مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ
ــ
سالم عن أبيه أنه قال (مر) النبي ﷺ (برجل من الأنصار) لم أرَ من ذكر اسمه، وقوله (يعظ أخاه) أي يمنع ذاك الرجل أخاه عن كثرة الحياء صفة ثانية لرجل وغرضه بذكر هذه الجملة بيان محل المخالفة بين سفيان ومعمر لأن سفيان قال سمع النبي ﷺ وقال معمر: مر النبي ﷺ ، وهذا من شدة حفظ مسلم وإتقانه وكثرة تورعه رحمه الله تعالى والله أعلم.
***
стр. 877
١٧ - بَابُ فِي مَدْحِ الْحَيَاءِ، وَامْتِنَاعِ مُقَاوَمَةِ النَّصِّ بِكَلامِ الحُكَمَاءِ
٦٤ - س (٣٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى- قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
ــ
١٧ - بَابُ فِي مَدْحِ الْحَيَاءِ، وَامْتِنَاعِ مُقَاوَمَةِ النَّصِّ بِكَلامِ الحُكَمَاءِ
أي باب معقود في مدح الحياء وبيان أن الحياء كله غريزيًّا كان أو كسبيًّا خير، ولا يحمل صاحبه إلا على خير، ولم أرَ أحدًا من الشراح ترجم لهذا الحديث، ولكنه حديث مستقل لا يدخل في الترجمة السابقة، ولذلك ترجمت له بل له فائدة مستقلة لا تفهم مما سبق، وهو امتناع مقابلة النص قرآنًا كان أو حديثًا بكلام الناس ومعارضته به، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(٦٤) - س (٣٦) (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس العنزي أبو موسى البصري مشهور بكنيته وباسمه كان صاحب كتاب لا يحدث إلا عن كتابه، روى عن محمد بن جعفر وابن مهدي وغيرهما، ويروي عنه (ع) وأبو زرعة وأبو حاتم والذهلي وخلق، ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومائتين، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا (ومحمد بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري أحد أوعية الحديث، ولذلك لقب ببندار، روى عن غندر وابن أبي عدي وعبد الوهاب الثقفي وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابن خزيمة وابن صاعد وغيرهم ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومائتين وله بضع وثمانون سنة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه لأن المتقارنين ثقتان، وأتى بقوله (واللفظ) أي ولفظ الحديث الآتي (لابن المثنى) لا لابن بشار، لأنه إنما روى معنى الحديث الآتي لا لفظه تورعًا من الكذب على ابن بشار، لأنه لو ترك هذه الجملة لأوهم أن ابن بشار روى لفظ الحديث الآتي كابن المثنى، وليس كذلك، (قالا) أي قال ابن المثنى وابن بشار (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم المدني البصري أبو عبد الله ربيب شعبة، روى عن شعبة وابن جريج وسعيد بن أبي عروبة وغيرهم، ويروي عنه (ع) ومحمد بن المثنى وابن بشار وابن بشر وغيرهم ثقة من التاسعة، مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب تقريبًا، قال محمد بن جعفر (حدثنا
стр. 878
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ يُحَدِّثُ: أَنهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنهُ قَال: "الْحَيَاءُ
ــ
شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البصري ثقة حافظ متقن من السابعة، مات سنة (١٦٠) ستين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثين بابًا تقريبًا (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري الأكمه ثقة ثبت من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة (١١٧) سبع عشرة ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة وعشرين بابًا تقريبًا.
(قال) قتادة (سمعت أبا السوار) بفتح السين المهملة وتشديد الواو آخره راء مهملة، قيل: اسمه حسان بن حُريث بالمثلثة وقيل بالعكس، وقيل حسان بن حُريف مصغرًا آخره فاء، وقيل منقذ وقيل حُجير بن الربيع العدوي، وقيل أبو محذورة من بني عدي بن عبد مناف بن أُد بن طابخة البصري ثقة من الثانية، روى عن عمران بن حصين في الإيمان والصلاة، ويروي عنه (خ م س) وقتادة وأبو التياح وغيرهم.
حالة كون أبي السوار (يحدث) بحديث يروي فيه (أنه سمع عمران بن حصين) بن عبيد بن خلف بن عبد نهم بن سالم الخُزاعي أبا نُجيد بضم النون مصغرًا البصري، أسلم عام خيبر له مائة وثلاثون حديثًا (١٣٠) اتفقا على ثمانية وانفرد (خ) بأربعة و (م) بتسعة، وكان من علماء الصحابة، يروي عنه (ع) وأبو السوار حسان بن حُريث العدوي وأبو قتادة تميم بن نذير العدوي وابنه نُجيد والحسن وابن سيرين ومطرف بن الشخير وخلق، بعثه عمر إلى البصرة ليُفقههم، وكانت الملائكة تسلم عليه، مات بالبصرة سنة (٥٢) اثنتين وخمسين روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة وغيرهما، وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون، حالة كون عمران (يحدث عن النبي ﷺ أنه) ﷺ (قال الحياء) أي جنس الحياء الصادق بالبعض لأن الألف واللام فيه جنسية لا استغراقية، فيُعترض عليه بأن بعض الحياء مذموم لا خير فيه، فكيف يقال إن كل الحياء خير، لأن من الحياء ما هو مذموم كالحياء المانع من أداء الصلاة في وقتها في مجلس الفسقة أوالكفرة خوفًا من سخريتهم وضحِكهم به ومنه ما هو ممدوح كالحياء من فعل الرذائل والمعاصي، ومساوي الأخلاق بحضرة الصالحين.
стр. 879
لَا يَأْتِي إِلا بِخَيرٍ"، فَقَال بُشَيرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ، أَن مِنْهُ وَقَارًا، وَمِنْهُ سَكِينَةً، فَقَال عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ
ــ
والمعنى أي بعض الحياء (لا يأتي) ولا يأمر (إلا بخير) أي بما فيه محمدة شرعًا وعقلًا، والبعض الآخر يأمر ويبعث بشر كالحياء من فعل الواجبات بحضرة الفسقة والكفرة، وفي الأبي (قوله الحياء لا يأتي إلا بخير) قال النواوي: استشكل بأن الحياء قد يفرط بصاحبه حتى يمنعه من القيام بحقوق الله تعالى، ومعلوم أن هذا لا خير فيه، وأجاب ابن الصلاح بأن هذا ليس بحياء حقيقة، وإنما هو خور ومهانة، فلا يدخل في الحياء.
(قلت) ما تقدم له في تفسير الحياء من قوله: إن الحياء خلق يمنع من القبيح ومن التقصير في الحقوق، وما يأتي من تفسير الحكماء يحقق أنه حياء حقيقة، وإنما الجواب: أنه عام مخصوص إن جعلت الأداة في الحياء للعموم، وإن لم تجعل فالحديث قضية مهملة، والمهملة في قوة الجزئية، ولا تناقض بين جزئيتين فالمعنى: بعض الحياء لا يأتي إلا بخير وبعض الحياء لا خير فيه وهذا البعض تعرفه من الكلام على الحديث الذي يأتي بعده انتهى.
(فقال بشير) بضم الباء وفتح الشين (بن كعب) العدوي في مقابلة هذا الحديث (إنه) أي إن الشأن والحال (مكتوب في) كتب (الحكمة) أي في الكتب السالفة، ومكتوب مبتدأ ليس له خبر بل له مرفوع سد مسد الخبر لأنه اسم مفعول يعمل عمل الفعل المبني للمجهول لاعتماده على مخبر عنه، ومرفوعه هو جملة أن في قوله (أن منه) أي من الحياء (وقارًا) أي أن منه ما هو وقار، أي ما يحمل صاحبه على أن يوقر الناس، ويتوقر هو في نفسه (و) أن (منه) أي من الحياء (سكينة) بالنصب معطوف على وقارًا، أي وأن منه ما هو سكينة، أي ما يحمل صاحبه على أن يسكن عن كثير مما يتحرك الناس إليه من الأمور التي لا تليق بذوي المروءات (فقال عمران) بن حصين منكرًا عليه هذا القول (أحدثك عن رسول الله ﷺ و) أنت (تحدثني عن صحفك) وكتبك القديمة، ولم ينكر عمران على بشير هذا القول من حيث معناه، وإنما أنكره عليه من حيث إنه أتى به في معرض من يعارض كلام رسول الله ﷺ بكلام
стр. 880
٦٥ - (٠٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِي، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ عَنْ إِسْحَاقَ -وَهُوَ ابْنُ سُوَيدٍ-:
ــ
الحكماء، ويقاومه به ولذلك (قال عمران أحدثك) وأخبرك يا بشير حديثًا (عن رسول الله ﷺ وتحدثني) أنت يا بشير كلام الحكماء (عن صحفك) وأوراقك المدونة من أقاويل الأولين التي لا أثر لها ولا سند لها كأنك تريد أن تعارض وترد حديث رسول الله ﷺ بتلك الآثار التي لا أثر ولا سند لها، وقيل إنما أنكره عليه لأنه خاف أن يُخلط بالسنة ما ليس منها، فسد ذريعة ذلك بالإنكار اهـ قرطبي.
وحديث عمران هذا شارك المؤلف في روايته أحمد (٤/ ٤٣٧) والبخاري (٦١١٧) وأبو داود (٤٧٩٦).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عمران فقال:
(٦٥) -متا (٠٠) (حدثنا يحيى بن حبيب) بن عربي (الحارثي) وقيل الشيباني أبو زكريا البصري روى عن حماد بن زيد ومعتمر بن سليمان وخالد بن الحارث ويزيد بن زُريع وغيرهم ويروي عنه (م عم) وأبو بكر بن عاصم وأبو بكر البزار وابن خزيمة وغيرهم، وثقه النسائي وقال في التقريب: ثقة من العاشرة، مات بالبصرة سنة (٢٤٨) ثمان وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والحج والجهاد والديات في خمسة أبواب تقريبًا، قال يحيى بن حبيب (حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزرق الأزدي أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه من كبار الثامنة مات سنة (١٧٩) تسع وسبعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا.
(عن إسحاق) بن سويد بن هُبيرة العدوي "نسبة إلى عدي بن كعب" التميمي البصري، روى عن أبي قتادة العدوي وعبد الرحمن بن أبي بكرة ومعاذة العدوية ويحيى بن يعمر وغيرهم ويروي عنه (خ م د س) والحمادان وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي وعدة وثقه أحمد وابن معين والنسائي وابن سعد، وقال في التقريب: صدوق من الثالثة، مات في الطاعون سنة (١٣١) إحدى وثلاثين ومائة، وله في البخاري فرد حديث مقرونًا بغيره، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الصوم وفي الأشربة في ثلاثة أبواب، وأتى بهوفي قوله (وهو ابن سويد) تصغير أسود بحذف الزوائد
стр. 881
أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حَدَّثَ قَال: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ فِي رَهْطٍ مِنَّا، وَفِينَا (١) بُشَيرُ بْنُ كَعْبٍ، فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ يَوْمَئِذٍ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْحَيَاءُ خَيرٌ كُلُّهُ"، قَال: أَوْ قَال: "الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيرٌ"، فَقَال بُشَيرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ -أَو
ــ
إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه، بل مما زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي، وجملة أن في قوله (أن أبا قتادة حدث) إسحاق بن سويد في محل المفعول الثاني لحدثنا حماد، وهو أبو قتادة العدوي البصري مختلف في صحبته، اسمه تميم بن نذير بضم النون وفتح الذال المعجمة مصغرًا، وقيل تميم بن الزبير، وقيل تميم بن يزيد بالزاي، وقيل اسمه نذير بن قنفذ، روى عن عمر وعمران بن حصين، ويروي عنه (م د س) وإسحاق بن سويد وحُميد بن هلال، وثقه ابن معين له عندهم حديثان فقط، روى عن عمران بن حصين في الإيمان، وعن يسير بن جابر، ويقال أسير، في الفتن (قال) أبو قتادة (كنا عند عمران بن حصين) الخزاعي البصري الصحابي الجليل (في رهط) أي مع جماعة (منا) أي من العدويين، والرهط اسم لما دون العشرة من الرجال خاصة لا يكون فيهم امرأة وليس له واحد من لفظه، والجمع أرهط وأرهاط وأراهط وأراهيط.
وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون أيضًا، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي قتادة لأبي السوار في رواية هذا الحديث عن عمران بن حصين، وقال النواوي: إن رجال هذا السند والذي قبله كلهم بصريون، ومن ألطف لطائف السند اجتماع إسنادين متلاصقين رجالهما كلهم بصريون، وهذا من النفائس الموجودة في هذا الجامع (وفينا) معاشر الرهط (بشير بن كعب) العدوي (فحدثنا عمران) ابن حصين (يومئذ) أي يوم إذ كنا مجتمعين عنده فـ (ـقال) عمران في تحديثه لنا (قال رسول الله ﷺ الحياء خير) مبتدأ وخبر وقوله (كله) تأكيد للمبتدأ، ويستفاد منه أن الألف واللام فيه استغراقية إلا إن قلنا إنه عام أريد به بعض أفراده كما مر (قال) أبو قتادة (أو قال) عمران بن حصين (الحياء كله خير) بتقديم كله على خير والمعنى واحد والشك من أبي قتادة (فقال بشير بن كعب إنا) معاشر الحكماء (لنجد) ونرى أو نعلم (في بعض الكتب) السالفة كالتوراة والإنجيل (أو) قال بشير إنا لنجد في
стр. 882
الْحِكْمَةِ- أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا للَّهِ، وَمِنْهُ ضَعْفٌ، قَال: فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَي احْمَرَّتَا عَينَاهُ،
ــ
بعض كلام أهل (الحكمة) والفراسة، والشك من أبي قتادة أيضًا، وجملة أن في قوله (أن منه سكينة) سادة مسد مفعولي نجد أي نجد في كتب أهل النبوة الأولى أو في بعض كتب أهل الحكمة والفراسة أن من الحياء ما هو سكينة وخوف لله تعالى بالجوارح وهو اجتناب العبث بالجوارح والتأني في المشي وقوله (ووقارًا لله) أي وما هو خوف من الله تعالى بالقلب المسمى بالخشوع، وقوله لله جار ومجرور تنازع فيه كل من سكينة ووقارًا، فالسكينة الخوف الظاهري من الله تعالى، والوقارُ الخوفُ الباطنيُّ من الله تعالى والمعنى أن من الحياء ما يُورث السكينة والوقار من الله تعالى، بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يخاف في ذلك لومة لائم.
وهذا هو الطرف الوسط من الحياء الذي ليس فيه إفراط ولا تفريط، وقوله (ومنه) أي ومن الحياء ما هو (ضعف) بفتح الضاد وضمها لغتان مشهورتان، أي ما يُورث الضعف في صاحبه إشارة إلى طرف الإفراط في الحياء، وهو المسمى بالخور والعجز والضعف والحماقة، وهو أن يستحيي من كل شيء، فلا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن منكر، ولا يفعل المأمورات ولا يجتنب عن المنهيات خوفًا من لوم لائم، وأما طرف التفريط في الحياء فهو المسمى بالخلاعة، وهي التي لا يستحيي صاحبها من شيء، يعني من الله ومن غيره، فالخور مذموم لأنه يؤدي إلى ترك الواجب وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويمنع من كثير من الخير كما قال ﷺ : "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين" وإلى هذا الطرف أعني طرف الإفراط أشار بشير بقوله (ومنه ضعف) وأما طرف التفريط المسمى بالخلاعة والخديعة، فلا خفاء في ذمها أيضًا والممدوح الوسط من الحياء المسمى بالسكينة والوقار، وهذا هو المراد بالحياء المذكور في الحديث، لأنه عام أريد به بعض أفراده كما مر (قال) أبو قتادة (فغضب) أي وجد (عمران) بن حصين على بشير بن كعب (حتى) ظهر أثر الغضب على وجهه و (احمرتا عيناه) أي عينا عمران وتلونتا بلون الحمرة، وزال بياضهما لشدة غضبه على بشير، قال النواوي: قوله (احمرتا عيناه) هكذا في الأصول بالألف وهو صحيح جار على لغة أكلوني البراغيث، ومثله قوله تعالى ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ على
стр. 883
وَقَال: أَلا أُرَانِي (١) أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتُعَارِضُ فِيهِ، قَال: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ، قَال: فَأَعَادَ بُشَيرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ، قَال: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيدٍ، إِنَّهُ لَا بَأسَ بِهِ
ــ
أحد الأقوال فيه، وحديث "يتعاقبون فيكم ملائكة" ومثله قول الشاعر:
ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقية
وهذه لغة مشهورة لبعض العرب، تسمى لغة أكلوني البراغيث، وفي سنن أبي داود (واحمرت عيناه) بغير ألف وهذا هو الظاهر الواضح (وقال) عمران لبشير معطوف على غضب وكلمة ألا في قوله (ألا أراني) حرف استفتاح وتنبيه أو للاستفهام التقريري وأراني بضم الهمزة وجملة قوله (أحدثك) مفعول ثان لأراني أي انتبه واستمع ما أقول لك، أرى نفسي محدثًا إياك حديثًا (عن رسول الله ﷺ و) أنت (تعارض) وتأتي (فيه) أي في مقابلة حديث رسول الله ﷺ بكلام يعارضه ويضاهيه ويناقضه ويخالفه وتعترضه بكلام الحكماء وأما إنكار عمران ﵁ على بشير فلكونه قال (ومنه ضعف) بعد سماعه قول النبي ﷺ إنه خير كله (قال) أبو قتادة (فأعاد عمران) بن حصين (الحديث) الذي حدثنا أولًا يعني قول النبي ﷺ الحياء خير كله، قال أبو قتادة (فأعاد بشير) بن كعب كلامه الأول يعني قوله (ومنه ضعف) (فغضب عمران) غضبًا شديدًا حتى هم به الشر (قال) أبو قتادة (فما زلنا) معاشر الرهط الحاضرين عنده نسكت غضب عمران و (نقول فيه) أي في شأن بشير (إنه) أي إن بشيرًا (منا) أي من المؤمنين (يا أبا نجيد إنه لا بأس به) أي لا نفاق به، فليس ممن يتهم بنفاق أو زندقة أو بدعة أو غيرها مما يخالف به أهل السنة والاستقامة فيُحمل كلامه على أنه قصد به الاعتراض على قول رسول الله ﷺ .
وأبو نجيد بضم النون وفتح الجيم آخره دال مهملة هو كنية عمران بن حصين ﵁ عنه كني باسم ابنه نجيد.
قال القاضي عياض: وغضب عمران على بشير حتى يشهد له الحاضرون أنه لا بأس به يحتمل أنه لمعارضته السنة بقول الحكماء أو صونًا للسنة أن يُذكر معها غيرها أو خوف أن يتطرق من في قلبه ريب لمثل هذا.
стр. 884
٦٦ - (٠٠) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ،
ــ
قال الأبي: المعارضة إنما هي إذا جُعلت الأداة في الحياء للعموم لأنه يصير التقدير كل حياء فيه خير، وقول الحكماء منه ضعف في قوة بعض الحياء لا خير فيه، والموجبة الكلية تناقضها السالبة الجزئية وقد سمعت ما فيه من البحث والصواب أنه إنما أنكر لإتيانه بكلام الحكماء في مقاومة كلام النبوة بدليل قوله: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن صحفك، وما أشار إليه بشير من كلام الحكماء هو أنهم يقولون كل فضيلة في كل شيء، إنما هي الوسط بين طرفيها المذمومين طرف الإفراط وطرف التفريط كما قال ﷺ خير الأمور أوسطها فالعلم مثلًا فضيلة فطرف إفراطه الدهاء، وطرف تفريطه البلادة، فالدهاء مذموم لأنه يحمل على المكر وعلى الحكم بالفراسة، ولذا لما عزل عمر إياسًا عن القضاء، فقال: أعن سخط يا أمير المؤمنين؟ قال: لا ولكن كرهت أن أحمل الناس على فضل عقلك، وأما البلادة فلا خفاء في ذمها وكذا الشجاعة فضيلة، فإنما هي الوسط بين طرفي إفراطها وتفريطها فطرف إفراطها التهور، وطرف تفريطها الجبن، فالتهور مذموم لأنه يحمل على البغي وإلقاء النفس إلى الهلاك والموت حيث لا يحمد والجبن مذموم لأنه يمنع من حفظ النفس والمال، ويحمل على الهروب من الموت حيث يحمد، وهكذا يقررونه في جميع الفضائل التي الحياء أحدها فطرف إفراط الحياء الخور، وهو أن يستحيي من كل شيء، وطرف تفريطه الخلاعة، وهي أن لا يستحيي صاحبها من كل شيء فالخور مذموم لأنه يؤدي إلى ترك الواجب وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويمنع من كثير الخير كما قال ﷺ نعم النساء نساء الأنصار لم يمنَعْهن الحياء أن يتفقَّهْنَ في الدين، وإلى هذا الطرف يشير بشير بقوله: ومنه ضعف، وأما الخلاعة فلا خفاء في ذمها اهـ منه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عمران ثانيًا فقال:
(٦٦) - متا (٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد بن إبراهيم الحنظلي أبو يعقوب المروزي المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت حافظ مجتهد، قرين أحمد بن حنبل من العاشرة، مات سنة (٢٣٨) ثمان وثلاثين ومائتين لأربع عشرة ليلة من شعبان، وله سبع وتسعون (٩٧) سنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد وعشرين بابًا تقريبًا، قال إسحاق (أخبرنا النضر) بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم بن عنترة المازني أبو الحسن البصري ثم الكوفي، نزيل مرو وشيخها، أصله من البصرة ومولده
стр. 885
أَخْبَرَنَا (١) أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَويُّ، قَال: سَمِعْتُ حُجَيرَ بْنَ الرَّبِيعِ الْعَدَويَّ يَقُولُ: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيدٍ
ــ
بمرو الروذ خرج به أبوه هاربًا من الفتنة من مرو الروذ إلى البصرة سنة ثمان وعشرين ومائة (١٢٨) وهو ابن ست سنين، ثم رجع إلى مرو الروذ وسكنها ومات بمرو وبها قبره، روى عن أبي نعامة العدوي عمرو بن عيسى وحماد بن سلمة وشعبة وهشام الدستوائي وابن جريج وغيرهم، ويروي عنه (ع) وإسحاق الحنظلي وإسحاق بن منصور الكوسج ويحيى بن يحيى ويحيى بن معين وخلق، وثقه النسائي وابن معين وأبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة ثبت من كبار التاسعة مات سنة (٢٠٤) أربع ومائتين، وله اثنتان وثمانون (٨٢) سنة، وكان من فصحاء الناس وعلمائهم بالأدب وأيام الناس، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في موضعين والبيوع والأطعمة والفضائل والاستئذان والدعاء في موضعين وفي حديث الرَّحْلِ، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها تسعة أبواب تقريبًا.
قال النضر بن شميل (أخبرنا أبو نعامة) بفتح النون عمرو بن عيس بن سويد بن هبيرة (العدوي) البصري، روى عن حُجير بن الرَّبيع في الإيمان وحفصة بنت سيرين وشويس أبي الرقاد، ويروي عنه (م ق) والنضر بن شميل ويحيى القطان ووكيع وأبو عاصم، وثقه ابن معين والنسائي، قال أحمد: اختلط قبل موته، وقال في التقريب: صدوق اختلط من السابعة وقال النواوي: هو من الثقات الذين اختلطوا قبل موتهم، وقد قدمنا في الفصول وبعدها أن ما كان في الصحيحين من المختلطين فهو محمول على أنه عُلم أنه أُخذ عنهم قبل الاختلاط اهـ (قال) أبو نعامة (سمعت حجير) بضم الحاء بعدها جيم مفتوحة آخره راء مصغر (بن الربيع العدوي) البصري، يقال: هو أبو السوار بتشديد الواو، روى عن عمران بن حصين في الإيمان وعمر، ويروي عنه (م) وأبو نعامة العدوي فرد حديث عند مسلم وحُميد بن هلال، قال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة، وليس في مسلم حُجير إلا هذا.
حالة كون حُجير العدوي (يقول) ويروي (عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ وقوله (نحو حديث حماد بن زيد) مفعول ثان لقوله أخبرنا النضر أي أخبرنا
стр. 886
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النضر بن شميل عن عمران بن حصين بواسطة أبي نعامة عن حجير بن الربيع نحو حديث حماد بن زيد عن عمران بن حصين بواسطة إسحاق بن سويد عن أبي قتادة، فالمتابعة ناقصة، وهذا السند من خماسياته، رجاله اثنان منهم مروزيان وثلاثة بصريون وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة النضر بن شميل لحماد بن زيد في رواية هذا الحديث عن عمران بن حصين، ولكنها متابعة ناقصة، لأن النضر روى عن عمران بواسطة أبي نعامة وحجير، وروى حماد بن زيد عن عمران بواسطة إسحاق بن سويد وأبي قتادة، ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث عمران بن حصين وذكر فيه متابعتين والله أعلم.
