← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

فِيهَا. قَال: فَجَاشَتْ. فَسَقَينَا وَاسْتَقَينَا. قَال: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَانَا لِلْبَيعَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ. قَال: فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ. ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ. حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِنَ النَّاسِ قَال: "بَايِعْ يَا سَلَمَةُ! " قَال: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ. يَا رَسُولَ اللهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ. قَال: "وَأَيضًا" قَال: وَرَآنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَزِلًا (يَعْنِي لَيسَ مَعَهُ سِلاحٌ) ــ فيها وبصق فنالته بركة دعائه أو بساقه قال النووي هكذا هو في النسخ (بسق) صحيحة يقال بزق وبصق وبسق ثلاث لغات بمعنى واحد والسين فيه قليلة الاستعمال (قال) سلمة (فجاشت) البئر أي فاض ماؤها وفار وارتفع وهي معجزة ظاهرة من معجزاته ﷺ يقال: جاش الشيء يجيش جيشانًا إذا ارتفع (فسقينا) منها أنفسنا ودوابنا (واستقينا) أي عبينا منها أسقيتنا وأخذنا منها في مزادتنا (قال) سلمة (ثم) بعدما سقينا واستقينا منها (إن رسول الله ﷺ دعانا) معاشر الحاضرين معه (للبيعة) والبيعة هنا العهد وبايعه على كذا إذا عاهده وعاقده عليه وكان سبب هذه البيعة أن النبي ﷺ لما صده المشركون عن دخول مكة بعث عثمان ﵁ إلى مكة بكتاب يخبر به أشراف قريش بأنه لم يأت إلا زائرًا للبيت ومعظمًا لحرمته فأشيع قتل عثمان حتى بلغ النبي ﷺ فقال: أما والله إن قتلوه لأناجزنهم ودعا الناس للبيعة فبايعه بعضهم على الموت وبعضهم على أن لا يفروا وتسمى هذه البيعة بيعة الرضوان لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ أي دعانا للبيعة وهو ﷺ جالس (في أصل الشجرة) أي تحت أصل شجرة الحديبية (قال) سلمة: (فبايعته) ﷺ تلك البيعة (أول) جميع (الناس) (ثم بايع) أي ثم بعد مبايعتي إياه بايع رسول الله ﷺ الناس (وبايع) أيضًا (حتى إذا كان) رسول الله ﷺ (في) مبايعة (وسط من الناس قال) لي رسول الله ﷺ : (بايعـ) ـني (يا سلمة قال: قلت) له ﷺ : (قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس قال) رسول الله ﷺ : (وأيضًا) بايعني مرة ثانية (قال) سلمة ﵁: (ورآني رسول الله ﷺ عزلًا) بفتح العين وكسر الزاي وقيل بضمهما وفسره في الكتاب بمن لا سلاح معه حيث قال (يعني ليس معه سلاح) أي آلة حرب ويقال له أيضًا أعزل وهو أشهر استعمالًا قاله النووي وقد

стр. 8052

قَال: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ حَجَفَةً أَوْ دَرَقَةً. ثُمَّ بَايَعَ. حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَال: "أَلا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ؟ " قَال: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ. يَا رَسُولَ اللهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ, وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ. قَال: "وَأَيضًا" قَال: فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ. ثُمَّ قَال لِي: "يَا سَلَمَةُ! أَينَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيتُكَ؟ " قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلًا. فَأَعْطَيتُهُ إِيَّاهَا. قَال: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَال: "إِنَّكَ كَالَّذِي قَال الأَوَّلُ: ــ وقع في بعض نسخ مسلم (أعزل) على اللغة المشهورة وبهذا اللفظ أثبته ابن الأثير في جامع الأصول [٨/ ٣١١] (قال) سلمة (فأعطاني رسول الله ﷺ حجفة) بتقديم الحاء على الجيم وكلتاهما مفتوحتان وهي الترس الصغير يطارق بين جلدين كما في المصباح (أو) قال لي سلمة أعطاني (درقة) والشك من إياس بن سلمة والدرقة بفتحات نوع من التروس أيضًا (ثم بايع) رسول الله ﷺ الناس (حتى إذا كان) رسول الله ﷺ (في) مبايعة (آخر الناس) مبايعةً (قال) لي رسول الله ﷺ : (ألا تبايعني يا سلمة قال) سلمة: (قلت) له ﷺ : (قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس قال) لي رسول الله ﷺ (وأيضًا) بايعني يا سلمة (قال) سلمة: (فبايعته) ﷺ المرة (الثالثة) فيه فضيلة ظاهرة لسلمة بن الأكوع ﵁ وفي مبايعته ﷺ له ثلاث مرات إشارة إلى أنه سيحضر ثلاث مشاهد يكون فيها بلاء حسن وقد كان الأمر كذلك فاتصل بالحديبية غزوة ذي قرد واتصل بها فتح خيبر وكان له في كل منها غناء أفاده في شرح البهجة كذا في شرح الذهني (ثم قال لي) رسول الله ﷺ : (يا سلمة أين حجفتك أو) قال لي: أين (درقتك التي أعطيتك قال) سلمة: (قلت) له ﷺ : (يا رسول الله لقيني عمي عامر) بن الأكوع (عزلًا) أي عاريًا من السلاح (فأعطيته إياها) أي تلك السلاح (قال) سلمة: (فضحك رسول الله ﷺ أي تبسم بي (وقال) لي: (إنك) يا سلمة (كالذي قال الأول) منصوب على الظرفية يعني إنك مثل الرجل الذي قال في الزمان الأول الخ كذا فسره ابن الملك في مبارق الأزهار [١/ ١٩٢] والسندي في حاشيته لصحيح مسلم ويحتمل أيضًا أن يكون لفظ الأول مرفوعًا على أنه صفة لمحذوف هو فاعل قال والتقدير إنك كالقول الذي قاله الرجل الأول والمراد به هنا

стр. 8053

اللَّهُمَّ أَبْغِنِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي". ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ. حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ. وَاصْطَلَحْنَا. قَال: وَكُنْتُ تَبِيعًا لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيدِ اللَّهِ. أَسْقِي فَرَسَهُ, وَأَحُسُّهُ, وَأَخْدُمُهُ, وَآكُلُ مِنْ طَعَامِهِ. وَتَرَكْتُ أَهْلِي وَمَالِي, مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ . قَال: فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ, وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ, أَتَيتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا ــ المتقدم بالزمان والمعنى أن شأنك هذا مع عمك يشبه فحوى القول الذي قاله الرجل المتقدم زمانه كذا فسره الشيخ محمد الذهني في تعليقه وتفسير ابن الملك عندي أولى ووقع في رواية أحمد في مسنده [٤/ ٤٩] (إنك كالذي قال) ولم يذكر لفظ الأول (اللهم أبغني) أي أعطني هو بهمزة الوصل من البغاء بضم الباء أي اطلب لي وبهمزة القطع من الإبغاء أي أعني على الطلب كذا في المبارق قلت والوجه الثاني هو الأوجه في هذا المقام (حبيبًا هو أحب إلي من نفسي) أشار به النبي ﷺ إلى أن سلمة آثر عمه على نفسه إذ أعطاه سلاحه مع احتياجه فصاركمن يدعو الله تعالى أن ييسر له رجلًا يكون أحب إليه من نفسه فيؤثر عليه وفيه من مدح سلمة ونعته بالإيثار ما لا يخفى. (ثم إن المشركين راسلونا الصلح) من المراسلة أي أرسلنا إليهم وأرسلوا إلينا في أمر الصلح وشأنه (حتى مشى) أي إلى أن مشى (بعضنا في بعض) أي إلى بعض ففي بمعنى إلى نظير قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي إلى أفواههم ويحتمل كونها بمعنى مع أي حتى مشى بعضنا مع بعض قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ راسلونا وفي بعضها (راسونا) بضم السين المهملة المشددة وحكى القاضي أيضًا فتحها بلا ألف يعني رسونا من رس بينهم إذا أصلح وهما بمعنى راسلونا قوله (واصطلحنا) معطوف على راسلونا أي واتفقنا على إمضاء الصلح بيننا (قال) سلمة: (وكنت تبيعًا لطلحة بن عبيد الله) أي خادمًا له أتبعه والتبيع الخادم لأنه يتبع الذي يخدمه (أسقي فرسه) الماء (وأحسه) أي: أحس فرسه بضم الحاء من باب شد أي أحك ظهر الفرس بالمحسة لأزيل عنه الغبار ونحوه (وأخدمه) من باب نصر وضرب أي في جميع حوائجه (وآكل من طعامه وتركت أهلي ومالي مهاجرًا) من قومي الأسلميين (إلى الله ورسوله ﷺ قال) سلمة: (فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض) يعني أمن كل واحد من الفريقين الآخر بعد الصلح (أتيت شجرة) من أشجار الحديبية (فكسحت شوكها) أي

стр. 8054

فَاضْطَجَعْتُ فِي أَصْلِهَا. قَال: فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَبْغَضْتُهُمْ. فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى. وَعَلَّقُوا سِلاحَهُمْ. وَاضْطَجَعُوا. فَبَينَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ, قُتِلَ ابْنُ زُنَيمٍ. قَال: فَاخْتَرَطْتُ سَيفِي. ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَى أُولَئِكَ الأَرْبَعَةِ وَهُمْ رُقُودٌ. فَأَخَذْتُ سِلاحَهُمْ. فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا فِي يَدِي ــ كنست ما تحتها من الشوك يقال: كسحت البيت إذا كنسته ونحيت ما في أرضه مما يؤذي ساكنه كذا في جامع الأصول (فاضطجعت في أصلها) أي تحت أصلها مستظلًا بها (فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا) أي شرعوا (يقعون في) عرض (رسول الله ﷺ أي يغتابونه ويسبونه (فأبغضتهم) أي أظهرت بغضني إياهم (فتحولت) انتقلت من تلك الشجرة (إلى شجرة أخرى وعلقوا سلاحهم) أي سيوفهم بالشجرة التي تحولت أنا منها (واضطجعوا) تحتها للنوم (فبيما هم كذلك) أي مضطجعون للنوم (إذ نادى مناد من أسفل الوادي) أي وادي حديبية وإذ فجائية رابطة لجواب بينما أي فبينما أوقات اضطجاعهم فاجأني نداء مناد من أسفل الوادي يقول: (يا للمهاجرين قتل ابن زنيم) بضم الزاي وفتح النون مصغرًا وكان رجلًا من أصحاب النبي ﷺ قتله أحد المشركين بالحديبية أخرج ابن جرير وعبد بن حميد عن قتادة ذكر لنا أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له ابن زنيم اطلع الثنية زمان الحديبية فرماه المشركون فقتلوه كذا في الدر المنثور للسيوطي [٦/ ٧٥ و ٧٦] ولم أر من ذكر اسمه وقوله (يا للمهاجرين) إعرابه يا حرف نداء واللام حرف جر واستغاثة مبني على الفتح وإنما حرك لكونه على حرف واحد وكانت الحركة تشبيهًا له باللام الداخلة على الضمير المهاجرين منادى مستغاث به مجرور باللام ولا تحتاج إلى متعلق تتعلق به لأنها شبيهة بالزائد أو متعلقة بفعل النداء (قال) سلمة: (فاخترطت سيفي) أي سللته من غمده وأخرجته منه زعمًا بأن المشركين نقضوا الصلح (ثم شددت) أي حملت وكررت (على أولئك الأربعة) الذين تحولت لأجلهم من شجرتي الأولى (وهم) أي والحال أنهم (رقود) أي نيام والرقاد النوم ليلًا كان أو نهارًا وبعضهم يخصه بنوم الليل (فأخذت سلاحهم) المعلقة على الشجرة (فجعلته) أي جعلت سلاحهم (ضغثًا) أي حزمة مجموعة (في يدي) والضغث بكسر الضاد وسكون الغين الحزمة

стр. 8055

قَال: ثُمَّ قُلْتُ: وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ! لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ إِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَينَاهُ. قَال: ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَال: وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ بِرَجُلٍ مِنَ الْعَبَلاتِ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزٌ: يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . عَلَى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ. فِي سَبْعِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَنَظَرَ إِلَيهِمْ ــ المجتمعة من قضبان أو حشيش أو نحوه مما يجمع في اليد كذا في جامع الأصول [٨/ ٣١٩] يريد أنه أخذ سلاحهم وجمع بعضه إلى بعض حتى جعله في يده حزمة قال في المصباح والأصل في الضغث أن يكون له قضبان يجمعها أصل واحد ثم كثر حتى استعمل فيما يجمع اهـ. (قال) سلمة: (ثم قلت) لأولئك الأربعة (والذي كرم) وشرف (وجه محمد) ﷺ (لا يرفع واحد منكم رأسه) من الأرض (إلا ضربت) العضو (الذي فيه عيناه) يريد رأسه (قال) سلمة: (ثم جئت بهم) أي بأولئك الأربعة حالة كوني (أسوقهم) قدامي (إلى رسول الله ﷺ قال) سلمة: (وجاء عمي عامر) بن الأكوع (برجل من العبلات) بفتحات هم بطن من قريش وهم أمية الصغرى من بني عبد شمس بن عبد مناف والنسبة إليهم عبلي ترده إلى الواحد كما في الصحاح للجوهري قال: لأن اسم أمهم عبلة بنت عبيد التميمية (يقال له مكرز) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء (يقوده) أي يقود عامر فرس ذلك الرجل بلجامه (إلى رسول الله ﷺ حالة كون ذلك راكبًا (على فرس) له (مجفف) ذلك الفرس أي ملبس بالتجافيف والفرس المجفف بصيغة اسم المفعول هو الذي عليه التجافيف والتجافيف جمع تجفاف بكسر التاء وهو ثوب كالجل يلبسه الفرس ليقيه من السلاح فهو في الخيل كالمدحج من الرجال وهو المنغمس في الدرع والسلاح وقوله (في سبعين من المشركين) متعلق بيقود قد اختلفت الروايات في عدد هؤلاء الذين أسروا فوقع في بعض الروايات أنهم كانوا ثلاثين وفي بعضها أربعين أو خمسين وكان سبب أسرهم أنهم عمدوا إلى عسكر المسلمين بعد الصلح فأرادوا التحامل عليهم فرموا المسلمين بالحجارة والنبل والظاهر أن ابن زنيم ﵁ قتل برميهم فبعث إليهم رسول الله ﷺ جماعة من المسلمين وكان عم سلمة بن الأكوع منهم هذه خلاصة الروايات المروية في هذه القصة (فنظر إليهم) أي إلى

