Полный текст (11 982 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.
стр. 8576
بِهذَا الإِسْنَادِ.
٤٩٧٩ - (٠) (٠) وحدَّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا أبُو مُسْهِرٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ. حَدَّثَنِي الزُّبَيدِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ جُبَيرِ بْنِ نُفَيرٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَال: قَال لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَصْلِحْ هذَا اللَّحْمَ" قَال: فَأَصْلَحْتُهُ. فَلَمْ يَزَلْ يَأكُلُ مِنْهُ حَتَّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ.
٤٩٨٠ - (٠) (٠) وَحَدَّثَنِيهِ عَبدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ
ــ
غرضه بيان متابعتهما لمعن بن عيسى (بهذا الإسناد) يعني عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن ثوبان ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث ثوبان ﵁ فقال.
٤٩٧٩ - (٠) (٠) (وحدثني إسحاق بن منصور) الكوسج (أخبرنا أبو مسهر) الغساني عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي ثقة فاضل من كبار (١٠) روى عنه في (٣) أبواب (حدثنا يحيى بن حمزة) بن واقد الحضرمي أبو عبد الرحمن الدمشقي القاضي ثقة من (٨) روى عنه في (٧) أبواب (حدثني الزبيدي) مصغرًا محمد بن الوليد بن عامر أبو الهذيل الحمصي القاضي ثقة من (٧) روى عنه في (٨) أبواب (عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير) الحضرمي الشامي ثقة من (٤) (عن أبيه) جبير بن نفير بن مالك الحضرمي أبي عبد الرحمن الحمصي ثقة مخضرم من (١) (عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ وهذا السند من سباعياته غرضه بيان متابعة عبد الرحمن بن جبير لأبي الزاهرية (قال) ثوبان (قال لي رسول الله ﷺ في حجة الوداع أصلح) لي (هذا اللحم قال) ثوبان (فأصلحته) له (فلم يزل) النبي ﷺ (يأكل منه) أي من ذلك اللحم (حتى بلغ المدينة) ووصل إليها ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في هذا الحديث فقال.
٤٩٨٠ - (٠) (٠) (وحدثنيه عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن مهران (الدارمي) السمرقندي ثقة متقن من (١١) (أخبرنا محمد بن المبارك) بن يعلى القرشي أبو عبد الله الصوري ثم الدمشقي ثقة من كبار (١٠) روى عنه في (٢) بابين الصلاة والضحايا
стр. 8577
حَدَّثَنَا يَحيَى بن حَمزَةَ، بِهذا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَقُل: في حَجَّةِ الوَدَاعِ.
٤٩٨١ - (١٩٣١) (٢٦٣) حدثنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيبَةَ وَمُحَمدُ بْنُ المُثَنَّى. قَالا: حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ فُضَيلٍ (قَال أَبُو بَكْرٍ: عَنْ أَبِي سِنَانٍ. وَقَال ابْنُ المُثَنَّى: عَنْ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ) عَنْ مُحَارِبٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أبِيهِ. ح وَحَدَّثَنَا محمدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ فُضَيلٍ. حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، أبُو سِنَانٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أبِيهِ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَهَيتُكُم عَنْ زَيارَةِ القُبُورِ، فَزُورُوهَا
ــ
(حدثنا يحيى بن حمزة) الحضرميّ الدِّمشقيّ (بهذا الإسناد) يعني عن الزبيدي عن عبد الرَّحْمَن عن أَبيه عن ثوبان غرضه بيان متابعة محمَّد بن المبارك لأبي مسهر (و) لكن (لم يقل) أي لم يذكر ابن المبارك لفظة (في حجة الوداع) ثم استشهد سابعًا لحديث علي بن أبي طالب بحديث بريدة ﵄ فقال.
٤٩٨١ - (١٩٣١) (٢٦٣) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمَّد بن المثنَّى قالا حَدَّثَنَا محمَّد بن فضيل) بن غزوان الضَّبِّيّ الكُوفيّ صدوق من (٩) روى عنه في (٢٠) بابا (قال أبو بكر) بن أبي شيبة (عن أبي سنان) بلفظ الكنية (وقال ابن المثنَّى عن ضرار) بكسر الضاد وتخفيف الراء بلفظ الاسم (ابن مرة) بضم الميم وتشديد الراء الكُوفيّ الشَّيبانِيّ ثِقَة ثبت من (٦) روى عنه في (٥) أبواب (عن محارب) بن دثار السدوسي الكُوفيّ القاضي ثِقَة إمام زاهد من (٤) وليس عندهم محارب إلَّا هذا روى عنه في (٥) (عن) عبد الله (بن بريدة) بن الحصيب الأسلمي أبو سهل المروزي ثِقَة من (٣) روى عنه في (٨) أبواب (عن أَبيه) بريدة بن الحصيب بالتصغير فيهم ابن عبد الله بن الحارث الأسلمي المدنِيُّ ثم البَصْرِيّ ثم المروزي الصحابي المشهور ﵁ وهذا السند من سداسياته (ح وحدثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير حَدَّثَنَا محمَّد بن فضيل) بن غزوان الضَّبِّيّ الكُوفيّ (حدثنا ضرار بن مرة أبو سنان) الشَّيبانِيّ الكُوفيّ (عن محارب بن دثار) الضَّبِّيّ الكُوفيّ (عن عبد الله بن بريدة عن أَبيه) بريدة بن الحصيب ﵁ وهذا السند أَيضًا من سداسياته غرضه بهذا التحويل بيان كثرة طرقه (قال) بريدة بن الحصيب (قال رسول الله ﷺ نهيتكم عن زيارة القبور) لحدثان عهدكم بالكفر والآن حيث استحكم الإِسلام وصرتم أهل التقوى (فزوروها) أي بشرط أن لا يقترن بذلك
стр. 8578
وَنَهَيتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلاثٍ، فَأمسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيتُكُمْ عنِ النبِيذِ إلا في سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا في الأَسْقِيَةِ كُلَّهَا. وَلا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا".
٤٩٨٢ - (٠) (٠) وحدثني حجاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُفْيَانَ،
ــ
تمسح بالقبر أو تقبيله فإنَّه كما قال السيكي بدعة منكرة اهـ مناوي قال النووي هذا الحديث مما صرح فيه بالناسخ والمنسوخ جميعًا قال العلماء يعرف نسخ الحديث تارة بنص كهذا الحديث وتارة بإخبار الصحابي ككان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النَّار وتارة بالتاريخ إذا تعذر الجمع كترك قتل شارب الخمر في المرة الرابعة والإجماع لا ينسخ لكن يدل على وجود ناسخ اهـ.
(ونهيتكم عن) إمساك (لحوم الأضاحي فوق ثلاث) ليال لمساعدة الدافة ومواساتهم (ف) ـالآن (أمسكو) ها وادخروها (ما بدا) وظهر (لكم) الادخار فيه لزوال علة النهي (ونهيتكم عن) انتباذ (النَّبِيذ) وشربه (إلا في سقاء) وقربة والمراد بالنهي ما قاله لوفد عبد القيس من قوله لهم "وأنهاكم عن أربع عن الدباء والحنتم والمقير والنقير" وسبب النهي عن الانتباذ فيهن سرعة اشتداد ما انتبذ فيهن بخلاف السقاء أي القربة فإنَّها تبرد الماء الذي ألقي فيه التمر أو غيره فلا يشتد بسرعة ولهذا استثناها والله أعلم (ف) ـالآن (اشربوا) ما انتبذ (في الأسقية) والأوعية (كلها) سواء كانت من سقاء أو جرار أو نقير أو مقير (و) لكن (لا تشربوا مسكرًا) أيا كان الوعاء الذي انتبذ فيه واعلم أنَّه ﷺ نهى المسلمين عن الشرب في ظروف الخمر كالدباء والحنتم والمزفت والنقير سدًا للذريعة فلما تقررت كراهية الخمر أجاز الشرب فيها ما لم يشرب المرء فيه مسكرًا وقد سبق هذا الحكم في كتاب الإيمان وسيأتي في الأشربة وهذا الحديث مما صرح فيه النَّبِيّ ﷺ بالناسخ والمنسوخ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود (٣٦٩٨) والتِّرمذيّ (١٥٤٦) والنَّسائيّ (٤٤٢٩) وابن ماجه (٢٠٣٢) ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث بريدة ﵁ فقال.
٤٩٨٢ - (٠) (٠) (حدثنا حجاج) بن يوسف بن حجاج الثَّقَفيّ البغدادي المعروف بـ (ـابن الشَّاعر) ثِقَة من (١١) روى عنه في (١٣) بابا (حَدَّثَنَا الضحاك بن مخلد) بن الضحاك الشَّيبانِيّ أبو عاصم النَّبِيل البَصْرِيّ ثِقَة ثبت من (٩) (عن سفيان) بن سعيد بن
стр. 8579
عَنْ عَلقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "كُنْتُ نَهَيتُكُمْ". فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سِنَانٍ.
٤٩٨٣ - (١٩٣٢) (٢٦٤) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيّ وَأبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ) عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ . ح وَحَدثَنِي محمدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ (قَال عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَال ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ). أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِي، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا فَرَعَ ولا عَتِيرَةَ"
ــ
مسروق الثَّوريّ الكُوفيّ ثِقَة حجة من (٧) (عن علقمة بن مرثد) الحضرميّ الكُوفيّ ثِقَة من (٦) (عن) عبد الله (بن بريدة) الأسلمي (عن أَبيه) ﵁ وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة سفيان الثَّوريّ لضرار بن مرة ولكنها متابعة ناقصة (أن رسول الله ﷺ قال كنت نهيتكم) الحديث (فدكر) سفيان (بمعنى حديث أبي سنان) لا بلفظه.
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال.
٤٩٨٣ - (١٩٣٢) (٢٦٤) (حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى التَّمِيمِيّ) النَّيسَابُورِيّ (وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمَّد بن بكير (النَّاقد) البغدادي (وزهير بن حرب قال يحيى أخبرنا وقال الآخرون حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة عن الزُّهْرِيّ عن سعيد) بن المسيّب بن حزن القُرشيّ المخزومي أبي محمَّد المدنِيُّ الأعور ثِقَة من (٢) (عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من خماسياته (عن النَّبِيّ ﷺ (ح) وحدثني محمَّد بن رافع) القشيري (وعبد بن حميد) الكسي (قال عبد أخبرنا وقال ابن رافع حَدَّثَنَا عبد الرَّزّاق أخبرنا معمر عن الزُّهْرِيّ عن ابن المسيّب عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة معمر لسفيان بن عيينة (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ لا فرع ولا عتيرة) قال الأبي الفرع وكذا الفرعة بفتح الفاء والراء فيهما أول ولد الناقة كانوا يذبحونه لآلهتهم رجاء البركة في الأم بكثرة النسل وقيل كان الرَّجل
стр. 8580
زَادَ ابنُ رَافِعٍ في رِوَايَتِهِ: وَالفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ كَانَ يُنتَجُ لَهُم فَيَذبَحُونَهُ
ــ
إذا بلغت إبله مائة يقدم ذكرًا يذبحونه لآلهتهم وأما العتيرة في غير الإِسلام فقد فسرها في الحديث الشريف بأنها شاة تذبح في رجب يتقربون بها لآلهتهم ويصبون دمها على رأس الصنم فلما جاء الإِسلام صاروا يذبحونها لله تعالى كما فسرها في الحديث ثم نسخ ذلك والعتر الذبح وقال في المرقاة العتيرة بفتح العين المهملة تطلق على شاة كانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب وعلى الذبيحة التي كانوا يذبحونها لأصنامهم ثم يصبون دمها على رؤوسها اهـ قال المؤلف ﵀ (زاد ابن رافع في روايته) لفظة (والفرع) بفتحتين (أول النتاج) الذي (كان ينتج لهم) أي للعرب من إبلهم أي أول ما تنتجه ناقتهم (فيذبحونه) لآلهتهم رجاء البركة في الأم بكثرة نسلها قال في الأزهار قيل هذا التفسير من ابن شهاب وبه قال الخطابي في الإعلام وقيل من ابن رافع وهو المذكور في مسلم رحمه الله تعالى اهـ من المرقاة اهـ ذهني. "قوله أَيضًا لا فرع ولا عتيرة" أما الفرع بفتح الفاء والراء وكذلك الفرعة حكاه العيني في العمدة (٩/ ٧١٦) عن أبي عبيد فهو أول نتاج كان أهل الجاهلية يذبحونه لأصنامهم والفرع أَيضًا ذبح كانوا إذا بلغت الإبل ما تمناه صاحبها ذبحوه وكذلك إذا بلغت الإبل مائة يعتر منها أي يذبح بعيرًا كل عام ولا يأكل منه هو ولا أهل بيته والفرع أَيضًا طعام يصنع لنتاج الإبل كالخرس للولادة كذا في فتح الباري (٩/ ٥٩٦) وأما العتيرة فهي فعلية من العتر وهو ذبح وهي النسيكة التي كانت تعتر أي تذبح في العشر الأول من رجب ويسمونها الرجبية أَيضًا وجمهور العلماء على أن كلا من الفرع والعتيرة منسوخ غير مشروع اليوم استدلالًا بحديث الباب وقال الشَّافعيّ رحمه الله تعالى إنما المنسوخ وجوبهما وهما جائزان بل مستحبان واستدل بما أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده عن رسول الله ﷺ قالا "والفرع حق" وبما أخرجه أصحاب السنن من طريق أبي رملة عن مخنف بن محمَّد بن سليم قال كنا وقوفًا مع النَّبِيّ ﷺ بعرفة فسمعته يقول: يَا أيها النَّاس على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة هل تدرون ما العتيرة هي التي يسمونها الرجبية وحسنه التِّرْمِذِيّ ولكن ضعفه الخطابي وأخرج النَّسائيّ وصححه الحاكم من حديث الحارث بن عمرو "أنَّه لقى النَّبِيّ ﷺ في حجة الوداع فقال رجل: يَا رسول الله "العتائر والفرائع" قال من شاء عتر ومن شاء لم يعتر ومن شاء فرع ومن شاء لم يفرع"
стр. 8581
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحمل الشَّافعيّ حديث الباب على نفي الوجوب لا على نفي الجواز أو الاستحباب.
