← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أيضًا: (الثيب الزاني) قال القرطبي: الثيب هنا المحصن وهو اسم جنس يدخل فيه الذكر والأنثى وهو حجة على ما اتفق عليه المسلمون من أن حكم الزاني المحصن الرجم وسيأتي شروط الإحصان وبيان أحكام الرجم وقوله: (النفس بالنفس) موافق لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ويعني به النفوس المتكافئة في الإسلام والحرية بدليل قوله ﷺ : (لا يقتل مسلم بكافر) رواه البخاري عن علي بن أبي طالب [٦٩٠٣] ﵁ وهو حجة للجمهور من الصحابة والتابعين على من خالفهم وقال: يقتل المسلم بالذمي وهم أصحاب الرأي والشعبي والنخعي ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة أن النبي ﷺ قتل يوم خيبر مسلمًا بكافر وهو منقطع ومن حديث ابن البيلماني وهو ضعيف ولا يصح في الباب إلا حديث البخاري المتقدم وأما الحرية فشرط في التكافؤ فلا يقتل حر بعبد عند مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وهو قول الحسن وعطاء وعمرو بن دينار وعمر بن عبد العزيز محتجين في ذلك بأن العبد لما كان مالًا متقومًا كان كسائر الأموال إذا أتلفت فإنما يكون فيها قيمة المتلف بالغة ما بلغت والحر ليس بمال بالاتفاق فلا يكون كفؤًا للعبد فلا يقتل به ويغرم قيمته ولو فاقت على دية الحر ويجلد القاتل مائة ويحبس عامًا عند مالك وذهبت طائفة أخرى إلى أنه يقتل به وإليه ذهب سعيد بن المسيب والنخعي والشعبي وقتادة والثوري وأصحاب الرأي محتجين بقوله ﷺ : المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم رواه أبو داود [٢٧٥١]، وابن ماجه [١٦٨٣]، وذهب النخعي والثوري في أحد قوليه إلى أنه يقتل به وإن كان عبده محتجين في ذلك بما رواه النسائي من حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: (من قتل عبده قتلناه ومن جدعه جدعناه ومن أخصاه خصيناه) رواه النسائي [٨/ ٢٠ - ٢١] قال البخاري عن علي بن المديني سماع الحسن عن سمرة صحيح وأخذ بهذا الحديث قال البخاري وأنا أذهب إليه وقال غيره لم يسمع الحسن عن سمرة إلا حديث العقيقة. وقوله: (التارك لدينه) يعني به المرتد الذي قال فيه النبي ﷺ : "من بدّل دينه فاقتلوه" رواه أحمد [١/ ٢٨٢]، والبخاري [٦٩٢٢]، وهذا الحديث يدل على أن المرتد الذي يقتل هو الذي يبدل بدين الإسلام دين الكفر لأنه ﷺ استثناه من قوله: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ثم ذكرهم وذكر منهم

стр. 7527

٤٢٤٣ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ. قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ ــ التارك لدينه وقد تقدم الكلام في الردة وقوله: (المفارق للجماعة) ظاهره أنه أتى به نعتًا جاريًا على التارك لدينه لأنه إذا ارتد عن دين الإسلام فقد خرج عن جماعتهم غير أنه يلحق بهم في هذا الوصف كل من خرج عن جماعة المسلمين وإن لم يكن مرتدًا كالخوارج وأهل البدع إذا منعوا أنفسهم من إقامة الحد عليهم وقاتلوا عليه وأهل البغي والمحاربون ومن أشبههم ويتناولهم لفظ (المفارق للجماعة) بحكم العموم وإن لم يكن كذلك لم يصح الحصر المذكور في أول الحديث حيث قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) فلو كان المفارق للجماعة إنما يعني به المفارقة بالردة فقط لبقي من ذكرناه من المفارقين للجماعة بغير الردة لم يدخلوا في الحديث ودماؤهم حلال بالاتفاف وحينئذٍ لا يصح الحصر ولا يصدق وكلام الشارع منزه عن ذلك فدل على أن ذلك الوصف يعم جميع ذلك النوع والله تعالى أعلم وتحقيقه أن كل من فارق الجماعة يصدق عليه أنه بدل دينه غير أن المرتد بدل كل الدين وغيره من المفارقين بدل بعضه اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٤٦٥]، وأبو داود [٤٣٥٢]، والترمذي [١٤٠٢]. والنسائي [٨/ ١٣]، وابن ماجه [٢٥٣٤]. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث ابن مسعود ﵁ فقال: ٤٢٤٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير حدثنا أبي) عبد الله (ح وحدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (حدثنا سفيان) بن عيينة (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (وعلي بن خشرم) بن عبد الرحمن المروزي كلاهما (قالا: أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي ثقة، من (٨) (كلهم) أي كل من عبد الله بن نمير وسفيان بن عيينة وعيسى بن يونس رووا (عن الأعمش بهذا الإسناد) يعني عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود (مثله) أي مثل ما روى حفص بن غياث وأبو معاوية ووكيع غرضه بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لأولئك الثلاثة السابقة في السند الأول وقوله مثله تحريف من النساخ والصواب (مثلهم).

стр. 7528

٤٢٤٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى (وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ) قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. قَال: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَال: "وَالَّذِي لَا إِلهَ غَيرُهُ! لَا يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا ثَلاثةُ نَفَرٍ: التَّارِكُ الإِسْلامَ، الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ أَو الْجَمَاعَةَ (شَكَّ فِيهِ أَحْمَدُ). وَالثِّيِّبُ الزَّانِي. وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ". قَال الأعمَشُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ. فَحَدَّثَنِي، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، بِمِثْلِهِ ــ ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث ابن مسعود ﵁ فقال: ٤٢٤٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أحمد) بن محمد (بن حنبل) بن هلال الشيباني المروزي نزيل بغداد ثقة إمام حجة في الفروع والحديث من (١٠) روى عنه في (١٠) (ومحمد بن المثنى واللفظ لأحمد قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري ثقة، من (٩) (عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي ثقة إمام حجة من (٧) (عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله) بن مسعود ﵁ وهذا السند من سباعياته غرضه بيان متابعة سفيان الثوري لحفص بن غياث ومن معه (قال) عبد الله بن مسعود: (قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا (فقال: والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم) وكذا امرأة مسلمة (يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا ثلاثة نفر) أي لا يحل إراقة دمه يعني قتله إلا دم ثلاثة أنفار فيحل إراقته (التارك) بالنصب بدل من ثلاثة بدل تفصيل من مجمل (الإسلام) بالنصب على المفعولية للتارك أي إلا تارك دين الإسلام وقاطعه بالردة (المفارق) بالنصب صفة للتارك (للجماعة أو) قال شيخي عبد الرحمن بن مهدي المفارق (الجماعة) بالنصب على المفعولية أي الفارق لجماعة المسلمين في بعض ضروريات الدين (شك فيه) أي في قوله أو الجماعة (أحمد) بن حنبل أي اللفظين قال عبد الرحمن: ويجوز رفع التارك على أنه خبر لمبتدإ محذوف تقديره أحدهم التارك وكذا يجوز فيما بعده الوجهان والتقدير (و) ثانيهم (الثيب الزاني و) ثالثهم (النفس) القاتلة (بالنفس) المحترمة بغير حق عمدًا (قال الأعمش) بالسند السابق (فحدثت به) أي بهذا الحديث الذي سمعته من عبد الله بن مرة (إبراهيم) النخعي (فحدثني) به إبراهيم (عن الأسود عن عائشة) وساق إبراهيم (بمثله) أي بمثل ما حدثني

стр. 7529

٤٢٤٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ. قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيبَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بَالإِسْنَادَينِ جَمِيعًا، نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: "وَالَّذِي لَا إِلهَ غَيرُهُ" ــ عبد الله بن مرة فحصل للأعمش سندان سند عن عبد الله بن مرة وسند عن إبراهيم بن يزيد. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث ابن مسعود ﵁ فقال: ٤٢٤٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني حجاج) بن يوسف بن حجاج الثقفي البغدادي المعروف بـ (ـابن الشاعر) ثقة، من (١١) (والقاسم بن زكرياء) بن دينار القرشي الكوفي ثقة، من (١١) (قالا): أي قال كل من الحجاج والقاسم (حدثنا عبيد الله بن موسى) العبسي الكوفي ثقة، من (٩) (عن شيبان) بن عبد الرحمن التميمي البصري ثم الكوفي ثم البغدادي ثقة، من (٧) (عن الأعمش) أي روى شيبان عن الأعمش (بالإسنادين) المذكورين للأعمش (جميعًا) أي كليهما يعني سند عبد الله بن مرة وسند إبراهيم بن يزيد (نحو حديث سفيان) بن سعيد الثوري غرضه بيان متابعة شيبان لسفيان الثوري (و) لكن (لم يدكر) شيبان (في الحديث قوله) أي قول النبي ﷺ : (والذي لا إله غيره) وفي بعض النسخ (ولم يذكرا) بالف التثنية فهو تحريف من النساخ وإن أمكن عود الضمير إلى الحجاج والقاسم لأن المقصود من هذا السند بيان متابعة شيبان لسفيان الثوري بدليل قوله: نحو حديث سفيان لا بيان متابعة الحجاج والقاسم لأحمد بن حنبل ومحمد بن المثنى والله أعلم. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث: الأول: حديث عمران بن حصين ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات. والثاني: حديث يعلى بن أمية ذكره للاستشهاد به لحديث عمران وذكر فيه ثلاث متابعات مختلطة بمتابعات حديث عمران كما بيناها في الشرح والثالث: حديث أنس ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة والرابع: حديث ابن مسعود ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات والله أعلم. ***

стр. 7530

٦٠١ - (٤١) باب إثم أول من سنَّ القتل وكون الدماء أول ما يقضى فيه في الآخرة وتغليظ حرمة الدماء والأعراض ٤٢٤٦ - (١٦٢٢) (١٨٥) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي شَيبَةَ) قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا. لأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ" ــ ٦٠١ - (٤١) باب إثم أول من سنَّ القتل وكون الدماء أول ما يقضى فيه في الآخرة وتغليظ حرمة الدماء والأعراض ٤٢٤٦ - (١٦٢٢) (١٨٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير واللفظ لابن أبي شيبة قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله) بن مسعود ﵁ وهذا السند من سداسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون (قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : لا تقتل نفس) محرم قتلها بإيمان أو أمان (ظلمًا إلا كان على ابن آم الأول) يعني قابيل وهو الذي قتل أخاه كما هو المشهور وعكس القاضي جمال الدين بن واصل في تاريخه فجعل قابيل مقتولًا وهابيل قاتلًا كما ذكره الحافظ في الفتح واستشهد بأن قابيل مشتق من قبول قربانه ولكن الأكثرين على أن قابيل هو القاتل ومجرد اشتقاق قابيل من القبول لا يصلح دليلًا على أنه هو المقتول وقوله: (الأول): هذا يؤيد ما هو المشهور من أن هابيل وقابيل كانا ولدي: آدم لصلبه وبه صرح مجاهد فيما روى ابن أبي نجيح عنه وذكر الطبري عن الحسن لم يكونا ولدي آدم لصلبه وإنما كانا من بني إسرائيل ولكن ظاهر حديث الباب يرده اهـ من الفتح [١٢/ ١٩٣]، أي إلا كان على ذلك الأول (كفل) بكسر الكاف وسكون الفاء أي نصيب وحظ وجزء (من) وزر إراقة (دمها) أي من دم تلك النفس المقتولة ظلمًا (لأنه) أي لأن ذلك الأول (كان أول من سن) وأسس وشرع (القتل) فيه أول من سن شيئًا كتب له أو عليه وهو أصل في أن المعونة على ما لا يحل حرام وقد صرح به في حديث جرير عند مسلم وغيره (من سنَّ في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم

стр. 7531

٤٢٤٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ ــ القيامة) وهو محمول على من لم يتب من ذلك الذنب كذا في فتح الباري قوله: (لأنه أول من سنَّ القتل) أي جعله سيرة للنَّاس فهو متبوع في هذا الفعل وللمتبوع نصيب من فعل تابعه وإن لم يقصد التابع اتباعه في الفعل قال القرطبي: (قوله: لا تقتل نفس ظلمًا) الخ ... يدخل فيه بحكم عمومه نفس الذمي والمعاهد إذا قتلا ظلمًا لأن (نفسًا) نكرة في سياق النفي فهي للعموم (والكفل) الجزء والنصيب كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ أي نصيب وقال الخليل الكفل من الأجر والإثم الضعف وقوله: (لأنه أول من سنَّ القتل) وهذا نص على تعليل ذلك الأمر لأنه لما كان أول من قتل كان قتله ذلك تنبيهًا لمن أتى بعده وتعليمًا له فمن قتل كأنه اقتدى به في ذلك فكان عليه من وزره وهذا جار في الخير والشر كما قد نص عليه النَّبِيّ ﷺ في الحديث المتقدم بقوله: (من سن في الإِسلام سنة حسنة) الحديث وبهذا الاعتبار يكون على إبليس كفل من معصية كل من عصى بالسجود لأنه أول من عصى به وهذا والله أعلم إذا لم يتب ذلك الفاعل الأول من تلك المعصية لأن آدم ﵇ أول من خالف في أكل ما نهي عنه ولا يكون عليه شيء من أوزار من عصى بأكل ما نهي عنه ولا شربه ممن بعده بالإجماع لأن آدم ﵇ تاب من ذلك وتاب الله عليه فصار كمن لم يجن فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له والله أعلم وابن آدم المذكور هنا هو قابيل قتل أخاه هابيل لما تنازعا في تزوج إقليمياء فأمرهما آدم أن يقربا قربانًا فمن تقبل منه قربانه كانت له فتقبَّل قربان هابيل فحسده قابيل فقتله بغيًا وعدوانًا هكذا حكاه أهل التفسير اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أَحْمد [٢/ ٣٨٣] , والبخاري [٣٣٣٥] , والنَّسائيّ [٧/ ٨٢] , وابن ماجه [٢٦١٦]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٤٢٤٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكُوفيّ (حَدَّثَنَا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضَّبِّيّ الكُوفيّ ثِقَة، من (٨) (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا جرير) بن عبد الحميد (وعيسى بن يونس) السبيعي