стр. 8056

رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَال: "دَعُوهُمْ. يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ" فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] الآيَةَ كُلَّهَا. قَال: ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا. بَينَنَا وَبَينَ بَنِي لَحْيَانَ جَبَلٌ. وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ــ هؤلاء المشركين (رسول الله ﷺ فقال) للمسلمين رسول الله ﷺ (دعوهم) أي دعوا هؤلاء المشركين واتركوهم وخلوا سبيلهم وقوله (يكن لهم) مجزوم في جواب الطلب السابق أي إن تركتموهم يكن لهم (بدء الفجور) أي ابتداء الغدر (وثناه) أي إعادته والبدء هو الابتداء والفجور هنا نقض الصلح وثناه أي ثنا الفجور أي إعادته ثانيًا أي فليكن لهم أول النقض وآخره. قال في النهاية والثنى بكسر المثلثة وبالقصر الأمر يعاد مرتين قال في القاموس ولا ثنى في الصدقة كإلى أي لا تؤخذ مرتين في عام أو لا تؤخذ ناقتان مكان واحدة ووقع في بعض النسخ ثنياه بضم المثلثة وبياء وهي رواية ابن ماهان ولكن الرواية الأولى هي الصواب كما أفاده النووي نقلًا عن القاضي (فعفا عنهم) أي سامح عنهم (رسول الله ﷺ وخلا سبيلهم قال القاضي عياض إنما فعل ذلك سلمة وعمه لما ذكر من قتل المسلم بأسفل الوادي فرأى المسلمون أن الصلح قد انتقض بذلك بجهل قاتله كذا في شرح الأبي (وأنزل الله) في ذلك قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾ الآية [الفتح: ٢٤] كلها وردت في سبب نزول هذه الآية روايات أخرى أيضًا كما هي مذكورة في جامع البيان والدر المنثور ولا تزاحم بينها لأن الآية الواحدة ربما تنزل بأسباب متعددة. (قال) سلمة: (ثم خرجنا) من الحديبية (راجعين إلي المدينة فنزلنا) في إيابنا (منزلًا بيننا وبين بني لحيان) بكسر اللام وفتحها اسم قبيلة (جبل) يريد أننا أنزلنا منزلًا قريبًا من بني لحيان لا يحول بيننا وبينهم إلا جبل واحد (وهم المشركون) ضبطه بعض الرواة بضم الهاء على أنه ضمير جمع الغائب والمراد أن بني لحيان مشركون وضبطه بعضهم بفتح الهاء وتشديد الميم المفتوحة على أنه فعل ماض أي وهم وأغم شأن المشركين الذين هم

стр. 8057

فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَنْ رَقِيَ هَذَا الْجَبَلَ اللَّيلَةَ. كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ. قَال سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيلَةَ مَرَّتَينِ أَوْ ثَلاثًا. ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَنَا مَعَهُ. وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ. أُنَدِّيهِ مَعَ الظَّهْرِ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ. وَقَتَلَ رَاعِيَهُ. قَال: ــ بنو لحيان النبي ﷺ وأصحابه مخافة أن يبيت المشركون إياهم في الليل لكونهم نزلوا قربهم يقال: همني الأمر وأهمني بمعنى أي أغمني وأحزنني (فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقي) وصعد من باب رضي (هذا الجبل) الذي بينهم وبين بني لحيان (الليلة) أي في هذه الليلة (كأنه طليعة) ومراقبة (للنبي ﷺ وأصحابه) والطليعة من يتطلع على العدو ويخبر القوم (قال سلمة فرقيت) الجبل (تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا) طليعة للنبي ﷺ وأصحابه (ثم قدمنا المدينة فبعث رسول الله ﷺ بظهره) الظهر الإبل تعد للركوب وحمل الأثقال أي بعث ﷺ بمركوبه (مع رباح غلام رسول الله ﷺ إلى موضع لقاحه ليرعى مع اللقاح في موضعها خارج المدينة وهو الغابة أي بعثه (وأنا معه) أي مع رباح قال سلمة: (وخرجت معه) أي مع رباح (بفرس طلحة) بن عبيد الله حالة كوني (أنديه) وأسقيه من التندية أي أندي وأسقي فرس طلحة (مع الظهر) أي مع ظهر رسول الله ﷺ الذي أرسله مع رباح قال الأصمعي: التندية بالنون أن تورد الإبل والخيل حتى تشرب قليلًا ثم ترعى ساعة ثم تردها إلى الماء من يومها أو من الغد كذا في جامع الأصول وذكر أهل اللغة عن القتيبي أنه إنما يفعل ذلك لطول ظمئها ولعله يريد أنها لو تركت تشرب من المورد ما شاءت لشربت كثيرًا بحيث يضرها فتورد قليلًا ثم يذهب بها إلى المرعى ومراد سلمة أنه خرج لتندية فرس طلحة ﵁ لما مر أنه كان يخدمه (فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار) مع قومه وهجم (على ظهر رسول الله ﷺ ونوقه التي بالغابة (فاستاقه) أي فساقه كله (أجمع) ليأخذه (وقتل راعيه) أي راعي ظهره ونوقه وهو يسار النوبي كما مر (قال) سلمة:

стр. 8058

فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ! خُذْ هَذَا الْفَرَسَ فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيدِ اللَّهِ. وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ. قَال: ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ. فَنَادَيتُ ثَلاثًا: يَا صَبَاحَاهْ , ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ. وَأَرْتَجِزُ. أَقُولُ: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ ... وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ. فَأَصُكُّ سَهْمًا فِي رَحْلِهِ. حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَتِفِهِ. قَال: قُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ ... وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ قَال: فَوَاللَّهِ! مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ ــ (فقلت) للغلام: (يا رباح خذ هذا الفرس) مني (فأبلغه طلحة بن عبيد الله) وسلمه مني إليه (وأخبر رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا) وهجموا (على سرحه) ﷺ وأخذوها والسرح بفتح السين وسكون الراء الإبل والمواشي الراعية سميت بذلك لسروحها غدوة للمرعى اهـ من الأبي نقلًا عن القاضي عياض (قال) سلمة (ثم قمت على أكمة) بفتح الهمزة والكاف وهي التل من حجارة أو المواضع يكون أشد ارتفاعًا مما حوله وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا كذا في القاموس (فاستقبلت المدينة فناديت) أي صرخت (ثلاثًا يا صباحاه ثم) نزلت من الأكمة و (خرجت) أي ذهبت (في آثار القوم) الفزاريين الذين أغاروا على سرحه حالة كوني (أرميهم بالنبل) أي بالسهم (وأرتجز) أي أنشد الرجز حالة كوني (أقول) في ارتجازي (أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فألحق رجلًا منهم) أي من الفزاريين أي لحقت رجلًا منهم معطوف على خرجت وإنما اختار صيغة المضارع لأجل حكاية الحال الواقعة إذ ذاك ومثله قوله (فأصك) أي فصككت من باب شد والصك في اللغة الضرب باليد والمراد هنا الرمي بالسهم كذا في جامع الأصول أي فرميت (سهمًا في رحله) أي في مؤخرة رحله والرحل مركب البعير كالسرج للفرس (حتى خلص) ونفذ (نصل السهم) وحديدته إلى كتفه أي أعلى ظهره (قال) سلمة (قلت) للرجل (خذها) أي خذ هذه الطعنة مني (وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع قال) سلمة: (فوالله ما زلت) ولا برحت (أرميهم وأعقر بهم) أي أرميهم بالنبل

стр. 8059

فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ أَتَيتُ شَجَرَةً فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا ثُمَّ رَمَيتُهُ. فَعَقَرْتُ بِهِ. حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ, عَلَوْتُ الْجَبَلَ. فَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ. قَال: فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي. وَخَلَّوْا بَينِي وَبَينَهُ ــ وأعقر بخيلهم وأصل العقر ضرب قواثم البعير أو الشاة بالسيف ثم اتسع حتى استعمل في القتل كما وقع هنا وحتى صار يقال عقرت البعير أي نحرته اهـ نووي وفي تعليق الذهني قوله (وأعقر بهم) مفعوله محذوف تقديره وأعقر بهم أفراسهم أي أقتلها قال في النهاية يقال: عقرت به إذا قتلت مركوبه وجعلته راجلًا اهـ (فإذا رجع إليَّ فارس) منهم (أتيت شجرة فجلست في أصلها) أي تحت أصلها تسترًا بها (ثم رميته) بالنبل (فعقرت به) فرسه وقوله (حتى إذا تضايق الجبل) غاية لقوله فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم حتى إذا تضايق الجبل وتدانى بعضه إلى بعض وتقاربت أطرافه (فدخلوا في تضايقه) أي في المحل المتضايق منه واستتروا مني به بحيث لا يبلغهم ما أرميهم به من السهام والتضايق ضد الاتساع وقوله (علوت الجبل) جواب إذا أي علوت وصعدت الجبل أي أعلاه (فجعلت أرديهم) أي أسقط عليهم (بالحجارة) يعني لما امتنع علي رميهم بالسهام عدلت عن ذلك إلى رميهم من أعلى الجبل بالحجارة التي تسقطهم وتهورهم يقال: ردى الفرس راكبه إذا أسقطه وهوره (قال) سلمة (فما زلت كذلك) أي أرديهم بالحجارة حالة كوني (أتبعهم) أي أتتبعهم وأمشي وراءهم (حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلفته وراء ظهري) من في قوله من بعير زائدة أتى بها لتأكيد العموم وقد يؤتى بها للتنصيص على العموم في نحو ما رأيت من رجل فإنه قبل دخولها يحتمل نفي الجنس ونفي الموحدة ولهذا يصح أن يقال بل رجلين وبعد دخولها تعين نفي عموم الرجال وإنما سميت زائدة لأن الكلام يستقيم بدونها فيصح أن يقال حتى ما خلق الله بعيرًا ومن في قوله من ظهر بيانية والمعنى أنه ما زال بهم إلى أن استخلص منهم كل بعير أخذوه من إبل رسول الله ﷺ وقوله إلا خلفته وراء ظهري أي تركته يريد أنه جعله في حوزته وحال بينهم وبينه (وخلوا بيني وبينه) من التخلية وهو رفع الحيلولة أي وتركوا الحيلولة بيني وبين كل بعير من ظهر رسول الله ﷺ يعني تركوه لأقبضه وظاهره أن سلمة ﵁ قد استنقذ جميع لقاح رسول الله ﷺ وقد ذكر أصحاب السير كابن هشام في سيرته [٢/ ٢١٤]، والواقدي في

стр. 8060

ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ. حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِينَ بُرْدَةً وَثَلاثِينَ رُمْحًا. يَسْتَخِفُّونَ. وَلَا يَطْرَحُونَ شَيئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيهِ آرَامًا مِنَ الْحِجَارَةِ. يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ. حَتَّى أَتَوْا مُتَضَايِقًا مِنْ ثَنِيَّةٍ فَإِذَا هُمْ قَدْ أَتَاهُمْ فُلانُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ. فَجَلَسُوا يَتَضَحَّوْنَ (يَعْنِي ــ مغازيه [٢/ ٥٤٧] إنما استنقذ المسلمون يوم ذي قرد بعض لقاح رسول الله ﷺ وبقيت بعضها مقبوضة بأيديهم وظاهر أن رواية مسلم راجحة إسنادًا على رواية الواقدي وغيره غير أنه مر في كتاب النذر في صحيح مسلم نفسه أن الناقة العضباء بقيت مقبوضة بأيديهم حتى استنقذتها منهم امرأة أبي ذر ﵁ (راجع باب لا وفاء لنذر في معصية الله من هذا الجامع) وعليه فيحمل قول سلمة هذا على التغليب والله أعلم. (ثم اتبعتهم) قال النووي هكذا هو أكثر النسخ (اتبعتهم) بهمزة الوصل وشد التاء من الاتباع وفي نسخة (أتبعتهم) بهمزة القطع من الاتباع وهي أشبه بالكلام وأجود موقعًا فيه وذلك أن تبع المجرد واتبع المشدد التاء بمعنى مشى خلفه على الإطلاق وأما أتبع الرباعي فمعناه لحق به بعد أن سبقه قيل ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ أي لحقهم مع جنوده بعد أن سبقوه وتعبيره هنا بثم المفيدة للتراخي يشعر أنه بعد أن استخلص منهم جميع الإبل توقف عن اتباعهم ولعل ذلك ريثما (أو قدر ما) جمع الإبل وأقامها على طريق يأمن عليها فيه والمعنى على هذا الوجه وبعد أن توقفت عن اتباعهم حتى سبقوني تبعتهم فلحقت بهم حالة كوني (أرميهم) بالسهام فهربوا مني (حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة) قد مر لك تفسيرها (وثلاثين رمحًا) حالة كونهم (يستخفون) أي يطلبون بإلقائها الخفة ليكونوا أقدر على الفرار (ولا يطرحون شيئًا) من البرود والرماح (إلا) أخذته وجمعته في مكان و (جعلت عليه آرامًا) أي أعلامًا (من الحجارة) والآرام هي الأعلام وهي الحجارة تجمع وتنصب في المغارة ليهتدى بها واحدها إرم كعنب وأعناب كي (يعرفها) ويأخذها (رسول الله ﷺ وأصحابه) ولم يبرحوا كذلك (حتى أتوا متضايقًا) بفتح الياء ظرف ميمي من تضايق بمعنى مضيقًا أي حتى وصلوا مكانًا ضيقًا (من ثنية) والثنية العقبة والطريق في الجبل أي حتى أتوا طريقًا في الجبل ضيقة (فإذا هم) أتوا عليها قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري قيل هو حبيب بن عيينة بن بدر الفزاري اهـ تنبيه المعلم على مبهمات مسلم (فجلسوا) معه حالة كونهم (يتضحون) من التضحية (يعني

