فَخَرَرْتُ لاسْتِي، فَقَال: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً،
ــ
واختلفوا في اختصاصه بالمرأة، فمنهم من قال يكون للرجل والمرأة، ومنهم من قال: هي للمرأة خاصة، فيكون إطلاقه في الرجل مجازًا واستعارة، وقد أكثر إطلاقه في الأحاديث على الرجل (فخررت) أي سقطت (لاستي) أي على استي ودبري، والاسْتُ بكسر الهمزة اسم من أسماء المدبر، فالمستحب في مثل هذا الكناية عن قبيح الأسماء، واستعمال المجاز والألفاظ التي تُحصِّلُ الغرض ولا يكون في صورتها ما يستحيا من التصريح بحقيقة لفظه، وبهذا الأدب جاء القرآن العزيز والسنن كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وقد يستعملون صريح الاسم لمصلحة راجحة وهي إزالة اللبس أو الاشتراك أو نفي المجاز أو نحو ذلك كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ وقوله ﷺ : "أنكتها" وكقوله ﷺ : "أدبر الشَّيطان وله ضراط" وكقول أبي هريرة ﵁: الحدث فساء أو ضراط، ونظائر ذلك كثير، واستعمال أبي هريرة هنا لفظ الاست من هذا القبيل والله أعلم اهـ نووي.
وعبارة القرطبي (قوله فخررت لاستي) أي على استي كما قال تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ أي عليها من الخرور وهو السقوط، وكأنه وكزه في صدره فوقع على استه، وقال القاضي عياض: (قوله فضرب عمر) لم يقصد عمر ﵁ بضربه إذايته، ولا رد أمره صَلَّى الله عليه وسلام وإنما رأى المصلحة في عدم التبشير خوف الاتكال فتكثر أجورهم، والتبشير وإن كان للخواص لكن خاف أن يصل العوام، ولذا صوبه ﷺ مع أن المصادر عنه ليس أمرًا حقيقة بل تطييب لنفوس الصّحابة وفي الحديث إشارة أهل الفضل والوزراء على الإمام وإن لم يستشرهم، ووقفهم بعض أمره حتَّى يعرضوا عليه ما رأوه فيه ورجوع الإمام إلى صواب ذلك. اهـ
(فقال) عمر لأبي هريرة (ارجع يا أبا هريرة) إلى رسول الله ﷺ ولا تبشر النَّاس بذلك قال أبو هريرة (فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بكاءً) أي تهيأت لبكاء وأخذت فيه، قال أبو عبيد: الجهش أن يفزع الإنسان إلى الإنسان مريدًا للبكاء كالصبي يفزع إلى أمه، فقال: جهشت جهوشًا وأجهشت إجهاشًا لغتان، وقال أبو زيد جهشت للبكاء والحزن والشوق جهوشًا فهو بالجيم والشين
стр. 842
وَرَكِبَنِي عُمَرُ فَإِذَا هُوَ عَلَى أثَرِي، فَقَال لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟ "، قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ، فَضَرَبَ بَينَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لاسْتِي، قَال: ارْجِعْ فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ:
ــ
المعجمة والهمزة والهاء مفتوحتان، قال النووي: هكذا وقع في الأصول التي رأيناها وهما صحيحان، وقال القاضي عياض: والإجهاش هو أن يفزع الإنسان إلى غيره وهو متغير الوجه متهيء للبكاء ولما يبك بعد، وقال الطبري: هو الفزع والاستغاثة وأمَّا قوله (بكاء) فهو منصوب على المفعول له، وقد جاء في رواية للبكاء، والبكاء يمد ويقصر لغتان اهـ نووي.
(وركبني عمر) أي تبعني ولحقني ومشى خلفي في الحال بلا مهلة ولا تأخر، وقال القاضي عياض: تبعني في العين والوقت ومنه حديث حذيفة: "إنَّما تهلكون إذا صريح تمشون الركبان كأنكم يعاقيب الحجل" أراد أنكم تمضون على وجوهكم دون تثبت ولا استئذان من هو أسنُّ منكم، يركب بعضكم بعضًا فعل اليعاقيب، واليعاقيب جمع يعقوب وهو ذكر الحجل اهـ.
و(إذا) في قوله (فإذا هو) أي عمر (على أثري) أي ورائي وخلفي فجائية والفاء عاطفة ما بعدها على قوله فأجهشت بكاء، والتقدير فتهيأت للبكاء عند النَّبيِّ ﷺ ففاجأني حضور عمر على أثري، وأمَّا قوله (على أثري) ففيه لغتان مشهورتان فصيحتان: كسر الراء وإسكان الثاء وفتحهما (فقال لي رسول الله ﷺ ما لك) أي أي شيء ثبت لك، وأي مشكلة نزلت بك تتهيأ للبكاء (يا أبا هريرة قلت) له جوابًا لاستفهامه لما ذهبت من عندك (لقيت) واستقبلت (عمر) بن الخطاب (فأخبرته) أي فأخبرت عمر (بـ) ـالأمر (الذي بعثتني) وأرسلتني (به) من تبشير من لقيته بالجنة (فضربـ) ـني في صدري (بين ثديي) أي بين ثديين لي (ضربة) شديدة؛ أي وكزني وكزة شديدة (خررت) وسقطت منها (لاستي) أي على استي ودبري ثم (قال) لي عمر معطوف بعاطف مقدر على ضرب (ارجع) يا أبا هريرة إلى رسول الله ﷺ ولا تخبر النَّاس بهذه البشارة، فحمل عمر البشارة على العموم، ولكن مراد النَّبيُّ ﷺ الخصوص فخشي عمر في الخصوص أن يفشو ويتسع (فقال له) أي لعمر (رسول الله) ﷺ (يا عمر ما حملك) وبعثك (على ما فعلت) بأبي هريرة من منعه من
стр. 843
"يَا عُمَرُ (١)؛ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ "، قَال: يَا رَسُولَ الله؛ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيرَةَ بِنَعْلَيكَ، مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ: أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ مُسْتَيقِنًا بِهَا قَلْبُهُ .. بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ ! قَال: "نَعَمْ"، قَال: فَلَا تَفْعَلْ؛ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيهَا فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ، قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَخَلِّهِمْ"
ــ
التبشير ورده عليَّ (قال) عمر جوابًا لاستفهامه ﷺ (يا رسول الله بأبي أنت وأمي) أي أنت مَفْدِيٌّ من كل مكروه بأبي وأمي، أو أفديك بأبي وأمي، وفي هذا جواز قول الرجل للآخر بأبي أنت وأمي، وقد كرهه بعض السلف وقال: لا يُفدَّى بمسلم، والأحاديث الصحيحة تدل على جوازه سواء كان المفدى بهما مسلمين أم لا وسواء كانا حيين أو ميتين؛ لأنَّه ليس المراد الحقيقة وإنَّما هو على معنى الحنانة والبر (أبعثت) أي هل أرسلت يا رسول الله (أبا هريرة) إلى النَّاس حالة كونه ملتبسًا (بنعلبك) على أنَّه (من لقي) ورأى من النَّاس حالة كون ذلك المَلْقِيِّ له (يشهد) ويقر (إن لا إله إلَّا الله مستيقنًا بها) أي موقنًا بمعنى هذه الكلمة (قلبه بشره بالجنة) أي بدخولها (قال) النَّبيُّ ﷺ (نعم) أرسلته ليبشر النَّاس بالجنة (قال) عمر للنبي ﷺ (فلا تفعل) يا رسول الله ذلك التبشير (فإني أخشى) وأخاف (إن يتكل النَّاس) ويعتمدوا (عليها) أي على تلك الشهادة، ويكتفوا بمجردها عن إكثار الأعمال الصالحة، فليس في تبشيرهم بذلك مصلحة لهم لقلة عملهم وأجورهم حينئذ (فخلهم) يا رسول الله أي اتركهم على حالهم واجتهادهم في العمل الصالح حالة كونهم (يعملون) أي يكثرون من العمل الصالح (قال رسول الله ﷺ لأبي هريرة إذا كان الأمر كذلك؛ أي اتكالهم على مجرد الشهادة (فخلهم) يا أبا هريرة على حالهم، فلا تخبرهم بهذه البشارة مخافة اتكالهم على مجردها.
قال الأبي: والأظهر أن عمر لم يسمع حديث معاذ المتقدم لقوله: فإني أخشى، فهو من إلهاماته النفسية، ويكون سكوته ﷺ عن ذلك اتكالًا على ما سبق بيانه، وقال الأبي أيضًا: وليس هذا من النسخ قبل الفعل لأنَّه قد بلغ البعض، قال القاضي عياض: وفي هذا رجوع الإمام إلى ما ظهر له صوابه، ولا خلاف أن له ﷺ أن يجتهد في أمور الدُّنيا ويرجع إلى رأي غيره في ذلك كما فعل في تلقيح
стр. 844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النخيل والنزول ببدر ومصالحة أهل الأحزاب. انتهى
"بشارة": وعندما وصلت إلى هذا المحل من الكتابة في جوف الليلة الحادية والعشرين من شعبان ليلة الخميس في تاريخ (٢١/ ٨ / ١٤١٩ هـ) كسلت من الكتابة ورقدت، ورأيت في المنام كأني بنيت بيتًا كان سقفه في السماء، وأركان جداره في مشارق الأرض ومغاربها وجنوبها وشمالها وفي قصدي جعل بعضه مساجد، وبعضه مدارس للمسلمين، والنّاس يأتون إليه ويتعجبون منه، وجاء رجل أبيض أحسن النَّاس قدًا وهيئة وجمالًا وطاف بذلك البيت وتعجب منه ويقول بصوت رفيع: رحم الله امرأ بنى بما لم يبن غيره، وأظن ذلك الرجل النبي ﷺ أر الإمام مسلمًا وأكبر ظني أنَّه النَّبيُّ ﷺ ، ورأيت في تلك الرؤيا بشارة عظيمة لا أستطيع وصفها الآن والحمد لله على هذه البشارة، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ وإلى المقصود نرجع فنقول:
قال الأبي: واختلف هل له ﷺ أن يجتهد في الشرعيات؟ وهل هو معصوم في اجتهاده أم هو كغيره؟ والصَّواب أن له ذلك لقوله تعالى ﴿لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ﴾ الآية، ولحكمه برأيه في أسرى بدر، وأنَّه معصوم في ذلك لأنَّ اجتهاده ركن من أركان الشريعة تستنبط منه الأحكام ويقاس عليه فكيف يتصور فيه الخطأ ومخالفة الحق، وإنَّما الحق والصَّواب ما فعله، وإنَّما الشرع ما اجتهد فيه، وخطأ المجتهدين إنَّما هو بعدم توفيقهم إلى فهمهم مراده ﷺ وهذا كله على أن المصيب واحد، وأمَّا على أن كل مجتهد مصيب فالأمر واضح.
قال الأبي: جواز الاجتهاد له ﷺ للأكثر، وتوقف فيه إمام الحرمين، ومنعه الجبائي وابنه والإمامية، والحقُّ ما ذُكر من عصمته فيه، وحكى الطُّوسي عن جماعة: جواز ذلك عليه، قالوا: ولكن لا يقر عليه، واختاره ابن الحاجب، ولم نزل نسمع إنكار هذا القول وترجيح ابن الحاجب له انتهى.
قال القرطبي: (وأعلم) أن ضرب عمر لأبي هريرة حتَّى سقط لم يكن ليؤذيه ويوقعه، ولكن إنَّما كان ليوقفه ويمنعه من النهوض بالبشرى حتَّى يراجع النَّبيَّ ﷺ ، ولم يكن ذلك من عمر اعتراضًا على رسول الله ﷺ ولا ردًّا لأمره وإنَّما كان ذلك سعيًا في استكشاف عن مصلحة ظهرت له لم يعارض بها حكمًا
стр. 845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا شرعًا، إذ ليس فيما أمره به إلَّا تطييب قلوب أصحابه أو أمته بتلك البشرى، فرأى عمر أن السكوت عن تلك البشرى أصلح لهم لئلا يتكلوا على ذلك فتقل أعمالهم وأجورهم، ولعل عمر قد كان سمع ذلك من النَّبيِّ ﷺ كما سمعه معاذ ﵄ على ما يأتي في حديث معاذ الآتي قريبًا فيكون ذلك تذكيرًا للنبي ﷺ بما قد سمع منه، ويكون سكوت النَّبيِّ ﷺ عن ذلك تعديلًا على ما قد كان تعذر لهم تبيانه لذلك، ويكون عمر لما خصه الله تعالى به من الفطنة وحضور الذهن تذكّر ذلك واستبلد أبا هريرة إذ لم يتفطن لذلك ولا تذكره فضربه تلك الضربة تأديبًا وتذكيرًا، وفي هذا الحديث دليل على جواز تخصيص العموم بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار، وقد اختلف فيه الأصوليون، وفيه عرض المصالح على الإمام وإن لم يستدع ذلك، وفيه أبواب لا تخفى، والله أعلم انتهى.
