Полный текст (11 982 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.
стр. 8751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثاني حديث جابر ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث حديث جابر الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والرابع حديث ابن عمر ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والخامس حديث سلمة بن الأكوع ذكره للاستشهاد، والسادس حديث عمر بن أبي سلمة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والسابع حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والثامن حديث أنس ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والتاسع حديث أبي سعيد الثاني ذكره للاستشهاد به وذكر فيه متابعة واحدة، والعاشر حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد، والحادي عشر حديث ابن عباس ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه أربع متابعات والله أعلم.
***
стр. 8752
٦٦٢ - (٦) باب النهي عن التنفس في الإناء واستحبابه خارجه ومناولة الشراب الأيمن فالأيمن ولعق الأصابع والصحفة وأكل اللقمة الساقطة ومن دعي إلى الطعام فتبعه غيره
٥١٤٩ - (١٩٨٦) (٥١) حدَّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثنَا الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الإِنَاءِ
ــ
٦٦٢ - (٦) باب النهي عن التنفس في الإناء واستحبابه خارجه ومناولة الشراب الأيمن فالأيمن ولعق الأصابع والصحفة وأكل اللقمة الساقطة ومن دعي إلى الطعام فتبعه غيره
٥١٤٩ - (١٩٨٦) (٥١) (حدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (حدثنا) عبد الوهاب بن عبد المجيد (الثففي عن أيوب) السختياني (عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي (عن عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري أبي إبراهيم المدني، ثقة، من (٣) (عن أبيه) أبي قتادة الأنصاري السلمي بفتح السين واللام الحارث بن ربعي المدني ﵁. وهذا السند من سداسياته (أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس) بصيغة المجهول أي نهى عن أن يخرج الشارب نفسه (في) داخل (الإناء) عند الشرب منه لئلا يتقذر الماء أو اللبن مثلًا ببزاق يخرج من الفم أو بريح كريهة تتعلق بالماء أو بالإناء، وعلى هذا فإذا لم يتنفس في الإناء فليشرب في نفس واحد ما شاء قاله عمر بن عبد العزيز، وأجازه جماعة منهم ابن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومالك بن أنس، وكره ذلك قوم منهم ابن عباس وطاوس وعكرمة وقالوا: هو شرب الشيطان، والقول الأول أظهر لقوله ﷺ للذي قال إنه لا يروي من نفس واحد: "ابن القدح عن فيك ثم تنفس" رواه مالك وأبو داود والترمذي، وظاهره أنه أباح له الشرب في نفس واحد إذا كان يروى منه اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥٦٣٠]، والترمذي في الأشربة [١٨٩٠]، والنسائي في الطهارة [١/ ٤٣]، وابن ماجه في الطهارة [٣١٣].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أنس ﵁ فقال:
стр. 8753
٥١٥٠ - (١٩٨٧) (٥٢) وحدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَزْرَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ ثَلاثًا
ــ
٥١٥٠ - (١٩٨٧) (٥٢) (وحدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا حدثنا وكيع عن عزرة بن ثابت) بن أبي زيد عمرو بن أخطب (الأنصاري) ثقة، من (٧) روى عنه في (٤) أبواب (عن ثمامة بن عبد الله بن أنس) بن مالك الأنصاري البصري قاضيها، روى عن جده أنس بن مالك في الأطعمة، ويروي عنه (ع) وعزرة بن ثابت في الأطعمة، وابن عون وأبو عوانة ومعمر، وثقه أحمد والنسائي والعجلي، وقال ابن عدي: وأرجو أن لا بأس به، وقال في التقريب: صدوق، من الرابعة، وفي الخلاصة الخزرجية: مات بعد عشر ومائة (١١٠) (عن) جده (أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ كان يتنفس) أي يقطع نفسه (في الإناء) ويتنفس خارجه (ثلاثًا) قال المازري أي يقطع شربه بأن يبين القدح من فيه لا أنه يتنفس داخل الإناء لأنه صحت الأحاديث بالنهي عن ذلك وعن النفخ في الطعام والشراب، وحمل بعضهم هذا الحديث على ظاهره وهو أن يتنفس في الإناء ثلاثًا، وقال فعل ذلك لبيان الجواز، ومنهم من علل جواز ذلك في حقه ﷺ بأنه لم يكن يتقذر منه شيء بل الذي يتقذر من غيره يستطاب منه فإنهم كانوا إذا بزق أو تنخع تدلكوا بذلك، وإذا توضأ اقتتلوا على فضل وضوئه إلى غير ذلك مما في هذا المعنى.
(قلت) وحمل هذا الحديث على هذا ليس بصحيح بدليل بقية الحديث فإنه قال: "إنه أروى وأبرأ وأمرأ" وهذه الثلاثة الأمور إنما تحصل بأن يشرب في ثلاثة أنفاس خارج القدح، فأما إذا تنفس في الماء وهو يشرب فلا يأمن الشرق ويحصل تقذير الماء وقد لا يروى إذا سقط من بزاقه شيء أو خالطه من رائحة نفسه إن كانت هنالك رائحة كريهة، وعلى هذا المعنى حمل الحديث الجمهور وهو الصواب إن شاء الله تعالى نظرًا إلى المعنى ولبقية الحديث ولقوله للرجل "ابن القدح عن فيك" ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق ومن باب النظافة، وما كان ﷺ يأمر بشيء من مكارم الأخلاق ثم لا يفعله اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥٦٣١]، وأبو داود [٣٧٢٧]، والترمذي [١٨٨٥].
стр. 8754
٥١٥١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي عِصَامٍ، عَنْ أَنَسٍ. قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلاثًا، وَيَقُولُ: "إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ"
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٥١٥١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا عبد الوارث بن سعيد) بن ذكوان العنبري البصري، ثقة، من (٨) (ح وحدثنا شيبان بن فروخ) الحبطي الأبلي، صدوق، من (٩) (حدثنا عبد الوارث) العنبري (عن أبي عصام) المزني البصري، روى عن أنس في التنفس في الإناء في باب الأشربة، ويروي عنه (م د ت س) وعبد الوارث بن سعيد وشعبة وهشام الدستوائي، قيل اسمه ثمامة، وقال البخاري في التاريخ: اسمه خالد بن عبيد، وقال اللالكائي: أبو عصام اسمه خالد بن عبيد العتكي كان شيخًا نبيلًا، وكذا قال النووي في شرحه اسمه خالد بن عبيد، روى عن أنس ثلاثة أحاديث، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: مقبول، من الخامسة (عن أنس) بن مالك ﵁. وهذان السندان من رباعياته، غرضه بيان متابعة أبي عصام لثمامة بن عبد الله (قال) أنس (كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثًا) أي في خارج الشراب (ويقول إنه) أي إن التنفس خارج الإناء ثلاثًا (أروى) بالقصر اسم تفضيل من الري وهو زوال العطش بالماء أي أكثر وأبلغ إزالة للعطش لأنه إذا شرب في نفس واحد فقد يقطع التنفس تمام شربه فلا يروى (وأبرأ) بهمز آخره اسم تفضيل من البرء أي أكثر وأبلغ براءة وسلامة وخلاصًا من ألم العطش، وقيل معنى أبرأ أي أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفس واحد (وأمرأ) بهمز آخره أيضًا اسم تفضيل من مرؤ الشراب إذا سهل مرورًا في المرئ أي أسرع وأسهل انسياغًا ومرورًا في المرئ نظير قوله تعالى: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ أي هنيئًا سائغًا غير منغص لأنه إذا شرب في نفس واحد فقد يغص ويشرقه ويضر به ويولد أدواء اهـ من الأبي، قال القرطبي: إنهما بمعنى واحد أي أحسن وأسهل شربًا، والباء قد تبدل ميمًا في مواضع كثيرة يقال استمرأت الطعام إذا استحسنته واستطبته وعلى هذا المعنى الذي صار إليه الجمهور يكون الشراب المذكور بمعنى الشرب مصدرًا لا بمعنى الشراب الذي هو المشروب فتأمله فإنه حسن معنى
стр. 8755
قَال أَنَسٌ: فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلاثًا.
٥١٥٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ أَبِي عِصَامٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ وَقَال: فِي الإِنَاءِ.
٥١٥٣ - (١٩٨٨) (٥٣) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ. وَعَنْ يَمِينهِ أَعْرَابِيٌّ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ
ــ
وفصيح لغة يقال شرب شربًا وشرابًا بمعنى واحد اهـ من المفهم. (قال أنس) بالسند السابق (فأنا أتنفس في الشراب) أي في شرب المشروب، فالشراب مصدر بمعنى الشرب أي أتنفس في حالة الشرب (ثلاثًا) أي ثلاث مرات.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٥١٥٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا حدثنا وكيع عن هشام الدستوائي عن أبي عصام عن أنس) بن مالك ﵁ (عن النبي ﷺ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة هشام لعبد الوارث بن سعيد وساق هشام (بمثله) أي بمثل ما حدّث عبد الوارث (و) لكن (قال) هشام كان يتنفس (في الإناء) بدل في الشراب.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث آخر لأنس ﵁ فقال:
٥١٥٣ - (١٩٨٨) (٥٣) (حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته (أن رسول الله ﷺ أتي) أي أتاه آت (بلبن قد شيب) أي خلط ومزج (بماء) ليبرد، والآتي باللبن هو أنس بن مالك، وفي الحديث جواز خلط اللبن بالماء إذا لم يقصد به الغش والمقصود به هنا إبراد اللبن أو إكثاره (وعن يمينه) ﷺ (أعرابي) أي شخص من سكان البادية لم أر من ذكر اسمه (وعن يساره أبو بكر) الصديق رضي الله عنه
стр. 8756
فَشَرِبَ. ثُمَّ أَعْطَى الأَعْرَابِيَّ وَقَال: "الأَيمَنُ فَالأَيمَنُ".
