق ابن علية (مثل حديث عبد الوارث ولم يذكر) ابن علية لفظة "لي أجل معلوم) كما لم يذكره عبد الوارث.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثا فقال:
٣٩٨٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء (و) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (قالا: حدثنا وكيع ح وحدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري (حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري، ثقة، من (٩) (كلاهما) أي كل من وكيع وابن مهدي رويا (عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي (عن ابن أبي نجيح بإسنادهم) أي بإسناد هؤلاء الذين رووا عن ابن أبي نجيح وهم ابن عيينة وعبد الوارث وابن علية يعني عن عبد الله بن كثير عن أبي المنهال عن ابن عباس، وساق سفيان الثوري (مثل حديث ابن عيينة) المذكور في الرواية الأولى، ولكن لم (يذكر فيه) الثوري لفظة (إلى أجل معلوم) كما ذكره ابن عيينة وهذا بيان لمحل المخالفة بين السفيانين، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة الثوري لابن عيينة.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب خمسة أحاديث: الأول: حديث أبي رافع ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني: حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والثالث: حديث جابر ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والرابع: حديث عائشة ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والخامس: حديث ابن عباس ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات والله أعلم.
стр. 7149
٥٨٠ - (٢٠) باب النهي عن الحكرة والحلف في البيع والشفعة وغرز الخشب في جدار الجار
٣٩٨٩ - (١٥٤٣) (١٠٨) حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ) عَنْ يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ) قَال: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ مَعْمَرًا قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ"
ــ
٥٨٠ - (٢٠) باب النهي عن الحكرة والحلف في البيع والشفعة وغرز الخشب في جدار الجار
٣٩٨٩ - (١٥٤٣) (١٠٨) (حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) الحارثي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا سليمان يعني ابن بلال) التيمي مولاهم أبو محمد المدني، ثقة، من (٨) (عن يحيى وهو ابن سعيد) بن قيس الأنصاري النجاري المدني، ثقة، من (٥) (قال) ابن سعيد كان سعيد بن المسيب يحدّث أن معمرًا) ابن عبد الله بن نافع القرشي العدوي المدني الصحابي الكبير، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، له في الكتب حديثان ﵁ (قال) أي معمر. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون (قال رسول الله ﷺ : من احتكر) أي من ادخر ما يشتريه وقت الغلاء لبيعه بأغلى (فهو خاطئ) أي عاص آثم، والاحتكار لغة: احتباس الشيء انتظارًا لوقت غلائه، والاسم منه الحكرة بضم الحاء المهملة وسكون الكاف كما في القاموس مثل الفرقة من الافتراق والحُكر الجمع والإمساك، قال في المصباح: احتكر زيد الطعام إذا حبسه إرادة الغلاء، والغلاء ارتفاع السعر. وشرعًا: اشتراء طعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء كذا عرّفه ابن عابدين في رد المحتار [٥/ ٢٨٢] والخاطئ من تعمد ما لا ينبغي، والمخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره اهـ تيسير المناوي.
ثم ذهب أكثر الفقهاء إلى أن حرمة الاحتكار مختصة بالأقوات فلا يحرم الاحتكار في غيرها وهو قول أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله تعالى اهـ نووي والأبي ومغني ابن قدامة، وقال ابن قدامة: الاحتكار المحرم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط: أحدها: أن يشتري فلو جلب شيئًا أو أدخل من غلته شيئًا فادخره لم يكن محتكرًا، والثاني: أن يكون المشترى قوتًا وأما الإدام والحلواء والزيت والعسل وأعلاف البهائم
стр. 7150
فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ؟ قَال سَعِيدٌ: إِن مَعْمَرًا الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحْتَكِرُ
ــ
والبُن والشاي فليس فيها احتكار محرم، والثالث: أن يضيّق على الناس بشرائه ولا يحصل ذلك إلا بأمرين: أحدهما: أن يكون في بلد يضيّق بأهله الاحتكار كالحرمين والثغور، وأما البلاد الواسعة الكثيرة المرافق والجلب كبغداد والبصرة ومصر فلا يحرم فيها الاحتكار لأن ذلك لا يؤثر فيها غالبًا، الثاني: أن يكون في حال الضيق بأن يدخل البلد قافلة فيتبادر ذوو الأموال فيشترونها منهم ويضيّقون على الناس فأما إن اشتراه في حال الاتساع والرُّخص على وجه لا يضيّق على أحد فليس بمحرم، وأما أبو يوسف فلا يخص حرمة الاحتكار بالأقوات فيقول كل ما أضر بالعامة حبسه فهو احتكار ممنوع فلعله رأى أن المادة ربما تُستعمل في غير الطعام أيضًا فيقال: الحكر للماء المستنقع في وقبة من الأرض لأنه يحكر أي يُجمع ويحبس كما ذكره الزمخشري في الفائق، وأما الجمهور فقصروا حرمة الاحتكار على الطعام نظرًا إلى معنى كلمة الاحتكار في اللغة فإنها موضوعة في أصل اللغة لاحتباس الطعام خاصة.
والظاهر أن حرمة احتكار الطعام ثابتة بالحديث من غير شك فكان أمرًا تشريعيًا معمولًا به إلى الأبد لأن حاجة الناس إلى الطعام أكثر منها إلى غيره وأما احتكار الأشياء الأخرى فيفوّض إلى رأي الإمام فإن رأى في احتكارها ضررًا شديدًا نظير الضرر في الطعام منعه وإلا أجازه والله أعلم اهـ من التكملة.
(فقيل لسعيد) بن المسيب، القائل هو يحيى بن سعيد كما في رواية القرطبي (فقلت لسعيد: فإنك تحتكر) (فإنك تحتكر) غير الطعام فـ (قال سعيد) بن المسيب (أن معمرًا) ابن عبد الله (الذي كان يحدّث) لنا (هذا الحديث) عن النبي ﷺ كان يحتكر) قالوا: إنه كان يحتكر الزيت، ويحمل الحديث على احتكار القوت عند الغلاء وكفى ذلك دليلًا لأن الصحابي أعرف بمراد النبي ﷺ اهـ من المبارق.
قوله: (فإنك تحتكر) هذا يدل على أن معمرًا ﵁ وتلميذه سعيد بن المسيب كانا يحتكران في غير الأقوات وهو من أقوى الأدلة على أن الحرمة مختصة بالأقوات لأن راوي الحديث من الصحابة أعرف بمعنى الحديث.
ثم استدلال ابن المسيب على جواز الاحتكار في غير الأقوات بعمل معمر
стр. 7151
٣٩٩٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ. حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَال: "لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ"
ــ
﵁ يدل على أن عمل الراوي بخلاف الحديث له دخل في معرفة معنى الحديث والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [٣٤٤٧]، والترمذي [١٢٦٧]، وابن ماجه في التجارات في باب الحكرة والجلب [٢١٥٤]، وأحمد [٣/ ٤٥٢ و ٦/ ٤٠٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في الحديث فقال:
٣٩٩٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا سعيد بن عمرو) بن سهل الكندي (الأشعثي) أبو عثمان الكوفي، ثقة، من (١٠) (حدثنا حاتم بن إسماعيل) مولى بني عبد الدار أبو إسماعيل المدني، صدوق، من (٨) (عن محمد بن عجلان) القرشي مولاهم مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة أبي عبد الله المدني، صدوق، من (٥) (عن محمد بن عمرو بن عطاء) القرشي العامري أبي عبد الله المدني، ثقة، من (٣) (عن سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة، من (٢) (عن معمر بن عبد الله) بن نافع القرشي المدني الصحابي المشهور ﵁ (عن رسول الله ﷺ وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم مدنيون إلا سعيد بن عمرو الأشعثي فإنه كوفي، غرضه بيان متابعة محمد بن عمرو بن عطاء ليحيى بن سعيد الأنصاري (قال) رسول الله ﷺ : (لا يحتكر) أي لا يدخر الطعام لبيعه وقت الغلاء (إلا خاطئ) أي إلا آثم وهو اسم فاعل من خطئ يخطأ خِطْئًا من باب علم يعلم علمًا، والاسم منه الخطأ بفتح الخاء والطاء إذا أثم في فعله ويقال: أخطأ إذا سلك سبيل خطإ عامدًا أو غير عامد قاله أبو عبيد وقال: سمعت الأزهري يقول: خطئ إذا تعمد وأخطأ إذا لم يتعمد إخطاء وخطئًا والخطأ الاسم.