стр. 8061

يَتَغَدَّوْنَ). وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ. قَال الْفَزَارِيُّ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا, مِنْ هَذَا الْبَرْحَ. وَاللَّهِ, مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ. يَرْمِينَا حَتَّى انْتَزَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيدِينَا. قَال: فَلْيَقُمْ إِلَيهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ, أَرْبَعَةٌ. قَال: فَصَعِدَ إِلَيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِي الْجَبَلِ. قَال: فَلَمَّا أَمْكَنُونِي مِنَ الْكَلامِ قَال: قُلْتُ: هَلْ تَعْرِفُونِي؟ قَالُوا: لَا. وَمَنْ أَنْتَ؟ قَال: قُلْتُ: أَنَا سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ. وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ ــ يتغدون) أي يأكلون الغداء (وجلست على رأس قرن) بفتحتين والقرن هنا أعلى الجبل أو الجبل الصغير أو القطعة تنفرد من الجبل وقال النووي: القرن هو كل جبل صغير منقطع عن الجبل الكبير اهـ (قال) فلان بن بدر (الفزارى) للذين شردوا من سلمة (ما هذا) الجالس (الذي أرى) فوق الجبل وأشار إلى سلمة بن الأكوع يريد من هذا وإنما استعمل كلمة ما تحقيرًا له (قالوا) أي قال الشاردون من سلمة (لقينا من هذا) الجالس (البرح) بفتح الباء وسكون الراء وبفتحهما أي الشدة والمشقة طول النهار يعني أصابتنا من سلمة الشدة والمشقة (والله ما فارقنا) هذا الجالس (مند غلس) أي بعد أن غلس أي دخل في الغلس وهو ظلمة آخر الليل حالة كونه (يرمينا) بالسهام (حتى انتزع) وأخذ منا كل شيء في أيدينا) من اللقاح والبرود والرماح (قال) فلان الفزاري (فليقم إليه) أي إلى هذا الجالس (نفر منكم أربعة قال) سلمة: (فصعدوا إليَّ منهم أربعة في الجبل قال) سلمة: (فلما أمكنوني) من الكلام معهم يعني اقتربوا بحيث يمكن لي أن أسمعهم كلامي جوابه قوله قلت وجعل الراوي بين لما وجوابه لفظة قال وقال الذهني قوله (أمكنوني) أي جعلوني قادرًا على إبلاغهم كلامي وسماعهم إياه يقال أمكنه من الشيء ومكنه إذا جعل له عليه قدرة ومعناه فلما قربوا مني بحيث صاروا يسمعون كلامي (قال) سلمة: (قلت) لهم: (هل تعرفوني) بتخفيف النون هكذا هو في بعض النسخ بنون واحدة على حذف نون الوقاية أو نون الرفع وحذف إحداهما في مثل هذا الفعل جائز وعلى أن النون مشددة فهي نونان أدغمت إحداهما في الأخرى والإدغام في مثل هذا لغة فصيحة وعليها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ على قراءة من قرأها بالإدغام وفي بعض النسخ تعرفونني بنونين على الأصل وهو ظاهر قالوا وفيه جواز تعريف المرء بنفسه إذا كان معروفًا بالشجاعة ليدخل الرعب على قلب خصمه (قالوا) أي قال الفزاريون (لا) نعرفك (ومن أنت قال) سلمة: (قلت) لهم: (أنا سلمة بن الأكوع والذي كرم) وجمل (وجه

стр. 8062

مُحَمَّدٍ ﷺ , لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ. وَلَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِي. قَال أَحَدُهُمْ: أَنَا أَظُنُّ. قَال: فَرَجَعُوا. فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي حَتَّى رَأَيتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ. قَال: فَإِذَا أَوَّلُهُمُ الأَخْرَمُ الأَسَدِيُّ. عَلَى إِثْرِهِ أَبُو قَتَادَةَ الأَنْصَارِيُّ. وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ. قَال: فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الأَخْرَمِ. قَال: فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ. قُلْتُ: يَا أَخْرَمُ! احْذَرْهُمْ. لَا يَقْتَطِعُوكَ حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه ــ محمد ﷺ لا أطلب) أنا (رجلًا منكم إلا أدركته) وقتلته (ولا يطلبني رجل منكم فيدركني) بالنصب بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النفي (قال أحدهم) أي أحد الأربعة (أنا أظن) ذلك الذي قلته فمفعوله محذوف للعلم به يعني ظني موافق لما تقول (قال) سلمة: (فرجعوا) عني (فما برحت مكاني) أي فما زلت جالسًا في مكاني (حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر) أي يدخلون خلال الشجر ويمرون فيها يطلبون العدو والخلال جمع خلل بفتحتين وهو الفرجة بين الشيئين (فإذا أولهم) أي أول فوارس رسول الله (الأخرم) محرز بن نضلة بن عبد الله بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة (الأسدي) أبو نضلة ويعرف بالأخرم ذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق وغيرهما فيمن شهد بدرًا وثبت ذكره في حديث سلمة بن الأكوع الطويل عند مسلم وفيه (فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر فإذا أولهم الأخرم الأسدي) إلخ اهـ من الإصابة [٣/ ٣٦٨] في ترجمة محرز (على إثره) أي على ورائه (أبو قتادة الأنصاري) السلمي بفتح السين واللام فارس رسول الله ﷺ الحارث بن ربعي المدني (وعلى إثره) أي وعلى إثر أبي قتادة المقداد بن الأسود بن عمرو (الكندي قال) سلمة فأخذت أي أمسكت (بعنان) بكسر العين وأما بفتحها فاسم للسحاب وما ظهر من السماء أي بلجام فرس (الأخرم قال) أبو سلمة فولوا أي هربوا (مدبرين) حال مؤكدة لعاملها قال سلمة: (قلت يا أخرم) بن نضلة (احذرهم) أي احذر هؤلاء المشركين واحفظ نفسك من ضررهم (لا يقتطعوك) أي لا يأخذوك وينفردوا بك فيفصلوك عن أصحابك ويحولوا بينك وبينهم وإنما أخذ بعنانه أي بعنان فرسه ليحبسه عن اتباع المشركين وحده (حتى يلحق) أي إلى أن يلحق به (رسول الله صلى الله عليه

стр. 8063

وسلم وَأَصْحَابُهُ. قَال: يَا سَلَمَةُ! إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ, وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ, فَلَا تَحُلْ بَينِي وَبَينَ الشَّهَادَةِ. قَال: فَخَلَّيتُهُ. فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. قَال: فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ. وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ. وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ. وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ, فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ. فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ. فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ ! لَتَبِعْتُهُمْ أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ. حَتَّى مَا أَرَى وَرَائِي, مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا غُبَارِهِمْ, شَيئًا. حَتَّى يَعْدِلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ ــ وسلم وأصحابه) فـ (ـقال) لي الأخرم: (يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل) أي فلا تحجز (ببني وبين) سبب (الشهادة) في سبيل الله فيه بيان ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ من إيثار الآخرة على الدنيا والشهادة في سبيل الله على الحياة كأن الجنة ونعيمها بمرأى من أعينهم وكأن هذه الدنيا سجن يحبون الفرار منها رضي الله تعالى عنهم أجمعين وأرضاهم (قال) سلمة: (فخليته) أي فخليت بينه وبين المشركين ومضى إليهم (فالتقى هو) أي الأخرم (وعبد الرحمن) الفزاري المشرك (قال) سلمة: (فعقر) الأخرم الصحابي (بعبد الرحمن) أي عبد الرحمن المشرك (فرسه) أي فرس عبد الرحمن وطعنه أي وطعن الأخرم الصحابي (عبد الرحمن) المشرك (فقتله) أي فقتل عبد الرحمن المشرك الأخرم الصحابي (وتحول) عبد الرحمن (على فرسه) أي على فرس الأخرم المقتول أي أخذه وركبه ومشى به (ولحق أبو قتادة) الأنصاري (فارس رسول الله ﷺ بعبد الرحمن) الفزاري المشرك (فطعنه) أي فطعن أبو قتادة عبد الرحمن المشرك (فقتله) أبو قتادة قال سلمة بن الأكوع (فوالذي كرم وجه محمد ﷺ لتبعتهم) أي لتبعت المشركين حالة كوني (أعدو) وأجري وأسعى (على رجلي حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد ﷺ ولا) من (غبارهم شيئًا) يعني أنه أمعن في تتبع الأعداء والجري خلفهم إلى أن بعد عن أصحاب رسول الله ﷺ بعدًا شاسعًا بحيث لا يرى خلفه منهم أحدًا ولا من غبارهم شيئًا وتبعتهم (حتى يعدلوا) ويميلوا عن الطريق (قبل غروب الشمس إلى شعب) هو الطريق في الجبل (فيه) أي في

стр. 8064

مَاءٌ. يُقَالُ لَهُ: ذُا قَرَدٍ. لِيَشْرَبُوا مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشٌ. قَال: فَنَظَرُوا إِلَيَّ أَعْدُو وَرَاءَهُمْ. فَحَلَّيتُهُمْ عَنْهُ (يَعْنِي أَجْلَيتُهُمْ عَنْهُ) فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً. قَال: وَيَخْرُجُونَ فَيَشْتَدُّونَ فِي ثَنِيَّةٍ. قَال: فَأَعْدُو فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ. فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ ــ ذلك الشعب (ماء يقال له) أي لذلك الماء (ذا قرد) قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ المعتمدة وفي بعضها (ذو قرد) بالواو وهو الوجه الأفصح في العربية (ليشربوا منه) أي من ذلك الماء (وهم عطاش قال) سلمة: (فنظروا إليَّ) أي إلى شخصي والحال أني (أعدو) وأسعى (وراءهم فحيلتهم) أي طردتهم (عنه) أي عن ذلك الماء وفسره الراوي عن سلمة بقوله: (يعني) سلمة بقوله حليتهم (أجليتهم) أي أخرجتهم وأقمتهم (عنه) أي عن ذلك الماء قبل شربه كما قال: (فما ذاقوا منه) أي من ذلك الماء (قطرة) أي جرعة قوله (فحليتهم عنه) بالحاء المهملة واللام المشددة أي طردتهم عنه والمعروف في اللغة حلأت الإبل بتشديد اللام وبالهمزة في آخره ولعل الهمزة قد قلبت ياء وليس بالقياس لأن الياء لا تبدل من الهمزة إلا أن يكون ما قبلها مكسورًا نحو إيلاف وبير وقد جاء شاذًّا قريت في قرأت قاله ابن الأثير في جامع الأصول [٨/ ٣٢١] وقال الشيخ محمد الذهني قوله فحليتهم هكذا في الرواية بالياء من غير همز وأصله مهموز يقال: حلأت الرجل عن الماء إذا منعته من شربه ورجل محلأ أي مذود عن الماء مصدود عنه فقلبت الهمزة ياء على غير قياس لأن الهمزة لا تقلب في القياس ياء إلا إذا كان ما قبلها مكسورًا وقد فسره في الكتاب بالإجلاء أي بالإخراج وهو بمعناه في الجملة اهـ تعليقه (قال) سلمة: (وبخرجون) من الشعب (فيشتدون) أي فيجرون ويعدون (في ثنية) وهو الطريق الصاعد في الجبل والمضارع فيهما بمعنى الماضي أي وخرجوا فاشتدوا وعبر به لاستحضار الحال الواقعة إذ ذاك وتمثيلها للسامع وكذلك قوله فيما بعد (فأعدو فألحق وأصل) كلها بمعنى الماضي واختار صيغة المضارع للغرض الذي ذكرناه وقد تقدم بيانه غير مرة (قال) سلمة: (فأعدو فألحق) أي فعدوت وأجريت فلحقت (رجلًا منهم فأصكه) أي فصككته وطعنته (في نغض كتفه) بضم النون وفتحها في سكون الغين فيهما هو الرقيق اللين من عظم الكتف وأصله من التحرك يقال: نغض نغضًا ونغوضًا إذا تحرك واضطرب وسمي به العظم الرقيق على طرف الكتف لكثرة تحركه ويسمى الناغض أيضًا كذا فسره النووي وقال ابن الأثير هو الغضروف العريض الذي على أعلاه اهـ.