٥١٥٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ (وَاللَّفْظُ لِزُهَيرٍ) قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ. وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ. وَكُنَّ أُمَّهَاتِي
ــ
(فشرب) ﵁ من ذلك اللبن (ثم) بعد شربه (أعطى الأعرابي) ما فضل منه (و) قال له عمر أعط يا رسول الله أبا بكر فـ (قال) رسول الله ﷺ (الأيمن فالأيمن) يجوز فيهما الرفع والنصب فالرفع على الابتداء والخبر محذوف جوازًا تقديره الأيمن أحق أو مقدم أي من على جهة اليمين أحق بالإعطاء لشرفه بشرف الجهة والنصب فعلى كونه مفعولًا لفعل محذوف جوازًا تقديره أعط الأيمن فالأيمن أو قدم الأيمن أو آثر الأيمن، وقوله في الرواية الآتية الأيمنون بالرفع يرجح رواية الرفع هنا، وفيه أن الأيمن يقدم في إعطاء الشراب وإن كان مفضولًا لأن النبي ﷺ قدم الأعرابي على أبي بكر مع فضله على الأعرابي، قال القرطبي: وإنما بدأ النبي ﷺ بالأعرابي لأنه كان عن يمينه فبيّن أن ذلك سنة ولذلك قال الأيمن فالأيمن أي أعط الأيمن وابدأ به، وقيل أيضًا إنه قصد استئلافه فإنه كان من كبراء قومه فلذلك جلس عن يمينه ﷺ والأول أظهر ولا يبعد قصد المعنى الثاني اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١١٣]، والبخاري في الأشربة [٥٦١٩]، وفي غيرها وأبو داود في الأشربة [٣٧٢٦]، والترمذي في الأشربة أيضًا [١٨٩٣]، وابن ماجه في الأشربة [٣٤٢٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٥١٥٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (وزهير بن حرب ومحمد بن عبد الله بن نمير واللفظ لزهير قالوا حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة سفيان بن عيينة لمالك بن أنس (قال) أنس (قدم النبي ﷺ المدينة) مهاجرًا من مكة (وأنا) وقتئذ غلام (ابن عشر) سنوات (ومات) النبي ﷺ (وأنا) وقتئذ شاب (ابن عشرين) سنة (وكن أمهاتي) جار على لغة أكلوني
стр. 8757
يَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ. فَدَخَلَ عَلَينَا دَارَنَا. فَحَلَبْنَا لَهُ مِنْ شَاةٍ دَاجِنٍ. وَشِيبَ لَهُ مِنْ بِئْرِ فِي الدَّارِ. فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَال لَهُ عُمَرُ - وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ شِمَالِهِ -: يَا رَسُولَ اللهِ! أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ
ــ
البراغيث يعني بهن أمه أم سليم وخالته أم حرام وغيرهما من محارمه فاستعمل لفظ الأمهات في حقيقته ومجازه توسعًا لأن الخالة بمنزلة الأم، وقوله: (وكن أمهاتي) جار على لغة أكلوني البراغيث فالنون في كن علامة تأنيث المسند إليه وجمعه وإلا فالقياس أن يقال وكانت أمهاتي (يَحثُثْنني) مضارع مسند إلى نون الإناث وفيه نون الوقاية أي يَحضُضْنني ويحرضنني ويرغبنني (على خدمته) ﷺ وكان أنس من الخزرج ولما قدم النبي ﷺ المدينة أتت به أمه إلى النبي ﷺ فقالت هذا أنس غلام يخدمك فقبله (فدخل) ﷺ (علينا دارنا) يومًا ومعه بعض أصحابه (فحلبنا له) أي لأجل شربه ﷺ لبنًا (من شاة داجن) أي معلوفة في البيت لا تخرج إلى المرعى آلفة له، والداجن بكسر الجيم هي التي تعلف في البيت، ويطلق الداجن على كل ما يألف البيت من طير وغيره (وشيب) أي خلط اللبن ومزج (له) ﷺ بماء (من بئر) أي من خزان أو بئر عميقة حفرت (في) ساحة (الدار) أي في دارنا، قال النووي: قال العلماء: والحكمة في شوبه أن يبرد أو يكثر أو للمجموع اهـ (فشرب) من ذلك اللبن المشوب بالماء (رسول الله ﷺ فقال له) ﷺ (عمر وأبو بكر) أي والحال أن أبا بكر (عن شماله) ﷺ أو الجملة الاسمية معترضة بين القول ومقوله وهو (يا رسول الله أعط) ما فضل عنك (أبا بكر) الصديق رضي الله تعالى عنهما.
قال الخطابي: العادة جارية لملوك الجاهلية ورؤسائها بتقديم الأيمن في الشرب حتى قال عمرو ابن كلثوم في قصيدة له:
وكان الكأس مجراها اليمينا
فخشي عمر لذلك أن يقدم النبي ﷺ الأعرابي على أبي بكر في الشرب فنبه عليه لأنه احتمل عنده أن النبي ﷺ يؤثر تقديم أبي بكر على تلك العادة فتصير السنة تقديم الأفضل في الشرب على الأيمن فبين النبي ﷺ بفعله وقوله أن تلك العادة لم تغيرها السنة وأنها مستمرة وأن الأيمن يقدم على
стр. 8758
فَأَعْطَاهُ أَعْرَابِيًّا عَنْ يَمِينِهِ. وَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الأَيمَنُ فَالأَيمَنُ".
٥١٥٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرِ) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ، أَبِي طُوَالةَ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ. قَال: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي دَارِنَا. فَاسْتَسْقَى. فَحَلَبْنَا لَهُ
ــ
الأفضل في ذلك ولا يلزم من ذلك حط رتبة الأفضل نقله الحافظ في الفتح [١٠/ ٧٦].
(فأعطاه) أي فأعطى النبي ﷺ الشراب (أعرابيًّا) كان (عن يمينه وقال رسول الله ﷺ الأيمن فالأيمن) أي قدموا الأيمن فالأيمن في الشراب، وذكر ابن التين أن الأعرابي هو خالد بن الوليد ﵁ ورده الحافظ في مساقاة الفتح [٥/ ٣١] وبين منشأ شبهته.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا فقال:
٥١٥٥ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة) بن سعيد الثقفي البلخي (وعلي بن حجر) السعدي المروزي (حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني، ثقة، من (٨) (عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم أبي طوالة) بضم الطاء المهملة وفتح الواو المخففة (الأنصاري) النجاري المدني قاضيها، ثقة، من (٥) روى له في (٥) أبواب، وليس عندهم من كنيته أبو طوالة إلَّا هذا الثقة (أنه) أي أن أبا طوالة (سمع أنس بن مالك) ﵁ (ح وحدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) الحارثي القعنبي المدني البصري (واللفظ) الآتي (له) أي لعبد الله بن مسلمة لا ليحيى بن أيوب (حدثنا سليمان يعني ابن بلال) التيمي المدني، ثقة، من (٨) (عن عبد الله بن عبد الرحمن) بن معمر (أنه سمع أنس بن مالك) ﵁. حالة كونه (يحدث) الحديث الآتي. وهذان السندان من رباعياته (قال) أنس (أتانا رسول الله ﷺ في دارنا فاستسقى) أي طلب سقيا الشراب (فحلبنا له) صلى الله
стр. 8759
شَاةً. ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِي هذِهِ. قَال: فَأَعْطَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ وجَاهَهُ، وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ شُرْبِهِ. قَال عُمَرُ: هذَا أَبُو بَكْرٍ. يَا رَسُولَ اللهِ، يُرِيهِ إِيَّاهُ. فَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الأَعْرَابِيَّ. وَتَرَكَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ. وَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الأَيمَنُونَ، الأَيمَنُونَ، الأَيمَنُونَ".
قَال أَنَسٌ: فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ
ــ
عليه وسلم (شاة) أي لبنًا من شاة داجن، قال أنس (ثم شبته) بوزن قلته لأنه أجوف واوي أي مزجت اللبن (من ماء) أي بماء (بئر) أهلـ (ـي هذه) الموجودة الآن بإضافة ماء إلى البئر مع إضافة البئر إلى ياء المتكلم، والإضافة لأدنى ملابسة، واسم الإشارة صفة للبئر أي بماء من بئر أهلنا الموجودة تلك البئر الآن في ساحتهم (قال) أنس (فأعطيت رسول الله ﷺ ذلك اللبن المشوب (فشرب رسول الله ﷺ من ذلك اللبن قدر كفايته (وأبو بكر) جالس (عن يساره وعمر) بن الخطاب جالس (وجاهه) أي تلقاء وجهه ﷺ وقدامه، قال في القاموس: الوجاه والتجاه بالحركات الثلاث في الواو والتاء التلقاء يقال قعدت وجاهك أو تجاهك أي تلقاء وجهك وقدامه اهـ. وقال النووي: الوجاه بضم الواو وكسرها لغتان أي قدامه مواجهًا له ﷺ (وأعرابي) من الأعراب جالس (عن يمينه) ﷺ (فلما فرغ رسول الله ﷺ من شربه) أي من شرب قدر كفايته من اللبن (قال عمر هذا) الجالس عن يسارك (أبو بكر يا رسول الله) حالة كون عمر (يريه) أي يري ويبصر رسول الله ﷺ (إياه) أي أبا بكر يعني يريد عمر أن ينبه رسول الله ﷺ على وجود أبي بكر في المجلس ليقدمه رسول الله ﷺ في سقي اللبن وذلك من شدة حب عمر لأبي بكر ﵁ وفرط تعظيمه له (فأعطى رسول الله ﷺ الأعرابي وترك أبا بكر وعمر وقال رسول الله ﷺ الأيمنون) مبتدأ خبره محذوف تقديره أحق بالإعطاء (الأيمنون الأيمنون) توكيد لفظي للأول يعني الأيمنون أحقاء بالإعطاء والتقديم وإن كانوا مفضولين (قال أنس) بالسند السابق (فهي سنة فهي سنة فهي سنة) بالتكرار ثلاثًا للتأكيد يعني مناولة
стр. 8760
٥١٥٦ - (١٩٨٩) (٥٤) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ. فَشَرِبَ مِنْهُ. وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ
ــ
الشراب الأيمن فالأيمن طريقة شرعية وهل تجري هذه السنة في غير الشراب كالمأكول والملبوس وغيرهما من جميع الأشياء، قال المهلب وغيره: نعم، وقال مالك: إن ذلك في الشراب خاصة، قال أبو عمر: ولا يصح ذلك عن مالك، قال القاضي عياض: ويشبه أن يكون معنى قول مالك إن ذلك في الشراب خاصة أنه فيه جاءت السنة بتقديم الأيمن فالأيمن وغيره إنما هو من باب الاجتهاد والقياس اهـ من المفهم قال النووي: في هذه الأحاديث بيان هذه السنة الواضحة وهو موافق لما تظاهرت عليه دلائل الشرع من استحباب التيامن في كل ما كان من أنواع الإكرام، وفيه أن الأيمن في الشراب وغيره يقدم وإن كان صغيرًا أو مفضولًا لأنه ﷺ قدم الأعرابي والغلام على أبي بكر ﵁ وأما تقديم الأفاضل والكبراء فهو عند التساوي في باقي الأوصاف، ولهذا يقدم الأفقه والأقرأ على الأسن النسيب في إمامة الصلاة اهـ، وقال الحافظ في الفتح [١٠/ ٧٦]: وفي الحديث من الفوائد غير ما ذكر منها أن من سبق إلى مجلس رئيس لا ينحى منه لمجئ من هو أولى منه بالجلوس في الموضع المذكور بل يجلس الآتي حيث انتهى به المجلس لكن إن آثره السابق جاز، ومنها أن الجلساء شركاء فيما يقرب إليهم على سبيل الفضل لا اللزوم للإجماع على أن المطالبة بذلك لا تجب قاله ابن عبد البر، وفيه دخول الكبير بيت خادمه وصاحبه ولو كان صغير السن اهـ منه.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث سهل بن سعد ﵃ فقال:
٥١٥٦ - (١٩٨٩) (٥٤) (حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس فيما قرئ عليه عن أبي حازم) سلمة بن دينار التمار الأعرج المدني، ثقة، من (٥) (عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي (الساعدي) الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من رباعياته (أن رسول الله ﷺ أتي بشراب) لبن، والآتي به هي ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ ﵂ (فشرب) النبي ﷺ (منه) أي من ذلك الشراب (وعن يمينه) ﷺ (غلام) والغلام هو
стр. 8761
وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ. فَقَال لِلْغُلامِ: "أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هؤُلاءِ؟ " فَقَال الْغُلامُ: لَا. وَاللهِ! لا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا.