(قلت): وهذا الحديث بحكم إطلاقه أو عمومه يدل على منع الاحتكار في كل شيء غير أن هذا الإطلاق قد تقيد أو العموم قد تخصص بما قد فعله النبي صلى الله عليه
стр. 7152
٣٩٩١ - (٠٠) (٠٠) قَال إِبْرَاهِيمُ: قَال مُسْلِمٌ: وَحَدَّثَنِي
ــ
وسلم فإنه قد ادخر لأهله قوت سنتهم ولا خلاف في أن ما يدخره الإنسان لنفسه وعياله من قوت وما يحتاجون إليه جائز لا بأس به فإذًا مقصود هذا منع التجار من الادخار وإذا ظهر ذلك فهل يمنعون من ادخار كل شيء من الأقوات والحيوان والعلوفة والسمن واللبن والعسل وغير ذلك أضر بالناس أو لم يضر إذا اشترى في أسواقهم كما قاله ابن حبيب أخذًا بعموم الخبر أو بإطلاقه أو إنما يمنعون من ادخار ما يضر بالناس ادخاره عند الحاجة من الأقوات وهو قول أبي حنيفة والشافعي وهو مشهور مذهب مالك وحملوا النهي على ذلك.
(قلت): وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى لأن ما لا يضر بالناس شراؤه واحتكاره لا يخطأ مشتريه بالاتفاق ثم إذا اشتراه وصار ملكه فله أن يحتكره أو لا يحتكره ثم قد يكون احتكاره لذلك مصلحة ينتفع بها في وقت آخر فلعل ذلك الشيء ينعدم أو يقل فتدعو الحاجة إليه فيُوجد فترتفع المضرة والحاجة بوجوده فيكون احتكاره مصلحة وترك احتكاره مفسدة وأما الذي ينبغي أن يُمنع فهو ما يكون احتكاره مضرة بالمسلمين وأشد ذلك في الأقوات لعموم الحاجة ودعاء الضرورة إليها إذ لا يتصور الاستغناء عنها ولا يتنَزل غيرها منزلتها فإن أُبيح للمحتكرين شراؤها ارتفعت أسعارها وعز وجودها وشحت النفوس بها وحرصت على تحصيلها فظهرت الفاقات والشدائد وعصت المضار والمفاسد فحينئذٍ يظهر أن الاحتكار من الذنوب الكبار وكل هذا فيمن اشترى من الأسواق فأما من جلب طعاما من بلد آخر فإن شاء باع وإن شاء احتكر ولا يُعرّض له إلا إن نزلت حاجة قادحة وأمر ضروري بالمسلمين فيجب على من كان عنده ذلك أن يبيعه بسعر وقته فإن لم يفعل أُجبر على ذلك إحياءً للمهج وإبقاء للرمق، وأما ما اشتراه من الأسواق واحتكره وأضر بالناس فيشترك فيه الناس بالسعر الذي اشتراه به اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث معمر بن عبد الله ﵁ فقال:
٣٩٩١ - (٠٠) (٠٠) (قال) أبو إسحاق (إبراهيم) بن محمد بن سفيان من رواة المؤلف (قال) لنا (مسلم) بن الحجاج القشيري مؤلف هذا الجامع (وحدثني) أيضًا
стр. 7153
بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ. أَخبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَبِي مَعْمَرٍ، أَحَدِ بَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيمَانَ بْنِ بِلالٍ، عَنْ يَحْيَى.
٣٩٩٢ - (١٥٤٤) (١٠٩) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثنَا أَبُو صَفْوَانَ الأمَويُّ
ــ
معطوف على السند الأول (بعض أصحابنا) ومشايخنا أبهم مسلم شيخه هذا ولكن إيراد هذا الحديث في الصحيح دليل على كون ذلك البعض ثقة، وقد جاء ذلك البعض معينًا باسمه في رواية أبي داود فرواه أبو داود عن وهب بن بقية بن عثمان الواسطي عن خالد بن عبد الله الطحان وقد وقع مثل ذلك للمؤلف في أربعة عشر حديثًا من صحيحه، وقد عدّه بعض العلماء من منقطعات صحيح مسلم، وقد قدمنا أن ذلك لا يُسمى منقطعًا في أصول الحديث وإنما هو رواية عن مجهول وإنما يفعل المصنف هكذا في المتابعة فلا يقدح في صحة أصل الحديث ولا سيما إذا تعين ذلك المجهول بروايات أخرى وردت في غيره (عن عمرو بن عون) بن أوس بن الجعد السلمي مولاهم أبي عثمان الواسطي، ثقة حجة، من (١٠) روى عنه في (٢) بابين الإيمان والبيوع (أخبرنا خالد بن عبد الله) بن عبد الرحمن المزني الطحان أبو الهيثم الواسطي، ثقة، من (٨) (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة المازني المدني، ثقة، من (٦) روى عنه في (٩) أبواب (عن محمد بن عمرو) بن عطاء بن عياش القرشي المدني، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (عن سعيد بن المسيب عن معمر بن أبي معمر) عبد الله بن نافع القرشي العدوي (أحد بني عدي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : فدكر) عمرو بن يحيى بن عمارة (بمثل حديث سليمان بن بلال عن يحيى) بن سعيد الأنصاري. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة عمرو بن يحيى بن عمارة لسليمان بن بلال في الرواية عن سعيد بن المسيب ولكنها متابعة ناقصة لأن عمرو بن يحيى روى عن سعيد بواسطة محمد بن عمرو بن عطاء وسليمان بن بلال روى عنه بواسطة ابن سعيد.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة أعني الحلف في البيع بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٩٩٢ - (١٥٤٤) (٠٩ ١) (حدثنا زهير بن حرب حدثنا أبو صفوان الأموي)
стр. 7154
ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. كِلاهُمَا عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الحَلِفُ منْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ. مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ"
ــ
عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان الدمشقي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٣) أبواب (ح وحدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن سرح الأموي المصري (وحرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي المصري (قالا): أي قال أبو الطاهر وحرملة بن يحيى: (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقة حجة، من (٩) (كلاهما) أي كل من أبي صفوان وابن وهب رويا (عن يونس) بن يزيد الأموي الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني (عن) سعيد (بن المسيب) المخزومي المدني (أن أبا هريرة) ﵁ (قال) وهذان السندان من سداسياته رجال الأول منهما ثلاثة منهم مدنيون وواحد أيلي وواحد دمشقي وواحد نسائي، ورجال الثاني منهما ثلاثة منهم أيضًا مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي (سمعت رسول الله ﷺ يقول: الحلف) بفتح أوله وكسر ثانيه أي اليمين والمراد كما في المرقاة إكثارها أو الكاذبة منها في البيع (منفقة) أي مربحة اللسلعة) أي سبب لنفاق البضاعة ورواجها في ظن الحالف و (ممحقة للربح) أي سبب لمحق البركة وذهابها إما بتلف يلحقه في ماله أو بإنفاقه في غير ما يعود نفعه إليه في العاجل أو ثوابه في الآجل أو بقي عنده وحُرم نفعه أو ورثه من لا يحمده؛ ذكره ابن الملك.
وقوله: (منفقة) بفتح الميم والفاء وسكون النون مفعلة من النفاق بفتح النون وهو الرواج ضد الكساد وهو مصدر استعير للفاعل للمبالغة، وقد حكاه بعضهم بضم الميم وفتح النون وكسر الفاء المشددة (منفقة) على كونه اسم فاعل مؤنث من التنفيق وهو الترويج، ولكن رواية أكثر المحدثين على الأول (ممحقة) هو كالأول في الوزن مفعلة من المحق وهو النقص والإبطال، وحكي أيضًا على كونه اسم فاعل من التمحيق ولكن الأول أصوب.
قوله: اللربح) كذا وقع عند مسلم وتابعه الإسماعيلي على ذلك ووقع عند البخاري من طريق الليث اللبركة) وتابعه عنبسة بن خالد عند أبي داود، ورواه الليث عند الإسماعيلي بلفظ (ممحقة للكسب) وتابعه ابن وهب عند النسائي ومال الإسماعيلي إلى
стр. 7155
٣٩٩٣ - (١٥٤٥) (١١٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُريبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي شَيبَةَ) (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِير، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصارِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِيَّاكُمْ
ــ
ترجيح هذه الرواية وأن من رواه بلفظ البركة أورده بالمعنى لأن الكسب إذا محق محقت البركة كذا في فتح الباري [٤/ ٢٦٦].