***
стр. 887
١٨ - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيمَانِ ثُمَّ بِالاسْتِقَامَةِ
٦٧ - (٣٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ، ح وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ
ــ
١٨ - بَابُ الأَمْرِ بِالإِيمَانِ ثُمَّ بِالاسْتِقَامَةِ
أي باب معقود في بيان أمره ﷺ للسائل بالإيمان أولًا، ثم بالاستقامة والدوام والثبات عليه بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، وترجم لهذا الحديث النواوي وكذا أكثر المتون بقوله: (باب جامع أوصاف الإسلام) أي باب معقود لبيان لفظ جامع لأوصاف الإسلام وخصاله وأموره، لأن الاستقامة المذكورة في الحديث جامعة لأوصاف الإسلام وأحكامه، لأن أحكام الإسلام إما فعل وإما ترك، فالاستقامة والاعتدال في الدين إنما يحصل بفعل المأمورات وترك المنهيات، وكذا ترجم له القاضي عياض، وترجم له الأبي بقوله (باب قوله قل لي في الإسلام قولًا) وترجم له السنوسي بقوله (باب الإيمان بالله تعالى والاستقامة) وترجم له القرطبي بقوله (باب الاستقامة في الإسلام وأي خصاله خير) وترجمتنا أوضح وأوفق ثم استدلوا على الترجمة بقول المؤلف رحمه الله تعالى:
(٦٧) - س (٣٧) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، ثقة ثبت حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا.
(و) حدثنا أيضًا (أبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي، أحد الأثبات المكثرين، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٤٨) ثمان وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، وإلا فالراويان ثقتان (قالا) أي قال أبو بكر وأبو كريب (حدثنا) عبد الله (ابن نمير) مصغرًا الهمداني الخارفي، أبو هشام الكوفي، ثقة صاحب حديث، من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٩) تسع وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة عشر بابًا تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل بن طريف الثقفي مولاهم، أبو رجاء البغلاني نسبة إلى بغلان بلدة بنواحي بلخ، ثقة ثبت من
стр. 888
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
ــ
العاشرة، مات سنة (٢٤٠) أربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة أبواب تقريبًا.
(و) حدثنا أيضًا (إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد الحنظلي أبو يعقوب المروزي ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٨) ثمان وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحدٍ وعشرين بابا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، وأكد بقوله (جميعًا) دون كلاهما لشكه في انحصار من روى له عن جرير في هذين الشيخين أي حال كونهما مجتمعين في الرواية له (عن جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي أبي عبد الله الكوفي ثم الرازي، ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة (١٨٨) ثمان وثمانين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني أيضًا قال (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي الهاشمي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت من كبار التاسعة مات سنة (٢٠١) إحدى ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة عشر بابًا تقريبًا، وأتى بحاء التحويلات في موضعين لاختلاف مشايخ مشايخه وصيغة روايتهم، وإن كان شيخ الكل واحدًا حيث قال (كلهم) أي كل من ابن نمير في السند الأول، وجرير في السند الثاني، وأبي أسامة في السند الثالث رووا (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي أبي المنذر المدني، روى عن أبيه عروة وزوجته فاطمة بنت المنذر وعباد بن حمزة وعبد الرحمن بن القاسم وأخيه عثمان بن عروة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وخلق، ويروى عنه (ع) وأيوب وابن جريج وشعبة ومعمر ويونس وابن نمير وجرير بن عبد الحميد وأبو أسامة وأبو معاوية وسفيان بن عيينة ويحيى القطان وعدة، وقال في التقريب: ثقة ثبت فقيه ربما دلس، من الخامسة، مات سنة (١٤٥) خمس وأربعين ومائة، وله سبع وثمانون سنة (٨٧) وتكلم فيه مالك وغيره.
روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في ثلاثة مواضع والجنائز والزكاة في أربعة مواضع والصوم في موضعين والحج في موضعين والذبائح واللباس والطب والعتق والنكاح والنذور والأطعمة والفضائل في ثلاثة مواضع والبيوع، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ستة عشر بابًا تقريبًا (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام بن
стр. 889
عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قُلْ لِي فِي الإِسْلامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ،
ــ
خويلد الأسدي أبي عبد الله المدني أحد الفقهاء السبعة، وأحد علماء التابعين، روى عن سفيان بن عبد الله الثقفي وأبي مراوح الليثي وحكيم بن حزام وعبد الله بن زمعة وأبي هريرة وعائشة خالته وأبيه وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق وخلق، ويروي عنه (ع) وابنه هشام والزهري ومحمد بن عبد الرحمن بن نوفل وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعمر بن عبد العزيز وأبوالزناد وخلائق، وقال في التقريب: ثقة مشهور فقيه من الثانية، مات سنة (٩٤) أربع وتسعين على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عمر الفاروق.
روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء في موضعين والصلاة في أربعة مواضع والزكاة والصوم في موضعين والحج في أربعة مواضع والنكاح والطلاق والبيوع والهبة والجهاد في موضعين والأدب والأمانة وفي ذكر النار والفتن وفي آخر الكتاب والفضائل وفي انْتَدَبَ الناسُ والزهدِ وفي العِلْم فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها عشرون بابًا تقريبًا (عن سفيان بن عبد الله) بن ربيعة بن الحارث (الثقفي) أبي عمرو أو أبي عمر الطائفي عامل عمر على الطائف صحابي له حديثان انفرد له (م) بحديث، ويروي عنه (م ت س ق) وعروة بن الزبير حديثًا في الإيمان، قال النواوي: ولم يرو مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه لسفيان بن عبد الله الثقفي راوي هذا الحديث عن النبي ﷺ شيئًا وروى الترمذي هذا الحديث وزاد فيه: "قلت يا رسول الله ما أخوف ما أخاف على فأخذ بلسان نفسه ثم قال هذا" والله أعلم.
وهذا السند من خماسياته، ورجاله في السند الأول كوفيان ومدنيان وطائفي، وفي السند الثاني بغلاني كوفي مدنيان طائفي، وفي السند الثالث مروزي كوفي مدنيان طائفي وفي السند الرابع كوفيان مدنيان طائفي (قال) سفيان بن عبد الله ﵁ (قلت) لرسول الله ﷺ (يا رسول الله قل لي في الإسلام) أي في أحكامه وخصاله وأموره (قولًا) جامعًا لها واضحًا في نفسه (لا أسال عنه) أي عن تفسير ذلك القول (أحدًا) من الناس (بعدك) أي بعد قولك لي وتعليمك إياي، قال الأبي: ولما كانت أحكام الإسلام من الأفعال والتروك وشرائط ذلك لا تنحصر، سأل بحسن نظره بيان جميع ذلك بقول جامع جلي يستغني بجمعه ووضوحه عن سؤال غيره ﷺ ، وعبارة القرطبي: أي علمني قولًا جامعًا لمعاني الإسلام وأحكامه واضحًا في
стр. 890
وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: غَيرَكَ، قَال: "قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، فَاسْتَقِمْ"
ــ
نفسه بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك، أعمل عليه وأكتفي به، وهذا نظير قول الآخر له "علمني شيئًا أعيش به في الناس ولا تكثر عليَّ فأنسى فقال: لا تغضب" رواه أحمد والبخاري والترمذي ومالك في الموطأ من حديث أبي هريرة، وهذا الجواب هنا بقوله "قل آمنت بالله ثم استقم" دليل على أن النبي ﷺ أُوتي جوامع الكلم واختصر له القول اختصارًا كما قال النبي ﷺ مخبرًا بذلك عن نفسه فيما رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة ﵁ "أوتيت جوامع الكلم" فإنه ﷺ جمع لهذا السائل في قوله "قل آمنت بالله ثم استقم" معاني الإسلام والإيمان كلها فإنه أمره أن يجدد إيمانه متذكرًا بقلبه وذاكرًا بلسانه، ويقتضي هذا استحضار تفصيل معاني الإيمان الشرعي بقلبه التي تقدم ذكرها في حديث جبريل، وأمره بالاستقامة على أعمال الطاعات والانتهاء عن جميع المخالفات إذ لا تتأتى الاستقامة مع شيء من الاعوجاج فإنها ضده اهـ منه.
(وفي حديث أبي أسامة) وروايته لاأسال عنه أحدًا (غيرك) يا رسول الله لوضوحه، وهي أوضح من الرواية الأولى (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤال سفيان بن عبد الله (قل) يا سفيان مجددًا لإيمانك بقلبك ولسانك (آمنت بالله) أي صدقت بوحدانيته تعالى، وبجميع ما أتى به رسوله ﷺ (فاستقم) على الشريعة ولا تعوج عنها بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات وفي بعض الروايات (ثم استقم) بثم التي للتراخي، قال الأبي: وكان هذا الجواب من جوامع كلمه ﷺ لأنه أجمل فيه ما فصله في ثلاث وعشرين سنة أو عشرين على الخلاف كم بقي بعد البعثة، والمعنى اعتدل على طاعة الله تعالى عقدأ وقولًا وفعلًا وداوم على ذلك ولا يحصل منك اعوجاج منه.
وقال القاضي عياض وجوابه هذا مطابق لقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ الآية ومعناها عند الأكثر وحدوا الله تعالى وآمنوا به ثم استقاموا على التكاليف فلم يحيدوا عن توحيدهم ولا أشركوا به غيره، والتزموا طاعته حتى لقوا الله تعالى على ذلك، وهذا نفس معنى هذا الحديث.
وعطف الاستقامة بثم لبعد رتبتها عن رتبة الإقرار فهي للبعد في الرتبة لا في
стр. 891
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الزمان، وكانت رتبة الاستقامة أعلى لأن الاستقامة هي الدوام على الطاعة والوقوف على قدم الصدق.
وعن ابن عباس ﵁ لم يكن أشد على رسول الله ﷺ ولا أشق عليه من قوله تعالى ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ ولذا قال ﷺ لأصحابه حين قالوا له: "أسرع عليك الشيب يا رسول الله قال شيبتني هود وأخواتها" وقال ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا" وجعلها بعضهم للبعد في الزمان وانتزع من الحديث أن الكفار غير مخاطبين بالفروع، قال: لأنه لم يأمره بالاستقامة إلا بعد الإيمان، وزاد الترمذي في الحديث "قال الرجل يا رسول الله ما أخوف ما تخاف عليَّ فأخذ بلسان نفسه وقال هذا".
قال أبو القاسم القشيري في رسالته: الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ومن لم يكن مستقيمًا في حالته ضاع سعيه وخاب جهده قال: وقيل الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المعهود ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق ولذلك قال ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا" وقال الواسطي: الاستقامة الخصلة التي بها كملت المحاسن، وبفقدها قبحت المحاسن والله أعلم اهـ نووي.
وهذا الحديث انفرد به مسلم بهذا اللفظ عن أصحاب الأمهات، ورواه أحمد (٣/ ٤١٣) و (٤/ ٣٨٥) وروى الترمذي بنحوه في الزهد وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي أيضًا في السنن الكبرى بغير هذا اللفظ.
* * *
стр. 892
١٩ - بَابٌ أَيُّ خِصَالِ الإِسْلامِ خَيرٌ؟ وَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ ؟
٦٨ - (٠٠) حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيثٌ،
ــ
١٩ - بَابٌ أَيُّ خِصَالِ الإِسْلامِ خَيرٌ؟ وَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟
أي باب معقود في بيان جواب سؤال أي خصال الإسلام وأموره خير، أي أكثر نفعًا وأجرًا لمن فعله في الدنيا والآخرة، وفي بيان جواب سؤال أي أشخاص المسلمين أعظم درجة عند الله تعالى، وأكثر مدحًا عند الناس، وإنما ترجمت هكذا لأن الحديثين الآتيين السائل فيهما مختلف وإن كان الراوي واحدًا وهو عبد الله بن عمرو بن العاص، قال القرطبي في الحديث الثاني قوله (أي المسلمين خير) فقال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" هذا السؤال غير السؤال الأول أعني قولَه: (أيُّ الإسلام خير) وإن اتحد لفظهما بدليل افتراق الجواب، وكأنه ﷺ فهم عن هذا السائل أنما سأل عن أحق المسلمين باسم الخيرية وبالأفضلية، وفهم عن الأول أنه سأل عن أحق خصال الإسلام بالأفضلية، فأجاب كلًّا منهما بما يليق بسؤاله والله تعالى أعلم، وهذا أولى من أن تقول الخبران واحد وإنما بعض الرواة تسامح، لأن هذا التقدير يرفع الثقة بأخبار الأئمة الحفاظ العدول مع وجود مندوحة عن ذلك انتهى منه.