قال النواوي: (وأعلم) أن حديث أبي هريرة هذا مشتمل على فوائد كثيرة تقدم في أثناء الكلام منه جمل ففيه جلوس العالم لأصحابه ولغيره من المستفتين وغيرهم يُعلمهم ويفيدهم ويفتيهم، وفيه ما قدمناه أنَّه إذا أراد ذكر جماعة كثيرة فاقتصر على بعضهم ذكر أشرافهم أو بعض أشرافهم، ثم قال: وغيرهم، وفيه بيان ما كانت الصّحابة عليه رضي الله تعالى عنهم من القيام بحقوق رسول الله ﷺ وإكرامه والشفقة عليه والانزعاج البالغ لما يطرقه ﷺ ، وفيه اهتمام الأتباع بحقوق متبوعهم والاعتناء بتحصيل مقاصده، ودفع المفاسد عنه، وفيه جواز دخول الإنسان مِلك غيره بغير إذنه؛ إذا علم أنَّه يرضى ذلك لمودة بينهما أو غير ذلك، فإن أبا هريرة ﵁ دخل الحائط وأقره النَّبيُّ ﷺ على ذلك، ولم يُنقل أنَّه أنكر عليه، وهذا غير مختص بدخول الأرض، بل يجوز له الانتفاع بأدواته وأكل طعامه والحمل من طعامه إلى بيته، وركوب دابته ونحو ذلك من التصرف الذي يعلم أنَّه لا يشق على صاحبه هذا هو المذهب الصَّحيح الذي عليه جماهير السلف والخلف من العلماء رحمة الله تعالى عليهم، وصرح به أصحابنا، قال أبو عمر ابن عبد البر: وأجمعوا على أنَّه لا يتجاوز الطَّعام وأشباهه إلى الدراهم والدنانير وأشباههما وفي ثبوت الإجماع في حق من يقطع بطيب قلب صاحبه بذلك نظر، ولعل هذا يكون في الدراهم والدنانير الكثيرة التي يشك أو قد يشك في رضاه بها، فإنهم اتفقوا على أنَّه إذا تشكك لا يجوز التصرف مطلقًا فيما
стр. 846
٥٦ - (٣١) حَدَّثَنَا إِسحَاقُ بن مَنْصُورٍ،
ــ
تشكك في رضاه به، ثم دليل الجواز في الباب الكتاب والسنة وفعل وقول أعيان الأمة، فالكتاب قوله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ والسنة هذا الحديث وأحاديث كثيرة معروفة بنحوه وأفعال السلف وأقوالهم في هذا أكثر من أن تحصى وتحصر والله تعالى أعلم.
وفيه أيضًا إرسال الإمام المتبوع إلى أتباعه بعلامة يعرفونها ليزدادوا بها طمأنينة، وفيه ما قدمناه من الدلالة لمذهب أهل الحق أن الإيمان المنجي من الخلود في النار لا بد فيه من الاعتقاد والنطق، وفيه جواز إمساك وكتم بعض العلوم التي لا حاجة إليها للمصلحة، أو لخوف المفسدة، وفيه إشارة بعض الأتباع على المتبوع بما يراه مصلحة وموافقة المتبوع له إذا رآه مصلحة، ورجوعه عما أمر به بسبب وفيه جواز قول الرجل للآخر بأبي أنت وأمي كما مر تفصيله عن القاضي عياض رحمهم الله تعالى جميعًا.
وحديث أبي هريرة هذا انفرد به مسلم عن أصحاب الأمهات، فموضع الترجمة منه قوله "فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة".
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث معاذ ﵄ فقال:
(٥٦) - ش (٣١) (حدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام بفتح الباء وسكون الهاء في الأصل اسم للكوكب الذي في السماء الخامسة من السبعة السيارة المسمى عندهم بالمريخ، المعروف بالكوسج، لقب به لأن أسنانه كانت ناقصة مقطعة الأطراف، أبو يعقوب التميمي الحافظ المروزي ثم النيسابوري، روى عن معاذ بن هشام والنضر بن شميل وجعفر بن عون وعبد الصمد بن عبد الوارث وأبي عاصم النبيل وعبد الرزاق وروح بن عبادة وحسين بن علي الجعفي كلهم في كتاب الإيمان وغيرهم.
ويروي عنه (خ م ت س) وابن أبي داود وأحمد بن حمدون الأعمش وخلق، وقال في التقريب: ثقة ثبت من الحادية عشرة مات سنة (٢٥١) إحدى وخمسين ومائتين.
روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان في مواضع والوضوء والصلاة وفي الحج في موضعين والبيوع في أربعة مواضع والنكاح والطلاق والوصايا والقسامة والحدود
стр. 847
أخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَال: حَدّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، قَال: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ:
ــ
والجهاد والأطعمة وفضائل الصحابة والقدر والتوبة وذكر الجن فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعة عشر بابًا تقريبًا، قال إسحاق بن منصور (أخبرنا معاذ بن هشام) ابن أبي عبد الله واسمه سنبر الدستوائي أبو عبد الله البصري نزيل اليمن، روى عن أبيه وشعبة وابن عون وأشعث بن عبد الملك وغيرهم، ويروي عنه (ع) وإسحاق بن منصور وأبو غسان المسمعي في الإيمان بلفظة غريبة، وإسحاق الحنظلي ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار وزهير بن حرب وغيرهم، قال ابن معين: صدوق ليس بحجة، وقال في التقريب: صدوق ربما وهم، من التاسعة مات سنة (٢٠٠) مائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة والحج في أربعة أبواب تقريبًا.
(قال) معاذ بن هشام (حدثني أبي) هشام بن أبي عبد الله سنبر بفتح السين والموحدة بينهما نون ساكنة الدستوائي بفتح الدال والمثناة بينهما مهملة ساكنة نسبة إلى دستواء من كور الأهواز، وكان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها، أبو بكر الربعي الحافظ البصري روى عن قتادة وأبي الزبير ويحيى بن أبي كثير ومطر الوراق وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابنه معاذ ووكيع ويزيد بن زريع وابن المبارك وابن مهدي وغندر وخلق، قال العجلي ثقة ثبت، وقال في التقريب: ثقة ثبت وقد رمي بالقدر من كبار السابعة مات سنة (١٥٤) أربع وخمسين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء في موضعين وفي الصلاة في أربعة مواضع وفي الحج في موضعين وفي النكاح في موضعين والهبة وفي الأطعمة، روى عنه في سبعة أبواب تقريبًا.
(عن قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي أبي الخطاب البصري الأكمه أحد الأئمة الأعلام، حافظ مفسر مدلس ثقة ثبت من رؤوس الطبقة الرابعة، مات كهلًا سنة (١١٧) سبع عشرة ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة وعشرين بابًا تقريبًا.
(قال) قتادة (حدثنا أنس بن مالك) بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي النجاري أبو حمزة البصري، خادم رسول الله ﷺ وأمه أم سليم بنت ملحان، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، روى عن معاذ بن جبل.
стр. 848
أن نَبِيَّ اللهِ ﷺ -وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ- قَال: "يَا مُعَاذُ"؛ قَال: لَبيكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيكَ، قَال: "يَا مُعَاذُ"؟ قَال: لَبَّيكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيكَ، قَال: "يَا مُعَاذُ"؛ قَال: لَبَّيكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيكَ، قَال: "مَا مِنْ
ــ
وهذا السند من سداسياته، ورجاله أربعة منهم بصريون وواحد نيسابوري وواحد مدني، ومن لطائفه أن فيه رواية ولد عن والد، ورواية صحابي عن صحابي وكلهم ثقات إلا معاذ بن هشام فإنه صدوق، أي حدثنا أنس بن مالك (أن نبي الله ﷺ بنصب نبي الله على أنه اسم أن، والواو في قوله (ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل) واو الحال، والجملة الاسمية في محل النصب حال من اسم أن، وجملة قوله (قال يا معاذ) خبر أن وجملة أن في تأويل مصدر منصوب على أنه مفعول ثانٍ لقوله حدثنا أنس، وقد سبق لك أن الرديف هو الراكب خلف الراكب، والرحل للبعير كالسرج للفرس.
والمعنى حدثنا أنس بن مالك عن معاذ بن جبل قول النبي ﷺ له يا معاذ حالة كون معاذ راكبًا خلفه ﷺ على الرحل (قال) معاذ مجيبًا لندائه ﷺ (لبيك) أي أجبت لك إجابة بعد إجابة يا (رسول الله وسعديك) أي وأسعدك إسعادًا في طاعتك، وقد تقدم البحث عن هاتين الكلمتين في حديث معاذ السابق.
قال القاضي عياض: وفي الحديث جواز قول الرجل للرجل في الجواب عند دعائه له لبيك وسعديك، ومعنى لبيك إجابة لك بعد إجابة، وقيل: لزومًا لطاعته وطوعًا بعد لزوم ومعنى سعديك إسعادًا لك بعد إسعاد، وقيل: معنى لبيك مداومة على طاعتك، ومعنى سعديك مساعدة أوليائك على طاعتك، وقال سيبويه: معناه قربًا منك ومتابعة لك من ألبَّ فلان على كذا إذا داوم عليه ولم يفارقه، وأسعد فلان فلانًا على أمره وساعده، وقال: إذا استعمل في حق الله تعالى فمعناه لا أناى عنه في شيء تأمرني به وأنا متابعٌ أمرك وإرادتك انتهى منه.
(قال) رسول الله ﷺ ثانيًا (يا معاذ قال) معاذ ثانيًا (لبيك رسول الله وسعديك قال) رسول الله ﷺ ثالثًا (يا معاذ قال) معاذ ثالثًا (لبيك رسول الله وسعديك قال) رسول الله ﷺ في المرة الرابعة (ما من
стр. 849
عَبْدٍ يَشْهَدُ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .. إِلا حَرَّمَهُ اللهُ (١) عَلَى النارِ"، قَال: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أفَلا أُخْبِرُ بِهَا الناسَ فَيَسْتَبشِرُوا (٢)؟ ، قَال: "إِذا يَتَّكِلُوا"،
ــ
عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله) قال القرطبي هكذا وقع هذا الحديث في رواية مسلم عن جميع رواته فيما علمته، وقد زاد البخاري فيه "صدقًا من قلبه" وهي زيادة حسنة تنص على صحة ما تضمنته الترجمة المتقدمة، وبها حصلت مطابقة الحديث للترجمة وتنص أيضًا على فساد مذهب المرجئة كما قد قدمناه، ومعنى صدق القلب تصديقه الجازم بحيث لا يخطر له نقيض ما صدق به، وذلك إما عن برهان فيكون علمًا أو عن غيره فيكون اعتقادًا جزمًا انتهى.
أي ما عبدٌ مقر للشهادتين موقن بمعناهما (إلا حرمه الله) أي حرم الله ذلك العبد، أي إحراق ذلك العبد (على النار) الأخروية، قال الأبي وهذا أخص من حديث دخل الجنة، فهو أحوج إلى التأويل، فأولها الحسن بحملها على من مات ولم يعص الله، وحملها البخاري على من مات وهو تائب كما مر ولا يعارضه قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ لما تقدم أن الصحيح فيه أنه الجواز على الصراط اهـ.