قال القرطبي: ومعنى تمحق البركة تذهبها وقد تُذهب رأس المال والربح كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ وقد يتعدى المحق إلى الحالف فيعاقب بإهلاكه بتوالي المصائب عليه وقد يتعدى ذلك إلى خراب بيته وبلده كما رُوي أن النبي ﷺ قال: "اليمين الفاجرة تذر الديار بلاقع" رواه البيهقي في شعب الإيمان أي خالية من سكانها إذا توافقوا على التجرؤ على الأيمان الفاجرة، وأما محق الحسنات في الآخرة فلا بد منه لمن لم يتب، وسبب هذا كله أن اليمين الكاذبة يمين غموس يؤكل بها مال المسلم بالباطل اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٣٥]، والبخاري [٢٠٨٧]، وأبو داود [٣٣٣٥]، والنسائي [٧/ ٢٤٦].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنهما فقال:
٣٩٩٣ - (٤٥ ١٥) (١١٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لابن أبي شيبة قال إسحاق: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (عن الوليد بن كثير) القرشي المخزومي مولاهم أبي محمد المدني، وثقه ابن معين وأبو داود، وقال في التقريب: صدوق، من (٦) روى عنه في (٩) أبواب (عن معبد بن كعب بن مالك) الأنصاري السلمي بفتحتين المدني، كان أصغر الإخوة، مقبول، من (٣) ووثقه ابن حبان، روى عنه في (٣) أبواب (عن أبي قتادة الأنصاري) السلمي بفتح السين واللام الحارث بن ربعي المدني ﵁، روى عنه في (٧) أبواب. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان (أنه) أي أن أبا قتادة الأنصاري (سمع رسول الله ﷺ يقول: (إياكم) منصوب
стр. 7156
وَكثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيعِ. فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ".
٣٩٩٤ - (١٥٤٦) (١١١) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُس
ــ
على التحذير بفعل محذوف وجوبًا لقيام المعطوف مقامه (وكثرة الحلف) بالنصب معطوف على إياكم أي باعدوا أنفسكم عن كثرة الحلف (في البيع) أي اتقوا كثرة اليمين ولو كنتم صادقين لأنه ربما يقع كذبًا فقيد الكثرة احتراز عن القلة فإنه يحتاج إليه فلا يدخل تحت التحذير قاله ملا علي، والتحذير عندهم تنبيه المخاطب على أمر مذموم ليجتنبه (فإنه) أي فإن الحلف أو إكثاره (ينفق) البيع ويرؤجه من التنفيق بمعنى الترويج (ثم) بعد تنفيقه أولًا (يمحق) بفتح حروف المضارعة من باب منع مثل قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ أي يذهب بركة البيع.
قال القرطبي: وإنما حذّر عن كثرة الحلف لأن الغالب ممن كثرت أيمانه وقوعه في الكذب والفجور وإن سلم من ذلك على بُعده لم يسلم من الحنث أو الندم لأن اليمين حنث أو مندمة، وإن سلم من ذلك لم يسلم من مدح السلعة المحلوف عليها والإفراط في تزيينها ليروجها على المشتري مع ما في ذلك من ذكر الله تعالى لا على جهة التعظيم بل على جهة مدح السلعة فاليمين على ذلك تعظيم للسلع لا تعظيم لله تعالى وهذه كلها أنواع من المفاسد لا يقدم عليها إلا من عقله ودينه فاسد اهـ من المفهم.
وقد دل الحديثان على كراهية الحلف في البيع لأن الحلف إن كان كاذبًا فهو عين الحرام وإن كان صادقًا فإن الرجل إذا اعتاد ذلك تدرج إلى الكاذب منه فكره ذلك سدًا للذريعة ولأن حقيقة الحلف هو جعل الشيء في ذمة الله أو في شهادة وكل ذلك لا يناسب في أمور دنيوية تافهة، قال الدهلوي: ويكره إكثار الحلف في البيع لشيئين كونه مظنة لتغرير المتعاملين وكونه سببًا لزوال تعظيم اسم الله من القلب، والحلف الكاذب منفقة للسلعة لأن مبنى الإنفاق على تدليس المشتري وممحقة للبركة لأن مبنى البركة على توجه دعاء الملائكة إليه وقد تباعدت بالمعصية بل دعت عليه اهـ من التكملة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النسائي [٧/ ٢٤٦]، وابن ماجه [٢٢٠٩].
ثم استدل المؤلف على الجزء الثالث من الترجمة أعني الشفعة بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما فقال:
٣٩٩٤ - (١٥٤٦) (١١١) (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس) بن عبد الله بن
стр. 7157
حَدَّثَنَا زُهَيرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ أَوْ نَخْلٍ، فَلَيسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ. فَإنْ رَضِيَ أَخَذَ. وإنْ كَرِهَ تَرَكَ"
ــ
قيس التميمي الكوفي، ثقة، من (١٠) (حدثنا زهير) بن معاوية الجعفي الكوفي، ثقة، من (٧) (حدثنا أبو الزبير) المكي (عن جابر) بن عبد الله المدني ﵄ (ح وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (أخبرنا أبو خيثمة) زهير بن معاوية (عن أبي الزبير عن جابر) وهذان السندان من رباعياته (قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : من كان له شريك) كذا في النسخ التي بأيدينا والذي في المشارق (من كان له شرك) فقال ابن الملك: بكسر الشين وسكون الراء أي نصيب قل أو كثر (في ربعة) بفتح الراء وسكون الباء الدار أو المنزل، والربع والربعة كلاهما بمعنى، وأصلهما في المنزل الذي كانوا يسكنونه في فصل الربيع ثم استُعمل في كل دار، قال ملا علي: قوله: (في ربعة) أي دار وسكن وضيعة (أو نخل) أي أو في بستان كما عبر عنه في الرواية التالية بالحائط فإن الشفعة إنما تثبت في العقار لا في المنقول (فليس له أن يبيع) نصيبه لغير الشريك (حتى يُؤذن) ويُعلم (شريكه) أنه يريد بيع نصيبه، والنفي فيه بمعنى النهي وهو محمول على الكراهة يعني يكره بيعه قبل إعلامه شريكه وهذه كراهة تنزيه لأن قبحه باعتبار توهم ضرر الشريك وقد لا يتضرر (فإن رضي) شريكه أن يأخذ منه نصيبه الذي يريد بيعه (أخذ) شريكه منه (وإن كره) شريكه أن يأخذ منه ولم يرض به (ترك) شريكه البائع ليبيعه لمن شاء فليس له أن يمنعه من بيع نصيبه لمن شاء إن لم يرضه.