стр. 7532

ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. كُلُّهُمْ عَنِ الأعمَشِ، بِهذا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ: "لأَنَّهُ سَنَّ الْقَتْلَ" لَمْ يَذْكُرَا: أَوَّلَ. ٤٢٤٨ - (١٦٢٣) (١٨٦) حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيمَانَ وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله. قَال: ــ الكُوفيّ (ح وحدثنا) محمَّد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكيّ (حَدَّثَنَا سفيان) بن عيينة كلهم) أي كل من جرير وعيسى وسفيان رووا (عن الأَعمش بهذا الإسناد) يعني عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود (مثله) أي مثل ما روى أبو معاوية عن الأَعمش غرضه بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لأبي معاوية (و) لكن (في حديث جرير وعيسى بن يونس) وروايتهما لفظة (لأنه سنَّ القتل) و (لم يذكرا) أي لم يذكر جرير وعيسى لفظة (أوَّل). قال النووي: وهذا الحديث من قواعد الإِسلام وهو أن كل من ابتدع شيئًا من الشر كان عليه وزر كل من اقتدى به في ذلك فعمل مثل عمله إلى يوم القيامة ومثله من ابتدع شيئًا من الخير كان له مثل أجر من يعمل به إلى يوم القيامة وهو موافق للحديث الصحيح (من سنَّ سنة حسنة) الحديث وللحديث الصحيح (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) وللحديث الصحيح (ما من داع يدعو إلى هدى وما من داع يدعو إلى ضلالة) اهـ والله أعلم. ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: ٤٢٤٨ - (١٦٢٣) (١٨٦) (حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم ومحمَّد بن عبد الله بن نمير جميعًا عن وكيع عن الأَعمش ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا عبدة بن سليمان) الكلابي أبو محمَّد الكُوفيّ اسمه عبد الرَّحْمَن ثِقَة، من (٨) (ووكيع عن الأَعمش عن أبي وائل) شَقِيق بن سلمة الأسدي الكُوفيّ ثِقَة، مخضرم من (٢) (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ وهذه الأسانيد كلها من خماسياته ومن لطائفها أن رجالها كلهم من الكوفيين إلَّا إسحاق بن إبراهيم المروزي (قال) عبد الله:

стр. 7533

قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَينَ النَّاسِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، في الدِّمَاءِ". ٤٢٤٩ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عُبَيدُ الله بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ). ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. كُلُّهُمْ ــ (قال رسول الله ﷺ : أول ما يقضى) أول مبتدأ وما مصدرية والجملة الفعلية صلتها والمصدر المؤول في محل الجر مضاف إليه والظرفان في قوله: (بين النَّاس يوم القيامة) متعلقان بيقضى وخبر المبتدإ قوله: (في الدماء) والتقدير أول القضاء بين النَّاس يوم القيامة كائن في شأن الدماء قال النووي: وذلك لعظم أمرها وكثير خطرها وليس هذا الحديث معارضًا للحديث المشهور في السنن أول ما يحاسب به العبد صلاته لأن هذا الحديث في حقوق الله وحديث الباب في حقوق العباد اهـ قال القرطبي: وهذا يدل على أنَّه ليس في حقوق الآدميين أعظم من الدماء ولا تعارض بين هذا وبين قوله ﷺ : أول ما يحاسب به العبد من عمله الصلاة رواه النَّسائيّ [٧/ ٨٣] لأن كل واحد منهما أول في بابه فأول ما ينظر فيه من حقوق الله الصلاة لأنها أعظم قواعد الإِسلام العملية وأول ما ينظر فيه من حقوق الآدميين الدماء لأنها أعظم الجرائم اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أَحْمد [١/ ٤٤٠] , والبخاري [٦٨٦٤] , والتِّرمذيّ [١٣٩٧] , والنَّسائيّ [٧/ ٨٣] وابن ماجه [٢٦١٧]. ثم ذكر المؤلف المتابعة في هذا الحديث فقال: ٤٢٤٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبيد الله بن معاذ) العنبري البَصْرِيّ (حَدَّثَنَا أبي) معاذ بن معاذ (ح وحدثني يحيى بن حبيب) بن عربي الحارثيّ البَصْرِيّ (حَدَّثَنَا خالد يعني ابن الحارث) بن عبيد الهجيمي البَصْرِيّ (ح وحدثني بشر بن خالد) الفرائضي نسبة إلى علم الفرائض أبو محمَّد البَصْرِيّ ثِقَة، من (١٠) (حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر) الهذلي البَصْرِيّ غندر (ح وحدثنا محمَّد بن المثنَّى وابن بشار قالا: حَدَّثَنَا) محمَّد بن إبراهيم (بن أبي عدي) السلمي البَصْرِيّ ثِقَة، من (٩) (كلهم) أي كل من هؤلاء الأربعة المذكورين معاذ بن

стр. 7534

عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. غَيرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَال عَنْ شُعْبَةَ: "يُقْضَى". وَبَعْضُهُمْ قَال: "يُحْكَمُ بَينَ النَّاسِ". ٤٢٥٠ - (١٦٢٤) (١٨٧) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ (وَتَقَارَبَا في اللَّفْظِ). قَالا: حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَال: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيئَتِهِ يَومَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرضَ ــ معاذ وخالد بن الحارث ومحمَّد بن جعفر وابن أبي عدي رووا (عن شعبة عن الأَعمش عن أبي وائل عن عبد الله) بن مسعود غرضه بسوق هذه الأسانيد الأربعة بيان متابعة شعبة لوكيع في الرواية عن الأَعمش (عن النَّبِيّ ﷺ وساق شعبة (بمثله) أي بمثل حديث وكيع (غير أن بعضهم) أي لكن أن بعض هؤلاء الأربعة الذين رووا عن شعبة (قال) ذلك البعض حالة كونه راويًا (عن شعبة) لفظة (يقضى وبعضهم قال) عن شعبة لفظة (يحكم بين النَّاس) وهذا بيان لمحل المخالفة بينهم في اللفظ. ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أبي بكرة ﵁ فقال: ٤٢٥٠ - (١٦٢٤) (١٨٧) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة ويحيى بن حبيب) بن عربي (الحارثيّ) البَصْرِيّ (وتقاربا في اللفظ قالا: حَدَّثَنَا عبد الوهَّاب) بن عبد المجيد (الثَّقَفيّ) البَصْرِيّ (عن أَيُّوب) السختياني (عن) محمَّد (بن سيرين عن) عبد الرَّحْمَن (بن أبي بكرة) الثَّقَفيّ البَصْرِيّ ثِقَة، من (٢) (عن) أَبيه (أبي بكرة) الثَّقَفيّ نفيع بن الحارث بن كلدة البَصْرِيّ الصحابي المشهور ﵁ (عن النَّبِيّ ﷺ وهذا السند من سداسياته رجاله كلهم بصريون إلَّا ابن أبي شيبة فإنَّه كُوفِيّ (أنَّه) ﷺ (قال: إن الزمان) أراد به هنا السنة وشهورها (قد استدار) وتحول عن ترتيبه الأصلي يوم خلق الله السموات والأرض بإنساء الجاهلية بعض المشهور وتأخيرها عن ترتيبها الأصلي وعاد الآن ورجع (كهيئته) وترتيبه (يوم خلق الله السماوات والأرض) وعادت الشهور على ترتيبها الأصلي حتَّى عاد ذو الحجة في ترتيبه الأصلي.

стр. 7535

السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ــ قال في المبارق: يعني عاد الزمان إلى الهيئة والترتيب الذي وضع الله الشهور عليه يوم خلق السموات والأرض سبب ذكره أن العرب كانوا يعتقدون تحريم الأشهر الحرم حتَّى لو لقي واحد منهم قاتل ولده لم يتعرض له متمسكين في ذلك بملة إبراهيم ﵇ لكنهم إذا وقع لهم ضرورة في القتال بدلوا الأشهر الحرم إلى غيرها لاستكراههم استحلالها بالكلية وأمروا مناديًا ينادي في القبائل ألا إنَّا أنسأنا المحرم إلى صفر أي أخرنا تحريمه إلى صفر عنوا بذلك أنّا نحارب في المحرم ونترك الحرب بدله في صفر وإذا عرضت لهم حاجة أخرى ينقلون المحرم من صفر إلى ربيع الأول وكانوا يؤخرون الحج من شهر إلى شهر حتَّى وصل ذو الحجة ورجع إلى موضعه الأصلي وترتيبه الخلقي عام حجة الوداع فاجعلوا الحج فيه ولا تبدلوا شهرًا بشهر كأهل الجاهلية اهـ منه ومعنى (إن الزمان قد استدار) أي إن زمان الحج عاد في هذه السنة يعني حجة الوداع إلى وقته الأصلي الذي عينه الله تعالى له يوم خلق السموات والأرض بأصل المشروعية التي سبق بها علمه ونفذ بها حكمه ثم قال: (السنة اثنا عشر شهرًا) ينفي بذلك الزيادة التي زادوها في السنة وهي خمسة عشر يومًا بتحكيمهم ثم هذا موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة / ٣٦] فتعين الوقت الأصلي وبطل التحكم الجاهلي اهـ من المفهم. وقال القرطبي أَيضًا: اختلف في معنى هذا اللفظ يعني قوله: (إن الزمان قد استدار كهيئته) الخ على أقوال كثيرة وأشبه ما فيها ثلاثة أقوال: أحدها: ما قاله إياس بن معاوية وذلك أن المشركين كانوا يحسبون السنة اثني عشر شهرًا وخمسة عشر يومًا وكان الحج يكون في رمضان وفي ذي القعدة وفي كل شهر من السنة بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة عشر يومًا فحج أبو بكر ﵁ سنة تسع في ذي القعدة بحكم الاستدارة ولم يحج النَّبِيّ ﷺ فلما كان في العام المقبل وافق الحج ذا الحجة في العشر ووافق ذلك الأهلة وقد روي أن أَبا بكر إنما حج في ذي الحجة. الثاني: ما روي عن ابن عباس أنَّه قال: كانوا إذا كانت السنة التي ينسأ فيها قام خطيبهم وقد اجتمع إليه النَّاس يوم الصدر أي الرجوع من منى قال ابن الأنباري وهو رجل من بني كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة فقال: أنا الذي لا أعاب ولا يرد لي قضاء

стр. 7536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيقولون له أنسئنا شهرًا أي أخر عنَّا حرمة المحرم فاجعلها في صفر وذلك أنَّهم يكرهون أن يتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا تمكنهم الإغارة فيها لأن معاشهم كان من الإغارة فيقول: أيها النَّاس إنِّي قد نسأت العام صفرًا الأول يعني المحرم فيحل لهم المحرم ويحرم عليهم صفرًا فيطرحون المحرم من المشهور ولا يعتدون به ويبدؤون العدة من صفر فيقولون لصفر وشهر ربيع الأول صفران ولربيع الآخر وجمادى الأولى شهرًا ربيع ولجمادى الأخيرة ورجب جماديان ولشعبان رجب ولرمضان شعبان وهكذا إلى محرم ويبطلون من هذه السنة شهرًا فيحجون في كل شهر حجتين ثم ينسأ في السنة الثالثة صفرًا الأول في عدتهم وهو الآخر في العدة المستقيمة حتَّى تكون حجتهم في صفر حجتين وكذلك المشهور كلها حتَّى يستدير الحج في كل أربع وعشرين سنة إلى المحرم الشهر الذي ابتدؤوا النساء ونحوه قال ابن الزُّبير: إلَّا أنَّه قال: يفعلون ذلك في كل ثلاث سنين يزيدون شهرًا قيل: وكانوا يقصدون بذلك موافقة شهور العجم لشهور الأهلة حتَّى تأتي الأزمان واحدة. الثالث: قيل كانت العرب تحج عامين في ذي القعدة وعامين في ذي الحجة فصادفت حجة أبي بكر ﵁ ذا القعدة من السنة الثَّانية وصادفت حجة النَّبِيّ ﷺ ذا الحجة بالاستدارة والأشبه القول الأول قوله: (السنة اثنا عشر شهرًا) الأول منها (المحرم) سمي بذلك لأنهم كانوا يحرمون فيه القتال ويجمع على محرمات ومحارم ومحاريم وتسميه العرب العاربة (المؤتمر) بكسر الميم أخذًا من أَمِرَ القومُ إذا كثروا بمعنى أنَّهم يحرمون فيه القتال فيكثرون وقيل: أخذًا من الائتمار بمعنى أنَّه يؤتمر فيه بترك الحروب ويجمع على مؤتمرات والثاني منها (صفر) سمي بذلك لخلو مكة من أهلها فيه وقيل وقع فيه وباء فاصفرت وجوههم قال أبو عبيد سمي بذلك لصفر الأواني من اللبن والثالث (الرَّبيع الأول) والرابع (الرَّبيع الثاني) سميا بذلك لارتباع النَّاس فيهما أي لإقامتهم في الرَّبيع والخاص (الجمادى الأولى) والسادس (الجمادى الثَّانية) سميا بذلك لأن الماء جمد فيهما والسابع (رجب) سمي بذلك لترجيب العرب إياه أي لتعظيمهم له أو لأنه لا قتال فيه والأرجب الأقطع ويجمع على رجبات وعلى أرجاب والثامن (شعبان) سمي بذلك لتشعب القبائل فيه والتاسع (رمضان) سمي بذلك لشدة الرمضاء فيه أي حر الظهيرة والعاشر منها (شوال) سمي بذلك لأن اللقاح تشول فيه أذنابها والحادي عشر منها (ذو القعدة) بفتح القاف وكسرها مع سكون العين فيهما سمي