وقال القرطبي: ويجوز أن يحرم الله من مات على الشهادتين على النار مطلقًا ومن دخل النار من أهل الشهادتين بكبائره حرم على النار جميعه أو بعضه كما قال في الحديث الآخر "فيحرم صورهم على النار"رواه البخاري (٧٤٣٩) وقال: "حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود" رواه البخاري (٦٥٧٣) ومسلم (١٨٢) ويجوز أن يكون معناه إن الله يحرمه على نار الكفار التي تنضج جلودهم ثم تبدل بعد ذلك كما قال تعالى ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرَهَا﴾ (قال) معاذ (يا رسول الله أ) أكتم هذه البشارة (فلا أخبر بها الناس) والفاء في قوله (فيستبشروا) عاطفة سببية، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية (قال) رسول الله ﷺ لا تخبرهم إياها (إذًا) أي إن أخبرتهم (يتكلوا) ويعتمدوا على مجرد الشهادتين ويكتفوا بها عن إكثار
стр. 850
فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ موْتهِ تأَثُّمًا
ــ
الأعمال الصالحة، فإذن حرف جواب، ويتكلوا منصوب بها (فأخبر بها) أي بهذه البشارة (معاذ عند) نزول مقدمات (موته) عليه (تأثمًا) أي طلبًا للخروج من إثم كتمان العلم، قال الهروي: يقال تأثم إذا أزال إثم كتم العلم عن نفسه لأن تَفَعّل يرد لإزالة الشيء بالنفس فتحنث أزال الحنث عنه، وتحرَّج أزال الحرج، وتأثم أزال إثم كتم العلم عنه، وتقذَّر إذا تباعد عن القذر، قال المازري: والأظهر أنه لا يعني ذلك في الحديث، لأنه إنما سكت امتثالًا للنهي بقوله: فلا تبشرهم، فأين الإثم حتى يزيله، قال القاضي عياض: يحتمل أنه سمع حديث أبي هريرة فرآه ناسخًا، أو رأى أن قوله لا تبشرهم ليس نهيًا حقيقة وإنما هو كسر عزيمة عن التبشير أو رآه نهيًا، ولكن عن إشاعته للعوام خوف الاتكال وهذا هو الظاهر، ويؤيد هذا التأويل قوله في حديث أبي هريرة فمن لقيت وراء هذا الحائط يعني من النفر الذين كانوا معه ولذا ترجم البخاري عليه بباب تخصيص قومٍ دون قوم بالعلم خوف أن لا يفهموا.
قال الأبي: لو تأثم لواحدة من هذه الثلاث لم يؤخر الإخبار إلى الموت إلا أن يقال إن الكتم إنما يتحقق بالموت أو يقال إنه رأى النهي عن التبشير إنما هو خوف الاتكال وخوف الاتكال إنما يكون في بدء الأمر أما بعد رسوخ الدين وتقرر الشريعة فلا يخاف ذلك فتأثم في التأخير إلى الآن اهـ.
قال النواوي: ومعنى تأثم معاذ أنه كان يحفظ علمًا يخاف فواته وذهابه بموته فخشي أن يكون ممن كتم علمًا وممن لم يمتثل أمر رسول الله ﷺ في تبليغ سننه فيكون إثمًا فاحتاط وأخبر بهذه السنة مخافة من الإثم وعلم أن النبي ﷺ لم ينهه عن الإخبار بها نهي تحريم، وقال ابن الصلاح منعه ﷺ من التبشير العام خوفًا من أن يسمع ذلك من لا خبرة له ولا علم فيغتر ويتكل، وأخبر به ﷺ على الخصوص من أمن عليه الاغترار والاتكال من أهل المعرفة، فإنه أخبر به معاذًا فسلك معاذ هذا المسلك فأخبر به من الخاصة من رآه أهلًا لذلك وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته البخاري وإنما أورده استشهادًا، ولم يورده استدلالًا مع كونه أصح من حديث أبي هريرة الذي أورده استدلالًا لعدم صراحته في الترجمة على رواية مسلم.
* * *
стр. 851
١٤ - بَابُ الْحُكْمِ عَلَى الظَّاهِرِ فِي إِسْلَامِ الشَّخْصِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَمَالِ إيمَانِهِ، وَصِحَّةِ إِسْلَامِهِ
٥٧ - (٣٢) حَدَّثَنَا شَيبَانُ بنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ -يَعْنِي ابنَ الْمُغِيرَةِ-
ــ
١٤ - بَابُ الْحُكْمِ عَلَى الظَّاهِرِ فِي إِسْلَامِ الشَّخْصِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَمَالِ إيمَانِهِ، وَصِحَّةِ إِسْلَامِهِ
ولم يترجم لهذا الحديث النواوي ولا السنوسي ولا القاضي عياض وترجم له الأبي بقوله (باب حديث عتبان).
(٥٧) - (٣٢) (حدثنا شيبان بن فروخ) الحبطي بفتح المهملة والموحدة مولاهم أبو محمد الأبلي بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام وفروخ يكنى بأبي شيبة، روى عن سليمان بن المغيرة ومهدي بن ميمون وعبد الوارث وأبي الأشهب جعفر وحماد بن سلمة وغيرهم، ويروي عنه (م د س) وأحمد بن علي المروزي وأبو يعلى وعبدان، وقال أحمد: ثقة، وقال في التقريب: صدوق يهم ورمي بالقدر، وقال في التقريب: من صغار التاسعة مات سنة (٢٣٦) ست وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان في ثلاثة مواضع وفي الوضوء في موضعين وفي الصلاة في موضعين وفي الزكاة والحج والطلاق والجهاد والأشربة والزهد وفي دلائل النبوة فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها عشرة تقريبًا.
(فائدة) وفروخ غير منصرف للعلمية والعجمة قال صاحب كتاب العين فروخ اسم ابن لإبراهيم الخليل ﵇ هو أبو العجم، وكذا قال صاحب المطالع وغيره: إن فروخ ابن لإبراهيم ﵇ وأنه أبو العجم قاله النواوي.
قال شيبان (حدثنا سليمان) بن المغيرة القيسي مولى قيس بن ثعلبة أبو سعيد البصري، روى عن ثابت البناني وسعيد الجريري وابن سيرين والحسن، ويروي عنه (ع) وشيبان بن فروخ وحيان بن هلال وأبو أسامة وشبابة بن سوار والنضر بن شميل وهدبة بن خالد وغيرهم، قال ابن معين: ثقة ثقة، وقال أحمد: ثبت ثبت، وقال في التقريب: ثقة من السابعة وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة أبواب تقريبًا وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن المغيرة) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه
стр. 852
قَال: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ عِتْبَانَ بْنِ
مَالِكٍ قَال: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عِتْبَانَ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ،
ــ
بل مما زاده من عند نفسه إيضاحًا للراوي (قال) سليمان بن المغيرة (حدثنا ثابت) بن أسلم بن موسى البناني مولاهم أبو محمد البصري، روى عن أنس بن مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي عثمان النهدي وأبي رافع وابن عمر وابن الزبير وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة عابد من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ومائة وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن أنس بن مالك) خادم رسول الله ﷺ وقد تقدم البسط في ترجمته مرارًا (قال) أنس (حدثني محمود بن الربيع) بن سراقة بن عمرو الأنصاري الخزرجي الحارثي أبو محمد أو أبو نعيم المدني صحابي صغير عَقِلَ مجة مجها رسول الله ﷺ في وجهه من دلو في دارهم وهو ابن خمس سنين، روى عن النبي ﷺ وعن عتاب بن مالك وعبادة بن الصامت، ويروي عنه (ع) وأنس وهو أكبر منه والزهري ورجاء بن حيوة وغيرهم مات سنة (٩٩) تسع وتسعين وله ثلاث وتسعون (٩٣) سنة، روى عنه المؤلف في بابين في الإيمان والصلاة (عن عتبان) بكسر المهملة وسكون المثناة (بن مالك) بن عمرو الأنصاري الخزرجي السلمي المدني صحابي مشهور له أحاديث اتفقا على حديث وكان أعمى يؤم قومه روى عن النبي ﷺ ، روى عنه أنس بن مالك ومحمود بن الربيع في الإيمان والصلاة ويروي عنه (خ م س ق) مات في خلافة معاوية وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان مدنيان وواحد أُبلِّي وفيه لطيفتان من لطائف السند إحداهما أنه اجتمع فيه ثلاثة صحابيون بعضهم عن بعض وهم أنس ومحمود وعتبان والثانية أنه من رواية الأكابر عن الأصاغر فإن أنسًا أكبر من محمود سنًّا وعلمًا ومرتبة ﵃ أجمعين، وقد قال في الرواية الثانية الآتية عن ثابتٍ عن أنس قال: حدثني عتبان بن مالك، وهذا لا يخالف الأول فإن أنسًا سمعه أولا من محمود عن عتبان ثم اجتمع أنس بعتبان فسمعه منه والله أعلم اهـ نووي.
(قال) محمود (قدمت المدينة) أي جئت من أطرافها إلى وسطها (فلقيت) أي رأيت (عتبان) بن مالك السلمي (فقلت) له ما (حديث بلغني عنك) بواسطة الناس، قال النواوي: هذا اللفظ شبيه بما تقدم في هذا الباب من قوله (عن ابن محيريز عن
стр. 853
قَال: أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشيءِ، فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَني أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي فَاتَّخِذَهُ مُصَلًّى، قَال: فَأَتَى النبِي ﷺ وَمَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ وَهُوَ يُصَلي فِي مَنْزِلِي وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدثُونَ بَينَهُمْ، ثُم
ــ
الصنابحي عن عبادة بن الصامت ﵁ وقد قدمنا بيانه واضحًا وتقرير هذا الذي نحن فيه (حدثني محمود بن الربيع عن عتبان بحديث قال فيه محمود قدمت المدينة فلقيت عتبان) اهـ. وقوله (حديث بلغني) خبر لمحذوف تقديره ماحديث بلغني عنك أو مبتدأ خبره محذوف تقديره حديث بلغني عنك بينه وحدثه لي.
(قال) عتبان بن مالك في روايته لمحمود (أصابني في بصري) وعيني (بعض الشيء) أي بعض النقص في نظرها وفي الرواية الآتية (أنه عمي) والعمى ذهاب البصر بالكلية فبينهما معارضة، قال النواوي: يحتمل أنه أراد ببعض الشيء العمى وهو ذهاب البصر جميعه ويحتمل أنه أراد به ضعف البصر وذهاب معظمه وسماه عمىً في الرواية الأخرى لقربه منه ومشاركته إياه في فوات بعض ما كان حاصلًا له في حال السلامة والله أعلم اهـ. (فبعثت) أي أرسلت (إلى رسول الله ﷺ بـ (أني أحب) وأتمنى (أن تأتيني) يا رسول الله في بيتي (فتصلي) لي صلاتك المبروكة (في منزلي) وداري (فاتخذه) أي فأتخذ ذلك المكان الذي صليت فيه من بيتي وأجعله (مصلى) لي أي مكان صلاة لي إذا عجزت عن الخروج إلى مسجد قومي لظلام أو سيل.
قوله (فاتخذه مصلى) قال القاضي عياض: طلب ذلك لينال بالصلاة حيث رسم له فضل ما فاته من الصلاة في جماعة قومه فإنه كان يتخلف عنها لسيل أو ظلام للعذر الذي أصابه وفي الصلاة في الدور وفي العتيبة لا بأس أن يجعل الرجل محرابًا في بيته، قال ابن رشد: وله حرمة المسجد وكان الشيخ يقول ليست له، قال القاضي: وفيه التخلف عن الجماعة لمثل هذا العذر (قال) عتبان (فأتى النبي ﷺ أي جاء إلى منزلي وفي بعض النسخ فأتاني (و) جاء معه (من شاء الله) مجيئهم معه (من أصحابه) رضوان الله تعالى عليهم (فدخل) النبي ﷺ منزلي (وهو) أي والحال أنه يريد أن (يصلي في منزلي) فشرع في الصلاة (وأصحابه) أي والحال أن أصحابه الذين جاءوا معه (يتحدثون) فيما (بينهم) في شؤون المنافقين وصفاتهم (ثم) بعد
стр. 854
أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ وَكُبرَهُ إِلَى مَالِكِ بنِ دُخْشُمٍ، قَالُوا: وَوَدُّوا (١) أَنهُ دَعَا عَلَيهِ فَهَلَكَ، وَوَدُّوا (٢) أَنهُ أَصَابَهُ شَرٌّ،
ــ
ما تحدثوا في الأمور التي تعلقت بهم (أسندوا عظم ذلك) التحدث أي نسبوا معظم حديثهم وجله (وكبره) أي أكثره (إلى مالك بن دخشم) وجعلوا فيه والمعنى أنهم تحدثوا وذكروا شؤون المنافقين وأقوالهم الشنيعة وأفعالهم القبيحة وما يلقون منهم ونسبوا معظم ذلك إلى مالك بن دخشم قال النواوي (عظم) بضم العين واسكان الظاء أي معظمه، وأما كبره فبضم الكاف وكسرها وعطفه على عُظْم من عطف الرديف، وقال القاضي: وفيه التنبيه على أهل الريب المتهمين في الدين ومجانبتهم (والدُّخشم) ضُبط بالميم وبالنون بدل الميم (الدخشن) مكبرًا ومصغرًا، فهذه أربع لغات وزاد ابن الصلاح كسر الدال وبالميم وبالنون مكبرًا لا غير فاللغات ست (قالوا) أي قال المتحدثون عنده ﷺ في مالك بن الدخشم ما قالوا في شأنه من أمارات النفاق (و) الحال أنهم قد (ودوا) وأحبوا وتمنوا (أنه) ﷺ (دعا عليه) أي دعا على مالك بن الدخشم بالهلاك (فهلك) مالك بدعائه ﷺ عليه (وودوا) أي أحبوا (أنه) أي الشأن والحال (أصابه) أي أصاب مالك بن دخشم (شر) أي ضرر وآفة فهلك، لأنهم وجدوا مؤانسته ومحادثته ومخاللته مع المنافقين، فلذلك حكموا عليه بالنفاق وتمنوا دعاء النبي ﷺ عليه فهلاكه، وفي بعض الأصول (قال ودوا أنه دعا عليه) بإفراد قال عن ضمير الجمع، أي قال عتبان بن مالك ودوا ... إلخ وفي بعضها أيضًا (بشرٍ) بزيادة الباء الجارة والكل صحيح، وفي هذا دليل على جواز تمني هلاك أهل النفاق ووقوع المكروه بهم.