وترجم له النواوي والقاضي عياض، وكذا أكثر نسخ المتن بقوله (باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل) أي باب بيان تفاضل أهل الإسلام بعضهم على بعض عند الله تعالى وعند الناس، وبيان أي أموره، أي أمور الإسلام وخصاله أفضل، أي أكثر أجرًا لمن فعله أو قاله، وترجم له الأبي والسنوسي بقولهما (باب أي الإسلام خير) ففي هذه الترجمة قصور عن منطوق الحديث، وفي التي قبلها إيهام وغموض، فترجمتنا أوضح وأوفق، وضم القرطبي ترجمة هذا الحديث إلى الترجمة التي قبلها حيث قال: (باب الاستقامة في الإسلام وأي خصاله خير).
(٦٨) - س (٣٨) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل بن طريف الثقفي مولاهم أبو رجاء البغلاني، قيل: اسمه يحيى وقيل عليٌّ وقتيبة لقبه كما مر في المقدمة، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٤٠) أربعين ومائتين عن تسعين (٩٠) سنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة أبواب تقريبًا، قال قتيبة (حدثنا ليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور من
стр. 893
ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيرِ،
ــ
السابعة، مات في شعبان سنة (١٧٥) خمس وسبعين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة عشر بابًا تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر) بن المحرر بن سالم التجيبي بضم المثناة مولاهم أبو عبد الله المصري، ثقة ثبت من العاشرة، مات بمصر سنة (٢٤٢) اثنتين وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة أبواب تقريبًا قال محمد بن رمح (أخبرنا الليث) بن سعد وأتى المؤلف رحمه الله تعالى بحاء التحويل مع إمكان الجمع بين شيخيه لاتحاد شيخهما بأن قال حدثنا قتيبة ومحمد بن رمح قالا أخبرنا الليث لاختلاف صيغتهما لأن قتيبة قال حدثنا ليث ومحمد بن رمح قال أخبرنا الليث ولو جمع باخبرنا لكان كاذبًا على قتيبة، أو بحدثنا لكان كاذبًا على محمد بن رمح، ففائدة التحويل هنا بيان اختلاف صيغتيهما لأن بين حدثنا وأخبرنا فرقًا في اصطلاح الإمام مسلم رحمه الله تعالى (عن يزيد بن أبي حبيب) اسمه سويد مولى شريك بن الطفيل الأزدي أبي رجاء المصري عالمها واسم أبي حبيب سويد أعتقَتْه امرأةٌ مولاةٌ لبني حَسْلِ بن عامر، وتزوج مولاةَ تُجِيبَ فولُد له يزيد وخليفة.
روى عن أبي الخير مرثد بن عبد الله وعبد الرحمن بن شماسة المهري وعراك بن مالك وجعفر بن ربيعة وإبراهيم بن عبد الله بن حنين وخلق، ويروي عنه (ع) والليث بن سعد وعمرو بن الحارث ومحمد بن إسحاق وعبد الحميد بن جعفر وسليمان التيمي وعبد الله بن عياش ويحيى بن أيوب وجماعة، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، وقال في التقريب: ثقة فقيه، وكان يرسل من الخامسة، مات في ولاية أبي جعفر سنة (١٢٨) ثمان وعشرين ومائة، وقد قارب الثمانين.
روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء في موضعين والصلاة في ثلاثة مواضع والصوم والنكاح في ثلاثة مواضع والنذور والدعاء في ثلاثة مواضع والبيوع والجهاد في موضعين واللباس والأدب فجملة الأبواب التي روى عنه فيها أحد عشر بابًا تقريبًا (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة الحميري اليزني بفتح الياء التحتانية والزاي نسبة إلى ذي يزن بطن من حمير، الفقيه المصري، روى عن عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن وعلة وعقبة بن عامر وأبي عبد الله الصنابحي
стр. 894
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الإِسْلامِ خَيرٌ؟ قَال: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ،
ــ
عبد الرحمن بن عسيلة وغيرهم، ويروي عنه (ع) ويزيد بن أبي حبيب وجعفر بن ربيعة وعبد الرحمن بن شماسة وغيرهم، وقال العجلي: ثقة تابعي مصري، وقال ابن سعد: كان ثقة وله فضل وعبادة، وقال في التقريب: ثقة فقيه من الثالثة، مات سنة تسعين (٩٠) وليس في مسلم مرثد إلا هذا.
روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والدعاء والنذور في موضعين والأحكام والضحايا واللباس ودلائل النبوة والحدود فجملة الأبواب التي روى عنه فيها تسعة تقريبًا.
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل بن سهم السهمي القرشي أبي محمد ويقال أبي عبد الرحمن، كان بينه وبين أبيه إحدى عشرة سنة، أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، له سبعمائة حديث اتفقا على سبعة عشر وانفرد (خ) بثمانية و (م) بعشرين، يقال إنه أسلم قبل أبيه، وكان يسكن مكة، ثم خرج إلى الشام وأقام بها إلى أن مات بمصر، ويقال: إنه مات بعُجْلان قرية من قرى الشام بالقرب من غزة من بلاد فلسطين ليالي الحرة في ولاية يزيد بن معاوية، وكانت الحرة سنة ثلاث وستين، ويقال إنه مات بالطائف على الراجح، وقيل مات بمكة، وقال عمرو بن علي مات عبد الله بن عمرو بن العاص سنة خمس وستين (٦٥) وهو ابن اثنتين وسبعين (٧٢). روى عن النبي ﷺ وأبي بكر الصديق في الدعاء، ويروي عنه (ع) وأبو الخير مرثد بن عبد الله ومسروق بن الأجدع وحُميد بن عبد الرحمن بن عوف وخلائق، روى عنه المؤلف في الإيمان في موضعين وفي الصلاة والحج والدعاء وغيرها.
وهذا السند من خماسياته، ورجاله كلهم مصريون أئمة أجلة، إلا قتيبة فإنه بغلاني، أنه حدَّث (أن رجلًا) لم أرَ من ذكر اسمه (سأل رسول الله ﷺ فقال في سؤاله (أيُّ الإسلام) أي أَيُّ خصال الإسلام وأموره وأحواله (خير) أي أنفع لصاحبه في الدنيا والآخرة، أي أيُّ خصلة من خصال الإسلام أنفع لصاحبها (قال) رسول الله ﷺ مجيبًا له هي أي الخصلة الموصوفة بالخيرية والأفضلية لصاحبها (تطعم الطعام) للمحتاج بضم التاء من أطعم الرباعي فهو خبر لمبتدأ محذوف
стр. 895
وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ"
ــ
مع إضمار أن المصدرية أي هي أن تطعم الطعام للمحتاج، نظير قولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، وحذفت أن المصدرية التي تخلص الفعل للاستقبال ليأتي الفعل بصورة المحتمل للحال إظهارًا للرغبة في حصوله والتعجيل به للمحتاج إليه، وبصورة المضارع لتصور حالته العظيمة؛ التي أثنى الله سبحانه بها على مطعمه بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ وللرغبة في تجدد إعطائه واستمراره وصرح بمفعوله الذي هو الطعام احتراسًا من توهم التجوز بتطعم عن حديث حسنٍ أو علمٍ أو غير ذلك، و"تطعم" من الخطاب العام، وليس المقصود السائل فقط، أي تطعم يا من يصح منه الإطعام، ولما روي: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" و (الطعام) اسم للمطعوم المقتات، وهو عند الفقهاء ما يعد طعامًا لا دواءً، وعند الأطباء ما يُنمِّي الأبدان وفي الكلام حذف مفعول ثانٍ، وهو الأول في الحقيقة والرتبة، لأنه فاعل في المعنى، أي المحتاج أو السائل ونحوه وحذف للعلم به أو يُنزَّل الفعل بالنسبة إليه كالقاصر عنه ليفيد العموم في المحتاج وغيره دفعًا للتحكم في تقديره مفعول دون آخر، والمراد إيجاد حقيقة الإطعام، وعن البيهقي يحتمل إطعام المحاويج أو الضيافة أو هما جميعًا، وللضيافة في التحابب والتآلف أثر عظيم انتهى من السنوسي وقوله (وتقرأ السلام) معطوف على تطعم أي وتلك الخصال النافعة لفاعلها إطعامُ الطعام للمحاويج وغيرهم، وقراءتك السلام أي التحية (على من عرفتـ) ـه (ومن لم تعرفـ) ـه إذا كانوا مسلمين، أي وأن تسلم على كل من لقيته، عرفته أم لم تعرفه، ولا تخص به من تعرفه كما يفعله كثير من الناس، ثم إن هذا العموم مخصوص بالمسلمين، فلا يسلم ابتداءً على كافر، قال القاضي: بذل السلام لكل أحدٍ دليل على أنه مُبتغىً به وجه الله تعالى، ولما كان التآلف والتواد به نظام شمل الإسلام، وهو أحد أركان الشريعة حض ﷺ على السبب الجالب لذلك من الإطعام وإفشاء السلام والتهادي، كما نهى عن ضد ذلك من التقاطع والتدابر والتجسس والنميمة وذي الوجهين اهـ ع.
قال النواوي: وخص الخصلتين بالذكر لعلمه من السائل التساهُلَ فيهما، لأن جوابه كان بحسب ما يفهم، قلت: وإلا فليستا بخير مطلقًا، قال السنوسي: والمراد بالسلام التحية بين الناس، وهو مما يزرع الود والمحبة في القلوب كما يفعل الإطعام وقد يكون في قلب المحبين ضغن فيزول بالتحية وقد يكون عدوا فينقلب بها صديقًا ولقد
стр. 896
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أجاد من قال:
وحَيِّ ذوي الأضغان تحيي نفوسهم ... تحيتك الحسنى فقد يرفع العقل
إني أُحيي عدوي عند رؤيته ... لأدفع الشر عني بالتحيات
كيف أصبحت كيف أمسيت مما ... يزرع الود في فؤاد الكريم
وهذه الأبيات الثلاثة بحورها مختلفة، الأول من الطويل والثاني من البسيط والثالث من الخفيف، وإذا كان في مجرد السلام، فكيف بالطعام، حتى قيل ما وضع أحد يده في صحفة غيره إلا ذل له، لا يقال فإذا كان يورث الذل فينبغي أن يجتنب، وذلك مما يقدح في الترغيب في الإطعام المستفاد من الحديث، لأنا نقول مما جُبلت عليه نفوس الأكثر قبول ما فيه نفع لها ولا تبالي بما يحصل معه من ذل ونحوه، بل قد تتلذذ بذلك الذل، لما اشتمل عليه من المنافع.