стр. 7537

مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ــ بذلك لقعودهم فيه عن الحرب لكونه أول الأشهر الحرم ويجمع على ذوات القعدة وحكى الكوفيون أولات القعدة والثاني عشر (ذو الحجة) بفتح الحاء وكسرها سمي بذلك لكون الحج يقع فيه والكلام في جمعه كالكلام في ذي القعدة وتسمية العرب العاربة (برك) بوزن عمر غير مصروف لأنه تبرك فيه الإبل للموسم اهـ من المفهم مع زيادة (منها) أي من تلك الاثني عشر وهو خبر مقدم لما بعده (أربعة حرم) أربعة مبتدأ مؤخر حرم صفته سميت الحرم حرمًا لاحترامها وتعظيمها بما خصت به من أفعال البر وتحريم القتال وتشديد أمر البغي والظلم فيها وذلك أن العرب كانت في غالب أحوالها ومعظم أوقاتها قبل مجيء الإِسلام أهل غارة ونهب وقتال وحرب يأكل القوي الضعيف ويصول على المشروف الشريف لا يرجعون لسلطان قاهر وأمر جامع وكانوا فوضى أي لا أمير لهم من غلب سلب ومن عزَّ بزَّ (أي من غلب أخذ السلب) لا يأمن لهم سرب ولا يستقر بهم حال فلطف الله بهم بأن جعل في نفوسهم احترام أمور يمتنعون فيها من الغارة والقتال والبغي والظلم فيأمن بعضهم من بعض ويتصرفون فيها في حوائجهم ومصالحهم فلا يهيج فيها أحد أحدًا ولا يتعرض له حتَّى إن الرَّجل يلتقي فيها بقاتل أَبيه وأخيه فلا يتعرض له بشيء ولا بغدر بما جعل الله في قلوبهم من تعظيم تلك الأمور ولا يبعد أن يكون أصل ذلك مشروعًا لهم من دين إبراهيم وإسماعيل كالحج والعمرة وغيرهما مما كان عندهم من شرائعهما وهذه الأمور من الزمان الأشهر الحرم ومن المكان حرم مكة ومن الأموال الهدي والقلائد ويشهد لما ذكرناه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة / ٢١٧] وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة / ٣٦] ثم قال: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة / ٣٦] وقوله تعالى في الحَرَم: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران / ٩٧] وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت / ٦٧] وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة / ١٢٥] وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة / ٩٧]. ومعنى كون هذه الأمور قيامًا للنَّاس أي تقوم بها أحوالهم وتنتظم بها مصالحهم من أمر دنياهم ومعايشهم هذا معنى ما قاله المفسرون فلما جاء الإِسلام لم يزد تلك الأمور إلَّا تعظيمًا وتشريفًا غير أنه لما حدَّ الحدود وشرع الشرائع ونصب العقوبات والزواجر اتفقت كلمة المسلمين والتزمت شرائع الدين فأمن النَّاس على دمائهم ونفوسهم وأموالهم فامتنع أهل الظلم من ظلمهم وكف أهل البغي عن بغيهم

стр. 7538

ثَلَاثةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ. وَرَجَبٌ، شَهْرُ مُضَرَ، الَّذِي بَينَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ". ثُمَّ قَال: "أَيُّ شَهْرٍ هذَا؟ " قُلْنَا: ــ واستوى في الحق القوي والضعيف والمشروف والشريف فمن صدر منه بغي أو عدوان قمعته كلمة الإِسلام وأقيمت عليه الأحكام لا يعيذه شيء من تلك المحرمات ولا يحول بينه وبين حكم الله تعالى أحد من المخلوقات فالحمد لله الذي هدانا لهذا الدين القويم والمنهج المستقيم وهو المسؤول بأن ينعم علينا بالدوام والتمام ويحشرنا في زمرة واسطة النظام محمَّد ﵊ اهـ من المفهم. (ثلاثة) مبتدأ سوغ الابتداء بالنكرة وصفه بالصفة المحذوفة (متواليات) خبر المبتدإ أي ثلاثة منها أي من الأشهر الحرم الأربعة متواليات أي يتلو بعضها بعضًا كما قد قال في الرواية الأخرى (ثلاث سرد وواحد فرد) (ذو القعدة وذو الحجة والمحرم) هذه الثلاثة المتوالية وقوله: (ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان) هو مبالغة في تعيين هذا الشهر ليتميز عما كانوا يتحكمون به من النساء ومن تغيير أسماء المشهور وقد تقدم أنَّهم كانوا يسقطون من السنة شهرًا وينقلون اسم الشهر للذي بعده حتَّى سموا شعبان رجبًا ومضر حي من العرب ونسبة هذا الشهر إليهم إما لأنهم أول من عظمه أو لأنهم كانوا أكثر العرب تعظيمًا له واشتهر ذلك حتَّى عرف بهم والله أعلم. قال النووي: وإنما قيد رجبًا هذا التقييد مبالغة في إيضاحه وإزالة اللبس عنه قالوا: وقد كان بين مضر وبين ربيعة اختلاف في رجب وكانت مضر تجعل رجبًا هذا الشهر المعروف الآن وهو بين جمادى وشعبان وكانت ربيعة تجعله رمضان فلهذا أضافه النَّبِيّ ﷺ إلى مضر وقيل: إن العرب كانت تسمي رجبًا وشعبان الرجبين وقيل: كانت تسمى جمادى ورجبًا جمادين وتسمي شعبان رجبًا اهـ قوله: (الذي بين جمادى) بضم الجيم والقصر بعد الدال سمي بذلك لجمود الماء فيه لأن الوقت الذي سمي فيه بذلك كان الماء فيه جامدًا لشدة البرد ويقال في تثنيته جماديان الأوليان وفي الجمع الجماديات الأوليات (وشعبان) بفتح الشين سمي بذلك لتشعبهم فيه لكثرة الغارات عقب رجب وقيل لتشعب العود في الوقت الذي سمي فيه وقيل لأنه شعب بين شهري رجب ورمضان ويجمع على شعبانات وشعابة على حذف الزوائد وحكى الكوفيون شعابين كذا في صبح الأعشى [٢/ ٣٦٥] (ثم قال) رسول الله ﷺ : (أي شهر هذا) أي هذا الشهر الحاضر الذي نحن فيه الآن ما اسمه، قال أبو بكرة: (قلنا)

стр. 7539

اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيرِ اسْمِهِ. قَال: "أَلَيسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ " قُلْنَا: بَلَى. قَال: "فَأَيُّ بَلَدٍ هذَا؟ " قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيرِ اسْمِهِ. قَال: "أَلَيسَ الْبَلْدَةَ؟ " قُلْنَا: بَلَى. قَال: "فَأَيُّ يَوْمٍ هذَا؟ " قُلْنَا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيرِ اسْمِهِ. قَال: "أَلَيسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ " قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَال: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالكُمْ (قَال مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَال) وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيكُمْ. كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، في بَلَدِكُمْ هذَا، في ــ معاشر الحاضرين (الله ورسوله أعلم) أي يعلمان اسمه قال النووي وقولهم: (الله ورسوله أعلم) هذا من حسن أدبهم وأنهم علموا أنَّه ﷺ لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب فعرفوا أنَّه ليس المراد مطلق الإخبار بما يعرفون اهـ (قال) أبو بكرة (فسكت) رسول الله ﷺ (حتَّى ظننا أنَّه سيسميه بغير اسمه) المعروف عندنا (قال: أليس) هذا الشهر الحاضر يسمى (ذا الحجة قلنا) له: (بلى) هو ذو الحجة لأن بلى يجاب بها النفي فيكون إثباتًا لأن نفي النفي إثبات (قال: فأي بلد هذا) أي هذا البلد الذي نحن فيه الآن (قلنا: الله ورسوله أعلم قال) الراوي: (فسكت) رسول الله ﷺ : (حتَّى ظننا أنَّه سيسميه بغير اسمه) المعروف (قال: أليس) هذا البلد يسمى (البلدة) المشرفة المكرمة (قلنا: بلى) أي هو هي (قال) رسول الله ﷺ : (فأي يوم هذا) اليوم الحاضر (قلنا الله ورسوله أعلم قال) الراوي (فسكت حتَّى ظننا أنَّه سيسميه بغير اسمه) المعروف (قال) رسول الله ﷺ : (أليس) هذا اليوم يسمى (يوم النحر قلنا بلى) هو هو (يَا رسول الله) قال القرطبي: سؤاله ﷺ عن الثلاثة وسكوته بعد سؤال كل واحد منها كان لاستحضار فهومهم وتنبيهًا لغفلتهم وتنويهًا بما يذكره لهم حتَّى يقبلوا عليه بكليتهم ويستشعروا عظمة حرمة ما عنه يخبرهم ولذلك (قال) بعد هذا (فإن دماءكم وأموالكم قال محمَّد) بن سيرين: (وأحسبه) أي وأظن شيخي عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرة (قال) عند ما حدث لنا هذا الحديث لفظة (و) إنَّ (أعراضكم) والشك من محمَّد بن سيرين وقائل هذا القول أَيُّوب السختياني والأعراض جمع عرض وهو موضع المدح أو الذم من الإنسان أي إن إراقة دمائكم وسلب أموالكم وطعن أعراضكم. (حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في

стр. 7540

شَهْرِكُمْ هذَا. وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ. فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كفارًا (أَوْ ضُلَّالًا) يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ. أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. فَلَعَلَّ ــ شهركم هذا) قال القرطبي: وهذا منه ﷺ مبالغة في بيان تحريم هذه الأشياء وإغياء في التفسير عن الوقوع فيها لأنهم كانوا قد اعتادوا فعلها واعتقدوا حليتها كما تقدم في بيان أحوالهم وقبيح أفعالهم اهـ من المفهم وقال الحافظ في الفتح [١/ ١٥٩]: ومناط التشبيه في قوله كحرمة يومكم ظهوره عند السامعين لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتًا في نفوسهم مقررًا عندهم بخلاف الأنفس والأموال والأعراض فكانوا في الجاهلية يستبيحونها فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم فلا يرد كون المشبه به أخفض رتبة من المشبه لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع اهـ منه (وستلقون) أي سترون (ربكم) يوم القيامة (فيسألكم عن أعمالكم) خيرها وشرها فيجازيكم عليها فخذوا عني دينكم واعتصموا به واحذروا ما أنتم عليه في الجاهلية من إراقة الدماء وسلب الأموال وطعن الأعراض قال القرطبي: معنى هذا الكلام إنكم ستقفون في العرض موقف من لقي ربه فحبس حتَّى تعرض عليه أعماله فيسأل عنها وهذا إخبار بمقام عظيم وأمر هائل لا يقدر قدره ولا يتصور هوله أصبح النَّاس عن التذكير فيه معرضين وعن الاستعداد له متشاغلين فالأمر كما قال في كتابه المكنون: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ [ص / ٦٧، ٦٨] فنسأل الله تعالى من فضله أن يوقظنا من رقدتنا ويُنبهنا من غفلتنا ويجعلنا ممن استعد للقائه وكُفي فواجئ نقمه وبلائه والفاء من قوله: (فلا ترجعنَّ) للإفصاح والفعل بضم العين مسند إلى واو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين مع نون التوكيد الثقيلة ولا ناهية جازمة أصله فلا ترجعونن حذفت نون الرفع للجازم والواو لالتقاء الساكنين والمعنى إذا عرفتم ما ذكرته لكم وأردتم بيان ما هو النصيحة لكم فأقول لكم لا ترجعوا أي لا تصيروا (بعدي) أي بعد فراقي من هذا المجلس أو بعد وفاتي (كفارًا) أي مثل الكفار في إراقة دمائكم وسلب أموالكم وطعن أعراضكم (أو) قال النَّبِيّ ﷺ أو الراوي فلا ترجعن بعدي (ضلالًا) جمع ضال وهو أعم من الكافر والشك من الراوي أو ممن دونه (يضرب بعضكم رقاب بعض) برفع يضرب على الصواب أي فيضرب وقيل بجزمه على كونه جوابًا للنهي (ألا ليبلغ الشاهد) أي الحاضر (الغائب) عن هذا المجلس (فلعل