وقوله: (من كان له شريك) عام في المسلم والذمي وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وحكي عن الشعبي والثوري أنه لا شفعة للذمي لأنه صاغر وهو قول أحمد، والصواب الأول للعموم والحديث حجة عليه، ولأنه حق جرى بسببه فيترتب عليه حكمه من استحقاق طلبه وأخذه كالدين وأرش الجناية اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٢٩٦]، والبخاري [٢٢١٣]، وأبو داود [٣٥١٤]، والترمذي [١٣٧٠]، والنسائي [٧/ ٣٢١]، وابن ماجه [٢٤٩٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
стр. 7158
٣٩٩٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لابْنِ نُمَيرٍ) (قَال إِسْحَاقُ: أخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ). حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَال: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ
ــ
٣٩٩٥ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لابن نمير قال إسحاق: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي الكوفي، ثقة ثقة، من (٨) روى عنه في (١٧) بابا (حدثنا) عبد الملك (بن جريج) المكي الأموي، ثقة، من (٦) (عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم الأسدي مولاهم (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري المدني ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة ابن جريج لزهير بن معاوية (قال) جابر: (قضى) وحكم (رسول الله ﷺ بالشفعة) بضم الشين وسكون الفاء وحُكي ضمها، وقال بعضهم: لا يجوز غير السكون وهي في اللغة الضم على الأشهر، وقيل: الجمع ماخوذ من شفعت الشيء ضممته فهي ضم نصيب إلى نصيب ومنه شفع الأذان، وفي الشرع حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الشريك الحادث فيما ملك بعوض، واتفق على مشروعيتها خلافًا لما نقل عن أبي بكر الأصم من إنكارها، قال القرطبي: أحاديث الشفعة إنما وردت في انتقال الملك بالبيع ويلحق به ما في معناه من المعاوضات كدفع الشقص في صداق أو أجرة أو أرش جناية وما أشبه ذلك فهذا فيه الشفعة ولا ينبغي أن يُختلف فيه لأنه من أقوى مراتب الإلحاق، وأما انتقال الملك بالميراث فلا شفعة فيه لأنه لا يصح إلحاقه بالمعاوضات لأنه انتقال بغير عوض ولا اختيار فلا شفعة فيه بوجه، وقد حكي الاتفاق على ذلك غير أنه قد انفرد الطابقي فحكى عن مالك أنه رأى الشفعة في الميراث وهو قول شاذ منكر نقلًا ونظرًا واختلف في المنتقل بالهبة والصدقة هل فيه شفعة أو لا؟ على قولين مشهورين سببهما تردد الصدقة والهبة بين المعاوضات والميراث فمن حيث إنه انتقال عن اختيار يثبه البيع ومن حيث إنه خلي عن العوض أشبه الميراث والأولى والله أعلم إجراء الشفعة فيها لعموم قوله ﷺ : "الشفعة في كل شرك لم يقسم" ولم يُفرق بين جهات الأملاك وللحوق الضرر الشديد الملازم الداخل على الشريك اختيارًا ولا يرد الميراث لأنه ملك
стр. 7159
فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ. رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ. لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ. فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ. فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ
ــ
جبري لا اختيار فيه للمنتقل إليه والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
وقوله: قضى رسول الله ﷺ أي حكم وألزم الشفعة (في كل) ذي (شركة) أي في كل عقار ذي حصص مشتركة مشاعة (لم تُقسم) أي لم يعين فيها نصيب كل واحد من الشركاء بالقسمة. وقوله: (ربعة) أي منزل (أو حائط) أي بستان بدل من شركة وقيل: هما مرفوعان على أنهما خبر مبتدإ محذوف هو هي اهـ مرقاة، قال: وفي الحديث دلالة على أن الشفعة لا تثبت إلا فيما لا يمكن نقله كالأرض والدور والبساتين دون ما يمكن نقله كالأمتعة والدواب وهو قول عامة أهل العلم اهـ. يعني أن الشفعة ثابتة في كل دار أو حائط إذا كان كل واحد منهما مشاعًا ثم قيدته الشافعية والحنابلة بما يمكن قسمته فإن كان مما لا يمكن قسمته فلا تثبت الشفعة فيه عندهم كالحمام الصغير والرحى الصغيرة والطريق الضيقة، وخالفتهم الحنفية والمالكية فأثبتوا الشفعة فيما لا يمكن قسمته أيضًا، والمسألة مبسوطة في المغني لابن قدامة [٤/ ٣١٣] (لا يحل له) أي لا يباح لمن أراد بيع نصيبه؛ أي يكره له (أن يبيع) ـه كراهة تنزيه (حتى يؤذن) ويعلم (شريكه) إرادة بيعه (فإن شاء) شريكه أن يأخذ منه (أخذ) منه (وإن شاء) تركه (ترك) فيبيعه لمن شاء (فإذا باع و) الحال أنه (لم يؤذنه) ولم يعلمه إرادة بيعه (فهو) أي فالشريك (أحق) من المشتري (به) أي بأخذ المبيع بالشفعة.
وقوله: (لا يحل له أن يبيع) وفي طريق أخرى (لا يصلح) مكان لا يحل هو محمول على الإرشاد إلى الأولى بدليل قوله: (فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به) ولو كان ذلك على التحريم لذم البائع ولفسخ البيع لكنه أجازه وصححه ولم يذم الفاعل فدل على ما قلناه، وقال بعض شيوخنا: إن ذلك يجب عليه.
وقوله: (فإن شاء أخذ وإن شاء ترك) يعني إن شاء أخذ الشقص بما أعطى به من الثمن لأنه أحق به بعد البيع فيكون له بما أعطى به من الثمن قبله، وفيه دليل على أن من تنازل عن الشفعة قبل وجوبها لزمه ذلك إذا وقع البيع ولا يكون له أن يرجع فيه، وبه قال الثوري وأبو عبيد والحكم وهي إحدى الروايتين عن مالك وأحمد بن حنبل، وذهب مالك في المشهور عنه وأبو حنيفة وعثمان البتي وابن أبي ليلى إلى أن له الرجوع في ذلك، وهذا الخلاف جار في كل من أسقط شيئًا قبل وجوبه كإسقاط الميراث قبل موت
стр. 7160
٣٩٩٦ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني أبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ؛ أَنَّ أَبَا الزُّبَيرِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الشُّفْعَةُ فِي كُل شِرْكٍ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ أَو حَائِطٍ. لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَع. فَإِنْ أَبى فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ"
ــ
المورث وإجازة الوارث الوصية قبل الموت وإسقاط المرأة ما يجب لها من نفقة وكسوة في السنة القابلة ففي كل واحدة من تلك المسائل قولان.
وقوله: (إن باع فهو أحق به) يعني أن الشريك أحق به بالثمن الذي اشتراه به المشتري من عين أو عرض نقدًا أو إلى أجل وهو قول مالك وأصحابه، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يشفع إلى الأجل وأنه إن شاء شفع بالنقد وإن شاء صبر إلى الأجل فيشفع عنده، واختلف أصحابنا إذا لم يعلم الشفيع إلا بعد حلول الأجل هل يُضرب له مثل ذلك الأجل أو يأخذه بالنقد على قولين اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٣٩٩٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب عن ابن جريج أن أبا الزبير أخبره أنه سمع جابر بن عبد الله) ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة ابن وهب لعبد الله بن إدريس أي سمع جابرا، حالة كونه (يقول: قال رسول الله ﷺ : الشفعة) ثابتة (في كل شرك) أي في كل عقار مشترك مشاع، وقوله: (في أرض أو ربع أو حائط) بدل من قوله: (في كل شرك) بدل تفصيل من مجمل (لا يصلح) أي لا يحل لأحد الشريكين أو الشركاء (أن يبيع) نصيبه لغير الشركاء (حتى يعرض) نصيبه (على شريكه) ويظهر قصده (فيأخذ) هـ شريكه له (أو يدع) ـه أي يتركه إن لم يرد أخذه (فإن أبى) ذلك البائع وامتنع من عرضه على شريكه وباع (فشريكه أحق به) أي أحق بأخذ الشقص من المشتري، وقوله: (حتى يؤذنه) بدل من قوله: (حتى يعرض عليه) أي لا يصلح أن يبيع نصيبه حتى يؤذن شريكه.
وقوله: (في كل شرك في أرض) الخ دليل على أن الشفعة ليست في المنقولات وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء، وتفرد ابن حزم ومن وافقه من أهل الظاهر فأثبت الشفعة في كل مشاع منقول أو غير منقول وحكاه أيضًا عن الحسن وابن سيرين
стр. 7161
٣٩٩٧ - (١٥٤٧) (١١٢) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ".
قَال: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللهِ، لأَرمِيَنَّ بِهَا بَينَ أَكْتَافِكُمْ
ــ
وعبد الملك بن يعلى وعثمان البتي كما في المحلى [٩/ ٨٦] وقد أخطأ الشوكاني في نيل الأوطار [٥/ ٢٨١] خطأ فاحشًا في نسبة هذا القول إلى أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى فإنهما لا يقولان بثبوت الشفعة في المنقولات أصلًا وإن هذه النسبة من أعاجيب الشوكاني.
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة أعني غرز الخشب في جدار الجار بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٩٩٧ - (٥٤٧ ١) (١١٢) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون إلا يحيى بن يحيى (أن رسول الله ﷺ قال: لا يمنع أحدكم جاره) وفي مظالم البخاري (لا يمنع جار جاره) وفي المرقاة أي لا يمنع مروءة وندبًا إذا احتاج (أن يفرز) أي أن يضع (خشبة) أي رأس خشبة داره (في جداره) أي في جدار داره أي على رأس جدار داره أو في جنبه إذا لم يضره (قال) الأعرج: (ثم) بعد رواية هذا الحديث كان (يقول أبو هريرة): إنكارًا لما رآه منهم من الإعراض واستثقال مما سمعوه منه وذلك أنهم لم يقبلوا عليه بل طأطؤوا رؤوسهم كما رواه الترمذي في هذا الحديث، والمذكور في سنن أبي داود أن أبا هريرة لما ذكر الحديث نكسوا رؤوسهم فقال أبو هريرة: (ما لي أراكم عنها معرضين) أي أي شيء ثبت لي أراكم معرضين عن هذه المقالة التي قلتها لكم كأنكم لم تقبلوها ولم ترضوها، والاستفهام فيه إنكاري (والله) أي أقسمت لكم بالإله الذي لا إله غيره (لأرمين بها بين أكتافكم) أي لأشيعن هذه المقالة فيكم ولأفزعنكم بها في محافلكم ولأوجعنكم بها في قلوبكم كما يوجع الناس الذين أبوا عن اجتناب موجب الحدود بين أكتافهم أي في ظهورهم إقامة للحدود عليهم مع كراهيتهم إقامتها أو كما يضرب الإنسان بالشيء بين
стр. 7162
٣٩٩٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو
ــ
كتفيه ليستيقظ من غفلته، ويمكن أيضًا أن يكون مراده أني أقضي فيكم بهذا الحديث رغم كراهيتكم له فإن أبا هريرة قال ذلك حين كان يلي إمرة المدينة من قبل مروان، ذكره الحافظ عن إمام الحرمين والله أعلم. والمعنى أي لأحدثنكم بتلك المقالة التي استثقلتم سماعها من غير مبالاة بكم ولا تقية منكم وأوقعها بينكم كما يوقع السهم بين الجماعة يعني أنشرها في محافلكم حتى تقبلوها وتعملوا بها من غير مبالاة للومة لائم منكم.