(قلت) الإطعام المرغب فيه هو ما كان لفائدة شرعية، من طلب ثواب الله جل وعلا، فلا يبالي حينئذ ما أعطى ولا لمن أعطى، أو دفع عن نفسه وعرضه وماله أم لا، أما ما لا فائدة له أو كانت الفائدة غير شرعية، كقصد المباهاة وتكثير الانتفاع والثناء الدنيوي ونحو ذلك فليس بمقصود من الحديث، بل ربما كان بعضه محرمًا كالإطعام لبعض اللئام من الظلمة والفساق ممن يستعين بذلك على فساده ويغريه على أموال الناس، وتبقى لهم سنة سيئة في -أموال الناس على الدوام، قال السنوسي: قوله ﷺ "على من عرفت ومن لم تعرف" ظاهر الحديث العموم فيمن يعقل ثم يُمكن تخصيصه بالمؤمنين، لأنهم هم الذين في توادهم وتراحمهم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وكالجسد الواحد، إذا اشتكى بعضه اشتكى كله، ويمكن حمله على العموم فيتناول الكافر ولو حربيًّا، عند الاحتياج إلى ذلك لوعظ ونحوه، لأنه أرجى لقبولهم الإسلام، كما قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الآية، أو تُخصص أيضًا بالذمي، إما على رأي من يرى ابتداءهم بالسلام وإما باعتبار الرد إذا ابتدءوا به لأن تقرأ السلام يعم الأمرين الابتداء والرد، ويؤكد العموم من عرفت ومن لم تعرف لأنه يدل على كونه لله تعالى، لا لتوفية حق المعرفة، كما روي أنه يكون كذلك في آخر الزمان وقال بعضهم: ظاهر اللفظ يعم الكافر والمنافق والفاسق، (أجيب) بأنه خُص
стр. 897
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأدلة أخرى أو أن النهي متأخر، وكان هذا عامًّا لمصلحة التأليف، ومن شك فيه فالأصل العموم حتى يثبت الخصوص انتهى، قال بعض العلماء متممًا له وكذا القول في المطعم المقدر مفعولًا ثانيًا، لتطعم في احتمال العموم والخصوص، ويحتمل أن يكون مفعول تطعم الثاني المقدر من عرفت ومن لم تعرف لدلالة ذكره مع تقرأ عليه من حذف الأوائل للثواني، أو يكون من عرفت متنازعًا فيه لهما وأُضمر في الأول وحُذف لأنه فضلة، وتنازع المتعددين إلى أكثر من واحد غير ممتنع، خلافًا لمن منع، وإنما ذُكر مع تقرأ لخفة السلام على النفوس، ولو ذُكر مع الطعام أولًا لأوجب النفور، فلا يُصغى لما بعده، فأُضمر في الأول لسهولة الخطاب بالمحتمل فقبل، ثم صرح به مع ما لم يَشُق فحينئذ يُتفطن لإرادته أولًا، ولا يمكن الرد بعد القبول وللتأنس به في الثاني فيقاس عليه الأول لأنه آخره، وقد يقال إن الطعام لما كان يشق له لا سيما بالحجاز، اكتفى بمطلقه لأن الفعل المثبت يَعُمُّ على الصحيح ترغيبًا فيما يُفعل منه وإن قل، ويكون المعنى تُطعم من أمكن ولو كان واحدًا، أو ما أمكن ولو شق تمرة، ولما كان السلام لا يشق لم يكتف منه إلا بغايته، وكلام من أوتي جوامع الكلم ﷺ لا يُحاط بفوائده، يُنفق فيه ذو السعة في العلم على قدر سعته، ومن دونه على قدره، والكل لم يُحصلوا من ذلك البحر الزاخر الذي لا يُحاط بأبعاده إلا ما هو في النسبة كنقطة أو أقل منها إلى العالم كله، وهنا يدخل أنواع الأطعمة والولائم، وتسمية أنواعها، وتقسيم ذلك إلى الأحكام الخمسة، كل ذلك مستوعب في كتب الفقه اهـ س.
وفي الجملتين موازنة وطباق خفي، لأن تُطعم فعلٌ، والطعام جثة، وتقرأ قول، والسلام معنىً، وعدَّى تقرأ بعلى لأنهم شبهوا السلام لكونه قولًا وعبارة بالقراءة، فعَدَّوهُ تعديتها، ومنْ في قوله (من عرفت) الظاهر موصوليتها، وحُذف عائدها لطول الصلة، أو نكرة موصوفة.
ومعنى السلام عليكم إما الدعاء بالسلامة على المسلم عليه أي سلمك الله من الآفات دنيا وأخرى، وإما الخبر أي سلمت مني فإني مسالم لك لا محارب، وإنما كان علمًا على الأمان لأن العادة بين المتحاربين لا يسلِّم بعضهم على بعض وكانت عادة الجاهلية إن سلموا لم يحاربوا، وعلى هذا لا ينبغي للمسلِّم أن يغتاب من سلم عليه، ولا أن يتعرض لإذايته حاضرًا ولا غائبًا لأنه مناقض لما أعطاه وأخبر به من الأمان،
стр. 898
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأن السلام على المعنيين إنشاء والتزام وقيل المعنى الله حفيظ عليكم، أو رقيب عليكم، فيكون السلام على هذا من أسمائه جل وعلا، قال بعضهم وهذا يتأول به من أجاز السلام على أهل المعاصي والظلم حال تلبسهم بذلك حتى كأنه يقصد وعظهم وتذكيرهم، وعلى في المعنيين بمعنى اللام أو على بابها على إضمار كون خاص، أي السلام مشتمل عليكم، وهو أبلغ، وقد بسطت الكلام على السلام وما يتعلق به من الشرائط والأحكام والصيغ في تفسيري حدائق الروح والريحان بما لا مزيد عليه فراجعه إن أردت الخوض في هذا المقام والله أعلم.
قال القاضي عياض: وقوله ﷺ لمن سأله: "أي الإسلام خير" أي أي خصال الإسلام خير "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" حض منه ﷺ على تأليف قلوب المؤمنين، وأن أفضل خُلُقهم الإسلامية إلفة بعضهم بعضًا وتحببهم وتوادهم واستجلاب ما يؤكد ذلك بينهم بالقول والفعل، وقد حض النبي ﷺ على التحابب والتوادد وعلى أسبابهما من التهادي وإطعام الطعام وإفشاء السلام، ونهى عن أضدادها من التقاطع والتدابر والتجسس والتحسس والنميمة وذي الوجهين.
والألفة أحد فرائض الدين، وأركان الشريعة ونظام شمل الإسلام، وفي بذل السلام لمن عرفت ولمن لم تعرف إخلاص العمل فيه لله تعالى، لا مصانعة ولا تملقًا لمن تعرف دون من لا تعرف، وجاء في الحديث: "أن السلام آخر الزمان يكون معرفة" وفيه مع ذلك استعمال خُلُق التواضع وإفشاء شعار هذه الأمة من لفظ السلام، ومن قوله "أفشوا السلام بينكم" وقوله "تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" أي تسلم، قال أبو حاتم: تقول قرأ ﵇، وأقرأه الكتاب ولا تقول أقرأه السلام إلا في لغة رديئة، إلا أن يكون مكتوبًا فتقول: أقرأه السلام أي جعله يقرأه.
وهذا الحديث استدل به على الجزء الأول من الترجمة، واستدل على الجزء الثاني منها بما سيأتي، والحق أن الحديثين مختلفان، وإن كان الصحابي الذي روى واحدًا بدليل اختلاف السؤال والجواب فيهما كما مر عن القرطبي، فإنه ﷺ أجاب كلًّا من السائلين بما رآه أنفع له وأخص به، فقد يكون ظهر من أحدهما كبر وانبساط وانقباض عن الناس فأجابه بإطعام الطعام وإفشاء السلام، وظهر من الآخر قلة
стр. 899
٦٩ - (٣٩) وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ،
ــ
مراعاة ليده ولسانه فأجابه بالجواب الآخر، أو يكون ﷺ تخوف عليهما ذلك، أو كانت الحاجة في وقت سؤال كل منهما للعامة أمسَّ بما جاوب به، وأجاب القائلون باتحاد الحديثين لاتحاد السائل بأن اختلاف الجواب لاختلاف أشخاص الحاضرين وأحوالهم والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف الحديث الثاني لعبد الله بن عمرو الذي استدل به على الجزء الثاني من الترجمة فقال رحمه الله تعالى:
(٦٩) - س (٣٩) (وحدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح المصري) القرشي الأموي مولاهم روى عن عبد الله بن وهب في الإيمان وغيره وابن عيينة والوليد بن مسلم ووكيع وابن القاسم والشافعي وخلق، ويروي عنه (م د س ق) والساجي وابن أبي داود وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٥٥) خمس وخمسين ومائتين، قال أبو الطاهر (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري، روى عن يونس بن يزيد وعمرو بن الحارث وغيرهما، ويروي عنه (ع) وأبو الطاهر وحرملة بن يحيى وأحمد بن عيسى التستري وهارون وغيرهم، ثقة حافظ من التاسعة، مات سنة (١٩٧) سبع وتسعين ومائة، قال النواوي: أما عبد الله بن وهب فعلمه وورعه وزهده وحفظه وإتقانه وكثرة حديثه واعتماد أهل مصر عليه، وإخبارهم بأن حديث أهل مصر وما والاها يدور عليه فكله أمر معروف مشهور في كتب أئمة هذا الفن، وقد بلغنا عن مالك بن أنس رحمه الله تعالى أنه لم يكتب إلى أحد وعنونه بالفقه إلا إلى ابن وهب رحمه الله تعالى، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم أبي أمية المصري الفقيه المقرئ، أحد الأئمة الأعلام، روى عن يزيد بن أبي حبيب وجعفر بن ربيعة وأبي يونس وبكر بن سوادة وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابن وهب وبكر بن مضر والليث ومالك وخلق، وثقه ابن معين، وقال ابن وهب لو بقي لنا عمرو ما احتجنا إلى مالك، وقال أيضًا: سمعت من ثلاثمائة وسبعين شيخًا فما رأيت أحفظ من عمرو بن الحارث، وقال في التقريب: ثقة حافظ فقيه من السابعة، مات سنة (١٤٨) ثمان وأربعين
стр. 900
عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيرِ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيرٌ؟ قَال: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ"
ــ
ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في أربعة مواضع والجنائز في موضعين والصوم في موضعين والحج والنكاح والجهاد والبيوع والأشربة والنذور والأحكام والدعاء، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن يزيد بن أبي حبيب) الأزدي أبي رجاء المصري، ثقة فقيه من الخامسة، مات سنة (١٢٨) ثمان وعشرين ومائة (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله اليزني المصري، ثقة فقيه من الثالثة، مات سنة (٩٠) تسعين (أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص) القرشي أبا محمد المصري، وهذا السند من سداسياته، قال النواوي: وهذا السند والذي قبله رجالهما كلهم مصريون أئمة أجلة، وهذا من عزيز الأسانيد في مسلم، بل في غيره، فإن اتفاق جميع الرواة في كونهم مصريين في غاية القلة، ويزداد قلة باعتبار الجلالة والفضيلة والعلم فيهم، والله أعلم.
تنبيه: وقولهم (بن العاص) يكتب آخره بلا ياء إن كان من عاصَ يَعيصُ على زنة باع بمعنى تكبر وتجبر، وبياء في آخره إن كان من عصى يعصي على وزن رمى يرمي بمعنى أذنب لأنه في الأول أجوف يائي، وفي الثاني ناقص يائي والكل محتمل، والأكثر عندهم كتابته بلا ياء.
حالة كون عبد الله بن عمرو (يقول: إن رجلًا سأل رسول الله ﷺ أيُّ المسلمين) أي أيُّ آحاد المسلمين وأفرادهم، قال الأبي: هو سؤال عن الآحاد، وفي الحديث الأول سؤال عن الخصال، ولذا افترق الجواب (خير) أي أفضل درجة عند الله تعالى وأكثر سلامة من الآفات في الدنيا والآخرة (قال) رسول الله ﷺ مجيبًا له خيرهم وأفضلهم درجة عند الله تعالى (من سلم) خبر لمحذوف كما قدرناه، أي من سلم ونجا (المسلمون من) إذاية (لسانه) سبًا وشتمًا وقذفًا وسخرية وزورًا وغيبة ونميمة مثلًا (و) بطش (يده) ضربًا وقتلًا وغيرهما، قال الأبي: فهو من باب ضَرَبْتُه الظهر والبطن، أي في الظهر والبطن، قال القاضي عياض: فهو من جوامع كلمه ﷺ ومحاسنه، وخص هاتين الجارحتين لأنهما أظهر الجوارح في الكسب ولا يدل
стр. 901
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على أن من ليس بهذه الصفة غير مسلم لأن المعنى على التفضيل لا على الحصر، كما يقال: الناس العرب، والمال الإبل، فالمراد حصر الكمال، أي الكامل الإسلام، والجامع خصاله من لم يؤذ مسلمًا بقول ولا فعل إذ أكثر الأفعال تزاول بالأيدي، فأضيفت عامتها إليها، ولا يفهم من هذا أن من ليس بهذه الصفة ليس بمسلم والله أعلم.
وقد تقدم في الحديث الأول جواب آخر دل على أنه ﷺ أجاب كل واحد من السائلين بما رآه أنفع له وأخص به، وقد يكون ظهر من أحدهما كبر وإمساك وانقباض من الناس، فأجابه بما في الحديث الأول من إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وظهر من الآخر قلة مراعاة ليده ولسانه فأجابه بالجواب الآخر، أو يكون ﷺ تخوف عليهما ذلك، أو كانت الحاجة في وقت سؤال كل واحد منهما للعامة أمسَّ بما جاوب به كما مر اهـ ع.