قَال: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي يَدِهِ
ــ
عبد الله بن عباس (وعن يساره) ﷺ (أشياخ) فيهم خالد بن الوليد (فقال) النبي ﷺ (للغلام أتأذن لي) يا غلام (أن أعطي) هذا الشراب (هؤلاء) الأشياخ (فقال الغلام لا والله لا أوثر) ولا أختار (بنصيبي) من بركة الشراب (من) فضل شرابـ (ـك أحدًا) من الناس (قال) سهل الراوي (فتله) أي فتل الشراب وألقاه (رسول الله ﷺ في يده) أي في يد الغلام ليشربه، والتل بفتح التاء وتشديد اللام إلقاء شخص على الأرض أو إلقاؤه على وجهه يقال تل فلان تلًا من باب خرَّ إذا صرعه أو ألقاه على عنقه وكذلك يقال تل الشيء في يده إذا دفعه إليه أو ألقاه على يده كذا في القاموس وهو المراد ها هنا والله أعلم اهـ ذهني، قال الأبي: جاء في مسند ابن أبي شيبة أن الغلام هو ابن عباس، ومن الأشياخ خالد بن الوليد، وشح ابن عباس على نصيبه من بركة الشرب من فضل رسول الله ﷺ لا على نصيبه من المشروب اهـ والمراد هنا الوضع بشدة.
قوله: (والله لا أوثر بنصيبي منك أحدًا) قال القرطبي: وهذا قول أبرز به ما كان عنده من تعظيم رسول الله ﷺ ومحبته واغتنام بركته مع صغر سنه، وقوله (فتله في يده) قال ابن الأعرابي: والتل الصب يقال تل يتل بكسر التاء من باب خر إذا صب، وقال غيره: التل الصرع والدفع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي صرعه اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ٣٣٣]، والبخاري في مواضع كثيرة منها الأشربة [٥٦٢٠] وفي المساقاة وفي المظالم والهبة.
"تتمة" ذكر النووي عن مسند ابن أبي شيبة أن هذا الغلام عبد الله بن عباس وكان في الأشياخ خالد بن الوليد ﵃ اهـ.
(قلت) وأخرج أحمد في مسنده [١/ ٢٢٥] قصته عن ابن عباس قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ على ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين
стр. 8762
٥١٥٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ. ح وَحَدَّثنَاهُ قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْقَارِيَّ)
ــ
رضي الله تعالى عنها فقالت: ألا نطعمكم من هدية أهدت لنا أم غفيق! قال: "فجيني" قال: فجاءت بضبين مشويين فتبرق رسول الله ﷺ فقال له خالد: كأنك تقذره؟ قال: "أجل" قالت: ألا أسقيكم من لبن أهدته لنا؟ فقال: بلى، قال: "فجيني" قال: فجاءت بإناء من لبن فشوب رسول الله ﷺ وأنا عن يمينه وخالد عن شماله فقال لي: "الشربة لك وإن شئت آثرت بها خالدًا" فقلت: ما كنت لأوثر بسؤرك علي أحدًا، فقال: "من أطعمه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرًا منه، ومن سقاه الله لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شيء يجزئ مكان الطعام والشراب غير اللبن" وأخرجه الترمذي في الدعوات باب ما يقول إذا أكل طعامًا رقم [٣٤٥٥] أيضًا ولم يذكر فيه قصة الضب وإهداء أم غفيق وقال: هذا حديث حسن.
قوله (وعن يساره أشياخ) إن كانت هذه القصة وقصة حديث ابن عباس واحدة فلا مانع أن يكون مع خالد غيره من الأشياخ, قوله (أتأذن لي أن أعطي هؤلاء) إنما استأذنه لكونه أحق بالشربة لمكانه في يمين رسول الله ﷺ وإن كان أصغر من غيره سنًّا، واستأذن هنا ولم يستأذن الأعرابي في الحديث السابق لأنه كان يثق بابن عباس أنه لا يكره هذا الاستئذان لكونه ابن عمه ومن خاصة أصحابه، أما الأعرابي فكان حديث الإسلام فلم يأمن منه أن يكره الاستئذان، وقيل إنما استأذن ابن عباس لكون خالد بن الوليد حديث الإسلام فخشي منه أن يحدث في قلبه شيء إذا بدأ بابن عباس، وأما في قصة الأعرابي فكان مقابله أبو بكر ﵁ وإن رسوخ قدمه في الإسلام يقتضي طمأنينته بجميع ما يقع من النبي ﷺ وإنه لا يتأثر لشيء من ذلك أفاده الحافظ في الفتح، وفيه فضيلة ظاهرة للصديق ﵁.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث سهل بن سعد ﵄ فقال:
٥١٥٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المخزومي المدني، صدوق، من (٨) (ح وحدثناه قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب يعني ابن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله (القاري) بتشديد الياء المدني، ثقة، من (٨)
стр. 8763
كِلاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَقُولا: فَتَلَّهُ. وَلكِنْ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ: قَال: فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.
٥١٥٨ - (١٩٩٠) (٥٥) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا) سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا"
ــ
(كلاهما) أي كل من عبد العزيز ويعقوب رويا (عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ وهذان السندان من رباعياته، غرضه بيان متابعة عبد العزيز ويعقوب لمالك بن أنس وساقا (بمثله) أي بمثل حديث مالك (و) لكن (لم يقولا) أي لم يقل عبد العزيز ويعقوب أي لم يذكرا لفظة (فتله، ولكن في رواية يعقوب) لفظة (قال) سهل (فأعطاه) أي فأعطى النبي ﷺ الغلام (إياه) أي الشراب بدل قوله في رواية مالك (فتله في يده).
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة يعني لعق الأصابع وما معه بحديث ابن عباس ﵄ فقال:
٥١٥٨ - (١٩٩٠) (٥٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (وابن أبي عمر قال إسحاق أخبرنا وقال الآخرون حدثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بن دينار الجمحي المكي (عن عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم أبي محمد الجندي اليماني ثم المكي (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته (قال) ابن عباس (قال رسول الله ﷺ : إذا أكل أحدكم طعامًا) أي مطعومًا (فلا يمسح يده) أي فلا يمسح الطعام عن يده بنحو خرقة أو منديل (حتى يلعقها) بنفسه بفتح الياء والعين ثلاثيًّا من باب فرح من اللعق، قال في المبارق: اللعق اللحس أي المص بالشفتين أي حتى يلعق أصابعه بنفسه هذا إذا فرغ من الطعام وأما قبل الفراغ فلا يلعقها ولا يمسحها بشيء (أو) حتى (يلعقها) بضم الياء وكسر العين رباعيًّا من الإلعاق، ويحتمل أن تكون أو للتنويع والمعنى حينئذ فلا يمسح يده بشيء حتى يلعقها بنفسه أو يلعقها غيره ممن لا يتقذر به
стр. 8764
٥١٥٩ - (٠٠) (٠٠) حدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح وَحَدَثنَا
ــ
كزوجته أو أمته أو ولده أو تلميذه أو خادمه أو حيوانًا من الحيوان الأليفة كالشاة وبهذا أي كون أو للتنويع جزم النووي، ويحتمل أن تكون أو للشك من الراوي وعليه فالنبي ﷺ إنما قال إحدى الكلمتين والمراد من الإلعاق على هذا التقدير أن يلعق الرجل أصابعه فمه فيكون بمعنى اللعق بنفسه لا أن يلعقها غيره، والاحتمال الأول أوضح وأولى ذكره الحافظ في الفتح نقلًا عن البيهقي، والمسح بالمنديل قبل اللعق عادة الجبابرة فأمر النبي ﷺ باللعق كسرًا للنفس اهـ من المبارق. والحديث دل على استحباب مسح اليد بعد الطعام، قال القاضي عياض: محله فيما لا يحتاج فيه إلى الغسل مما ليس فيه غمر ولزوجة مما لا يذهبه إلَّا الغسل لما جاء في الحديث من الترغيب في غسلها والحذر من تركه كحديث أبي هريرة أخرجه الترمذي مرفوعًا "من نام وفي يده غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلَّا نفسه" أخرجه الترمذي برقم [١٨٥٩] بلفظ "من بات" وقال: حسن غريب، وقد ذهب قوم إلى استحباب غسل اليد قبل الطعام وبعده لما رواه الترمذي من حديث سلمان أنه ﷺ قال "بركة الطعام الوضوء قبله وبعده" أخرجه برقم [١٨٤٦] وروى الطبراني في الأوسط أنه قال "الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم" ولكن فيه نهشل بن سعيد وهو متروك فالحديثان ضعيفان. والحديث يدل على استحباب لعق الأصابع إذا تعلق بها شيء من الطعام كما قدمناه لكنه في آخر الطعام كما نص عليه لا في أثنائه لأنه يمس بأصابعه بزاقه في فيه إذا لعق أصابعه ثم يعيدها فيه فيصير كأنه يبصق في الطعام وذلك مستقذر مستقبح اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الأطعمة برقم [٥٤٥٦]، وأبو داود في الأطعمة برقم [٣٨٤٧]، وابن ماجه في الأطعمة برقم [٣٣١١].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس ﵄ فقال:
٥١٥٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثني هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي، المعروف بالحمّال (حدثنا حجاج بن محمد) البغدادي المصيصي الأعور، ثقة، من (٩) (ح وحدثنا
стр. 8765
عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو عَاصِمٍ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. قَال: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا".