ففيه من الفقه تبليغ العلم لمن لا يريده ولا استدعاه إذا كان من الأمور المهمة ويظهر منه أن أبا هريرة كان يعتقد وجوب بذل الحائط لغرز الخشب وأن السامعين له لم يكونوا يعتقدون ذلك، وأما رواية لأضربن بها أعينكم فهي على جهة المثل الذي قُصد به الإغياء في الإنكار لأنه فهم عنهم الإعراض عما قال والكراهة فقابلهم بذلك، والرواية المشهورة أكتافكم بالمثناة الفوقية جمع كتف وهو ما بين الظهر والعنق، ورُوي (أكنافكم) بالنون كما في الموطإ من رواية يحيى الليثي جمع كنف وهو الجانب ولكن أكثر الروايات على الأول.
وقوله: (لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره) اختلف العلماء في تمكين رب الحائط من هذا عند السؤال فصار مالك في المشهور عنه وأبو حنيفة إلى أن ذلك من باب الندب والرفق بالجار والإحسان إليه ما لم يضر ذلك بصاحب الحائط ولا يُجبر عليه من أباه متمسكين في ذلك بقول النبي ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" رواه أحمد والبيهقي والدارقطني، ولأنه لما كان الأصل المعلوم من الشريعة أن المالك لا يُجبر على إخراج ملك عن يده بعوض كان أحرى وأولى أن لا يُخرج عن يده بغير عوض وصار آخرون إلى أن ذلك على الوجوب ويُجبر من أباه عليه وممن ذهب إلى ذلك الشافعي وأحمد بن حنبل وداود بن علي وأبو ثور وجماعة، والقول الأول هو الأصح لأنه الذي تشهد له الأصول الشرعية.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٩٩٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا زهير بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة ح وحدثني أبو
стр. 7163
الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُس. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ
ــ
الطاهر وحرملة بن يحيى قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس ح وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر كلهم) أي كل من هؤلاء الثلاثة من سفيان ويونس ومعمر رووا (عن الزهري بهذا الإسناد) يعني عن الأعرج عن أبي هريرة (نحوه) أي نحو ما روى مالك عن الزهري، غرضه بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لمالك بن أنس.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب خمسة أحاديث: الأول: حديث معمر بن عبد الله ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثاني: حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والثالث: حديث أبي قتادة الأنصاري ذكره للاستشهاد لما قبله، والرابع: حديث جابر بن عبد الله ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والخامس: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة والله أعلم.
***
стр. 7164
شرح صحيح مسلم
المسمَّى
الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج
جمع وتأليف
محمد الأمين بن عبد الله الأُرمي
العلوي الهَرَري الشافعي
نزيل مكة المكرمة والمجاور بها
مراجعة لجنة من العلماء
برئاسة
البرفسور هاشم محمد علي مهدي
المستشار برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
الجزء الثامن عشر
دار المنهاج
دار طوق النجاة
стр. 7165
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ-٢٠٠٩ م
جميع الحقوق محفوظة للناشر
دار المنهاج
جدة- السعودية
دار طوق النجاة
بيروت- لبنان
стр. 7166
شرح صحيح مسلم
стр. 7167
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 7168
ولقد أجاد من قال
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالكل أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدًا وبغضًا إنه لدميم
اللهم يا رب الأرباب ... يسر لنا بكل الأسباب
في شرح الجامع الصحيح ... المأثور عن النبي الفيح
стр. 7169
٥٨١ - (٢١) باب إثم من غصب شيئًا من الأرض وبيان قدر الطريق إذا اختلفوا فيه
٣٩٩٩ - (١٥٤٨) (١١٣) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَبَّاسٍ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنِ اقْتَطَعَ شِبرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبعِ أَرَضِينَ"
ــ
٥٨١ - (٢١) باب إثم من غصب شيئًا من الأرض وبيان قدر الطريق إذا اختلفوا فيه
٣٩٩٩ - (١٥٤٨) (١١٣) (حدثنا يحيى بن أيوب) المقابري أبو زكرياء البغدادي العابد، ثقة، من (١٠) (وقتيبة بن سعيد) بن طريف الثقفي البلخي (وعلي بن حجر) السعدي المروزي (قالوا: حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني، ثقة، من (٨) (عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الجهني الحرقي أبي شبل المدني، صدوق، من (٥) (عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي) المدني، ثقة، من (٤) (عن سعيد بن فلد بن عمرو بن نفيل) القرشي العدوي أبي الأعور المدني، أحد العشرة المبشرين والمهاجرين الأولين، شهد المشاهد كلها على الصحيح، أسلم هو وزوجته فاطمة بنت الخطاب قبل أخيها عمر ﵃ له (٣٨) ثمانية وثلاثون حديثًا اتفقا على حديثين وانفرد (خ) بآخر، وهو ابن عم عمر بن الخطاب بن نفيل كان جده عمرو بن نفيل والخطاب بن نفيل والد عمر أخوين لأب، مات سنة (٥١) إحدى وخمسين وهو ابن بضع وسبعين سنة، ودُفن بالمدينة، ودخل قبره سعد بن أبي وقاص وابن عمر، يروي عنه (ع) وعباس بن سهل في البيوع، ومحمد بن زيد بن عبد الله بن عمر في البيوع، وعروة بن الزبير في البيوع، وعمرو بن حريث في الأطعمة، وأبو عثمان النهدي في آخر الدعاء. وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد إما بغدادي أو بلخي أو مروزي (أن رسول الله ﷺ قال: من اقتطع) وأخذ (شبرًا) أي قدر شبر (من الأرض ظلمًا) أي بغير حق (طوّقه الله) أي ألبس الله ذلك المقتطع (إياه) أي ذلك الشبر طوقًا في عنقه (يوم القيامة) مأخوذًا (من سبع أرضين) ومقطوعًا منها فضيحة له على رؤوس الأشهاد.
стр. 7170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال القرطبي: هذا وعيد شديد يفيد أن أخذ شيء من الأرض بغير حقه من أكبر الكبائر على أي وجه كان من غصب أو سرقة أو خديعة قليلًا أو كثيرًا، ألا تسمع قوله ﷺ : "وإن كان قيد شبر" وفيه دليل على أن الملكية الشخصية ثابتة في الأرض كما أنها ثابتة في غيرها وعلى أنها محترمة عند الشرع، وعلى أن الأرض يمكن غصبها خلافا لمن أنكر ذلك اهـ مفهم.
قوله: (من اقتطع) أي أخذ كما هو الرواية التالية والمراد الأخذ بغير حق لأن اقتطاع الأرض في اللغة غصبها، قوله: (شبرًا) أي قدره من الأرض كما يأتي في آخر الباب من حديث الصدّيقة "من ظلم قيد شبر من الأرض" أي قدره، والشبر بكسر الشين وسكون الباء كما في المصباح ما بين طرفي الخنصر والإبهام بالتفريج المعتاد، والفتر بكسر الفاء أيضًا ما بين طرفي السبابة والإبهام، (ظلمًا) مفعول له أو حال أو مفعول مطلق أي أخذ ظلم اهـ مرقاة، (طوّقه الله إياه من سبع أرضين) أي يُخسف به الأرض فتصير البقعة المغصوبة منها في عنقه كالطوق والقلادة، وقيل هو أن يطوّق حملها أي يكلف فهو من طوق التكليف لا من طوق التقليد اهـ نهاية.