قال القرطبي: وجمع في الحديث الأول في جواب السائل بين الإطعام والإفشاء لاجتماعهما في استلزام المحبة الدينية، والألفة الإسلامية، كما قال ﷺ : "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم" رواه أحمد ومسلم من حديث أبي هريرة، وفيه دليل على أن السلام لا يُقصر على من يعرِفُ بل على المسلمين عامة لأنه كما قال ﷺ : "السلام شعارٌ لملتنا وأمان لذمتنا" رواه ابن الجوزي في الموضوعات والطبراني في الصغير والكبير، ورد السلام أوكد من ابتدائه، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى في كتاب السلام بأبسط مما هنا وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث على اختلاف روايته البخاري (١٢) وأبو داود (٥١٩٤) والنسائي (٨/ ١٠٧) وابن ماجه (٣٢٥٣).
قال النواوي: وفي هذه الأحاديث فوائد من العلم ففيها الحث على الإطعام والجود والاعتناء بنفع المسلمين، والكف عما يؤذيهم بقول أو فعل، بمباشرة أو تسبب، وعن احتقارهم والحث على تآلف قلوب المؤمنين، واجتماع كلمتهم وتوادهم واستجلاب ما يحصل ذلك اهـ وقال بعضهم: وفي اختلاف الجواب عن السؤال الواحد على القول به دليل على أن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأعراف حتى في الفتاوى كما ذكره المتأخرون من أنها إذا كانت مبنية على العرف ينبغي أن تتنوع
стр. 902
٧٠ - (٤٠) حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَاصِمٍ،
ــ
بتنوعه، ولا يوقف فيها مع نصوص المتقدمين التي بنوها على عرفهم المنقضي، وكذا ينبغي للواعظين أن ينوعوا الوعظ بحسب ما تدعوا الحاجة إليه، ويؤخذ أيضًا من اختلاف الجواب لاختلاف الأحوال: وجوب تعليم الإمام أو المُذكر للناس ما جهلوه وتذكيرهم ما نسوه، وتحريضهم على مهم أهملوه، قالوا: ولهذا جرت عوائد خطباء المشرق وقدماء الأندلس بتنويع الخطيب بحسب الحاجة الوقتية للتنبيه على ما يفعل الناس لذلك، فيحصل للسامعين أعظم منفعة، وأكبر فائدة، وأهمل هذا أهل الغرب، بل طالما أنكره وانتقده من ينتمي منهم للعلم، ولو علم هذا ما اشتملت عليه خطبه ﷺ ، وخطب خلفائه ﵃ وأئمة الصدر الأول من ذلك، لما أنكره وهي طريقة مشهورة عن السلف اهـ من السنوسي.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى للحديث الثاني من حديثي عبد الله بن عمرو بحديث جابر ﵃ فقال:
(٧٠) - ش (٤٠) (حدثنا حسن) بن علي بن محمد بن علي الهذلي "نسبة إلى هذيل بن مدركة" أبو علي الخلال (الحلواني) الريحاني المكي الحافظ، روى عن أبي عاصم وابن أبي مريم وعبد الصمد وعبد الرزاق وغيرهم، ويروي عنه (خ م د ت ق) ومحمد بن إسحاق السراج، ثقة حافظ له تصانيف من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٢) اثنتين وأربعين ومائتين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (عبد بن حميد) بن نصر الكَسِّي "نسبة إلى كس مدينة فيما وراء النهر" أبو محمد الحافظ، ويقال له عبد الحميد، روى عن أبي عاصم وعبد الرزاق وأبي عامر العقدي وغيرهم، ويروي عنه (م ت) وابن خزيمة الشاشي، ثقة حافظ من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٩) تسع وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، وأكد بقوله (جميعًا) أي كل من حسن وعبد بن حميد إشارة إلى شكه في انحصار من روى له عن أبي عاصم في هذين أي حالة كونهما مجتمعين في الرواية لي (عن أبي عاصم) الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني أبي عاصم النبيل الحافظ البصري، روى عن ابن جريج وحيوة بن شريح وحنظلة بن أبي سفيان وغيرهم، ويروي عنه (ع) وعبد بن حميد وحسن الحلواني وأبو غسان المسمعي وخلق، ثقة ثبت من التاسعة، مات
стр. 903
قَال عَبْدٌ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ"
ــ
سنة (٢١٢) اثنتي عشرة ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا، وأتى بجملة قوله (قال عبد أنبأنا أبو عاصم) تحرزًا من الكذب على شيخه عبد بن حميد بتصريح صيغة روايته لأنه لو لم يأت بها لأوهم أن عبد بن حميد روى عن أبي عاصم بصيغة العنعنة لا بصيغة السماع، ونظائر هذا كثير في جامعه رحمه الله تعالى.
(عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي مولاهم المكي، أبي الوليد روى عن أبي الزبير والزهري وسليمان الأحول وخلق، ويروي عنه (ع) وأبو عاصم النبيل وعبد الرزاق وروح بن عُبادة وعِدة، ثقة فقيه، وكان يدلس ويرسل من السادسة، مات سنة (١٥٠) خمسين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا (أنه) أي أن ابن جريج (سمع أبا الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس القرشي مولاهم روى عن جابر وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير وطاوس وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابن جريج والثوري وقرة بن خالد وأيوب السختياني وابن عيينة وخلائق صدوق إلا أنه يدلس من الرابعة مات سنة (١٢٦) ست وعشرين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة أبواب تقريبًا حالة كون أبي الزبير (يقول سمعت جابرًا) ابن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي المدني الصحابي الجليل أبا عبد الله، يروي عنه (ع) وطاوس وأبو الزبير وعطاء وغيرهم، مات سنة (٧٨) ثمان وسبعين عن أربع وتسعين (٩٤) سنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا.
وهذا السند من خماسياته، ورجاله ثلاثة منهم مكيون وواحد بصري وواحد مدني.
حالة كون جابر (يقول سمعت النبي ﷺ يقول المسلم) الكامل والمؤمن الفاضل (من سلم) ونجا (المسلمون) ومن في حكمهم كالذميين (من) إذاية (لسانه و) بطش (يده) والمعنى والمسلم الكامل هو من لم يؤذ مسلمًا بقول ولا فعل، وخص اليد من الجوارح لأن معظم الأفعال تُزَاوَلُ بها.
قال السنوسي: وحمله على ظاهره من غير تقدير لا يصح فلا بد من تقدير
стр. 904
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
معطوفات ثلاثة واحد على المسلمين والثاني على مسلم والثالث على لسانه ويده والتقدير المسلم الكامل والمؤمن الصادق من سلم المسلمون ومن في حكمهم من يده ولسانه وجميع أعضائه مما يمكن أن يؤذى به حتى قلبه فإنه منهي عن الحقد والحسد للمسلمين، والبغض والغيبة بالقلب والتلذذ بتصور معايبهم واستجلاب حديث النفس والسرور بها وإضمار الشر لهم وما يناسب ذلك من صفات القلب، أي وكان متصفًا بما لا بد منه في تحقيق أصل الإسلام من التصديق والشهادتين ونحوهما، وهذا هو المعطوف الثالث على مسلم.
وفي الحديث أيضًا (إن قيل) بظاهره أن الإذاية المحذورة تختص بالمسلم، فلا حجر في إذاية الكافر ذميًّا أو غيره، ولا في إذاية الحيوان البهيمي (قلت) الحديث خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وقال بعضهم: وجمع جمع المذكر في المسلمين تغليبًا، لأن المسلمات كذلك وخص اللسان لأنه معبر عما في النفس، واليد لأن أكثر الأفعال بها، والمسلمون بالنسبة إلى إذاية اللسان أعم منهم بالنسبة إلى إذاية اليد لأن اللسان يقول في ماضيهم، ومن يأتي ومن في الحال بخلاف اليد، وقد تشاركه اليد الكاتبة في ذلك، وإن إذاية الكتب لعظيمة، ونكتة ذكر اللسان دون القلب ليتناول المستهزئ، قال بعضهم: متممًا له لعله يشير إلى ما جاء في الحديث: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا يهوي بها في قعر جهنم" الحديث، وقال بعضهم: ورمز بتقديم اللسان إلى معنى قوله ﷺ لحسَّان "هَجوك المشركين أشق عليهم من رشق النبل".
وعبارة المفهم هنا قوله "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" أي من كانت هذه حاله كان أحق بهذا الاسم وأمكنهم فيه، ويبين ذلك أنه لا ينتهي الإنسان إلى هذا حتى يتمكن خوف عقاب الله تعالى من قلبه، ورجاء ثوابه فيكسبه ذلك ورعًا يحمله على ضبط لسانه ويده، فلا يتكلم إلا بما يعنيه، ولا يفعل إلا ما يسلم فيه ومن كان كذلك فهو المسلم الكامل والمتقي الفاضل، ويقرب من هذا المعنى بل يزيد عليه قوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" متفق عليه، إذ معناه أنه لا يتم إيمان أحد الإيمان التام الكامل حتى يضم إلى سلامة الناس منه إرادته الخير لهم والنصح لجميعهم فيما يحاوله معهم، ويستفاد من حديث الباب أن الأصل في الحقوق النفسية والمالية المنع، فلا يحل شيء منها إلا بوجه شرعي، والله أعلم اهـ.
стр. 905
٧١ - (٤١) وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَويُّ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ،
ــ
وحديث جابر هذا انفرد به المؤلف عن أصحاب الأمهات في روايته.
وغرضه بسوقه الاستشهاد به للحديث الثاني من حديثي عبد الله بن عمرو في الدلالة على الجزء الأخير من الترجمة، ثم استشهد له ثانيًا بحديث أبي موسى الأشعري فقال:
(٧١) - ش (٤١) (وحدثني سعيد بن يحيى بن سعيد) بن أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي (الأموي) بضم الهمزة وفتح الميم أبو عثمان البغدادي، روى عن أبيه وابن المبارك وعيسى بن يونس، ويروي عنه (خ م د ت س) وابن صاعد والمحاملي، وثقه النسائي، وقال في التقريب: ثقة ربما أخطأ من العاشرة، مات في نصف ذي القعدة سنة (٢٤٩) تسع وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة والحج والأطعمة والفضائل في ستة أبواب تقريبًا (قال) سعيد (حدثني أبي) يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي أبو أيوب الكوفي، روى عن أبي بردة بُريد بن عبد الله وعثمان بن حكيم وطلحة بن يحيى وابن جريج ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابنه سعيد بن يحيى وداود بن رشيد وأحمد وإسحاق وابن معين وعلي بن حُجْرٍ وعِدة، وثقه ابن معين والدارقطني والنسائي، وقال في التقريب: صدوق يُغرب من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٤) أربع وتسعين ومائة، وله (٨٠) ثمانون سنة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في موضعين والحج في موضعين والطب والفضائل وصفة الجنة والأطعمة في ثمانية أبواب تقريبًا.
قال يحيى بن سعيد (حدثنا أبو بردة) الصغير بريد (بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى) الأشعري الكوفي، روى عن جده أبي بردة في مواضع من الإيمان وغيره والحسن وعطاء، ويروي عنه (ع) ويحيى بن سعيد الأموي وأبو أسامة وأبو معاوية وعبد الله بن إدريس وابن المبارك وعلي بن مسهر والسفيانان، وثقه العجلي والنسائي وابن معين وابن عدي، وقال في التقريب: ثقة يخطئ قليلًا من السادسة، روى عنه المؤلف في الإيمان وغيره.
(عن) جده (أبي بردة) الكبير عامر بن أبي موسى الأشعري الفقيه الكوفي، وقيل:
стр. 906
عَنْ أَبِي مُوسَى قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيُّ الإِسْلامِ أَفْضَلُ؟ قَال: "مَن سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ"
ــ
اسمه الحارث، وقيل: اسمه كنيته، روى عن أبيه وعليٍّ وعبد الله بن سلام وعائشة وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأولاده سعيد وبلال وعبد الله ويوسف والشعبي وثابت وحُميد بن هلال وخلائق، وثقه ابن سعد وابن خراش، ثقة من الثالثة، مات سنة (١٠٤) أربع ومائة، وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس بن سُليم مصغرًا بن حضَّار بفتح الحاء المهملة وتشديد الضاد المعجمة بن حرب بن عامر بن عَنْز بن بكر بن عامر بن عدي بن وائل بن ناجية بن الجماهر الأشعر، الأشعري الكوفي حليف آل عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، قدم مكة فأسلم وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مع أهل السفينتين على رسول الله ﷺ بعد فتح خيبر بثلاث، فقسم لهم النبي ﷺ ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرهم، ولي البصرة لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وله بها فتوح، وولي الكوفة وله بها دار إلى جانب المسجد، وولد له، ومات بالكوفة، روى عن النبي ﷺ وعن عائشة في الوضوء، وعمار في الوضوء، وعمر في الجنائز والحج، ويروي عنه (ع) وابنه أبو بردة وامرأته وصفوان بن محرز وربعي بن حراش وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وأبو وائل وحِطان بن عبد الله وأنس بن مالك وخلائق، له ثلائمائة وستون حديثًا (٣٦٠) اتفقا على خمسين وانفرد (خ) بأربعة و (م) بخمسة وعشرين، قال أبو نعيم: مات أبو موسى الأشعري في سنة (٤٤) أربع وأربعين وهو ابن (٦٦) ست وستين سنة وقيل ابن (٦٣) ثلاث وستين، ويقال: إنه مات سنة (٥٢) اثنتين وخمسين، وقيل سنة (٥٠) خمسين، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان في موضعين وفي الوضوء في موضعين وفي الصلاة في موضعين والجنائز والزكاة والصوم والحج في موضعين وفي الاستئذان، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها ثمانية أبواب تقريبًا.