٥١٦٠ - (١٩٩١) (٥٦) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. قَالُوا: حَدَّثنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ،
ــ
عبد بن حميد) الكسي (أخبرني أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد الشيباني البصري، ثقة ثبت، من (٩) (جميعًا) أي كل من حجاج بن محمد وأبي عاصم رويا (عن ابن جريج ح وحدثنا زهير بن حرب واللفظ له حدثنا روح بن عبادة) بن العلاء القيسي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا ابن جريج قال سمعت عطاء) بن أبي رباح (يقول سمعت ابن عباس) ﵄ (يقول) وهذه الأسانيد الثلاثة من خماسياته، غرضه بيان متابعة ابن جريج لعمرو بن دينار (قال رسول الله ﷺ إذا كل أحدكم من الطعام) الذي يعلق بالأصابع (فلا يمسح يده) أي أصابعه بنحو منديل (حتى يلعقها) بنفسه أي يلعق يده ويلحسها بنفسه (أو يلعقها) غيره ممن لا يتقذره كزوجة مثلًا، قال الحافظ في الفتح [٩/ ٥٧٨] وفي الحديث رد على من كره لعق الأصابع استقذارًا، نعم يحصل ذلك لو فعله في أثناء الأكل لأنه يعيد أصابعه في الطعام وعليها أثر ريقه.
قال الخطابي: على قوم أفسد عقلهم الترفه فزعموا أن لعق الأصابع مستقبح كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع أو الصحفة جزء من أجزاء ما أكلوه وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذرًا لم يكن الجزء اليسير منه مستقذرًا وليس في ذلك أكبر من مص أصابعه بباطن شفتيه ولا يشك عاقل في أن لا بأس بذلك فقد يتمضمض الإنسان فيدخل إصبعه في فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه ثم لم يقل أحد إن ذلك قذارة أو سوء أدب اهـ.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عباس بحديث كعب بن مالك ﵃ فقال:
٥١٦٠ - (١٩٩١) (٥٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب ومحمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي (قالوا حدثنا) عبد الرحمن (بن مهدي) بن حسان
стр. 8766
عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلاثَ مِنَ الطَّعَامِ. وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ حَاتِمٍ: الثَّلاثَ. وَقَال ابْنُ أَبِي شَيبَةَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ كَعْبٍ. عَنْ أَبِيهِ.
٥١٦١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاويةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَعْدٍ،
ــ
الأزدي البصري (عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي (عن سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (عن) عبد الرحمن (بن كعب بن مالك) الأنصاري أبي الخطاب المدني ثقة، من كبار التابعين، ويقال ولد في عهد النبي ﷺ ، ومات في خلافة سليمان بن عبد الملك، روى عن أبيه في الأطعمة والفضائل، ويروي عنه (ع) وسعد بن إبراهيم وعبد الرحمن بن سعد وأبو أمامة بن سهل والزهري وهشام بن عروة (عن أبيه) كعب بن مالك الأنصاري السلمي بفتح السين واللام الصحابي المشهور أحد الثلاثة الذين خلفوا ﵃. وهذا السند من سداسياته (قال) كعب (رأيت النبي ﷺ يلعق أصابعه الثلاث من الطعام) الوسطى ثم التي تليها ثم الإبهام، وأخرج الطبراني في الأوسط عن كعب بن عجرة ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثلاث بالإبهام والتي تليها ويلعق الوسطى ثم التي تليها ثم الإبهام" ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد [٣/ ١٨] وقال: وفيه الحسين بن إبراهيم الأذني ومحمد بن كعب بن عجرة ولم أعرفهما وبقية رجاله ثقات، وأخرجه ابن سعد أيضًا في الطبقات [١/ ٣٨١] من طريق آخر (ولم يذكر ابن حاتم) لفظة (الثلاث، وقال ابن أبي شيبة في روايته عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٤٥٤]، وأبو داود في الأطعمة [٣٨٤٨]، والترمذي في الشمائل [١٤٠ و ١٤٣].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث كعب بن مالك ﵁ فقال:
٥١٦١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي (عن هشام بن عروة عن عبد الرحمن بن سعد) المدني مولى
стр. 8767
عَنِ ابْنِ كَعْب بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلاثِ أَصَابعَ. وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا.
٥١٦٢ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثنَا أَبِي. حَدَّثنَا هِشَامٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - أَوْ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ - أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ كَعبٍ؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ؛ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ بِثَلاثِ
ــ
الأسود بن سفيان، روى عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك في الأطعمة أو عبد الله بن كعب أو عنهما، ويروي عنه (م د ق) وهشام بن عروة، قال النسائي: ثقة، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة (عن ابن كعب بن مالك عن أبيه) كعب بن مالك ﵁. هذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة عبد الرحمن ابن سعد لإبراهيم بن سعد (قال) كعب (كان رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع) الإبهام والتي تليها والوسطى (ويلعق يده قبل أن يمسحها) بنحو منديل، ودل هذا الحديث على استحباب الأكل بالأصابع الثلاث، وعلى استحباب لعقها قبل المسح، قال الحافظ في الفتح: ويؤخذ من حديث كعب بن مالك أن السنة الأكل بثلاث أصابع وإن كان الأكل بأكثر منها جائزًا، قال عياض: والأكل بأكثر منها من الشره وسوء الأدب وتكبير اللقمة ولأنه غير مضطر إلى ذلك لجمعه اللقمة وإمساكها من جهاتها الثلاث فإن اضطر إلى ذلك لخفة الطعام وعدم تلفيفه بالثلاث فيدعمه بالرابعة أو الخامسة، وقد أخرج سعيد بن منصور من مرسل ابن شهاب أن النبي ﷺ كان إذا أكل أكل بخمس فجمع بينه وبين حديث كعب باختلاف الحال.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث كعب ﵁ فقال:
٥١٦٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (حدثنا هشام) بن عروة (عن عبد الرحمن بن سعد) المدني مولى الأسود بن سفيان (أن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أو عبد الله بن كعب) بن مالك (أخبره عن أبيه كعب) ابن مالك ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة عبد الله بن نمير لأبي معاوية (أنه) أي أن كعبًا (حدثهم) أي حدث لعبد الرحمن ومن معه أو حدث لعبد الله ومن معه أو حدث لأولاده (أن رسول الله ﷺ كان يأكل بثلاث
стр. 8768
أَصَابعَ. فَإِذَا فَرَغَ لَعِقَهَا.
٥١٦٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثنَا هِشَامٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ حَدَّثَاهُ - أَوْ أَحَدُهُمَا - عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ
ــ
أصابع فإذا فرغ) من أكله (لعقها) أي لعق الأصابع الثلاث قبل مسحها أو غسلها إن احتيج إليه، قال القرطبي: وكونه ﷺ كان يأكل بثلاث أصابع أدب حسن وسنة جميلة لأنها تشعر بعدم الشره في الطعام وبالاقتصار على ما يحتاج إليه من غير زيادة عليه وذلك أن الثلاث الأصابع يستقل به الظريف الخبير وهذا فيما يتأتى فيه ذلك من الأطعمة وأما ما لا يتأتى ذلك فيه استعان عليه بما يحتاج إليه من أصابعه، ولعقه أصابعه الثلاث وأمره بذلك يدل على أنه سنة مستحبة، وقد كرهه بعض العامة واستقذره (وقوله بالكراهة والاستقذار أولى من سنة رسول الله ﷺ ومعنى هذا الكلام أن قول من أنكر سنة رسول الله ﷺ وكرهها واستقذرها قوله هذا أولى بالكراهة والاستقذار بعدم سماعه وترك التمسك به، وفائدة اللعق احترام للطعام واغتنام للبركة ألا ترى أنه ﷺ أمر بلعق الأصابع والقصعة وقال: "فإنه لا يدري في أي طعامه البركة" ومعناه والله أعلم أن الله قد يخلق الشبع في الأكل عند لعق الأصابع أو القصعة فلا يترك شيء من ذلك احتقارًا له ومثل هذا يفهم من قوله ﷺ "إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان".
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث كعب بن مالك ﵁ فقال:
٥١٦٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه أبو كريب حدثنا ابن نمير حدثنا هشام عن عبد الرحمن بن سعد أن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وعبد الله بن كعب حدثاه) أي حدثا جميعًا لعبد الرحمن بن سعد (أو) حدثه (أحدهما) أي أحد ابني كعب (عن) أبيهما أو (عن أبيه كعب بن مالك عن النبي ﷺ بمثله) أي بمثل ما حدث محمد بن نمير عن أبيه، غرضه بيان متابعة أبي كريب لمحمد بن نمير.
стр. 8769
٥١٦١ - (١٩٩٢) (٥٧) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ. وَقَال: "إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ".