واختلف شراح الحديث في معناه على أقوال: الأول: أن غاصب الأرض يُكلف نقل مقدار ما غصب من سبع أرضين إلى المحشر فلا يُطيق ذلك ويكون كالطوق في عنقه لا أنه طوق حقيقة، والثاني أنه يكلف بنقله إلى المحشر ثم يُجعل كله في عنقه طوقًا ويُعظم قدر عنقه حتى يسع ذلك كما ورد في غلظ جلد الكافر، والثالث: معناه أنه يُعاقب بالخسف إلى سبع أرضين فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقًا في عنقه، والرابع: معناه أن الله يُكلّف الغاصب أن يجعله له طوقًا ولا يستطيع ذلك فيُعذب بذلك كما جاء في حق من كذب في منامه أنه يُكلف بعقد شعيرة، والخامس: أن المراد بالتطويق تطويق الإثم والمراد به أن الظلم المذكور لازم له في عنقه لزوم الإثم ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ وقال الحافظ في الفتح: [٥/ ١٧٥] بعد سرد هذه الأقوال وبالوجه الأول جزم أبو الفتح القشيري وصححه البغوي، ويحتمل أن تتنوع هذه الصفات لصاحب هذه الجناية فيُعذب بعضهم بهذا وبعضهم بهذا بحسب قوة المفسدة وضعفها اهـ من التكملة باختصار.
قوله: (من سبع أرضين) بفتح الراء ويجوز إسكانها، وفيه ما يدل على أن الأرضين
стр. 7171
٤٠٠٠ - (٠٠) (٠٠) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ؛
ــ
سبع كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق / ١٢] أي في العدد لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار فتعيّن العدد والله تعالى أعلم، وقد استدل به الداودي على أن السبع الأرضين لم يفتق بعضها من بعض قال لأنه لو فُتق بعضها من بعض لم يُطوّق منها ما ينتفع به غيره وقد جاء في غلظهن وما بينهن خبر وليس في ذلك شيء صحيح، وقد استدل غيره به على أن من ملك شيئًا من الأرض ملك ما تحته مما يقابله فكل ما يجد فيه من معدن أو كنز فهو له، وقد اختلف في ذلك في المذهب فقيل ذلك، وقيل: هو للمسلمين وعلى ذلك فله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بمن جاوره، وكذلك أن يرفع في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد فيُمنع اهـ من المفهم.
واستدل بهذا الحديث الحافظ في الفتح على أن من ملك أرضًا ملك أسفلها إلى منتهى الأرض وله أن يمنع من حفر تحتها سربًا أو بئرًا بغير رضاه، ولعل وجه الاستدلال أن غاصب الأرض إنما يطوّقها إلى منتهى الأرض من أجل أن غصبه غصب لجميع ما تحتها ولكن فيه نظر من جهة أن العقاب لا يجب أن يكون بقدر المعصية في الزمان والمكان، ولعل حق مالك الأرض في منع الغير من حفر السرب أو البئر مقتصر على ما إذا أضر ذلك بأرضه فإن لم يضر بان حفر السرب على عمق بعيد من السطح كما يفعل ذلك لأجل القطار التي تجري تحت الأرض في زماننا ولا يؤثر ذلك السرب على السطح أصلًا فينبغي أن يجوّز ذلك والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في المظالم [٢٤٥٢]، والدارمي في البيوع.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث سعيد بن زيد بن عمرو ﵁ فقال:
٤٠٠٥ - (٠٠) (٠٠) (حدثني حرملة بن يحيى أخبرنا عبد الله بن وهب حدثني عمر بن محمد) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني ثم العسقلاني من أحفاد عمر بن الخطاب، كان ثقة قليل الحديث، ورُوي عن سفيان الثوري أنه قال: لم يكن في آل عمر أفضل من عمر بن محمد بن زيد العسقلاني، وقال الخريبي: ما رأيت
стр. 7172
أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيلٍ؛ أَنَّ أَرْوَى خَاصَمَتهُ فِي بَعْضِ دَارِهِ. فَقَال: دَعُوهَا وَإِيَّاهَا. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَ شبْرًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيرِ حَقِّهِ، طُوِّقَهُ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". اللَّهُمَّ! إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، فَأَعْمِ بَصَرَهَا. وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِي دَارِهَا
ــ
رجلًا قط أطول منه، وبلغني أنه كان يلبس درع عمر فيسحبها، وقال في التقريب: ثقة، من (٦) روى عنه في (١٠) أبواب (أن أباه) محمد بن زيد العمري المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٥) أبواب (حدّثه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل) العدوي المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة محمد بن زيد لعباس بن سهل (أن أروى) بنت أنيس لم يذكرها ابن عبد البر في الصحابة، وذكرها الحافظ في الإصابة [٤/ ٢٢١] تبعًا لابن منده ولا يُحفظ عنها غير قصتها هذه مع سعيد بن زيد ﵄ (خاصمته) أي خاصصت سعيد بن زيد (في بعض داره) إلى مروان بن الحكم أي شكته إليه وهو أمير المؤمنين لمعاوية وقالت: إنه ظلمني أرضي فأرسل إليه مروان فجاء (فقال) سعيد بن زيد (دعوها وإياها) أي اتركوها مع دارها فإني تركت لها الدار التي تدّعي عليّ، وكان مروان بن الحكم بعث إلى سعيد بن زيد ناسًا للمصالحة كما يظهر من رواية أحمد وابن حبان ذكرها الحافظ في الفتح، وقد أخرج أبو نعيم بسند فيه ابن لهيعة عن أبي غطفان المُرِّي: أن سعيد بن زيد أجاب من كلمه في ذلك بقوله: أنا أظلم أروى حقها! ! فوالله لقد ألقيت لها ستمائة ذراع من أرضي من أجل حديث سمعته من رسول الله ﷺ فذكر الحديث ثم قال: قومي يا أروى فخذي الذي تزعمين أنه حقك، فقامت فتسحبت في حقه كذا في حلية الأولياء لأبي نعيم [١/ ٩٧] ترجمة سعيد بن زيد (فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أخذ شبرًا) أي قدره (من الأرض بغير حقه) أي بغير استحقاقه (طوّقه) بالبناء للمجهول وضمير نائب الفاعل راجع إلى الغاصب وضمير المفعول الثاني إلى ما غصبه أي فقد ذلك الغاصب الشبر الذي غصبه (في سبع أرضين) أي مقطوعًا من سبع أرضين في عنقه (يوم القيامة) ففي بمعنى من كما في الرواية الأولى، ثم قال سعيد بن زيد: (اللهم إن كانت) أروى كاذبة) عليّ فيما تدعيه عليّ (فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها).
وأخرج أبو نعيم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أروى استعدت على
стр. 7173
قَال: فَرَأَيتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ. تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدٍ بْنِ زَيدٍ. فَبَينَمَا هِيَ تَمْشِي فِي الدَّارِ مَرَّتْ عَلَى بِئْرٍ فِي الدَّارِ، فَوَقَعَت فِيهَا. فَكَانَتْ قَبْرَهَا.
٤٠٠١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيسٍ
ــ
سعيد بن زيد إلى مروان بن الحكم فقال سعيد: اللهم إنها قد زعمت أني ظلمتها فإن كانت كاذبة فأعم بصرها وألقها في بئرها وأظهر من حقي نورًا يبين للمسلمين أني لم أظلمها. قال: فبينا هم على ذلك إذ سال العقيق بسيل لم يسل مثله قط فكشف عن الحد الذي كانا يختلفان فيه فإذا سعيد قد كان في ذلك صادقًا ولم تلبث إلا شهرًا حتى عميت فبينا هي تطوف في أرضها تلك إذ سقطت في بئرها، قال: فكنا ونحن غلمان نسمع الإنسان يقول للإنسان: أعماك الله كما أعمى الأروى، فلا نظن إلا أنه يريد الأروى التي من الوحش -لأن أروى في اللغة حيوان من الوحش كتيس الجبل- فإذا هو إنما كان ذلك لما أصاب أروى من دعوة سعيد بن زيد وما يتحدث الناس به مما استجاب الله له سؤله كذا في حلية الأولياء [١/ ٩٧].
(قال) محمد بن زيد (فرأيتها) أي فرأيت أروى بنت أنيس (عمياء تلتمس) أي تطلب (الجدر) بضمتين جمع جدار أي تطلبها لتمسها وتهتدي بمسها إلى موضع حاجتها، وسمعتها (تقول) على أن جملة القول معمول لمحذوف أو حال من مفعول رأيتها (أصابتني) في بصري (دعوة سعيد بن زيد فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت) أي سقطت (فيها فكانت) البئر (قبرها).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث سعيد بن زيد ﵁ فقال:
٤٠٠١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو الرّبيع العتكي) الزهراني سليمان بن داود البصري (حدثنا حماد بن زيد) بن درهم البصري الأزدي (عن هشام بن عروة) بن الزبير (عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي المدني. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عروة لمحمد بن زيد (أن أروى بنت أويس) بالواو مصغرًا تحريف من النساخ، والصواب أنيس بالنون مصغرًا كذا وقع في نسخ صحيح مسلم المطبوعة ومثله في جامع الأصول لابن الأثير وكذلك ذكر أبو نعيم في حلية الأولياء اسمها في موضعين، ولكن المعروف بنت
стр. 7174
ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدٍ بْنِ زَيدٍ أَنَّهُ أَخَذَ شَيئًا مِنْ أَرْضِهَا. فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ. فَقَال سَعِيدٌ: أَنا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَال: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ". فَقَال لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْألُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هذَا، فَقَال: اللَّهُمَّ! إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا.