стр. 8065

قَال قُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ. وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ. قَال: يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ! أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ. قَال: قُلْتُ: نَعَمْ. يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ! أَكْوَعُكَ بُكْرَةَ. قَال: وَأَرْدَوْا فَرَسَينِ عَلَى ثَنِيَّةٍ قَال: فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَال: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ ــ (قال) سلمة: (قلت) لذلك الرجل (خذها) أي خذ هذه الطعنة (وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع قال) ذلك الرجل: (يا ثكلته أمه) الثكل فقد الولد ومراده الدعاء عليه بالموت ويا للنداء والمنادى بها محذوف تقديره يا قوم تعجبوا إن هذا لمطعون فقدته أمه أو يا هؤلاء أو هي لمجرد التنبيه أي انتبهوا إن هذا المطعون فقدته أمه (أكوعه بكرة) هو برفع العين على أنه خبر لمحذوف أي أنت أكوع اليوم الذي كنت بكرة هذا النهار ولهذا قال نعم وبكرة منصوب غير منون للتأنيث والتعريف لأنه قصد بها بكرة يوم بخصوصه قال أهل العربية يقال: أتيته بكرة بالتنوين إذا أردت أنك لقيته باكرًا في يوم غير معين قالوا: وإن أردت بكرة يوم بعينه قلت: أتيته بكرة غير مصروف لأنها من الظروف المتمكنة اهـ نووي. وفي تعليق الذهني قوله (أكوعه بكرة) هكذا في عامة النسخ التي بأيدينا (أكوعه) بالإضافة إلى ضمير الغائب ومعناه هذا الأكوع الذي كان يرتجز لنا به صباح هذا النهار قد عاد يرتجز لنا به آخره وقد علمت أنه كان أول ما لحقهم صاح بهم بهذا الرجز ووقع في رواية البهجة أكوعنا بكرة بالإضافة إلى ضمير المتكلمين أي أنت الأكوع الذي كنت تتبعنا بكرة اليوم قال نعم أنا أكوعك بكرة ولعل هذه الرواية أقرب إلى الصواب لاتصال آخر الكلام فيها بأوله وموافقة صدره لعجزه وبكرة هنا منصوبة بلا تنوين لأنه يريد بها بكرة اليوم الذي كانوا فيه ولو أريد بها بكرة يوم غير معين لكانت منصوبة مع التنوين لأنها نكرة اهـ (قال) سلمة: (قلت) له أي لذلك الرجل (نعم يا عدو نفسه) أنا (أكوعك) الذي أرتجز لك بهذا الرجز (بكرة) هذا النهار (قال) سلمة: (وأردوا) أي أردى أولئك المشركون (فرسين) أي رموهما وتركوهما (على ثنية) في جبل قال ابن الأثير: أرديته رميته وتركته والمراد أنه من شدة خوفهم تركوا من خيلهم فرسين ولم يقفوا عليهما هربًا وخوفًا أن يلحقهم هذه رواية الجمهور ورواه بعضهم (أرذوا) بالذال المعجمة وهي بمعنى الأولى (قال) سلمة: (فجئت بهما) أي بالفرسين حالة كوني (أسوقهما إلى رسول الله ﷺ قال) سلمة: (ولحقني) عمي (عامر) بن الأكوع (بسطحية) أي بإناء

стр. 8066

فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ. فَتَوَضَّأْتُ وَشَرِبْتُ. ثُمَّ أَتَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلأتُهُمْ عَنْهُ. فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الإِبِلَ. وَكُلَّ شَيْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَكُلَّ رُمْحٍ وَبُرْدَةٍ. وَإِذَا بِلالٌ نَحَرَ نَاقَةً مِنَ الإِبِلِ الَّذِي اسْتَنْقَذْتُ مِنَ الْقَوْمِ. وَإِذَا هُوَ يَشْوي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا. قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ مِنَ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ. فَأَتَّبِعُ الْقَوْمَ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلَّا قَتَلْتُهُ. قَال: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ــ من جلود سطح أي ركب بعضها فوق بعض (فيها مذقة من لبن) بفتح الميم وسكون الذال أي قليل من لبن ممزوج بماء (وسطحية) أي إناء (فيها ماء فتوضأت) بالماء (وشربت) اللبن (ثم أتيت رسول الله ﷺ وهو) ﷺ (على الماء الذي حلأتهم) أي حلأت المشركين وأجليتهم (عنه). قال النووي: كذا هو في أكثر النسخ حلأتهم بالهمز وفي بعضها حليتهم بالياء وقد سبق قريبًا بيانه (فإذا رسول الله ﷺ قد أخذ تلك الإبل) واللقاح (وكل شيء استنقذته) أي أخذته (من المشركين وكل رمح وبردة وإذا بلال) مؤذن رسول الله ﷺ (نحر ناقة من الإبل الذي) كذا في أكثر النسخ وفي بعضها التي وهي الصواب لأن الإبل مؤنثة ولا تغتر بما قاله النووي والسنوسي هنا كما اعترض عليهما صاحب البهجة (استنقذت) ورجعت (من القوم) المشركين (وإذا هو) أي بلال (يشوي) ويقلي (لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها قال) سلمة: (قلت: يا رسول الله خلني) أي اتركني وأذن لي (فأنتخب من القوم) المسلمين (مائة رجل) وقوله: (فانتخب) أي فأختار روي بالنصب على أن الفاء فاء السببية الواقعة في جواب الأمر وبالرفع على أنها لمجرد العطف (فأتبع) بالتشديد روي بالوجهين أيضًا (القوم) المشركين (فلا يبقى منهم) أي من المشركين (مخبر) على صيغة اسم الفاعل يعني لا يبقى منهم أحد يخبر قومه بهلاك هؤلاء (إلا قتلته قال) سلمة: (فضحك رسول الله ﷺ أي تبسم (حتى بدت) وظهرت (نواجذه) أي أنيابه وقيل أضراسه قال في الفتح وظاهر السياق إرادة الزيادة على التبسم ويحمل ما ورد في صفته ﷺ أن ضحكه

стр. 8067

فِي ضَوْءِ النَّارِ. فَقَال: "يَا سَلَمَةُ! أَتُرَاكَ كُنْتَ فَاعِلًا؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. وَالَّذِي أَكْرَمَكَ! فَقَال: "إِنَّهُمُ الآنَ لَيُقْرَوْنَ فِي أَرْضِ غَطَفَانَ" قَال: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ. فَقَال: نَحَرَ لَهُمْ فُلانٌ جَزُورًا. فَلَمَّا كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا. فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الْقَوْمُ. فَخَرَجُوا هَارِبِينَ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَانَ خَيرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ. وَخَيرَ رَجَّالتِنَا سَلَمَةُ" قَال: ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ سَهْمَينِ: سَهْمُ الْفَارِسِ وَسَهْمُ الرَّاجِلِ. فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا ــ كان تبسمًا على غالب أحواله أي ظهرت نواجذه (في ضوء النار) التي يوقدونها لظلام الليل (فقال) رسول الله ﷺ لسلمة: (يا سلمة أتراك كنت فاعلًا) أي أتظنك كنت فاعلًا ذلك لو أذنت لك فيه قال سلمة: (قلت) له ﷺ (نعم) أظنني كنت فاعلًا ذلك لو أذنت لي (والذي كرمك) بالحق (فقال) رسول الله ﷺ : (إنهم الآن ليقرون) أي ليضافون (في أرض غطفان) بضم الياء وفتح الراء على البناء للمجهول من القرى وهو الضيافة يعني أنهم قد بلغوا بني غطفان وهم يقرونهم بتقديم طعامه وغيره وهذا من معجزات النبي ﷺ حيث أخبر بما وقع لهم بعد غيابهم منه ﷺ (قال) سلمة: (فجاء رجل من) أرض (غطفان فقال) ذلك الرجل (نحر لهم فلان) أي واحد من قومهم (جزورًا) أي ناقة (فلما كشفوا) أي سلخوا (جلدها رأوا غبًااأ) ساطعًا في السماء (فقالوا) أي قال بعضهم لبعض: (أتاكم القوم) أي المسلمون (فخرجوا) عن منزلهم الذي نحر لهم فيه (هاربين) أي شاردين فارين (فلما أصبحنا) أي دخلنا في صباح تلك الليلة (قال رسول الله ﷺ : كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة) الأنصاري جمع فارس. وهو من يقاتل على فرسه له ثلاثة أسهم سهمان لفرسه وسهم لنفسه (و) كان (خير رجالتنا) بتشديد الجيم جمع راجل وهو من يقاتل على رجله له سهم واحد (سلمة) بن الأكوع قال النووي ﵀ وفي هذا دلالة على استحباب الثناء على الشجعان وسائر أهل الفضائل ولا سيما عند صنيعهم الجميل لما فيه من الترغيب لهم ولغيرهم في الإكثار من ذلك الجميل وهذا كله في حق من يأمن الفتنة عليه بإعجاب ونحوه اهـ (قال) سلمة: (ثم أعطانى رسول الله ﷺ سهمين سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما لي جميعًا) قال النووي هذا محمول على أن الزائد على سهم الراجل كان نفلًا وهو حقيق باستحقاقه

стр. 8068

ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ. رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَال: فَبَينَمَا نَحْنُ نَسِيرُ. قَال: وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا , قَال: فَجَعَلَ يَقُولُ: أَلا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ؟ هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ. قَال: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلامَهُ قُلْتُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا. وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قَال: لَا. إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! بِأَبِي وَأُمِّي, ذَرْنِي فَلأُسَابِقَ الرَّجُلَ ــ ﵁ لبديع صنعه في هذه الغزوة وقال القاضي عياض وأما سهم الفارس فيحتمل لأنه أغنى ما لم تغن فوارس، ولأنه استنقذ الغنائم قبل أن يلحقه الجيش ويحتمل أنه من الخمس اهـ. قوله (سهم الراجل وسهم الفارس) أما سهم الراجل فهو حقه وأما سهم الفارس فهو شيء نفله النبي ﷺ إياه لحسن بلائه والتنفيل تخصيص الإمام من له غناء في الحرب بشيء من المال زيادة على سهمه وقد اختلف العلماء فيه فقال بعضهم: يعطي النفل من أصل الغنيمة وقال آخرون بل من الخمس ونقل الزرقاني عن الشافعي أنه قال بتفويضه لرأي الإمام يعمل بما يرى فيه المصلحة لإطلاق قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ اهـ ذهني قال سلمة بن الأكوع (ثم أردفني رسول الله ﷺ وراءه) أي خلفه (على) ناقته (العضباء) هو لقب ناقة النبي ﷺ والعضباء مشقوقة الأذن ولم تكن ناقته ﷺ كذلك وإنما هو لقب لزمها، أي أردفني عليها حالة كوننا (راجعين إلى المدينة قال) سلمة: (فبينما نحن نسير) إلى المدينة (قال) سلمة تأكيد لقال الأول (وكان رجل من الأنصار لا يسبق) بالبناء للمجهول أي لا يسبقه غيره (شدًا) أي عدوًا على الرجلين يعني أنه كان شديد الجري بحيث لا يسبقه أحد في العدو (قال) سلمة (فجعل) الرجل (يقول: ألا مسابق) معي (إلى المدينة هل من مسابق) فيكم (فجعل) الرجل (يعيد ذلك) القول ويكرره (قال) سلمة (فلما سمعت كلامه) أي كلام ذلك الرجل (قلت) له (أما تكرم) ولا تستحي (كريمًا ولا تهاب) أي لا تخاف ولا تحترم (شريفًا قال) الرجل (لا) أستحي ولا أهاب من أحد (إلا أن يكون رسول الله ﷺ مسابقًا معي فأهاب منه فلا أسابقه (قال) سلمة (قلت) لرسول الله ﷺ (يا رسول الله) أنت مفدي (بأبي وأمي ذرني) أي اتركني (فلأسابق الرجل) المذكور الفاء

стр. 8069

قَال: "إِنْ شِئْتَ" قَال: قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَيكَ. وَثَنَيتُ رِجْلَيَّ فَطَفَرْتُ فَعَدَوْتُ. قَال: فَرَبَطْتُ عَلَيهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَينِ أَسْتَبْقِي نَفَسِي. ثُمَّ عَدَوْتُ فِي إِثْرِهِ. فَرَبَطْتُ عَلَيهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَينِ. ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ. قَال: فَأَصُكُّهُ بَينَ كَتِفَيهِ. قَال: قُلْتُ: قَدْ سُبِقْتَ ــ زائدة واللام لام كي والتقدير ذرني كي أسابق الرجل أو اللام زائدة والفاء سببية واقعة في جواب الأمر أي ذرني فأسابق الرجل (قال) رسول الله ﷺ : (إن شئت) المسابقة معه فقد أذنت لك ففي الحديث المسابقة بالأقدام قال النووي: المسابقة على الأقدام بغير عوض جائزة اتفاقًا وفيها بعوض عندنا اختلاف والأصح المنع اهـ نووي (قال) سلمة (قلت) للرجل اذهب أمر من الذهاب أي ابدأ الذهاب والمشي للمسابقة قبلي و (إليك) أي تنح عني وتباعد في الذهاب قبلي لأدركك (وثنيت) أي عطفت أنا (رجلي) وكففتهما عن الجري ليبعد عني في المسافة (فـ) ـبعد ما تباعد عني في الجري (طفرت) بالطاء المهملة والفاء أي وثبت وقفزت من مكاني لأسعى وراءه (فعدوت) أي فسعيت وراءه سعيًا شديدًا (قال) سلمة: (فربطت) أي حبست نفسي ومنعتها من الجري الشديد (عليه) أي لأجله ليتباعد عني قدامي ويصعد قبلي (شرفًا أو شرفين) والشرف ما ارتفع من الأرض أي حبست نفسي عن الجري الشديد حالة كوني (استبقي نفسي) بفتح الفاء لئلا ينقطع من شدة الجري ولعل المراد أني لم أبذل في بداية الأمر قصارى قوتي في الجري لئلا ينقطع نفسي بل استبقيته ليمكن لي الإسراع عندما أقترب من الرجل اهـ تكملة أي حالة كوني قاصدًا إبقاء نفسي لئلا يقطعه شدة الجري في الشرف فيدركني العجز عن المسابقة قبل إتمامها (ثم) بعدما حبست نفسي عنه شرفًا أو شرفين وتأخرت عنه فيه أوفيهما (عدوت) أي أسرعت إسراعًا شديدًا (في إثره) أي في عقبه وورائه لأدركه (فـ) ـبعد ما قربت إليه (ربطت) أي حبست نفسي عن الجري الشديد (عليه) أي لأجله (شرفًا أو شرفين ثم) بعدما تأخرت عنه شرفًا أو شرفين (إني رفعت) أي أسرعت إسراعًا شديدًا (حتى ألحقه) أي لكي ألحقه وأدركه وحتى هنا للتعليل بمعنى كي وألحق منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعدها (قال) سلمة: (فأصكه) مضارع بمعنى الماضي معطوف في المعنى على رفعت أي ثم إني رفعت وأسرعت سيري فأدركته فصككته أي طعنته بيدي (بين كتفيه قال) سلمة ثم بعدما صككته (قلت) له: (قد سبقت