٥١٦٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا. فَلْيُمِطْ مَا كَانَ
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عباس بحديث جابر بن عبد الله ﵃ فقال:
٥١٦١ - (١٩٩٢) (٥٧) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر) بن عبد الله ﵄. وهذا السند من رباعياته (أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة) أي القصعة (وقال) رسول الله ﷺ في بيان حكمة الأمر باللعق (إنكم) أيها المسلمون (لا تدرون) أي لا تعلمون (في أيه) أي في أي الطعام (البركة) أي الخير، قال النووي: معناه والله أعلم أن الطعام الذي يحضره الإنسان فيه بركة ولا يدري أن تلك البركة فيما أكله أوفيما بقي على أصابعه أو فيما بقي في أسفل القصعة أو في اللقمة الساقطة فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصل البركة، وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير والإمتاع به والمراد هنا والله أعلم ما يحصل به التغذية وتسلم به عاقبته من أذى جوع وألمه ويقويه على طاعة الله تعالى وغير ذلك اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث الترمذي في الأطعمة برقم [١٨٠٢]، وابن ماجه في الأطعمة برقم [١٣١٣].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
٥١٦٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن أبي الزبير عن جابر) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة سفيان الثوري لسفيان بن عيينة (قال) جابر (قال رسول الله ﷺ إذا وقعت لقمة أحدكم) أي سقطت على الأرض مثلًا (فليأخذها) أي فليأخذ ندبًا تلك اللقمة الساقطة (فليمط) فليزل عنها أمر من الإماطة بمعنى الإزالة (ما كان) أصاب
стр. 8770
بِهَا مِنْ أَذًى وَلْيَأْكُلْهَا. وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيطَانِ. وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ. فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ"
ــ
(بها) أي بتلك اللقمة (من أذى) ووسخ وقذر غير نجس، والمراد بالأذى هنا المستقذر من غبار وتراب وقذى ونحو ذلك اهـ نووي، والظاهر أن المراد بالأذى مثل التراب ونحوه مما هو طاهر يمكن إزالته أما إذا اختلطت اللقمة بما هو نجس ولا يمكن إزالته أو كان مضرًا فالظاهر أن الحكم لا يتعلق به وحينئذ يطعمه الحيوان والله أعلم (وليأكلها ولا يدعها) أي لا يتركها (للشيطان) إنما صار تركها للشيطان لأن فيه إضاعة نعمة الله واستحقارها أو لأن المانع عن تناول تلك اللقمة هو الكبر غالبًا وكلاهما منهيان اهـ من المبارق، وفي السنوسي: معناه لا يترك أكلها كبرًا واستهانة باللقمة فإن الذي يحمله على الكبر وترفيع نفسه الشيطان، ويحتمل أن يكون في تركها غذاء للشيطان، والأول أوجه، قال الأبي: فاللام على الأول للتعليل وعلى الثاني للملك اهـ (ولا يمسح يده) بعد الأكل (بالمنديل) هو ما يتمسح به من أثر الطعام ومن المخاط والبزاق كما هو معروف، قال ابن فارس في المجمل: لعله مأخوذ من الندل وهو النقل، قال أهل اللغة يقال تندلت بالمنديل أي تمسحت ونقلت الوسخ به، قال الجوهري: ويقال أيضًا تمندلت قال: وأنكر الكسائي تمندلت اهـ نووي (حتى يلعق أصابعه) أو يلعقها كما مر (فإنه) أي فإن الأكل (لا يدري) ولا يعلم (في أي) أجزاء (طعامه البركة) أفي الذي أكل أوفيما بقي على أصابعه فليحفظ تلك البركة في محتملاتها، وفي رواية "في أيتهن البركة" وفي هذه الرواية ترغيب إلى لعق كل الأصابع فإن فعل الآكل ذلك فقد برئ من الكبر، وأصل البركة النماء والزيادة وثبوت الخير ولعل المراد منها هنا ما يحصل به التغذية والتقوية على طاعة الله تعالى، وفي الأبي: وفيه جواز مسح اليد بعد الطعام وهذا والله أعلم فيما يكفي فيه المسح وأما ما فيه غمر أو لزوجة فإنه يغسل لما جاء من الترغيب في الغسل والتحذير من تركه ففي الترمذي وأبي داود "من نام وفي يده غمر فلم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلَّا نفسه" اهـ، والغمر بفتحتين رائحة اللحم أو السمك والمراد هنا مطلق الرائحة الكريهة والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر ﵁ فقال:
стр. 8771
٥١٦٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ. ح وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
وَفِي حَدِيثِهِمَا: "وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا" وَمَا بَعْدَهُ.
٥١٦٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ. قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الشَّيطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيءٍ مِنْ شَأْنِهِ
ــ
٥١٦٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (أخبرنا أبو داود الحفري) بفتحتين نسبة إلى الحفر موضع بالكوفة اسمه عمر بن سعد بن عبيد الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٤) أبواب (ح وحدثنيه محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) (حدثنا عبد الرزاق كلاهما) أي كل من أبي داود وعبد الرزاق رويا (عن سفيان) بن سعيد الثوري (بهذا الإسناد) المذكور سابقًا يعني عن أبي الزبير عن جابر وساقا (مثله) أي مثل ما روى عبد الله بن نمير عن سفيان، غرضه بسوقهما بيان متابعتهما لعبد الله بن نمير (و) لكن (في حديثهما) أي في حديث أبي داود وعبد الرزاق لفظة (ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعقها) بنفسه (أو يلعقها) غيره (و) ساقا (ما بعده) أي ما بعد اللعق من قوله "فإنه لا يدري في أي طعامه البركة" والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٥١٦٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي بالموحدة الكوفي أخو أبي بكر وهو أكبر منه بسنتين (حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي (عن الأعمش عن أبي سفيان) طلحة بن نافع التمار المدني (عن جابر) بن عبد الله ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي سفيان لأبي الزبير (قال) جابر (سمعت النبي ﷺ يقول إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه) وأموره، قال القرطبي: فائدة هذا الكلام أن يحضر الإنسان هذا المعنى عند إرادته فعلًا من الأفعال كائنًا ما كان فيتعوذ بالله من الشيطان ويسمي الله تعالى فإنه يكفى مضرة الشيطان ووسوسته كما قد جاء في حديث الجماع الذي ذكرناه في النكاح وكما يأتي في
стр. 8772
حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ. فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذَى. ثُمَّ لْيَأْكُلْهَا. وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيطَانِ. فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ. فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ".
٥١٦٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه أَبُو كُرَيبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهذَا الإِسْنَادِ:
ــ
الدعوات إن شاء الله تعالى اهـ من المفهم.
وفيه تنبيه على أن الإنسان بمعرض من إغواء الشيطان كل حين كما قال النبي ﷺ "إن الشيطان يجري من بني آم مجرى الدم" فلا ينبغي للمسلم مهما بلغ من التقوى بمكان أن يصير غافلًا عن إغواء الشيطان وإنه ربما يبتدئ بمثل هذه الأشياء التي لا يهتم بها المرء فيحمله على ترك هذه الآداب ثم يتدرج إلى ما هو أشد منه ولئن لم ينتبه الرجل بذلك يقع فريسةً لإضلاله شيئًا فشيئًا أعاذنا الله تعالى من شره ونفثه ونفخه (حتى يحضره عند طعامه) وأكله (فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط) أي فليزل وليمح (ما كان) علق (بها من أذى) ووسخ عنها، حكى أبو عبيد ماطه وأماطه إذا نحاه، وقال الأصمعي: أماطه لا غير ومنه إماطة الأذى ومطت أنا عنه أي تنحيت اهـ صحاح (ثم) بعد إماطة الأذى عنها (ليأكلها ولا يدعها) أي لا يترك تلك الساقطة (للشيطان) هذا أمر على جهة الاحترام لتلك اللقمة فإنها من نعم الله تعالى لم تصل إلى الإنسان حتى سخر الله فيها أهل السماوات والأرض، وقوله (ولا يدعها للشيطان) يعني أنه إذا تركها ولا يرفعها فقد مكن الشيطان منها إذ قد تكبر عن أخذها ونسي حق الله تعالى فيها وأطاع الشيطان في ذلك وصارت تلك اللقمة مناسبة للشيطان إذ قد تكبر عليها وهو متكبر فصارت طعامه وهذا كله ذم لحال التارك وتنبيه على تحصيل غرض الشيطان من ذلك اهـ مفهم (فإذا فرغ) من أكله (فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي) أجزاء (طعامه تكون البركة).
ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا فقال:
٥١٦٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه أبو كريب وإسحاق بن إبراهيم جميعًا عن أبي معاوية عن الأعمش بهذا الإسناد) يعني عن أبي سفيان عن جابر. غرضه بيان متابعة أبي
стр. 8773
"إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ" إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ الْحَدِيثِ: "إِنَّ الشَّيطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ".
٥١٦٦ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيلٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَأَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي ذِكْرِ اللَّعْقِ. وَعَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَذَكَرَ اللُّقْمَةَ، نَحْوَ حَدِيثهِمَا.
٥١٦٧ - (١٩٩٣) (٥٨٨) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا
ــ
معاوية لجرير بن عبد الحميد (إذا سقطت لقمة أحدكم) وساق أبو معاوية (إلى آخر الحديث) السابق (و) لكن (لم يذكر) أبو معاوية (أول الحديث) ومبدأه يعني به قوله (أن الشيطان يحضر أحدكم).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا فقال:
٥١٦٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي (عن الأعمش عن أبي صالح) ذكوان السمان الغطفاني (وأبي سفيان) طلحة بن نافع كلاهما (عن جابر) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة محمد بن فضيل لجرير وأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن الأعمش عن أبي صالح وأبي سفيان جميعًا عن جابر (عن النبي ﷺ أي تابعهما (في ذكر اللعق) وروايته عنهما (و) في روايته (عن أبي سفيان عن جابر عن النبي ﷺ وذكر) محمد بن فضيل في روايته عن أبي سفيان (اللقمة) فقط ثم ساق محمد بن فضيل (نحو حديثهما) أي نحو حديث جرير وأبي معاوية أي قريبه في بعض الألفاظ وبعض المعاني.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث ابن عباس بحديث أنس ﵃ فقال:
٥١٦٧ - (١٩٩٣) (٥٨) (وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي، صدوق، من (١٠) (وأبو بكر) محمد بن أحمد (بن نافع العبدي) البصري (قالا حدثنا
стр. 8774
بَهْزٌ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلاثَ. قَال: وَقَال: "إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الأَذَى. وَلْيَأْكُلْهَا. وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيطَانِ" وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ. قَال: "فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ".