وأما الجمهور فقالوا إن حديث الباب ناسخ لأحاديث الجواز أو الاستحباب لأن النهي لا يكون إلَّا عن شيء كان يفعل وما قال أحد إنه نهى عنهما ثم أذن في فعلهما ثم إنه لم ينقل عن أحد من الصَّحَابَة أنَّه فعلهما بعد النَّبِيّ ﷺ وذلك دليل على النسخ لأن الصَّحَابَة كانوا أسبق النَّاس إلى الخيرات وكذلك لم يفعلهما التابعون إلَّا ما حكي عن ابن سيرين والله أعلم اهـ تكملة.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب تسعة أحاديث الأول حديث علي بن أبي طالب ذكره للاستدلال على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين والثاني حديث ابن عمر ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين والثالث حديث عائشة ذكره للاستشهاد والرابع حديث جابر ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات والخامس حديث أبي سعيد ذكره للاستشهاد والسادس حديث سلمة ذكره للاستشهاد والسابع حديث ثوبان ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات والثامن حديث بريدة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والتاسع حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة والله أعلم.
***
стр. 8582
٦٥٦ - (٤٩) باب النهي عن إزالة الشعر والظفر في عشر ذي الحجة لمن أراد التضحية وتحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله
٤٩٨٤ - (٩٣٣ ١) (٢٦٥) حدثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ المَكِّيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ. سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يحدث، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ؛ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَال: "إِذَا دَخَلَتِ العَشرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُم أَنْ يضَحِّيَ، فَلا يَمسَّ من شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيئًا"
ــ
٦٥٦ - (٤٩) باب النهي عن إزالة الشعر والظفر في عشر ذي الحجة لمن أراد التضحية وتحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله
٤٩٨٤ - (١٩٣٣) (٢٦٥) (حَدَّثَنَا) محمَّد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني (المكيّ حَدَّثَنَا سفيان) بن عيينة (عن عبد الرَّحْمَن بن حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عوف) الزُّهْرِيّ المدني ثقة من (٦) (سمع سعيد بن المسيّب) المخزومي المدنِيُّ. (يحدث عن أم سلمة) هند بنت أبي أمية أم المُؤْمنين رضي الله تعالى عنها وهذا السند من خماسياته (أن النَّبِيّ ﷺ قال إذا دخلت العشر) من ذي الحجة (وأراد أحدكم أن يضحى) في أيامها (فلا يمس) أي فلا يزيلن (من شعره) بفتح العين وتسكن (وبشره) بفتحتين (شيئًا) قال التوربشتي ذهب بعضهم إلى أن النهي ها هنا للتشبه بحجاج بيت الله الحرام المحرمين في بعض المحذورات لا في كلها كالنساء والأولى أن يقال المضحي يرى نفسه مستوجبة للعقاب وهو القتل ولم يؤذن له فيه ففداها بالأضحية وصار كل جزء منها فداء كل جزء منه فلذلك نهي عن مس الشعر والبشر لئلا يفقد من ذلك قسط ما عند تنزل الرحمة وفيضان النور الإلهي ليتم له الفضائل ويتنزه عن النقائص اهـ مرقاة.
قال الإِمام النووي قال أصحابنا المراد بالنهي عن أخذ الظفر والشعر النهي عن إزالة الظفر بقلم أو كسر أو غيره والمنع من إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو إحراق أو أخذه بنورة أو غير ذلك وسواء شعر الإبط والشارب والعانة والرأس وغير ذلك من شعور بدنه قال أصحابنا والحكمة في النهي أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النَّار اهـ قوله "وأراد أن يضحي" يعني ليجتنب المضحي عن إزالة شعره وأظفاره بوجه من الوجوه كالمحرم وإزالتهما حرام عند أَحْمد ومكروه كراهة تنزيه عند الشَّافعيّ وغير مكروه عند أبي حنيفة ومالك لما روي عن عائشة أن النَّبِيّ ﷺ كان لا يجتنب مما
стр. 8583
قِيلَ لِسُفْيَانَ: فَإِن بَعْضَهُمْ لا يَرفَعُهُ. قَال: لكِني أَرْفَعُهُ.
٤٩٨٥ - (٠) (٠) وحدَّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أخْبَرَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أُمّ سَلَمَةَ تَرْفَعُهُ. قَال: "إِذَا دَخَلَ العَشرُ، وَعِندَهُ أُضْحِيّةٌ، يُرِيدُ أن يُضَحِّيَ، فَلا يَأخُذَن شَعرًا وَلا يَقلِمَنَّ ظُفُرًا".
٤٩٨٦ - (٠) (٠) وحدثني حَجِّاج بْنُ
ــ
يجتنبه المحرم حين أهدى هديه إلى مكة قال الطحاوي وحديثها جاء متواترًا ثم قال ولما رأينا الجماع الذي يفسد الحج لا يحرم على من دخل عليه العشر وأراد الأضحية وهو أغلظ كان أحرى وأولى أن لا يحرم عليه غيره ذلك اهـ من المفهم (قيل لسفيان) بن عيينة (فإن بعضهم) أي بعض المحدثين (لا يرفعه) أي لا يرفع هذا الحديث إلى النَّبِيّ ﷺ (قال) سفيان (لكني) أي لكن أنا (أرفعه) أي أرفع هذا الحديث إلى النَّبِيّ ﷺ كما سمعته مرفوعًا وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أَحْمد (٦/ ٣٠١) وأبو داود في الأضاحي (٢٧٩١) والتِّرمذيّ في الأضاحي (٥٦١ ١) والنَّسائيّ في الضحايا في فاتحتها (١ ٤٣٦) وابن ماجه في الأضاحي (٣١٨٧ و ٣١٨٨) ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها فقال:
٤٩٨٥ - (٠) (٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا سفيان) بن عيينة (حَدَّثني عبد الرَّحْمَن بن حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عوف عن سعيد بن المسيّب عن أم سلمة) رضي الله تعالى عنها حالة كونها (ترفعه) أي ترفع هذا الحديث إلى النَّبِيّ ﷺ وهذا السند من خماسياته غرضه بيان متابعة إسحاق بن إبراهيم لابن أبي عمر. (قال) رسول الله ﷺ (إذا دخل العشر وعنده أضحية يريد أن يضحي) أي أن يذبح بها في الأضحية (فلا يأخذن) أي لا يزيلن (شعرًا) بحلق أو قص أو نتف أو غير ذلك (ولا يقلمن) من باب فرح كما في القاموس أي لا يزيلن (ظفرًا) بقلم أر قص أو كسر أو غير ذلك ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها فقال.
٤٩٨٦ - (٠) (٠) (وحدثني حجاج) بن يوسف الثَّقَفيّ البغدادي المعروف بـ (ـابن
стр. 8584
الشَّاعِرِ. حَدثني يَحيَى بن كَثِيرٍ العَنبَرِيُّ، أَبُو غَسَّان. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ بن أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ بن مُسلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، عَنْ أُمّ سَلَمَةَ؛ أَن النَّبِيّ ﷺ قَال: "إِذَا رَأَيتُم هِلال ذِي الحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُم أن يُضَحِّيَ، فَليُمْسِك عَنْ شَعْرِهِ وَأَظفَارِهِ".
٤٩٨٧ - (٠) (٠) وحدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ الحَكَمِ الهَاشِمِيّ. حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ أَوْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ
ــ
الشَّاعر) الحافظ الرحال ثِقَة من (١١) روى عنه في (١٣) بابا (حَدَّثني يحيى بن كثير) بن درهم (العنبري) مولاهم (أبو غسان) البَصْرِيّ ثِقَة من (٩) روى عنه في (٣) أبواب (حَدَّثَنَا شعبة) بن الحجاج (عن مالك بن أنس عن عمر بن مسلم) قال النووي كذا رواه مسلم بلفظ عمر بضم العين في كل هذه الطرق إلَّا طريق الحسن بن عليّ الحلواني ففيها عمرو بفتح العين وإلا طريق أَحْمد بن عبد الله بن الحكم ففيها عمر أو عمرو بالشك قال العلماء الوجهان منقولان في اسمه وذكره المزي فيمن اسمه عمرو بفتح العين وقال قيل عمرو هو عمرو بن مسلم بن عمارة بن أكيمة بالتصغير الليثيّ الجندعي بضم الجيم والدال المدنِيُّ وقد صرح بهذه النسبة في طريق حرملة بن يحيى كما سيأتي وهو ثِقَة راجع لترجمته في التهذيب (٨/ ١٠٤) روى عن ابن مسيب في الضحايا ويروي عنه (م عم) ومالك ومحمَّد بن عمرو بن علقمة وسعيد بن أبي هلال وعدة وثقه ابن معين وقال مرة لا بأس به وقال في التقريب صدوق من السادسة (٦) (عن سيد بن المسيّب عن أم سلمة) رضي الله تعالى عنها وهذا السند من سباعياته غرضه بيان متابعة عمر بن مسلم لعبد الرَّحْمَن بن حميد (أن النَّبِيّ صلى إلله عليه وسلم قال إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك شعره وأظفاره) أي عن إزالتهما بأي سبب من الإزالة ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا فقال.
٤٩٨٧ - (٠) (٠) (وحدثنا أَحْمد بن عبد الله بن الحكم) بن أبي فروة (الهاشمي) أبو الحسين المعروف بابن الكردي البَصْرِيّ ثِقَة من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر) غندر (حَدَّثَنَا شعبة عن مالك بن أنس عن عمر أو عمرو بن مسلم) بالشك (بهذا الإسناد) يعني عن سعيد بن المسيّب عن أم سلمة (نحوه) أي نحو ما روى
стр. 8585
٤٩٨٨ - (٠) (٠) وحدثني عُبَيدُ الله بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أبِي. حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ عَمْرٍو اللَّيثِيّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ أكَيمَةَ اللَّيثِيّ، قَال: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أم سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِيّ ﷺ تَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَن كَانَ لَهُ ذِبحٌ يَذبَحُهُ. فَإِذَا أُهِل هِلالُ ذِي الحِجَّةِ، فَلا يَأخُذَن من شَعْرِهِ وَلا من أَظفَارِهِ شَيئًا، حَتَّى يُضَحِّيَ".