وهذا السند من خماسياته ورجاله كلهم كوفيون إلا سعيد بن يحيى فإنه بغدادي.
(قال) أبو موسى (قلت: يا رسول الله أي) آحاد أهل (الإسلام أفضل) على غيره، أي أعظم درجة عند الله تعالى، وأكثر أجرًا في الآخرة، وأمدح أخلاقًا في الدنيا (قال) رسول الله ﷺ مجيبًا لأبي موسى ﵁ أفضلهم (من سلم) ونجا (المسلمون) ومن أُلْحِقَ بهم (من) إذاية (لسانه و) ضرر (يده) وسائر جوارحه ظاهرًا
стр. 907
٧٢ - (٠٠) وحَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَال: حَدَّثَنِي بُرَيدُ بْنُ
ــ
وباطنًا، مباشرة وتسببًا في حياتهم وبعد مماتهم، وغرضه بسوق هذا الحديث حديث أبي موسى الاستشهاد لحديث عبد الله بن عمرو وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته البخاري في كتاب الإيمان، والترمذي في الزهد، والنسائي في الإيمان، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي موسى الأشعري فقال:
٧٢ - متا (٠٠) (وحدثنيه) أي وحدثني هذا الحديث المذكور يعني حديث أبي موسى الأشعري (إبراهيم بن سعيد الجوهري) الطبري أبو إسحاق البغدادي الحافظ صاحب المسند سكن عين رزبة مرابطًا روى عن أبي أسامة حماد بن أسامة وابن عيينة وعبد الوهاب الثقفي ووكيع وخلق ويروي عنه (م عم) وثقه النسائي والخطيب وابن صاعد وغيرهم، وله في مسلم حديث واحد وهو ما هنا، أو حديثان ثانيهما في الجهاد كلاهما عن أبي أسامة، وقال مسلم في دلائل النبوة: وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد حدثنا أبو أسامة، فجملة الأبواب التي روى عنه مسلم فيها ثلاثة الإيمان والجهاد ودلائل النبوة، وقال في التقريب: ثقة حافظ تُكلم فيه بلا حجة من العاشرة، مات سنة (٢٤٩) تسع وأربعين ومائتين، وقيل: بعد الخمسين.
قال إبراهيم (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي مولاهم الحافظ الكوفي، مشهور بكنيته، يروي عنه (ع) وإبراهيم بن سعيد الجوهري وأبو كريب وابن أبي شيبة وعبد الله بن براد الأشعري وإسحاق الحنظلي وهارون بن عبد الله وخلق، وروى هو عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة وهشام بن عروة والأعمش وإسماعيل بن أبي خالد والوليد بن كثير ومالك بن مغول ومسعر وزكرياء بن أبي زائدة وخلائق، وقال في التقريب: ثقة ثبت ربما دلس، وكان بآخره يُحدث عن كتب غيره، من كبار التاسعة، مات سنة (٢٠١) إحدى ومائتين، وهو ابن (٨٠) ثمانين سنة.
روى عنه المؤلف في الإيمان في موضعين والوضوء والصلاة في ستة مواضع والجنائز والزكاة في أربعة مواضع والصوم في أربعة مواضع والأطعمة في موضعين والطب في موضعين والنكاح والحدود والضحايا والفتن والفضائل والقدر، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها سبعة عشر بابًا تقريبًا (قال) أبو أسامة (حدثني بريد بن
стр. 908
عَبْدِ اللهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَال سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟ ... ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ
ــ
عبد الله) بن أبي بردة، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بقوله حدثنا أبو أسامة، واسم الإشارة راجع إلى ما بعد شيخ المتابع، يعني عن أبي بُردة عن أبي موسى (قال) أبو موسى الأشعري (سئل رسول الله ﷺ أي) آحاد (المسلمين أفضل) أي أعظم وأرفع درجة عند الله تعالى، قوله (فذكر مثله) معطوف على قوله حدثنا أبو أسامة والضمير في مثله عائد إلى يحيى بن سعيد الأموي، لأنه المتابع كما هو القاعدة في اصطلاحات الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
والمعنى حدثنا أبو أسامة بهذا الإسناد هذا الحديث الذي رواه أبو موسى فذكر أبو أسامة مثل حديث يحيى بن سعيد الأموي لفظًا ومعنى، إلا في قوله: أي المسلمين فإن يحيى قال فيه: أي الإسلام، وهذا السند أيضًا من خماسياته ورجاله كلهم كوفيون إلا إبراهيم بن سعيد فإنه بغدادي، وغرض المؤلف بسوق هذا السند بيان متابعة أبي أسامة ليحيى بن سعيد الأموي في رواية هذا الحديث عن بريد بن عبد الله، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأن المتابعين ثقتان مع بيان اختلافهما في لفظة أيُّ الإسلام وأي المسلمين والله أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث أربعة، حديثان لعبد الله بن عمرو بن العاص ذكرهما استدلالًا بهما على جزأي الترجمة، والثالث حديث جابر بن عبد الله والرابع حديث أبي موسى الأشعري، وذكرهما استشهادًا بهما لحديثي عبد الله بن عمرو، وذكر في حديث أبي موسى المتابعة، والله أعلم.
***
стр. 909
٢٠ - بَابُ بَيَان الخِصَالِ الَّتِي يَجِدُ بِهِنَّ المَرْءُ حَلاوَةَ الإِيمَانِ
٧٣ - (٤٢) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِيِّ،
ــ
٢٠ - بَابُ بَيَان الخِصَالِ الَّتِي يَجِدُ بِهِنَّ المَرْءُ حَلاوَةَ الإِيمَانِ
أي هذا باب معقود في بيان الصفات التي يجد المرء باتصافه بهن حلاوة الإيمان أي انشراحه في صدره وانبساطه في قلبه يعني استلذه واستطابه وأخذ بمجامع قلبه حتى يود أن لا يفارقه ولو في قدر نفس كأحب الأشياء عنده.
وترجم القاضي عياض وكذا النواوي وأكثر المتون لحديث أنس الآتي بقولهم: (باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان) ففي هذه الترجمة ركاكة من حيث المعنى والإعراب، وترجم له الأبي بقوله: (باب محبة الله تعالى والحب في الله) وترجم له السنوسي بقوله (باب منه) فأدخله في الباب الذي قبله، وترجم له القرطبي بقوله (باب من يذوق طعم الإيمان وحلاوته) فجمعه مع حديث العباس بن عبد المطلب في ترجمة واحدة كما مر والله أعلم.
(٧٣) - س (٤٢) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد الحنظلي أبو يعقوب المروزي المعروف بابن راهويه، روى عن عبد الوهاب الثقفي، ويروي عنه (خ م د ت س) ثقة حافظ مجتهد من العاشرة، مات سنة (٢٣٨) ثمان وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد وعشرين بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (محمد بن يحيى بن أبي عمر) العدني أبو عبد الله المكي، وثقه ابن حبان، وقال في التقريب: صدوق، وقال أبو حاتم: كانت فيه غفلة، من العاشرة، مات سنة (٢٤٣) ثلاث وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (محمد بن بشار) بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي أبو بكر البصري الملقب ببندار، من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومائتين، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، وقوله (جميعًا) تأكيد للثلاثة أكد به دون كلهم إشارة إلى أنه شاك في انحصار من روى له عن الثقفي في هذه الثلاثة، أي حدثوني (عن) عبد الوهاب بن عبد المجيد (الثقفي) حالة كونهم مجتمعين في روايتهم لي عن الثقفي وأما الثقفي فهو عبد الوهاب بن
стр. 910
قَال ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ،
ــ
عبد المجيد بن الصلت بن عبيد الله بن الحكم بن أبي العاص بن بشر بن عبيد بن دُهمان بن عبد الله بن همام بن أبان بن يسار بن مالك بن حطيط بن جُشَم بن قَسِيّ بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان الثقفي أبو محمد البصري، وثقيف هو قَسِيّ بن منبه روى عن أيوب السختياني وداود بن أبي هند ويحيى بن سعيد وخالد الحذاء وجعفر بن محمد وغيرهم، ويروي عنه (ع) وإسحاق بن راهويه ومحمد بن أبي عمر ومحمد بن بشار ومحمد بن المثنى وعبيد الله القواريري ويحيى بن حبيب الحارثي وخلق، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين من الثامنة، مات سنة (١٩٤) أربع وتسعين ومائة، وله (٨٤) أربع وثمانون سنة، وولد سنة (١١٠) عشر ومائة.
روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في ثلاثة مواضح والحج في موضعين والأشربة في موضعين والفتن، فجملة ما روى عنه فيه ستة أبواب تقريبًا، وأتى بجملة قوله (قال ابن أبي عمر حدثنا عبد الوهاب) تورعًا من الكذب على ابن عمر، لأنه لو لم يأت بها لأوهم أنه رواه عنه بصيغة العنعنة كغيره، مع أنه صرح بالسماع، وأنه ذكر فيه النسبة مع أنه صرح باسمه وهذا علامة على شدة تورعه وإتقانه.
(عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني أبي بكر البصري الفقيه، أحد الأئمة الأعلام، روى عن أبي قلابة ومحمد بن سيرين وأبي الزبير وعمرو بن دينار ونافع وأبي العالية وعطاء بن أبي رباح وخلق، ويروي عنه عبد الوهاب الثقفي وحماد بن سلمة وخلائق، قال ابن عيينة: ما لقيت مثله في التابعين، وقال ابن سعد كان ثقة ثبتًا حجة جامعًا كثير العلم من كبار الفقهاء العباد، ولد سنة (٦٦) ست وستين، من الخامسة، مات سنة (١٣١) إحدى وثلاثين ومائة.
روى عنه المؤلف في الإيمان في موضعين والوضوء والصلاة في ستة مواضع والجنائز في موضعين والزكاة والصوم في ثلاثة مواضع والحج في ستة مواضع والنكاح والبيوع في خمسة مواضع واللعان في موضعين والطلاق والوصايا والجهاد في موضعين والفضائل في موضعين واللباس والدعاء في موضعين والفتن، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعة عشر بابًا تقريبًا (عن أبي قلابة) بكسر القاف، عبد الله بن زيد بن عمرو بن عامر الأزدي الجرمي بفتح الجيم البصري من عُباد أهل البصرة وزهادهم، نزل
стр. 911
عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ
ــ
الشام ومات بها، روى عن أنس بن مالك وثابت بن الضحاك ومعاذة ومالك بن الحويرث وأبي المهلب وخلق، وبروي عنه (ع) وأيوب ويحيى بن كثير وخالد الحذاء وأبو رجاء مولاه وعاصم الأحول وقتادة وعِدة، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال في التقريب: ثقة فاضل كثير الإرسال، من الثالثة، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة (١٠٤) أربع ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة والجنائز في موضعين والزكاة والحج في موضعين والنكاح والبيوع والجهاد والإيمان فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أحد عشر بابًا تقريبًا (عن أنس) بن مالك بن النضر خادم رسول الله ﷺ الأنصاري الخزرجي النجاري البصري، روى عن النبي ﷺ وعن جماعة من الصحابة له ألف ومائتا حديث وستة وثمانون حديثًا (١٢٨٦) ويروي عنه (ع) وأبو قلابة وقتادة وثابت والحسن وحُميد الطويل وخلق لا يحصون، مات بالبصرة سنة (٩١) أحد وتسعين، وقيل (٩٢) وقيل (٩٣) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا.