стр. 8070

وَاللَّهِ. قَال: أَنَا أَظُنُّ. قَال: فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَال: فَوَاللَّهِ, مَا لَبِثْنَا إِلَّا ثَلاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَال: فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ: تَاللَّهِ! لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَينَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّينَا وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَينَا ... فَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَينَا وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَينَا فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ هَذَا؟ " قَال أَنَا عَامِرٌ. قَال: "غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ" قَال: وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ إِلَّا اسْتُشْهِدَ. قَال: فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ, وَهُوَ ــ والله) أيها الرجل بالبناء للمجهول أي قد جعلتك مسبوقًا لي وأنا السابق لك (قال) الرجل (أنا أظن) ذلك حذف مفعوله للعلم به أي أظن كوني مسبوقًا لك يعني أنا أظن كذلك أنك قد سبقتني (قال) سلمة: (فسبقته) أي فسبقت الرجل (إلى المدينة قال) سلمة: (فوالله ما لبثنا) أي ما جلسنا بعدما دخلنا المدينة (إلا ثلاث ليال حتى خرجنا) أي فخرجنا بعد ثلاث ليال (إلى خيبر مع رسول الله ﷺ قال) سلمة: (فجعل عمي عامر) بن الأكوع هكذا قال هنا عمي وقد سبق في حديث أبي الطاهر عن ابن وهب أنه قال أخي فلعله كان أخاه من الرضاعة وكان عمه من النسب أي فشرع عمي عامر (يرتجز) أي ينشد الرجز (بالقوم) أي للقوم فيقول في رجزه: (تالله لولا الله ما اهتدينا ... ولاتصدقنا ولا صلينا ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علبنا) (فقال رسول الله ﷺ : من هذا) الراجز (قال) عمي: (أنا عامر) بن الأكوع يا رسول الله (قال) رسول الله ﷺ : (غفر لك ربك قال) سلمة: (وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصه) بالاستغفار له (إلا استشهد) أي قتل شهيدًا (قال) سلمة: (فنادى عمر بن الخطاب) ﵁ (وهو) أي والحال

стр. 8071

عَلَى جَمَلٍ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! لَوْلَا مَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ. قَال: فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيبَرَ قَال: خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيفِهِ وَيَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ قَال: وَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ, فَقَال: قَدْ عَلِمَتْ خَيبَرُ أَنِّي عَامِرٌ ... شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ ــ أن عمر (على جمل له) والجمل ذكر الإبل (يا نبي الله لولا) حرف امتناع لوجود وفيها معنى التمني (ما) مصدرية وجملة قوله (متعتنا) وأنعمتنا (بـ) ـحياة (عامر) وصحبته والانتفاع به صلة ما المصدرية ما مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء والخبر محذوف والتقدير لولا تمتيعك إيانا بحياة عامر موجود أي نتمنى ذلك (قال) سلمة: (فلما قدمنا خيبر قال) سلمة: تأكيد لقال الأول (خرج) وبرز من صف اليهود (ملكهم) ورئيسهم (مرحب) طلبًا للمبارزة من المسلمين حالة كونه (يخطر) بكسر الطاء من باب ضرب أي يرفع (بسيفه) تارة ويضعه أخرى ومثله خطر البعير بذنبه إذا رفعه مرة ووضعه مرة اهـ نووي (ويقول) معطوف على يخطر أي وحالة كونه يرتجز قائلًا: (قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب) يعني قد علم أهل خيبر أني ملكهم مرحب وقوله (شاكي السلاح) وصف مقصود من موصوفها وهو توطئة له ومرحب بفتح الميم وسكون الراء وفتح الحاء اسم لرئيس الحصن وقوله (شاكي السلاح) أي حديده وقويه والشاكي صفة من الشوكة وهي السلاح أو حدته يقال رجل شاكي السلاح وشائكه بمعنى أي قوي السلاح وحديده و (البطل) الشجاع والمجرب بصيغة اسم المفعول هو الذي لاقى الحروب فجربت فيها شجاعته وقهره للرجال قوله (تلهب) يعني تلتهب وتشتعل نارها ومن تمام هذا الرجز ما ذكره ابن إسحاق وغيره: (أطعن أحيانًا وحينًا أضرب ... إذا الليوث أقبلت تحزب إن حماي للحمى لا يقرب (قال) سلمة: (وبرز له عمي عامر فقال: قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر)

стр. 8072

قَال: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَينِ. فَوَقَعَ سَيفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ. وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ. فَرَجَعَ سَيفُهُ عَلَى نَفْسِهِ. فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ. فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ. قَال سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ. قَتَلَ نَفْسَهُ. قَال: فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟ . قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَال ذَلِكَ؟ " قَال: قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ. قَال: "كَذَبَ مَنْ قَال ذَلِكَ. بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَينِ" ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ, وَهُوَ أَرْمَدُ. فَقَال: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, أَوْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" ــ والمغامر من يقتحم غمرات الحرب وشدائدها ويلقي نفسه فيها (قال) سلمة: (فاختلفا ضربتين) أي فاختلف عامر ومرحب أي تضاربا ضربتين متعاقبتين (فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له) من باب نصر أي قصد عامر أن يضربه من أسفله (فرجع سيفه على نفسه فقطع) سيفه أكحله أي أكحل عامر (فكانت فيها) أي في تلك الضربة (نفسه) أي حتف نفسه وموته والأكحل عرق في وسط الذراع إذا قطع لا حياة بعده وهو من المقاتل الخطيرة. (قال سلمة: فخرجت) من منزلي (فإذا نفر من أصحاب النبي ﷺ يقولون بطل عمل عامر) لأنه (قتل نفسه) زعمًا منهم بأنه قتل بسيف نفسه فكأنه قتل نفسه وقتل النفس حرام (قال) سلمة: (فأتيت النبي ﷺ وأنا أبكي فقلت: يا رسول الله بطل عمل عامر قال رسول الله ﷺ : من قال ذلك) أي بطلان عمله (قال) سلمة (قلت) له ﷺ : يقول ذلك (ناس من أصحابك قال) رسول الله ﷺ : (كذب) أي أخطأ (من قال ذلك) أي بطلان عمله (بل له) أي لعامر (أجره مرتين) أجر لجهاده وأجر لشهادته قال سلمة (ثم أرسلني) رسول الله ﷺ : (إلى علي) بن أبي طالب ﵁ (وهو) أي والحال أن عليًّا (أرمد) أي وجع العين (فقال) رسول الله ﷺ عندما أرسلني قبل حضور عليِّ والله (لأعطين الراية) والعلم (رجلًا يحب الله ورسوله أو) قال النبي ﷺ أو سلمة والشك من سلمة أو ممن دونه لأعطين الراية رجلًا (يحبه الله ورسوله

стр. 8073

قَال: فَأَتَيتُ عَلِيًّا فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ, وَهُوَ أَرْمَدُ. حَتَّى أَتَيتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَبَسَقَ فِي عَينَيهِ فَبَرَأَ. وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ. وَخَرَجَ مَرْحَبٌ فَقَال: قَدْ عَلِمَتْ خَيبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فَقَال عَلِيٌّ ﵁: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيدَرَهْ ... كَلَيثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيلَ السَّنْدَرَهْ ــ قال) سلمة: (فأتيت عليًّا) في منزله (فجئت به) إلى رسول الله ﷺ حالة كوني (أقوده) بيده (وهو أرمد) قال أهل اللغة يقال رمد الإنسان يرمد من باب فرح رمدًا فهو رمد وأرمد إذا هاجت عينه وقوله (حتى أتيت به رسول الله ﷺ غاية لأقود فبسق أي فبصق رسول الله ﷺ (في عينيه فبرأ) علي أي شفي من رمده (وأعطاه) أي أعطى رسول الله ﷺ (الراية) أي راية الحرب لعلي ﵁ (وخرج) أي برز (مرحب) للمسلمين (فقال) مرحب: (قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب) (فـ) ـبرز له علي و (قال علي ﵁: (أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره أوفيهم بالصاع كيل السندره) قوله: (أنا الذي سمتني أمي حيدره) الحيدر والحيدرة والحادر من أسماء الأسد سمي بذلك لغلظه وقوته وكان علي ﵁ سمته أمه (وهي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف) حين ولدته باسم أبيها وكان أبو طالب غائبًا فلما قدم سماه عليًّا وذكر في شرح البهجة نقلًا عن الديباج أن مرحبًا كان رأى في منامه أن أسدًا يقتله فأراد علي ﵁ بهذا الرجل تذكيره بذلك ليخيفه ويضعف نفسه ومراده أنا الأسد في جراءته وإقدامه وقوته (كليث غابات) جمع غابة وهي الشجر الملتف وتطلق على عرين

стр. 8074

قَال: فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيهِ. قَال إِبْرَاهِيمُ: ــ الأسد أي مأواه كما يطلق العرين على الغابة أيضًا ولعل ذلك لاتخاذه إياه في داخل الغابة غالبًا (أوفيهم بالصاع) أي أقتل الأعداء قتلًا ذريعًا واسعًا (كيل السندره) والسندره مكيال واسع وقيل السندرة العجلة فالمعنى أقتلهم قتلًا عجلًا وقيل السندرة شجرة قوية وهي الصنوبر كما ذكره النووي يعمل منها القسي والسهام (قال) سلمة: (فضرب) علي (رأس مرحب فقتله ثم كان الفتح) أي فتح خيبر (على يديه) أي على يدي علي ﵁ قوله (فقتله) هذا صريح في أن عليًّا ﵁ قتل مرحبًا وقد ذكر ابن إسحاق في قصة طويلة أن قاتله محمد بن مسلمة كما في سيرة ابن هشام والروض الأنف ولكن ذكر القاضي والنووي عن ابن عبد البر أن الصحيح ما في رواية مسلم أن عليًّا ﵁ هو الذي قتله ثم ذكر عن ابن الأثير أن الصحيح الذي عليه أكثر أهل الحديث وأهل السير أن عليًّا هو قاتله وقد ذكر الواقدي في مغازيه [٢/ ٦٥٥] ما يجمع بين الروايتين ولفظه أن مرحبًا برز وهو كالفحل الصؤول يرتجز يدعو للبراز فقال محمد بن مسلمة يا رسول الله أنا والله الموثور الثائر قتل أخي محمود بن مسلمة بالأمس كان مرحب دلى عليه الرحا من فوق الحصن فمات ﵁ فأذن لي في قتال مرحب وهو قاتل أخي فأذن له رسول الله ﷺ في مبارزته ودعا له بدعوات وأعطاه سيفه ويقال: إنه جعل يومئذِ يرتجز ويقول: يانفس إلا تقتلي تموتي ... لا صبر لي بعد أبي النبيب وكان أخوه محمود يكنى بأبي النبيب قال: وبرز كل واحد منهما إلى صاحبه فحال بينهما عشرات أصلها كمثل أصل الفحل من النخل وأفنان منكرة فكلما ضرب أحدهما صاحبه استتر بالعشر حتى قطعا كل ساق لها وبقي أصلها قائمًا كأنه الرجل وأفضى كل واحد منهما إلى صاحبه وبدر مرحب محمدًا فرفع السيف ليضربه فاتقاه محمد بالدرقة فلحج سيفه- وعلى مرحب درع مثمرة- فضرب محمد ساقي مرحب فقطعهما فقال مرحب: أجهز يا محمد قال محمد ذق الموت كما ذاقه أخي محمود وجاوزه ومر به علي فضرب عنقه وأخذ سلبه ثم ذكر الواقدي أن محمد بن مسلمة وعليًّا ﵁ اختصما في سلبه فقضى به رسول الله ﷺ لمحمد بن مسلمة والله أعلم. (قال) أبو إسحاق (إبراهيم) بن محمد بن سفيان النيسابوري تلميذ الإمام مسلم

стр. 8075

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ, بِهَذَا الْحَدِيثِ بِطُولِهِ. ٤٥٤٥ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ السُّلَمِيُّ. حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ, بِهَذَا. ٤٥٤٦ - (١٧٥٧) (١٠٠) حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ــ الذي روى الجامع الصحيح عنه وكان من العباد الصالحين مجابي الدعوة كما ذكره النووي في مقدمة شرحه وإنه حيث ذكر هنا حديث سلمة بن الأكوع برواية الإمام مسلم أعقبه برواية له لهذا الحديث وقعت له بعلو فإن بينه وبين عكرمة بن عمار في جميع طرق مسلم ثلاث وسائط وفي هذه الرواية واسطتان فقط فذكر أنه سمع هذا الحديث من غير طريق مسلم عاليًا. (حدثنا محمد بن يحيى) بن سعيد القطان التميمي أبو صالح البصري ثقة، من (١٠) مات سنة (٢٣٣) تقدم في المقدمة (حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث) بن سعيد العنبري التميمي البصري صدوق من (٩) (عن عكرمة بن عمار) العجلي وساق محمد بن يحيى (بهذا الحديث بطوله) فلم يرو إبراهيم بن محمد بهذا السند عن الإمام مسلم بل غرضه بيان متابعة محمد بن يحيى للإمام مسلم في رواية هذا الحديث له عن عكرمة بن عمار ولكن بسند عال هنا كما مر آنفًا وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم عن أصحاب الأمهات لم يروه غيره ثم ذكر المتابعة فيه فقال. ٤٥٤٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أحمد بن يوسف) بن خالد بن سالم (الأزدي السلمي) أبو الحسن النيسابوري المعروف بحمدان ثقة نبيل من (١١) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا النضر بن محمد) بن موسى الأموي مولاهم أبو محمد اليمامي ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (عن عكرمة بن عمار) العجلي اليمامي وقوله (بهذا) الحديث متعلق بحدثنا غرضه بيان متابعة النضر بن محمد لمن روى عن عكرمة بن عمار ثم استدل المؤلف ﵀ على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أنس بن مالك ﵁ فقال. ٤٥٤٦ - (١٧٥٧) (١٠٠) (حدثني عمرو بن محمد) بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي ثقة، من (١٠) (حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو

стр. 8076

أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ. يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ. فَأَخَذَهُمْ سَلَمًا, فَاسْتَحْيَاهُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] ــ خالد الواسطي ثقة، من (٩) (أخبرنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري ثقة، من (٨) (عن ثابت) بن أسلم البناني البصري ثقة، من (٤) (عن أنس بن مالك) ﵁ وهذا السند من خماسياته (أن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا) أي نزلوا (على رسول الله ﷺ وهو بالحديبية (من جبل التنعيم متسلحين) أي لابسين السلاح آخذين به حالة كونهم (يريدون) أي يقصدون (غرة النبي ﷺ وأصحابه) الغرة الغفلة يعني أرادوا أن يتحاملوا على المسلمين على غفلة منهم أي يريدون أن يصادفوا منه ومن أصحابه غفلة عن التأهب لهم ليتمكنوا من غدرهم والفتك بهم (فأخذهم) رسول الله ﷺ (سلمًا) بفتحتين أي قهرًا واستسلامًا منهم لأنفسهم (فاستحياهم) رسول الله ﷺ أي أبقاهم أحياء لم يقتلهم (فأنزل الله في ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ حين أرادوا غرتكم (وأيديكم عنهم ببطن مكة) يعني ببطن الحديبية لأنها قريبة من الحرم (من بعد أن أظفركم عليهم) حين أخذتموهم وتمكنتم من قتلهم [الفتح / ٢٤]. قوله: (فأخذهم سلمًا) ضبطه الخطابي وغيره بفتح السين واللام والمراد به الاستسلام والإذعان كقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيكُمُ السَّلَمَ﴾ يعني أخذهم حال كونهم منقادين مستسلمين أنفسهم إليه قهرًا وضبطه الحميدي بكسر السين وسكون اللام والسلم الصلح يعني أخذهم صلحًا ورجح القاضي عياض وابن الأثير الوجه الأول قال ابن الأثير في جامع الأصول [٢/ ٣٦٠] والذي ذهب إليه الخطابي هو الأشبه بالقصة لأنهم لم يؤخذوا عن صلح وإنما أخذوا قهرًا فأسلموا أنفسهم عجزًا وأما ما ذهب إليه الحميدي فله وجه أيضًا وذلك أنه لم يجر عليهم معاملة حرب إنما صالحوهم على أن يؤخذوا أسرى ولا يقتلوهم فسمي الانقياد إلى ذلك صلحًا والله أعلم (فاستحياهم) أي أبقى عليهم حياتهم ولم يقتلهم وقد تقدم لك أنه قد وردت روايات أخرى في سبب نزول هذه الآية فراجعه.

стр. 8077

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في الجهاد باب في المن على الأسير [٢٦٨٨]، والترمذي في التفسير باب ومن سورة الفتح [٣٢٦٠]، وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث ثلاثة الأول: حديث سلمة بن الأكوع ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة والثاني: حديث سلمة بن الأكوع الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة والثالث: حديث أنس ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة والله أعلم. ***

стр. 8078

٦٣١ - (٢٤) باب غزوة النساء مع الرجال والرضخ للنساء الغازيات والنهي عن قتل صبيان أهل الحرب ٤٥٤٧ - (١٧٥٧) (١٠١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أُمَّ سُلَيمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَينٍ خِنْجَرًا. فَكَانَ مَعَهَا. فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ. فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ, هَذِهِ أُمُّ سُلَيمٍ مَعَهَا خَنْجَرٌ. فَقَال لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا هَذَا الْخَنْجَرُ؟ " قَالتِ: اتَّخَذْتُهُ. إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ ــ ٦٣١ - (٢٤) باب غزوة النساء مع الرجال والرضخ للنساء الغازيات والنهي عن قتل صبيان أهل الحرب ٤٥٤٧ - (١٧٥٧) (١٠١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي ثقة، من (٩) (أخبرنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري ثقة، من (٨) (عن ثابت عن أنس) ﵁ وهذا السند من خماسياته (أن أم سليم) مصغرًا أم أنس رضي الله تعالى عنهما تزوجت مالك بن النضر في الجاهلية فولدت له أنسًا وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار فغضب مالك لإسلامها وخرج إلى الشام ومات بها مشركًا فخطبها أبو طلحة وهو مشرك وأبت عليه إلى أن أسلم فتزوجها بعد أن أسلم ولم تطلب منه الصداق سوى إسلامه وهي التي قدمت أنسًا إلى النبي ﷺ لخدمته وقصتها مع أبي طلحة عند وفاة ابنهما معروفة مخرجة في الصحيح وفي الإصابة أنها بنت ملحان بن خالد الأنصارية واشتهرت بكنيتها واختلف في اسمها فقيل سهلة وقيل رملة وقيل مليكة وقيل غير ذلك (اتخذت) أي صلحت وحملت معها (يوم حنين خنجرًا فكان معها فرآها أبو طلحة فقال يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر فقال لها رسول الله ﷺ : ما هذا الخنجر) يا أم سليم. قوله (يوم حنين) هكذا هو في النسخ المعتمدة وهو الصحيح نظرًا إلى سياق القصة ووقع في بعضها (يوم خيبر) ويرده ما ورد في الحديث من ذكر الطلقاء فإن غزوة خيبر قبل فتح مكة وما ورد من ذكر انهزامهم إنما وقع في غزوة حنين دون غزوة خيبر وقوله (اتخذت خنجرًا) بفتح الخاء وسكون النون وهو الراجح وقد تكسر الخاء وهي سكين ذات حدين في الأُرِمُيابِلَّوَ (قالت) أم سليم: (اتخذته) أي اتخذت هذا الخنجر يا رسول الله لأجل (إن دنا) وقرب (مني أحد من المشركين بقرت)

стр. 8079

بِهِ بَطْنَهُ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَضْحَكُ. قَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ انْهَزَمُوا بِكَ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أُمَّ سُلَيمٍ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ". ٤٥٤٨ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. فِي ــ أي شققت (به) أي بهذا الخنجر (بطنه) أي بطن ذلك المشرك (فجعل رسول الله ﷺ أي شرع (يضحك) من قولها أي يتبسم ثم (قالت يا رسول الله اقتل من بعدنا) أي من سوانا معاشر المؤمنين المخلصين وقوله (من الطلقاء) بيان لمن الموصولة أي حالة كون من سوانا من الطلقاء الذين (انهزموا) وهربوا (بك) أي عنك وشردوا عن القتال معك يوم حنين والباء في بك بمعنى عن أبي انهزموا عنك على حد قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ أي عنه وقوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ﴾ أي وعن أيمانهم وتحتمل أن تكون للسببية أي انهزموا بسببك لنفاقهم و (الطلقاء) بضم الطاء وفتح اللام جمع طليق فعيل بمعنى مفعل هم الذين أسلموا من أهل مكة يوم الفتح سموا بذلك لأن النبي ﷺ أطلقهم ومن عليهم عند فتح مكة وقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء وكان في إسلامهم ضعف فزعمت أم سليم أنهم انهزموا في حنين لأجل ضعف إسلامهم فاعتقدت أم سليم أنهم منافقون وأنهم استحقوا القتل بانهزامهم واقترحت قتلهم من النبي ﷺ (فقال) لها (رسول الله ﷺ : يا أم سليم إن الله) تعالى (قد كفا) نا من انهزامهم ولم يصب المسلمين بهذا الانهزام ضرر (وأحسن) إلينا بنصرنا على أعدائنا وجعل العاقبة لنا فلا حاجة لنا إلى قتلهم فنحسن إليهم كما أحسن الله إلينا وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في الجهاد باب في السلب يعطى القاتل [٢٧١٨]، ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أنس هذا ﵁ فقال. ٤٥٤٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه محمد بن حاتم) بن ميمون البغدادي (حدثنا بهز) بن أسد العمي البصري (حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري أبو يحيى المدني ثقة، من (٤) (عن) عمة (أنس بن مالك) ﵁ (في

стр. 8080

قِصَّةِ أُمِّ سُلَيمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ حَدِيثِ ثَابِتٍ. ٤٥٤٩ - (١٧٥٨) (١٠٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيمٍ. وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا. فَيَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوينَ الْجَرْحَى ــ قصة) اقتراح (أم سليم عن النبي ﷺ وساق إسحاق (مثل حديث ثابت) المذكور لفظًا ومعنى غرضه بيان متابعة إسحاق لثابت البناني ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس الأول بحديث آخر له ﵁ فقال. ٤٥٤٩ - (١٧٥٨) (١٠٢) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا جعفر بن سليمان) الضبعي بضم الضاد أبو سليمان البصري صدوق من (٨) (عن ثابت عن أنس بن مالك) ﵁ وهذا السند من رباعياته (قال) أنس: (كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم) أي مع أم سليم (ونسوة من الأنصار معه إذا غزا) أي إذا أراد الخروج للغزو فيخرج معهن إلى الغزو وقوله (ونسوة) بالرفع على الابتداء على أن الواو حالية والخبر الظرف المذكور بعده والجملة حالية وبالجر على أن الواو عاطفة على أم سليم ومعه لتأكيد المصاحبة المفهومة من الباء (فيسقين الماء) للرجال على الصفوف (ويداوين الجرحى) منهم قال النووي في الحديث خروج النساء في الغزو والانتفاع بهن في السقي والمداواة ونحوهما وهذه المداواة لمحارمهن وأزواجهن وما كان منها لغيرهم لا يكون فيه مس البشرة إلا في موضع الحاجة وقد ورد في هذا المعنى عدة أحاديث منها ما أخرجه البخاري في الجهاد [٢٨٨٢ و ٢٨٨٣] عن الربيع بنت معوذ قالت: كنا نغزو مع النبي ﷺ فنسقي القوم ونخدمهم ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة وقال الحافظ في الفتح [٦/ ٨٠] تحت حديث الربيع وفيه جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي للضرورة قال ابن بطال: ويختص ذلك بذوات المحارم ثم بالمتجالات منهن الكبيرة السن يقال: تجالت المرأة إذا أسنت وكبرت كذا في لسان العرب لأن موضع الجرح لا يلتذ بلمسه بل يقشعر منه الجلد فإن دعت الضرورة لغير المتجالات فليكن بغير مباشرة ولا مس ويدل على ذلك اتفاقهم على أن المرأة إذا ماتت ولم توجد امرأة تغسلها أن الرجل لا يباشر غسلها بالمس بل يغسلها من وراء حائل في قول بعضهم كالزهري وفي قول الأكثر تيمم وقال الأوزاعي: تدفن كما هي قال

стр. 8081

٤٥٥٠ - (١٧٥٩) (١٠٣) حدَّثنا عَبدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو (وَهُوَ أَبُو مَعْمَرٍ الْمِنْقَرِيُّ). حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (وَهُوَ ابْنُ صُهَيبٍ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أحُدٍ انْهَزَمَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ عَنِ النَّبيّ ﷺ . وَأَبُو طَلْحَةَ بَينَ يَدَيِ النَّبيّ ﷺ مُجَوِّبٌ عَلَيهِ بِحَجَفَةٍ ــ ابن المنير الفرق بين حال المداواة وغسل الميت أن غسل الميت عبادة والمداواة ضرورة والضرورات تبيح المحظورات ومثله في عمدة القارئ [٦/ ٦١٩ و ٦٢٠] ومنها ما أخرجه مسلم في آخر هذا الباب عن أم عطية الأنصارية قالت غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم وأصنع لهم الطَّعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى ومنها غير ذلك وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في الجهاد باب في النساء يغزون [٢٥٣١]، والترمذي في السير باب ما جاء في خروج النساء في الحرب [١٥٧٥]، ثم استشهد المؤلف ثانيًا بحديث آخر لأنس ﵁ فقال. ٤٥٥٠ - (١٧٥٩) (١٠٣) (حدَّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي) السمرقندي ثقة متقن من (١١) (حدَّثنا عبد الله بن عمرو) بن أبي الحجاج ميسرة (وهو أبو معمر) المقعد البصري التميمي (المنقري) بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف نسبة إلى منقر بن عبيد روى عن عبد الوارث بن سعيد في الجهاد والدعاء وأبي الأشهب وعبثر ويروي عنه (ع) والدارمي وحجاج بن الشَّاعر وأحمد بن خراش وثقه العجلي وابن معين وجماعة وزاد العجلي يرى القدر وقال في التقريب ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٢٤) أربع وعشرين ومائتين (حدَّثنا عبد الوارث) بن سعيد العنبري البصري ثقة، من (٨) (حدَّثنا عبد العزيز وهو ابن صهيب) البناني البصري الأعمى ثقة، من (٤) (عن أنس بن مالك) ﵁ وهذا السند من خماسياته (قال) أنس: (لما كان يوم) غزوة (أحد انهزم ناس من) بعض (النَّاس) أي من المسلمين (عن النَّبيِّ ﷺ وأبو طلحة) الأنصاري زيد بن سهل زوج أم سليم ﵄ (بين يدي النَّبيِّ ﷺ أي واقف أمامه (مجوب) بكسر الواو المشددة على صيغة الفاعل من التجويب أي ساتر (عليه) من الكفار (بحجفة) بتقديم الحاء على الجيم وبفتحهما أي حاجب له عن النَّاس بترس قاطع الرؤية بينه وبين النَّاس لا يراه أحد لأنَّ قوله مجوب من التجويب بمعنى