(واعلم) أن مالك بن دخشم هذا من الأنصار وهو مالك بن الدخشم بن مالك بن الدخشم بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف الأنصاري قال ابن عبد البر واختلفوا في شهوده العقبة قال ولم يختلفوا في أنه شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد قال ولا يصح منه النفاق فقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه اهـ. قال النووي وقد نص النبي ﷺ على إيمانه باطنًا وبراءته من النفاق بقوله ﷺ في رواية البخاري: "ألا تراه
стр. 855
فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصلاةَ .. وَقَال: "أَلَيسَ يَشْهَدُ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَني رَسُولُ اللهِ؟ ! " قَالُوا: إِنهُ يَقُولُ ذَلِكَ وَمَا هُوَ فِي قَلْبِهِ، قَال: "لَا يَشْهَدُ أَحَدٌ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَني رَسُولُ اللَّهِ .. فَيَدْخُلَ النارَ،
ــ
قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله تعالى" فهذه شهادة من رسول الله ﷺ له بأنه قالها مصدقا بها معتقدا صدقها متقربا بها إلى الله وشهد له في شهادته لأهل بدر بما هو معروف فلا ينبغي أن يُشك في صدق إيمانه ﵁ وفي هذه الزيادة رد على غلاة المرجئة القائلين بأنه يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد فإنهم تعلقوا بمثل هذا الحديث وهذه الزيادة تدمغهم والله أعلم اهـ.
(فقضى) أي أتم (رسول الله ﷺ الصلاة) التي كان مشغولا بها حين دخل المنزل (وقال) للمتحدثين الذين رموه بالنفاق (١) تقولون إنه منافق و (ليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قالوا) في جواب استفهام رسول الله ﷺ (إنه) أي إن مالك بن الدخشم (يقول ذلك) المذكور من الشهادتين بلسانه (وما هو) أي وما اعتقاد مضمون ذلك المذكور من الشهادتين (في فلبه) وروعه فإيمانه لساني لا قلبي كما أن إيمان سائر المنافقين كذلك.
قال القاضي عياض: مستندهم في أنه ليس في قلبه القرائن كصُفُوِّهِ إلى المنافقين، قيل: وتخلفه عن هذا المشهد الكثير البركة وعدم فرحه بمجيء رسول الله ﷺ إلى دارهم والمبادرة إلى لقائه ولكنه ﷺ لم يوافقهم على ذلك إذ لم يثبت نفاقه فلم يترك ﷺ صحة الظاهر لريبة الباطن، بل زاد في البخاري "ألا تراه كيف قالها يبتغي بها وجه الله" فهذا يدل على صحة إيمانه اهـ.
ولفظه في صحيح البخاري في كتاب الصلاة في باب المساجد في البيوت "فقال قائل منهم أين مالك بن الدخشن أو ابن الدخيشن فقال بعضهم ذلك منافق لا يحب الله ورسوله فقال رسول الله ﷺ لا تقل ذلك ألا تراه قد قال لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله؟ قال: الله ورسوله أعلم! قال: فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين، قال رسول الله ﷺ : فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله".
(قال) رسول الله ﷺ إلا يشهد أحد) من الناس (أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار) بنصب يدخل بأن مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية الواقعة
стр. 856
أوْ تَطْعَمَهُ"، قَال أَنَسٌ: فَأَعجَبَنِي هَذَا الْحَدِيثُ، فَقُلْتُ لابنِي: اكْتُبْهُ، فَكَتَبَهُ
ــ
في جواب النفي، والتقدير لا يكون شهادة أحد أن لا إله إلا الله فدخوله النار (أو) قال فـ (ـتطعمه) النار وتأكله، فأو للشك من الراوي وقوله "فيدخل النار" هو موضع الترجمة من الحديث من الحكم على الظاهر وحسن الظن بكمال إيمانه وصحة إسلامه، لا يدخلها أصلًا إن لم تكن عليه كبائر أو تاب عنها أو عفا الله عنه بحق الشهادتين أو لا يدخلها دخول الخلود، وكذلك تأويل اللفظ الآخر "فتطعمه النار" أو فتطعم جميعه، لما جاء أن أهل التوحيد لا تأكل النار جملة أجسادهم وأنها تتحاشى عن مواضع سجودهم وقلوبهم ودارات وجوههم ومواضع من أجسادهم كما رواه أحمد في المسند بلفظ "فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود، وابن ماجه بلفظ "تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود".
(قال أنس) بن مالك راوي الحديث (فأعجبني) أي أحبني وأعشقني (هذا الحديث فقلت لابني) لم أر من ذكر وعيَّن اسمه (اكتبه) أي اكتب لي هذا الحديث يا ولدي ليكون محفوظًا مصونًا عندي (فكتبه) لي ولدي فكان مصونًا عندي.
قال النواوي: وفي هذا الحديث فوائد من العلم تقدم كثير منها فمنها التبرك بآثار الصالحين، قال الأبي: يُريد لأن الأصل التأسي وإلا فلا مساواة اهـ. ومنها زيارة العلماء والفضلاء والكبراء أتباعهم وتبريكهم إياهم، ومنها جواز استدعاء المفضول للفاضل لمصلحة تعرض ومنها جواز الجماعة في صلاة النافلة لأنه ورد في الحديث من طرق كثيرة أنه أم أهل الدار فلعل حديثهم كان في صلاة أخرى غير التي أثمَ فيها أوفيها، وكان المتحدثون غير متوضئين، ومنها أن السنة في نوافل النهار ركعتان كالليل، ومنها جواز الكلام والتحدث بحضرة المصلين ما لم يشغلهم ويدخل عليهم لبسًا في صلاتهم أو نحوه، ومنها جواز إمامة الزائر المزور برضاه، ومنها ذكر من يُتهم بريبة أو نحوها للأئمة وغيرهم ليتحرز منه ومنها جواز كتابة الحديث وغيره من العلوم الشرعية لقول أنس لابنه اكتبه بل هي مستحبة، وجاء في الحديث النهي عن كتب الحديث، وجاء الإذن فيه فقيل: كان النهي لمن خيف اتكاله على الكتاب وتفريطه في الحفظ مع تمكنه منه، والإذن لمن لا يتمكن من الحفظ، وقيل: كان النهي أولًا لما خيف اختلاطه بالقرآن والإذن بعده لما أمن من ذلك وكان بين السلف من الصحابة والتابعين خلاف في جواز كتابة الحديث ثم أجمعت الأمة على جوازها واستحبابها والله أعلم، ومنها البداءة بالأهم فالأهم فإنه صلى الله عليه وسلم
стр. 857
٥٨ - (٠٠) حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمادٌ
ــ
في حديث عتبان هذا بدأ أول قدومه بالصلاة ثم أكل، وفي حديث زيارته لأم سليم بدأ بالأكل ثم صلى لأن المهم في حديث عتبان هو الصلاة، فإنه دعاه لها، وفي حديث أم سليم دعته للطعام، ففي كل واحد من الحديثين بدأ بما دُعي إليه ومنها جواز استتباع الإمام والعالم أصحابه لزيارة أو ضيافة أو نحوها، ومنه غير ذلك مما قدمناه وما حذفناه وفي الأبي: قال مكي في القوت: كره كَتْبَ الحديث الطبقةُ الأولى من التابعين خوف أن يشغل به عن القرآن فكانوا يقولون احفظوا كما كنا نحفظ، وأجاز ذلك من بعدهم، وما حدث التصنيف إلا بعد موت الحسن وابن المسيب وغيرهما من كبار التابعين.
فأول تأليف وُضع في الإسلام كتاب ابن جريج، وضعه بمكة في الآثار وشيء من التفسير عن عطاء ومجاهد وغيرهما من أصحاب ابن عباس، ثم كتاب معن بن زائدة الشيباني باليمن فيه سنن، ثم الموطأ ثم جامع سفيان الثوري وجامع سفيان بن عيينة في السنن والآثار وشيء من التفسير فهذه الخمسة أول شيء وضع في الإسلام انتهى.
وحديث عتبان بن مالك هذا شارك المؤلف في روايته البخاري في مواضع، والنسائي وابن ماجه ثم ذكر المؤلف المتابعة فيه فقال رحمه الله تعالى:
(٥٨) - (حدثنا أبو بكر) محمد بن أحمد (بن نافع العبدي) البصري روى عن بهز بن أسد وعبد الرحمن بن مهدي وغندر ويحيى بن كثير، وبشر بن المفضل وغيرهم، ويروي عنه (م ت س) وزكريا الساجي وجماعة، وقال في التقريب: مشهور بكنيته، صدوق من صغار العاشرة، مات بعد (٢٤٥) الأربعين ومائتين.
روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في موضعين والزكاة والصوم والنكاح ودلائل النبوة وصفة النار والعلم فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها تسعة أبواب، قال أبو بكر: (حدثنا بهز) بن أسد العمي بفتح المهملة أبو الأسود البصري أخو المعلى بن أسد، روى عن حماد بن سلمة وشعبة ووهيب وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأبو بكر بن نافع العبدي وعبد الرحمن بن بشر وأبو غسان وغيرهم، ثقة ثبت من التاسعة مات بعد (٢٠٠) المائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، قال بهز (حدثنا حماد) بن سلمة بن دينار الربعي مولاهم أبو سلمة البصري
стр. 858
عَنْ ثَابِتِ (١) عَنْ أنسٍ، قَال: حَدثَنِي عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ: أَنهُ عَمِيَ فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَال:
ــ
أحد الأئمة الأعلام، روى عن ثابت البناني وداود بن أبي هند وأيوب وقتادة وحُميد ويحيى بن سعيد الأنصاري وخلق ويروي عنه (م عم) وبهز بن أسد والنضر بن شميل وعبد الأعلى بن حماد والحسن بن موسى وعفان بن مسلم وعبد الرحمن بن مهدي وشيبان بن فروخ وعدة، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار الثامنة، مات سنة (١٦٧) سبع وستين ومائة روى المؤلف عنه في الإيمان والوضوء والصلاة في ثلاثة مواضع والحج والطلاق والأحكام في أربعة مواضع والجهاد في ثلاثة مواضع والأدب وفي وفاة النبي ﷺ وفي سن النبي ﷺ وفي صفة النبي ﷺ وفي ذكر موسى وفي آخر الدعاء وفي الفضائل وفي الجامع وفي الدعاء فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ستة عشر بابًا تقريبًا (عن ثابت) بن أسلم البناني أبي محمد البصري ثقة عابد من الرابعة مات سنة بضع وعشرين ومائة (١٢٣) وتقدم البسط في ترجمته قريبًا وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابا تقريبًا (عن أنس) بن مالك الأنصاري الخزرجي أبي حمزة البصري خادم رسول الله ﷺ وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثنى عشر بابًا تقريبًا (قال) أنس بن مالك (حدثني عتبان بن مالك) الأنصاري السلمي المدني تقدمت ترجمته قريبًا وهذا السند من سداسياته وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة حماد بن سلمة لسليمان بن المغيرة في رواية هذا الحديث عن ثابت البناني، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه ومن لطائف هذا السند أن رواته كلهم بصريون إلا عتبان بن مالك فإنه مدني فلا يقال إن هذا السند مخالف للسند الأول لأن أنسًا روى في الأول عن محمود عن عتبان وهنا روى عن عتبان بلا واسطة محمود لأنه يجاب عنه بأن أنسًا سمعه أولًا من محمود عن عتبان ثم اجتمع أنس مع عتبان فسمعه منه كما مر هناك (أنه) أي أن عتبان بن مالك (عمي) أي فقد بصره (فأرسل) أي بعث عتبان "لي رسول الله ﷺ يطلب منه الإتيان إليه في منزله (فقال) عتبان بواسطة من أرسله إليه
стр. 859
تَعَالَ فَحُطَّ لِي مَسْجِدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَجَاءَ قَومُهُ، وَنُعِتَ رَجُلٌ مِنْهُم يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ الدُّخشُمِ ... ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُلَيمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ
ــ
يا رسول الله (تعال) إلي وأقبل إلى منزلي (فخط لي) أي أعلم لي على موضع من بيتي لأتخذه (مسجدًا) أي موضعًا أجعل فيه صلاتي متبركًا بآثارك (فجاء رسول الله ﷺ إلى منزل عتبان ليعين له موضعًا يصلي فيه من بينه (وجاء قومه) أي قوم عتبان وجيرانه وجماعته إلى بيت عتبان لما سمعوا مجيء رسول الله ﷺ إلى بيته لينالوا بركة هذا المشهد العظيم البركة (ونعت) بالبناء للمجهول أي وصف (رجل منهم) أي من قوم عتبان وجيرانه بصفة النفاق (يقال له) أي لذلك الرجل الموصوف بالنفاق (مالك بن الدخشم) أي يسمى بهذا الاسم أي سأل بعض الحاضرين عن علة تغيبه عن هذا المشهد العظيم فأجابه البعض الآخر إنه منافق لا يحب الله ورسوله.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: هكذا رويناه من طريق السمرقندي (فنعت) وهو وهم، والصواب (فتغيب رجل منهم يقال له مالك بن الدخشم) هكذا رواه العذرى وجماعة بدليل افتقاده في الأحاديث الأخر اهـ. وغرضه بتكرار هذا المتن بيان مخالفته للرواية الأولى (ثم ذكر) حماد بن سلمة (نحو حديث سليمان بن المغيرة) أي شبيه روايته وقد تقدم لك أن مراده بقوله نحو حديث فلان هو الحديث اللاحق الموافق للسابق في بعض ألفاظه وبعض معناه والله أعلم.