وهذا السند من خماسياته ورجاله كلهم بصريون إلا إسحاق بن إبراهيم فإنه مروزي ومحمد بن أبي عمر فإنه مكي أو عدني (عن النبي ﷺ قال) أي رسول الله ﷺ (ثلاث) أي خصالٌ ثلاثٌ، فثلاث خلف عن موصوف محذوف، وهو المسوغ للابتداء بها نحو قولهم (مؤمن خير من مشرك) أي رجل مؤمن، وقولهم (ضعيف عاذ بقرملة) أي إنسان ضعيف والقرملة شجرة ضعيفة، ويحتمل أن يكون المسوغ الإبهام، لكونه للتعظيم كما التعجبية، وقولِهم (شرٌّ أهرَّ ذا ناب) على قول، وقال بعضهم المسوغ تخصصه بمضاف إليه محذوف أي ثلاث خصال ورُدَّ بأنه إنما يحسن ذلك لو لم يُنون ثلاث لنية المضاف إليه مع قلته جدًّا في مثل هذا لفقد شرطه وجملة (من كن فيه) أي من وُجدن تلك الثلاث وغلبن فيه خبر المبتدأ، والظاهر أن من شرطية، مبتدأ ثان خبرها الشرط أو الجواب أو هما على الخلاف المذكور في محله ويحتمل كونها موصولة، وكان تامة بمعنى وُجد وحصل، والمراد بكونها فيه غلبتها عليه لأن به يتضح دلالتها وخُصت الثلاث بالذكر لأنها أعمال قلب لا يعرض لها الرياء، وإلا فقد قال ﷺ : "الصدقة برهان" وكانت أدلة على حلاوة الإيمان لأنها مسببات عنه
стр. 912
وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ:
ــ
ووجود المسبب يدل على وجود السبب، والثلاث متلازمة، فلا يوجد بعضها منفكًا عن الآخر حتى يُسأل عن مفهوم العدد، فيقال فمن وجدت فيه واحدة منهن (وجد) أي ذاق (بهن) أي بسبب وُجدانهن فيه (حلاوة الإيمان) ولذته، قال بعضهم فمعنى ذوقه حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضي الله تعالى ورضا رسوله ﷺ ، قال القاضي عياض: هو من معنى ذاق طعم الإيمان، لأن الثلاث لا توجد إلا ممن صح إيمانه وانشرح به صدره، فمعنى (وجد بهن حلاوة الإيمان) أي وجد الإيمان بسببهن لذيذًا في قلبه منشرحًا في صدره، مستطابًا له حتى لا يود أن يفارقه قدر لمحة، كأحب الأشياء عنده.
وعبارة المفهم هنا: وإنما خص الثلاث بهذا المعنى لأنها لا توجد إلا ممن تنور قلبه بأنوار الإيمان واليقين، وانكشفت له محاسن تلك الأمور التي أوجبت له تلك المحبة التي هي حال العارفين.
قال الأبي: حلاوة الإيمان استعارة، شبه انشراح الصدر به بشيء ذي حلاوة، فهو لوجوده يستعذب الطاعة ويتحمل المشاق، فعن عتبة الغلام: كابدت الصلاة عشرين سنة ثم استمتعت بها بقية عمري، وعن الجنيد: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهوفي لهوهم، وعن ابن أدهم: والله إنا لفي لذة لو علمها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف اهـ.
قال السنوسي: والتحقيق في بيان الاستعارة أن يقال: شبه ميل القلب إلى الإيمان للرغبة فيه بميله للخلق، فيكون من تشبيه معقول بمعقول، فاستعير له اسمه، والجامع عقلي، وقد يقال: إنه من استعارة محسوس لمحسوس والجامع حسي، أو من استعارة معقول لمحسوس، والجامع محتمل، ويحتمل أن تكون استعارة ترشيحية لقرنها بما يلائم المستعار منه وهو الحلاوة نحو قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ والأظهر أنها استعارة بالكناية، أضمر تشبيه الإيمان بشيء حلو وأضيف إليه لازم من لوازمه وهو الحلاوة على سبيل التخييل اهـ.
وعبارة إكمال المعلم "قوله ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان" هذا الحديث هو بمعنى الحديث المتقدم "ذاق طعم الإيمان" وذلك أنه لا تتضح محبة الله ورسوله حقيقة، والحب للغير في الله وكراهة الرجوع إلى الكفر إلا لمن قوي بالإيمان يقينه، واطمأنت به
стр. 913
مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا،
ــ
نفسه وانشرح له صدره وخالط دمه ولحمه وهذا هو الذي وجد حلاوة الإيمان اهـ.
ثم فصل تلك الثلاث فقال (من كان الله) (ورسوله) ﷺ (أحب إليه) أي أكثر محبوبية لديه (مما سواهما) من جميع الموجودات حتى على نفسه وولده ووالديه والظاهر أن من في قوله "من كان الله" وأن وما في حيزها في قوله "وأن يحب المرء" وفي قوله "وأن يكره" أنها أخبار لمبتدأ محذوف، أي هي أو أحدها وثانيها وثالثها أو مبتدءات، والخبر محذوف، أي منها ويضعف كونها أبدالًا من ثلاث بدل تفصيل من مجمل أو عطف بيانات، ويكون من كن فيه هو الخبر لما فيه من الفصل بين البدل والمبدل منه، وبين البيان والمبين بالخبر اهـ سنوسي.
والتقدير إحدى تلك الثلاث خصلة من كان الله سبحانه ورسوله ﷺ أحب عنده مما سواهما، وفي إكمال المعلم: ومعنى حب العبد لله سبحانه استقامته في طاعته والتزامه أوامره ونواهيه في كل شيء، ولذا قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب، فيحب ما أحب ويكره ما كره، فأصل المحبة هي ميل القلب إلى ما يوافقه، ويصح الميل إلى النبي ﷺ ، ويتنزه الله تعالى عن أن يميل أو يمال إليه، فمعنى محبة العبد ربه طاعته له، وللمتكلمين فيها أقوال يرجع جميعها إلى هذا والخلاف بينهم لفظي اهـ.
قال الأبي: الطاعة ثمرة المحبة، ولا يفسر الشيء بثمرته، ولا يمتنع تفسير محبة العبد لله تعالى بالميل حقيقية، والذي يتنزه الله سبحانه عنه إنما هو الميل إليه في الحس لإشعاره بالجهة والمكان وميل القلب إلى الشيء إشارة له، ولا يمتنع أن يتعلق ذلك به تعالى كما يتعلق به العلم الآن والرؤية في الآخرة اهـ.
قال القرطبي: (وقوله من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) دليل على جواز إضافة المحبة لله تعالى وإطلاقها عليه، ولا خلاف في إطلاق ذلك عليه محبًا ومحبوبًا كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وهو في السنة كثير.
قوله: (مما سواهما) ثنى الضمير هنا ورَدَّ على الخطيب قوله: (ومن يعصهما فقد غوى) فقال بئس خطيب القوم أنت، قل ومن يعص الله ورسوله، أجاب عز الدين بأن منصب الخطيب قابل للزلل، فتثنية الضمير توهم أنه سوى بينهما، وأجاب غيره: بأن
стр. 914
وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ،
ــ
كلامه ﷺ جملة واحدة فإيقاع الظاهر فيها موقع الضمير مرجوح، وكلام الخطيب جملتان، وأجاب شارح المصابيح: بأنه إيماء إلى أن المعتبر مجموع المحبتين، حتى لو انفردت إحداهما لم تُفد، وأمر بالإفراد في الآخر إعلامًا بأن إحدى المعصيتين كافية في الذم اهـ الأبي.
ولم يقل (ممن سواهما) تنبيهًا على حقارة ما سوى الله سبحانه ورسوله ﷺ ومن في معناه ممن يحب الله تعالى، وتنزيلًا له منزلة ما لا يعقل إذ ذاك أصل استعمال ما لأنه مثله في عدم القدرة على جلب المنافع ودفع المضار مطلقًا، ففي اللفظ إيماء إلى أنه ينبغي أن يقصر المؤمن حبه على مولانا جل وعز، وما كان لأجله، وما سواه هباء لا يجدي حبه شيئًا، وقال بعضهم إنما عبر بما دون من ليعم العاقل وغيره، لأنها أدخل في العموم، فيعم المخلوقات كلها ورُد بأنه إذا اختلط العاقل وغيره فهما سواء ولذا جاء ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وجاء ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ في كافية ابن مالك:
وعند الاختلاط خُيِّر من نطق ... في أن يجيء منهما بما اتفق
(و) ثانيها (أن يحب) الرجل (المرء) المؤمن حالة كونه (لا يحبه) أي لا يحب ذلك المرء (إلا لله) أي إلا لأجل دين الله تعالى، وأخوته، لا لغرض دنيوي، قال القاضي: من ثمرة حب الله تعالى الحبُّ فيه، فلا يحب العبد إلا لله تعالى لأن من أحب شيئًا أحب ما هو من سببه كما قال ﷺ : "من أحب العرب فبحبي أحبهم" يريد أن الحب في الله تعالى لا ينشأ إلا عن حب الله تعالى، ولا يمتنع أن يكتسب الحب في الله سبحانه باستحضار ما أعد الله تعالى للمتحابين فيه، وحسبك ما صح من قوله ﷺ "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" فذكر منهم رجلين تحابا في الله اهـ أبي.
ونص عبارة القاضي هنا: ومن محبته ومحبة رسوله التزام شريعته ووقوفه عند حدوده، ومحبة أهل ملته وهو تمام محبته فيحب العبد لا يحبه إلا لله، لأن من أحب شيئًا أحب ما يحبه ومن يحبه ومن هو من سببه، قال النبي ﷺ "من أحب العرب فبحبي أحبهم" رواه الطبراني في الكبير وابن عدي في الكامل عن عثمان بن
стр. 915
وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ"
ــ
عفان ولكنه واه لأنه من رواية حصين بن عمر الأحمسيِّ، قال البخاري فيه: منكر الحديث، وإذا حصل هذا بين المؤمنين حصلت منه الألفة الموجبة للتعاون على البر والتقوى والمودة في الدين والدنيا، والمحبة لله والبغض فيه من واجبات الإسلام، وهو قول مالك وغيره من أهل العلم انتهى.
وقال القرطبي: قوله (وأن يحب المرء) إلخ يعني بالمرء هنا المسلم المؤمن لأنه هو الذي يمكن أن يخلص لله تعالى في محبته، وأن يتقرب إلى الله تعالى باحترامه وحرمته، فإنه هو الموصوف بالأخوة الإيمانية، والمحبة الدينية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وكما قال تعالى ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وقد أفاد هذا الحديث أن محبة المؤمن الموصلة لحلاوة الإيمان لا بد أن تكون خالصة لله تعالى غير مشوبة بالأغراض الدنيوية، ولا بالحظوظ البشرية، فإن من أحبه لذلك انقطعت محبته إن حصل له ذلك الغرض، أو يئس من حصوله، ومحبة المؤمن وظيفة معينة على الدوام، وُجدت الأغراض أو عدمت، ولما كانت المحبة للأغراض هي الغالبة قل وجدان تلك الحلاوة، بل قد انعدم لا سيما في هذه الأزمان التي قد انمحى فيها أكثر رسوم الإيمان والشريعة، وغلب عليها صداقة النصارى، والرسوم النظامية، وبالجملة فمحبة المؤمنين من العبادات التي لا بد فيها من الإخلاص في حسن النيات اهـ.
(و) ثالثها (أن يكره) ويسخط (أن يعود) ويرجع ويصير (في) ملة (الكفر) والضلالة (بعد أن أنقذه الله) وأخرجه بسبب الإيمان (منه) أي من ذلك الكفر الخبيث (كما يكره) صفة لمصدر محذوف، أي وأن يكره عوده في الكفر بعد إخراج الله إياه منه كراهة مثل كراهته (أن يقذف) ويرمى (في النار) الأخروية أو مطلقًا، قال القرطبي: معنى يُقذف يُرمى، والقذف الرمي، وهذه الكراهة موجبة لما انكشف للمؤمن من محاسن الإسلام، ولما دخل قلبه من نور الإيمان، ولما خلصه الله من رذائل الجهالات وقبح الكفران.
قال النواوي: وعاد هنا بمعنى صار لأن مجيء عاد ورجع بمعنى صار كثير في كلامهم، قال القاضي: وسبب محبة الشيء كونه حسنًا في الحس، كالصورة الجميلة