٤٩٨٩ - (٠) (٠) حَدَّثني الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلوَانِيّ. حَدَّثَنَا أبُو أسَامَةَ. حَدَّثَنِي محمدُ بْنُ عَمْرٍو
ــ
أبو غسان عن شعبة غرضه بيان متابعة غندر لأبي غسان في الرواية عن شعبة ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها فقال.
٤٩٨٨ - (٠) (٠) (وحدثني عبيد الله بن معاذ العنبري حَدَّثَنَا أبي) معاذ بن معاذ (حدثنا محمَّد بن عمرو) بن علقمة بن وقَّاص الليثيّ المدنِيُّ روى له (خ) مقرونًا فرد حديث و (م) متابعة صدوق له أوهام من (٦) روى عنه في (٥) أبواب. (عن عمر بن مسلم بن عمار بن أكيمة) بضم الهمزة مصغرًا (الليثيّ) المدنِيُّ (قال سمعت سعيد بن المسيّب يقول سمعت أم سلمة زوج النَّبِيّ ﷺ تقول) وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة محمَّد بن عمرولمالك بن أنس (قال رسول الله ﷺ من كان له ذبح) بكسر الذال وسكون الموحدة فهو فعل بمعنى مفعول كحمل بمعنى محمول ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧] أي من وإن له حيوان يريد أن (يذبحه) أضحية (فإذا أهل) بضم الهمزة وكسر الهاء بالبناء للمجهول هكذا تستعمله العرب أي أطلع الله سبحانه وأظهر (هلال) شهر (ذي الحجة) وهو القمر أول ظهور في مبدأ الشهر (فلا يأخدن) أي لا يزيلن (من شعره) شيئًا بحلق أو تقصير أو نتف أو إحراق أو أخذه بنورة أو غير ذلك وسواء شعر الإبط والعانة الرأس وغير ذلك من شعور بدنه (ولا من أظفاره شيئًا) بقلم أر كسر أو غيره (حتَّى يضحي) أي حتَّى يذبح أضحيته والحكمة في النهي أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النَّار كما مر ثم ذكر المؤلف المتابعة خامسًا في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها فقال.
٤٩٨٩ - (٠) (٠) (حدثني الحسن بن عليّ الحلواني) المكيّ (حَدَّثَنَا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكُوفيّ (حَدَّثني محمَّد بن عمرو) بن علقمة بن وقَّاص الليثيّ
стр. 8586
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عَمَّارِ اللَّيثِي. قَال: كُنا في الحَمَّامِ قُبَيلَ الأَضحَى. فَاطَّلَى فِيهِ نَاس. فَقَال بَعْضُ أَهْلِ الحَمَّامِ: إِن سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَكرَهُ هذَا، أَو يَنْهَى عَنْهُ. فَلَقِيتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ فَذَكَرْتُ ذلِكَ لَهُ. فَقَال: يَا ابْنَ أَخِي، هذَا حَدِيثٌ قَدْ نُسِيَ وَتُرِكَ. حَدَّثَتْنِي أُمّ سَلَمَةَ، زَوْجُ النَّبِيّ ﷺ ، قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مُعَاذ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ عَمْرٍو.
٤٩٩٠ - (٠) (٠) وحدثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيى وَأَحْمَدُ بْنُ
ــ
المدنِيُّ (حَدَّثَنَا عمرو بن مسلم بن عمار الليثيّ) المدنِيُّ (قال) عمرو بن مسلم كنا في الحمام) مذكر مشتق من الحميم وهو الماء الحار وهو مغتسل البدن (قبيل) عيد (الأضحى) وهو تصغير قبل (فاطَّلى فيه) أي في الحمام (ناس) من المغتسلين فيه أي أزالوا شعر العانة بالنورة وهو يدل على تعلق النهي عن إزالة الشعر بكل وجه من وجوه الإزالة اهـ أبي يعني لا على تعلقه باستعمال النورة لأن استعمالها جائز غير مكروه بلا شك اهـ ذهني قوله "فاطَّلى" بتشديد الطاء على أنَّه من باب الافتعال كما في لسان العرب (١٩/ ٣٣٤) من الاطلاء وهو استعمال النورة لإزالة شعر العانة وأصله تلطيخ الجسم بشيء من الدهن وغيره (فقال بعض أهل الحمام إن سعيد بن المسيّب يكره هذا) الإطلاء يعني يكره إزالة الشعر في عشر ذي الحجة لمن يريد التضحية لا مجرد الإطلاء اهـ نووي (أو) قال ذلك البعض (ينهى) سعيد (عنه) أي عن الإطلاء والشك من عمرو بن مسلم فيما قاله ذلك البعض قال عمرو بن مسلم (فلقيت سعيد بن المسيّب فذكرت ذلك) الذي سمعته من بعض أهل الحمام (له) أي لسعيد (فقال) لي سعيد (يَا ابن أخي) يريد أخوة الدين (هذا) النهي الذي سمعوه مني (حديث قد نسي) عند النَّاس (وترك) العمل به عندهم وعطفه على ما قبله عطف تصير وذلك أني (حدثتني أم سلمة زوج النَّبِيّ ﷺ قالت قال رسول الله ﷺ وساق أبو أسامة (بمعنى حديث معاذ عن محمَّد بن عمرو) بن علقمة غرضه بيان متابعة أبي أسامة لمعاذ بن معاذ والله أعلم وهذا السند من سداسياته. ثم ذكر المؤلف المتابعة سادسًا في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها فقال.
٤٩٩٠ - (٠) (٠) (وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (وأَحمد بن
стр. 8587
عَبْدِ الرَّحْمنِ، ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. أخْبَرَنِي حَيوَةُ. أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ الجُنْدَعِيِّ؛ أَن ابْنَ المُسَيَّب أَخْبَرَهُ؛ أَن أُمّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِيّ ﷺ أَخْبَرَتهُ. وَذَكَرَ النَّبِيّ ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ.
٤٩٩١ - (٩٣٤ ١) (٢٦٦) حدثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَسُرَيجُ بْنُ يُونُسَ. كِلاهُمَا عَنْ مَرْوَانَ. قَال زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوَيةَ الفَزَارِي. حَدَّثنَا مَنْصُورُ بْنُ حَبانَ
ــ
عبد الرَّحْمَن) بن وهب بن مسلم القُرشيّ المصري (ابن) بالرفع مع كتابة همزة الوصل لأنه صفة لأحمد فهو مفصول عن موصوفة (أخي) عبد الله (ابن وهب) بن مسلم صدوق من (١١) روى عنه في (٣) أبواب كلاهما (قالا حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب) بن مسلم القُرشيّ المصري ثِقَة من (٩) (أخبرني حيوة) بن شريح بن صفوان التجيبي أبو زرعة المصري ثِقَة من (٧) روى عنه في (٧) أبواب (أخبرني خالد بن يزيد) الجمحي مولاهم أبو عبد الرَّحِيم المصري الإسكندراني ثِقَة فقيه من (٦) روى عنه في (٨) أبواب (عن سعيد بن أبي هلال) الليثيّ مولاهم أبي العلاء المصري صدوق من (٦) (عن عمر بن مسلم) بن عمار بن أكيمة الليثيّ (الجندعي) بضم الجيم وإسكان النُّون وبفتح الدال وضمها نسبة إلى جندع بطن من بني ليث اهـ نووي (أن) سعيد (ابن المسيّب أخبره أن أم سلمة زوج النَّبِيّ ﷺ أخبرته وذكر) سعيد بن أبي هلال (النَّبِيّ ﷺ وذكر النَّبِيّ ﷺ كناية عن رفعه الحديث وساق سعيد بن أبي هلال (بمعنى حديثهما) أي بمعنى حديث مالك بن أنس ومحمَّد بن عمرو الليثيّ وفي أغلب النسخ "بمعنى حديثهم" وهو تحريف من النساخ والصواب ما قلناه وهذا السند من ثمانياته غرضه بيان متابعة ابن أبي هلال لمالك ومحمَّد بن عمرو ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث علي بن أبي طالب ﵁ فقال.
٤٩٩١ - (١٩٣٤) (٢٦٦) (حدثنا زهير بن حرب وسريج) مصغرًا (بن يونس) بن إبراهيم المروزي الأصل البغدادي ثِقَة من (١٠) روى عنه في (١١) بابا (كلاهما) رويا (عن مروان قال زهير حَدَّثَنَا مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء (الفزاري) الكُوفيّ نزيل مكة واسع الرواية ثِقَة من (٨) (حَدَّثَنَا منصور بن حيان) بن حصين الأَزدِيّ الكُوفيّ
стр. 8588
حَدَّثَنَا أبُو الطُفَيلِ، عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ. قَال: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَالِبٍ. فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَال: مَا كَانَ النَّبِيّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيكَ؟ قَال: فَغَضِبَ وَقَال: مَا كَانَ النَّبِيّ ﷺ يُسِرُّ إلَيَّ شَيئًا يَكْتُمُهُ النَّاسَ. غَيرَ أئهُ قَدْ حَدَّثَنِي بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعٍ. قَال: فَقَال: مَا هُنَ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قَال: قَال "لَعَنَ الله مَن لَعَنَ وَالِدَهُ. وَلَعَنَ الله مَن ذَبَحَ لِغيرِ اللهِ
ــ
روى عن أبي الطفيل في الضحايا وسعيد بن جبير في الأشربة وعمرو بن ميمون والشعبي ويروي عنه (م د س) ومروان بن معاوية وأبو خالد الأحمر والثوري وشعبة وعدة وثقه أبو حاتم وابن معين والعجلي والنَّسائيّ قال أبو حاتم كان من أثبت النَّاس وذكره ابن حبان في الثِّقات وقال في التقريب ثِقَة من الخامسة (حَدَّثَنَا أبو الطفيل عامر بن واثلة) بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثيّ المكيّ ولد عام أحد وأثبت مسلم وابن عدي صحبته ورؤيته للنبي ﷺ ﵁ وعمّر حتَّى مات سنة (١١٠) مائة وعشر وهو آخر من مات من جميع الصَّحَابَة على الإطلاق (قال) أبو الطفيل (كنت) يومًا (عند علي بن أبي طالب) ﵁ وهذا السند من خماسياته وفيه رواية صحابي عن صحابي (فأتاه رجل) من المسلمين لم أر من ذكر اسمه ولعل السائل هو عامر بن واثلة (فقال) ذلك الرَّجل (ما كان) أي أي شيء كان (النَّبِيّ ﷺ يسر إليك) أي يخبرك سرًّا عن النَّاس (قال) أبو الطفيل (فغضب) علي عن سؤال الرَّجل وقوله فيه إبطال ما تزعمه الرافضة والشيعة والإمامية من الوصية إلى علي وغير ذلك من اختراعاتهم وأي دليل أقوى على بطلانه من اعتراف علي بنفسه ﵁ (وقال) علي في جوابه (ما) نافية أي ما كان النَّبِيّ ﷺ يسر الي) أي لم يكن النَّبِيّ ﷺ يسر إلى (شيئًا يكتمه النَّاس) أي يخفيه عن النَّاس (غير أنَّه) أي لكن أنَّه ﷺ (قد حَدَّثني بكلمات أربع قال) أبو الطفيل (فقال) الرَّجل لعلي (ماهن) تلك الكلمات أي أي شيء هن (يَا أمير المُؤْمنين قال) أبو الطفيل (قال) علي في بيان تلك الكلمات إحداها قوله ﷺ (لعن الله من لعن والده) أما لعن الوالد والوالدة إما بأن يلعن الرَّجل والديه صراحة وإما بأن يسب والدي غيره فيسب هو والديه انتقامًا منه وهو من الكبائر وسبق ذلك في كتاب الإيمان مبسوطًا (و) ثانيتها قوله ﷺ (لعن الله من ذبح لغير الله) تعالى وهذا موضع الترجمة أما الذبح لغير الله
стр. 8589
وَلَعَنَ الله مَن آوَى مُحدِثًا. وَلَعَنَ الله مَن غَيَّرَ مَنَارَ الأَزضِ".