стр. 8082

قَال: وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ. وَكَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَينِ أَوْ ثَلاثًا. قَال: فَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الْجَعْبَةُ مِنَ النبْلِ. فَيَقُولُ: انْثُرْهَا لأبِي طَلْحَةَ. قَال: وَيُشْرِفُ نَبِيُّ الله ﷺ يَنْظُرُ إِلَى القَوْمِ. فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِيَّ الله! بِأبِي أَنْتَ وَأُمي! لَا تُشْرِفْ لَا يُصِبكَ سَهْمٌ مِن سِهَامِ الْقَوْمِ. نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ. قَال: وَلَقَدْ رَأَيتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ ــ الجوب وهو القطع أو الاتقاء بالجوب كثوب وهو الترس والمعنى مترس عنه بحجفة يقيه بها سلاح الأعداء (قال) أنس: (وكان أبو طلحة رجلًا راميًا) أي عارفًا بالرمي لا يخطئ فيه (شديد النزع) أي شديد النزع والرمي بالسهام عن القوس قويه (و) لكونه شديد النزع (كسر يومئذٍ) أي يوم غزوة أحد (قوسين أو ثلاثًا) بالشك من الراوي (قال) أنس: (فكان الرجل) من المسلمين المنهزمين (يمر) ذلك الرجل على النَّبيِّ ﷺ على أبي طلحة في انهزامه (معه) أي مع ذلك الرجل المنهزم (لجعبة من النبل) أي من السهام والجعبة ضبطها النووي بفتح الجيم والحافظ في الفتح بضمها مع سكون العين فيهما هي الكنانة والكيس التي تجعل فيها السهام (فيقول) النَّبيُّ ﷺ للرجل صاحب الجعبة (انثرها) أي انثر ما في الجعبة من السهام وانثرها وضعها واجعلها (لأبي طلحة) ولعل هذا القائل هو رسول الله ﷺ ولم أر من ذكره صريحًا والمراد أنَّه ﷺ يأمر صاحب الجعبة بنثر سهامها لأبي طلحة ﵁ لقلة ما بقي عنده من السهام ولأن رميه كان أنكى للعدو من غيره (قال) أنس: (ويشرف نبي الله ﷺ أي يطلع حالة كونه (ينظر إلى القوم) الكفار (فيقول أبو طلحة) لرسول الله ﷺ : (يا نبي الله بأبي أنت وأمي) أي أنت مفدي بأبي وأمي من كل مكروه فيه جواز التفدية لأنَّه ﷺ سمعها من غير واحد ولم ينكرها وكرهها بعضهم اهـ أبي نقلًا عن عياض (لا تشرف) بالجزم على صيغة النَّهي أي لا تشرف من أعلى موضع أي لا تطلع على القوم (لا يصبك) بالجزم على النَّهي أي لا ينلك (سهم من سهام القوم) الكفار (نحري دون نحرك) أي أقرب إلى السهام من نحرك أي أنا أفديك بنفسي قاله في الفتح والنحر أعلى المصدر وموضع القلادة منه وقد يطلق على المصدر أيضًا والجملة دعائية والمعنى جعل الله نحري أقرب إلى السهام من نحرك لأصاب بها دونك قال النووي. (قال) أنس: (ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم

стр. 8083

سُلَيمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمَّرَتَانِ. أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا. تَنْقُلانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا. ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِهِمْ. ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلانِهَا. ثُمَّ تَجِيئَانِ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ. وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيفُ مِنْ يَدَي أَبِي طَلحَةَ إِمَّا مَرَّتَينِ وَإمَّا ثَلاثًا، مِنَ النُّعَاسِ. ٤٥٥١ - (١٧٦٠) (١٠٤) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ ــ سليم و) الحال (إنهما لمشمرتان) أي لمجمعتان أزرهما إلى فوق حالة كوني (أرى خدم سوقهما) والخدم جمع خدمة وهي الخلخال وقيل هي سيور تشبه الحلقة تجعل في الرجل وقيل: أريد بها مخرج الرجل من السراويل اهـ عياض والسوق جمع ساق والساق ما بين الكعب والركبة قال النووي: وهذه الرؤية للخدم لم يكن فيها نهي له لأنَّ هذا كان يوم أحد أول الإسلام قبل أمر النساء بالحجاب وتحريم النظر إليهن وأنَّه لم يذكر هنا أنَّه تعمد النظر إلى نفس الساق فهو محمول على أنَّه حصلت تلك النظرة فجأة بغير قصد ولم يستدمها أي حالة كوني أرى خلخال ساقهما حالة كونهما (تنقلان) أي تحملان (القرب) أي قرب الماء جمع قربة وهي السقاء (على متونهما) أي على ظهورهما جمع متن وهو الظهر (ثم تفرغانه) أي تصبان ماء القرب وأعاد الضمير على الماء لأنَّه مفهوم من السياق فصار كالمد المذكور (في أفواههم) أي في أفواه الرجال في الصف (ثم ترجعان) إلى مركز الماء (فتملآنها) أي فتملآن القرب الماء (ثم تجيئان) بالقرب حالة كونهما (تفرغانه) أي تفرغان ماء القرب (في أفواه القوم و) الله (لقد وقع) أي سقط (السيف من يدي أبي طلحة أما مرتان وأمَّا ثلاثًا) على التشكيك من النُّعاس أي لأجل النعاس الذي من الله به على أهل الصدق واليقين من المؤمنين يوم أحد لأنَّه تعالى لما علم ما في قلوبهم من الغم وكره الأعداء صرفهم عن ذلك بإنزال النُّعاس عليهم لئلا يوطنهم الغم والخوف ويضعف عزائمهم كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ اهـ نووي وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخاريّ في الجهاد باب غزوة النساء [٢٨٨٠]، وباب المجن [٢٩٠٢]، ومناقب أبي طلحة [٣٨١١]، وفي المغازي باب إذا همت طائفتان [٤٠٦٤]، ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثَّاني والثالث من الترجمة بحديث ابن عباس ﵁ فقال. ٤٥٥١ - (١٧٦٠) (١٠٤) (حدَّثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) الحارثي القعنبي

стр. 8084

حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّد، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ؛ أَن نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ خَمْسِ خِلالٍ. فَقَال ابْنُ عبَّاسٍ: لَوْلَا أَنْ أكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيهِ. كَتَبَ إِلَيهِ نَجْدَةُ: أَمَّا بَعْدُ. فَأخْبِرْنِي ــ البصري ثقة، من (٩) (حدَّثنا سليمان يعني ابن بلال) التَّيميُّ مولاهم المدني ثقة، من (٨) (عن جعفر محمَّد) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بالصادق أبي عبد الله المدني صدوق من (٦) (عن أبيه) محمَّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني ثقة، من (٤) (عن يزيد بن هرمز) الغفاري مولاهم وقيل: الليثي مولاهم أبي عبد الله المدني روى عن ابن عباس في الجهاد وأبي هريرة في القدر وأبان بن عثمان ويروي عنه (م د ت س ق) ومحمد الباقر وسعيد المقبري وقيس بن سعد وغيرهم وثقه ابن معين وأبو زرعة وابن سعد وقال في التقريب ثقة، من (٣) الثَّالثة مات على رأس (١٠٠) المائة (أن نجدة) بن عامر الحنفي الحروري المدني رئيس طائفة من الخوارج له مقالات معروفة وأتباع انقرضوا وفارقه أي فارق ابن عباس لإحداثه في مذهبه ثم خرج مستقلًا باليمامة سنة (٦٦) هـ أيَّام عبد الله بن الزُّبير في جماعة كبيرة فأتى البحرين واستقر بها وتسمى بأمير المؤمنين ووجه إليه مصعب بن الزُّبير خيلًا بعد خيل وجيشًا بعد جيش فهزمهم ونقم عليه أصحابه أمورًا فخلعوه وقتلوه وقيل قتله أصحاب ابن الزُّبير راجع لأخباره الكامل للمبرد [٢/ ٦٢٩]، وابن الأثير [٤/ ٧٨]، (كتب) أي نجدة (إلى ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما حالة كونه (يسأله) أي يسأل ابن عباس (عن خمس خلال) أي عن خمس خصال من أمور الدين ووقع في رواية أبي داود في الخراج أن نجدة الحروري حين حج في فتنة ابن الزُّبير أرسل إلى ابن عباس إلخ (فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علمًا) أي لولا مخافة كتمان العلم (ما كتبت إليه) أي إلى نجدة الحروري من الخوارج معناه أن ابن عباس يكره نجدة لبدعته وهي كونه من الخوارج الذي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ولكن لما سأله عن العلم لما يمكنه كتمه فاضطر إلى جوابه وقال: لولا أن أكتم علمًا ما كتبت إليه أي لولا أنني إذا تركت الكتابة أصير كاتمًا للعلم مستحقًا لوعيد كاتمه لما كتبت إليه لما عليه من بدعته لأنَّه خوارجي وهذا السند من سداسياته ثم بين ما كتبه إليه نجدة فقال: (كتب إليه) أي إلى ابن عباس (نجدة) بن عامر بلفظ (أما بعد فأخبرني) يا ابن عباس

стр. 8085

هَل كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهمٍ؟ وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ؟ وَمَتَى يَنْقَضِي يُتمُ الْيَتِيمِ؟ وَعَنِ الْخُمُسِ لِمَنْ هُوَ؟ فَكَتَبَ إِلَيهِ ابْنُ عبَّاسٍ: كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِن فَيُدَاوينَ الْجَرْحَى ويحْذَينَ مِنَ الْغَنِيمَةِ ــ جواب (هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء) أي هل يستصحبهن في غزوة (و) جواب (هل كان يضرب لهن بسهم) أي هل يجعل لهن نصيبًا معينًا من الغنيمة كما يجعل للرجال (و) جواب (هل كان) ﷺ (يقتل الصبيان) أي صبيان أهل الحرب (و) جواب (متى ينقضي) وينتهي (يتم اليتيم و) سأله أيضًا (عن الخمس) أي عن خمس الغنيمة (لمن هو) أي الخمس (فكتب إليه) أي إلى نجدة (ابن عباس) ﵄ جوابًا عن هذه الأسئلة بلفظ (كتبت) إليَّ يا نجدة كتابًا حالة كونك (تسألني هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء) أي يستصحبهن في غزوه (و) أقول لك في جواب هذا السؤال نعم (قد كان) رسول الله ﷺ (يغزو بهن) أي يستصحبهن في غزوه (فيداوين) أي يعالجن (الجرحى) جمع جريح أي يعالجنهم من ألم الجراح بأدوية الجراح (ويحذين) بالبناء للمجهول أي يعطين بحذوة وعطية وقوله (بحذين) بضم الياء وسكون الحاء وفتح الذال على صيغة المجهول أي يعطين تلك العطية وأصله أحذيته نعلًا أي أعطيته نعلًا كما في تاج العروس وكأنه كان مختصًا بإعطاء النعال ثم استعير لكل عطية وأكثر ما يستعمل في إعطاء القليل وهو معنى الرضخ المذكور والمعنى أنهن لم يضرب لهن بسهم غير أنهن أعطين شيئًا قليلًا (من الغنيمة) كالجائزة. وفي هذا الحديث والذي قبله جواز اختلاط النساء بالرجال في الحرب لسقي الماء ونحوه وجواز معالجة المرأة الرجل الأجنبي للضرورة واشترط ابن بطال في المعالجة أن تكون بغير مباشرة ولا مس قال ويدل على ذلك اتفاقهم على أن المرأة إذا ماتت ولم توجد امرأة تغسلها أن الرجل لا يباشر غسلها بالمس بل يغسلها من وراء حائل في قول بعضهم كالزهري وفي قول الأكثر تيمم قال ابن المنير والفرق بين المداواة وغسل الميت أن الغسل عبادة والمداواة ضرورة والضرورات تبيح المحظورات اهـ ملخصًا من الفتح كما ذكرناه في الحديث السابق. قوله أيضًا (ويحظين من الغنيمة) أي يعطين الحذوة بكسر الحاء وضمها وهي