قَال: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا. ثُمَّ بَينَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ
ــ
أنيس بالنون مصغرًا، ولم يذكر الحافظ في الإصابة وابن الأثير في أسد الغابة غير بنت أنيس وجزم الشيخ محمد ذهني في شرحه بأنه خطأ من النساخ والله أعلم اهـ من التكملة (ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئًا من أرضها) ظلمًا (فخاصمته) أي رافعته (إلى مروان بن الحكم) الأموي والي المدينة لمعاوية (فقال سعيد) بن زيد في جواب دعواها (أنا كنت آخذ) ظلمًا (من أرضها شيئًا بعد) الحديث (الذي سمعتـ) ـه (من رسول الله ﷺ بتقدير همزة الاستفهام الإنكاري (قال) له مروان بن الحكم (وما سمعت) أي وأي حديث سمعته (من رسول الله ﷺ قال) سعيد بن زيد في جواب سؤال مروان: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أخذ شبرًا) أي قدر شبر (من الأرض ظلمًا طوّقه) بالبناء للمجهول كما مر أي جُعل ذلك الشبر (إلى سبع أرضين) طوقًا وقلادة له يوم القيامة أي طوقه من سبع أرضين فإلى بمعنى من (فقال له): أي لسعيد بن زيد (مروان) بن الحكم (لا أسألك) بفتح الكاف خطابا لسعيد أي لا أطلب منك (بينة) أي شاهدًا على هذا الحديث أي من يشهد لك على أن النبي ﷺ قاله (بعد) إقرارك بسماع (هذا) الحديث من النبي ﷺ بل صدقناك بقرائن أحوالك من الورع والفضل وكونك من المشهود لهم بالجنة (فقال) سعيد بن زيد أي ثم قال: (اللهم إن كانت كاذبة) فيما تدعي عليّ (فعمِّ) بتشديد الميم المكسورة أمر من التعمية أي فاطمس (بصرها) ونظرها أي اجعل عينها عمياء مكفوفة (واقتلها في أرضها) أي في حفيرة أرضها التي كذبت بها عليّ (قال) عروة بن الزبير: (فما ماتت) أروى (حتى ذهب بصرها) وعميت عيناها (ثم) بعد ذهاب بصرها (بينا هي تمشي في أرضها إذ وقعت)
стр. 7175
فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ
ــ
وسقطت (في حفرة) أي في حفيرة من أرضها (فماتت) في تلك الحفيرة فسبحان الناصر للمظلوم والمنتقم من الظالم يحكم ما يشاء لا معقب لحكمه.
(تتمة): قال القرطبي: (وقول مروان لما سمع الحديث لا أسألك بينة) قرأناها بفتح الكاف على خطاب سعيد، وفيه إشكال وذلك أن الأرض كانت في يد سعيد وادعت المرأة أنه غصبها إياها، ألا ترى قول عروة إن أروى ادعت على سعيد أنه أخذ لها شيئًا من أرضها فهو المدعى عليه وكيف يكفف المدعى عليه بإقامة بينة على إبطال دعوى المدعِي وإنما القضاء كما قال النبي ﷺ للحضرمي المدَّعِي: "شاهداك أو يمينه" رواه أحمد والبخاري، وإنما يصلح أن يُخاطب بهذه المدّعِية وعلى هذا فينبغي أن تكون مكسورة ويكون مروان قال ذلك لها: كفًّا لها من تماديها على دعواها لعلمه بصدق سعيد من جهة قرائن أحواله لا أن الخبر الذي ذكره يدل على براءته من دعواها لكن يدل عليها ما كان معلومًا من دين سعيد ومن ورعه وفضله وأنه مشهود له بالجنة وعظم هذا الوعيد الشديد الذي سمعه من النبي ﷺ مشافهة مع نزارة هذا القدر المدَّعَى عليه به فحصل عند مروان العلم بصدقه فقال للمرأة: لا أسألك بينة. أي لأنك لا تجدينها بوجه ثم إنه لم يقض بينهما بشيء ولم يحوجه سعيد إلى قضاء بل بادر إلى أن سلم لها ما ادعت وزادها من أرضه فقال: دعوها لها. (قلت): فهذا هو الذي ظهر لي في هذا الخطاب فإنه إن كان متوجهًا لسعيد لزم أن يكون مروان عدل عن جهة القضاء المنصوص عليها التي لا اختلاف فيها، وأن سعيدًا أقره عليها وكل ذلك باطل فتعين ما اخترناه من كون الكاف مكسورة خطابًا للمرأة والله أعلم.
ويعني بـ (البينة) على فتح الكاف من يشهد لسعيد بصحة الحديث الذي رواه كما مر في حلنا لأنه صدّقه في الرواية ولم يحتج إلى الاستظهار بزيادة شهادة غيره على ذلك ولم يرد بالبينة هنا الشهادة التي يستند حكم الحاكم إليها لأنها لا تلزم المدعى عليه فكيف يسقط عنه ما لا يلزم اهـ من المفهم.
(وقول سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في أرضها) دليل على أن سعيدًا استجاز الدعاء على الظالم بأكثر مما ظلم فيه، وفيه إشكال مع قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى / ٤٠] وقوله تعالى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾
стр. 7176
٤٠٠٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أبِي شَيبَةَ. حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ،
ــ
[البقرة / ١٩٤] ووجه الإشكال أنه كما لا يجوز أن يأخذ من الظالم والغاصب زيادة على القصاص أو على مقدار ما أخذ كذلك لا يجوز أن يدعو عليه بزيادة على ذلك لإمكان الإجابة فتحصل الزيادة الممنوعة ولو لم يستجب له أليس قد أراد وتمنى شرًّا زائدًا على قدر الجناية للمسلم وهو ممنوع منه، وإنما الذي يجوز أن يدعو به على الظالم أن يقول: اللهم خذ لي حقي منه اللهم افعل به ما فعل، وما أشبه ذلك ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى / ٤٣].
ويُجاب عنه بالفرق بين الدعاء على الظالم بأكثر مما ظلم فيه وبين أن يفعل به أكثر مما ظلم فيه فإن الدعاء ليس مقطوعًا بإجابته فإذا صدر عن المظلوم بحكم حرقة مظلمته وشدة موجدته لم نقل إنه صدر عنه محرم وغاية ذلك أن يكون ترك الأولى لأنه منتصر ولأنه لم يصبر ولذلك قال النبي ﷺ : "إياك ودعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب، رواه البيهقي، ويدل على جواز ذلك ما رُوي أن النبي ﷺ رأى رجلًا خلق الثياب فأمره أن يلبس ثوبيه فلما لبسهما قال: "ما له، ضرب الله عنقه أليس هذا خيرًا" رواه مالك والحاكم وابن حبان والبزار، وفي كتاب أبي داود عن سعيد بن غزوان عن أبيه أنه مر بين يدي رسول الله ﷺ بتبوك وهو يصلي فقال: "قطع صلاتنا قطع الله أثره" قال: فما قمت عليهما إلى يومي هذا يعني رجليه فدل هذا على أن الدعاء المذكور ليس محرمًا، وأما قوله: إن أراد الشر للظالم وتمناه فنقول بجواز ذلك ليرتدع الظالم عن شره أو غيره ممن يريد الظلم والشر ولو سلمنا أن ذلك لا يجوز لأمكن أن يقال: إنه لا يلزم من الدعاء بالشر أن يكون ذلك الشر متمنى ولا مرادًا للداعي فإن الإنسان قد يدعو على ولده وحبيبه بالشر بحكم بادرة الغضب ولا يريد وقوعه به ولا يتمناه والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث سعيد بن زيد ﵁ فقال:
٤٠٠٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة) خالد بن ميمون الهمداني الكوفي، ثقة، من (٩) (عن هشام) بن عروة (عن أبيه)
стр. 7177
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيدٍ. قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ".
٤٠٠٣ - (١٥٤٩) (١١٤) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْب. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيرِ حَقِّهِ، إِلَّا طَوَّقَهُ اللهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ يَومَ الْقِيَامَةِ".
