حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ -يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ- عَنِ ابن جَابِرٍ، قَال: حَدَّثَنِي عُمَيرُ بْنُ هَانِئٍ،
ــ
من شعبان سنة (٢٣٩) تسع وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الوضوء وفي الصَّلاة في موضعين والجنائز والبيوع واللباس والصوم، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعة.
قال داود (حدَّثنا الوليد) بن مسلم القرشي الأموي مولاهم أبو العباس الدّمشقيّ عالم الشام، روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر والأوزاعي وشيبان ومحمد بن مطرف وغيرهم، ويروي عنه (ع) وداود بن رُشيد وإسحاق بن موسى الأنصاري وزهير بن حرب ومحمد بن مهران الرَّازي وإسحاق الحنظلي وغيرهم، قال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث، وقال في التقريب: ثقة لكنَّه كثير التدليس، أعني تدليس التسوية، وهو أن يسقط من سنده غير شيخه لكونه ضعيفًا أو صغيرًا، ويأتي بلفظ محتمل أنَّه عن الثقة الثَّاني تحسينًا للحديث، وهو شر أقسام التدليس، من الثامنة كان مولده سنة (١١٩) تسع عشرة ومائة، ومات سنة (١٩٥) خمس وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الصَّلاة في موضعين والجنائز في موضعين والعتق والجهاد في موضعين والفتن، روى عنه في ستة أبواب تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن مسلم) إشعارًا بأنه لم يسمع هذه النسبة من شيخه، (عن) عبد الرحمن بن يزيد (ابن جابر) نُسب إلى جده لشهرته به الأزدي أبي عتبة الدّمشقيُّ الداراني، روى عن عُمير بن هانئ والقاسم بن مخيمرة وبُسر بن عبيد الله ورُزيق بن حيان مولى ابن فزارة ومسلم بن عامر وطائفة ويروي عنه (ع) والوليد بن مسلم الدّمشقيُّ ويحيى بن حمزة وابن المبارك وابنه عبد الله بن عبد الرحمن وخلق، قال ابن أبي داود: ثقة مأمون، وقال في التقريب: ثقة من السابعة، مات سنة (١٥٣) ثلاث وخمسين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والجنائز والجهاد في ثلاثة مواضع وفي الأحكام وفي صفة الحشر والفتن، روى عنه في ستة أبواب (قال) ابن جابر (حدثني عُمير بن هانئ) العنسي بسكون النون ومهملتين أبو الوليد الدّمشقيُّ الداراني، روى عن جُنادة بن أبي أميَّة ومعاوية بن أبي سفيان وأبي هريرة، ويروي عنه (ع) وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وعبد الرحمن بن ثابت وثقه العجلي، قال أبو داود: قُتل صبرًا بداريا أيَّام يزيد بن الوليد سنة (١٢٧) سبع وعشرين ومائة، وقيل: المقتول ابنه، وقال في التقريب: ثقة من كبار الرابعة، روى عنه المؤلف في بابين فقط في الإيمان والجهاد.
стр. 807
قَال: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَال: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحْ مِنْهُ،
ــ
(قال) عمير (حدثني جنادة بن أبي أميَّة) الأزدي أبو عبد الله الدّمشقيُّ مختلف في صحبته واسم أبي أميَّة كثير روى عن عبادة بن الصَّامت وعمر وعلي في (ع) ويروي عنه (ع) وعمير بن هانئ وبُسر بن سعيد وابنه سليمان، قال العجلي: تابعي ثقة مات سنة (٦٧) سبع وستين، روى عنه المؤلف في بابين في الإيمان والجهاد، قال جنادة بن أبي أميَّة (حدَّثنا عبادة بن الصَّامت) بضم العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة وزيادة هاء في آخره بن قيس بن أصرم بن فهو بن غَنْم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري أبو الوليد الدّمشقيُّ شهد العقبتين وبدرًا وهو أحد النقباء له مائة وأحدٌ وثمانون حديثًا (١٨١) اتفقا منها على ستةٍ وانفرد (خ) بحديثين وكذا (م) يروي عنه جُنادة بن أبي أميَّة وعبد الرحمن بن عُسيلة الصنابحي ومحمود بن الرَّبيع وأبو إدريس الخولاني وأبو الأشعث الصنعاني وخلق، وقال في التقريب: يدري مشهور مات بالرملة سنة (٣٤) أربع وثلاثين وله اثنتان وسبعون سنة روى عنه المؤلف في الإيمان والجهاد والصلاة والبيوع والحدود في موضعين، روى عنه في خمسة أبواب، وهذا السند من سداسياته ورجاله كلهم شاميون إلَّا داود بن رشيد فإنَّه خوارزمي سكن بغداد (قال) عبادة بن الصَّامت (قال رسول الله ﷺ من قال) عن صميم قلبه (أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده) أي حالة كونه منفردًا في ذاته وصفاته وحالة كونه (لا شريك له) في أفعاله (و) أشهد (أن محمدًا عبده) لا شريكه (ورسوله) لا ابنه (و) أشهد (أن عيسى) ابن مريم (عبد الله) لا شريكه (وابن أمته) مريم بنت عمران لا ابنه كما تزعمه النصارى (وكلمته) أي كلمة الله سبحانه (ألقاها) أي أوصلها (إلى مريم) بنت عمران أي مخلوق بكلمة كن لا بواسطة أب كغيره من بني آدم ألقاها أي أوصل موجب تلك الكلمة، وهو ذات عيسى إلى رحم مريم وأوجده فيه (وروح) نفخ (منه) سبحانه في رحم مريم، قال النواوي: هذا حديث عظيم الموقع، وهو أجمعُ أو من أجمعِ الأحاديث المشتملة على العقائد فإنَّه ﷺ جمع فيه ما يُخرِج عن جميع ملل الكفر على اختلافِ عقائدهم وتباعدِها فاختصر ﷺ في هذه الأحرف على ما يباين به جميعهم وسُمي عيسى عليه السَّلام
стр. 808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كلمةً لأنَّه كان بكلمة بن فحسب من غير أب بخلاف غيره من بني آدم، قال الهروي: سُمي كلمة لأنَّه كان وحصل عن الكلمة فسُمي بها كما يقال للمطر رحمة لأنَّه حصل برحمة الله وإحسانه على عباده قال الهروي وقوله تعالى (وروح منه) أي رحمة منه، قال: وقال ابن عرفة أي ليس من أب إنَّما نفخ في أمه الروح، وقال غيره (وروح منه) أي مخلوقة من عنده وعلى هذا يكون إضافتها إليه إضافة تشريف كناقة الله وبيت الله، وإلا فالعالمُ له ومِن عندِهِ والله أعلم انتهى.
وقد بسطنا الكلام في هذا المقام في تفسيرنا حدائق الروح والريحان فراجعه إن أردت الخوض فيه، قال الأبي: قوله في حديث عُبادة بن الصَّامت (من قال أشهد أن لا إله إلَّا الله) إلخ لا يشترط في داخل الإسلام المنطق بلفظة أشهد ولا التعبير بالنفي والإثبات، فلو قال الله واحد ومحمد رسول الله كفى، وأمَّا كون المنطق بذلك شرطًا في حصول الثواب المذكور فمحتمل اهـ.
وقوله (أن عيسى) إلى آخره قال القاضي عياض: سُمي عيسى كلمة لأنَّه كان عن كلمة الله تعالى ثم اختلف فيها، فقيل هي كلمة كُن، وقيل هي التي بشر بها الملك مريم، فمعنى ألقى على هذا الأخير أعلمها، وسُمي روح الله لأنَّه حدث عن نفخ جبريل ﵇ في درع أمه من أمر الله تعالى فنسبه الله إليه وسُمي الرِّيح روحًا لأنه ريح يخرج عن الروح، وقيل المراد بكونه روحًا أنَّه حياة، وقيل رحمة، وقيل برهان لمن اتبعه، وقيل لأنَّه نُفخت فيه الروح دون أبٍ كما قال في آدم ﵇ ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾.
قال الأبي: قيل إن ذكر "عبده ورسوله" تعريض بالنصارى فيما ادعت من البنوة والتثليث وباليهود فيما قذفت به مريم ﵍ وأنكرت من رسالته.
وسمع بعض عظماء النصارى قارئًا يقرأ ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فقال: هذا دين النصارى، يعني هذا يدل على أنَّه بعض منه تعالى، فأجابه الحسن بن علي بن واقد صاحب كتاب النظائر بأن الله تعالى يقول ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ فلو أريد بروح منه أنَّه بعضه كان ما في السموات وما في الأرض بعضًا منه، وإنَّما يريد بروح منه أنَّه من إيجاده وخلقه فأسلم النصراني اهـ.
стр. 809
وَأَن الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ .. أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ"
ــ
وقال القرطبي: قوله (وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم) هذا الحديث مقصوده إفادة التَّنبيه على ما وقع للنصارى من الغلط في عيسى وأمه ﵉ والتحذير عن ذلك بأن عيسى عبد الله لا إله ولا ولد، وأمه أمة الله تعالى ومملوكة له، لا زوجة، تعالى الله عما يقول الجاهلون علوًا كبيرًا.
ويستفاد من هذا ما يلقنه النصراني إذا أسلم، وقد اختلف في وصف عيسى بكونه كلمة، فقيل لأنَّه تكوَّن بكلمة كن من غير أب، وقيل لأنَّ الملك جاء أمه بكلمة البشارة به عن الله تعالى، وهذان القولان أشبه ما قيل في ذلك، ومعنى ألقاها أي أعلمها بها، يقال: ألقيت عليك كلمة أي أعلمتك بها، وسُمي عيسى روح الله لأنَّه حدث عن نفخة الملك وإضافته إلى الله تعالى لأنَّ ذلك النفخ كان من أمره وقدره.
وسُمي النفخ روحًا لأنه ريح يخرج من الروح، قاله المكيون، وقيل: سُمي عيسى بذلك لأنه روى لمن اتبعه، وقيل لأنَّه تعالى خلق فيه الروح من غير واسطة أبٍ كما قال في آدم ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾.
(و) أشهد (أن الجنَّة) دار الكرامة (حق) أي أمر ثابت موجود مخلوق (و) أشهد (أن النَّار حق) أي ثابت موجود مخلوق، قال السنوسي: ولعل فائدة ذكر الجنَّة والنار أيضًا التخلص من عقائد الدهرية ومن يقول بنفي المعاد البدني لأنَّه قد قال به بعض من يُعد نفسه من المسلمين وليس منهم، وعطف جملة قوله (وأن عيسى) إلخ شبه عطف خاص على عام اعتناء بشأنها لما عرض فيها من الجهالات ولأن استحضار الجزئيات في ضمن كلياتها، واللوازم الخفية عند حضور ملزوماتها مما يحتاج إلى زيادة تنبيه ودقة نظر، وإلا فذكر كلمتي الشهادة مع تحقُّق معناهما على ما يجب يتضمن جميع ذلك.
وقوله (أدخله الله) جواب من الشّرطيّة في قوله (من قال) أي أدخل الله ذلك القائل دار الكرامة (من أي أبواب الجنَّة شاء) أي من إحدى الأبواب الثمانية في الجنَّة شاء الدخول منها تكرمة له بسبب هذا الذكر؛ أي يخير في الدخول من أيها شاء تكرمة له، ولكنه يدخل من الباب الذي سبق في علمه تعالى دخوله منه.
قال الأبي: ولا يعارض هذا الحديث حديث إن في الجنَّة بابا يقال له باب الريان
стр. 810
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يدخله إلَّا الصائمون لأنَّه يقتضي أن هذا القائل لو أراد الدخول منه لم يمكن لأنَّه لا يلزم من التخيير الدخول فإنَّه قد يخير ولا يخلق الله تعالى عنده إيثار الدخول منه انتهى.
قال القرطبي: قوله (أدخله الله من أي أبواب الجنَّة شاء) ظاهر هذا يقتضي أن قول هذه الكلمات يقتضي دخول الجنَّة والتخيير في أبوابها وذلك بخلاف ما ظهر من حديث أبي هريرة الآتي في كتاب الزكاة فإن فيه ما يقتضي أن كل من كان من أهل الجنَّة إنَّما يدخل من الباب المعين للعمل الذي كان يعمله غالبًا الداخل فإنَّه قال فيه: فمن كان من أهل الصَّلاة دُعي من باب الصَّلاة ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الصيام وهكذا الجهاد، والجمع بين الظاهرين أن كل من يدخل الجنَّة مخير في الدخول من أي باب شاء غير أنَّه إذا عُرض عليه الأفضل في حقه دخل منه مختارًا للدخول منه من غير جبر عليه ولا منع له من الدخول من غيره ولذلك قال أبو بكر ﵁ ما على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، والله أعلم.
(تنبيه): قالوا: والحكمة في كون أبواب الجنَّة ثمانية أنها على عدد خصال الإسلام المشهورة المذكورة في حديث جبريل ﵇ ويزاد عليه الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمن أكثر مما يناسب واحدًا منها كان من أهل بابه، ومن أكثر مما يناسب الجميع كان من أهل الأبواب الثمانية، والأبواب الثمانية طرقٌ للجنات الثمانية، كل باب طريق لجنة منها كما أن أبواب النَّار السبعة طرق لطبقاتها السبع، (وحكمة) كون أبواب النَّار سبعة على ما قال بعضهم أنها بعدد الجوارح التي يعصي المكلف بها وهي الفم والأنف والعين والأذن واليد والرجل والفرج وباقي البدن يرجع إلى هذه وهي الأصل أعاذنا الله تعالى بفضله من جميعها وجعلنا ممن يكرم بالدعاء من أبواب الجنَّة كلها بلا سبق محنة ومناقشة.