* * *
стр. 860
١٥ - بَابُ بَيَانِ صِفَةِ مَنْ ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَان وَحَلاوَتَهُ
٥٩ - (٣٣) حَدَّثَنَا مُحَمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَكّي
ــ
١٥ - بَابُ بَيَانِ صِفَةِ مَنْ ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَان وَحَلاوَتَهُ
أي باب معقود في بيان صفة من ذاق ووجد لذة الإيمان وحلاوته وحلاوة الإيمان ولذته عبارة عما يجده المؤمن الموقن المطمئن قلبه به في إيمانه من انشراح صدره وتنويره بمعرفة ربه ومعرفة رسوله ومعرفة نعمة الله عليه حيث أنعم عليه بالإسلام ونظمه في سلك أمة خير الأنام محمد ﷺ وحبب إليه الإيمان والمؤمنين وبغض إليه الكفر والكافرين وأنجاه من قبيح أفعالهم وركاكة أحوالهم وعند مطالعة هذه المنن والوقوف على تفاصيل تلك النعم تطير القلوب فرحًا وسرورًا وتمتلئ إشراقًا ونورًا فيالها من حلاوة ما ألذها وحالة ما أشرفها، فنسأل الله أن يمن علينا بدوامها وكمالها كما من علينا بابتدائها وحصولها، فإن المؤمن عند تذكر تلك النعم والمنن لا يخلو عن إدراك تلك الحلاوة، غير أن المؤمنين في تمكنها ودوامها متفاوتون وما منهم إلا وله منها شرب معلوم وذلك بحسب ما قسم لهم من هذه المجاهدة الرياضية والمنح الربانية، وترجم لهذا الحديث الآتي النواوي وكذا القاضي عياض، وأكثر المتون التي بأيدينا بقولهم:
(باب الدليل على أن من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا فهو مؤمن وإن ارتكب المعاصي الكبائر).
وفي هذه الترجمة زيادة أجنبية عن الحديث، ولذلك عدلت عنها إلى الترجمة التي ذكرناها، وترجم لها القرطبي بقوله: (باب من يذوق طعم الإيمان وحلاوته).
وترجم له الأبي بقوله: (باب قوله ﷺ ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا).
وكذا ترجم له السنوسي رحمهم الله تعالى جميعا، وهاتان الأخيرتان أوفق للحديث بلا زيادة على منطوقه والله أعلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(٥٩) - س (٣٣) (حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر) العدني الأصل أبو عبد الله (المكي) أي نزيل مكة، روى عن عبد العزيز الدراوردي وعبد الوهاب الثقفي وسفيان بن
стр. 861
وَبِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ -وَهُوَ ابْنُ مُحَمدٍ الدَّرَاوَرْدِي- عَنْ يَزِيدَ ابْنِ الْهَادِ،
ــ
عيينة وفضيل بن عياض وخلق، ويروي عنه (م ت س ق) وهلال بن العلاء ومفضل بن محمد الجندي وأبو زرعة الرازي وأبو حاتم وأبو زرعة الدمشقي وطائفة، وثقه ابن حبان، وقال في التقريب: صدوق، صنف المسند لكن كانت فيه غفلة، من العاشرة مات سنة (٢٤٣) ثلاث وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا، ثم قارن به غيره فقال (و) حدثنا أيضًا (بشر بن الحكم) بن حبيب بن مهران العبدي أبو عبد الرحمن النيسابوري الزاهد الفقيه، روى عن الدراوردي ومالك وهشيم وابن عيينة وجماعة، ويروي عنه (خ م س) والحسن بن سفيان وخلق، وقال في التقريب: ثقة زاهد فقيه، من العاشرة، مات في رجب سنة (٢٣٨) سبع أو ثمان وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في بابين فقط باب الإيمان وباب الوضوء، وهو روى فيهما عن الدراوردي، وفائدة هذه المقارنة تقوية السند لأن محمد بن أبي عمر صدوق فيه غفلة.
(قالا) أي قال محمد بن يحيى وبشر بن الحكم (حدثنا عبد العزيز) وأتى بهو في قوله (وهو ابن محمد) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخيه بل مما زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي، أي قالا: حدثنا عبد العزيز بن محمد بن عبيد بن أبي عبيد (الدراوردي) منسوب إلى دراورد قرية بخراسان، الجهني مولاهم أبو محمد المدني، روى عن يزيد بن عبد الله بن الهاد والعلاء بن عبد الرحمن والحارث بن فضيل، ويروي عنه (ع) وابن وهب وابن مهدي وخلق، صدوق من الثامنة، مات سنة (١٨٩) تسع وثمانين ومائة، قرنه (خ) بآخر وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة أبواب تقريبًا (عن يزيد) بن عبد الله بن أسامة (بن الهاد) بلا ياء عند المحدثين، والمختار عند علماء العربية إثباتها لعدم ما يوجب حذفها، الليثي أبي عبد الله المدني، روى عن محمد بن إبرهيم بن الحارث التيمي وعبد الله بن دينار وسعد بن إبرهيم وعبد الله بن خباب وأبي حازم سلمة بن دينار وغيرهم، ويروي عنه (ع) والدراوردي والليث بن سعد وبكر بن مضر وإبراهيم بن سعد وشيخه يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك وجماعة وثقه ابن معين والنسائي، وقال في التقريب: ثقة مكثر، من الخامسة مات سنة (١٣٩) تسع وثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الصلاة في موضعين
стр. 862
عَنْ مُحَمدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْعَباسِ بْنِ عَندِ الْمُطَّلِبِ:
ــ
والصوم والحج والنكاح والعتق والديات والأحكام والجهاد والأشربة وفي صفة النبي ﷺ وفي المعروف، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها اثنا عشر بابًا تقريبًا.
(عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد بن صخر بن تيم التيمي القرشي أبي عبد الله المدني، روى عن عامر بن سعد وعيسى بن طلحة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعلقمة بن وقاص وعطاء بن يسار وغيرهم، ويروي عنه (ع) ويزيد بن الهاد ويحيى بن أبي كثير ويحيى بن سعيد الأنصاري والأوزاعي وعدة، قال ابن سعد: كان فقيهًا محدثًا، وقال في التقريب: ثقة له أفراد، من الرابعة، مات سنة (١٢٠) عشرين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في موضعين والزكاة في موضعين والصوم والحج والبيوع والجهاد والأحكام واللباس والزهد فجملة الأبواب التي روى [المؤلف] عنه فيها أحد عشر بابًا تقريبًا.
(عن عامر بن سعد) بن أبي وقاص الزهري القرشي المدني، روى عن عباس بن عبد المطلب وأبيه وأبي هريرة وعائشة وابن عمر وعثمان وغيرهم، ويروي عنه (ع) ومحمد بن إبراهيم التيمي وابنه داود والزهري وأبو طُوالة، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة، مات سنة (١٠٤) أربع ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والجنائز في موضعين والزكاة والنكاح والطب والبيوع والجهاد والمرض، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها تسعة أبواب تقريبًا.
(عن العباس بن عبد المطلب) بن هاشم الهاشمي أبي الفضل عم رسول الله ﷺ أظهر إسلامه يوم الفتح وكان فيما قبل يكتم إيمانه بإذن رسول الله ﷺ عِداده في المكيين له خمسة وثلاثون (٣٥) حديثًا اتفقا على حديث وانفرد (خ) بحديث و (م) بثلاثة، ويروي عنه (ع) وبنوه عبد الله وكثير وعبيد الله وعامر بن سعد صحابي مشهور مات بالمدينة في خلافة عثمان سنة (٣٢) اثنتين وثلاثين وقيل سنة (٣٤) أربع وثلاثين وله (٨٨) ثمان وثمانون سنة روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان فقط، وهذا السند من سداسياته، وفيه من اللطائف أن رجاله كلهم حجازيون، أربعة
стр. 863
أَنهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ رَضِيَ بِاللَهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمدٍ رَسُولًا"
ــ
منهم مدنيون واثنان مكيان (أنه) أي العباس ﵁ (سمع رسول الله ﷺ حالة كونه (يقول ذاق) ووجد (طعم الإيمان) أي حلاوته ولذته، وهو فعل ومفعول به وفاعله مَن الموصولة في قوله (من رضي) واختار (بالله) من جهة كونه (ربًا) أي مالكًا وواليًا ومعبودًا له، وكفر بما سواه (و) رضي (بـ) دين (الإسلام) من جهة كونه (دينًا) ومذهبا وطريقة له، وأكر بما سواه من الأديان الباطلة الزائفة (وبمحمد) ﷺ من جهة كونه (رسولًا) وإماما ومقتدى له في شريعته، فلا يأتم بغيره من الأنبياء والمرسلين مع تصديق واعتقاد كونهم رسل الله سبحانه إلى عباده.
قال صاحب التحرير: معنى رضيت بالشيء قنعت به واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره فمعنى الحديث وجد حلاوة الإيمان ولذته من لم يطلب غير الله تعالى ربا واكتفى به معبودًا ولم يسع في غير طريق الإسلام من اليهودية والنصرانية وغيرهما ولم يسلك ولم يتبع إلا ما يوافق شريعة محمد ﷺ ولا شك في أن من كانت هذه صفته فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه، وذاق طعمه، وقال القاضي عياض: معنى الحديث صح إيمانه واطمأنت به نفسه وخامر باطنه لأن رضاه بالمذكورات دليل لثبوت معرفته ونفاذ بصيرته ومخالطة بشاشته قلبه لأن من رضي أمرًا سهل عليه، فكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان سهلت عليه طاعات الله تعالى ولذَّت له والله أعلم، قال القرطبي والرضا بهذه الأمور الثلاثة على قسمين: رضا عام ورضا خاص فالرضا العام: هو أن لا يتخذ غير الله ربا ولا غير دين الإسلام دينا ولا غير محمد ﷺ رسولًا له، وهذا الرضا لا يخلو عنه كل مسلم إذ لا يصح التدين بدين الإسلام إلا بذلك الرضا.
والرضا الخاص: هو الذي تكلم به أرباب القلوب، وهو ينقسم على قسمين رضا بهذه الأمور، ورضا عن مجريها تعالى كما قال محمد بن خفيف الشيرازي: الرضا قسمان: رضا به ورضا عنه، فالرضا به مُدبِّرًا، والرضا عنه فيما قضى، وقال أيضًا: هو سكون القلب إلى أحكام الرب وموافقته على ما رضي واختار، وقال الجنيد: الرضا دفع الاختيار، وقال المحاسبي: الرضا هو سكون القلب تحت مجاري الأحكام، وقال أبو علي الروذباري: ليس الرضا أن لا يحس بالبلاء، إنما الرضا أن لا يعترض على
стр. 864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحكم، وقال أحمد بن محمد النوري: هو سرور القلب بمُر القضاء، وسُئلت رابعة العدوية عن الرضا فقالت: إذا سرته المصيبة كما سرته النعمة، وبالجملة فالرضا باب الله الأعظم، وفيه جماع الخير كله كما قال عمر لأبي موسى فيما كتب إليه: أما بعد فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر انتهى.