стр. 8086

وَأَمَّا بِسَهْمٍ، فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ. وَإِن رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ. فَلَا تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ. وَكَتَبْتَ تَسأَلُنِي: مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ وإنَّهُ لَضَعِيف الأخذِ لِنَفْسِهِ. ضَعِيف الْعَطَاءِ مِنْهَا. فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأخُذُ النَّاسُ، فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ. وَكَتَبْتَ تَسْألُنِي عَنِ الْخُمسِ لِمَنْ هُوَ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ: هُوَ لَنَا. فَأَبَى عَلَينَا قَوْمُنَا ذَاكَ ــ العطية وهو معنى قوله يرضخ لهن أي يعطين عطاء ليس بكثير وفسر في النهاية الرضخ بالعطية القليلة (وأما) إعطاؤهن (بسهم فلم يضرب) أي فلم يعين (لهن) رسول الله بسهم مقدر كسهم الرجال (وإن رسول الله ﷺ لم يكن يقتل الصبيان) أي صبيان أهل الحرب (فلا تقتل) يا نجدة (الصبيان) إذا جاهدت الكفار ولا النساء قال النووي فيه النَّهي عن قتل صبيان أهل الحرب وهو حرام إذا لم يقاتلوا وكذلك النساء فإن قاتلوا جاز قتلهم اهـ نووي (وكتبت) إلي يا نجدة حال كونك (تسألني) بقولك (متى ينقضي) وينتهي (يتم اليتيم) أي متى ينتهي حكم يتمه بحيث يجب على وليه أن يدفع إليه ماله ويستقل هو بالتصرف فيه أما نفس اليتم سينقضي بالبلوغ (فـ) ـأقول لك في الجواب عن سؤالك (لعمري) أي لحياتي قسمي أي أقسمت لك بالحياة أي بالذي يحييني (إن الرجل) من الإنسان (لتنبت لحيته) وعانته (وإنَّه) أي والحال أنه (لضعيف الأخذ لنفسه) يعني أنَّه ضعيف في مطالبة حقوقه من النَّاس (وضعيف العطاء) أي الإعطاء والأداء (منها) أي من نفسه حقوق النَّاس إليهم (فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ النَّاس) لأنفسهم (فقد ذهب عنه اليتم) أي فإذا صار حافظًا لماله عارفًا بوجوه أخذه وإعطائه يعني ظهر منه المرشد في معاملته مع النَّاس فقد رفع عنه حكم اليتم فيجب تسليم ماله إليه قال النووي: وفي هذا أن حكم اليتم لا ينقطع بمجرد البلوغ ولا بعلو السنن بل لا بد أن يظهر منه المرشد وهو مذهب مالك والشَّافعيّ وجماهير العلماء وقال أبو حنيفة: ينتظر رشده بعد البلوغ إلى أن يبلغ خمسًا وعشرين سنة من عمره فإذا بلغ خمسًا وعشرين سنة زال عنه حكم الصبيان وصار رشيدًا يتصرف في ماله ويجب تسليمه إليه وإن كان غير ضابط له اهـ باختصار. (وكتبت) إليَّ (تسألني عن الخمس) أي عن خمس الغنيمة الذي جعله الله لذوي القربى (لمن هو وإنا كنا) معاشر ذوي القربى (نقول: هو لنا فأبى علينا قومنا ذاك) أي

стр. 8087

٤٥٥٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيبَةَ وإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. كِلاهُمَا عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ؛ أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ خِلالٍ. بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيمَانَ بْنِ بِلالٍ. غَيرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ حَاتِمٍ: وإنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ. فَلَا تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ. إلا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الصَّبِيِّ الذِي قَتَلَ ــ كونه لنا أي رأوا أنَّه لا يتعين صرفه إلينا بل يصرفونه في المصالح. وفي التكملة قوله (كُنَّا نقول هو لنا) يعني كُنَّا نرى أن خمس الخمس من الغنيمة يستحقه ذوو القرابة من رسول الله ﷺ سواء كانوا أغنياء أو فقراء وهذا مذهب ابن عباس وبه أخذ الشَّافعي فقال: إن خمس الغنيمة يقسم على خمسة سهام السهم الواحد منها حق لذوي القربى من رسول الله ﷺ يستوي فيه غنيهم وفقيرهم ويقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ويكون لبني هاشم وبني المطلب دون غيرهم وهو مذهب الإمام أحمد وحكاه الموفق عن عطاء ومجاهد والشعبي والنخعي وقتادة وابن جريج راجع المغني لابن قدامة [٣٠٠٧]، أن وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أبو داود في الجهاد باب في المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة [٢٧٢٧ و ٢٧٢٨]، والترمذي في باب من يعطي الفيء [١٥٥٦]، ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث ابن عباس ﵄ فقال. ٤٥٥٢ - (٠٠) (٠٠) (حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (كلاهما عن حاتم بن إسماعيل) العبدري مولاهم أبي إسماعيل المدني صدوق من (٨) (عن جعفر بن محمَّد) بن علي بن الحسين الهاشمي المدني صدوق من (٦) (عن أبيه) محمَّد بن علي الباقر الهاشمي المدني ثقة، من (٤) (عن يزيد بن هرمز) يصرف ولا يصرف الغفاري المدني ثقة، من (٣) غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة حاتم بن إسماعيل سليمان بن بلال (أن نجدة) بن عامر الحروري المدني كتب إلى ابن عباس يسأله عن خلال) خمس كما في الرّواية الأولى وساق حاتم (بمثل حديث سليمان بن بلال غير أن في حديث حاتم وإن رسول الله ﷺ لم يكن يقتل الصبيان فلا تقتل الصبيان إلَّا أن تكون تعلم ما علم الخضر من الصبي الذي قتل) معناه أن الصبيان لا يحل قتلهم ولا يحل لك أن تتعلق بقصة الخضر في قتله صبيًّا فإن الخضر ما

стр. 8088

وَزَادَ إِسْحَاقُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ حَاتِمٍ: وَتُمَيِّزَ الْمُؤْمِنَ. فَتَقْتُلَ الكَافِرَ وَتَدَعَ الْمُؤْمِنَ. ٤٥٥٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ. قَال: كَتَبَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ الْحَرُورِي إِلَى ابْنِ عَبَّاسِ يَسْألُهُ عَنِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ يُقْسَمُ لَهُمَا؟ وَعَنْ قَتْلِ الْولْدَانِ؟ وَعَنِ الْيَتِيمِ مَتَى يَنْقَطِعُ عَنْهُ الْيُتْمُ؟ وَعَنْ ذَوي الْقُرْبَى، مَنْ هُمْ؟ فَقَال لِيَزِيدَ: ــ قتله إلَّا بأمر الله تعالى له على التعيين كما قال في آخر القصة ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ فإن كنت أنت تعلم من صبي ذلك فاقتله ومعلوم أن لا علم له بذلك فلا يجوز له القتل اهـ نووي (وزاد إسحاق) بن إبراهيم على أبي بكر (في حديثه) وروايته (عن حاتم) بن إسماعيل لفظة (و) إلَّا أن تكون (تميز المؤمن) من الكافر (فتقتل الكافر وتدع المؤمن) أي تتركه ومعناه من يكون إذا عاش إلى البلوغ مؤمنًا ومن يكون إذا عاش كافرًا فمن علمت أنَّه يبلغ كافرًا فاقتله كما علم الخضر أن ذلك الصبي لو بلغ لكان كافرًا وأعلمه الله تعالى ذلك ومعلوم أنك لا تعلم ذلك فلا تقتل صبيًّا ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث ابن عباس ﵁ فقال. ٤٥٥٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا) محمَّد بن يَحْيَى (بن أبي عمر) العدني المكيِّ (حدَّثنا سفيان) بن عيينة (عن إسماعيل بن أميَّة) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أميَّة الأموي المكيِّ ثقة، من (٦) (عن سعيد) بن أبي سعيد كيسان (المقبري) أبي سعيد المدني ثقة، من (٣) (عن يزيد بن هرمز) الحروري المدني ثقة، من (٣) غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة سعيد المقبري لمحمد بن علي الباقر (قال) يزيد (كتب نجدة بن عامر الحروري) بفتح فضم نسبة إلى حروراء قرية بظاهر الكوفة نسبت الخوارج إليها لأنها كانت محل اجتماعهم وتشاورهم حين خرجوا على علي بن أبي طالب ﵁ (إلى ابن عباس يسأله عن العبد والمرأة يحضران المغنم) أي المعركة التي كانت ذات غنيمة (هل يقسم لهما) من مال الغنيمة أم لا (و) يسأله (عن) حكم (قتل الولدان) أي صبيان أهل الحرب هل يجوز أم لا (و) يسأله (عن) حكم يتم (اليتيم متى ينقطع) ويرفع (عنه اليتم) أي حكمه الذي هو عدم نفوذ تصرفه (و) يسأله (عن ذوي القربى) الذين لهم خمس الغنيمة (من هم) هل هم جميع أقاربه ﷺ أو بعضهم (فقال) ابن عباس (ليزيد) بن هرمز:

стр. 8089

اكْتُبْ إِلَيهِ. فَلَوْلا أَنْ يَقَعَ فِي أُحْمُوقَةٍ مَا كَتَبْتُ إِلَيهِ. اكْتُبْ: إِنَّكَ كَتَبْتَ تَسْألُنِي عَنِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ يُقْسَمُ لَهُمَا شَيءٌ؟ وَإِنَّهُ لَيسَ لَهُمَا شَيءٌ. إلا أَنْ يُحْذَيَا. وَكَتَبْتَ تَسْألُنِي عَنْ قَتْلِ الْولْدَانِ؟ وإنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَقْتُلْهُمْ. وَأَنْتَ فَلَا تَقْتُلْهُمْ. إلا أَنْ تَعْلَمَ مِنْهُمْ مَا عَلِمَ صَاحِبُ مُوسَى مِنَ الْغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ. وَكَتَبْتَ تَسْألُنِي عَنِ الْيَتِيمِ، مَتَى يَنْقَطِعُ عَنْهُ اسْمُ الْيُتْمِ؟ وَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ اسْمُ الْيُتْمِ حتَّى يَبْلُغَ ويؤنَسَ مِنْهُ رُشْدٌ ــ (اكتب إليه) أي إلى نجدة بن عامر الحروري (فلولا) مخافة (أن يقع في أحموقة) بضم الهمزة والميم أي فلولا مخافة أن يفعل نجدة فعل الحمقى والجهال ويرى رأيًا كرأيهم أن فتح الودود (ما كتبت إليه) أي إلى نجدة لسوء عقيدته لأنَّه يرى رأي الخوارج والأحموقة هنا الخصلة ذات الحمق قال النووي يعني لولا أن يقع في فعل من أفعال الحمقى ويرى رأيًا كرأيهم وقال في النهاية وحقيقة الحمق وضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه اهـ ويطلق اسم الحموقة أيضًا على الرجل البالغ في الحمق وقوله (اكتب) إليه يا يزيد توكيد لفظي لما ذكر آنفًا (إنك) يا نجدة (كتبت) إلي كتابًا حالة كونك (تسألني) فيه (عن المرأة والعبد يحضران المغنم هل يقسم) ويعطى (لهما شيء) من الغنيمة أم لا (و) وأقول لك في جواب سؤالك (إنَّه) أي إن الشأن والحال (ليس لهما شيء) وسهم من الغنيمة (إلَّا أن يحذيا) بالبناء للمجهول إلَّا أن يرضحا ويعطيا شيئًا قليلًا من الغنيمة بحسب اجتهاد الإمام (وكتبت) إليَّ كتابًا حالة كونك (تسألني) فيه (عن) حكم (قتل الولدان) أي ولدان أهل الحرب وصبيانهم هل يجوز أم لا (و) أقول لك في جواب سؤالك عن هذا (إن رسول الله ﷺ لم يقتلهم وأنت) يا نجدة (فلا تقتلهم) اتباعًا لرسول الله ﷺ (إلا أن تعلم منهم) أي من الولدان (مما علم صاحب موسى) يعني الخضر ﵉ (من الغلام الذي قتله) وهو الكفر وأنت لا تعلم ذلك فلا تقتل ولدان أهل الحرب والولد الذي قتله الخضر اسمه حيسور بالمهملة وقيل جيسور بالجيم اهـ تنبيه المعلم (وكتبت) إلي أيضًا كتابًا حالة كونك (تسألني) فيه (عن) يتم (اليتيم متى ينقطع عنه اسم اليتم) أي حكمه والمراد بالاسم الحكم (و) أقول لك في جواب سؤالك (إنَّه لا ينقطع عنه اسم اليتم حتَّى يبلغ) أي لا ينقطع عنه حكم اليتم حتَّى يبلغ (ويونس منه رشد) أي يعلم منه كمال العقل وسداد الفعل وحسن التصرف

стр. 8090

وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ ذَوي الْقُرْبَى، مَنْ هُمْ؟ وَإِنَّا زَعَمْنَا أَنَّا هُمْ. فَأَبَى ذلِكَ عَلَينَا قَوْمُنَا. ٤٥٥٤ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثناه عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَان. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ. عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ. قَال: كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ. قَال أَبُو إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ بِشْرٍ ــ اهـ من النهاية (وكتبت) إليَّ كتابًا حالة كونك (تسألني عن ذوي القربى من هم و) كتبت لك كتابًا في الجواب عن سؤالك (إنا) معاشر ذوي القربى (زعمنا أنا هم) أي ذوو القربى أي قلنا إنا هم كما في الرّواية السابقة واعتقدنا فإن الزعم يطلق على القول ومنه زعمت الحنفية كذا وزعم سيبويه أي قال وعليه قوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ أي كما أخبرت ويطلق على الاعتقاد ومنه قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ أفاده في المصباح وقوله (إنا هم) أي أنا نحن ذوو القربى الذين جعل لهم خمس الخمس من الغنيمة في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ والمراد ذوو قرباه ﷺ واختلف العلماء في تعيينهم (فأبى) أي امتنع (ذلك) الذي قلناه (علينا قومنا) أي أمراؤنا يعني أمراء بني أميَّة ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث ابن عباس ﵁ فقال. ٤٥٥٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه عبد الرحمن بن بشر) بن الحكم بن حبيب بن مهران (العبدي) أبو محمَّد النيسابوري ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٣) بابا (حدَّثنا سفيان) بن عيينة (حدَّثنا إسماعيل بن أميَّة) الأموي المكيِّ (عن سعيد بن أبي سعيد) المقبري المدني (عن يزيد بن هرمز) الحروري المدني (قال كتب نجدة) بن عامر الحروري المدني (إلى ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (وساق) عبد الرحمن بن بشر (الحديث) السابق (بمثله) أي بمثل ما حدث ابن أبي عمر غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عبد الرحمن بن بشر لابن أبي عمر (قال أبو إسحاق) إبراهيم بن محمَّد بن سفيان النيسابوري تلميذ المؤلف راوي هذا الجامع عنه (حدثني عبد الرحمن بن بشر) العبدي بلا واسطة مسلم
следующие страницы →