ووجه التنعم بأبواب الجنَّة المدخول منها: إما التنعم بالجنات التي كل باب طريق لواحدة منها أو لأنَّه أُعد في كل باب من أنواع النعيم والمسرات ما لم يُعد في الآخر أو لإظهار الاعتناء برفع الحجر عمن مُكن من الدخول من جميعها أو لجميع ما ذكر وهو أظهر والله تعالى أعلم. وهذا الحديث أعني حديث عبادة بن الصَّامت مما انفرد الإمام
стр. 811
٤٩ - (٠٠) حَدَّثَنَا (١) أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الأوزَاعي،
ــ
مسلم من أصحاب الأمهات ثم ذكر المتابعة في هذا الحديث فقال:
(٤٩) - متا (٠٠) (حدَّثنا أحمد بن إبراهيم) بن كثير بن زيد العبدي البغدادي أبو عبد الله المعروف بـ (الدُّورقيُّ) بفتح الدال والراء بينهما واو ساكنة نسبة إلى دورق بلدة من بلاد فارس أخو يعقوب بن إبراهيم الدُّورقيُّ أصغر من أخيه بسنتين روى عن مبشر بن إسماعيل وعبد الصَّمد بن عبد الوارث وأبي داود الطَّيالسيُّ ويزيد بن زُريع وحفص بن غياث وغيرهم، ويروي عنه (م د ت ق) وبقي بن مخلد وعبد الله بن أحمد بن حنبل ويعقوب بن شيبة وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٤٦) ست وأربعين ومائتين عن ثمان وسبعين (٧٨) سنة، وكان مولده سنة ثمان وستين ومائة (١٦٨).
قال أحمد بن إبراهيم (حدَّثنا مبشر بن إسماعيل) بضم الميم وكسر المعجمة المشددة الكلبي مولاهم أبو إسماعيل الحلبي، روى عن الأوزاعي وجعفر بن بُرقان وصفوان بن عمرو وغيرهم ويروي عنه (ع) وأحمد بن إبراهيم الدُّورقيُّ وأحمد بن حنبل ومحمد بن مِهران الجمال ونصر بن عاصم وخلق، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، وقال في التقريب: صدوق من التاسعة مات بحلب سنة (٢٠٠) مائتين، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان فقط.
(عن) عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الشامي أبي عمرو (الأوزاعي) نسبة إلى أوزاع بطن من حمير وقيل إن الأوزاع قرية بدمشق إذا خرجت من باب الفراديس، ويقال إنَّما قيل له الأوزاعي لأنَّه من أوزاع القبائل، روى عن عمير بن هانئ والزهري ويحيى بن أبي كثير وقتادة وعطاء وابن سيرين ومكحول ونافع وخلق، ويروي عنه (ع) ومبشر بن إسماعيل وعيسى بن يونس والوليد بن مسلم ويحيى القطان وخلق، وقال في التقريب: ثقة جليل من السابعة، مات في الحمام سنة (١٥٧) سبع وخمسين ومائة وكان من فقهاء أهل الشام وزهادهم، وقال إسحاق: إذا اجتمع الأوزاعي والثوري ومالك على أمر فهو سنة.
стр. 812
عَنْ عُمَيرِ بْنِ هَانِئٍ فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، غَيرَ أَنَّهُ قَال: "أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ"، وَلَمْ يَذْكُرْ: "مِنْ أَبي أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ" (١)
ــ
روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في ستة مواضع والزكاة والصوم والحج والبيوع في ثلاثة مواضع والنبوة والدعاء والهبة والجهاد والأشربة، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها اثنا عشر بابًا تقريبًا (عن عمير بن هانئ) العنسي أبي الوليد الدّمشقيُّ ثقة من كبار الرابعة وتقدم البسط في ترجمته قريبًا وأن المؤلف روى عنه في بابين فقط، وغرض المؤلف بسوق هذا السند بيان متابعة الأوزاعي لابن جابر في رواية هذا الحديث عن عُمير بن هانئ، والجار والمجرور في قوله (في هذا الإسناد) وكذا في قوله (بمثله) متعلق بما عمل في المتابع بكسر الباء، ولفظة (في) في قوله (في هذا الإسناد) بمعنى الباء التي للتعدية، وعدل إليها فرارًا من تعلق حرفي جر متماثلين في اللفظ والمعنى بعامل واحد لو قال (بهذا الإسناد بمثله)، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابَع الذي هو ابن جابر، وهو التَّابعي والصحابي، والضمير في (بمثله) عائد إلى المتابَع بفتح الباء المذكور في السند السابق كما هو القاعدة المقررة في اصطلاحات مسلم وكذا في غيره، وهو ابن جابر والمعنى وحدثنا الأوزاعي بهذا الإسناد عن عمير بن هانئ بمثل ما حدث ابن جابر عن عمير بن هانئ، وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأوَّل لأنَّ الأوزاعي أوثق من ابن جابر مع بيان محل اختلافهما في المتن، وهذا السند أيضًا من سداسياته ورجاله كلهم شاميون إلَّا أحمد بن إبراهيم فإنَّه دورقي.
وتقدم لك أن المثل عبارة عن الحديث اللاحق الموافق للسابق في جميع لفظه ومعناه إلَّا فيما استثنى بنحو قوله (غير أنَّه) أي لكن أن الأوزاعي (قال) في روايته لهذا الحديث (أدخله) أي أدخل (الله) سبحانه ذلك القائل (الجنَّة) دار الكرامة (على ما كان) أي مع ما وقع وحصل منه (من عمل) أي سواء كان عمله صالحًا أو سيئًا، أو سواء كان عمله الصالح قليلًا أو كثيرًا (ولم يذكر) الأوزاعي في روايته لفظة (من أي أبواب الجنَّة شاء) كما ذكره ابن جابر.
قال القرطبي: قوله (على ما كان من عمل) أي يُدخله الجنَّة ولا بد سواء كان عمله صالحًا أو سيئًا وذلك بأن يغفر له السيء بسبب هذه الأقوال أو يربي ثوابها على ذلك
стр. 813
٥٠ - (٠٠) حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيث عَنِ ابنِ عَجْلانَ،
ــ
العمل السيء، وكل ذلك يحصل إن شاء الله تعالى لمن مات على تلك الأقوال، إما مع السلامة المطلقة وأمَّا بعد المؤاخذة بالكبائر على ما قررناه سابقًا اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله تعالى عنه فقال:
(٥٠) - متا (٠٠) (حدَّثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل بفتح الجيم بن طريف الثَّقفيّ مولاهم أبو رجاء البغلاني بفتح الباء وسكون المعجمة نسبة إلى بغلان بلدة بنواحي بلخ، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٤٠) أربعين ومائتين عن (٩٠) تسعين سنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة أبواب تقريبًا، قال قتيبة (حدَّثنا ليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولى بني فهم من قيس عيلان، أبو الحارث المصري، عالم مصر وفقيهها ثقة ثبت فقيه عالم مشهور من السابعة، ولد يوم الخميس في شعبان سنة (٩٤) أربع وتسعين، ومات في النصف من شعبان سنة (١٧٥) خمس وسبعين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة عشر بابًا تقريبًا (عن) محمَّد (بن عجلان) بفتح العين وسكون الجيم القرشي مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة، أبو عبد الله المدني، روى عن محمَّد بن يَحْيَى بن حبان وبكير بن عبد الله بن الأشج وإبراهيم بن عبد الله بن حنين وعامر بن عبد الله بن الزُّبير وعبادة بن الوليد بن عبادة بن الصَّامت وغيرهم، ويروي عنه (م عم) والليث بن سعد ويحيى القطان وابن عيينة وأبو خالد الأحمر وحاتم بن إسماعيل وخالد بن الحارث وروح بن القاسم ومالك ومنصور وشعبة والسفيانان وغيرهم، وروى عنه (م) متابعة وكذا (خ) تعليقًا، وذكره من الضعفاء، ووثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: "صدوق من الخامسة، إلَّا إنه اختلط عليه أحاديث أبي هريرة، وقال الحاكم أخرج له (م) ثلاثة عشر حديثًا كلها في الشواهد، مات سنة (١٣٨) ثمان وثلاثين ومائة، وفي التقريب سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة.
قال ابن منجويه: روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والزكاة والحج والبيوع في موضعين والأحكام والجهاد في موضعين والفضائل وفي ذكر الجان، وجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها تسعة أبواب.
قال النواوي: كان عابدًا فقيهًا، وكان له حلقة في مسجد رسول الله ﷺ وكان يُفتي، وهو تابعي أدرك أنسًا وأبا الطفيل قاله أبو نعيم، روى عن أنس
стр. 814
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يحيى بن حَبَّانَ، عَنِ ابنِ مُحَيرِيزٍ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ،
ــ
والتابعين، ومن طرف أخباره أنَّه حملت به أمه أكثر من ثلاث سنين، وقد قال الحاكم: أبو أحمد في كتاب الكُنى محمَّد بن عجلان يعد في التّابعين، ليس هو بالحافظ عنده، ووثقه غيره، وقد ذكره مسلم هنا متابعةً، قيل: إنه لم يذكر له في الأصول شيئًا والله أعلم اهـ.
(عن محمَّد بن يَحْيَى بن حبان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة بن منقذ بن عمرو بن مالك بن خنساء بن مبذول الأنصاري المازني أحد بني مازن النجاري أبي عبد الله المدني الفقيه كانت له حلقة في مسجد الرسول ﷺ تابعي سمع أنس بن مالك، روى عن عبد الله بن محيريز وعمه واسع وأبيه وأنس بن مالك والأعرج وعمرو بن سليم وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابن عجلان ويحيى الأنصاري وعبيد الله بن عمرو وعمرو بن يَحْيَى الأنصاري ومالك وإسماعيل بن أميَّة وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة فقيه من الرابعة، مات سنة (١٢١) إحدى وعشرين ومائة، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والبيوع والقدر والجهاد والنكاح، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها ثمانية أبواب.
(عن) عبد الله (بن محيريز) بمهملة وراء آخره زاي مصغرًا بن جنادة بن وهب القرشي الجمحي بضم الجيم وفتح الميم بعدها مهملة، من أنفسهم أبي عبد الله المكيِّ كان يتيمًا في بيت أبي محذورة بمكة ثم نزل بيت المقدس، التَّابعي الجليل، سمع جماعة من الصّحابة منهم عبادة بن الصَّامت وأبو محذورة وأبو سعيد الخدري وغيرهم ﵃ أجمعين.
روى عن الصنابحي في الإيمان، وأبي محذورة في الصَّلاة وأبي سعيد الخدري في النكاح، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها ثلاثة فقط، ويروي عنه (ع) ومحمد بن يَحْيَى بن حبان ومكحول والزهري، وثقه العجلي، وقال في التقريب: ثقة عابد من الثالثة مات سنة (٩٩) تسع وتسعين، قال الأوزاعي: من كان مقتديًا فليقتد بمثل ابن محيريز، فإن الله تعالى لم يكن ليضل أمة فيها مثل ابن محيريز، وقال رجاء بن حيوة بعد موت ابن محيريز: والله إن كنت لأعد بقاء ابن محيريز أمانًا لأهل الأرض.
(عن) عبد الرحمن بن عُسيلة بضم العين وفتح السِّين المهملتين الشامي المُرادي أبي عبد الله (الصنابحي) بضم الصاد المهملة نسبة إلى صنابح بطن من مراد، التَّابعي الجليل، رحل إلى النَّبيِّ ﷺ فقبض النَّبيُّ ﷺ وهو في
стр. 815
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أنَّهُ قَال: دَخَلتُ عَلَيهِ وَهُوَ فِي الْمَوتِ فَبَكَيتُ،
ــ
الطَّريق وهو بالجحفة قبل أن يصل بخمس ليال أو ست، فدخل المدينة وقد استخلف أبو بكر فأقام بها مدة فسمع أبا بكر الصِّديق وخلائق من الصّحابة ﵃ أجمعين، ثم انتقل إلى الشام فسكنها، وقد يشتبه على غير المشتغل بالحديث الصنابحي هذا بالصنابح بن الأعسر الصحابي ﵁، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وكان كثير المناقب، وقال في التقريب: ثقة من كبار التّابعين، مات في خلافة عبد الملك.