٤٩٩٢ - (٠) (٠) حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أبُو خَالِدٍ الأحْمَرُ، سُلَيمَانُ بْنُ حَبانَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أبِي الطُّفَيلِ، قَال: قُلنَا لِعَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ: أَخْبِرْنَا بِشَيءٍ أسَرَّهُ إِلَيكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَال: مَا أسَرَّ إلَيَّ شَيئًا كَتَمَهُ النَاسَ، وَلكِني سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لَعَنَ الله مَن ذَبَحَ لِغَيرِ اللهِ. وَلَعَنَ الله مَنْ آوَى مُحدِثًا. وَلَعَنَ الله مَن لَعَنَ وَالِدَيهِ. وَلَعَنَ الله مَن غيَّرَ المَنَارَ"
ــ
فهو الذبح باسم غير الله تعالى كالذبح باسم الصنم وباسم نبي من أنبياء الله أو بولي من أوليائه أو باسم الكعبة وكل هذا حرام يوجب الشِّرك إن قصد تعظيم ذلك الغير ولا تحل تلك الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًّا أو يهوديًّا (و) ثالثها قوله ﷺ (لعن الله من آوى) وحمى (محدثًا) أي مبتدعًا وحفظه ممن يتعرض له ونصره على بدعته وقد تقدم بسط الكلام في آخر كتاب الحج (و) رابعتها قوله ﷺ (لعن الله من غير منار الأرض) أي حدودها وعلاماتها التي يتميز ملك كل أحد عن ملك غيره فتغييره بنقل حدودها وادخالها في ملكه وهو بمعنى حديث "من غصب شبرًا من أرض طوقه من سبع أرضين" كذا في الأبي وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النَّسائيّ أخرجه في الضحايا باب من ذبح لغير الله (٤٤٢٢) ثم ذكر المؤلف المتابعة في هذا الحديث فقال.
٤٩٩٢ - (٠) (٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر سليمان بن حيان) الأَزدِيّ الكُوفيّ صدوق من (٨) (عن منصور بن حيان) الأَزدِيّ الكُوفيّ (عن أبي الطفيل) عامر بن واثلة الليثيّ المدنِيُّ (قال) أبو الطفيل (قلنا لعلي بن أبي طالب) وهذا السند من خماسياته غرضه بيان متابعة أبي خالد الأحمر لمروان بن معاوية (أخبرنا بشيء أسرَّه إليك رسول الله ﷺ فقال) علي (ما أسر إلي شيئًا كتمه النَّاس ولكن سمعته) ﷺ (يقول لعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من آوى محدثًا) أي مبتدعًا أحدث أمرًا ليس معروفًا في الشرع (ولعن الله من لعن والديه ولعن الله من غيَّر المنار) أي حدود الأرض. ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث علي بن أبي طالب ﵁ فقال.
стр. 8590
٤٩٩٣ - (٠) (٠) حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ المُثَنَّى ومحمدُ بْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ المُثَنَّى) قَالا: حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَال: سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ أَبِي بَزَّةَ يحدِّث، عَنْ أَبِي الطُفَيلِ، قَال: سُئِلَ عَلِيٌّ: أَخَصَّكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَيءٍ؟ فَقَال: مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَيءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَةً. إلَّا مَا كَانَ في قِرَابِ سَيفِي هذَا. قَال: فَأخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبٌ فِيهَا:
ــ
٤٩٩٣ - (٠) (٠) (حدثنا محمَّد بن المثنَّى ومحمَّد بن بشار واللفظ لابن المثنَّى قالا حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر حَدَّثَنَا شعبة قال) شعبة (سمعت القاسم) بن نافع (بن أبي بزة) بفتح الباء الموحدة والزاي المشددة اسمه يسار فارس من همدان ويقال نافع مولى لبعض أهل مكة قال ابن أبي حاتم عن أَبيه مولى عبد الله بن السائب بن صيفي المخزومي أَبا عبد الله المكيّ القارئ ويقال أبو عاصم روى عن أبي الطفيل في الضحايا وسعيد بن جبير آخر الكتاب في التفسير ويروي عنه (ع) وشعبة وابن جريج ومسعر وثقه ابن معين والعجلي والنَّسائيّ وقال ابن سعد كان ثِقَة قليل الحديث وقال في التقريب ثِقَة من الخامسة مات بمكة سنة خمس عشرة ومائة (١١٥) وقيل قبلها (يحدث عن أبي الطفيل قال) أبو الطفيل (سئل علي) بن أبي طالب ﵁ ولعل السائل هو أبو الطفيل كما دلت عليه الرواية السابقة وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة القاسم بن أبي بزة لمنصور بن حيان أي سئل علي (أخصكم) أي هل خصكم أهل البيت (رسول الله ﷺ بشيء) من الوحي (فقال) علي والله (ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء لم يعم به النَّاس) أي بشيء لم يعمم به النَّاس حالة كونهم (كافة) أي جميعًا قال النووي هكذا تستعمل كافة حالًا وأما ما يقع في كثير من كتب المصنفين من استعمالها مضافة وبالتعريف كقولهم هذا قول كافة العلماء ومذهب الكافة فهو خطأ معدود من لحن العوام وتحريفهم اهـ وقال في اللسان الكافة الجماعة وقيل الجماعة من النَّاس يقال لقيتهم كافة أي كلهم اهـ (إلَّا ما كان) استثناء من قوله بشيء أي ما خصنا بشيء من الوحي إلَّا شيئًا كان (في قراب) أي في غلاف (سيفي) وهو وعاء من جلد ألطف من الجراب يدخل فيه السيف بغمده وما خف من الآلة اهـ سنوسي وقوله (هذا) نعت للقراب أو للسيف أو بدل منه (قال) أبو الطفيل (فأخرج) علي من قراب سيفه (صحيفة) أي ورقة (مكتوب فيها) بالرفع مبتدأ ليس له خبر بل له مرفوع سد مسد الخبر
стр. 8591
"لَعَنَ الله مَنْ ذَبَحَ لِغَيرِ اللهِ. وَلَعَنَ الله مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الأَرضِ. وَلَعَنَ الله مَن لَعَنَ وَالِدَهُ. وَلَعَنَ الله مَن آوَى مُحدِثًا"
ــ
وهو قوله (لعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من سرق منار الأرض) أي غير حدودها وأدخل حق النَّاس في ملكه (ولعن الله من لعن والده ولعن الله من آوى) أي حمى ونصر (محدثًا) أي مبتدعًا مظهرًا بما يخالف السنة وهذه الكلمات الأربع مرفوع محكى على كونها نائب فاعل لمكتوب سدت مسد خبره لأنه وصف اكتفى بمرفوعه عن الخبر وجملة الوصف مع مرفوعه في محل النصب صفة لصحيفة ولكنها صفة سبية والتقدير فأخرج صحيفة موصوفة بكونها مكتوبًا فيها هذه الكلمات الأربع والله أعلم اهـ من الفهمَّ السقيم. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان الأول حديث أم سلمة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه ست متابعات والثاني حديث علي ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعتين والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
وهذا آخر ما أكرمني الله بإتمامه من المجلد الحادي عشر في تاريخ ١٩/ ٥ / ١٤٢٦ قبيل الظهر بعد ما وفقني بابتدائه في تاريخ ٧/ ١٢ / ١٤٢٥ هـ من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية وعلى آله السادات وصحبه القادات وتابعيهم إلى يوم القيامات آمين يَا رب البريات وجملة ما اشتمل عليه هذا المجلد من الأحاديث الغير المكررة من الأصول والشواهد مائتان وستة وستون حديثًاوجملة ما فيه من الأبواب تسعة وأربعون بابا.
بعد ما عاقني منه العوائق وحالني منه المعائق لأن العوائق لمن في الدنيا شقائق وما أحسن قول من قال:
محن الزمان كثيرة لا تنقضي .... وسروره يأتيك كالأعياد
وآخر:
العبد ذو ضجر والرب ذو قدر ... والدهر ذو دول والعلم مقسوم
والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللوم والشوم
وآخر:
لا تكشفن من مساوي النَّاس ما ستروا ... فيهتك الله سترًا عن مساويكا
стр. 8592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدًا منهم بما فيكا
وآخر:
تسايي الكل منا في المساوي ... فأفضلنا فتيلًا ما يساوي
هل الدنيا وما فيها جميعًا ... سوى ظل يزول مع النهار
تم المجلد الحادي عشر من الكوكب الوهاج والروض البهاج على صحيح مسلم بن الحجاج ويليه المجلد الثاني عشر وأوله كتاب الأشربة (١)
ــ
(١) وهذا حسب تقسيم المؤلف حفظه الله لنسخته الخطية في (١٦) مجلدًا، ثم ارتأى حفظه الله بعد دفعه للطباعة أن يكون في (٢٦) مجلدًا.
стр. 8593
شرح صحيح مسلم
المسمَّى
الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج
جمع وتأليف
محمد الأمين بن عبد الله الأُرمي
العلوي الهَرَري الشافعي
نزيل مكة المكرمة والمجاور بها
مراجعة لجنة من العلماء
برئاسة
البرفسور هاشم محمد علي مهدي
المستشار برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
الجزء الحادي والعشرون
دار المنهاج
دار طوق النجاة
стр. 8594
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
جميع الحقوق محفوظة للناشر
دار المنهاج
جدة - السعودية
بيروت - لبنان
стр. 8595
شرح صحيح مسلم
стр. 8596
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 8597
كان الشعبيُّ وعبد الرَّحْمَن بن مهدي ينشدان رحمهما الله تعالى:
دينُ النَّبِيّ محمدٍ أخبار ... نعم المطيَّة للفتى الآثارُ
لا ترغبن عن الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
هنيئًا لأصحاب خير الورى ... وطوبى لأصحاب أخباره
أولئك فازوا بتذكيره ... ونحن سعدنا بتذكاره
وهم سبقونا إلى نصره ... وها نحن أتباع أنصاره
ولما حُرِمْنَا لقا عينه ... عكفنا على حفظ آثاره
عسى الله يجمعنا كلنا ... برحمته معه في داره
стр. 8598
الحمدُ لله على جلاله وكماله، والشكر له على نعمه ونواله، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا مثيل له في ذاته ولا شريك له في صفاته ولا معين له في أفعاله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خصَّ من الإرسال الإلهي بعمومه وختامه وكماله ومن الحق المبين بصفوه ولبه وزلاله صلَّى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الهُدَاة المهديين.
أما بعد: فلما فرغت من كتابة المجلد الحادي عشر تفرغت الآن وتصديت لكتابة المجلد الثاني عشر، وأن أتغدَّى فيه بعد ما تفطَّرت في أوائل الكتاب راجيًا من الله أن أتعشَّى في أواخر الكتاب، وأن أشرب فيه مناهل الشراب بعد ما أكرمني بعلله في أوائله، وما أحسن قول أبي الظهير:
إذا رمت أن تتوخى الهدى ... وأن تأتي الحق من بابه
فدع كل قول ومن قاله ... لقول النَّبِيّ وأصحابه
فلم تنج من محدثات الأمور ... بغير الحديث وأربابه
قال الحافظ ابن عبد البر:
مقالة ذي نصح وذات فوائد ... إذا من ذوي الألباب كان استماعها
عليكم بآثار النَّبِيّ فإنَّها ... منَ أفضل أعمال الرجال اتباعها
فقلت:
стр. 8599
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٩ - كتاب الأشربة
ــ
١٩ - كتاب الأشربة
أي حرامها وحلالها، خبائثها وطيباتها، والأشربة جمع شراب كأطعمة وطعام اسمٌ لما يُشرب وليس مصدرًا لأن المصدر هو الشرب بتثليث الشين اهـ من الإرشاد، وتقديم الخمر ونظائرها على غيرها من باب تقديم التخلية على التحلية، والأصل في تحريمها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ﴾ أي القمار ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ أي ما ينصب ليعبد من دون الله ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ أي القداح التي يضرب بها ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وكان شربها جائزًا في صدر الإِسلام ولو كانت القدر الذي يزيل العقل خلافًا لمن قال: المُباح شرب ما لا ينتهي إلى السكر المزيل للعقل لأن المزيل للعقل حرام في كل ملة حكاه القشيري في تفسيره عن القفال الشاشي، قال النووي في شرح مسلم: وهو باطل لا أصل له فالحق القول الأول، وحصل التحريم بعد ذلك في السنة الثالثة من الهجرة بعد أُحد، وهي مما تكرر النسخ لها كما ذكره السيوطي في قوله:
وأربع تكرر النسخ لها ... جاءت بها النصوص والآثار
فقبلة ومتعة وخمر ... كذا الوضو مما تمس النَّار
ويروى حمر بدل خمر فإنَّها تكرر النسخ لها أَيضًا وبها تصير خمسة اهـ بيجوري على الغزي.