стр. 7541

بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ" ــ بعض من يبلغه) بصيغة المجهول (يكون أوعى) وأحفظ (له من بعض من سمعه) مني. قوله: (فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) بهذا الحديث وأشباهه كفر الخوارج عليًّا ومعاوية وأصحابهما وهذا إنما صدر عنهم لأنهم سمعوا الأحاديث ولم تحط بها فهومهم كما قرؤوا القرآن ولم يجاوز تراقيهم فكأنهم ما قرؤوا قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُمْ﴾ [الحجرات / ٩، ١. [فأبقى عليها اسم الإيمان وأخوته مع أنَّهم قد تقاتلوا وبغت إحداهما على الأخرى وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء / ٤٨ و ١١٦] والقتل ليس بشرك بالاتفاق والضرورة وكأنهم لم يسمعوا قول النَّبِيّ ﷺ : "تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلَّا بالحق فمن وفي منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له" متفق عليه وإنما يُحمل الحديث على التشبيه تغليظًا وذلك أن المسلمين إذا تحاجزوا وتقاتلوا فقد ضلت الطائفة الباغية منهما أو كلاهما إن كانتا باغيتين عن الحق وكفرت حق الأخرى وحرمتها وقد تشبها بالكفار وكأنه ﷺ اطلع على ما يكون في أمته من المحن والفتن فحذر من ذلك وغلظه بذلًا للنصيحة ومبالغة في الشفقة عليهم ﷺ قوله: (ألا ليبلغ الشاهد الغائب) أمر غائب بتبليغ العلم ونشره فهو فرض من فروض الكفايات من التبليغ وعليه فالباء مفتوحة واللام مشددة مكسورة وقيل: إنه من الإبلاغ فباؤه ساكنة ولامه مخففة ومراده بالشاهد الحاضر في المجلس والمقصود إما تبليغ القول المذكور وإما تبليغ جميع الأحكام وفيه الأمر بالتبليغ والحضُّ عليه. وقوله: (فلعل بعض من يبلغه) بالبناء للمجهول (يكون أوعى) وأحفظ (له) أي لما قلته (ممن سمعه) مني والوعي الحفظ والفهم والقبول قال الزبيدي يقال وسماه أي الشيء أو الحديث يعيه وعيًا إذا حفظه وفهمه وقبله فهو واع ومثله حديث أبي أُمامة (لا يعذب الله قلبًا وعى القرآن) قال ابن الأثير: أي عقله إيمانًا به وعملًا فأما من حفظ ألفاظه وضيع حدوده فإنَّه غير واع له كذا في تاج العروس واحتج به العلماء لجواز رواية الفضلاء وغيرهم من الشيوخ الذين لا علم لهم عندهم ولا فقه إذا ضبط ما يحدث به كذا في النووي وفيه جواز التحمل قبل كمال الأهلية وأن الفهم ليس شرطًا في الأداء وأنه قد

стр. 7542

ثُمَّ قَال: "أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ". قَال ابْنُ حَبِيبٍ في رِوَايَتِهِ: "وَرَجَبُ مُضَرَ". وَفِي رِوَايةِ أبي بَكْرٍ: "فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي". ٤٢٥١ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ ــ يأتي في الآخر من يكون أفهم ممن تقدمه لكن بقلة كذا في فتح الباري [١/ ١٥٩]. قال القرطبي: قوله: (فلعل بعض من يبلغه أوعى) الخ حجة على جواز أخذ العلم والحديث عمن لا يفقه ما ينقل إذا أداه كما سمعه فأما نقل الحديث بالمعنى فمن جوزه إنما جوزه من الفقيه العالم بمواقع الألفاظ ومن أهل العلم من منع ذلك مطلقًا وقد تقدم ذلك وفيه حجة على أن المتأخر قد يفهم من الكتاب والسنة ما لم يخطر للمتقدم فإن الفهم فضل الله يؤتيه من يشاء لكن هذا يندر ويقل فأين البحر من الوشل (الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة يقطر منه قليلا لا يتصل قطره) والعل من العلل وهو الشكل في العينين ليس كالكحل (ثم) بعد هذه الخطبة البليغة (قال) رسول الله ﷺ : (ألا) حرف استفتاح (هل بلغت) استفهام تقريري لا يحتاج إلى الجواب أي قد بلغتكم ما أمرت بتبليغه لكم فلا عذر لكم إذ لم يقع مني تقصير في التبليغ ويحتمل أن يكون على جهة استعلام ما عندهم واستنطاقهم بذلك كما تقدم في حديث جابر حيث ذكر خطبته ﷺ بعرفة فقال: (وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الأرض اللهم اشهد ثلاث مرات رواه مسلم قال المؤلف رحمه الله تعالى (قال) شيخنا يحيى (بن حبيب) الحارثيّ (في روايته) لنا (ورجب مضر) بإسقاط لفظ شهر وإضافة رجب إلى مضر (وفي رواية أبي بكر) بن أبي شيبة (فلا ترجعوا بعدي) بحذف نون التوكيد الثقيلة. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أَحْمد [٥/ ٣٧] , والبخاري [١٠٥] , وأبو داود [١٩٤٨] , وابن ماجه [٢٣٣]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي بكرة ﵁ فقال: ٤٢٥١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا نصر بن عليّ) بن نصر بن عليّ بن صهبان الأَزدِيّ البَصْرِيّ (الجهضمي) نسبة إلى الجهاضمة اسم محلة في البصرة نسبت إلى الجهاضمة وهم بطن من الأزد ينسبون إلى جهضم بن عوف بن مالك (حَدَّثَنَا يزيد بن زريع) التَّمِيمِيّ

стр. 7543

حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: لَما كَانَ ذلِكَ الْيَوْمُ. قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ وَأَخَذَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ. فَقَال: "أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هذَا؟ " قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. حَتَّى ظَنَنا أَنهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ. فَقَال: "أَلَيسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ؟ " قُلْنَا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللهِ، قَال: "فَأَيُّ شَهْرٍ هذَا؟ " قُلْنَا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: "أَلَيسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟ " قُلْنَا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللهِ. قَال: "فَأَيُّ بَلَدٍ هذَا؟ " قُلْنَا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: حَتى ظَنَنَّا أَنهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ. قَال: ــ العيشي أبو معاوية البَصْرِيّ ثِقَة، من (٨) (حَدَّثَنَا عبد الله بن عون) بن أرطبان المزني البَصْرِيّ ثِقَة، ثبت من (٦) (عن محمَّد بن سيرين عن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرة عن أَبيه) أبي بكرة نفيع بن الحارث الثَّقَفيّ البَصْرِيّ ﵁ وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة ابن عون لأيوب السختياني ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون (قال) أبو بكرة: (لما كان) وجاء (ذلك اليوم) العظيم القدر الذي هو يوم النحر في مني في حجة الوداع (قعد) رسول الله ﷺ (على بعيره) في منى خطيبًا للنَّاس (وأخذ) أي أمسك (إنسان) من الحاضرين وهو أبو بكرة الرَّاوي (بخطامه) أي بخطام بعيره ﷺ ليصون البعير من الاضطراب وخطام البعير غير زمامه بكسر أولهما فإن الزمام عبارة عن المقود بكسر الميم وهو ما تقاد به الدابة والخطام حبل يقلد به البعير ثم يعقد على أنفه لينقاد والأخذ به يكون لإمساك البعير ومنعه من الاضطراب والتشويش على راكبه اهـ من بعض الهوامش (فقال) رسول الله ﷺ معطوف على قعد وجملة أخذ حال من البعير بتقدير قد (أتدرون) أي هل تعلمون أيها الحاضرون والهمزة للاستفهام الاستعلامي (أي يوم هذا قالوا: الله ورسوله أعلم) فسكت كما في الرواية السابقة (حتَّى ظننا أنَّه سيسميه) أي سيجعل اسمه (سوى اسمه) أي غير اسمه المعروف لدينا (فقال: أليس) هذا اليوم (بيوم النحر قلنا: بلى) هو يوم النحر (يَا رسول الله) ثم (قال: فأي شهر هذا) الشهر الذي نحن فيه (قلنا: الله ورسوله أعلم) ثم سكت ثم (قال) رسول الله ﷺ : (أليس بذي الحجة قلنا: بلى يَا رسول الله) ثم (قال: فأي بلد هذا قلنا: الله ورسوله أعلم قال) الراوي ثم سكت (حتَّى ظننا أنَّه سَيُسَمِّيه) أي سيجعل اسمه (سوى اسمه) أي غير اسمه المعروف ثم (قال)

стр. 7544

"أَلَيسَ بِالْبَلْدَةِ؟ " قُلْنَا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللهِ. قَال: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيكُمْ حَرَامٌ. كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا. في شَهْرِكُمْ هذَا. في بَلَدِكمْ هذَا. فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ". قَال: ثُمَّ انْكَفَأَ إلى كَبْشَينِ أَمْلَحينِ فَذَبَحَهُمَا. وَإِلَى جُزَيعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ فَقَسَمَهَا بَينَنَا ــ رسول الله ﷺ : (أليس بالبلدة) المشرفة (قلنا بلى يَا رسول الله) ثم (قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) ثم قال: (فليبلغ الشاهد) أي الحاضر منكم عندنا (الغائب) عنا في هذا المجلس (قال) الراوي (ثم انكفأ) رسول الله ﷺ أي انقلب ورجع بعد فراغه من خطبته (إلى كبشين) تثنية كبش وهو ذكر الضأن المسمى الآن بالطَّلي (أملحين) تثنية أملح والأملح هو الذي فيه بياض وسواد والبياض أكثر أي رجع إليهما ليذبحهما أضحية (فذبحهما و) انقلب أَيضًا (إلى جزيعة من الغنم) بضم الجيم وفتح الزاي وهي القطعة من الغنم تصغير جزعة بكسر الجيم وهي القليل من الشيء وضبطه ابن فارس بفتح الجيم وكسر الزاي وكأنها فعيلة بمعنى مفعولة كضفيرة بمعنى مضفورة والمشهور في رواية المحدثين هو الأول كذا في شرح النواوي أي رجع إليها ليقسمها (فقسمها بيننا) قوله: (ثم انكفأ إلى كبشين) قال الدارقطني: إن هذا وهم من ابن عون فيما قيل وإنما رواه ابن سيرين فأدرجه ابن عون هنا في هذا الحديث فرواه عن ابن سيرين عن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرة عن أَبيه وقد حذف البُخَارِيّ هذه الزيادة عن ابن عون وقد ذكره المصنف عن أَيُّوب عن قرة فلم يذكر هذه الزيادة أَيضًا وقال القرطبي: الأشبه أن هذه الزيادة إنما هي في حديث آخر في خطبة عيد الأضحى فوهم فيه الراوي فذكرها مضمومة إلى خطبة الحجة أو هما حديثان ضم أحدهما إلى الآخر كذا في شرح النووي. وعبارة القرطبي هنا: (قلت): إنما نسب هذا الوهم لابن عون لأن هذا الحديث قد رواه عن ابن سيرين أَيُّوب السختياني وقرة بن خالد وانتهى حديثهما في خطبة النَّبِيّ ﷺ في حجة الوداع يوم النحر عند قوله: ألا هل بلغت في رواية أَيُّوب وزاد قرة إلى هذا قالوا: نعم قال: اللهم أشهد وبعد قوله: ألا هل بلغت زاد ابن عون عن ابن سيرين عن أبي بكرة (ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما إلخ ... ) وهذا الكلام إنما

стр. 7545

٤٢٥٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ. قَال: قَال مُحَمَّدٌ: قَال عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: لَما كَانَ ذلِكَ الْيَوْمُ جَلَسَ النَّبِيّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ. قَال: وَرَجُلٌ آخِذٌ بِزِمَامِهِ (أَوْ قَال: بِخِطَامِهِ). فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُريعٍ. ٤٢٥٣ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثني محمدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيمُونٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ــ كان من النَّبِيّ ﷺ في خطبة عيد الأضحى على ما رواه أَيُّوب وهشام عن ابن سيرين عن أنس بن مالك على ما ذكره مسلم في الضحايا عنه قال: إن رسول الله ﷺ : صلى ثم خطب فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحًا قال: وانكفأ رسول الله ﷺ إلى كبشين أملحين فذبحهما فقام النَّاس إلى غنيمة فتوزعوها أو قال: فتجزعوها فكان ابن عون اختلط عليه الحديثان فساقهما مساقًا واحدًا وأن ذلك كان في خطبة عرفة وهو وهم لا شك فيه اهـ من المفهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي بكرة ﵁ فقال: ٤٢٥٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمَّد بن المثنَّى حَدَّثَنَا حماد بن مسعدة) التَّمِيمِيّ أبو سعيد البَصْرِيّ ثِقَة، من (٩) (عن) عبد الله (بن عون) المزني البَصْرِيّ (قال) ابن عون (قال محمَّد) بن سيرين: (قال عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرة عن أَبيه) أبي بكرة ﵁ وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة حماد بن مسعدة ليزيد بن زريع (قال) أبو بكرة: (لما كان ذلك اليوم) العظيم الذي هو يوم النحر (جلس النَّبِيّ ﷺ على بعير) له (قال) أبو بكرة: (ورجل) أي والحال أن رجلًا من المسلمين هو أبو بكرة الراوي كما مر (آخذ بزمامه) أي ممسك بحبله (أو قال) أبو بكرة ورجل آخذ (بخطامه) أي بخطام البعير والشك من عبد الرَّحْمَن أو ممن دونه وتقدم الفرق بين الخطام والزمام (فذكر) حماد بن مسعدة (نحو حديث يزيد بن زريع). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا فقال: ٤٢٥٣ - (٠٠) (٠٠) (حَدَّثني محمَّد بن حاتم بن ميمون) السمين البغدادي صدوق، من (١٠) (حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد) بن فروخ القطَّان البَصْرِيّ (حَدَّثَنَا قرة بن خالد)