روى عن عبادة بن الصَّامت في الإيمان والحدود، ويروي عنه (ع) وعبد الله بن محيريز وأبو الخير مرثد بن عبد الله (عن عبادة بن الصَّامت) الأنصاري الخزرجي أبي الوليد الدّمشقيُّ، وهذا السند من سباعياته، ورجاله اثنان منهم مدنيان واثنان شاميان وواحد مكي وواحد مصري وواحد بغلاني، ومن لطائفه أنَّه اجتمع فيه أربعة تابعيون يروي بعضهم عن بعض: ابن عجلان وابن حبان وابن محيريز والصنابحي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة الصنابحي لجنادة بن أميَّة في رواية هذا الحديث عن عبادة بن الصَّامت ﵁، وفائدة هذه المتابعة بيان أكثرة طرقه (أنَّه) أي أن الصنابحي (قال دخلت) يومًا (عليه) أي على عبادة بن الصَّامت (وهو) أي والحال أن عبادة بن الصَّامت (في) مقدمات (الموت) وسكراته، قال الصنابحي (فبكيت) أنا لمَّا رأيت لما نزل به تأسفًا على فراقه لنا بالموت وجملة القول في قوله: (قال دخلت) صفة لمحذوف متعلق بخبر أن المحذوف تقديره أنَّه حدث بحديث قال فيه: دخلت على عبادة بن الصَّامت في حال سكراته فبكيت لما رأيته في تلك الحالة ... إلخ، قال النواوي: وأمثال هذا التركبب كثير في كلامه، وفيه حذف تقديره عن الصنابحي أنَّه حدث عن عبادة بن الصَّامت بحديث قال فيه: دخلت عليه ... إلخ، ومثله ما سيأتي قريبًا في كتاب الإيمان في حديث: "ثلاثة يؤتون أجرهم" قال مسلم رحمه الله تعالى حدَّثنا يَحْيَى بن يَحْيَى قال أنا هشيم عن صالح بن صالح عن الشعبي قال: رأيت رجلًا سأل الشعبي فقال: يا أبا عمرو إن من قبلنا من أهل خراسان ناسًا يقولون كذا وكذا فقال الشعبي حدثني أبو بردة عن أبيه فهذا الحديث من النوع الذي نحن فيه، فتقديره قال قال هشيم حدثني صالح عن الشعبي بحديث قال فيه صالح رأيت رجلًا سأل الشعبي، ونظائر هذا كثير في كلامه سننبه على كثير منها في مواضعها إن شاء الله تعالى والله أعلم.
стр. 816
فَقَال: مَهْلًا لِمَ تَبْكِي؟ ! فَوَاللهِ؛ لَئِنِ اسْتُشهِدتُ .. لأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ شُفِّعتُ .. لأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ استَطَعْتُ .. لأَنْفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَال: وَاللهِ؛ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَكُم فِيهِ خَيرٌ .. إلا حَدَّثتُكُمُوهُ، إلا حَدِيثًا وَاحِدًا
ــ
(فقال) عبادة لما رأى بكائي (مهلًا) بسكون الهاء أي أمهلني مهلًا يا صنابحي وأنظرني إنظارًا لأسألك عن سبب بكائك على فقال (لم تبكي) بكسر اللام وفتح الميم، وتبكي مضارع مرفوع بضمة مقدرة للثقل؛ أي لأي شيء تبكي، ولأي سبب تبكي، فاللام حرف جرٍّ و (مَ) استفهامية حذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها، فرقًا بينها وبين ما الموصولة.
وفي نسخ شرح الأبي (لا تبكِ) بجزم الفعل بلا الناهية، قال الأبي: يحتمل بكاؤه لما رأى به من كرب الموت، أو لأنَّه لفقد الانتفاع به، والأظهر أنَّه لذكره القدوم على الله تعالى لأنَّه المناسب لتسليته بما ذكر (فإن قلت) إنه لو بكى لشيء مما ذكر لم ينهه لأنَّ البكاء لشيء منها واجب أو مندوب (قلت) ليست لا للنهي؛ لأنَّه لم يبك بصوتٍ حتَّى ينهاه وإنَّما هي لبيان العاقبة كما هي في قوله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾ ثم قال (فـ) ـأقسمت لك (و) حلفت بـ (ـالله) الذي لا إله غيره (لئن استُشْهِدتُ) أي لئن طُلب مني الشهادة لك عند الله سبحانه بالإيمان والعمل الصالح (لأشهدن لك) عند الله سبحانه يوم القيامة (ولئن شُفعت) أي ولئن أُذن لي في الشفاعة لك عند الله يوم القيامة، أو قبلت شفاعتي فيك (لأشفعن) أي لأطلبن (لكّ) الخير والنجاة عند الله تعالى، والشفاعة طلب الخير للغير من الغير (ولئن استطعت) وقدرت على النفع لك، بأي شيء من المنافع في الدُّنيا والآخرة، فالسين والتاء فيه زائدتان، أي ولئن أطقت على النفع لك (لأنفعنك) أي لأجتهدن في تحصيل النفع لك في الدين والدنيا والآخرة، ولئن حييت فأنا مستعد لمنافعك وإن مُتُّ فأنا فرط لك فلا تبكين يا أخي (ثم قال) عبادة (والله) أي أقسمت لك بالله الذي نفسي بيده إما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ أو ما شيء من الأحاديث التي سمعتها من رسول الله ﷺ (لكم) أيها الحاضرون عندي (فيه) أي في ذلك الحديث (خيرٌ) أي نفع إما في الدين أو في الدُّنيا (إلَّا حدثتكموه) وأخبرتكموه (إلَّا حديثًا واحدًا) لم أحدثكموه خوفًا من اتكالكم عليه، وكلمة
стр. 817
وَسَوفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ اليَومَ وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفسِي، سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ شَهِدَ: أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ .. حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ النَّارَ"
ــ
سوف في قوله (وسوف أحدثكموه اليوم) بمعنى السِّين التي للاستقبال القريب؛ أي وسأحدثكموه اليوم أي في هذا الزمن الحاضر (و) لا أمهله عنكم لأنَّه (قد أحيط بنفسي) وروحي؛ أي قد أحاطت بجسدي مقدمات الموت واشتملت عليه وأحاطت بروحي ملائكة الموت لقبضها، فأنا قرُبتُ من الموت ويئست من الحياة والمعافاة فسأخبركموه الآن تأثمًا من كتمان العلم.
وكلمة قولهم (وقد أحيط به) في الأصل تقال في الرجل يجتمع عليه أعداؤه فيقصدونه فيأخذون عليه من كل الجوانب بحيث لا يبقى له في الخلاص مطمع فيقال أحاطوا به أي أطافوا به من جوانبه ومقصوده هنا قرب موتي.
وقوله (ما من حديث) إلى آخره، قال الأبي نفي الخير عن الأحاديث الذي دل عليه المفهوم إنَّما هو بالنسبة إليهم كما ذكر وإلا ففي كل حديث خير لا محالة قال القاضي عياض فيه دليل على أنَّه كتم ما خشي الضرر فيه والفتنة مما لا يحتمله عقل كل أحد وذلك فيما ليس تحته عمل ولا فيه حد من حدود الشريعة، قال ومثل هذا عن الصّحابة ﵃ كثير في ترك الحديث بما ليس تحته عمل ولا تدعوا إليه ضرورة أولًا تحمله عقول العامة أو خشيت مضرته على قائله أو سامعه لا سيما ما يتعلق بأخبار المنافقين والأمراء وتعيين قوم وصفوا بأوصاف غير مستحسنة وذم آخرين ولعنهم والله أعلم، ثم قال (سمعت رسول الله ﷺ حالة كونه (يقول من شهد) وأقر بلسانه واعتقد بقلبه (أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله) أدخله الله الجنَّة و (حرم الله) سبحانه (عليه النَّار) أي حرمه الله تعالى على النَّار فلا يدخلها ولا تحرقه.
ففي العبارة قلب أو حذف مضاف تقديره حرم الله عليه دخول النَّار، فهذه الرِّواية وإن ساقها للمتابعة تدل بمنطوقها على الجزء الأخير من الترجمة كما تدل عليه الرِّواية الأولى بمفهومها، ويستفاد من هذه الرِّواية وجوب رواية حديث فيه منفعة ومصلحة للناس، إما في الدين أو في الدُّنيا، وكتمان حديث ليس لهم فيه خير أو لا تفهمه عقولهم لئلا يفتتنوا به فيضلوا أوفيه مضرة كما مر آنفًا.
стр. 818
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث ثلاثة:
الأوَّل حديث عثمان بن عفَّان، وغرضه يذكره الاستدلال به على الترجمة، وذكر فيه متابعة. واحدة.
والثاني حديث أبي هريرة، وغرضه يذكره الاستشهاد لحديث عثمان، وذكر فيه متابعة واحدة.
والثالث حديث عبادة بن الصَّامت، وغرضه يذكره الاستشهاد ثانيًا لحديث عثمان، وذكر فيه متابعتين كما أشرنا إلى ذلك كله فيما سبق.
* * *
стр. 819
١٢ - بَابُ بَيَان حَقِّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَحَقِّهِمْ عَلَى اللهِ تَعَالى، وَتَبْشير مَنْ لَقِيَ اللهَ تَعَالى بالتَّوحِيدِ بِالْجَنَّةِ، وَتَرْكِهِ خَوْفًا مِنِ اتِّكالِهِمْ عَلَى مُجَرَّدِ التَّوحِيدِ
٥١ - (٢٩) حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأزدِيُّ،
ــ
١٢ - بَابُ بَيَان حَقِّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَحَقِّهِمْ عَلَى اللهِ تَعَالى، وَتَبْشير مَنْ لَقِيَ اللهَ تَعَالى بالتَّوحِيدِ بِالْجَنَّةِ، وَتَرْكِهِ خَوْفًا مِنِ اتِّكالِهِمْ عَلَى مُجَرَّدِ التَّوحِيدِ
أي هذا باب معقود لبيان ما يحق ويجب لله على عباده المكلفين من عبادته بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، وعدم الإشراك به شركًا جليًّا ولا خفيًّا، وبيان ما يحق ويجب للعباد على ربهم بمقتضى وعده وفضله إذا عبدوه ولم يشركوا به شيئًا، من عدم تعذيبهم وإدخالهم الجنَّة وتبشير من مات على التوحيد بالجنة في حق من لا يخاف منه الاتكال وتركه في غيره.
وترجم الأبي لهذا الحديث بقوله (باب حديث معاذ) وترجم له القرطبي بقوله (باب حق الله تعالى على العباد) ولم يترجم له النواوي ولا السنوسي ولا أكثر نسخ المتن، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(٥١) - س (٢٩) (حدَّثنا هدَّاب بن خالد) بن الأسود بن هُدبة (الأزدي) القيسي الثوباني أبو خالد البصري يقال فيه: هَدَّاب بفتح الهاء وتشديد الدال المهملة آخره جاء موحدة، ويقال فيه هدبة بضم أوله وسكون ثانيه وقد ذكره مسلم رحمه الله تعالى في مواضع من الكتاب يقول في بعضها هدبة وفي بعضها هداب واتفقوا على أن أحدهما اسمٌ والآخر لقب، ثم اختلفوا في الاسم منهما فقال أبو علي الغساني وصاحب المطالع وعبد الغني المقدسي وغيرهم: هدبة هو الاسم، وهداب لقب، وقال غيرهم: هداب اسمٌ وهُدبة لقب، واختاره ابن الصلاح، وأنكر الأول وقال أبو الفضل الفلكي: إنه كان يغضب إذا قيل له هُدبة، وذكره البُخاريّ في تاريخه فقال: هدبة بن خالد ولم يذكره هدابًا فظاهره أنَّه اختار أن هدبة هو الاسم، والبخاري أعرف من غيره فإنَّه شيخ البُخاريّ ومسلم رحمهم الله تعالى أجمعين.
روى عن هَمام بن يَحْيَى وحماد بن سلمة وسليمان بن المغيرة وأخيه أميَّة بن خالد
стр. 820
حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٌ
ــ
وجرير بن حازم وحماد بن زيد وحماد بن الجعد وصدقة بن موسى وغيرهم، ويروي عنه (خ م د) وأبو حاتم وحرب بن إسماعيل وعبد الله بن أحمد والبزار، وقال في التقريب: ثقة عابد، وقال ابن معين ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النَّسائيّ: ضعيف، وقال ابن عدي: لم أرَ له حديثًا منكرًا، وهو كثير الحديث صدوق لا بأس به، وقد وثقه النَّاس، وقال في التقريب: تفرد النَّسائيّ بتليينه، من صغار التاسعة، قال أبو داود: مات سنة (٢٤١) إحدى وأربعين ومائتين، وقيل سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومائتين (٢٣٨).
روى عنه المؤلف في الإيمان والجهاد والفضائل وآخر الكتاب في أربعة أبواب تقريبًا، قال هداب (حدَّثنا هَمَّام) بن يَحْيَى بن دينار الأزدي العوذي بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة، مولى بني عَوذ بن سود بن الحجر أبو عبد الله البصري أحد الأئمة الأعلام، روى عن قتادة ويحيى بن أبي كثير ومحمد بن جحادة وأنس بن سيرين وعطاء بن أبي رباح والحسن ونافع وغيرهم، ويروي عنه (ع) وهدَّاب بن خالد وعفان وعبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون وعبد الصَّمد بن عبد الوارث وبشر بن السري وشيبان بن فروخ وأبو داود وخلق، وقال أحمد: ثبت في كل المشايخ، وقال أبو حاتم: ثقة، في حفظه شيء، وقال في التقريب: ثقة ربَّما وهم من السابعة، مات سنة (١٦٤) أربع وستين ومائة.
روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الوضوء وفي الصَّلاة في أربعة مواضع وفي الزكاة والحج والبيوع في موضعين والديات والفضائل في موضعين والرحمة والزهد والعلم وفي حديث من كذب فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها اثنا عشر بابا تقريبًا، قال همام (حدَّثنا قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي الأعمى أبو الخطَّاب البصري، روى عن أنس بن مالك وابن المسيب وابن سيرين وخلق، ويروي عنه (ع) وهمام بن يَحْيَى وسعيد بن [أبي] عروبة وهشام الدستوائي وخلق، ثقة ثبت رأس الطبقة الرابعة، مات كهلًا سنة (١١٧) سبع عشرة ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة وعشرين بابًا تقريبًا، قال قتادة (حدَّثنا أنس بن مالك) بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصاري الخزرجي النجاري أبو حمزة البصري، خادم رسول الله ﷺ له ألف ومائتا حديث وستة وثمانون حديثًا (١٢٨٦) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا.