***
стр. 8600
٦٥٧ - (١) باب تحريم الخمر وما تكون منه وتحريم تخليلها والتداوي بها وبيان أن كل ما يتخذ من النخل والعنب يسمى خمرًا
٤٩٩٤ - (١٩٣٥) (١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيّ. أخْبَرَنَا حجاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ. حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيّ بْنِ حُسَينِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، حُسَينِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَال: أَصَبْتُ شَارِفًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في مَغْنَمٍ، يَوْمَ بَدْرٍ. وَأعْطَانِي رَسُولُ الله ﷺ شَارِفًا أُخْرَى. فَأنَخْتُهُمَا يَوْمًا عِنْدَ بَابِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ. وَأنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيهِمَا إِذْخِرًا
ــ
٦٥٧ - (١) باب تحريم الخمر وما تكون منه وتحريم تخليلها والتداوي بها وبيان أن كل ما يتخذ من النخل والعنب يسمى خمرًا
٤٩٩٤ - (١٩٣٥) (١) (حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى التَّمِيمِيّ أخبرنا حجاج بن محمَّد) الأعور البغدادي المصيصي، ثِقَة، من (٩) (عن ابن جريج حَدَّثني ابن شهاب عن علي) زين العابدين (بن حسين بن عليّ) بن أبي طالب (عن أَبيه حسين بن عليّ) ﵄ (عن) أَبيه (علي بن أبي طالب) ﵁. وهذا السند من سداسياته (قال) علي بن أبي طالب (أصبت) أي أخذت (شارفًا) أي ناقة مسنة (مع رسول الله ﷺ في مغنم) أي من غنيمة غنمها المسلمون (يوم بدر) والشارف بالشين المعجمة وبالفاء هي الناقة المُسنة تجمع على شرف بضم الراء وإسكانها اهـ نووي (وأعطاني رسول الله ﷺ شارفًا) أي مُسنة (أُخرى) من خمس يوم بدر على الصحيح (فأنختهما) أي أنخت المسنتين وأبركتهما (يومًا) من الأيام (عند باب) دار (رجل من الأَنصار (قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، ولم أر أحدًا من الشُرَّاح ذكر اسمه (و) الحال (أنا أريد) الذهاب إلى الجبل، و (أن أحمل عليهما إذخرًا) بكسر الهمزة والخاء المعجمة حشيش معروف طيب الرائحة يُسقف به البيوت ويسد به فرج اللحد، وما سيأتي في الرواية الآتية أوضح من هذا ولفظه (ولما أردت أن أبتني وأدخل بفاطمة بنت رسول الله ﷺ واعدت رجلًا صواغًا من بني قينقاع يرتحل معي فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصواغين فأستعين به في وليمة عرسي) وفيه جواز الاحتشاش للتكسب وبيعه وأنه لا ينقص المروءة، وفيه جواز بيع الوقود للصواغين
стр. 8601
لأَبِيعَهُ، وَمَعِيَ صَائِغٌ مِنْ بَنِي قَينُقَاعَ، فَأسْتَعِينَ بِهِ عَلَى وَليمَةِ فَاطِمَةَ. وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَشْرَبُ في ذلِكَ البَيتِ. مَعَهُ قَينَةٌ تُغَنِّيهِ. فَقَالتْ: أَلا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ
ــ
ومعاملتهم (لـ) آخذه من الجبل و (أبيعه) للصواغين ليوقدوا به النَّار عند الصياغة (ومعي) رجل لم أر من ذكر اسمه (صائغ) أي يعمل الصياغة (من بني قينقاع) بضم النُّون وكسرها وفتحها والضم أشهر وهم طائفة من يهود المدينة، ويجوز صرفه على إرادة الحي ومنعه من الصرف على إرادة القبيلة أو الطائفة، وفيه جواز الاستعانة باليهودي في الأعمال والأكساب، وفيه اتخاذ الوليمة للعرس سواء في ذلك من له مال كثير ومن دونه اهـ نووي، وقوله (فأستعين به) أي بالإذخر أي بثمنه فهو معطوف على قوله "فأبيعه" (على وليمة) الابتناء بـ (فاطمة) رضي الله تعالى عنها (و) عمي (حمزة بن عبد المطَّلب يشرب) الخمر، وذلك قبل تحريمها (في ذلك البيت) الذي أنخت عند بابه المسنتين، والحال أن (معه) أي مع حمزة (قينة) أي جارية مغنية، قال الأبي: القينة الجارية المغنية، ولعل هذا كان قبل المنع من الغناء اهـ (تغنيه) أي تغني حمزة وتمدحه (فقالت) في غنائها له أي قالت في جملة ما تغنت به (ألا يَا حمز للشرف النواء) وهذا هو الشطر الأول من الأشعار التي تغنت بها الجارية، وحكى الحافظ في الفتح [٦/ ٢٠٠] عن معجم الشعراء للمرزباني أن هذا الشعر لعبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي جد أبي السائب المخزومي وهو الذي أمر القينة أن تغني بها تثير همة حمزة لما عرف من كرمه على نحو الناقتين ليأكلوا من لحمها، وتمام الأشعار ما يلي:
ألا يا حمز للشرف النواء ... وهن معقلات بالفناء
ضع السكين في اللبات منها ... وضرجهن حمزة بالدماء
وعجل من أطايبها لشرب ... قديدًا من طبيخ أو شواء
قوله (ألا) حرفُ تنبيه واستفتاح (يَا حمز) منادى مفرد العلم مرخم حمزة يجوز فيه فتح الزاي على لغة من ينتظر المحذوف، وضمها على لغة من لا ينتظر (للشرف) باللام الجارة وضم الشين والراء جمع شارف على غير قياس، وذلك أن الشارف مؤنث لأنه اسم للناقة المسنة وهو في أصله صفة لها فكان حقه أن يجمع على (فواعل) أو (فعل) لأنهما مثالًا جمع فاعل إذا كان للمؤنث لكنه لما كان مذكر اللفظ أي ليس فيه علامة تأنيث حملوه على بازل الذي هو صفة للجمل المسن فجمعوه جمعه فقالوا: شرف كما
стр. 8602
النِّوَاءِ. فَثَارَ إِلَيهِمَا حَمْزَةُ بِالسيفِ. فَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا. ثُمَّ أَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا.
قُلتُ لابْنِ شِهَابِ: وَمِنَ السَّنَامِ؟ قَال: قَدْ جَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا فَذَهَبَ بِهَا. قَال ابْنُ شِهَابِ: قَال عَلِيٍّ: فَنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ أَفْظَعَنِي
ــ
قالوا بزل، والسلام حرف جر متعلق بمحذوف دل عليه الحال أي انتبه يَا حمزة وانهض للشرف أو قم لها، تحرضه على نحرها ولذلك قام حمزة فنحرها (النواء) بكسر النُّون وبالمد جمع ناوية وهي السمينة يقال نوت الناقة تنوي فهي ناوية وهو أَيضًا على غير قياس كما تقدم، والمعنى ألا يَا حمزة انهض وقم إلى نحر النوق السمينة، قال الخطابي: وقد روى ابن جرير الطبري بدل هذا اللفظ (ألا يَا حمز ذا الشرف النواء) بفتح الشين والراء في الشرف وفتح النُّون في النواء كأنه وصف حمزة بكونه شريفًا، والنواء حينئذ بمعنى النَّائِيّ وهو البعيد والمراد (ذا الشرف البعيد) أي مناله بعيد ولكنه رده الخطابي وقال إنه خطأ وتصحيف، ووقع في رواية القابسي والأصيلي (النوى) بالقصر وهو خطأ أَيضًا، وقوله (وهن معقلات) أي مشدودات مربوطات، والضمير للشوارف، وأتى بضمير الجمع مع أنهما كانتا اثنتين توسعًا و (الفناء) بكسر الفاء والمد جانب الدار (وضرجهن) أي لطخهن (بالدماء) السائلة منها من التضريج وهو التلطيخ (والأطايب) جمع الأطيب، والمراد عجل من أطيب لحمها (لشرب) بفتح الشين جمع شارب يعني عجل من أطيب لحمها لهؤلاء الندماء الذين يشربون الخمر و (القديد) المطبوخ من اللحم والطبيخ المطبوخ والشواء بكسر الشين المشوي (فثار) أي نهض وقام (إليهما) أي إلى الشارفين (حمزة بالسيف فجب) أي قطع (أسنمتهما) والجب الاستئصال في القطع والأسنمة جمع السنام والسنام بفتح السين حدبة على ظهر البعير (وبقر) أي شق (خواصرهما) جمع خاصرة وهي موضع الكلية بين الجنب والحقو (ثم أخذ من أكبادهما) جمع كبد، قال ابن جريج: (قلت لابن شهاب و) هل أخذ (من السنام) أَيضًا يعني سألته هل أخذ من السنام أَيضًا كما أخذ من الأكباد؟ فـ (قال) لي ابن شهاب: نعم (قد جب) وقطع (أسنمتهما) أَيضًا (فذهب بها، قال ابن شهاب: قال علي) بن أبي طالب (فنظرت إلى منظر) من الشارفين يعني إلى أسنمتهما وخواصرهما (أفظعني) أي أفزعني وأحزنني
стр. 8603
فَأَتَيتُ نَبِي الله ﷺ وَعِنْدَهُ زَيدُ بْنُ حَارِثَةَ. فَأَخْبَرْتُهُ الخَبَرَ. فَخَرَجَ وَمَعَهُ زَيدُ. وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ. فَدَخَلَ َعَلَى حَمْزَةَ فَتَغَيَّظَ عَلَيهِ. فَرَفَعَ حَمْزَةُ بَصَرَهُ. فَقَال: هَل أَنْتُمْ إلا عَبِيدٌ لِآبَائِي؟ فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَهْقِرُ حَتَّى خَرَج عَنْهُمْ.