٥١٦٨ - (١٩٩٤) (٥٩) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا وُهَيبٌ. حَدَّثنَا سُهَيلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
ــ
بهز) بن أسد العمي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا ثابت) بن أسلم البناني البصري (عن أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث) الإبهام والمسبحة والوسطى بعد الأكل بها، وكونه يأكل بثلاث أصابع أدب حسن وسنة جميلة لأنها تشعر بعدم الشره في الطعام وبالاقتصار على ما يحتاج إليه من غير زيادة عليه ولعقه أصابعه الثلاث وأمره بذلك يدل على أنه سنة مستحبة كما مر عن القرطبي (قال) أنس بالسند السابق (وقال) رسول الله ﷺ (إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان وأمرنا أن نسلت القصعة) ونمسحها ونتثبع ما بقي فيها من الطعام ونصفيها منه وهو بضم اللام من باب نصر من السلت وهو تتبع ما بقي فيها من الطعام (قال) رسول الله ﷺ في بيان حكمة الأمر بسلت القصعة (فإنكم) أيها الآكلون (لا تدرون) أي لا تعلمون (في أي) أجزاء (طعامكم البركة).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [٣٨٤٥]، والترمذي [١٨٠٣].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث ابن عباس بحديث أبي هريرة ﵃ فقال:
٥١٦٨ - (١٩٩٤) (٥٩) (وحدثني محمد بن حاتم) السمين البغدادي (حدثنا بهز) ابن أسد العمي البصري (حدثنا وهيب) بن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم البصري، ثقة، من (٧) (حدثنا سهيل) بن أبي صالح، صدوق، من (٦) (عن أبيه) أبي صالح السمان (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته (عن النبي صلى الله
стр. 8775
عَلَيهِ وَسلمَ. قَال: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ. فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي في أَيَّتِهِنَّ الْبَرَكَةُ".
٥١٦٩ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ (يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ) قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، بِهذَا الإِسْنَادِ. غَيرَ أَنَّهُ قَال: "وَلْيَسْلُتْ أَحَدُكُمُ الصَّحْفَةَ". وَقَال: "في أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ، أَوْ يُبَارَكُ لَكُمْ".
٥١٧٠ - (١٩٩٥) (٦٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. وَتَقَارَبَا في
ــ
عليه وسلم قال إذا أكل أحدكم) طعامًا يعلق بيده (فليلعق أصابعه فإنه لا يدري) ولا يعلم (في أيتهن) أي في آية أجزاء طعامه (البركة) وهذا الحديث مما انفرد به الإِمام مسلم رحمه الله تعالى اهـ من تحفة الأشراف.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
٥١٦٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه أبو بكر) محمد بن أحمد (بن نافع) العبدي البصري (حدثنا عبد الرحمن يعني ابن مهدي) بن حسان الأزدي البصري (حدثنا حماد) بن سلمة الربعي البصري، ثقة، من (٨) (بهذا الإسناد) يعني عن ثابت عن أنس. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عبد الرحمن بن مهدي لبهز بن أسد في رواية هذا الحديث عن حماد بن سلمة (غير أنه) أي لكن أن عبد الرحمن (قال) في روايته (وليسلت أحدكم الصحفة) بدل قول بهز (وأمرنا أن نسلت القصعة) (وقال) عبد الرحمن أيضًا (في أي) أجزاء (طعامكم البركة أو) قال حماد في أي طعامكم (يبارك لكم) بالشك من عبد الرحمن في أي اللفظين قال حماد بدل قول بهز (في أي طعامكم البركة) بلا شك. واعلم أن هذه المتابعة في حديث أنس بن مالك لا في حديث أبي هريرة وتأخيرها عن حديث أبي هريرة تحريف من النساخ، والصواب تقديمها على حديث أبي هريرة، ولم أر أحدًا من الشراح نبه على ذلك؛ تدبر! ؟ .
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أبي مسعود ﵁ فقال:
٥١٧٠ - (١٩٩٥) (٦٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد وعثمان بن أبي شيبة وتقاربا في
стр. 8776
اللَّفْظِ. قَالا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ. قَال: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيبٍ. وَكَانَ لَهُ غُلامٌ لَحَّامٌ. فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَرَفَ في وَجْهِهِ الْجُوعَ. فَقَال لِغُلامِهِ: وَيحَكَ، اصْنَعْ لَنَا طَعَامًا لِخَمْسَةِ نَفَرٍ. فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ. قَال: فَصَنَعَ. ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَدَعَاهُ
ــ
اللفظ قالا حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي البصري، ثقة، من (٨) (عن الأعمش عن أبي وائل) الأسدي شقيق بن سلمة الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة (الأنصاري) البدري الكوفي الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أبو مسعود (كان رجل من الأنصار يقال له أبو شعيب) لا يوجد له ذكر في غير هذا الحديث ولا يعرف عنه سوى أنه كان من أنصار الصحابة ولم يقف الحافظ على اسمه ولا على اسم غلامه اللحام (وكان له) أي لذلك الأنصاري (غلام) أي عبد (لحام) أي يبيع اللحم، وفيه جواز صنعة الجزارة وأكل مالها اهـ من الأبي، وقال ابن بطال: وإن كان في الجزارة شيء من الضعة لأنه يمتهن فيها نفسه وإن ذلك لا ينقصه ولا يسقط شهادته إن كان عدلًا اهـ عيني. ووقع للبخاري في البيوع "قصاب" وهو بمعنى اللحام (فرأى) أبو شعيب (رسول الله ﷺ بالنصب على المفعولية، ورأى هنا بصرية (فعرف) أبو شعيب (في وجهه) ﷺ (الجوع) أي أثر الجوع وعلامته (فقال لغلامه ويحك) يا غلام أي ألزمك الله بالرحمة (اصنع لنا) أي أصلح لنا (طعامًا) يكفي (لخمسة نفر) أي لخمسة أشخاص (فإني أريد أن أدعو النبي ﷺ لطعام حالة كونه ﷺ (خامس خمسة) حال من النبي أي واحدًا من خمسة أو جاعل أربعة خمسة، قال العيني: قال الدراوردي: يجوز أن يقال خامس خمسة وخامس أربعة أي جاعل أربعة خمسة، وعن المهلب: إنما صنع طعام خمسة لعلمه أن النبي ﷺ يتبعه من أصحابه غيره، وفي المبارق: قال بعض الشراح: فيه دليل على أن حضور الرجل إلى ضيافة خاصة لم يدع إليها لا يحل له اهـ (قال) أبو مسعود (فصنع) الغلام طعامًا (ثم أتى) أبو شعيب (النبي ﷺ فدعاه) أي فدعا أبو شعيب النبي صلى الله عليه
стр. 8777
خَامِسَ خَمْسَةٍ. وَاتَّبَعَهُمْ رَجُلٌ. فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ قَال النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ هذَا اتَّبَعَنَا. فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ. وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ" قَال: لَا. بَلْ آذَنُ لَهُ. يَا رَسُولَ اللهِ!
ــ
وسلم، حالة كونه (خامس خمسة واتبعهم) أي واتبع النبي ﷺ ومن معه من الخمسة الأنفار (رجل) لم أر من ذكر اسمه (فلما بلغ) الرجل (الباب) أي باب بيت أبي شعيب الداعي وإنما لم يمنعه النبي ﷺ من الاتباع قبل وصوله إلى الباب لأنه غير محظور لاحتمال رجوعه وإنما المحظور هو الحضور للطعام الذي لم يدع إليه ولهذا لم يسكت النبي ﷺ حين جاء وقت الحضور بل أعلم صاحب الطعام واستأذن له والله أعلم اهـ ذهني (قال النبي ﷺ لأبي شعيب (إن هذا الرجل) الزائد على الخمسة الأنفار (اتبعنا) أي لحقنا وصحبنا بلادعوة منك (فإن شئت أن تأذن له) في الدخول أذنت له ودخل معنا أو أذن له فالجواب محذوف (وإن شئت) أن لا تأذن له في الدخول أو رجوعه (رجع) ولم يدخل (قال) أبو شعيب (لا) أريد أن يرجع (بل آذن له) في الدخول (يا رسول الله) قال النووي: ويستفاد منه أنه لا يجوز للمدعو أن يدخل معه غيره بغير الاستئذان لصاحب الطعام وكذلك يستحب لصاحب الطعام أن يأذن له إن لم يترتب على حضوره مفسدة بأن يؤدي الحاضرين أو يشيع عنهم ما يكرهونه أو يكون جلوسه معهم مزريًا بهم لشهرته بالفسق ونحو ذلك فإن خيف من حضوره شيء من هذه الأمور لم يأذن له وينبغي أن يتلطف في رده ولو أعطاه شيئًا من الطعام إن كان يليق به ليكون ردًّا جميلا كان حسنًا اهـ منه.
قوله (وإن شئت رجع) دل الحديث على أن الذي تبع المدعو من غير دعوة فإن المدعو يستأذن له الداعي قبل أن يدخل، وأخرج أبو داود عن ابن عمر مرفوعًا "من دخل بغير دعوة دخل سارقًا وخرج مغيرًا" وضعفه الحافظ في الفتح [١٠/ ٥٦٠] ودل الحديث أيضًا على أن من تطفل في الدعوة كان لصاحب الدعوة الاختيار في حرمانه فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه، وقد جمع الخطيب في أخبار الطفيليين جزءًا فيه عدة فوائد؛ منها أن الطفيلي منسوب إلى رجل كان يقال له طفيل من بني عبد الله بن غطفان أكثر منه الإتيان إلى الولائم بغير دعوة فسمي طفيل العرائس فسمي من اتصف بعد بصفته طفيليًا وكانت العرب "تسميه الوارش وتقول لمن يتبع المدعو بغير دعوة (ضيفن) بنون زائدة،
стр. 8778
٥١٧١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شَيبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمِ. جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاويَةَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ. كُلُهُمْ
ــ
وذكر الكرماني أن في هذه التسمية مناسبة اللفظ للمعنى في التبعية من حيث إنه تابع للضيف والنون متابعة للكلمة.