стр. 821
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَال: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، لَيسَ بَينِي وَبَينَهُ إلا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ،
ــ
(عن معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس بن عائذ الأنصاري الخزرجي، أبي عبد الرحمن المدني له (١٥٧) مائة وسبعة وخمسون حديثًا، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في الإيمان والصلاة في بابين.
وهذا السند من خماسياته ورجاله كلهم بصريون إلَّا معاذ بن جبل فإنَّه مدني ومن لطائفه أن فيه رواية صحابي عن صحابي (قال) معاذ (كنت ردف النَّبيّ ﷺ أي راكبًا خلفه وراء المؤخرة كما هو شأن الرديف، قال النواوي: أما قوله (ردف) فهو بكسر الراء وإسكان الدال وهي الرّواية المشهورة التي ضبطها معظم الرواة، وحكى القاضي عياض أن أبا علي الطبري الفقيه الشَّافعي أحد رواة الكتاب ضبطه بفتح الراء وكسر الدال من غير ياء نظير عجل وحذر وزمن، اسم فاعل من فعل المكسور وليس بمعروف في الأسماء، وإن صحت رواية الطبري، والردف بكسر الراء وسكون الدال والرديف بالياء كلاهما صحيح رواية ولغة، وهما اسمان للراكب خلف الراكب، يقال منه ردفته أردفه بكسر الدال في الماضي، وفتحها في المضارع، إذا ركب خلفه وأردفته أنا بألف وأصله من ركوبه على الردف وهو العجز بمعنى أركبته على الردف أي على الموضع الذي يسمى الردف وهو عجز الدابة أي كنت راكبًا معه ﷺ على دابته، والحال أنه (ليس بيني وبينه) ﷺ (إلَّا مؤخرة الرجل) أي إلَّا خشبة تسمى مؤخرة الرجل وهو الخشب الذي يستند إليه الراكب بظهره، وهذا كناية عن شدة قربه، لأنَّ القرب أوقع في نفس السامع لأنَّه أدل على الضبط، وأمَّا مؤخرة فبضم الميم بعدها همزة ساكنة ثم خاء مكسورة وهذا هو الصَّحيح، وفيه لغة أخرى (مُؤَخرة) بفتح الهمزة وفتح الخاء المشددة وأنكر ابن قتيبة فتح الخاء، وقال ثابت: مؤخرة الرجل ومقدمته بفتحهما، ويقال: آخرة الرجل بهمزة ممدودة وهذه أفصح وأشهر، فهذه ثلاث لغات مع التاء ومثلها مع حذف تاء التأنيث، فمجموع اللغات فيه ست، ومثلها يجري في مقدم الرجل، قال القرطبي: هكذا وقع ها هنا مؤخرة وقرأناه على من يوثق بعلمه بضم الميم وفتح الراء والخاء مشددة على أنها اسم مفعول لأنها تؤخر وأنكر هذا اللفظ يعقوب وابن قتيبة وقالا: المعروف عند العرب آخرة الرحل، كما جاء في حديث أبي ذر، ولكن قد جاء مؤخرة في شعر أبي ذؤيب، والرحل للبعير كالسرج للفرس والإكاف للحمار اهـ.
стр. 822
فَقَال: "يَا مُعَاذَ (١) بْنَ جَبَلٍ"؛ قُلتُ: لَبَّيكَ رَسُولَ الله وَسَعْدَيكَ،
ــ
(فقال) رسول الله ﷺ (يا معاذ بن جبل) بفتح قال معاذ على الإتباع لحركة ابن وهو الأشهر وبضمها على أصل حركة بناء المنادى المفرد ولا خلاف في نصب ابن لأنَّه صفة منصوبة تبعًا لمحل المنادى المفرد كما هو القاعدة المشهورة عند النُّحاة في لفظ ابن واقع بين علمين (قلت) إجابة لندائه (لبيك) أي أجبت لك إجابة بعد إجابة يا (رسول الله وسعديك) أي وأطعتك طاعة بعد طاعة.
قال النواوي: وقوله (لبيك وسعديك) في معنى لبيك أقوال نشير هنا إلى بعضها وسيأتي إيضاحها في كتاب الحج إن شاء الله تعالى، والأظهر أن معناها: إجابة لك بعد إجابة للتأكيد، وقيل: معناها قربًا منك وطاعة لك، وقيل أنا مقيم على طاعتك، وقيل محبتي لك، وقيل غير ذلك، ومعنى سعديك أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة، وتكريره ﷺ نداء معاذ فلتأكيد الاهتمام بما يخبره، وليكمل تنبه معاذ فيما يسمعه، وقد ثبت في الصَّحيح أنَّه ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لهذا المعنى والله أعلم انتهى.
(فائدة مستظرفة) وأعلم أن لبيك مثنى مصدر لَبَّ الثلاثي، أو اسم مصدر لألَبَّ الرباعي من قولهم: ألب بالمكان إذا أقام به أضيف إلى ضمير المخاطب، وهو وسعديك من الألفاظ المثناة لفظًا [و] معناها التكرار لأنهم لما قصدوا به التكثير جعلوا التثنية علمًا على ذلك، لأنها أول تضعيف العدد وتكثيره، وفي القاموس: لب بالمكان كألبَّ إذا أقام به، ومنه لبيك أي أنا مقيم على طاعتك إلبابًا بعد إلباب، وإجابة بعد إجابة أو معناه اتجاهي وقصدي لك من داري، من قولهم: تَلُبُّ داره تواجهها أو معناه: محبتي لك من قولهم امرأة لَبَّةٌ أي محبة لزوجها أو معناه إخلاصي لك من قولهم حَسَبٌ لباب أي خالص، والَّلبُّ بالفتح اللازم المقيم، وبالضم السُّمُّ وخالص كل شيء، ومن النخل والجوز ونحوهما قلبها، والعقل (ج) أَلْبَابٌ وأَلُبٌّ وأَلْبُبٌ، وأصله لَبَبْتُ لبين لك أي أجبتك إجابة بعد إجابة، وإعرابه: لببت فعل وفاعل والتاء ضمير المتكلم في محل الرَّفع فاعل لبين منصوب على المفعولية المطلقة وعلامة نصبه الياء لأنَّه ملحق بالمثنى الذي رفعه بالألف، ونصبه وجره بالياء، والنون عوضٌ عن التنوين والحركة، لكَ جار ومجرور
стр. 823
ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَال: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ"؛ قُلْتُ: لَبَّيكَ رَسُولَ الله وَسَعْدَيكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَال: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَل"؛ قُلتُ: لَبَّيكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيكَ، قَال:
ــ
متعلق بلبين لأنَّه مصدر ليس الثلاثي فحذفت النون للإضافة، واللام للتخفيف فصار لبيك، وقيل: يقدر عامله من معناه تقديره أجبت لبيك أي أجبتك إجابتين.
وفي الصبان على الأشموني (قوله لبيك) أصله أُلِبُّ لك إلبابين أي أقيم لطاعتك إلبابًا كثيرًا لأن التثنية لإفادة التكرير نحو ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ﴾ فحُذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وحُذفت زوائده، وحُذف الجار من المفعول وأضيف المصدر إليه فصار لبيك، كل ذلك ليسرع المجيب إلى التفرغ واستماع الأمر والنهي، ويجوز أن يكون من لبَّ بمعنى ألب، فلا يكون حينئذ محذوف الزوائد لأنَّ أصله ألب لبين لك قاله الرضيُّ اهـ. وسعديك اسم مصدر لأسعد الرباعي بمعنى ساعد وأعان وفي القاموس أسعده إذا أعانه، وسعديك إسعادًا بعد إسعاد وهو منصوب على المفعولية المطلقة بعامل محذوف وجوبًا مقدرٍ من لفظه، تقديره أُسْعِدُ سعديك أصله أُسعد سعد بن لك، أُسعد فعل مضارع من أسعد الرباعي مرفوع بضمة ظاهرة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا سعد بن منصوب على المفعولية المطلقة بأسعد وعلامة نصبه الياء لأنَّه ملحق بالمثنى في إعرابه كحواليك وعلامة نصبه الياء، والنون عوض عن التنوين والحركة، لك جار ومجرور متعلق بسعديك لأنَّه اسم مصدر لأسعد الرباعي فحُذفت النون للإضافة واللام للتخفيف فصار أسعد سعديك فحُذف العامل لنيابة المصدر منابه فصار سعديك، فالناصب في لبيك فعل من لفظه أو من معناه، وفي سعديك فعل من لفظه، وقال الموضح وغيره: ولا يستعمل سعديك إلَّا بعد لبيك فهو كالتوكيد له، وأمَّا لبيك فيستعمل وحده وأنشد لسان الحال:
إن يُغْنِيا عَنِّي المُسْتَوطِنا عَدَنْ ... فإنني لستُ يومًا عنهما بِغَنْ
قال يس: وعوام مصر يفردون سعديك عن لبيك اهـ حمدون.
(ثم) بعد إجابتي له ﷺ (سار) ومشى رسول الله ﷺ راكبًا على دابته (ساعة) أي زمنًا قليلًا لا خصوص الساعة المعروفة عند الميقاتيين (ثم قال) ثانيًا (يا معاذ بن جبل) فـ (ـقلت) إجابة لندائه (لبيك رسول الله وسعديك ثم سار ساعة ثم قال) ثالثًا (يا معاذ بن جبل قلت لبيك رسول الله وسعديك) فـ (ـقال) في المرة
стр. 824
"هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ " قَال: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَال: "فَإنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا"، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثم قَال: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ"؛ قُلْتُ: لَبَّيكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيكَ، قَال: "هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى الله إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ " قَال: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَال: "أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ"
ــ
الثالثة (هل تدري) وتعلم يا معاذ (ما حق الله على العباد) أي ما يحق ويجب لله سبحانه على عباده المكلفين، وما استفهامية في محل الرَّفع مبتدأ، وحق الله خبرها، والجملة الاسمية سادة مسد مفعولي درى لأنها علقت عنها باسم الاستفهام والكلام على حذف مضاف؛ أي هل تدري جواب ما حقيقة حق الله على العباد لأنَّ (ما) يُسئل بها عن الحقيقة (قال) معاذ (قلت الله ورسوله أعلم) سلوكًا مسلك التأدب معه ﷺ (قال) رسول الله ﷺ مبينًا له (فإن حق الله) (على العباد) والفاء في قوله فإن حق الله فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إذا فوضت العلم إلى الله ورسوله وأردت بيانه لك فأقول لك إن أصل وأساس ما يجب لله تعالى على عباده (إن يعبدوه) أي أن يفردوه بالعبادة (ولا يشركوا به) سبحانه (شيئًا) من المخلوقات أو شيئًا من الإشراك كما مر نظيره (ثم سار) ﷺ (ساعة) أي زمنًا قليلًا (ثم قال يا معاذ بن جبل قلت لبيك رسول الله وسعديك قال) لي (هل تدري) وتعلم (ما حق العباد) أي جواب ما حقيقة ما يجب ويثبت للعباد (على الله) بمقتضى وعده ومحض فضله (إذا فعلوا ذلك) الواجب لله سبحانه عليهم وأدوه فعلًا كان أو قولًا أو اعتقادًا (قال) معاذ (قلت الله ورسوله أعلم قال) ﷺ مبينًا له حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك (إن لا يعذبهم) في الآخرة بالنار، في حق من كان بريئًا من الكبائر أو تاب عنها أو عفا الله عنها وأن لا يخلدهم في العذاب في حق من لم يكن كذلك.
قال الأبي: (قوله هل تدري ... إلى آخره) هو استفهام حقيقة، وحق الله تعالى على العباد ما أوجبه عليهم، من حق الشيء إذا ثبت وحقهم عليه هو ما وجب لهم شرعًا بوعده الصادق لا بالعقل كما تقوله المعتزلة، ويحتمل أنَّه من مجاز المقابلة كـ (مكروا ومكر الله)، إذ لا يجب عليه تعالى شيء، قوله (ولا يشركوا به) قال بعضهم: إنه إشارة إلى الإخلاص اهـ منه قال القرطبي: وحق الله على عباده ما أوجبه عليهم بحكمه وألزمهم
стр. 825
٥٢ - (٠٠) حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيمٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيمُونٍ،
ــ
إياه بخطابه، وحق العباد على الله هو ما وعدهم به من الثواب والجزاء فحق ذلك ووجب بحكم وعده الصدق، وقوله الحق الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر ولا الخلف في الوعد، فالله تعالى لا يجب عليه شيء بحكم الأمر إذ لا أمر فوقه ولا بحكم العقل، إذ العقل كاشف لا موجب.
وإنَّما كرر النَّبيُّ ﷺ نداء معاذ ثلاثًا ليستحضر ذهنه وفهمه، وليشعره بعظم ما يلقيه عليه كما مر انتهى.
وهذا الحديث شارك المؤلف رحمه الله تعالى في روايته البُخاريّ (٧٣٧٣) والترمذي (٢٦٤٥) وابن ماجة (٤٢٩٦) وأحمد (٥/ ٢٣٨).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث معاذ بن جبل ﵁ فقال:
(٥٢) - متا (٠٠) (حدَّثنا) عبد الله بن محمَّد (أبو بكر بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الحافظ الكوفيِّ ثقة حافظ صاحب تصانيف من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابا قال أبو بكر (حدَّثنا أبو الأحوص سلام بن سليم) الحنفي مولاهم الحافظ الكوفيِّ ثقة متقن من السابعة، مات سنة (١٧٩) تسع وسبعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابا.