٤٩٩٥ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنِي ابْن جُرَيج،
ــ
ذلك المنظر (فأتيت نبي الله ﷺ وعنده) ﷺ (زيد بن حارثة) مولى رسول الله ﷺ ﵁ (فأخبرته) ﷺ (الخبر) أي خبر ما وقع من حمزة (فخرج) رسول الله ﷺ معي (ومعه) ﷺ (زيد) بن حارثة (وانطلقت معه) ﷺ إلى البيت الذي فيه حمزة (فدخل) رسول الله ﷺ (على حمزة فتغيظ) أي غضب رسول الله ﷺ (عليه) أي على حمزة (فرفع حمزة بصره) إلى رسول الله ﷺ (فقال) حمزة لرسول الله ﷺ وهل في قوله (هل أنتم) للاستفهام الإنكاري والخطاب لرسول الله ﷺ وعلي وزيد أي ما أنتم (إلا عبيد لأبائي) أي إلَّا كعبيد لأبي عبد المطَّلب! يريد والله أعلم أن عبد الله وأبا طالب كانا كأنهما عبدان لعبد المطَّلب في الخضوع لحرمته والجد يدعى سيدًا وأنه أقرب إليه منهما فأراد الافتخار عليهم بذلك، وفي الرواية الآتية (لأبي) بالإفراد؛ والمراد به في الموضعين عبد المطَّلب، والجمع هنا للتعظيم (فرجع) رسول الله ﷺ عن حمزة حالة كونه (يقهقر) أي يمشي القهقرى وهو المشي إلى الخلف، وكأنه فعل ذلك خشية أن يزداد عبث حمزة في حالة سكره فينتقل من القول إلى الفعل فأراد أن يكون ما يقع من حمزة بمرأى منه ليدفعه إن وقع منه شيء كذا في فتح الباري (حتَّى خرج) رسول الله ﷺ (عنهم) أي من عند حمزة ومن معه من الشربة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخَارِيّ أخرجه في مواضع منها في الجهاد باب فرض الخمس برقم [٣٩٠١] وأبو داود في الخراج برقم [٢٩٨٦].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٤٩٩٥ - (٠) (٠) (وحدثنا عبد بن حميد أخبرني عبد الرَّزّاق أخبرني ابن جريج)
стр. 8604
بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٤٩٩٦ - (٠٠) (٠٠) وحدثني أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. أخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيرٍ، أَبُو عُثْمَانَ المِصْرِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَينِ بْنِ عَلِيٍّ؛ أَنَّ حُسَينَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَلِيًّا قَال: كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ، يَوْمَ بَدْرٍ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الخُمْسِ يَوْمَئِذٍ. فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ، بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَاعَدْتُ رَجُلًا
ــ
غرضه بيان متابعة عبد الرَّزّاق الحجاج بن محمَّد (بهذا الإسناد) يعني عن ابن شهاب إلى علي بن أبي طالب، وساق عبد الرَّزّاق (مثله) أي مثل حديث حجاج بن محمَّد.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث علي ﵁ فقال:
٤٩٩٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو بكر) محمَّد (بن إسحاق) الصاغاني الخُرَاسَانِيّ الأصل البغدادي، ثِقَة ثبت، من (١١) روى عنه في (٨) أبواب (أخبرنا سعيد بن كثير بن عفير) بمهملة وفاء مصغرًا الأَنْصَارِيّ مولاهم (أبو عثمان المصري) روى عن ابن وهب في الضحايا والأشربة وسليمان بن بلال في الفضائل، والليث ومالك وطائفة، ويروي عنه (خ م س) وأبو بكر بن إسحاق وعثمان بن خرزاذ، قال أبو حاتم: لم يكن بالثبت، كان يقرأ من كتب النَّاس وهو صدوق، وقال ابن عدي: هو عند النَّاس صدوق ثِقَة، وقال النَّسائيّ: صالح، وقال ابن معين: ثِقَة لا بأس به، وقال الحاكم: يقال إن مصر لم تخرج أجمع للعلوم منه، وقال في التقريب: صدوق عالم بالأنساب والأخبار والمناقب، من العاشرة، مات سنة (٢٢٦) ست وعشرين ومائتين (حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب) بن مسلم الفهمي المصري، ثِقَة، من (٩) (حَدَّثني يونس بن يزيد) الأُموي الأيلي، ثِقَة، من (٧) (عن ابن شهاب أخبرني علي بن حسين بن عليّ) بن أبي طالب (أن حسين بن عليّ) بن أبي طالب ﵁ (أخبره أن عليًّا) ابن أبي طالب ﵁ (قال) وهذا السند من ثمانياته، غرضه بيان متابعة يونس بن يزيد لابن جريج (كانت لي شارف) أي ناقة مسنة (من نصيبي) أي من سهمي (من المغنم يوم بدر وكان رسول الله ﷺ أعطاني شارفًا من الخمس) أي من خمس الغنيمة التي غنموها (يومئذ) أي يوم غزوة بدر قال علي (فلما أردت) وقصدت (أن أبتني) وأدخل، والبناء الدخول بالزوجة وأصله أنَّهم كانوا من أراد ذلك بنوًا له قبة فخلا فيها بأهله (بفاطمة بنت رسول الله ﷺ واعدت رجلًا)
стр. 8605
صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَينُقَاعَ يَرْتَحِلُ مَعِيَ. فَنَأتِي بِإِذْخِرٍ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ. فَأَسْتَعِينَ بِهِ في وَليمَةِ عُرْسِي. فَبَينَا أَنَا أَجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعًا مِنَ الأَقْتَابِ وَالغَرَائِرِ وَالحِبَالِ. وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ
ــ
أي عاهدت معه ولم أر من ذكر اسم الرَّجل (صواغًا) بفتح الصاد المهملة وتشديد الواو صفة رجلًا، والصواغ مبالغة في الصائغ؛ وهو الذي يصوغ الذهب والفضة (من بني قينقاع) بفتح القافين وضم النُّون على الأشهر وقد تفتح وتكسر، وقال في القاموس: هم شعب من اليهود كانوا بالمدينة، وقوله (يرتحل معي) أي يمشي معي إلى موضع الإذخر، صفة ثالثة لرجلًا، وفي رواية البُخَارِيّ (أن يرتحل معي) بزيادة أن المصدرية فتكون الجملة في تأويل مصدر منصوب على أنَّه مفعول ثان لواعد أي واعدته الارتحال معي (فنأتي بإذخر) بكسر الهمزة وذال معجمة ساكنة حشيشة طيبة الرائحة (أردت أن أبيعه من الصواغين فأستعين به) بالنصب عطفًا على أبيعه أي أستعين بثمنه (في) شراء طعام (وليمة عرسي) بفاطمة، قال الجوهري: العرس بضم العين وسكون الراء طعام الوليمة ويقال أعرس الرَّجل إذا بني بأهله وكذلك إذا غشيها، وفي القاموس نحوه وبكسر العين امرأة الرَّجل، والوليمة طعام الزفاف وحينئذ فينبغي كسر العين أي طعام وليمة المرأة وإلا فيصير المعنى طعام وليمة وليمتي، وإنما سمي طعام الوليمة المعمول عند العرس عرسًا باسم سببه اهـ من الإرشاد.
وفيه أن ما يجمعه الصواغ يكون ملكًا له فكيف يبيعه علي ﵁ لنفسه؟ والجواب أن الصواغ وعده بأنه سيهب له ما يجمعه وذلك لما بينهما من صداقة أو تكون مصاحبة الصواغ لمجد الاستيناس به ويكون كل واحد منهما مالكًا لما يجمعه بنفسه ولا يبيع علي إلَّا ما هو ملك له والله أعلم اهـ من التكملة.
(فبينا) بلا ميم وكذا مع الميم ظرف ملازم للإضافة إلى الجملة (أنا أجمع لشارفي) أي لشارفين لي هو مثنى أضيف إلى ياء المتكلم (متاعًا) يحتاج إليه في حمل الإذخر عليهما (من الأقتاب) جمع قتب وهو أداة الرحل، وقال النووي: وهو رحل يكون قدر السنام اهـ وقد يكون في موضع آخر بمعنى الأمعاء وهو وما بعده بيان للمتاع (والغرائر) بالغين المعجمة والراء المكررة جمع غرارة ما يوضع فيه الشيء من التبن وغيره وتسمى بالجوالق كما في النووي (والحبال) جمع حبل والمراد الحبال التي تربط بها الحمولة على القتب (وشارفاي) أي والحال أن شارفي (مناخان) أي مبروكتان هكذا هو في معظم
стр. 8606
إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ. وَجَمَعْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ. فَإِذَا شَارِفَايَ قَدِ اجْتُبَّتْ أَسْنِمَتُهُمَا، وَبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا، وَأخِذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا. فَلَمْ أَمْلِكْ عينَيَّ حِينَ رَأَيتُ ذلِكَ المَنْظَرَ مِنْهُمَا. قُلتُ: مَنْ فَعَلَ هذَا؟ قَالُوا: فَعَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ. وَهُوَ في هذَا البَيتِ في شَرْبٍ مِنَ الأَنْصَارِ. غَنَّتْهُ قَينَةٌ وَأَصْحَابُهُ. فَقَالتْ في غِنَائِهَا: ألا يَا حَمْزُ لِلشُرُفِ النِّوَاءِ. فَقَامَ حَمْزَةُ بِالسَّيفِ. فَاجْتَبَّ
ــ
النسخ (مناخان) وفي بعضها (مناختان) بزيادة التاء وهما صحيحان فأنث باعتبار المعنى، وذكر باعتبار اللفظ يعني لفظ شارف (إلى جنب حجرة رجل من الأَنصار) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه (وجمعت حين جمعت ما جمعت) من الأقتاب والغرائر وغيرها، وفي رواية (ورجعت) أي إليهما (حين جمعت ما جمعت) من الأمتعة وهي أوضح بل أصوب (فإذا) الفاء عاطفة، وإذا فجائية رابطة لجواب بينا أي فبينا أوقات جمعي ما جمعت من الأمتعة ورجوعي إليهما (شارفاي قد اجتبت) أي قد قطعت، وفي رواية للبخاري (قد اجتبت) وفي أخرى (قد جبت) وهي أوضح (أسنمتهما وبقرت) أي شقت (خواصرهما وأخذ من كبادهما) والمعنى فبينا جمعي ما جمعت ورجوعي إليهما فاجأني جب أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ أكبادهما (فلم أملك عيني) بلفظ التثنية أي فلم أقدر إمساك عيني عن البكاء (حين رأيت ذلك المنظر) الفظيع (منهما) وإنما بكى علي ﵁ خوفًا من تقصيره في حق فاطمة رضي الله تعالى عنها أو في تأخير الابتناء بها لا لمجرد ذوات الناقتين اهـ من الإرشاد.
قال علي ﵁ (قلت) لمن حولهما (من فعل هذا) الجب والبقر والأخذ من أكبادهما (قالوا) أي قال الحاضرون حولهما (فعله) أي فعل هذا الجب والبقر بهما (حمزة بن عبد المطَّلب وهو) أي حمزة جالس (في هذا البيت في شرب) أي مع شربه (من الأَنصار) بفتح الشين المعجمة وسكون الراء جماعة يجتمعون على شرب الخمر اسم جمع عند سيبويه، وجمع شارب عند الأخفش كصحب وصاحب (غنته) أي مدحته وأطربته (قينة) أي جارية مغنية بقصيدة مطلعها ألا يَا حمز .. الخ (وأصحابه) بالنصب معطوف على ضمير غنته لوجود الفاصل أي غنته وأصحابه من الشربة معه جارية مغنية أي صاحبة غناء بتلك القصيدة (فقالت في غنائها ألا يَا حمز للشرف النواء فقام حمزة بالسيف فاجتب) حمزة أي جب وقطع فهو خماسي بمعنى الثلاثي زيد فيه إفادة للمبالغة
стр. 8607
أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا. فَأخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا. قَال عَلِيُّ: فَانْطَلَقْتُ حَتى أَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعِنْدَهُ زَيدُ بْنُ حَارِثَةَ. قَال: فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في وَجْهِيَ الّذِي لَقِيتُ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا لكَ؟ " قلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ، مَا رَأَيتُ كَاليَوْمِ قَط
ــ
في المعنى (أسنمتهما وبقر خواصرهما فأخذ من أكبادهما. فقال علي) ﵁ (فانطلقت) من عندهما (حتَّى أدخل على رسول الله ﷺ أي ذهبت حتَّى دخلت عليه ﷺ فيجوز فيه الرفع والنصب، ورجح ابن مالك النصب وعبر بصيغة المضارعة مبالغة في استحضار صورة الحال وإلا فكان الأصل أن يقول حتَّى دخلت على النَّبِيّ ﷺ (وعنده زيد بن حارثة قال) علي (فعرف رسول الله ﷺ حين دخلت عليه (في وجهي) أثر (الذي لقيت) من اعتداء حمزة على شارفي (فقال) لي (رسول الله ﷺ مالك) يَا علي أي أي شيء ثبت لك فظهر أثره في وجهك فـ (قلت) له ﷺ (يَا رسول الله والله) أتى بالقسم لتأكيد الكلام (ما رأيت كاليوم قط) أي ما رأيت فيما مضى من عمري منظرًا أفظع مثل منظر اليوم، وقط ظرف مستغرق لما مضى من الزمان ملازم للنفي، قال القرطبي: هذا كلام كثر عندهم حتَّى صار كالمثل، والكاف فيه نعت (يوم) محذوف تقديره ما رأيت يومًا مثل اليوم يهولني لما لقيت فيه، ويحتمل أن يكون نعتًا لمصدر محذوف أي ما رأيت كربًا مثل كرب اليوم أو ما شاكل ذلك، ويدل على الأول ما أنشده ابن شبة من الزيادة في شعر القينة فقال:
ألا يا حمز للشرف النواء ... وهن معقلات بالفناء
ضع السكين في اللبات منها ... وضرجهن حمزة بالدماء
وعجل من أطايبها لشرب ... قديدًا من طبيخ أو شواء
(قلت) وعلى هذا فيكون فيه حجة على إباحة أكل ما ذبحه غير المالك تعديًا كالغاصب والسارق وهو قول جمهور العلماء مالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وخالف في ذلك إسحاق وداود وعكرمة فقالوا: لا يؤكل وهو قول شاذ، وحجة الجمهور أن الذكاة وقعت من المتعدي على شروطها الخاصة بها وقيمة الذبيحة قد تعلقت بذمة المتعدي فلا موجب للمنع وقد وقع التفويت، وقد روى ابن وهب حديثًا
стр. 8608
عَدَا حَمْزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ فَاجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا. وَهَا
ــ
يدل على جواز الأكل رواه أَحْمد [٥/ ٢٩٣] وأبو داود [٣٣٣٢] والدارقطني [٤/ ٢٨٦] من حديث عاصم بن كليب. ولم يقع في شيء من الصحيح أن النَّبِيّ ﷺ ألزم حمزة غرامة الشارفين، لكن روى هذا الحديث عمر بن شبة في كتابه وزاد فيه من رواية أبي بكر بن عياش: فغرمهما النَّبِيّ ﷺ عن حمزة. وهذه الرواية جارية على الأصول إذ لا خلاف في أن ما يتلف السكران من الأموال يلزمه غرمه وعلى تقدير أن لا تثبت هذه الزيادة فعدم النقل لا يدل على عدم المنقول ولو دل على ذلك لأمكن أن يقال إنما لم يحكم عليه النَّبِيّ ﷺ بالغرامة لأن عليًّا ﵁ لم يطلبها منه أو لأن النَّبِيّ ﷺ تحملها عنه والله تعالى أعلم.