стр. 7546

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ هُوَ في نَفْسِي أَفْضَلُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا قُرَّةُ بِإِسْنَادِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ (وَسَمَّى الرَّجُلَ حُمَيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. قَال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ. فَقَال: "أَيُّ يَوْمٍ هذَا؟ " وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ. غَيرَ أَنَّهُ لا يَذْكُرُ "وَأَعْرَاضَكُمْ" وَلَا ــ السدوسي البَصْرِيّ ثِقَة من (٦) (حَدَّثَنَا محمَّد بن سيرين عن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرة وعن رجل آخر هو في نفسي) أي قلبي وظني (أفضل) أي أفقه (من عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرة) أي قال قرة بن خالد: حَدَّثني محمَّد بن عبد الرَّحْمَن وعن رجل أوثق من عبد الرَّحْمَن (ح وحدثنا محمَّد بن عمرو بن جبلة) ويقال له محمَّد بن عمرو بن عباد بن جبلة بن أبي رواد العتكي أبو جعفر البَصْرِيّ صدوق، من (١١) روى عنه في (١١) بابا (وأَحمد بن خراش) ويقال له أَحْمد بن الحسن بن خراش بكسر المعجمة البغدادي صدوق، من (١١) روى عنه في (٨) أبواب (قالا: حَدَّثَنَا أبو عامر) العقدي (عبد الملك بن عمرو) القيسي البَصْرِيّ ثِقَة، من (٩) روى عنه في (٩) أبواب (حَدَّثَنَا قرة) بن خالد وساق أبو عامر الحديث (بإسناد يحيى بن سعيد) القطَّان يعني عن محمَّد عن عبد الرَّحْمَن ورجل آخر عن أبي بكرة غرضه بهذا التحويل بيان متابعة أبي عامر ليحيى بن سعيد القطَّان (و) لكن (سمى) أبو عامر (الرَّجل) الذي أبهمه يحيى بن سعيد في روايته بقوله وعن رجل آخر هو في نفسي أفضل من عبد الرَّحْمَن أي سماه (حميد بن عبد الرَّحْمَن) أي سماه بأنه حميد بن عبد الرَّحْمَن الحميري البَصْرِيّ الفقيه روى عن أبي بكرة وأبي هريرة ويروي عنه (ع) وابن سيرين وقال فيه: هو أفقه أهل البصرة ثِقَة، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبي بكرة) ﵁ وهذان السندان من سداسياته غرضه بيان متابعة قرة بن خالد لعبد الله بن عون (قال) أبو بكرة: (خطبنا رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى (يوم النحر فقال) رسول الله ﷺ : (أي يوم هذا) اليوم الحاضر الذي نحن فيه (وساقوا) هذا تحريف من النساخ والصواب (وساق) أي وساق قرة بن خالد أي ذكر (الحديث بمثل حديث ابن عون غير أنَّه) أي لكن أن قرة بن خالد (لا يذكر) لفظة (وأعراضكم ولا

стр. 7547

يَذْكُرُ: ثُمَّ انْكَفَأَ إلى كَبْشَينِ، وَمَا بَعْدَهُ. وَقَال في الْحَدِيثِ: "كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا. فِي شَهْرِكُمْ هذَا. في بَلَدِكُمْ هذَا إلى يوْمِ تلْقَوْنَ ربَّكمْ. أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَال: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ" ــ يذكر) أَيضًا لفظة (ثم انكفأ إلى كبشين وما بعده) أي وما بعد قوله ثم انكفأ يعني قوله وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا (وقال) أي ذكر قرة أَيضًا (في الحديث) لفظة (كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم) أي إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة هذه المذكورات إلى يوم لقاء ربكم ولقاء الله كناية عن موتهم وقال قرة أَيضًا أي ذكر لفظة (ألا هل بلغت قالوا: نعم قال: اللهم اشهد) وهذا بيان لمحل المخالفة بين قرة وابن عون. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث: الأول: حديث ابن مسعود ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة والثاني: حديث ابن مسعود الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة والثالث: حديث أبي بكرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات. ***

стр. 7548

٦٠٢ - (٤٢) باب صحة الإقرار بالقتل والحث على العفو عنه ودية الجنين وكون دية الخطإ وشبه العمد على العاقلة ٤٢٥٤ - (١٦٢٥) (١٨٨) حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ حَدّثَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدّثَهُ قَال: "إِني لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِيّ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ. فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، هذَا قَتَلَ أَخِي. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَقَتَلْتَهُ؟ " (فَقَال: إنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيهِ الْبَيِّنَةَ) قَال: نَعَمْ قَتَلْتُهُ ــ ٦٠٢ - (٤٢) باب صحة الإقرار بالقتل والحث على العفو عنه ودية الجنين وكون دية الخطإ وشبه العمد على العاقلة ٤٢٥٤ - (١٦٢٥) (١٨٨) (حَدَّثَنَا عبيد الله بن معاذ العنبري) البَصْرِيّ (حَدَّثَنَا أبي) معاذ بن معاذ البَصْرِيّ (حَدَّثَنَا أبو يونس) البَصْرِيّ حاتم بن أبي صغيرة اسمه مسلم ثِقَة، من (٦) روى عنه في (٦) أبواب (عن سماك بن حرب) بن أوس الذُّهليّ أبي المغيرة الكُوفيّ صدوق من (٤) (أن علقمة بن وائل) بن حجر الكندي الكُوفيّ صدوق من (٣) (حدثه) أي حدث لسماك (أن أباه) أي أن أَبا علقمة وائل بن حجر بن سعد بن مسروق الحضرميّ الكندي الكُوفيّ الصحابي المشهور ﵁ وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وثلاثة بصريون (حدثه) أي حدث علقمةَ (قال) وائل بن حجر: (إنِّي لقاعد) أي لجالس (مع النَّبِيّ ﷺ إذ جاء رجل) لم أر من ذكر اسمه (يقود) أي يجر رجلًا (آخر بنسعة) بكسر النُّون وسكون السين هي جلد من جلود مضفورة جعلها كالزمام له يقوده بها اهـ نووي وقال في مجمع البحار [٢/ ٣٢٥] سير مضفور يجعل زمامًا وغيره وقد ينسج عريضة يجعل على صدر البعير وجمعه نسع وأنساع (فقال) الرَّجل القائد (يَا رسول الله هذا) الرَّجل الذي أقوده (قتل أخي فقال رسول الله ﷺ للمقود (أقتلته) أي هل قتلت أخاه (فقال) القائد: (إنه) أي إن هذا المقود (لو لم يعترف) أي إن لم يعترف ولم يقر قتل أخي (أقمت عليه) أي على هذا المقود (البينة) تشهد عليه قتل أخي وهذا قول القائد الذي هو ولي القتيل أدخله الراوي بين سؤال النَّبِيّ ﷺ وبين جواب القاتل يريد أنَّه لا مجال له في الإنكار (قال) المقود (نعم قتلته) أي قتلت أخاه يَا رسول الله وهذا

стр. 7549

قَال: "كَيفَ قَتَلْتَهُ؟ " قَال: كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِنْ شَجَرَةٍ. فَسَبَّنِي فَأَغْضَبَنِي. فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأسِ عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلْتُهُ. فَقَال لَهُ النَّبِيّ ﷺ : "هَل لَكَ مِنْ شَيءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ؟ " قَال: مَا لِي مَالٌ إلَّا كِسَائِي وَفَأسِي. قَال: "فَتَرَى قَوْمَكَ يَشْتَرُونَكَ؟ " ــ موضع الترجمة من الحديث ثم سأله رسول الله ﷺ عن كيفية قتله فـ (ـقال) له (كيف قتلته) أي بأي كيفية قتلته (قال) القاتل: (كنت أنا وهو) أي أخو المقتول (نختبط) أي نسقط الخبط (من شجرة) سمرة والخبط بفتحتين ورق السمر والاختباط أن يضرب الشجر بالعصا فيسقط ورقه فيجمعه علفًا للمواشي (فسبني) أي شتمني أخوه (فأغضبني) بشتمه (فضربته بالفأس على قرنه) أي على جانب رأسه أما الفأس فهو سلاح معروف يصنع لقطع الخشب ونحوه ثم ربما يستعمل للقتل وأما القرن فقد فسره النووي بجانب الرأس كما ذكرنا وقيل: إنه أعلى الرأس والأصل أن يستعمل في كلا المعنيين فربما يراد به موضع القرن من الحيوان وهو جانبا الرأس وربما يراد الجانب الأعلى من الرأس راجع تاج العروس [٩/ ٣٠٥] (فقتلته فقال له النَّبِيّ ﷺ : هل لك من شيء) من المال (تؤديه) أي تعطيه لولي الدم في الدية فداء (عن نفسك) أي بدلًا عن قتلها قصاصًا يعني صلحًا عن القصاص وفي سؤاله ﷺ القاتل عن ذلك دليل للحنفية والمالكية في أن ولي القتيل لا يستبد بإيجاب الدية على القاتل وإنما يشترط له رضاء القاتل وكذا قال الثَّوريّ وقال الشَّافعيّ وأَحمد: إن المخير بين القود وأخذ الدية هو الولي فإن اختار الدية بدل القصاص فالقاتل مجبور على أدائها واستدلوا بما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة وفيه (من قتل له قتيل بخير النظرين إما أن يفدي واما أن يقتل) وهذا لفظ مسلم في الحج ولفظ البُخَارِيّ في باب كتابة العلم (فمن قتل فهو بخير النظرين إما أن يعقل وإما أن يقاد أهل القتيل) وحجة الحنفية والمالكية حديث الباب حيث لم يسأل الولي هل يريد القصاص أو الدية وإنما سأل القاتل هل يستطيع الدية فلما أبي الدية دفعه إلى الولي لأخذ القود ولو كان الولي مستبدًا بأخذ الدية لسأله دون القاتل (قال) القاتل: (ما لي مال) قليل ولا كثير (إلا كسائي) الذي ألبسه وهو ثوب غليظ مخطط من صوف (وفأسي) الذي أخبط به (قال) له رسول الله ﷺ : أ (فترى) وتظن بتقدير همزة الاستفهام (قومك يشترونك)

стр. 7550

قَال: أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَاكَ. فَرَمَى إِلَيهِ بِنِسْعَتِهِ. وَقَال: "دُونَكَ صَاحِبَكَ". فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ. فَلَمَّا وَلَّى قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ" فَرَجَعَ. فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ: "إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ" وَأَخَذْتُهُ بِأَمْرِكَ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ ــ من ولي الدم يخلصونك من القتل قصاصًا بأداء الدية عنك يعني يفادونك وينقذونك من القصاص بإعطائهم الدية عنك (قال) القاتل: (أنا أهون) وأحقر (على قومي) أي عند قومي (من ذاك) أي من شرائي وخلاصي من القتل بدفع الدية عني (فرمى) النَّبِيّ ﷺ (إليه) أي إلى قائده (بنسعته) أي بحبله الذي يقوده به (وقال) ﷺ للقائد: (دونك) أي خذ (صاحبك) الذي تقوده فافعل به ما شئت وهذا إذن منه ﷺ له باستيفاء حقه يعني خذ صاحبك فاستقد منه إن شئت قال الأبي: تمكين الولي من الدم إنما هو بعد إثبات مقدماته كرؤية جسد القتيل وأن هذا وليه وأنه أحق به ولا ولي له غيره وغير ذلك وهذا كله لم يذكر في الحديث فلعله علمه ﷺ ولم يذكره الرواة (فانطلق) بصيغة الماضي أي ذهب (به) أي بالقاتل (الرَّجل) القائد يعني ولي الدم (فلما ولى) ذلك الرَّجل القائد به وأدبر (قال رسول الله ﷺ لمن عنده: (إن قتله) أي إن قتل هذا القائد القاتل الذي يقوده (فهو) أي فهذا القائد (مثله) أي مثل القاتل في أنَّه لا فضل ولا منة لأحدهما على الآخر لأنه استوفى حقه منه بخلاف ما لو عفا عنه فإنَّه كان له الفضل والمنة وجزيل ثواب الآخرة وجميل الثناء في الدنيا أو المعنى فهو مثله في أنَّه قاتل وإن اختلفا في التحريم والإباحة لكنهما استويا في طاعة الغضب ومتابعة الهوى اهـ نووي فهذا هو المقصود بهذا الكلام لكن ظاهره يوهم أن الولي يستحق العذاب كما يستحق القاتل ولعل رسول الله ﷺ استعمل هذا الكلام الموهم لترغيب الولي في العفو لأن في العفو مصلحة للجانبين فإن القاتل ينجو من الموت والولي يستحق بذلك الأجر وقوله: (فرجع) معطوف على محذوف تقديره فأبلغ رجل من الحاضرين عند النَّبِيّ ﷺ إلى الرَّجل القائد كلام النَّبِيّ ﷺ فرجع الرَّجل القائد بالقاتل إلى النَّبِيّ ﷺ (فقال) له (يَا رسول الله إنه بلغني أنك قلت) في شأني (إن قتله فهو مثله و) قد (أخذته بأمرك) وإذنك حين قلت لي دونك صاحبك فماذا تأمرني الآن (فقال) له (رسول الله ﷺ : أما تريد أن يبوء)