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله بن ذي يُحْمِد الهمداني السبيعي بفتح السِّين نسبة إلى سَبِيعِ من همدان، ثقة عابد من الثالثة اختلط بآخره، مات سنة (١٢٩) تسع وعشرين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا.
(عن عمرو بن ميمون) الأودي أبي عبد الله الكوفيِّ، روى عن معاذ بن جبل وعائشة وعبد الله بن مسعود وابن أبي ليلى، ويروي عنه (ع) وأبو إسحاق السبيعي والشعبي وزياد بن علاقة والربيع بن خثيم وغيرهم، وقال في التقريب: مخضرم مشهور ثقة عابد، مات سنة (٧٤) أربع وسبعين وقيل بعدها.
стр. 826
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَال: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ الله ﷺ ، عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: عُفَيرٌ،
ــ
روى عنه المؤلف في الإيمان في موضعين وفي الصوم والجهاد والدعاء في أربعة أبواب تقريبًا (عن) أبي عبد الرحمن (معاذ بن جبل) الأنصاري الخزرجي المدني رضي الله تعالى عنه، وهذا السند من خماسياته ورجاله كلهم كوفيون إلَّا معاذ بن جبل فإنَّه مدني، ومن لطائفه أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عمرو بن ميمون لأنس بن مالك في رواية هذا الحديث عن معاذ بن جبل، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأنَّ المتابع بفتح الباء أقوى من المتابع بكسرها لأن الأوَّل صحابي فلا يحتاج إلى التقوية (قال) معاذ بن جبل (كنت ردف رسول الله ﷺ أي راكبًا خلفه (على حمار) له ﷺ (يقال له) أي لذلك الحمار (عُفير) بضم أوله مصغرًا، بعين مهملة مضمومة ثم فاء مفتوحة هذا هو الصواب في الرِّواية وفي الأصول المعتمدة وفي كتب أهل المعرفة بذلك قال ابن الصلاح: وقول القاضي عياض إنه بغين معجمة متروك، قال ابن الصلاح: وهو الحمار الذي كان له ﷺ قيل: إنه مات في حجة الوداع قال وهذا الحديث يقتضي أن يكون هذا في مرَّة أخرى غير المرة المتقدمة في الحديث السابق، فإن مؤخرة الرحل تختص بالإبل ولا تكون على حمار (قلت) ويحتمل أن يكونا قضية واحدة، وأراد في الحديث الأوَّل قدر مؤخرة الرحل والله أعلم اهـ نووي.
قال القرطبي وهو تصغير أعفر تصغير ترخيم كسُويَد تصغير أسود، والمشهور اسم حماره ﷺ أنَّه يعفور، وقال أيضًا: إن كانت هاتان الروايتان قضية واحدة فقد تجَوَّز بعض الرواة في تسمية الإكاف رحلًا، ويحتمل أن تكون تلك قضية واحدة تكررت مرتين والله أعلم.
وقال أيضًا: وفي الحديث ما يدل على جواز ركوب اثنين على حمار واحد وعلى تواضع النَّبيِّ ﷺ اهـ.
وفي الأبي: ولم يذكر في هذه الرِّواية "أنَّه ليس بيني وبينه إلَّا مؤخرة الرحل" فإن كانت القضية واحدة فيكون الراوي تجوز في إطلاق الرجل على الإكاف وإن تكررت فواضح اهـ.
стр. 827
قَال: فَقَال: "يَا مُعَاذُ؟ أتَدرِي (١) مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟ ! " قَال: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَال: "فَإِن حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا"، قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله؛ أفَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ، قَال: "لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا"
ــ
(قال) معاذ (فقال) رسول الله ﷺ (يا معاذ) بلا نسبة إلى جبل (أتدري) أي هل تدري وتعلم إما حق الله على العباد وما حق العباد على الله قال) معاذ (قلت) له (الله ورسوله أعلم قال) رسول الله ﷺ مبينًا للحقَّين إذا فوضت عليهما إلى الله ورسوله وأردت بيانهما (فـ) ـأقول لك (إن حق الله على العباد) أي ما يجب لله تعالى على عباده (أن يعبدوا الله) سبحانه ويطيعوه بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات (و) أن (لا يشركوا به) تعالى (شيئًا) من المخلوقات حيًّا وميتًا جنيًّا وإنسيًّا وملكًا جمادًا وحيوانًا أو لا يشركوا به شيئًا من الإشراك جليًّا ولا خفيًّا، قال بعض الشيوخ: وهذا إشارة إلى مقام الإخلاص كما مر آنفًا (وحق العباد) أي ما يستحقونه على ربهم بمقتضى وعده وفضله (على الله عز) أي اتصف بالكمالات (وجل) أي تنزه عن النقائص (إن لا يُعذب) في الآخرة (من لا يشرك به شيئًا) من المخلوق أو شيئًا من الإشراك، وهو على التأويل المار فلا تغفل عنه (قال) معاذ (قلت يا رسول أفلا أبشر النَّاس) بهذه البشارة العظيمة، والهمزة فيه للاستفهام التقريري داخلة على محذوف والفاء عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف، والتقدير أأكتم هذه البشارة فلا أبشر بها النَّاس؟
(قال) لي رسول الله ﷺ (لا تبشرهم) أي لا تبشر النَّاس بهذه البشارة، والفاء في قوله (فيتكلوا) أي فيكتفوا بمجرد التوحيد عن العمل الصالح عاطفة سببية والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النَّهي نظير قوله تعالى ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبِي﴾ وعلامة نصبه حذف النون لأنَّه من الأفعال الخمسة والواو فاعل والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى تقديره: لا يكن منك يا معاذ تبشير النَّاس بهذه الشارة فاتكالهم على مجرد التوحيد فتفوتهم الدرجات العُلى.
стр. 828
٥٣ - (٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَال ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أبِي حَصِينٍ
ــ
وإنَّما كرر المتن في هذه الرِّواية الثَّانية لما فيها من المخالفة للرواية الأولى ببعض زيادة وبعض نقصان، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه فقال:
(٥٣) - متا (٠٠) (حدَّثنا محمَّد بن المثني) بن عبيد بن قيس العنزي بفتح العين والنون أبو موسى البصري المعروف بالزَّمن ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا.
(و) محمَّد (ابن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري الملقب بِبُندار، ثقة من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين (٢٥٢) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه لأنَّ الراويين كلاهما ثقتان، وأتى بجملة قوله (قال ابن المثني حدَّثنا محمَّد بن جعفر) إشارة إلى أن ابن بشار إنَّما روى بالعنعنة لا بصيغة السماع، وهذا هو لطيفة تقديمه في الذكر عند المقارنة أي قال حدَّثنا محمَّد بن جعفر الهذلي مولاهم المدني أبو عبد الله البصري الملقب بغندر، من التاسعة مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته، وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب تقريبًا، قال محمَّد بن جعفر (حدَّثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي أبو بسطام البصري، ثقة حافظ متقن من السابعة مات سنة (١٦٠) ستين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته، وأن المؤلف روى عنه في ثلاثين بابًا تقريبًا.
(عن أبي حصين) بفتح الحاء المهملة، عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفيِّ أحد الأئمة الإثبات روى عن الأسود بن هلال وأبي صالح ويحيى بن وشباب والشعبي وأبي وائل وغيرهم، ويروي عنه (ع) وشعبة وزائدة والثوري وإبراهيم بن طهمان ومالك بن مغولى وأبو عوانة وخلق، وقال في التقريب: ثقة ثبت سني وربما دلس عالم صاحب سنة، وثقه ابن معين والنَّسائيُّ وغيرهما وكان يقول إن عاصم بن بهدلة أكبر منه بسنة من الرابعة مات سنة (١٢٧) سبع وعشرين ومائة وقيل بعدها، روى عنه المؤلف في
стр. 829
وَالأَشْعَثِ بْنِ سُلَيمٍ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلالٍ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "يَا مُعَاذُ؛ أَتَدْرِي مَا حَق الله عَلَى الْعِبَادِ؟ ! " قَال: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَال: "أَنْ يُعْبَدَ الله وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيءٌ"،
ــ
الإيمان والصلاة والجنائز والحدود والجهاد في خمسة أبواب (و) عن (الأشعث بن سليم) بن الأسود المحاربي الكوفيِّ وسليم أبوه هو أبو الشعثاء، روى عن الأسود بن هلال وأبيه أبي الشعثاء وجعفر بن أبي ثور والأسود بن يزيد ومعاوية بن سويد بن مقرن، ويروي عنه (ع) وشعبة وأبو الأحوص وشيبان بن عبد الرحمن والثوري وزائدة وزهير بن معاوية وأبو عوانة وأبو إسحاق الشيباني وليث بن أبي سليم، وقال في التقريب ثقة من السادسة مات سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء وفي الصَّلاة في موضعين والنكاح والحج والأطعمة في ستة أبواب وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه.
أي روى شعبة عنهما (أنهما) أي أن أبا حصين وأن الأشعث بن سليم (سمعا الأسود بن هلال) المحاربي أبا سلام الفقيه الكوفيّ فقيه جليل مخضرم روى عن معاذ بن جبل والمغيرة بن شعبة وعمر وابن مسعود وثعلبة بن زهدم، ويروي عنه (خ م د س) وإبراهيم وأبو حصين وأشعث بن أبي الشعثاء وعدة، وقال في التقريب: ثقة من الثَّانية مات سنة (٨٤) أربع وثمانين وثقه ابن معين والنَّسائيُّ والعجلي وأثنى عليه أحمد، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الوضوء في بابين فقط.
حالة كون الأسود (يحدث) ويروي (عن) أبي عبد الرحمن (معاذ بن جبل) الأنصاري الخزرجي المدني، وهذا السند من سداسياته ورجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان كوفيان وواحد مدني وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة الأسود بن هلال لعمرو بن ميمون وأنس بن مالك في رواية هذا الحديث عن معاذ بن جبل.
(قال) معاذ بن جبل (قال رسول الله ﷺ يا معاذ أتدري) أي هل تدري وتعلم (ما حق الله) تعالى (على العباد قال) معاذ (الله ورسوله أعلم) بذلك (قال) رسول الله ﷺ حق الله على العباد (إن يعبد الله) بالبناء للمجهول أي يفرد الله بالعبادة (ولايشرك به) (شيء) من المخلوقات ببناء الفعل للمجهول أيضًا وهذا هو الظاهر في الرِّواية والمعنى أعني بناء يشرك للمفعول
стр. 830
قَال: "أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ ! " فَقَال: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَال: "أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ".
٥٤ - (٠٠) حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَين
ــ
ورفع شيء وقال ابن الصلاح: ووقع في الأصول شيئًا بالنصب ووجهه على رواية ضم ياء يشرك أن يكون منصوبًا على المصدر لا على المفعول به أي لا يشرك به إشراكًا ويكون الجار والمجرور هو القائم مقام الفاعل اهـ بينوسي.
(قال) رسول الله ﷺ (أتدري) وتعلم يا معاذ (ما حقهم) أي ما حق العباد (عليه) (إذا فعلوا) أي إذا فعل العباد (ذلك) المذكور من عبادته وعدم الإشراك به (فقال) معاذ (الله ورسوله أعلم قال) رسول الله ﷺ حقهم على الله تعالى (إن لا يعذبهم) الله تعالى أي عدم تعذيب الله إياهم لأنهم أدوا حقه فوجب لهم عليه ما وعدهم بمقتضى فضله وهو إدخالهم الجنَّة بلا سبق تعذيب أو بعد المجازاة على سيء أعمالهم وكرر متن الحديث في هذه المتابعة لما فيها من المخالفة للرواية قبلها في بعض الكلمات ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث معاذ بن جبل فقال:
(٥٤) - متا (٠٠) (حدَّثنا القاسم بن زكرياء) بن دينار القرشي أبو محمَّد الطحان الكوفيّ وربما نسب إلى جده روى عن حسين الجعفي وعبيد الله بن موسى وخالد بن مخلد، ويروي عنه (م ت س ق) وغيرهم ووثقه النَّسائيّ، وقال في التقريب: ثقة من الحادية عشرة مات في حدود (٢٥٠) الخمسين ومائتين روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان والصلاة والوضوء وغيرها قال القاسم (حدَّثنا حسين) بن علي بن الوليد الجعفي مولاهم أبو عبد الله الكوفيِّ، قال النواوي: هكذا حسين بالسين في الأصول وهو الصواب ووقع في بعض الأصول حصين بالصاد وهو غلط وهو حسين بن علي الجعفي وقد كررت روايته عن زائدة في الكتاب ولا يعرف حصين بالصاد عن زائدة، روى عن زائدة والأعمش ومجمع بن يَحْيَى وجعفر بن برقان وفضيل بن مرزوق وغيرهم ويروي عنه (ع) والقاسم بن زكرياء وإسحاق بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة عابد من التاسعة مات سنة (٢٠٣) ثلاث أو أربع ومائتين وله (٨٤) أربع
стр. 831
عَنْ زَائدَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلالٍ قَال: سَمِعْتُ مُعَاذًا يَقُولُ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ .. فَأجَبْتُهُ، فَقَال: "هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى النَّاسِ؟ ! ... " نَحْوَ حَدِيثِهِمْ
ــ
أو خمس وثمانون سنة، روى عن المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين وفي الفضائل في أبواب ثلاثة تقريبًا.