(قلت) وهذا الحديث يدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحًا معمولًا به معروفًا عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير وأن النَّبِيّ ﷺ أقر عليه وعليه يدل قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، وقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾، وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر؟ ظاهر هذا الحديث يدل عليه فإن ما صدر من حمزة ﵁ للنبي ﷺ من القول الجافي المخالف لما يجب عليه من احترام النَّبِيّ ﷺ وتوقيره وتعزيره يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر ولذلك قال الراوي فعرف رسول الله ﷺ أنَّه ثمل ثم إن النَّبِيّ ﷺ لم ينكر على حمزة ولا عنفه لا في حال سكره ولا بعد ذلك فكان ذلك دليلًا على إباحة ما يسكر عندهم، وقد احتج بهذا الحديث من لا يلزم طلاق السكران من جهة أن النَّبِيّ ﷺ لم يؤاخذ حمزة بما صدر منه من قوله وإليه ذهب المزني والليث وبعض أصحاب أبي حنيفة، وتوقف فيه أَحْمد بن حنبل، والجمهور من السلف والخلف وكافة الفقهاء على أن ذلك يلزمه لأن السكران بعد التحريم أدخل نفسه في السكر بمعصية الله تعالى فكان مختارًا لما يكون منه فيه ولم يكن حمزة كذلك بل كان شربه مباحًا كما مر آنفًا فصار ذلك بمثابة من سكر من شرب اللبن أو غيره من المباحات فإنَّه لا يلزمه شيء مما يجري منه من القول ويكون كالمغمى عليه والله أعلم اهـ من المفهم بتصرف.
(عدا حمزة) أي تعدى (على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها) أي انتبه
стр. 8609
هُوَ ذَا في بَيتٍ مَعَهُ شَرْبٌ. قَال: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرِدَائِهِ فَارْتَدَاهُ. ثُمّ انْطَلَقَ يَمْشِي. وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزيدُ بْنُ حَارِثَةَ. حَتى جَاءَ البَابَ الذِي فِيهِ حَمْزَةُ. فَاسْتَأذَنَ. فَأَذِنُوا لَهُ. فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ. فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ. فَإِذَا حَمْزَةُ مُحْمَرَّةٌ عَينَاهُ. فَنَظَرَ حَمْزَةُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ . ثُمَّ صَعَّدَ النظَرَ فَنَظَرَ إلى رُكْبَتَيهِ. ثُمّ صَعَّدَ النظَرَ إلى سُرَّتِهِ. ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إلى وَجْهِهِ. فَقَال حَمْزَةُ: وَهَل أَنْتُمْ إلا عَبِيدٌ لأبَي؟
ــ
يَا رسول الله (هو) أي حمزة (ذا) أي حاضر جالس (في بيت) لرجل من الأَنصار (معه) أي مع حمزة في ذلك البيت (شرب) بفتح الشين وسكون الراء جمع شارب أي معه شربة الخمر، اجتمعوا عليها (قال) علي (فدعا النَّبِيّ ﷺ أي طلب (بردائه) فجيء به (فارتداه) فيه أن للإمام أن يمضي إلى بيت من بلغه أنَّهم على منكر ليغيره، وفيه أن للكبير في بيته أن يلقي رداءه تخفيفًا وأنه إذا أراد لقاء أتباعه يكون على أكمل هيئة كذا في فتح الباري (ثم انطلق يمشي) أي غير راكب (واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتَّى جاء الباب الذي فيه حمزة فاستأذن) في الدخول (فأذنوا له) ﷺ ، وفي رواية البُخَارِيّ (فأذنوا لهم) أي للثلاثة، قال الحافظ: فيه سنة الاستئذان في الدخول وأن الإذن للرئيس يشمل أتباعه لأن زيد بن حارثة وعليًّا دخلا مع النَّبِيّ ﷺ وهو الذي كان استأذن فاذنوا له اهـ (فإذا هم) أي المجتمعون في البيت (شرب) أي شاربون للخمر (فطفق) بكسر الفاء أي جعل (رسول الله ﷺ يلوم) ويوبخ (حمزة فيما فعل) وعدا على ناقتي علي ﵄ (فإذا حمزة محمرة عيناه) لسكره (فنظر حمزة) ﵁ (إلى) أسافل (رسول الله ﷺ ثم صعد) بفتح الصاد والعين المشددة المهملتين (النظر) أي البصر أي رفعه (إلي ركبتيه) ﷺ ، وفي رواية البُخَارِيّ (ركبته) بالإفراد (ثم صعد) بفتحتين مع التشديد أَيضًا أي رفع (النظر فنظر) حمزة (إلى سرته) ﷺ (ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه) ﷺ (فقال حمزة وهل أنتم إلَّا عبيد لأبي) عبد المطَّلب أي كالعبيد له؛ يريد والله أعلم أن عبد الله وأبا طالب كانا كأنهما عبدان لعبد المطَّلب في الخضوع لحرمته، والجد أَيضًا يدعى سيدًا لأحفاده وأنه أقرب إليه منهما فأراد الافتخار عليهم
стр. 8610
فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّهُ ثَمِل. فَنَكَصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ َعَلَى عَقِبَيهِ القَهْقَرَى. وَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ.
٤٩٩٧ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ. حَدثني عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ,
ــ
بذلك كما مر (فعرف رسول الله ﷺ من قوله ونظره (أنَّه) أي أن حمزة (ثمل) بفتح المثلثة مع كسر الميم ورفع اللام مع التنوين على صيغة اسم الفاعل من فعل المكسور يقال ثمل فهو ثمل أي سكران، وفي رواية البُخَارِيّ (أنَّه قد ثمل) بصيغة الماضي (فنكص رسول الله ﷺ أي رجع (على عقبيه) بلفظ التثنية أي وراءه رجوع (القهقرى) يقال نكص إذا تأخر و (القهقرى) الرجوع إلى وراء ووجهه إليك قاله الأخفش يقال منه تقهقر الرَّجل يتقهقر إذا فعل ذلك، وظاهر هذا أن النَّبِيّ ﷺ رجع إلى خلفه ووجهه إلى حمزة مخافة أن يصدر من حمزة شيء يكره فإنَّه قد كان السكر أذهب عقله، وقيل المعنى أنَّه خرج عنهم مسرعًا والأول أولى (وخرج) النَّبِيّ ﷺ من عندهم (وخرجنا) يريد علي نفسه وزيد بن حارثة (معه) ﷺ .
وإنما أورد الإِمام مسلم رحمه الله تعالى هذا الحديث أول كتاب الأشربة ليتبين به حكمة تحريم الخمر فإن الإنسان بعد شربها لا يملك نفسه فيعتدي على مال الغير ويرتكب ما فيه غضاضة له فإن حمزة ﵁ مع كونه عمًا لرسول الله ﷺ كان من أكثر النَّاس إجلالًا واحترامًا لرسول الله ﷺ وما كان يتصور منه أن يخاطب رسول الله ﷺ بما خاطبه به في حالة السكر والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث علي ﵁ فقال:
٤٩٩٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه محمَّد بن عبد الله بن قهزاذ) المروزي، ثِقَة، من (١١) روى عنه في (٧) أبواب (حَدَّثني عبد الله بن عثمان) بن جبلة بن أبي رواد الأَزدِيّ العتكي أبو عبد الرَّحْمَن المروزي، الملقب بعبدان واسم أبي رواد أيمن مولى المهلب بن أبي صفرة، روى عن ابن المبارك في الأشربة والفضائل، وأبيه في المرء مع من أحب، وأبي حمزة السكري في الفتن ويروي عنه (خ م د ت س) ومحمَّد بن عبد الله بن قهزاذ ومحمَّد بن يحيى الذُّهليّ وأبو علي اليشكري، ومر البسط في ترجمته في المقدمة، ثِقَة،
стр. 8611
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٤٩٩٨ - (١٩٣) (٢) حدّثني أَبُو الرَبِيعِ، سُلَيمَانُ بْنُ دَاوُدَ العَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (يَعْنِي ابْنَ زَيدٍ). أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ، يَوْمَ حُرِّمَتِ الخَمْرُ، في بَيتِ أَبِي طَلحَةَ. وَمَا شَرَابُهُمْ إلا الفَضِيخُ: البُسْرُ وَالتَّمْرُ
ــ
من (١٠) مات سنة (٢٢١) في شعبان (عن عبد الله بن المبارك) الحنظلي المروزي، ثِقَة، من (٨) (عن يونس عن الزُّهْرِيّ بهذا الإسناد) يعني عن علي إلى علي (مثله) أي مثل ما حدث عبد الله بن وهب عن يونس، غرضه بيان متابعة ابن المبارك لابن وهب. وهذا السند من ثمانياته أَيضًا.
ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أنس ﵁ فقال:
٤٩٩٨ - (١٩٣) (٢) (حَدَّثني أبو الرَّبيع) الزهراني (سليمان بن داود العتكي) البَصْرِيّ (حَدَّثَنَا حماد يعني ابن زيد) بن درهم الأَزدِيّ البَصْرِيّ (أخبرنا ثابت) بن أسلم البناني البَصْرِيّ (عن أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته (قال) أنس (كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة) الفضيخ كما هو مصرح به في رواية البُخَارِيّ وهو البسر الذي يشدخ ويصب عليه الماء ويترك حتَّى يغلي فيصير مسكرًا.