стр. 7551

بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ؟ " قَال: يَا نَبِيَّ اللهِ، (لَعَلَّهُ قَال) بَلَى. قَال: "فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاكَ". قَال: فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ. ٤٢٥٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا ــ ويرجع إلى النَّار (بإثمك) أي بإثم إذايتك بقتل أخيك وإدخال الحزن عليك (و) بـ (ـإثم) قتل (صاحبك) أي أخيك أراد بالصاحب هذا المقتول قال ابن الأثير: البوء أصله اللزوم فيكون المعنى أن يلتزم ذنبك وذنب أخيك ويتحملهما وقال النووي: قيل: معناه يتحمل إثم المقتول بإتلافه مهجته وإثم الولي لكونه فجعه في أخيه والمراد أن القاتل قد استحق إثم قتل أخيك وإثم إيذائك بقتله وأنه يعاقب بذلك في الآخرة على كل حال فلو أخذت منه القصاص زدت عليه عقابًا في الدنيا أفلا تكتفي بعقاب الآخرة وتعفو عنه في الدنيا وعبارة القرطبي هنا قوله: (أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك) أي ينقلب ويرجع وأكثر ما يستعمل باء بكذا في الشر ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة / ٩٠] ويعني بذلك والله تعالى أعلم أن المقتول ظلمًا تغفر له ذنوبه عند قتل القاتل له والولي يغفر له عند عفوه عن القاتل فصار ذهاب ذنوبهما بسبب القاتل فلذلك قيل عنه إنه باء بذنوب كل واحد منهما هذا أحسن ما قيل فيه والله أعلم اهـ من المفهم (قال) القائد: (يَا نبي الله) قال الراوي: (لعله) أي لعل القائد (قال): يَا نبي الله (بلى) أريد أن يبوء بإثمي وإثم صاحبي وهذا جواب من القائد لاستفهامه ﷺ بقوله: أما تريد إلخ ... لكن على يقين من الراوي في زيادته على قوله: (يَا نبي الله) ﷺ لأنه شك في قوله: لفظة بلى (قال) رسول الله ﷺ للقائد: (فإن ذاك) القاتل يكون (كذاك) أي يبوء بإثمك وإثم صاحبك إلى النَّار (قال) الراوي وائل بن حجر: (فرمى) القائد (بنسعته) أي بحبله أي بالحبل الذي يقود به القاتل (وخلَّى سبيله) أي ترك طريق القاتل أي تركه ماشيًا حيث شاء لأنه عفا عنه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [٤٤٩٩ - ٤٥٠١] , والنَّسائيّ [١/ ١٥ و ١٦]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث وائل بن حجر ﵁ فقال: ٤٢٥٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمَّد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي (حَدَّثَنَا

стр. 7552

سَعِيدُ بْنُ سُلَيمَانَ. حَدَّثَنَا هُشَيمٌ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا. فَأَقَادَ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ مِنْهُ. فَانْطَلَقَ بِهِ وَفِي عُنُقِهِ نِسْعَةٌ يَجُرُّهَا. فَلَمَّا أَدْبَرَ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النَّارِ" ــ سعيد بن سليمان) الضَّبِّيّ أبو عثمان الواسطيّ نزيل بغداد لقبه سعدويه روى عن هشيم في الديات والليث بن سعد وعبد العزيز الماجشون وغيرهم ويروي عنه (ع) ومحمَّد بن حاتم وابن معين ومحمَّد بن يحيى وخلق قال أبو حاتم: ثِقَة، مأمون وقال العجلي: واسطيّ ثِقَة وقال ابن سعد: كان ثِقَة كثير الحديث وذكره ابن حبان في الثِّقات وقال في التقريب: ثِقَة، حافظ من كبار العاشرة مات سنة (٢٢٥) خمس وعشرين ومائتين وله مائة سنة (١٠٠) (حَدَّثَنَا هشيم) بن بشير الواسطيّ ثِقَة، من (٧) (أخبرنا إسماعيل بن سالم) الأسدي أبو يحيى الكُوفيّ ثم البغدادي روى عن علقمة بن وائل في الديات وسعيد بن جبير وعدة ويروي عنه (م د س) وهشيم وأبو عوانة وسعد بن الصلت له في مسلم فرد حديث غريب وثقه أبو علي الحافظ والدارقطني وابن خراش والنَّسائيّ وابن سعد وابن معين وأَحمد وغيرهم وقال في التقريب ثِقَة، ثبت من السادسة (عن علقمة بن وائل) بن حجر (عن أَبيه) وائل بن حجر ﵁ وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة إسماعيل بن سالم لسماك بن حرب (قال) وائل بن حجر (أتي) بالبناء للمجهول (رسول الله ﷺ برجل قتل رجلًا) آخر (فأقاد ولي المقتول) أي حكم النَّبِيّ ﷺ لولي المقتول القود والاقتصاص ومكنه (منه) أي من القاتل بدفعه إليه حين قال دونك صاحبك (فانطلق) أي ذهب القائد (به) أي بالقاتل (وفي عنقه) أي والحال أن في عنق القاتل (نسعة) أي حبل (يجرها) أي يجره بها ليقتله (فلما أدبر) القائد أي ولّى دبره إلى النَّبِيّ ﷺ (قال رسول الله ﷺ : القاتل) من هذين الرجلين وهو القائد وهو ولي الدم (والمقتول) وهو الجاني الذي وجب عليه القود كلاهما (في النَّار) القاتل الذي هو مستحق الدم يستحق النَّار بسبب إغضابه ﷺ وإبائه من العفو بعد عرضه عليه العفو مرات والمقتول الذي هو الجاني يستحق النَّار بسبب قتله أخا القائد ظلمًا فالمراد بالقاتل مستحق القصاص وبالمقتول الجاني الذي وجب عليه القصاص ويدل لهذا المعنى رواية أبي داود لهذا الحديث عن وائل بن

стр. 7553

فَأَتَى رَجُلٌ الرَّجُلَ فَقَال لَهُ مَقَالةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَخَلَّى عَنْهُ. قَال إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ: فَذَكَرْتُ ذلِكَ ــ حجر وذكر فيه ما يدل على أن النَّبِيّ ﷺ قصد تخليصه فعرض الدية أو العفو على الولي ثلاث مرات والولي في كل ذلك يأبى إلَّا القتل معرضًا عن شفاعة النَّبِيّ ﷺ وعن حرصه على تخليص الجاني من القتل فكأن الولي صدر منه جفاء في حق النَّبِيّ ﷺ حيث رد أكيد شفاعته وخالفه في مقصودة ويظهر هذا من مساق الحديث وذلك أن وائل بن حجر قال: كنت عند النَّبِيّ ﷺ إذ جيء برجل قاتل في عنقه نسعة قال: فدعا ولي المقتول فقال: أتعفو قال: لا فقال: أتأخذ الدية قال: لا قال: أتقتل قال: نعم قال: فاذهب به فلما ولى قال أتعفو قال: لا قال: أفتأخذ الدية قال: لا قال: أفتقتل قال: نعم قال: اذهب به فلما كان في الرابعة قال: أما إنك إذ عفوت عنه يبوء بإثمه وإثم صاحبك قال: فعفا عنه فهذا المساق يفهم منه صحة قصد النَّبِيّ ﷺ لتخليص ذلك القاتل وتأكيد شفاعته له في العفو أو قبول الدية فلما لم يلتفت الولي إلى ذلك كله صدرت منه ﷺ تلك الأقوال الوعيدية مشروطة باستمراره على لجاجه ومضيه على جفائه فلما سمع الولي ذلك القول عفا وأحسن فقبل وأكرم وهذا أقرب التأويلات في حل هذه المشكلات التي صدرت في هذا المقام وهذا هو الذي أشار إليه ابن أشوع حيث قال: إن النَّبِيّ ﷺ سأله أن يعفو فأبى (تنبيه) إنما عظم الإشكال من جهة قوله ﷺ : (القاتل والمقتول في النَّار) ولما كان ذلك قال بعض العلماء: إن هذا اللفظ يعني قوله: (القاتل والمقتول في النَّار) إنما ذكره النَّبِيّ ﷺ في حديث آخر وهو قوله ﷺ : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النَّار فوهم بعض الرواة فضمه إلى هذا الحديث الآخر (قلت) وهذا فيه بعد والله تعالى أعلم اهـ من المفهم (فأتى رجل) من الحاضرين عند رسول الله ﷺ (الرَّجل) القائد (فقال) الرَّجل الحاضر (له) أي للقائد أي أخبر له (مقالة رسول الله ﷺ يعني قوله: القاتل والمقتول في النَّار (فخلى) القائد سبيله (عنه) أي عن الجاني الذي يقوده للقتل أي تركه وعفا عنه. (قال إسماعيل بن سالم) الأسدي الكُوفيّ بالسند السابق: (فدكرت ذلك) الحديث

стр. 7554

لِحَبِيب بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، فَقَال: حَدَّثَنِي ابْنُ أَشْوَعَ؛ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ إِنَّمَا سَأَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ فَأَبَى ــ الذي سمعته من علقمة بن وائل (لحبيب بن أبي ثابت) قيس أو هند بن دينار الأسدي الكُوفيّ ثِقَة من (٣) روى عنه في (١٥) بابا (فقال) حبيب بن أبي ثابت: (حَدَّثني) سعيد بن عمرو (بن أشوع) بوزن أَحْمد الهمداني الكُوفيّ قاضيها ثِقَة، من (٦) (أن النَّبِيّ ﷺ إنما سأله) أي سأل القاتل الذي هو ولي الدم (أن يعفو عنه) أي عن الجاني الذي قتل أخاه (فأبى) ذلك القاتل الذي هو ولي الدم من العفو وامتنع منه فأغضب النَّبِيّ ﷺ بإبائه عن العفو فكان في النَّار لو استمر على ذلك الإباء فهذا يطابق تفسيرنا وحلنا ويؤيده وهذا هو التأويل الحق قال الأبي: وكون القاتل في النَّار لأمر آخر علمه النَّبِيّ ﷺ لا من أَجل اقتصاصه فإنَّه أمر مأذون فيه أو لأنه استحق ذلك بإغضابه ﷺ لإبائه العفو وقد أمره النَّبِيّ ﷺ على ما يدل عليه كلام ابن أشوع قوله: (فقال: حَدَّثني ابن أشوع) الخ .. ذكر في الخلاصة أن حبيب بن أبي ثابت وابن أشوع ماتا في حدود العشرين ومائة وذكر لحبيب روايته عن الصَّحَابَة مثل زيد بن أرقم وابن عباس وابن عمر وغيرهم وعن التابعين ولم يذكر لابن أشوع إلَّا روايته عن الشعبي وأبي سلمة وأبي بردة وهؤلاء كلهم تابعون ليس فيهم صحابي فتحديث حبيب عنه تحديث الأكبر عن الأصغر على أن قوله: إن النَّبِيّ ﷺ إنما سأله أن يعفو عنه إرسال منه اهـ من بعض الهوامش. قال النووي: وفي هذا الحديث الإغلاظ على الجناة وربطهم وإحضارهم إلى ولي الأمر وفيه سؤال المدعى عليه عن جواب الدعوى فلعله يقر فيستغني المدعي والقاضي عن التعب في إحضار الشهود وتعديلهم لأن الحكم بالإقرار حكم بيقين وبالبينة حكم بالظن وفيه سؤال الحاكم وغيره الولي عن العفو عن الجاني وفيه جواز العفو بعد بلوغ الأمر إلى الحاكم وفيه جواز أخذ الدية في قتل العمد لقوله ﷺ في تمام الحديث (هل لك من شيء تؤديه عن نفسك) وفيه قبول الإقرار بقتل العمد اهـ قال القرطبي: قوله: (هذا قتل أخي فقال رسول الله ﷺ : أقتلته) فيه من الفقه سماع دعوى المدعي في الدم قبل إثبات الموت والولاية ثم لا يثبت الحكم حتَّى يثبت كل ذلك فإن قيل: قد حكم النَّبِيّ ﷺ على القاتل في هذا الحديث من غير إثبات ولاية المدعي فالجواب إن ذلك كان معلومًا عنده النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم

стр. 7555

٤٢٥٦ - (١٦٢٦) (١٨٩) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ امْرَأَتَينِ ــ وعند غيره فاستغنى عن إثباته لشهرة ذلك وفيه استقرار المدعى عليه بعد سماع الدعوى لإمكان إقراره فتسقط وظيفة إقامة البينة عن المدعي كما وقع في هذا الحديث (قوله: لو لم يعترف أقمت عليه البينة) فيه بيان الأصل في ثبوت الدماء الإقرار أو البينة وأما القسامة فعلى خلاف الأصل كما تقدم وفيه استقرار المحبوس والمتهدد وأخذه بإقراره وقوله: (كيف قتلته) سؤال استكشاف عن حال القتل لإمكان أن يكون خطأ أو عمدًا ففيه من الفقه وجوب البحث عن تحقيق الأسباب التي تنبني عليها الأحكام ولا يكتفى بالإطلاق وهذا كما فعله النَّبِيّ ﷺ مع ماعز حين اعترف على نفسه بالزنا على ما يأتي وقوله: (هل لك من شيء تؤديه عن نفسك) يدل على أنَّه ﷺ قد ألزمه حكم إقراره وأن قتله كان عمدًا إذ لو كان خطأ لما طالبه بالدية ولطولب بها العاقلة ويدل على هذا أيضًا قوله: (أترى قومك يشترونك) لأنه لما استحق أولياء المقتول نفسه بالقتل العمد صاروا كالمالكين له فلو دفع أولياء القاتل عنه عوضًا فقبله أولياء المقتول لكان ذلك كالبيع وهذا كله إنما عرضه النَّبِيّ ﷺ على القاتل بناء منه على أنَّه إذا تيسر له ما يؤدي إلى أولياء المقتول سألهم في العفو عنه ففيه من الفقه السعي في الإصلاح بين النَّاس وجواز الاستشفاع وإن رفعت حقوقهم إلى الإِمام بخلاف حقوق الله تعالى فإنَّه لا تجوز الشفاعة فيها إذا بلغت الإِمام قوله: (ما لي مال إلَّا كسائي وفأسي) فيه من الفقه أن المال يقال على كل ما يتمول من العروض وغيرها وأن ذلك ليس مخصوصًا بالإبل ولا بالعين إلى غير ذلك والله أعلم اهـ من المفهم. ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٤٢٥٦ - (١٦٢٦) (١٨٩) (حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى) التَّمِيمِيّ النَّيسَابُورِيّ (قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة) بن عبد الرَّحْمَن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلَّا يحيى بن يحيى (أن امرأتين) اسم إحداهما مليكة والأخرى أم غطيف وكانتا ضرتين تحت حمل بن مالك بن النابغة الهذلي كذا أخرجه أبو داود عن ابن عباس ﵄ وقيل: إن الأخرى أم