(عن زائدة) بن قدامة الثَّقفيّ البكري أبي الصلت -بفتح أوله وسكون ثانيه- الكوفيِّ، روى عن أبي حصين والمختار بن فلفل وهشام بن حسَّان وسماك بن حرب وأبي الزناد ومنصور وهشام بن عروة وزياد بن علاقة وخلق، ويروي عنه (ع) وحسين الجعفي ومعاوية بن عمرو وأبو أسامة وموسى القارئ وابن عيينة وابن مهدي وأحمد بن يونس وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة ثبت صاحب سنة من السابعة مات سنة (١٦٠) ستين ومائة وقيل بعدها وليس في مسلم زائدة إلَّا هذا الثقة.
روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في ثلاثة مواضع والزكاة في موضعين والصوم في ثلاثة مواضع والنكاح في ثلاثة مواضع والدلائل والحدود والفضائل والضحايا والدعاء فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها عشرة تقريبًا.
(عن أبي حصين) بفتح الحاء المهملة عثمان بن عاصم الأسدي الكوفيِّ (عن الأسود بن هلال) المحاربي الكوفيِّ (قال) الأسود (سمعت معاذًا) بن جبل (يقول دعاني) أي ناداني (رسول الله ﷺ فأجبته) أي فأجبت نداءه (فقال) رسول الله ﷺ (هل تدري) وتعلم يا معاذ (ما حق الله) (على النَّاس) المكلفين وقوله (نحو حديثهم) بضمير الجمع تحريمٍ من النساخ والصَّواب نحو حديثه بالإفراد لأنَّ المتابع بفتح الباء واحد وهو شعبة وهو مفعول لفعل محذوف تقديره وساق زائدة نحو حديث شعبة عن أبي حصين، وغرض المؤلف بسوق هذا السند بيان متابعة زائدة بن قدامة لشعبة بن الحجاج في رواية هذا الحديث عن أبي حصين وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأنَّ المتابع والمتابع كلاهما ثقتان.
قال النواوي: قوله في آخر روايات حديث معاذ (نحو حديثهم) يعني أن القاسم بن زكريا شيخ مسلم في الرّواية الرابعة رواه نحو رواية شيوخ مسلم الأربعة المذكورة في
стр. 832
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الروايات الثلاثة المتقدمة وهم هداب وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثني وابن بشار والله أعلم اهـ. والصَّواب ما قلنا لأن المتابعة لا تقع غالبًا في مشايخ مسلم بل إنَّما يأتي فيهم بحاء التحويل ورجال هذا السند كلهم كوفيون إلَّا معاذ بن جبل فإنَّه مدني.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثًا واحدًا حديث معاذ بن جبل وذكر فيه ثلاث متابعات.
***
стр. 833
١٣ - بَابُ الدَّليلِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتينِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ اسْتيقَان الْقَلْبِ
٥٥ - (٣٠) حَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ،
ــ
١٣ - بَابُ الدَّليلِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتينِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ اسْتيقَان الْقَلْبِ
أي هذا باب معقود في ذكر الحديث الذي يدل على أن الشأن والحال لا يكفي في الإيمان الذي يدخل به الجنَّة مجرد تلفظ الشهادتين بلا استيقان لمعناهما بل لا بد ولا غنى في حصوله من اعتقاد معناهما اعتقادًا جازمًا لا تردد معه كما يدل عليه منطوق حديث أبي هريرة الذي استدل به على الترجمة ومنطوق حديث أنس الذي استشهد به بالنظر إلى ما زاده البُخاريّ في روايته كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ولم يترجم لهذا الحديث النواوي وكذا السنوسي وأكثر نسخ المتن ولا القاضي عياض وترجم له الأبي بقوله (باب حديث أبي هريرة) وترجم له القرطبي بعين ما ترجمنا به له رحمهم الله تعالى أجمعين.
قال القرطبي: وهذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة القائلين إن التلفظ بالشهادتين كاف في الإيمان وأحاديث هذا الباب تدل على فساده بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق والحكم للمنافق بالإيمان الصَّحيح وهو باطل قطعًا.
ثم استدل المؤلف لهذه الترجمة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٥٥) - س (٠٠) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي بفتح المهملتين مولاهم أبو خيثمة النَّسائيّ ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية عشر بابًا تقريبًا قال زهير (حدَّثنا عمر بن يونس) بن القاسم (الحنفي) أي المنسوب إلى بني حنيفة أبو حفص اليمامي، روى عن عكرمة بن عمار وعن أبيه يونس، ويروي عنه (ع) وزهير بن حرب ومحمد بن بشار وأبو ثور وخلق وثقه ابن معين والنَّسائيُّ وقال في "التقريب" ثقة من التاسعة مات سنة (٢٠٦) ست ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والطلاق والجهاد وخلق النَّبيُّ ﷺ والفضائل والتوبة فجملة
стр. 834
حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّار، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيرَةَ قَال: كُنا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ
ــ
الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها تسعة أبواب تقريبًا.
قال عمر بن يونس (حدَّثنا عكرمة بن عمار) العجلي الحنفي أبو عمار اليمامي أصله من البصرة، روى عن أبي كثير يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة وأبي زميل سماك الحنفي وإياس بن سلمة بن الأكوع ويحيى بن كثير وشداد بن عبد الله وسالم بن عبد الله ويروي عنه (م عم) وعمر بن يونس والنضر بن محمَّد بن مصعب بن المقدام وهاشم بن القاسم وابن المبارك وابن مهدي وخلق وثقه ابن معين والعجلي، وقال في التقريب: صدوق من الخامسة يغلط وكان مجاب الدعوة مات سنة (١٥٩) تسع وخمسين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في موضعين والزكاة في موضعين والصوم والبيوع والفتن والأشربة والفضائل وجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها تسعة أبواب.
(قال) عكرمة (حدثني أبو كثير) يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة الغبري السحيمي بمهملتين مصغرًا اليمامي الضَّرير، روى عن أبي هريرة في الإيمان والأشربة والفضائل ويروي عنه (م عم) ويحيى بن أبي كثير وعكرمة بن عمار والأوزاعي وعقبة بن التوأم وثقه أبو حاتم وأبو داود والنَّسائيُّ، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة وجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثلاثة فقط كما ذكرنا آنفًا (قال) أبو كثير (حدثني أبو هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني الصحابي الجليل المكثر وهذا السند من خماسياته ورجاله ثلاثة منهم يماميون وواحد نسائي وواحد مدني (قال) أبو هريرة (كنا) معاشر الصّحابة (قعودًا) أي جلوسًا في المسجد (حول رسول الله ﷺ أي جانبه، قال أهل اللغة يقال قعدنا حوله وحوليه وحواليه وحواله بفتح الحاء واللام في جميعها أي على جوانبه قالوا ولا يقال حواليه بكسر اللام اهـ نووي. والحال أنه (معنا أبو بكر وعمر) وهذا من فصيح الكلام وحسن الأخبار فإنهم إذا أرادوا الإخبار عن جماعة فاستكثروا أن يذكروا جميعهم بأسمائهم ذكروا أشرافهم أو بعض أشرافهم ثم قالوا: وغيرهم، وأمَّا قوله (معنا) بفتح العين فهذه اللغة المشهورة ويجوز تسكينها في لغة حكاها صاحب المحكم والجوهري وغيرهما.
وفي شروح الألفية أن (مع) من الأسماء الملازمة للإضافة غالبًا وتكون اسمًا
стр. 835
فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَينِ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأ عَلَينَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا وَفَزِعْنَا وقُمْنَا،
ــ
لموضع الاجتماع نحو زيد معك ولزمان الاجتماع نحو جئتك مع العصر وقد تكون أطلق الاجتماع من غير اعتبار مكان ولا زمان نحو قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ وقد تجرد عن الإضافة فيلزم نصبها على الحال نحو جاء الزيدان معًا أي جميعًا وقد حكى جرها بمن نحو ذهبت من معه أي من عنده وفيها لغتان فتح العين وسكونها ولغة السكون قليلة كما قال في الخلاصة:
ومع مع فيها قليل ونقل ... فتح وكسر لسكون يتصل
يعني نقل في لغة السكون إذا التقت العين الساكنة مع ساكن بعدها وجب تحريكها لالتقاء الساكنين فمن حركها بالفتح فللتخفيف ومن حركها بالكسر فعلى أصل التقاء الساكنين وقد بسطنا الكلام فيها في شرحنا نزهة الألباب على ملحة الإعراب فراجعه وإنما أطلنا الكلام فيها هنا مع أن المقام ليس من مقام البحث عنها دفعًا لأوهام أطال بها الكلام هنا بعض الشراح سهوًا أو غفلة لئلا يغتر بها الطلاب والله أعلم، وقوله (في نفر) حال من أبي بكر وعمر أي حالة كونهما مع نفر وجماعة آخرين وفي القاموس النفر محركًا النَّاس كلهم ومادون العشرة من الرجال كالنفير يجمع على أنفار اهـ. (فقام رسول الله ﷺ وخرج (من بين أظهرنا) أي من مكان بين أظهرنا ووسطنا هكذا هو هنا وفيما سيأتي (كنت بين أظهرنا) بلا نون أي بيننا ورواه الفارسي بين ظهرينا، وقال الأصمعي: والعرب تقول بين أظهركم وظهرَيكم وظهرانَيكُم بصيغة الاثنين قال الخليل أي بينكم (فأبطأ) أي آخر الرجوع (علينا وخشينا) أي خفنا (أن يقتطع) ويؤخذ (دوننا) أي قبل الوصول إلينا والرجوع علينا أي خفنا أن يصاب بمكروه من عدو إما بأسر أو بقتل لأنَّ أعداءه اليهود والمنافقين كثير في المدينة وقتئذ وعبارة القرطبي هنا (أن يقتطع دوننا) أي يحال بيننا وبينه بأخذ أو هلاك اهـ. قال الأبي (قوله فخشينا) قلت خشْيَتُهم إن كانت قبل نزول ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فواضح وإلا فذاك لفرط كلفهم به كما يقال المحب مولع بسوء الظن اهـ. (وفزعنا) أي بادرنا إلى طلبه وفي بعض النسخ (ففزعنا) بفاء التعقيب (وقمنا) من مكاننا لطلبه وفي بعض النسخ (فقمنا) بفاء التعقيب أيضًا وعبارة القرطبي هنا قوله (ففزعنا وقمنا) أي تركنا ما كُنَّا فيه وأقبلنا على
стр. 836
فَكنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتغِي رَسُولَ الله ﷺ ، حَتَّى أَتيتُ حَائِطًا لِلأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أجِدُ لَهُ بَابًا؟ فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعْ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خارِجَةٍ -وَالرَّبِيعُ: الْجَدْوَلُ-
ــ
طلبه من قولهم فزعت إلى كذا إذا أقبلت عليه وتفرغت له ومنه قوله الشاعر:
فزعت إليكم من بلايا تنوبني ... فألفيتكم منها كريمًا ممجدًا
وقد دل على ذلك قوله فكنت أولى من فزع أي أولى من أخذ في طلبه وليس هو من الفزع الذي هو الذعر والخوف لأنَّه قد قال قبل هذا فخشينا أن يقتطع دوننا ثم رتب فزعنا عليه بفاء التعقيب المشعرة بالتسبب، والفزع لفظ مشترك يطلق على ذينك المعنيين وعلى الإغاثة اهـ. قال القاضي عياض: الفزع يكون بمعنى الخوف وبمعنى الهيوب للشيء والاهتمام به وبمعنى الإغاثة والمعاني الثلاثة صالحة للإرادة هنا أي ذعرنا لاحتباس النَّبيُّ ﷺ عنا، والأظهر أنَّه الهيوب وقول القرطبي: لا يصح إرادة الخوف لقوله (فخشينا) ثم رتب عليه بفاء السبب (ففزعنا) تعقبه الأبي بأن كونه بمعنى الخوف لا يمنع من عطفه ويكون من عطف الشيء على نفسه إرادة الاستمرار نحو ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ أي فكذبوا تكذيبًا بعد تكذيب اهـ.
قال أبو هريرة (فكنت أول من فزع) وبادر في طلبه (فخرجت) من بين القوم حالة كوني (أبتغي) وأطلب (رسول الله ﷺ فتتبعت أثره ومشيت وراءه (حتَّى أتيت) وجئت (حائطًا) أي بستانًا وسمي بذلك لأنَّه محوط بحائط لا سقف له (لـ) ـبعض (الأنصار) وقوله (لبني النجار) جار ومجرور بدل من الجار والمجرور في قوله للأنصار بدل بعض من كل وهم بطن معروف من الخزرج (فدرت به) أي فطفت وجلت حولى ذلك الحائط قائلًا في نفسي (هل أجد له) أي لذلك الحائط (بابا) ومدخلًا أدخل به لأطلب رسول الله ﷺ في ذلك الحائط (فلم أجد) له بابا ومدخلًا وإذا في قوله (فإذا ربيع) فجائية وربيع مبتدأ أو جملة (يدخل) صفة له والخبر محذوف أي فإذا ربيع يدخل في الحائط موجود والمعنى فدرت بالحائط فلم أجد له مدخلًا ففاجأني ربيع ونهر صغير يدخل (في جوف حائط) أي في وسط ذلك الحائط جارٍ ماؤه (من) ماء (بئر خارجة) عن ذلك الحائط.
وقوله (والربيع الجدول) -أي النهر الصَّغير والساقية كلام- مدرج من الراوي.