قال النواوي: وهذا الحديث من أفراد مسلم رحمه الله تعالى، لم يروه البخاري في صحيحه رحمه الله تعالى، وشارك المؤلف في روايته أحمد (١/ ٢٠٨) والترمذي (٢٧٥٨).
***
стр. 865
١٦ - بَابُ بَيَان عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَان، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، وَأنَّ الحَيَاءَ شُعْبَةٌ مِنْهَا وبيان فضيلته
٦٠ - (٣٤) حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ
ــ
١٦ - بَابُ بَيَان عَدَدِ شُعَبِ الإِيمَان، وَأَفْضَلِهَا، وَأَدْنَاهَا، وَأنَّ الحَيَاءَ شُعْبَةٌ مِنْهَا وبيان فضيلته
أي هذا باب معقود في بيان عدد ما للإيمان من الشعب، وبيان أفضل تلك الشعب وأكثرها أجرًا وبيان أقلها أجرًا، وبيان كون الحياء خصلة من خصال الإيمان، وشعبة من تلك الشعب وبيان فضيلة الحياء وخيريته.
وترجمتنا هذه نفس ترجمة النواوي رحمه الله تعالى، وهكذا في أكثر نسخ المتن، وفي بعضها (باب شعب الإيمان) وترجم له السنوسي بقوله: (باب الحياء من الإيمان) وترجم له الأبي بقوله: (باب أحاديث الحياء) وترجم له القرطبي بقوله: (الإيمان شعب والحياء شعبة منها) وترجمة القاضي عياض موافقة لترجمة النواوي، ولعل النواوي تبع ترجمة القاضي لأنه أسبق منه قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(٦٠) - س (٣٤) (حدثنا عبيد الله بن سعيد) بن يحيى بن برد اليشكري مولاهم أبو قدامة السرخسي نزيل نيسابور، روى عن أبي عامر العقدي وروح بن عبادة وأبي أسامة ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم، ويروي عنه (خ م س) وابن خزيمة والسراج، وقال في التقريب: ثقة مأمون سُنِّي من العاشرة، مات سنة (٢٤١) إحدى وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والحج والنكاح والجهاد وقصة الخضر والفضائل والدعاء، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثمانية أبواب تقريبًا.
ثم قارن به آخر فقال (و) حدثنا (عبد بن حميد) بن نصر الكَسِّيُّ بفتح الكاف وتشديد المهملة نسبة إلى كَسَّ مدينة فيما وراء النهر، أبو محمد الحافظ ثقة ثبت من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٩) تسع وأربعين ومائتين، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه لأن الراويين ثقتان.
(قالا) أي قال عبيد الله وعبد بن حميد (حدثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو بن
стр. 866
الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ بِلالٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ،
ــ
قيس (العقدي) بفتح المهملة والقاف القيسي مولاهم الحافظ البصري، روى عن سليمان بن بلال وقرة بن خالد وشعبة وهشام الدستوائي وإبراهيم بن طهمان وغيرهم، ويروي عنه (ع) وعبيد الله بن سعيد وعبد بن حميد وحجاج بن الشاعر وإسحاق بن منصور وزهير بن حرب وإسحاق الحنظلي وعدة، قال النسائي: ثقة مأمون، وقال في التقريب: ثقة من التاسعة، مات سنة (٢٠٤) أربع أو خمس ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والزكاة والصوم في موضعين والحج في موضعين والجهاد في موضعين والدعاء والدلائل وصفة النار، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها تسعة تقريبًا، قال أبو عامر (حدثنا سليمان بن بلال) القرشي التيمي مولاهم أبو أيوب، وقيل: أبو محمد المدني مولى القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أحد العلماء الأعلام، كان يفتي بالمدينة وكان بربريًّا جميلًا حسن الهيئة، روى عن عبد الله بن دينار وزيد بن أسلم وشريك بن عبد الله بن أبي نمر والعلاء بن عبد الرحمن وعمر بن يحيى وعُمارة بن غزية ويحيى بن سعيد وخلق، ويروي عنه (ع) وأبو عامر العقدي وعبد الله بن وهب وخالد بن مخلد والقعنبي ويحيى بن يحيى وموسى بن داود ويحيى بن حسان وعدة وثقه أحمد وابن معين، قال البخاري مات سنة (١٧٧) سبع وسبعين ومائة، وقال في التقريب: ثقة من الثامنة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء في موضعين، وفي الصلاة في خمسة مواضع والزكاة في ثلاثة مواضع والصوم في موضعين والحج في خمسة مواضع والنكاح والطلاق واللعان في موضعين والبيوع في ثلاثة مواضع والفتن في موضعين والأطعمة في موضعين واللباس، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثلاثة عشر بابًا تقريبًا.
(عن عبد الله بن دينار) العدوي مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب أبي عبد الرحمن المدني، روى عن أبي صالح السَّمان وعبد الله بن عمر وسليمان بن يسار ونافع وأنس، ويروي عنه (ع) وسليمان بن بلال وسهيل بن أبي صالح ويزيد بن الهاد وإسماعيل بن جعفر ومالك بن أنس وموسى بن عقبة والثوري وابن عيينة وشعبة وعبيد الله بن عمر والضحاك بن عثمان وغيرهم وثقه أبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة من الرابعة، مات سنة (١٢٧) سبع وعشرين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان ودلائل النبوة والصلاة والحج والزكاة والطلاق، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها ستة تقريبًا.
стр. 867
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً،
ــ
(عن أبي صالح) ذكوان السمان مولى جويرية بنت الحارث القيسية المدني، ثقة ثبت من الثالثة مات سنة (١٠١) إحدى ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني ﵁، وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان بصريان وواحد نيسابوري أو كَسِّيٌّ (عن النبي ﷺ قال الإيمان) أي خصال الإيمان (بضع وسبعون شعبة) أي خصلة، قال القرطبي: الإيمان في هذا الحديث يُراد به الأعمال بدليل أنه ذكر فيه أعلى الأعمال وأكثرها أجرًا وهو قول لا إله إلا الله، وأدناها أي أقربها وأقلها أجرًا وهو إماطة الأذى أي إزالة ما يؤذي الناس كالشوك والحجر عن الطريق، وهما عملان فما بينهما من قبيل الأعمال، وقد تقدم أن أصل الإيمان في اللغة التصديق وفي عرف الشرع تصديق القلب واللسان، وظواهر الشرع تطلقه على الأعمال كما وقع ها هنا "أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله وآخرها إماطة الأذى عن الطريق وقدمنا أن تمامَ الإيمان بالأعمال وكماله بالطاعات وإن التزامَ الطاعات وضمَّ هذه الشعب من جملة التصديق ودلائل عليه، وأنها خُلُقُ أهل التصديق فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعي ولا اللغوي، وقد نبه ﵇ على أفضلها بالتوحيد المتعين على كل مسلم الذي لا يصح شيء من هذه الشعب إلا بعد صحته، وأدناها رفع ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم وإن لم يقع الأذى بعد وبقي بين هذين الطرفين من أعداد أبواب الإيمان ما لو تكلف حصرها بطريق الاجتهاد لأمكن اهـ إكمال المعلم.
ومقصود هذا الحديث أن الأعمال الشرعية تسمى إيمانًا على ما ذكرناه آنفًا وأنها منحصرة في ذلك العدد غير أن الشرع لم يعين ذلك العدد لنا ولا فصله وقد تكلف بعض المتأخرين تعديد ذلك فتصفح خصال الشريعة وعددها حتى انتهى بها في زعمه إلى ذلك العدد، ولا يصح له ذلك لأنه يمكن الزيادة على ما ذكر، والنقصان مما ذكر ببيان التداخل والصحيح ما صار إليه أبو سليمان الخطابي وغيره أنها منحصرة في علم الله تعالى وعلم رسوله، وموجودة في الشريعة مفصلة فيها، غير أن الشرع لم يوقفنا على أشخاص تلك الأبواب، ولا عين لنا عددها ولا كيفية انقسامها، وذلك لا يضرنا في علمنا بتفاصيل ما كُلفنا به من شريعتنا، ولا في علمنا إذ كل ذلك مفصل مبين في جملة
стр. 868
وَالْحَيَاءُ: شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ"
ــ
الشريعة فما أُمرنا بالعمل به عملناه، وما نُهينا عنه انتهينا، وإن لم نُحط بحصر أعداد ذلك والله تعالى أعلم.
وقال القاضي عياض: البضع والبضعة بكسر الباء فيهما وفتحها قليل، القطعة من الشيء والفرقة منه، وأما البضعة من اللحم فبالفتح لا غير، وهما في العدد مما بين الثلاثة إلى العشرة وقيل من الثلاثة إلى التسعة، وقيل هما ما بين اثنتين إلى عشرة، وما بين اثني عشر إلى عشرين ولا يقالان في أحد عشر ولا اثني عشر، وقال أبو عبيدة لا يبلغ بهما نصف العقد وإنما هما من واحد إلى أربعة، وقال الخليل: البضع والبضعة سبعة، والشعبة بضم أوله وسكون ثانيه في أصلها واحدة الشعب وهي أغصان الشجرة والشعبة معناها الخصلة، وأصلها الفرقة والقطعة من الشيء ومنه شعب الإناء وشعبها الأربع، وشعوب القبائل أي عظامها وواحد شعوب القبائل شعبة بالفتح وقيل بالكسر، وشعب الإناء بالفتح صدعه، وفي الحديث "إن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة" رواه البخاري، والمراد هنا أن الإيمان ذو خصال معدودة، وقد ذكر الترمذي هذا الحديث فقال: "بضع وستون أو بضع وسبعون" كما سيأتي في مسلم، ولا يُلتفت لهذا الشك فإن غيره من الثقات قد جزم بأنه بضع وسبعون، ورواية من جزم أولى اهـ مفهم، فمعنى الحديث الإيمان بضع وسبعون خصلة (والحياء) بالمد من الاستحياء (شعبة) أي خصلة (من) خصال (الإيمان) أي خصلة واحدة من خصال الإيمان المحصورة في العدد المذكور، فهو من الأعداد المحصورة بالنص، لأن الحياء يمنع من المعصية؛ كما يمنع الإيمان منها، وقد يعد الحياء من الإيمان بمعنى التخلق والتزام ما يوافق الشرع ويحمد منه، فرب حياء مانع من الخير مُجبن عن قول الحق، وفعله مذموم، ورب حياء يمنع من المأث والرذائل فهو محمود يجازى عليه كما جاء في الحديث الآخر "لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء" رواه مالك في الموطإ، وكان الحياء من خلق نبينا محمد ﷺ ، وقد يكون الحياء في بعض الناس غريزة وطبعًا جُبل عليه، ولكن استعماله على قانون الشريعة يجب، فيحتاج إلى اكتساب ونية وعلم، وقد يكتسبه من لم يجبل عليه ويتخلق به، ولهذا كله قال: "الحياء لا يأتي إلا بخير" اهـ عياض.
стр. 869
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال القرطبي: والحياء انقباض وحشمة يجدها الإنسان من نفسه عند ما يُطَّلَعُ منه على ما يستقبح ويذم عليه، وأصله غريزي في الفطرة، ومنه مكتسب للإنسان كما قال بعض الحكماء في العقل:
رأيت العقل عقلين ... فمطبوع ومصنوع
ولا ينفع مصنوع ... إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع العين ... وضوء الشمس ممنوع
هذه الأبيات أوردها الماوردي في أدب الدين والدنيا، وهذا المكتسب هو الذي جعله الشرع من الإيمان، وهو الذي يكلف به، وأما الغريزي فلا يكلف به، إذ ليس ذلك من كسبنا، ولا في وسعنا، ولم يكلف الله نفسًا إلا وسعها، غير أن هذا الغريزي يحمل على المكتسب ويعين عليه، ولذلك قال النبي ﷺ "الحياء لا يأتي إلا بخير" "والحياء خير كله" كما سيأتي في مسلم، وأول الحياء وأولاه الحياء من الله تعالى، وهو أن لا يراك حيث نهاك وذلك لا يكون إلا عن معرفة بالله تعالى كاملة ومراقبة له حاصلة وهي المعبر عنها بقوله "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" كما سبق في مسلم.