قوله (بل آذن له) يعني إذا اصطحب المدعو معه رجلًا غير مدعو فإن ذلك يسمى تطفيلًا وذلك يجوز بشرط أن يكون بينه وبين الداعي انبساط أوكان المتطفل في حاجة إلى ذلك ويغلب على الظن أن الداعي لا يكرهه، وفي الحديث فوائد أخرى ذكرها الحافظ في الفتح وسوف نبينها إن شاء الله تعالى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع منها في الأطعمة برقم [٥٤٣٤]، والترمذي في النكاح برقم [١٠٩٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ فقال:
٥١٧١ - (٠٠) (٠٠) وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعًا عن أبي معاوية ح وحدثناه نصر بن علي) بن نصر (الجهضمي) البصري (وأبو سعيد الأشج) الكوفي عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي، ثقة، من (١٠) (قالا حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من (٩) (ح وحدثنا عبيد الله بن معاذ) العنبري البصري (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري (حدثنا شعبة ح وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن مهران، ويقال ابن بهرام (الدارمي) أبو محمد السمرقندي، ثقة متقن، من (١١) روى عنه في (١٤) بابا (حدثنا محمد بن يوسف) بن واقد بن عثمان الضبي مولاهم الفريابي، نسبة إلى فرياب مدينة ببلاد الترك، ثقة فاضل، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (عن سفيان) بن سعيد الثوري (كلهم) أي كل هؤلاء الأربعة المذكورين من أبي معاوية أولًا وأبي أسامة ثانيًا وشعبة ثالثًا وسفيان الثوري رابعًا رووا
стр. 8779
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، بِهذَا الْحَدِيثِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِنَحْو حَدِيثِ جَرِيرٍ.
قَال نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ في رِوَايَتِهِ لِهذَا الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ. حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
٥١٧٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ. حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ. حَدَّثَنَا عَمَّارٌ (وَهُوَ ابْنُ رُزَيقٍ) عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا
ــ
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري (بهذا الحديث عن النبي ﷺ وساقوا (بنحو حديث جرير) بن عبد الحميد.
ولكن (قال نصر بن علي) الجهضمي (في روايته لهذا الحديث حدثنا أبو أسامة حدثنا الأعمش حدثنا شقيق بن سلمة حدثنا أبو مسعود الأنصاري) بصيغة السماع والتحديث بدل العنعنة المذكورة في المواضع الثلاثة الأخيرة (وساق) أي ذكر نصر (الحديث) بلفظه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ فقال:
٥١٧٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن عمرو بن جبلة بن أبي رواد) الباهلي العتكي مولاهم أبو جعفر البصري، صدوق، من (١١) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا أبو الجواب) الأحوص بن جواب الضبي الكوفي، صدوق، من (٩) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا عمار وهو ابن رزيق) الضبي أبو الأحوص الكوفي، لا بأس به، من (٨) روى عنه في (٦) أبواب (عن الأعمش عن أبي سفيان) طلحة بن نافع الواسطي (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري عن النبي ﷺ بهذا الحديث السابق. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة عمار بن رزيق لجرير بن عبد الحميد في الرواية عن الأعمش. وهذا السند بيان للمتابعة في الشاهد (ح وحدثني سلمة بن شببب) المسمعي النيسابوري، نزيل مكة، ثقة، من (١١) روى عنه في (٥) أبواب (حدثنا
стр. 8780
الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا زُهَيرٌ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَعَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، بِهذَا الْحَدِيثِ
ــ
الحسن) بن محمد (بن أعين) الأموي مولاهم أبو محمد الحراني، صدوق، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا زهير) بن معاوية الجعفي الكوفي (حدثنا الأعمش عن شقيق) بن سلمة (عن أبي مسعود عن النبي ﷺ وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة زهير لجرير، وهذه المتابعة متابعة في أصل الحديث (و) حدثنا زهير أيضًا (عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر) بن عبد الله عن النبي ﷺ (بهذا الحديث) السابق وهذه المتابعة متابعة من زهير في الشاهد والله أعلم.
" تتمة "
وقال الحافظ في الفتح: وفي هذا الحديث من الفوائد جواز الاكتساب بصنعة الجزارة واستعمال العبد فيما يطيق من الصنائع وانتفاعه بكسبه منها، وفيه مشروعية الضيافة وتأكد استحبابها لمن غلبت حاجته لذلك، وفيه أن من صنع طعامًا لغيره فهو بالخيار بين أن يرسله إليه أو يدعوه إلى منزله وأن من دعا أحدًا استحب أن يدعو معه من يرى من أخصائه وأهل مجالسته، وفيه الحكم بالدليل لقوله إني عرفت في وجهه الجوع وأن الصحابة كانوا يديمون النظر إلى وجهه تبركًا به ﷺ ، وفيه أنه ﷺ كان يجوع أحيانًا، وفيه إجابة الإمام والشريف والكبير دعوة من دونهم وأكلهم طعام ذي الحرفة غير الرفيعة كالجزار، وأن تعاطي مثل تلك الحرفة لا يضع قدر من يتوقى فيها ما يكره ولا تسقط بمجرد تعاطيها شهادته وأن من صنع طعامًا لجماعة فليكن على قدرهم إن لم يقدر على الأكثر ولا ينقص من قدرهم مستندًا إلى أن طعام الواحد يكفي الاثنين وفيه أن المدعو لا يمتنع من الإجابة إذا امتنع الداعي من الإذن لبعض من صحبه.
وأما قصة عائشة في الحديث الآتي فسيأتي الجواب عنها وفي قوله ﷺ "إنه اتبعنا رجل لم يكن معنا حين دعوتنا" إشارة إلى أنه لو كان معهم حالة الدعوة لم يحتج إلى الاستئذان عليه فيؤخذ منه أن الداعي لو قال لرسوله: اح فلانًا وجلساءه
стр. 8781
٥١٧٣ - (٩٩٦ ١) (١ ٦) وحدَّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا حَمادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ جَارًا، لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَارِسيًّا. كَانَ طَيِّبَ الْمَرَقِ. فَصَنَعَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . ثُمَّ جَاءَ يَدْعُوهُ. فَقَال: "وَهذِهِ؟ " لِعَائِشَةَ. فَقَال: لَا. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا"
ــ
جاز لكل من كان جليسًا له أن يحضر معه، وفيه أنه لا ينبغي أن يظهر الداعي الإجابة وفي نفسه الكراهة لئلا يطعم ما تكرهه نفسه ولئلا يجمع الرياء والبخل وصفة ذي الوجهين، وفي قوله ﷺ "اتبعنا رجل" فأبهمه ولم يعينه أدب حسن لئلا ينكسر خاطر الرجل، وأما ما وقع لمسلم إن هذا اتبعنا فيمكن أنه أبهمه لفظًا وعيّنه إشارة، وفيه نوع رفق به بحسب الطاقة اه منه.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي مسعود بحديث أنس ﵄ فقال:
٥١٧٣ - (١٩٩٦) (٦١) وحدثني زهير بن حرب حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٩) بابا (أخبرني حماد ابن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (عن ثابت) بن أسلم البناني البصري (عن أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن جارًا لرسول الله ﷺ فارسيًا) أي منسوبًا إلى جيل فارس، وفارس أبو قبيلة كبيرة وهو أحد أولاد سام بن نوح ﵇ الثلاثة الذين طلعوا معه على السفينة، ولم أر من ذكر اسم ذلك الجار (كان) ذلك الجار (طيب المرق) والإدام أي كان يصنع مرقًا طيبًا، فيه جواز اتخاذ الأمراق الطيبة وألوان الطعام الحسنة واستعمال ما أخرج الله سبحانه لعباده من طيبات الرزق اهـ أبي، وجملة كان خبر أن (فصنع) ذلك الجار طعامًا (لرسول الله ﷺ أي لدعوته (ثم جاء) الفارسي إلى رسول الله ﷺ حالة كونه يريد أن (يدعوه) للعزومة، وفي رواية بهز عند النسائي "فأتى رسول الله ﷺ ذات يوم وعنده عائشة فأومأ إليه بيده أن تعال" (فقال) النبي ﷺ للفارسي (و) هل تدعو (هذه) القرينة معي مشيرًا (لعائشة فقال) الفارسي (لا) أدعوها (فقال) له (رسول الله ﷺ لا) أجيب
стр. 8782
فَعَادَ يَدْعُوهُ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَهذِهِ؟ " قَال: لَا. قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا". ثُمَّ عَادَ يَدْعُوهُ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَهذِهِ؟ " قَال: نَعَمْ. في الثَّالِثَةِ. فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ حَتَّى أَتَيَا مَنْزِلَهُ
ــ
دعوتك إلا معها (فعاد) أي رجع الفارسي ثانيًا حالة كونه (يدعوه) ﷺ إلى طعام (فقال) له (رسول الله ﷺ و) هل تدعو (هذه) القرينة معي (قال) الفارسي (لا) أدعوها ف (قال) له (رسول الله ﷺ لا) أجيب دعوتك حتى تدعوها معي (ثم عاد) الفارسي ثالثًا حالة كونه (يدعوه) ﷺ (فقال) له (رسول الله ﷺ و) هل تدعو (هذه) الصاحبة معي (قال) الفارسي (نعم) أدعوها معك (في) المرة (الثالثة فقاما) أي قام النبي ﷺ وعائشة مجيبين للدعوة حالة كونهما (يتدافعان) أي يمشي كل واحد منهما في إثر صاحبه اهـ نووي، أو المعنى يتماشيان معًا كل واحد منهما جنب صاحبه (حتى أتيا) وجاءا (منزله) أي منزل الفارسي.
قال النووي: وهذه قضية أخرى محمولة على أنه كان هناك عذر يمنع وجوب إجابة الداعي فكان مخيرًا بين إجابته وتركها فاختار أحد الجائزين وهو تركها إلا أن يأذن لعائشة معه لما كان بها من الجوع أو نحوه فكره ﷺ الاختصاص بالطعام دونها وهذا من جميل المعاشرة وحقوق المصاحبة وآداب المجالسة المؤكدة فلما أذن لها اختار الجائز الآخر لتجدد المصلحة وهو حصول ما كان يريده من إكرام جليسه وإيفاء حق معاشره ومواساته فيما يحصل، ولعل الفارسي إنما لم يدع عائشة أولًا لكون الطعام قليلًا فأراد توفيره على رسول الله ﷺ اهـ منه، وقال القاضي: يحتمل أنه إنما صنع له قدر ما يكفيه لما به من الجوع فرأى أن حضور غيره معه مما يضر به في سد خلته فامتنع ﷺ من الإجابة لكرم خلقه ﷺ وحسن عشرته مع ما كانت عليه عائشة من المنزلة لديه، ومثل هذا قول مالك: من أراد أن يكرم رجلًا فليبعث به إليه فإنه يقبح بالرجل أن يأكل دون أهله اهـ، وقال الحافظ في الفتح [٩/ ٥٦١]: فالمستحب للداعي أن يدعو خواص المدعو معه كما فعل اللحام بخلاف الفارسي فلذلك امتنع من الإجابة إلا أن يدعوها أو علم حاجة عائشة لذلك الطعام بعينه أو أحب أن تأكل معه منه لأنه كان موصوفًا بالجود ولم يعلم مثله في قصة
стр. 8783
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللحام فلا معارضة بين القصتين كما مرت الإشارة إليه هناك.