стр. 837
فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثعْلَبُ، فَدَخَلْتُ (١) عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَال: "أَبُو هُرَيرَةَ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ،
ــ
قال النواوي: أما الرَّبيع فبفتح الراء على وزن الرَّبيع الفصل المعروف من فصول السنة والجدول بفتح الجيم وهو النهر الصَّغير والساقية التي يجري فيها ماء سقي الأشجار وجمع الرَّبيع أربعاء، كنبي وأنبياء وقوله (بئر خارجة) هكذا ضبطناه بالتنوين في بئرٍ وفي خارجةٍ على أن خارجة صفة لبئر وذكر أبو موسى الأصبهاني وغيره أنَّه روي على ثلاثة أوجه أحدها هذا المذكور والثاني من بئرٍ خارجَهُ بتنوين بئر وبهاء في آخر خارجه مضمومة وهي هاء ضمير الحائط أي من بئر في موضع خارج عن الحائط، والثالث من بئر خارجة بإضافة بئر إلى خارجة آخره تاء التأنيث وهو اسم رجل والوجه الأوَّل هو المشهور الظاهر والبئر مؤنثة مهموزة يجوز تخفيف همزتها وهي مشتقة من بئرت أي حفرت وجمعها في القلة أبؤر وأبئار بهمزة بعد الباء فيهما ومن العرب من يقلب الهمزة في أبئار وينقل فيقول آبار وجمعها في الكثرة بشار بكسر الباء بعدها همزة والله أعلم.
(فاحتفزت) أي تضاممت بجسمي وتصاغرت ليسعني الجدول (كما يحتفز) ويتضام ويتصاغر (الثعلب) الذي يريد الدخول في المضيق، قال القرطبي: رواه عامة الشيوخ في المواضع الثلاثة بالراء من الحفر، وروي عن الجلودي بالزاي وهو الصواب يعني به تضاممت ليسعني المدخل ويؤيده تشبيهه بفعل الثعلب وهو صفة الدخول في المضايق ومنه حديث علي ﵁ "إذا صلت المرأة فلتحتفز" أي فلتتضام وتنزو (٢) إذا سجدت ذكره أبو عبيد في غريبه (٢/ ٣٠٥) والزمخشري في الفائق (١/ ٤٠٢) وابن الأثير في النهاية (١/ ٤٠٧) واختار صاحب التحرير رواية الراء وليس مختاره بمختار، وفي القاموس احتفز في مشيته احتث واجتهد، واحتفز في سجوده تضام، واحتفز في جلوسه استوى جالسًا على وركيه، والثعلب معروف وهو حيوان ذو مكر وحيلة والذكر منه ثعلب وثعلبان بضم أوله، والأنثى ثعلبة وجمعه ثعالب كما يستفاد من القاموس (ودخلت على رسول الله ﷺ وهو في الحائط (فقال) لي أنت (أبو هريرة) فهو خبر ابتدأ محذوف، قال الأبي: (قوله أبو هريرة) هو تقرير أو تعجب لاستغرابه من أين دخل مع سد الأبواب اهـ. (فقلت نعم) أي أنا أبو هريرة (يا رسول الله) فنعم حرف تصديق في
стр. 838
قَال: "مَا شَأْنُكَ؟ "، قُلتُ: كُنْتَ بَينَ أَظْهُرِنَا فَقُمْتَ، فَأَبْطَأتَ عَلَينَا، فَخَشِينَا أَن تُقْتَطَعَ دُونَنَا فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزعَ، فَأتَيتُ هَذَا الْحَائِطَ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثعْلَبُ، وَهَؤُلاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَال: "بَا أَبَا
ــ
الإثبات قائم مقام الجواب بخلاف بلى فإنَّه في النفي (قال) لي رسول الله ﷺ (ما شأنك) أي حالك وشغلك الذي جاء بك هنا (قلت) يا رسول الله (كنت) أنت جالسًا (بين أظهرنا) أي بيننا (فقمت) وخرجت من بيننا (فأبطأت) أي أخرت الرجوع (علينا فخشينا) أي خفنا (إن تقطع) وتصاب بمكروه من عدو (دوننا) أي قبل الوصول إلينا (ففزعنا) معاشر الجالسين معك أي بادرنا وأسرعنا في طلبك لخوفنا عليك من إذاية عدو (فكنت) أنا (أول من فزع) وبادر في طلبك (فأتيت هذا الحائط) الذي أنت فيه وجئته ودرست به لطلب المدخل فوجدت جدولًا (فاحتفزت) أي فانضممت بجسمي ليسعني الجدول (كما يحتفز الثعلب) الذي يريد الدخول في المضيق فدخلت عليك يا رسول الله (وهؤلاء النَّاس) أي وأولئك النَّاس الذين قمت من بينهم حاضرون (ورائي) وخلفي وراء هذا الحائط، قال القرطبي: يعني بهم النفر الذين كانوا مع النَّبيِّ ﷺ فقام من بينهم وأخذوا في طلبه وهم المعنيون للنبي ﷺ بقوله: "فمن لقيت من وراء هذا الحائط" ولا شك في أن أولئك هم من أهل الجنَّة وهذا ظاهر اللفظ ويحتمل أن يقال إن ذلك القيد ملغي والمراد هم وكل من شاركهم في التلفظ بالشهادتين واستيقان القلب بهما وحينئذ يرجع إلى التأويل والتفصيل الذي ذكرناه في الباب قبل هذا انتهى.
قال الأبي: الأظهر في دخوله محل الغير بلا استئذانه أنَّه دهش وتحير لغيبة رسول الله ﷺ عنه ويبعد أن يكون دخوله لعلمه طيب نفس رب الحائط لأنَّه يبقى حق رسول الله ﷺ في الدخول عليه وإنَّما جعل الإذن لأجل البصر ويحتمل أنَّه دالة، قال النواوي: ولا يختص تصرَّف الدالة بالحائط بل وكذا ركوب الدابة ولبس الثوب وأكل الطَّعام قال أبو عمر وأجمعوا على أنَّه لا يتعدى إلى الدنانير والدراهم ونحوها وفي ثبوت هذا الإجماع نظر مع العلم بطيب نفس صاحبها ولعلّه في الدراهم الكثيرة المشكوك في طيب نفس صاحبها فإنَّه اتفق على المنع في صورة الشَّك قال الأبي: يعني صورة الشَّك في كل شيء (فقال) رسول الله ﷺ (يا أبا هريرة و) الحال أنه (أعطاني نعليه) لتكونا أمارة على أنَّه لقيه وإعطاؤهما له تأكيد وإلا
стр. 839
هُرَيرَةَ"؛ وَأَعْطَانِي نَعْلَيهِ، قَال: "اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَينِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائطِ، يَشْهَدُ: أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ مُسْتَيقِنًا بِهَا قَلْبُهُ .. فَبَشِّرْهُ بِالْجَنةِ"،
ــ
فخبره مقبول وقوله (قال) رسول الله ﷺ (اذهب) وارجع إلى النَّاس (بنعلي هاتين) فيه فائدة لطيفة فإنَّه أعاد لفظة (قال) لطول الكلام وحصول الفصل بقوله: (يا أبا هريرة؛ وأعطاني نعليه) وهذا حسن شائع في كلام العرب بل جاء أيضًا في كلام الله تعالى في قوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ قال الواحدي: قال محمَّد بن يزيد: قوله تعالى ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ تكرير للأول لطول الكلام، قال ومثله قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ أعاد أنكم لطول الكلام والله أعلم اهـ. نووي.
وأمَّا إعطاؤه النعلين فلتكون علامة ظاهرة معلومة عندهم يعرفون بها أنَّه لقي النَّبيَّ ﷺ ويكون أوقع في نفوسهم لما يخبرهم به عنه ﷺ ولا ينكر كون مثل هذا تأكيدًا وإن كان خبره مقبولًا بدون هذا والله أعلم اهـ منه.
وقال القرطبي: وفي دفع النَّبيِّ ﷺ لأبي هريرة بنعليه دليل على جواز عَضُدِ خبر الواحد بالقرائن تقوية لخبره، وإن كان لا يتهم، وفيه اعتبار القرائن والعلامات والعمل على ما تقتضيه من الأعمال والأحكام انتهى.
قوله (فمن لقيت) إلخ معطوف على اذهب على كونه مقولًا لقال ومن شرطية أي قال لي: اذهب بنعليَّ هاتين، و (من) لقيت ورأيت (وراء هذا الحائط) وخارجه حالة كونه (يشهد) ويقر (إن لا إله إلَّا الله) حالة كونه (مستيقنًا) أي موقنًا (بها) أي بمعنى هذه الكلمة مع عديلتها محمَّد رسول الله (قلبه) فاعل مستيقنًا (فبشره) أي بشر ذلك الذي رأيته (بالجنة) أي بدخول الجنَّة دار الكرامة.
قال النووي: معنى هذا الكلام أخبرهم أن من كانت هذه صفته فهو من أهل الجنَّة وإلا فأبو هريرة لا يعلم استيقان قلوبهم، وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق أنَّه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون المنطق، ولا المنطق دون الاعتقاد بل لا بد من الجمع بينهما، وقد تقدم إيضاحه في أول الكتاب وذكر القلب هنا للتأكيد ونفي توهم المجاز وإلا فالاستيقان لا يكون إلَّا بالقلب انتهى.
وقال القرطبي: واليقين هو العلم الراسخ في القلب الثابت فيه، يقال منه يقنت
стр. 840
فَكَانَ أوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ، فَقَال: مَا هَاتَانِ النَّعْلانِ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟ قُلْتُ (١): هَاتَانِ نَعْلا رَسُولِ الله ﷺ ، بَعَثَنِي بِهِمَا مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ: أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله مُسْتَيقِنًا بِهَا قَلْبُهُ .. بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَينَ ثَدْييَّ
ــ
الأمر بالكسر معناه أيقنت واستيقنت وتيقنت كله بمعنى واحد وربما عبروا بالظن عن اليقين، وباليقين عن الظن، قال أبو مسعدة الأسدي:
تحسَّبَ هَوَّاسٌ وأيقن أنني ... بها مُفتدٍ من واحد لا أغامره
يقول تشمم الأسد ناقتي يظن أنني أفتدي بها منه وأتركها له ولا أقاتله، قاله الجوهري، وقال غيره: اليقين هو السكون مع الوضوح، يقال: يقن الماء أي سكن وظهر ما تحته، فذهبت من عند رسول الله ﷺ آخذًا نعليه (فكان أول من لقيت) ورأيت بعد مفارقة النَّبيِّ ﷺ بنصب أول على أنَّه خبر كان مقدم على اسمها ورفع (عمر) على أنَّه اسمها مؤخر لكونه أعرف من المضاف أي فكان عمر بن الخطاب ﵁ أول من رأيته من النَّاس بعد ذهابي من عند النَّبيِّ ﷺ آخذًا بنعليه (فقال) عمر (ما هاتان النعلان) اللتان تمشي بهما (يا أبا هريرة قلت) له (هاتان نعلا رسول الله ﷺ بعثني بهما) إلى النَّاس على أني (من لقيتـ) ـه ورأيته (من) النَّاس (وراء هذا الحائط) والبستان حالة كونه (يشهد) ويقر (إن لا إله إلَّا الله) حالة كونه (مستيقنًا بها) أي موقنًا بمعناها (قلبه بشرته بالجنة) أي بدخولها، قال القرطبي: المبشر من لقي منهم أو من غيرهم مع المشاركة في السبب المذكور، قال النواوي: وفي بعض الأصول (فقلت هاتين نعلا رسول الله ﷺ بنصب هاتين ورفع نعلا وهو صحيحٌ، معناه فقلت: أعني هاتين هما نعلا رسول الله ﷺ فنصب هاتين بإضمار أعني وحذف هما التي هي المبتدأ للعلم به، وأمَّا قوله (بعثني بهما) فهكذا ضبطناه بهما على التثنية وهو ظاهر، ووقع في كثير من الأصول، أو أكثرها (بها) من غير ميم، وهو صحيحٌ أيضًا، ويكون الضمير عائدًا إلى العلامة فإن النعلين كانتا علامة والله أعلم اهـ. نووي.
(فضرب عمر) بن الخطاب (بيده) في صدري (بين ثديي) بفتح المثلثة وسكون الدال وبياءين مفتوحتين ثانيتهما مشددة تثنية ثدي، وهو مذكر، وقد يؤنث في لغة قليلة،
стр. 841
فَخَرَرْتُ لاسْتِي، فَقَال: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً،
ــ
واختلفوا في اختصاصه بالمرأة، فمنهم من قال يكون للرجل والمرأة، ومنهم من قال: هي للمرأة خاصة، فيكون إطلاقه في الرجل مجازًا واستعارة، وقد أكثر إطلاقه في الأحاديث على الرجل (فخررت) أي سقطت (لاستي) أي على استي ودبري، والاسْتُ بكسر الهمزة اسم من أسماء المدبر، فالمستحب في مثل هذا الكناية عن قبيح الأسماء، واستعمال المجاز والألفاظ التي تُحصِّلُ الغرض ولا يكون في صورتها ما يستحيا من التصريح بحقيقة لفظه، وبهذا الأدب جاء القرآن العزيز والسنن كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وقد يستعملون صريح الاسم لمصلحة راجحة وهي إزالة اللبس أو الاشتراك أو نفي المجاز أو نحو ذلك كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ وقوله ﷺ : "أنكتها" وكقوله ﷺ : "أدبر الشَّيطان وله ضراط" وكقول أبي هريرة ﵁: الحدث فساء أو ضراط، ونظائر ذلك كثير، واستعمال أبي هريرة هنا لفظ الاست من هذا القبيل والله أعلم اهـ نووي.