وقد روى الترمذي من حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال: "استحيوا من الله حق الحياء فقالوا: إنا نستحيي والحمد لله، فقال: ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى وتذكر الموت والبلى فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء" رواه أحمد (١/ ٣٨٧) والترمذي (٢٤٦٠).
قال الشيخ وأهل المعرفة في هذا الحياء منقسمون كما أنهم في أحوالهم متفاوتون كما تقدم وقد كان النبي ﷺ جُمع له كمال نوعي الحياء، فكان في الحياء الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها وفي حيائه الكسبي في ذروتها اهـ مفهم.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد (٢/ ٤١٤ و ٤٤٥) والبخاري (٩) وأبو داود (٤٦٧٦) والترمذي (٢٦١٤) والنسائي (٨/ ١١٠) وابن ماجه (٥٧)، ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة فقال:
стр. 870
٦١ - (٠٠) حَدَّثَنَا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ،
ــ
(٦١) - متا (٠٠) (حدثنا زهير بن حرب) بن شداد الحرشي مولاهم أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد روى عن عبد الحميد ويزيد بن هارون ووكيع وإسماعيل بن علية وعمر بن يونس الحنفي وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وخلق لا يحصون، ويروي عنه (خ م د ق) و (س) بواسطة، وأبو يعلى وله في (خ م) أكثر من ألف حديث، وقال في التقريب: ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين.
روى عنه المؤلف في الإيمان في موضعين والوضوء وفي الصلاة في موضعين وفي الجنائز والزكاة في موضعين والجهاد والحج في خمسة مواضع والطلاق واللعان واللباس وفي حق المماليك والضحايا والطب وصفة النبي ﷺ والفضائل في ثلاثة مواضع والتوبة وفي الأمثال والفتن وتشميت العاطس، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها عشرون بابًا تقريبًا، قال زهير (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي أبو عبد الله الكوفي ثم الرازي، روى عن سهيل وعمارة بن القعقاع والأعمش وغيرهم، ويروي عنه (ع) وزهير بن حرب وقتيبة وإسحاق وخلق، ثقة من السابعة، مات سنة (١٨٨) ثمان وثمانين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا (عن سهيل) بن أبي صالح السمان أبي يزيد المدني، ويقال فيه مولى جويرية بنت أحمد الغطفانية، روى عن عبد الله بن دينار وعطاء بن يزيد الليثي وأبيه والنعمان بن أبي عياش والقعقاع بن حكيم وسعيد بن يسار وخلق، ويروي عنه (ع) وجرير بن عبد الحميد ومالك بن أنس والسفيانان وروح بن القاسم ويعقوب بن عبد الرحمن ووهيب وخلق، وثقه ابن عيينة والعجلي، له في (خ) فرد حديث عن النعمان بن أبي عياش، وقال في التقريب: صدوق من السادسة مات في خلافة المنصور، وقال أحمد: ما أصلح حديثه، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والزكاة في موضعين والحج في ثلاثة مواضع والنكاح في موضعين والدعاء والجهاد واللباس والحيوان والتثاؤب والدماء والصوم في ثلاثة مواضع والفضائل فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثلاثة عشر تقريبًا (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم أبي عبد الرحمن المدني ثقة من الرابعة مات سنة (١٢٧) سبع
стр. 871
عَنْ أبِي صَالِحٍ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ: شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ"
ــ
وعشرين ومائة (عن أبي صالح) السمان المدني مولى جويرية بنت الحارث ثقة ثبت من الثالثة (عن أبي هريرة) الدوسي المدني ﵁ وهذا السند من سداسياته، رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد نسائي وواحد كوفي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة سهيل لسليمان بن بلال في رواية هذا الحديث عن عبد الله بن دينار وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأن المتابَع الذي هو سليمان بن بلال ثقة وسهيل الذي هو المتابع له صدوق فلا يقويه، فلا تقوية فيها بل فيها بيان كثرة طرقه (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ الإيمان) أي خصاله (بضع وسبعون) أي ثلاث وسبعون خصلة مثلًا، قال سهيل (أو) قال لي عبد الله بن دينار الإيمان (بضع وستون شعبة) أي خصلة، والشك من سهيل فيما سمعه من عبد الله بن دينار (فأفضلها) أي فأفضل تلك الشعب المذكورة السبعين أو الستين أي أصلها وأساسها وأكثرها أجرًا (قول لا إله إلا الله وأدناها) أي أقربها من الدنو بمعنى القرب، وأسهلها فعلًا وأقلها أجرًا (إماطة الأذى) أي تنحية ما يؤذي الناس وإزالته وإبعاده (عن الطريق) المسلوك للناس والمراد بالأذى كل ما يتوقع إذايته للمارة من حجر أو مدر أو شوك أو غصن متدل في هواء الطريق أو غيره.
(والحياء) أي الاستحياء من الله تعالى أو من الناس غريزيًّا كان أو كسبيًّا كما مر (شعبة) أي خصلة واحدة (من) خصال (الإيمان) وأموره.
قوله (أو بضع وستون) قال النواوي: قال البيهقي هذا الشك الواقع في رواية سهيل إنما هو من سهيل وهو من رواية أبي داود، وقد روي عن سهيل بضع وسبعون من غير شك، وأما سليمان بن بلال فإنه رواه عن عبد الله بن دينار على القطع من غير شك وهي الرواية الصحيحة أخرجها في الصحيحين، غير أنها فيما عندنا في كتاب مسلم بضع وسبعون، وفيما عندنا من كتاب البخاري بضع وستون، وقد نُقلت كل واحدة عن كل واحد من الكتابين ولا إشكال في أن كل واحدة منهما رواية معروفة في طرق روايات هذا الحديث واختلفوا في الترجيح، قال والأشبه بالإتقان والاحتياط ترجيح رواية الأقل، قال: ومنهم من رجح رواية الأكثر، وإياها اختار الحكيمي فإن الحكم لمن حفظ الزيادة جازمًا بها.
стр. 872
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله (فأفضلها لا إله إلا الله) قال القاضي عياض تقدم أن الإيمان هو التصديق والنطق، وأنه قد يتجوز فيه فيطلق على الأعمال كما هنا، والأعمال أدلة التصديق فليست بخارجة من الإيمان وكان التوحيد أعلاها لأنه شرط في جميعها، وإماطة الأذى أدناها أي أقربها وإن لم تقع به إذاية وبين هذين من بقية العدد ما يقدر المجتهد على حصره بغلبة الظن، وقد فعله بعضهم، لكن الحكم بأن ما عينوه من تلك الخصال هو مراد الشرع يصعب؛ لأنه لو أبدل بعضها بغيره أمكن، نعم يجب الإيمان بالعدد المذكور، وأما بتعيين آحاده فلا، ولا يقدح جهل عينها في الإيمان، لأن الإيمان وفروعه معلومة، قال ابن حبان بكسر الحاء: أردت حصرها فعددت طاعات الإيمان التي أُطلق عليها اسمه في القرآن فنقصت، فعددت طاعاته التي أطلق عليها الإيمان في السنة فنقصت أيضًا فضمصت هذه لهذه فبلغت سبعًا وسبعين، فعلمت أنه مراد الشارع، قال الأبي: التعرض لحصرها بالعدد هو بناءٌ على أن المراد بالبضع والسبعين العدد حقيقة، وقيل: المراد به التكثير من باب: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ الآية، وإن الشعب لا نهاية لها، قال: ويؤيد ذلك أن أحدها الحياء، وهو لا تنحصر آحاده بدليل أنه لما قال: "استحيوا من الله حق الحياء قالوا إنا لنستحيي يا رسول الله قال ليس ذلك بل الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك الدنيا وآثر الآخرة على الأولى فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء" وقد يكون هذا وجه تخصيص الحياء بالذكر مع دخوله في الشعب، أي هذه خصلة واحدة لا تنحصر آحادها، وقيل في وجه تخصيص الحياء: إنه الباعث على سائرها لأن المستحيي يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، ثم إن الشعب وإن كثرت فهي ترجع إلى تكميل النفس بالطاعة العلمية والعملية، فالعلمية العلم بوجود الله تعالى، وما يجب له وما يستحيل عليه، وما يجوز في حقه، والعملية الوقوف عند أمره ونهيه اهـ منه.
وإنما كرر المؤلف الحديث في هذه الرواية لما فيها من الزيادة على الرواية الأولى، ولما فيها من ذكر الشك.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم فقال:
стр. 873
٦٢ - (٣٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ
ــ
(٦٢) - ش (٠٠)(٣٥) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابا تقريبًا.
(و) حدثنا أيضًا (عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٢) اثنتين وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (زهير بن حرب) الحرشي مولاهم أبو خيثمة النسائي ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرين بابًا تقريبًا وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه لأن كلًّا من الرواة الثلاثة من الثقات الأثبات (قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حدثنا سفيان بن عيينة) بن ميمون أبي عمران أبو محمد الهلالي مولاهم الأعور الكوفي أحد الأئمة الأعلام، روى عن الزهري وعمرو بن دينار وسهيل بن أبي صالح وزياد بن علاقة، وأبي الزناد وهشام بن عروة وعاصم الأحول وخلق، ويروي عنه (ع) وابن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب وابن نمير ومحمد بن عباد المكي وإسحاق الحنظلي وابن أبي عمر وقتيبة ويحيى بن يحيى وخلق، وقال العجلي هو أثبتهم في الزهري، كان حديثه نحو سبعة آلاف، وقال ابن وهب ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة، وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز، وقال في التقريب: ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه في آخره، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، وقال ابن عيينة: سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه، مات في رجب سنة (١٩٨) ثمان وتسعين ومائة وله إحدى وتسعون سنة (٩١).
روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الصلاة في سبعة مواضع وفي الجنائز وفي الزكاة في ثلاثة مواضع والصوم في ستة مواضع، وفي الحج في ثلاثة عشر موضعًا والنكاح في أربعة مواضع والبيوع في موضعين وفي الحيوان والأيمان والضحايا في موضعين والعتق والجهاد في أربعة مواضع والأطعمة في أربعة مواضع والأدب والرؤيا في ثلاثة مواضع والاستئذان والطب والشعر والفضائل وكفارة المرضى وفي المعروف
стр. 874
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ (١) النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَال: "الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ"
ــ
والدعاء والفتن والزهد، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها خمسة وعشرون بابًا تقريبًا (عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي (الزهري) أبي بكر المدني أحد الأئمة الأعلام ثقة ثبت حافظ متقن متفق على جلالته وإتقانه من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاث وعشرين بابًا تقريبًا.
(عن سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني الفقيه، أحد الفقهاء السبعة على قولٍ، أبي عمر أو أبي عبد الله، روى عن أبيه عبد الله بن عمر وعبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق ورافع بن خديج، ويروي عنه (ع) والزهري وحنظلة بن أبي سفيان وعمر بن محمد بن زيد وموسى بن عقبة وعمر بن حمزة وعمرو بن دينار وعبيد الله بن عمر وغيرهم، وقال في التقريب: كان ثقة ثبتًا عابدًا فاضلًا كان يُشبه بأبيه في الهَدي والسَّمْتِ من كبار الثالثة مات سنة (١٠٦) ست ومائة على الأصح، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والصوم والحج والبيوع والعلم والزهد، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعة أبواب (عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أبي عبد الرحمن المكي أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة مات سنة أربع وسبعين (٧٤) وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم كوفيان واثنان مدنيان وواحد مكي (أنه) أي أن الشأن والحال هكذا في نسخة الأبي والسنوسي بزيادة أنه (سمع النبي ﷺ فعل وفاعل (رجلًا يعظ) ويمنع (أخاه في الحياء) أي عن كثرة الحياء ويؤنبه، ويقبح له فعله ويزجره عن كثرته وأنه من العجز، وينهاه عنه (فـ) ـنهى النبي ﷺ الرجل الذي ينهى أخاه عن الحياء أن يمنع أخاه من الحياء و (قال) النبي ﷺ للناهي دعه، أي اترك أخاك على حيائه فإن (الحياء) شعبة (من) شعب (الإيمان) وخصلة من خصاله قال القرطبي: زجر النبي ﷺ الواعظ لعلمه أن الرجل لا يضره كثرة الحياء وإلا فكثرته مذمومة، والمعنى دعه على فعل الحياء، وكف عن نهيه عنه، ووقعت لفظة (دعه) في رواية البخاري، ولم تقع في مسلم.