والذي يتلخص من الروايات الآتية أن القوم كان فيهم أبو أَيُّوب وأبو طلحة وأبو عبيدة ومعاذ بن جبل وأبو دجانة وسهيل بن بيضاء وأبي بن كعب في رهط من الأَنصار ﵃ ووقع عند عبد الرَّزّاق أنَّهم كانوا أحد عشر رجلًا، وفي رواية للبخاري في الباب الثالث من الأشربة (كنت قائمًا على الحي أسقيهم عمومتي وأنا أصغرهم الفضيخ) (وما شرابهم) أي ما شراب النَّاس وقتئذ (إلَّا الفضيخ) وقال الحافظ في الفتح: أما الفضيخ فهو بفاء وضاد معجمتين بوزن عظيم اسم للبسر إذا شدخ ونبذ في الماء وقد يطلق الفضيخ على خليط البسر والرطب كما يطلق على خليط البسر والتَّمر وكما يطلق على البسر وحده وعلى التمر وحده، والظاهر أن الذي أراد أنس هنا هو الخليط من البسر والتَّمر ولذا فسره بقوله والفضيخ هو (البسر والتَّمر) المخلوطان يصب عليهما الماء فيتركان إلى غليانهما فيشربان، قال في القاموس: الفضخ بفتح الفاء وسكون الضاد شق الشيء يقال فضخ البطيخ أو الرأس فضخًا من الباب الثالث إذا كسره وشدخه اهـ وحينئذ
стр. 8612
فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي. فَقَال: اخْرُجْ فَانْظُرْ. فَخَرَجْتُ فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي: "أَلَا إِن الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ". قَال: فَجَرَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ. فَقَال لِي أَبُو طَلحَةَ: اخْرُجْ فَأهْرِقها. فَهَرَقْتُهَا
ــ
الفضيخ المفضوخ أي المكسور والمشدوخ من البسر والتَّمر والله أعلم. وقال إبراهيم الحربي: الفضيخ أن يفضخ البسر ويصب عليه الماء ويتركه حتَّى يغلي، وقال أبو عبيد: هو ما فضخ من البسر من غير أن تمسه نار فإن كان معه تمر فهو خليط، وفي هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تصريح بتحريم جميع الأنبذة المسكرة وأنها كلها تسمى خمرًا اهـ نووي. والفاء في قوله (فإذا) عاطفة وإذا فجائية (مناد) مبتدأ سوغ الابتداء بالنكرة تقدم إذا الفجائية عليه، وجملة (ينادي) خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة كنت والتقدير كنت ساقي القوم الفضيخ ففاجأنا نداء مناد ينادي، قال الحافظ: لم أقف على اسم هذا المنادي، وقد وقع في بعض الروايات (أن رجلًا من المسلمين دخل عليهم أخبرهم بتحريم الخمر) ويمكن الجمع بينهما بأنه وقع كل ذلك فنادى مناد وسمعه أحد من المسلمين ودخل عليهم فأخبرهم اهـ.
(فقال) لي أبو طلحة ووقع التصريح بذلك فيما سيأتي من رواية سعيد عن قتادة (اخرج) يَا أنس من البيت (فانظر) من ينادي واستمع نداءه، قال أنس (فخرجت فإذا مناد ينادي) أي ففاجأني نداء مناد ينادي بقوله (ألا) حرف استفتاح وتنبيه أي انتبهوا أيها المسلمون واستمعوا ما أقول لكم (إن الخمر قد حرمت) أي حرم شربها فأريقوا ما بأيديكم منها (قال) أنس فأراقوها (فجرت) أي سالت الخمور التي أراقوها (في سكك المدينة) وزقاقها لكثرتها يعني توافق المسلمون على إراقتها فجرت في الأزقة بكثرتها، وفي رواية لابن مردويه (فانصبت حتَّى استنقعت في بطن الوادي) وفي رواية لعبد الرَّزّاق في مصنفه [٩/ ٢١٢] (حتَّى كادت السكك أن تمنع من ريحها) ولم يبال المسلمون بما استلزم ذلك من تلوث الطرق لأنهم قصدوا إشاعة تحريمها فاحتملوا أخف المفسدتين لحصول المصلحة العظيمة الحاصلة من الاشتهار، قال أنس (فقال لي أبو طلحة اخرج) بها يَا أنس (فأهرقها) أي كبها على الأرض أصله "فأرقها" وزيدت فيه الهاء على خلاف القياس وأبدلت الهمزة كذلك بالهاء في قوله (فهرقتها) ولفظ البُخَارِيّ (فأهرقها فأهرقتها) وفي قول أبي طلحة له أهرقها العمل بخبر الواحد لأنهم بادروا بإهراقها حين سمعوا النداء. (قلت) خبر الواحد هنا صحبته القرينة لأن النداء على هذا الوجه لا يكون إلَّا
стр. 8613
فَقَالُوا (أَوْ قَال بَعْضُهُمْ): قُتِلَ فُلانٌ، قُتِلَ فُلانٌ. وَهِيَ في بُطُونِهِمْ. (قَال فَلا أَدْرِي هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ) فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
ــ
صدقًا، والخلاف الذي في قبوله إنما هو عند التجرد عن القرائن اهـ أبي، قال أنس (فقالوا) أي قال النَّاس وتحدثوا فيما بينهم (أو) قال أنس (قال بعضهم) أي بعض النَّاس، وروى البَزَّار من حديث جابر أن الذين قالوا ذلك كانوا من اليهود كما في فتح الباري [٩/ ٢٧٩] ويحتمل أن الذين بدأوا بهذا القول هم اليهود ثم عرضت هذا الشبهة لبعض المسلمين أَيضًا فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ كما سيأتي (قتل فلان) كحمزة (وقتل فلان) كمصعب بن عمير قتلا يوم أحد قبل تحريم الخمر وقتل فلان وفلان (وهي) أي والحال أن الخمر (في بطونهم) يعني أنَّهم قد شربوا الخمر على أنها لم تحرم عليهم يومئذ وأن القرآن قد أخبر الآن بكونها رجسًا فإن هذا الرجس لم يزل في بطونهم فهل يعاقبون بذلك أم لا؟ وعبارة القرطبي هنا (قوله: قال بعضهم: قُتِل فلان، قُتِل فلان، وهي في بطونهم) هذا القول أصدره من قائله إما غلبة خوف وشفقة وإما غفلة عن المعنى وبيان ذلك أن الخمر كانت مباحة لهم كما قد صح أنَّهم كانوا يشربونها والنبي ﷺ يقرهم عليها وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ومن فعل ما أبيح له حتَّى مات على فعله لم يكن له ولا عليه شيء لا إثم ولا مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح لأن المباح مستوى الطرفين بالنسبة للشرع كما يعرف من الأصول وعلى هذا فما ينبغي أن يتخوف ولا يسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها فإما أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإباحة فلم يخطر له أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى وشفقته على إخوانه المُؤْمنين توهم مؤاخذة ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدم فإن الشفيق بسوء الظن مولع، فرفع الله ذلك التوهم بقوله : ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ أي فيما شربوا اهـ من المفهم.
(قال) بعض رواة هذا الحديث (فلا أدري) ولا أعلم أ (هو) أي هل هذا الآتي من ذكر نزول الآية (من حديث أنس) أم لا؟ يعني شك الراوي في أن حديث أنس قد انتهى على قوله وهي في بطونهم أو اشتمل على ما بعده من بيان نزول الآية في ذلك (فأنزل الله في جواب سؤالهم ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ أي فيما شربوا ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
стр. 8614
٤٩٩٩ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا يَحْيَى بْنُ أيوبَ. حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيبٍ. قَال: سَالُوا أَنَسَ بْنَ مالك عَنِ الفَضِيخِ؟
ــ
قوله (فيما طعموا) قال القرطبي: معنى طعموا شربوا كقول طالوت في الماء ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ وأصل اللفظة في المطعوم لا في المشروب لكن قد يتجوز بها فتستعمل في المشروب، ومعنى (إذا ما اتقوا) أي شربها بعد (وآمنوا) أي بتحريمها (وعملوا الصالحات) أي التي تصد عنها (ثم اتقوا) أي داموا على اجتنابها (وآمنوا) أي بالوعيد عليها (ثم اتقوا) أي نسوا التأويل في تحريمها (وأحسنوا) أي في اجتنابها مراقبة لله تعالى اهـ من الأبي.
وفي حديث أنس هذا أبواب من الفقه منها أن خبر الواحد كان معمولًا به عندهم معلومًا لهم ألا ترى أنَّهم لم يتوقفوا عند إخبار المخبر بل بادروا إلى إتلاف الخمر والامتناع مما كان مباحًا لهم، ومنها أن نداء المنادي عن الأمير ينزل في العمل منزلة سماع قوله. ومنها أن المحرم الأكل أو الشرب لا ينتفع به في شيء من الأشياء لا من بيع ولا من غيره، وفيه كسر أواني الخمر وعليه تخرج إحدى الروايتين عن مالك في كسرها لما داخلها من الخمر ولعسر غسلها وفي الأخرى إذا طبخ فيها الماء وغسلت جاز استعمالها وعلى هذا فإذا كانت الأواني مضراة في الخمر لا ينتفع بها في شيء من الأشياء تكسر على كل حال ولذلك شدد مالك في الزقاق فإن تعلق الرائحة بها عسر الانفكاك بل لا ينفك اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخَارِيّ [٥٥٨٢] وأبو داود [٣٦٧٣] والنَّسائيّ [٨/ ٢٨٧ و ٢٨٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
٤٩٩٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن أَيُّوب) المقابري البغدادي، ثِقَة، من (١٠) (حدثنا) إسماعيل بن إبراهيم الأسدي البَصْرِيّ المعروف بـ (ابن عليّة) اسم أمه، ثِقَة، من (٨) (أخبرنا عبد العزيز بن صهيب) البناني مولاهم البَصْرِيّ الأعمى، ثِقَة، من (٤) (قال) عبد العزيز (سألوا) أي سأل النَّاس (أنس بن مالك عن الفضيخ) ما هو ولم أر من ذكر أسماء السائلين. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة عبد العزيز لثابت بن أسلم
стр. 8615
فَقَال: مَا كَانَتْ لَنَا خَمْرٌ غَيرَ فَضيخِكُمْ هذَا الّذِي تُسَمُّونَهُ الفَضِيخَ. إِنِّي لَقَائِمْ أَسْقِيهَا أَبَا طَلحَةَ وَأَبَا أَيوبَ وَرِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، في بَيتِنَا. إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَال: هَل بَلَغَكُمُ الخَبَرُ؟ قُلنَا: لا. قَال: فَإِن الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. فَقَال: يَا أَنَس، أَرِقْ هذِهِ القِلال. قَال: فَمَا رَاجَعُوهَا وَلا سَأَلُوا عَنْهَا، بَعْدَ خَبَرِ الرّجُلِ
ــ
(فقال) أنس في جوابهم إما كانت لنا) معاشر الصَّحَابَة (خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ) وهو الخمرة المتخذة من البسر المشدوخ (إنِّي لقائم) يومًا حالة كوني (أسقيها) أي أسقي الخمرة المتخذة من الفضيخ وأصبها لهم، والضمير عائد إلى الفضيخ ولكن أنثه نظرًا إلى كونه بمعنى الخمر، وذكره أولًا نظرًا إلى لفظ الفضيخ (أَبا طلحة) زوج أمي أم سليم الأَنْصَارِيّ اسمه زيد بن سهل (وأبا أَيُّوب) الأَنْصَارِيّ اسمه خالد بن زيد (ورجالًا) آخرين (من أصحاب رسول الله ﷺ كأبي عبيدة وأبي دجانة وأبي بن كعب كما مر (في بيتنا) بيت أم سليم (إذ جاء رجل) من المسلمين لم أر من ذكر اسمه (فقال) الرَّجل (هل بلغكم الخبر) يعني خبر تحريم الخمر (قلنا لا؟ ) أي ما بلغنا (قال) ذلك الرَّجل (فإن الخمر قد حرمت) حرمها الله تعالى ورسوله ﷺ (فقال) لي أبو طلحة (يَا أنس أرق) أمر من الإراقة أي اكبب وأفرغ (هذه القلال) والجرار المملوءة بالخمر على الأرض، والقلال بكسر القاف جمع قلة بضمها وتشديد اللام وهي جرة كبيرة تسع مائتين وخمسين رطلًا اهـ نووي.
(قال) أنس (فما راجعوها) أي ما رجعوا إلى شربها (ولا سألوا عنها) أي عن حرمتها أحدًا (بعد) سماع (خبر الرَّجل) بل اكتفوا به لوجود القرينة الدالة على صدقه وهو نداء المنادي كما مر (قوله فما راجعوها ولا سألوا عنها) ضمير المؤنث هنا إما إلى القلال أو إلى الخمر؟ والمراد أنَّهم امتثلوا بأمر الله تعالى دون أن يعتريهم في ذلك شك أو شوق إلى ما ألفوه طول عمرهم، وبه يظهر ما كان عليه الصَّحَابَة من الاستسلام الكامل لأوامر الله ورسوله حيث تركوا عادتهم الأليفة في شرب الخمر في لحظة واحدة ولم يمنعهم من ذلك حبهم الشديد لها وولوعهم بها مع ما كانت الخمر في مجتمع أهل العرب من عناصر حياتهم التي لا يعيشون بدونها رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، قوله (بعد خبر الرَّجل) فيه وجوب العمل بخبر الواحد بالقيد السابق.
следующие страницы →