стр. 7556

مِنْ هُذَيلٍ، رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأخرَى، فَطَرَحَت جَنِينَهَا. فَقَضَى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ، بِغُرَّةٍ: عبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ــ عفيف بنت مسروح كذا أخرجه الطَّبْرَانِيّ بطريق ضعيف كما في مجمع الزوائد [٦/ ٣٠٠] وذكر الحافظ في ترجمة أم عفيف من الإصابة [٤/ ٤٥٦] أن أم عفيف يقال لها أم غطيف أَيضًا ولكن ذكر في ترجمة مليكة أن كنيتها أَيضًا أم عفيف وقيل أم غطيف والله أعلم (من هذيل) كذا في أكثر الروايات وفي الرواية الآتية عند المصنف أن المصابة كانت من بني لحيان ولحيان بطن من هذيل كما صرح به الحافظ في الفتح [١٢/ ٢٤٧] فلا تعارض ووقع في رواية للطبراني إحداهما هذلية والأخرى عامرية كما في مجمع الزوائد [٦/ ٣٠٠] وفي رواية أخرى له عن ن مالك كان له امرأتان لحيانية ومعاوية كما في الإصابة [٣/ ٢٨] في ترجمة عمران بن عويم (رمت إحداهما الأخرى) بحجر وفي حديث حمل بن مالك المذكور عند الطَّبْرَانِيّ أنهما اجتمعتا معًا فتغايرتا فرفعت المعاوية حجرًا فرمت به اللحيانية وهي حبلى فضربت المعاوية على بطن اللحيانية (فطرحت) أي أسقطت المضروبة التي هي اللحيانية (جنينها) أي ألقته ميتًا يعني أنها ضربت على بطنها فسقط جنينها أي جنين المضروبة أي خرج منها جنينها ميتًا والجنين حمل المرأة ما دام في بطنها سمي بذلك لاجتنانه أي لاستتاره ومنه سمي الجن جنًا لاستتارهم عن بني آدم فإن خرج حيًّا فهو ولد أو ميتًا فهو سقط بكسر السين وسكون القاف وقد يطلق عليه جنين أَيضًا وقال الباجي في شرح الموطإ: الجنين ما ألقته المرأة مما يعرف أنَّه ولد سواء كان ذكرًا أو أنثى ما لم يستهل صارخًا كذا في فتح الباري [١٢/ ٢٤٧] ووقع في رواية ابن عباس عند أبي داود أنها قد أسقطت غلامًا قد نبت شعره (فقضى) رسول الله ﷺ أي حكم فيه) أي في جنينها (النَّبِيّ ﷺ بغرة) أي برقيق وقوله: (عبد أو أمة) بدل من غرة أو عطف بيان لها إذا قرأنا بتنوين غرة وروى بعضهم بإضافة غرة إلى ما بعدها وأو هنا للتنويع لا للشك فإن كلًّا من العبد والأمة يقال له غرة إذ الغرة اسم للإنسان المملوك سمي غرة لأنه خيار مال الشخص والمراد بها هنا ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية الكاملة من العبيد والإماء وإنما تجب الغرة في الجنين إذا سقط ميتًا فإن سقط حيًّا ثم مات ففيه الدية الكاملة كما في كتب الفروع وأقل من الغرة عند الشَّافعيّ على أحد قوليه سبع سنين.

стр. 7557

٤٢٥٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أبي هُرَيرَةَ؛ أَنَّهُ قَال: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ في جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ، سَقَطَ مَيِّتًا، بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ. ثمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قضى عَلَيهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ ــ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أَحْمد [٢/ ٤٣٨ و ٥٣٥] , والبخاري [٦٩١٠] وأبو داود [٤٥٧٦ و ٤٥٧٩] , وابن ماجه [٢٦٣٩ و ٢٦٤١]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٤٢٥٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا قتيبة بن سعيد) بن طريف الثَّقَفيّ البلخي (حَدَّثَنَا ليث) بن سعد المصري (عن ابن شهاب عن) سعيد (بن المسيّب) المخزومي المدنِيُّ ثِقَة، من (٢) (عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من خماسياته غرضه بيان متابعة سعيد بن المسيّب لأبي سلمة (أنَّه) أي أن أَبا هريرة (قال: قضى) أي حكم وألزم وأوجب (رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان) بكسر اللام على المشهور ورُوي فتحها ولحيان بطن من هذيل اهـ نووي (سقط) أي خرج ذلك الجنين من بطن أمه (ميتًا) لا حيًّا أي قضى فيه (بغرة عبد أو أمة) بدل من غرة قيمته نصف عشر الدية الكاملة وهو خمسة أبعرة أقل سِنِّه سبع سنين على ما قاله الشَّافعيّ (ثم إن المرأة التي قضى عليها) أي قضى لها في جنينها (بالغرة) وهي المجني عليها أم الجنين لا الجانية أفاده النووي. وظاهر قوله: (ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة) (توفيت) أي ماتت أن المتوفاة هي الجانية ولكنه غير مراد فإن التي توفيت هي المجني عليها بدليل الرواية الآتية حيث صرحت أن الجانية قتلتها وما في بطنها فيكون المراد بقوله: (التي قضى عليها) أي التي قضى لها بالغرة نبَّه عليه القاضي عياض والنووي (قلت): ولا مانع من أن تكون الجانية توفيت أَيضًا بعد قتلها ضرتها وبه جزم الموفق ابن قدامة في المغني [٩/ ٥١٥] وحينئذٍ لا حاجة إلى ما ذكره القاضي والنووي من التأويل ويحتمل أن لا يكون مراد الراوي وفاتها فور غرامتها الدية وإنما مراده أنها لما توفيت بعد ذلك طلبت عاقلتها أن يكون لهم ميراثها لأنهم تحملوا عنها دينها فقضى رسول الله ﷺ بأن الميراث لا يكون إلَّا للبنين والزوج يعني الورثة المعروفين وإن كانت الدية تتحملها العاقلة بأجمعها

стр. 7558

فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا. وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا. ٤٢٥٨ - (٠٠) (٠٠) وحدثني أَبُو الطَّاهِرِ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. ح وَحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَال: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيلٍ. فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا. وَمَا في بَطْنِهَا. فَاخْتَصَمُوا ــ وإلى هذا المعنى أشار صاحب بذل المجهود [٥/ ١٨٤] والله أعلم (فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها) أي بأن ميراث المجني عليها المقتولة فالضمير في قوله ميراثها عائد على المجني عليها يدل عليه ما أخرجه أبو داود في رقم [٤٥٧٥] عن جابر وفيه (فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عاقلة القاتلة فقال عاقلة المقتولة: ميراثها لنا فقال رسول الله ﷺ : لا ميراثها لزوجها وولدها) أي (لبنيها وزوجها وأن العقل) أي دية المقتولة (على عصبتها) أي على عصبة القاتلة فالضمير ها هنا يعود إلى الجانية فوجبت على عاقلة الجانية غرة لقتل الجنين ودية كاملة لقتل أمه وإنما ألزمت الدية دون القصاص لكون القتل شبه العمد. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٤٢٥٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو الطاهر) أَحْمد بن عمرو الأُموي المصري (حدثنا) عبد الله (بن وهب) المصري (ح وحدثنا حرملة بن يحيى) بن عبد الله (التجيبي) بضم التاء وكسر الجيم نسبة إلى تجيب وهي قبيلة سميت باسم امرأة وهي القبيلة التي قال فيها رسول الله ﷺ تجيب أجابت الله ورسوله وهذه القبيلة نزلت مصر وبالفسطاط محلة نسبت إليهم المصري (أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس) بن يزيد الأُموي الأيلي (عن ابن شهاب عن ابن المسيّب وأبي سلمة) بن عبد الرَّحْمَن (أن أَبا هريرة) ﵁ وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة يونس بن يزيد لمالك بن أنس وليث بن سعد (قال) أبو هريرة: (اقتتلت) أي تضاربت (امرأتان من هذيل فرمت إحداهما) وهي المعاوية (الأخرى) وهي اللحيانية (بحجر فقتلتها) أي فقتلت المعاوية اللحيانية (وما في بطنها) أي وما في بطن اللحيانية من الجنين (فاختصموا) أي فاختصم

стр. 7559

إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ: عبدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ. وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ َعَلَى عَاقِلَتِهَا. وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ. فَقَال حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ: ــ أولياء المرأتين (إلى رسول الله ﷺ وترافعوا إليه ليحكم بينهم (فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة) معطوف على عبد رفعًا وخفضًا وأو فيه للتنويع أو للتخيير لا للشك وكذلك فهمه مالك وقد جاء في بعض ألفاظه (أو أمة) مكان وليدة ويعني بالوليدة الأمة وغزة المال خياره قال ابن فارس: غرة كل شيء أكرمه وأنفسه وقال أبو عمرو: معناه الأبيض ولذلك سميت غرة (وقضى بدية المرأة) المجني عليها وهي اللحيانية المقتولة (على عاقلتها) أي على عاقلة المرأة الجانية القاتلة وهي المعاوية وهذا الحديث أصل في وجوب الدية على العاقلة إذا كان القتل خطأ أو شبه عمد ثم اختلفوا في تعيين مصداق العاقلة فقال الشَّافعيّ وأَحمد: إن العاقلة هم عصبة القاتل على كل حال ولا يعتبر أن يكونوا وارثين في الحال بل متى كانوا يرثون لولا الحجب عقلوا كذا في المغني لابن قدامة [٩/ ٥١٦] وقال أبو حنيفة: إن العاقلة هم الذين يتناصر بهم القاتل وكان التناصر في عهد رسول الله ﷺ بالقبائل فكانت عاقلة الرَّجل قبيلة ثم تغير الوضع حين وضع عمر الديوان فصار التناصر بأهل الديوان فأصبح أهل الديوان عاقلة واستدل الشافعية بأن العقل كان على عشيرة القاتل في عهد النَّبِيّ ﷺ ولا نسخ بعده (وورثها) أي ورث المقتولة (ولدها) أي أولادها (ومن معهم) من الزوج والوالدين أي حكم النَّبِيّ ﷺ إرث المقتولة وهي اللحيانية لولدها ومن معهم استدل به الشَّافعيّ على أن ولد الجاني ووالده لا يدخلون في العاقلة وإنما العاقلة العمومة وأولادهم وهو رواية عن أَحْمد ووجه الاستدلال أنَّه ذكر ولدها في مقابلة العاقلة فدل على أن الولد ليس من العاقلة وأصرح منه ما أخرجه أبو داود عن جابر أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد قال: فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها قال: فقال عاقلة المقتولة ميراثها لنا قال: فقال رسول الله ﷺ : لا ميراثها لزوجها وولدها (فقال حمل) بفتح الحاء والميم ابن مالك (بن النابغة) نسب إلى جده لشهرته به (الهذلي) نسبة إلى هذيل قبيلة

стр. 7560

يَا رَسُولَ اللهِ، كَيفَ أَغْرَمُ مَنْ لا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ؟ فَمِثْلُ ذلِكَ يُطَلُّ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّما هذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ"، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ ــ المقتتلتين (يَا رسول الله كيف أغرم) والغرم أداء شيء لازم قال في المصباح: غرمت الدية والدين وغير ذلك أغرم من باب تعب غرمًا بالضم ومغرمًا وغرامة اهـ أي كيف أغرم دية (من لا شرب) شرابًا أي جنينًا لم يشرب شرابًا (ولا أكل) طعامًا (ولا نطق) كلامًا (ولا استهل) أي ولا رفع صوتًا عند الولادة ليعرف أنَّه مات بعد أن كان حيًّا والاستهلال رفع الصوت عند الولادة (فمثل ذلك) الجنين الموصوف بما ذكر (يطل) بضم الياء وفتح الطاء على صيغة المجهول أي يهدر ولا يضمن يقال: طل دمه بضم الطاء إذا أهدر وطله الحاكم أهدره ويقال: أطله أَيضًا فطل هو وأطل مبنيين للمفعول كما في المصباح وذكر النووي رواية بطل بالباء بصيغة الماضي من البطلان وإنما غرم حمل بن النابغة زوج القاتلة لكونه من عصبتها (فقال رسول الله ﷺ في حمل بن النابغة: (إنما هذا من إخوان الكهان) أي من المتشبهين بهم يعني لمشابهة كلامه كلامهم في السجع وقوله: (من أَجل سجعه الذي سجع) إدراج من الراوي للتفسير والتعليل لقول النَّبِيّ ﷺ له ذلك الكلام والسجع هو تناسب آخر الكلمات في النثر لفظًا وأصله الاستواء وفي اصطلاح البديعيين الكلام المقفى بقافية مخصوصة في النثر والجمع أسجاع وأساجع. قال ابن بطال: فيه ذم الكفار ومن تشبه بهم في ألفاظهم وقد تمسك به من كره السجع في الكلام وليس على إطلاقه بل المكروه منه ما يقع مع التكلف في معرض مدافعة الحق وأما ما يقع اتفاقًا بلا تكلف في الأمور المباحة فجائز وعلى ذلك يحمل ما ورد منه ﷺ كذا في فتح الباري كتاب الطب [١٠/ ٢١٨] قال النووي: قال العلماء: إنما ذم سجعه لوجهين: أحدهما: أنَّه عارض به حكم الشرع ورام إبطاله والثاني: أنَّه تكلفه في مخاطبته وهذان الوجهان من السجع مذمومان وأما السجع الذي كان النَّبِيّ ﷺ يقوله في بعض الأوقات وهو مشهور في الحديث فليس من هذا لأنه لا يعارض حكم الشرع ولا يتكلفه فلا نهي فيه بل هو حسن ويؤيد ما ذكرنا من التأويل قوله ﷺ كسجع الأعراب فأشار إلى أن بعض السجع هو