وعبارة القرطبي (قوله فخررت لاستي) أي على استي كما قال تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ أي عليها من الخرور وهو السقوط، وكأنه وكزه في صدره فوقع على استه، وقال القاضي عياض: (قوله فضرب عمر) لم يقصد عمر ﵁ بضربه إذايته، ولا رد أمره صَلَّى الله عليه وسلام وإنما رأى المصلحة في عدم التبشير خوف الاتكال فتكثر أجورهم، والتبشير وإن كان للخواص لكن خاف أن يصل العوام، ولذا صوبه ﷺ مع أن المصادر عنه ليس أمرًا حقيقة بل تطييب لنفوس الصّحابة وفي الحديث إشارة أهل الفضل والوزراء على الإمام وإن لم يستشرهم، ووقفهم بعض أمره حتَّى يعرضوا عليه ما رأوه فيه ورجوع الإمام إلى صواب ذلك. اهـ
(فقال) عمر لأبي هريرة (ارجع يا أبا هريرة) إلى رسول الله ﷺ ولا تبشر النَّاس بذلك قال أبو هريرة (فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بكاءً) أي تهيأت لبكاء وأخذت فيه، قال أبو عبيد: الجهش أن يفزع الإنسان إلى الإنسان مريدًا للبكاء كالصبي يفزع إلى أمه، فقال: جهشت جهوشًا وأجهشت إجهاشًا لغتان، وقال أبو زيد جهشت للبكاء والحزن والشوق جهوشًا فهو بالجيم والشين
стр. 842
وَرَكِبَنِي عُمَرُ فَإِذَا هُوَ عَلَى أثَرِي، فَقَال لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟ "، قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ، فَضَرَبَ بَينَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لاسْتِي، قَال: ارْجِعْ فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ:
ــ
المعجمة والهمزة والهاء مفتوحتان، قال النووي: هكذا وقع في الأصول التي رأيناها وهما صحيحان، وقال القاضي عياض: والإجهاش هو أن يفزع الإنسان إلى غيره وهو متغير الوجه متهيء للبكاء ولما يبك بعد، وقال الطبري: هو الفزع والاستغاثة وأمَّا قوله (بكاء) فهو منصوب على المفعول له، وقد جاء في رواية للبكاء، والبكاء يمد ويقصر لغتان اهـ نووي.
(وركبني عمر) أي تبعني ولحقني ومشى خلفي في الحال بلا مهلة ولا تأخر، وقال القاضي عياض: تبعني في العين والوقت ومنه حديث حذيفة: "إنَّما تهلكون إذا صريح تمشون الركبان كأنكم يعاقيب الحجل" أراد أنكم تمضون على وجوهكم دون تثبت ولا استئذان من هو أسنُّ منكم، يركب بعضكم بعضًا فعل اليعاقيب، واليعاقيب جمع يعقوب وهو ذكر الحجل اهـ.
و(إذا) في قوله (فإذا هو) أي عمر (على أثري) أي ورائي وخلفي فجائية والفاء عاطفة ما بعدها على قوله فأجهشت بكاء، والتقدير فتهيأت للبكاء عند النَّبيِّ ﷺ ففاجأني حضور عمر على أثري، وأمَّا قوله (على أثري) ففيه لغتان مشهورتان فصيحتان: كسر الراء وإسكان الثاء وفتحهما (فقال لي رسول الله ﷺ ما لك) أي أي شيء ثبت لك، وأي مشكلة نزلت بك تتهيأ للبكاء (يا أبا هريرة قلت) له جوابًا لاستفهامه لما ذهبت من عندك (لقيت) واستقبلت (عمر) بن الخطاب (فأخبرته) أي فأخبرت عمر (بـ) ـالأمر (الذي بعثتني) وأرسلتني (به) من تبشير من لقيته بالجنة (فضربـ) ـني في صدري (بين ثديي) أي بين ثديين لي (ضربة) شديدة؛ أي وكزني وكزة شديدة (خررت) وسقطت منها (لاستي) أي على استي ودبري ثم (قال) لي عمر معطوف بعاطف مقدر على ضرب (ارجع) يا أبا هريرة إلى رسول الله ﷺ ولا تخبر النَّاس بهذه البشارة، فحمل عمر البشارة على العموم، ولكن مراد النَّبيُّ ﷺ الخصوص فخشي عمر في الخصوص أن يفشو ويتسع (فقال له) أي لعمر (رسول الله) ﷺ (يا عمر ما حملك) وبعثك (على ما فعلت) بأبي هريرة من منعه من
стр. 843
"يَا عُمَرُ (١)؛ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ "، قَال: يَا رَسُولَ الله؛ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيرَةَ بِنَعْلَيكَ، مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ: أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ مُسْتَيقِنًا بِهَا قَلْبُهُ .. بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ ! قَال: "نَعَمْ"، قَال: فَلَا تَفْعَلْ؛ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيهَا فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ، قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَخَلِّهِمْ"
ــ
التبشير ورده عليَّ (قال) عمر جوابًا لاستفهامه ﷺ (يا رسول الله بأبي أنت وأمي) أي أنت مَفْدِيٌّ من كل مكروه بأبي وأمي، أو أفديك بأبي وأمي، وفي هذا جواز قول الرجل للآخر بأبي أنت وأمي، وقد كرهه بعض السلف وقال: لا يُفدَّى بمسلم، والأحاديث الصحيحة تدل على جوازه سواء كان المفدى بهما مسلمين أم لا وسواء كانا حيين أو ميتين؛ لأنَّه ليس المراد الحقيقة وإنَّما هو على معنى الحنانة والبر (أبعثت) أي هل أرسلت يا رسول الله (أبا هريرة) إلى النَّاس حالة كونه ملتبسًا (بنعلبك) على أنَّه (من لقي) ورأى من النَّاس حالة كون ذلك المَلْقِيِّ له (يشهد) ويقر (إن لا إله إلَّا الله مستيقنًا بها) أي موقنًا بمعنى هذه الكلمة (قلبه بشره بالجنة) أي بدخولها (قال) النَّبيُّ ﷺ (نعم) أرسلته ليبشر النَّاس بالجنة (قال) عمر للنبي ﷺ (فلا تفعل) يا رسول الله ذلك التبشير (فإني أخشى) وأخاف (إن يتكل النَّاس) ويعتمدوا (عليها) أي على تلك الشهادة، ويكتفوا بمجردها عن إكثار الأعمال الصالحة، فليس في تبشيرهم بذلك مصلحة لهم لقلة عملهم وأجورهم حينئذ (فخلهم) يا رسول الله أي اتركهم على حالهم واجتهادهم في العمل الصالح حالة كونهم (يعملون) أي يكثرون من العمل الصالح (قال رسول الله ﷺ لأبي هريرة إذا كان الأمر كذلك؛ أي اتكالهم على مجرد الشهادة (فخلهم) يا أبا هريرة على حالهم، فلا تخبرهم بهذه البشارة مخافة اتكالهم على مجردها.
قال الأبي: والأظهر أن عمر لم يسمع حديث معاذ المتقدم لقوله: فإني أخشى، فهو من إلهاماته النفسية، ويكون سكوته ﷺ عن ذلك اتكالًا على ما سبق بيانه، وقال الأبي أيضًا: وليس هذا من النسخ قبل الفعل لأنَّه قد بلغ البعض، قال القاضي عياض: وفي هذا رجوع الإمام إلى ما ظهر له صوابه، ولا خلاف أن له ﷺ أن يجتهد في أمور الدُّنيا ويرجع إلى رأي غيره في ذلك كما فعل في تلقيح
стр. 844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النخيل والنزول ببدر ومصالحة أهل الأحزاب. انتهى
"بشارة": وعندما وصلت إلى هذا المحل من الكتابة في جوف الليلة الحادية والعشرين من شعبان ليلة الخميس في تاريخ (٢١/ ٨ / ١٤١٩ هـ) كسلت من الكتابة ورقدت، ورأيت في المنام كأني بنيت بيتًا كان سقفه في السماء، وأركان جداره في مشارق الأرض ومغاربها وجنوبها وشمالها وفي قصدي جعل بعضه مساجد، وبعضه مدارس للمسلمين، والنّاس يأتون إليه ويتعجبون منه، وجاء رجل أبيض أحسن النَّاس قدًا وهيئة وجمالًا وطاف بذلك البيت وتعجب منه ويقول بصوت رفيع: رحم الله امرأ بنى بما لم يبن غيره، وأظن ذلك الرجل النبي ﷺ أر الإمام مسلمًا وأكبر ظني أنَّه النَّبيُّ ﷺ ، ورأيت في تلك الرؤيا بشارة عظيمة لا أستطيع وصفها الآن والحمد لله على هذه البشارة، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ وإلى المقصود نرجع فنقول:
قال الأبي: واختلف هل له ﷺ أن يجتهد في الشرعيات؟ وهل هو معصوم في اجتهاده أم هو كغيره؟ والصَّواب أن له ذلك لقوله تعالى ﴿لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ﴾ الآية، ولحكمه برأيه في أسرى بدر، وأنَّه معصوم في ذلك لأنَّ اجتهاده ركن من أركان الشريعة تستنبط منه الأحكام ويقاس عليه فكيف يتصور فيه الخطأ ومخالفة الحق، وإنَّما الحق والصَّواب ما فعله، وإنَّما الشرع ما اجتهد فيه، وخطأ المجتهدين إنَّما هو بعدم توفيقهم إلى فهمهم مراده ﷺ وهذا كله على أن المصيب واحد، وأمَّا على أن كل مجتهد مصيب فالأمر واضح.
قال الأبي: جواز الاجتهاد له ﷺ للأكثر، وتوقف فيه إمام الحرمين، ومنعه الجبائي وابنه والإمامية، والحقُّ ما ذُكر من عصمته فيه، وحكى الطُّوسي عن جماعة: جواز ذلك عليه، قالوا: ولكن لا يقر عليه، واختاره ابن الحاجب، ولم نزل نسمع إنكار هذا القول وترجيح ابن الحاجب له انتهى.
قال القرطبي: (وأعلم) أن ضرب عمر لأبي هريرة حتَّى سقط لم يكن ليؤذيه ويوقعه، ولكن إنَّما كان ليوقفه ويمنعه من النهوض بالبشرى حتَّى يراجع النَّبيَّ ﷺ ، ولم يكن ذلك من عمر اعتراضًا على رسول الله ﷺ ولا ردًّا لأمره وإنَّما كان ذلك سعيًا في استكشاف عن مصلحة ظهرت له لم يعارض بها حكمًا
стр. 845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا شرعًا، إذ ليس فيما أمره به إلَّا تطييب قلوب أصحابه أو أمته بتلك البشرى، فرأى عمر أن السكوت عن تلك البشرى أصلح لهم لئلا يتكلوا على ذلك فتقل أعمالهم وأجورهم، ولعل عمر قد كان سمع ذلك من النَّبيِّ ﷺ كما سمعه معاذ ﵄ على ما يأتي في حديث معاذ الآتي قريبًا فيكون ذلك تذكيرًا للنبي ﷺ بما قد سمع منه، ويكون سكوت النَّبيِّ ﷺ عن ذلك تعديلًا على ما قد كان تعذر لهم تبيانه لذلك، ويكون عمر لما خصه الله تعالى به من الفطنة وحضور الذهن تذكّر ذلك واستبلد أبا هريرة إذ لم يتفطن لذلك ولا تذكره فضربه تلك الضربة تأديبًا وتذكيرًا، وفي هذا الحديث دليل على جواز تخصيص العموم بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار، وقد اختلف فيه الأصوليون، وفيه عرض المصالح على الإمام وإن لم يستدع ذلك، وفيه أبواب لا تخفى، والله أعلم انتهى.
قال النواوي: (وأعلم) أن حديث أبي هريرة هذا مشتمل على فوائد كثيرة تقدم في أثناء الكلام منه جمل ففيه جلوس العالم لأصحابه ولغيره من المستفتين وغيرهم يُعلمهم ويفيدهم ويفتيهم، وفيه ما قدمناه أنَّه إذا أراد ذكر جماعة كثيرة فاقتصر على بعضهم ذكر أشرافهم أو بعض أشرافهم، ثم قال: وغيرهم، وفيه بيان ما كانت الصّحابة عليه رضي الله تعالى عنهم من القيام بحقوق رسول الله ﷺ وإكرامه والشفقة عليه والانزعاج البالغ لما يطرقه ﷺ ، وفيه اهتمام الأتباع بحقوق متبوعهم والاعتناء بتحصيل مقاصده، ودفع المفاسد عنه، وفيه جواز دخول الإنسان مِلك غيره بغير إذنه؛ إذا علم أنَّه يرضى ذلك لمودة بينهما أو غير ذلك، فإن أبا هريرة ﵁ دخل الحائط وأقره النَّبيُّ ﷺ على ذلك، ولم يُنقل أنَّه أنكر عليه، وهذا غير مختص بدخول الأرض، بل يجوز له الانتفاع بأدواته وأكل طعامه والحمل من طعامه إلى بيته، وركوب دابته ونحو ذلك من التصرف الذي يعلم أنَّه لا يشق على صاحبه هذا هو المذهب الصَّحيح الذي عليه جماهير السلف والخلف من العلماء رحمة الله تعالى عليهم، وصرح به أصحابنا، قال أبو عمر ابن عبد البر: وأجمعوا على أنَّه لا يتجاوز الطَّعام وأشباهه إلى الدراهم والدنانير وأشباههما وفي ثبوت الإجماع في حق من يقطع بطيب قلب صاحبه بذلك نظر، ولعل هذا يكون في الدراهم والدنانير الكثيرة التي يشك أو قد يشك في رضاه بها، فإنهم اتفقوا على أنَّه إذا تشكك لا يجوز التصرف مطلقًا فيما