стр. 875
٦٣ - (٠٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَال:
ــ
وعبارة المفهم هنا قوله ﷺ (دعه) زجر للواعظ لأنه ﷺ علم أن ذلك الشخص لا يضره الحياء في دينه، بل ينفعه ولذلك قال له: "دعه فإن الحياء لا يأتي إلا بخير" وقد يُفرط الحياء على الإنسان حتى يمنعه ذلك الحياء من القيام بحق الله تعالى من الأمر بالمعروف وتغيير المنكر، ويحمله على المداهنة في الحق وكل ذلك حياء مذموم شرعًا وطبعًا يحرم استعماله ويجب الانكفات عنه فإن ذلك الحياء أحق باسم الجبن والخور، وأولى باسم الخفر.
وحديث ابن عمر هذا شارك المؤلف في روايته أحمد (٢/ ٥٦ و ١٤٧) والبخاري (٢٤) وأبو دا ود (٤٧٩٥) والترمذي (٢٦١٨) وا لنسائي (٨/ ١٢١) وابن ماجه (٥٨)، ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
(٦٣) - متا (٠٠) (حدثنا عبد بن حميد) بن نصر الكَسِّي أبو محمد الحافظ ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٩) تسع وأربعين ومائتين، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا قال عبد (حدثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مصنف شهير عَمي في آخر عمره فتغير، من التاسعة مات سنة (٢١١) إحدى عشرة ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة أبواب تقريبًا قال عبد الرزاق (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري ثقة ثبت فاضل من كبار السابعة، مات سنة (١٥٤) أربع وخمسين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة أبواب تقريبًا.
(عن) محمد بن مسلم (الزهري) المدني وقوله (بهذا الإسناد) متعلق بأخبرنا معمر واسم الإشارة راجع إلى ما بعد الزهري، أي أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن النبي ﷺ إلخ، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة معمر لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن الزهري وهذا السند من سداسياته، ورجاله مختلفون اثنان منهم مدنيان وواحد كَسِّيٌّ وواحد صنعاني وواحد بصري وواحد مكي وقوله (وقال) معمر معطوف على أخبرنا معمر أي أخبرنا معمر عن الزهري وقال معمر في روايته عن
стр. 876
مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ
ــ
سالم عن أبيه أنه قال (مر) النبي ﷺ (برجل من الأنصار) لم أرَ من ذكر اسمه، وقوله (يعظ أخاه) أي يمنع ذاك الرجل أخاه عن كثرة الحياء صفة ثانية لرجل وغرضه بذكر هذه الجملة بيان محل المخالفة بين سفيان ومعمر لأن سفيان قال سمع النبي ﷺ وقال معمر: مر النبي ﷺ ، وهذا من شدة حفظ مسلم وإتقانه وكثرة تورعه رحمه الله تعالى والله أعلم.
***
стр. 877
١٧ - بَابُ فِي مَدْحِ الْحَيَاءِ، وَامْتِنَاعِ مُقَاوَمَةِ النَّصِّ بِكَلامِ الحُكَمَاءِ
٦٤ - س (٣٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى- قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
ــ
١٧ - بَابُ فِي مَدْحِ الْحَيَاءِ، وَامْتِنَاعِ مُقَاوَمَةِ النَّصِّ بِكَلامِ الحُكَمَاءِ
أي باب معقود في مدح الحياء وبيان أن الحياء كله غريزيًّا كان أو كسبيًّا خير، ولا يحمل صاحبه إلا على خير، ولم أرَ أحدًا من الشراح ترجم لهذا الحديث، ولكنه حديث مستقل لا يدخل في الترجمة السابقة، ولذلك ترجمت له بل له فائدة مستقلة لا تفهم مما سبق، وهو امتناع مقابلة النص قرآنًا كان أو حديثًا بكلام الناس ومعارضته به، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(٦٤) - س (٣٦) (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس العنزي أبو موسى البصري مشهور بكنيته وباسمه كان صاحب كتاب لا يحدث إلا عن كتابه، روى عن محمد بن جعفر وابن مهدي وغيرهما، ويروي عنه (ع) وأبو زرعة وأبو حاتم والذهلي وخلق، ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومائتين، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا (ومحمد بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري أحد أوعية الحديث، ولذلك لقب ببندار، روى عن غندر وابن أبي عدي وعبد الوهاب الثقفي وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابن خزيمة وابن صاعد وغيرهم ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومائتين وله بضع وثمانون سنة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه لأن المتقارنين ثقتان، وأتى بقوله (واللفظ) أي ولفظ الحديث الآتي (لابن المثنى) لا لابن بشار، لأنه إنما روى معنى الحديث الآتي لا لفظه تورعًا من الكذب على ابن بشار، لأنه لو ترك هذه الجملة لأوهم أن ابن بشار روى لفظ الحديث الآتي كابن المثنى، وليس كذلك، (قالا) أي قال ابن المثنى وابن بشار (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم المدني البصري أبو عبد الله ربيب شعبة، روى عن شعبة وابن جريج وسعيد بن أبي عروبة وغيرهم، ويروي عنه (ع) ومحمد بن المثنى وابن بشار وابن بشر وغيرهم ثقة من التاسعة، مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب تقريبًا، قال محمد بن جعفر (حدثنا
стр. 878
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ يُحَدِّثُ: أَنهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنهُ قَال: "الْحَيَاءُ
ــ
شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البصري ثقة حافظ متقن من السابعة، مات سنة (١٦٠) ستين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثين بابًا تقريبًا (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري الأكمه ثقة ثبت من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة (١١٧) سبع عشرة ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة وعشرين بابًا تقريبًا.
(قال) قتادة (سمعت أبا السوار) بفتح السين المهملة وتشديد الواو آخره راء مهملة، قيل: اسمه حسان بن حُريث بالمثلثة وقيل بالعكس، وقيل حسان بن حُريف مصغرًا آخره فاء، وقيل منقذ وقيل حُجير بن الربيع العدوي، وقيل أبو محذورة من بني عدي بن عبد مناف بن أُد بن طابخة البصري ثقة من الثانية، روى عن عمران بن حصين في الإيمان والصلاة، ويروي عنه (خ م س) وقتادة وأبو التياح وغيرهم.
حالة كون أبي السوار (يحدث) بحديث يروي فيه (أنه سمع عمران بن حصين) بن عبيد بن خلف بن عبد نهم بن سالم الخُزاعي أبا نُجيد بضم النون مصغرًا البصري، أسلم عام خيبر له مائة وثلاثون حديثًا (١٣٠) اتفقا على ثمانية وانفرد (خ) بأربعة و (م) بتسعة، وكان من علماء الصحابة، يروي عنه (ع) وأبو السوار حسان بن حُريث العدوي وأبو قتادة تميم بن نذير العدوي وابنه نُجيد والحسن وابن سيرين ومطرف بن الشخير وخلق، بعثه عمر إلى البصرة ليُفقههم، وكانت الملائكة تسلم عليه، مات بالبصرة سنة (٥٢) اثنتين وخمسين روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة وغيرهما، وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون، حالة كون عمران (يحدث عن النبي ﷺ أنه) ﷺ (قال الحياء) أي جنس الحياء الصادق بالبعض لأن الألف واللام فيه جنسية لا استغراقية، فيُعترض عليه بأن بعض الحياء مذموم لا خير فيه، فكيف يقال إن كل الحياء خير، لأن من الحياء ما هو مذموم كالحياء المانع من أداء الصلاة في وقتها في مجلس الفسقة أوالكفرة خوفًا من سخريتهم وضحِكهم به ومنه ما هو ممدوح كالحياء من فعل الرذائل والمعاصي، ومساوي الأخلاق بحضرة الصالحين.
стр. 879
لَا يَأْتِي إِلا بِخَيرٍ"، فَقَال بُشَيرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ، أَن مِنْهُ وَقَارًا، وَمِنْهُ سَكِينَةً، فَقَال عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ
ــ
والمعنى أي بعض الحياء (لا يأتي) ولا يأمر (إلا بخير) أي بما فيه محمدة شرعًا وعقلًا، والبعض الآخر يأمر ويبعث بشر كالحياء من فعل الواجبات بحضرة الفسقة والكفرة، وفي الأبي (قوله الحياء لا يأتي إلا بخير) قال النواوي: استشكل بأن الحياء قد يفرط بصاحبه حتى يمنعه من القيام بحقوق الله تعالى، ومعلوم أن هذا لا خير فيه، وأجاب ابن الصلاح بأن هذا ليس بحياء حقيقة، وإنما هو خور ومهانة، فلا يدخل في الحياء.
(قلت) ما تقدم له في تفسير الحياء من قوله: إن الحياء خلق يمنع من القبيح ومن التقصير في الحقوق، وما يأتي من تفسير الحكماء يحقق أنه حياء حقيقة، وإنما الجواب: أنه عام مخصوص إن جعلت الأداة في الحياء للعموم، وإن لم تجعل فالحديث قضية مهملة، والمهملة في قوة الجزئية، ولا تناقض بين جزئيتين فالمعنى: بعض الحياء لا يأتي إلا بخير وبعض الحياء لا خير فيه وهذا البعض تعرفه من الكلام على الحديث الذي يأتي بعده انتهى.
(فقال بشير) بضم الباء وفتح الشين (بن كعب) العدوي في مقابلة هذا الحديث (إنه) أي إن الشأن والحال (مكتوب في) كتب (الحكمة) أي في الكتب السالفة، ومكتوب مبتدأ ليس له خبر بل له مرفوع سد مسد الخبر لأنه اسم مفعول يعمل عمل الفعل المبني للمجهول لاعتماده على مخبر عنه، ومرفوعه هو جملة أن في قوله (أن منه) أي من الحياء (وقارًا) أي أن منه ما هو وقار، أي ما يحمل صاحبه على أن يوقر الناس، ويتوقر هو في نفسه (و) أن (منه) أي من الحياء (سكينة) بالنصب معطوف على وقارًا، أي وأن منه ما هو سكينة، أي ما يحمل صاحبه على أن يسكن عن كثير مما يتحرك الناس إليه من الأمور التي لا تليق بذوي المروءات (فقال عمران) بن حصين منكرًا عليه هذا القول (أحدثك عن رسول الله ﷺ و) أنت (تحدثني عن صحفك) وكتبك القديمة، ولم ينكر عمران على بشير هذا القول من حيث معناه، وإنما أنكره عليه من حيث إنه أتى به في معرض من يعارض كلام رسول الله ﷺ بكلام
стр. 880
٦٥ - (٠٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِي، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ عَنْ إِسْحَاقَ -وَهُوَ ابْنُ سُوَيدٍ-:
ــ
الحكماء، ويقاومه به ولذلك (قال عمران أحدثك) وأخبرك يا بشير حديثًا (عن رسول الله ﷺ وتحدثني) أنت يا بشير كلام الحكماء (عن صحفك) وأوراقك المدونة من أقاويل الأولين التي لا أثر لها ولا سند لها كأنك تريد أن تعارض وترد حديث رسول الله ﷺ بتلك الآثار التي لا أثر ولا سند لها، وقيل إنما أنكره عليه لأنه خاف أن يُخلط بالسنة ما ليس منها، فسد ذريعة ذلك بالإنكار اهـ قرطبي.
وحديث عمران هذا شارك المؤلف في روايته أحمد (٤/ ٤٣٧) والبخاري (٦١١٧) وأبو داود (٤٧٩٦).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عمران فقال:
(٦٥) -متا (٠٠) (حدثنا يحيى بن حبيب) بن عربي (الحارثي) وقيل الشيباني أبو زكريا البصري روى عن حماد بن زيد ومعتمر بن سليمان وخالد بن الحارث ويزيد بن زُريع وغيرهم ويروي عنه (م عم) وأبو بكر بن عاصم وأبو بكر البزار وابن خزيمة وغيرهم، وثقه النسائي وقال في التقريب: ثقة من العاشرة، مات بالبصرة سنة (٢٤٨) ثمان وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والحج والجهاد والديات في خمسة أبواب تقريبًا، قال يحيى بن حبيب (حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزرق الأزدي أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه من كبار الثامنة مات سنة (١٧٩) تسع وسبعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا.
(عن إسحاق) بن سويد بن هُبيرة العدوي "نسبة إلى عدي بن كعب" التميمي البصري، روى عن أبي قتادة العدوي وعبد الرحمن بن أبي بكرة ومعاذة العدوية ويحيى بن يعمر وغيرهم ويروي عنه (خ م د س) والحمادان وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي وعدة وثقه أحمد وابن معين والنسائي وابن سعد، وقال في التقريب: صدوق من الثالثة، مات في الطاعون سنة (١٣١) إحدى وثلاثين ومائة، وله في البخاري فرد حديث مقرونًا بغيره، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الصوم وفي الأشربة في ثلاثة أبواب، وأتى بهوفي قوله (وهو ابن سويد) تصغير أسود بحذف الزوائد