стр. 7561

٤٢٥٩ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ. وَقَال: فَقَال قَائِلٌ: كَيفَ نَعْقِلُ؟ وَلَمْ يُسَمِّ حَمَلَ بْنَ مَالِكٍ. ٤٢٦٠ - (١٦٢٧) (١٩٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيدٍ بْنِ نُضَيلَةَ ــ المذموم اهـ منه يعني بذلك أنَّه تشبه بالكهان فسجع كما يسجعون حين يخبرون عن المغيبات كما قد ذكر ابن إسحاق من سجع شق وسطيح "هما كاهنان من كهان العرب" وغيرهما وهي عادة مستمرة في الكهان. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٤٢٥٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عبد بن حميد) بن نصر البَصْرِيّ الكسي ثِقَة، من (١١) (أخبرنا عبد الرَّزّاق) بن همام الصَّنْعانِيّ (أخبرنا معمر) بن راشد الأَزدِيّ البَصْرِيّ (عن الزُّهْرِيّ عن أبي سلمة عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة معمر ليونس بن يزيد (قال) أبو هريرة: (اقتتلت امرأتان وساق) معمر (الحديث) السابق (بقصته ولم يذكر) معمر (وورثها ولدها ومن معهم وقال) معمر في روايته لفظة (فقال قائل) لرسول الله ﷺ : (كيف نعقل) أي نؤدي عقل من لا شرب بدل قوله كيف أغرم (ولم يسم) معمر (حمل بن مالك) المحالم يذكر اسمه وهذا بيان لمحل المخالفة بين رواية معمر ويونس. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث المغيرة بن شعبة ﵄ فقال: ٤٢٦٠ - (١٦٢٧) (١٩٠) (حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي) المروزي (أخبرنا جرير) بن عبد الحميد الضَّبِّيّ الكُوفيّ (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي الكُوفيّ ثِقَة، من (٥) (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النَّخَعيّ الكُوفيّ ثِقَة، من (٥) (عن عبيد بن نضيلة) بالتصغير فيهما كذا وقع مصغرًا في النسخ الخمس الموجودة عندي ولكن ترجمه الحافظ في التهذيب والتقريب والبخاري في التاريخ الكبير باسم (عبيد بن نضلة) بالتكبير لكن راجعت له تهذيب الكمال للمزي فوجدت فيه نضيلة موافقًا لما ذكره

стр. 7562

الْخُزَاعِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. قَال: ضَرَبَتِ امْرأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ وَهِيَ حُبْلَى. فَقَتَلَتْهَا. قَال: وَإحْدَاهُمَا لِحْيَانِيَّةٌ. قَال: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ َعَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ. وَغُرَّةً لِمَا في بَطْنِهَا. فَقَال رَجُلٌ مِنْ عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ: ــ المصنف ثم رأيت ابن حبان ذكره في كتاب الثِّقات باسم عبيد بن نضلة ثم قال: وقد قيل عبيد بن نضيلة الخُزَاعِيّ فتبين أنَّه معروف بكلا الضبطين بالتصغير والتكبير الأَزدِيّ (الخُزَاعِيّ) أبي معاوية الكُوفيّ المقرئ روى عن المغيرة بن شعبة في الديات وابن مسعود ويروي عنه (م عم) وإبراهيم النَّخَعيّ والحسن العرني وثقه النَّسائيّ وقال العجلي: كُوفِيّ تابعي ثِقَة وقال في التقريب: ثِقَة من الثالثة ووهم من ذكر أن له صحبة مات في ولاية بشر على العراف سنة (٧٤) أربع وسبعين له عندهم حديثان (عن المغيرة بن شعبة) بن مسعود الثَّقَفيّ الكُوفيّ الصحابي المشهور ﵁ وهذا السند من سداسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلَّا إسحاق بن إبراهيم (قال) المغيرة: (ضربت امرأة) معاوية (ضرتها) أي زوجة زوجها وهي اللحيانية فكل واحد من زوجتي الرَّجل ضرة للأخرى سميت بذلك لحصول المضارة بينهما في العادة وتضرر كل واحدة بالأخرى (بعمود) أي بخشب (فسطاط) بضم الفاء وكسرها ضرب من الخيام قال العيني في عمدة القاري [١١/ ٢٢٣]: وفي رواية يونس وعبد الرَّحْمَن بن خالد: فرمت إحداهما الأخرى بحجر كما مر وزاد عبد الرَّحْمَن (فأصاب بطنها وهي حامل) وروى أبو داود من طريق حمل بن مالك (فضربت إحداهما الأخرى بمسطح) وفي رواية أبي داود من حديث بريدة أن امرأة خذفت امرأة أخرى (قلت): فتعارضت الروايات بين الحجر والمسطح وعمود فسطاط فإما أن يحمل على أن القاتلة جمعت بينها كلها وإما أن يحمل بعض الروايات على وهم بعض الرواة ومثل ذلك لا يقدح في أصل الحديث والله أعلم اهـ (وهي) أي والحال أن المضروبة (حبلى) أي حامل (فقتلتها) أي فقتلت الضاربة المضروبة (قال) المغيرة: (وإحداهما) وهي المضروبة (لحيانية) أي منسوبة إلى بني لحيان بطن من هذيل (قال) المغيرة: (فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة) وهي اللحيانية (على عصبة القاتلة) أي على عاقلتها وهي المعاوية (و) جعل (غرة لما في بطنها) على عاقلة القاتلة (فقال رجل من عصبة القاتلة) أي من عاقلتها وهو زوجها

стр. 7563

أَنَغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ وَلَا اسْتَهَلَّ؟ فَمِثْلُ ذلِكَ يُطَلُّ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ؟ ". قَال: وَجَعَلَ عَلَيهِمُ الدِّيَةَ. ٤٢٦١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني محمدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ آدمَ. حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيدٍ بْنِ نُضَيلَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ؛ أَنَّ امْرَأَةً قَتَلَتْ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ. فَأُتِيَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَضَى عَلَى عَاقِلَتِهَا ــ حمل بن النابغة (أنغرم) بهمزة الاستفهام التعجبي أي هل نغرم (دية من لا أكل ولا شرب ولا استهل) أي ولا رفع صوته عند الولادة ليعرف أنَّه مات بعد أن كان حيًّا (فمثل ذلك) الجنين (يطل) أي يهدر (فقال رسول الله ﷺ : أسجع) أي هل له سجع (كسجع الأعراب) أي كسجع أهل البوادي وليس بسجع فصحاء العرب وعلى مقاطعه (قال) المغيرة (وجعل) رسول الله ﷺ (عليهم) أي على عاقلة القاتلة (الدية) أي دية المقتولة ودية الجنين. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود والتِّرمذيّ والنَّسائيّ وابن ماجه اهـ تحفة الأشراف. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث المغيرة ﵁ فقال: ٤٢٦١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمَّد بن رافع) القشيري النَّيسَابُورِيّ ثِقَة، من (١١) (حدثني يحيى بن آدم) بن سليمان الأُموي مولاهم أبو زكرياء الكُوفيّ ثِقَة، من (٩) (حدثنا مفضل) بن مهلهل السعدي أبو عبد الرَّحْمَن الكُوفيّ ثِقَة، من (٧) (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي الكُوفيّ ثِقَة، من (٥) (عن إبراهيم) بن يزيد النَّخَعيّ الكُوفيّ (عن عبيد بن نضيلة) الخُزَاعِيّ الكُوفيّ (عن المغيرة بن شعبة) الكُوفيّ ﵁ وهذا السند من سباعياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلَّا محمَّد بن رافع غرضه بيان متابعة مفضل بن مهلهل لجرير بن عبد الحميد (أن امرأة) وهي معاوية (قتلت ضرتها) أي زوجة زوجها وهي لحيانية (بعمود فسطاط) أي خيمة (فأتي فيه) أي في شأن قتلها (رسول الله ﷺ وسئل عن حكمه (فقضى) أي أوجب (على عاقلتها) أي

стр. 7564

بِالدِّيَةِ. وَكَانَتْ حَامِلًا. فَقَضَى فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ. فَقَال بَعْضُ عَصَبَتِهَا: "أَندِي مَنْ لا طَعِمَ وَلَا شَرِبَ وَلَا صَاحَ فَاسْتَهَلَّ؟ فَمِثلُ ذلِكَ يُطَلُّ؟ قَال: فَقَال: "سَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ؟ ". ٤٢٦٢ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ومحمدُ بْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ وَمُفَضَّلٍ ــ على عاقلة القاتلة وعصبتها (بالدية) أي بدية المقتولة (وكانت) المقتولة (حاملًا فقضى في الجنين) أي أوجب على عاقلة القاتلة في جنين المقتولة (بغرة) عبد أو أمة (فقال بعض عصبتها) أي عصبة القاتلة وهو حمل بن النابغة (أندي) بهمزة الاستفهام مضارع مسند إلى جماعة المتكلمين من وداه دية إذا أدى ديته والاستفهام ها هنا للتعجب لا للإنكار فإنَّه لا يظن بالصحابة إنكار ما قضى به النَّبِيّ ﷺ أي أنعطي ونغرم دية (من لا طعم) طعامًا (ولا شرب) شرابًا (ولا صاح فاستهل) عند الولادة فيعرف أنَّه مات بعد أن كان حيًّا فهذا أمر عجيب (فمثل ذلك) الجنين (يطل) بالبناء للمفعول أي يهدر أي لا يضمن قصاصًا ولا دية (قال) المغيرة بن شعبة: (فقال) رسول الله ﷺ : أله (سجع كسجع الأعراب) وحوشية سكان البوادي وفي هذا نوع إنكار على قوله لأن استفهامه كان للإنكار صورة وإن لم يكن قصد ذلك ويؤخذ من جوابه ﷺ هذا أن من تكلم بكلام باطل بالبداهة كمعارضة النص بالعقل لا يلتفت إلى جوابه أو إقامة الدليل بخلافه وإنما سبيل ذلك الإعراض عن دليله أو توجيهه إلى ما يدل على قلة عقله أو أدبه اهـ تكملة. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ فقال: ٤٢٦٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثني محمَّد بن حاتم) بن ميمون البغدادي (ومحمَّد بن بشار) العبدي البَصْرِيّ كلاهما (قالا: حَدَّثَنَا عبد الرَّحْمَن بن مهدي) بن حسان الأَزدِيّ البَصْرِيّ ثِقَة، من (٩) (عن سفيان) بن سعيد الثَّوريّ الكُوفيّ ثِقَة، من (٧) (عن منصور) بن المعتمر (بهذا الإسناد) يعني عن إبراهيم عن عبيد بن نضيلة عن المغيرة بن شعبة وذكر سفيان (مثل معنى حديث جرير ومفضل) غرضه بيان متابعة سفيان لهما. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث المغيرة فقال:

стр. 7565

٤٢٦٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ ومُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ. بِإِسْنَادِهِمُ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. غَيرَ أنَّ فِيهِ: فَأَسْقَطَتْ. فَرُفِعَ ذلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ. وَجَعَلَهُ عَلَى أَوْليَاءِ الْمَرْأَةِ. وَلَمْ يَذْكُرْ في الْحَدِيثِ: دِيَةَ الْمَرْأَةِ. ٤٢٦٤ - (١٦٢٧) (١٩١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ) (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثنَا وَكِيعٌ) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ــ ٤٢٦٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمَّد بن المثنى و) محمَّد (بن بشار) كل من الثلاثة (قالوا: حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر) الهذلي (عن شعبة عن منصور) وذكر شعبة (بإسنادهم) أي بإسناد جرير ومفضل وسفيان (الحديث) السابق (بقصته) غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة شعبة لهؤلاء الثلاثة (غير أن فيه) أي لكن أن في حديث شعبة لفظة (فأسقطت) المرأة المقتولة جنينها (فرفع ذلك) الإسقاط لجنينها وأخبر (إلى النَّبِيّ ﷺ واستفتي فيه (فقضى) رسول الله ﷺ أي أوجب (فيه) أي في جنينها (بغرة) عبد أو أمة (وجعله) أي جعل ذلك المذكور من الغرة (على أولياء المرأة) القاتلة أي على عصباتها وعاقلتها (ولم يذكر) شعبة (في الحديث دية المرأة) المقتولة وهذا بيان لمحل المخالفة بين الروايات. ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر لمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهما فقال: ٤٢٦٤ - (١٦٢٧) (١٩١) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُريب وإسحاق بن إبراهيم واللفظ) الآتي (لأبي بكر قال إسحاق: أخبرنا وقال الآخران: حَدَّثَنَا وكيع عن هشام بن عروة عن أَبيه) عروة بن الزُّبير (عن المسور) بكسر الميم وفتح الواو (بن مخرمة) بفتحتين بينهما خاء ساكنة ابن نوفل القُرشيّ الزُّهْرِيّ المكيّ ﵄ هو وأبوه مخرمة صحابيان وولد المسور بمكة في السنة الثَّانية من الهجرة فتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان سنين وكان ممن يلزم عمر بن الخطاب ﵁ تُوفِّي مع ابن الزُّبير سنة ثلاث وسبعين يقال إنه أصابه المنجنيق وهو يصلي في الحجر
следующие страницы →