٤٠٠٤ - (١٥٥٠) (١١٥) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَارِثِ). حَدَّثنَا حَرْبٌ (وَهُوَ
ــ
عروة بن الزبير (عن سعيد بن زيد) بن عمرو بن نفيل العدوي ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة يحيى بن زكرياء لحماد بن زيد (قال) سعيد: (سمعت النبي ﷺ يقول: من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنه يطوّقه يوم القيامة من سبع أرضين) قد تقدم ما فيه من البحث.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث سعيد بن زيد بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فقال:
٤٠٠٣ - (١٥٤٩) (١١٤) (وحدثني زهير بن حرب حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي، ثقة، من (٨) (عن سهيل) بن أبي صالح السمان المدني، صدوق، من (٦) (عن أبيه) أبي صالح السمان المدني، ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ : لا يأخذ) ولا يقتطع (أحد شبرًا) أي قدر شبر (من الأرض بغير حقه) بغير استحقاقه يعني ظلمًا (إلا طوّقه الله) أي جعل الله ذلك الشبر طوقًا له (إلى سبع أرضين) أي من سبع أرضين (يوم القيامة) وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث سعيد بن زيد بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما فقال:
٤٠٠٤ - (١٥٥٠) (١١٥) (حدثنا أحمد بن إبراهيم) بن كثير بن زيد البغدادي (الدورقي) الأصل نسبة إلى دورق بلدة من بلاد فارس، ثقة، من (١٠) (حدثنا عبد الصمد يعني ابن عبد الوارث) بن سعيد العنبري البصري، صدوق، من (٩) (حدثنا حرب وهو
стр. 7178
ابْنُ شَدَّادٍ). حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ) عَن مُحَمَّدِ بْنِ إِبرَاهِيمَ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، وَكَانَ بَينَهُ وَبَينَ قَوْمِهِ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ، وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ ذلِكَ لَهَا. فَقَالتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَه مِنْ سَبع أَرَضِينَ".
٤٠٠٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلالٍ. أَخْبَرَنَا أَبَانٌ. حَدَّثنَا يَحْيَى؛
ــ
ابن شداد) اليشكري أبو الخطاب البصري، ثقة، من (٧) (حدثنا يحيى وهو ابن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من (٥) (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد القرشي التيصي أبي عبد الله المدني، ثقة، من (٥) (أن) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (أبا سلمة) المدني، ثقة، من (٣) (حدّثه) أي حدّث لمحمد بن إبراهيم (وكان بينه) أي بين أبي سلمة (وبين قومه) أي قوم أبي سلمة وعشيرته، لم أر من ذكر أسماءهم (خصومة) أي منازعة (في أرض وأنه) أي وأن أبا سلمة (دخل على عائشة) رضي الله تعالى عنها (فذكر) أبو سلمة (ذلك) الذي جرى بينه وبين قومه من الخصومة في أرض (لها) أي لعائشة (فقالت) عائشة له: (يا أبا سلمة اجتنب الأرض) أي الظلم فيها وابتعد عنه. وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان بصريان وواحد يمامي وواحد بغدادي، وإنما أمرتك بالاجتناب منه (فإن) أي لأن (رسول الله ﷺ قال: من ظلم) أي من أخذ ظلمًا (قيد شبر) بكسر القاف أي قدر شبر يقال: قيد وقاد وقيس وقاس بمعنى واحد (من الأرض طوّقه) يوم القيامة (من سبع أرضين).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٢٤٥٣].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٤٠٠٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج النيسابوري التميمي، ثقة، من (١١) (أخبرنا حبان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة (بن هلال) الباهلي أبو حبيب البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (أخبرنا أبان) بن يزيد العطار أبو يزيد البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا يحيى) بن أبي
стр. 7179
أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَثَّهُ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ. فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
٤٠٠٦ - (١٥٥١) (١١٦) حدّثني أَبُو كَامِلٍ فُضَيلُ بْنُ حُسَينٍ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أن النبيَ ﷺ قَال: "إِذَا اختَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيق، جُعِلَ عَرْضُهُ سَبعَ أَذرُعٍ"
ــ
كثير (أن محمد بن إبراهيم) التيمي المدني (حدّثه) أي حدّث ليحيى بن أبي كثير (أن أبا سلمة) بن عبد الرحمن الزهري المدني (حدّثه) أي حدّث لمحمد بن عبد الرحمن (أنه) أي أن أبا سلمة (دخل على عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة أبان بن يزيد لحرب بن شداد (فذكلر) أبان بن يزيد (مثله) أي مثل ما حدّث حرب بن شداد.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٤٠٠٦ - (١٥٥١) (١١٦) (حدثنا أبو كامل) البصري (فضيل بن حسبن الجحدري) نسبة إلى أحد أجداده (حدثنا عبد العزيز بن المختار) الأنصاري مولاهم كان مولى حفصة بنت سيرين أبو إسماعيل الدباغ البصري، ثقة، من (٧) (حدثنا خالد) بن مهران المجاشعي مولاهم أبو المنازل البصري (الحذاء) ثقة، من (٥) (عن يوسف بن عبد الله) بن الحارث الأنصاري أبي الوليد البصري ابن أخت محمد بن سيرين، روى عن أبيه في البيوع، وأنس بن مالك في الطب، وأبي العالية الرياحي في الدعاء، وخاله محمد بن سيرين والأحنف وجماعة، ويروي عنه (م ت س ق) وخالد الحذاء وعاصم الأحول وحماد بن سلمة وغيرهم، وثقه ابن معين وابن حبان، وقال في التقريب: ثقة، من الخامسة (عن أبيه) عبد الله بن الحارث الأنصاري أبي الوليد البصري، تابعي ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون إلا أبا هريرة ﵁ (أن النبي ﷺ قال: إذا اختلفتم) أيها المسلمون (في الطريق) أي في قدره (جُعل عرضه) أي عرض الطريق (سبع أذرع) بالذراع المعتاد هكذا هو في أكثر النسخ بالتذكير سبع أذرع، وفي بعضها سبعة
стр. 7180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أذرع بالتأنيث وهما صحيحان لأن الذراع يذكر ويؤنث والتأنيث فيه أفصح، قال النواوي: معنى الحديث إذا كان الطريق بين أراضي القوم وأرادوا إحياءها فإن اتفقوا على شيء فذاك وإن اختلفوا في قدره جُعل سبعة أذرع، وأما إذا وجدنا طريقًا مسلوكًا وهو أكثر من سبع أذرع فلا يجوز لأحد أن يتولى على شيء منه اهـ وقال الخطابي: قد يكون ذلك الاختلاف في الطريق الواسع من شوارع المسلمين يقعدون في جانبيه ليبيعوا شيئًا فإن كان المتروك منه للمارين سبع أذرع لم يمنعوا من القعود فيه وإن كان أقل مُنعوا ليرتفق المارون بالأحمال اهـ من المبارق.
قال القرطبي: قوله: (إذا اختلفتم في الطريق) هذا محمول على أمهات الطرق التي هي ممر عامة الخلق بأحمالهم ومواشيهم فإذا تشاح من له أرض تتصل بها مع من له فيها حق جُعل بينهما سبع أذرع بالذراع المتعارفة في ذلك طريقًا للناس وخُلي بينهما وبين ما زاد على ذلك، وأما بُنيات الطرق فبحسب ما تدل عليه العادة وتدعو إليه الحاجة وذلك يختلف بحسب اختلاف المتنازعين فليست طريق من عادته استعمال الدواب والمواشي وأهل البادية كعادة من لا يكون كذلك من أهل الحاضرة، ولا مسكن الجماعة كمسكن الواحد والاثنين وإنما ذلك بحسب مصلحتهم وعلى هذا يحتاج أهل البادية من توسيع الطريق إلى ما لا يحتاج إليه أهل الحاضرة وتحتاج طرق الفيافي والقفار من التوسيع أكثر من سبع أذرع لأنها ممر الجيوش والرفاق الكبار وهذا كله تفصيل أصحابنا وصحيح مذهب مالك ولو جُعل الطريق في كل محل سبع أذرع لأضر ذلك بأملاك كثير من الناس ويلزم أن تُجعل بنيات الطرق من الأزقة وغيرها كالأمهات المسلوكة للناس وكطرق الفيافي وذلك محال عادي وفساد ضروري.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٢٨ و ٢٢٩]، والبخاري [٢٤٧٣]، وأبو داود [٣٦٣٣]، والترمذي [١٣٥٥]، وابن ماجه [٢٢٣٨].
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث: الأول: حديث سعيد بن زيد ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والثاني: حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد به، والثالث: حديث عائشة للاستشهاد أيضًا وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة والله أعلم.
следующие страницы →