قال القرطبي: قوله (كان طيب المرق) فيه دليل على جواز تطييب الأطعمة والاعتناء بها ولا خلاف في جواز ذلك بين الأئمة، وامتناع الفارسي من الإذن لعائشة رضي الله تعالى عنها أولى ما قيل فيه أنه إنما كان صنع من الطعام ما يكفي النبي ﷺ وحده للذي رأى عليه من الجوع فكأنه رأى أن مشاركة النبي ﷺ في ذلك يجحف بالنبي ﷺ ، وامتناع النبي ﷺ من إجابة الفارسي عند امتناعه من إذن عائشة إنما كان والله أعلم لأن عائشة كان بها من الجوع مثل الذي كان بالنبي ﷺ فكره النبي ﷺ أن يستأثر عليها بالأكل دونها وهذا تقتضيه مكارم الأخلاق وخصوصًا مع أهل بيت الرجل ولذلك قال بشر بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة:
وكلهم قد نال شبعًا لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
وقد نبه مالك على هذا المعنى حين سئل عن الرجل يدعو الرجل يكرمه؟ قال: إذا أراد فليبعث بذلك إليه يأكله مع أهله، وفي هذين الحديثين أبواب من الفقه من تتبعها ظفر بها أه كما ذكرها الحافظ فيما مر.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١٢٣] والنسائي في الطلاق برقم [٣٤٣٦]، والله تعالى أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أحد عشر حديثًا الأول حديث أبي قتادة ذكره للاستدلال على الجزء الأول من الترجمة، والثاني حديث أنس الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثالث حديث أنس الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والرابع حديث سهل بن سعد الساعدي ذكره للاستشهاد به وذكر فيه متابعة واحدة، والخامس حديث ابن عباس ذكره للاستدلال به على الجزء الرابع من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والسادس حديث كعب بن مالك ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات، والسابع حديث جابر ذكره للاستشهاد وذكر فيه خمس متابعات، والثامن حديث أنس الثالث ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة مفصولة عنه بسبب تحريف النساخ،
стр. 8784
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والتاسع حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد، والعاشر حديث أبي مسعود الأنصاري ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والحادي عشر حديث أنس الرابع ذكره للاستشهاد والله تعالى أعلم.
***
стр. 8785
٦٦٣ - (٧) باب من اشتد جوعه تعين عليه أن يرتاد ما يرد به جوعه وجعل الله تعالى قليل الطعام كثيرًا ببركة دعاء رسول الله ﷺ واستحباب أكل الدباء ووضع النوى خارج التمر وأكل القثاء بالرطب
٥١٧٤ - (١٩٩٧) (٦٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيلَةٍ. فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَقَال: "مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هذِهِ السَّاعَةَ؟ " قَالا: الْجُوعُ. يَا رَسُولَ اللهِ، قَال: "وَأَنَا. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا
ــ
٦٦٣ - (٧) باب من اشتد جوعه تعين عليه أن يرتاد ما يرد به جوعه وجعل الله تعالى قليل الطعام كثيرًا ببركة دعاء رسول الله ﷺ واستحباب أكل الدباء ووضع النوى خارج التمر وأكل القثاء بالرطب
٥١٧٤ - (١٩٩٧) (٦٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خلف بن خليفة) بن صاعد الأشجعي البغدادي، صدوق، من (٨) (عن يزيد بن كيسان) اليشكري الكوفي، صدوق، من (٦) (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي الكوفي، مولى عزة، ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من خماسياته (قال) أبو هريرة (خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو) قال أبو هريرة خرج ذات ليلة) والشك من أبي حازم أو ممن دونه، وفي رواية أبي سلمة عند الترمذي (خرج النبي ﷺ في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد) (فإذا هو) ﷺ راءٍ (بأبي بكر) الصديق (وعمر) بن الخطاب ﵄ وإذا فجائية، والجملة معطوفة على جملة خرج أي خرج من بيته ففاجأه رؤيتهما (فقال) لهما رسول الله ﷺ (ما أخرجكما) أي أي شيء وأي سبب أخرجكما يا عمران (من بيوتكما) في (هذه الساعة) التي لا يخرج فيها إنسان من بيته (قالا) أي قال العمران أخرجنا من بيوتنا (الجوع يا رسول الله) أي ألم الجوع (قال) لهما رسول الله ﷺ (وأنا) أيضًا (والذي نفسي) أي أقسمت لكما بالإله الذي روحي (بيده) المقدسة (لأخرجني) من بيتي الجوع (الذي أخرجكما) من بيوتكما، قال النووي: فيه جواز ذكر الإنسان ما يناله من ألم ونحوه لا على سبيل التشكي وعدم الرضاء بل للتسلية والتصبر كفعله صلى الله عليه وسلم
стр. 8786
قُومُوا" فَقَامُوا مَعَهُ. فَأَتَي رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ. فَإِذَا هُوَ لَيسَ في بَيتِهِ
ــ
هنا ولالتماس دعاء أو مساعدة على التسبب في إزالة ذلك العارض فهذا كله ليس بمذموم إنما يذم ما كان تشكيًا وتسخطًا وتجزعًا أه منه.
قال القرطبي: وهذا يدل على شدة حالهم في أول أمرهم وسبب ذلك أن أهل المدينة كانوا في شظفٍ من العيش عندما قدم عليهم النبي ﷺ مع المهاجرين وكان المهاجرون فروا بأنفسهم وتركوا أموالهم وديارهم فقدموا فقراء على أهل شدة وحاجة مع أن الأنصار ﵁ واسوهم "فيما كان عندهم" وشركوهم فيما كان لهم ومنحوهم وهادوهم غير أن ذلك ما يسد خلاتهم ولا يرفع فاقاتهم مع إيثارهم الضراء على السراء والفقر على الغنى ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن فتح الله عليهم وادي القرى وخيبر وغير ذلك فردوا عليهم منائحهم واستغنوا بما فتح الله عليهم ومع ذلك فلم يزل عيشهم شديدأوجهدهم جهيدًا حتى لقوا الله تعالى مؤثرين بما عنده تعالى صابرين على شدة عيشهم معرضين عن الدنيا وزهرتها ولذاتها مقبلين على الآخرة ونعيمها وكراماتها فحماهم الله تعالى ما رغبوا عنه وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه حشرنا الله تعالى في زمرتهم واستعملنا بسنتهم. فقال لهما رسول الله ﷺ (قوموا) بنا وهذا أمر بالقيام لطلب العيش عند الحاجة وهو دليل على ما رسمناه في الترجمة (فقاموا معه) ﷺ ، هكذا هو في الأصول بضمير الجمع وهو جائز بلا خلاف، ولكن الجمهور يقولون إطلاقه على الاثنين مجاز وآخرون يقولون حقيقة اهـ نووي (فأتى) رسول الله ﷺ أي جاء وهما معه (رجلًا من الأنصار) أي بيت رجل من الأنصار، وهذا الرجل الأنصاري هو أبو الهيثم بن التيهان على ما جاء مفسرًا في رواية أخرى، وقيل هو أبو أيوب الأنصاري واسمه مالك بن التيهان بفتح التاء وكسر الياء المشددة كما هو مصرح في رواية مالك والترمذي، وفيه جواز الإدلال على الصاحب الذي يوثق به واستتباع جماعة إلى بيته، وفيه منقبة لأبي الهيثم بن التيهان الأنصاري إذ جعله النبي ﷺ أهلًا لذلك وكفى به شرفًا (فهذا هو) أي الرجل الأنصاري (ليس) موجودًا (في بيته) والفاء عاطفة وإذا فجائية، والتقدير فأتى بيت رجل من الأنصار ففاجأه عدم وجدانه في بيته، وفي رواية الترمذي (فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري، وكان رجلًا كثير النخل والشاء ولم يكن له خدم فلم يجدوه فقالوا لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: انطلق يستعذب لنا الماء فلم يلبثوا أن جاء أبو
стр. 8787
فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا. فَقَال لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَينَ فُلان؟ " قَالتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ. إِذْ جَاءَ الأنصَارِيُّ فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيهِ. ثُمَّ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ. مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي
ــ
الهيثم بقربة يزعبها -أي يحملها- بمشقة فوضعها ثم جاء يلتزم النبي ﷺ ويفديه بأبيه وأمه ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطًا ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه فقال النبي ﷺ : "أفلا تنقيت لنا من رطبه" فقال: يا رسول الله إني أردت أن تختاروا أو قال تخيروا من رطبه وبسره) (فلما رأته) ﷺ (المرأة) أي مرأة الرجل الأنصاري، قال في تنبيه المعلم: إن كان الرجل أبا الهيثم فامرأته لا أعرفها وإن كان أبا أيوب فامرأته هي أم أيوب وهي بنت قيس بن عمرو بن امرئ القيس من الخزرج ولا أعرف اسمها ولعل اسمها كنيتها اهـ (قالت) له ﷺ (مرحبًاوأهلًا) كلمتان معروفتان عند العرب منصوبان بعامل محذوف وجوبًا تقديره صادفت يا رسول الله مكانًا رحبًا واسعًا وأهلًا تأنس بهم، فيه جواز سماع كلام الأجنبية عند الحاجة، وجواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها لمن علمت علمًا محققًا أنه لا يكرهه بحيث لا يخلو بها الخلوة المحرمة، وفيه أيضًا استحباب إكرام الضيف بهذا القول وشبهه وإظهار السرور بقدومه اهـ أبي. (فقال لها رسول الله ﷺ : أين فلان) يريد زوجها (قالت) المرأة (ذهب) أي انطلق حالة كونه (يستعذب لنا من الماء) أي يطلب لنا الماء العذب، وفيه دليل على جواز الميل للمستطابات طبعًا من الماء وغيره، وإذ في قوله (إذ جاء الأنصاري) فجائية أي قالت المرأة ذهب ففاجاهم مجيء الأنصاري (فنظر) الأنصاري (إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه) أبي بكر وعمر (ثم قال الحمد لله) على ضيافتكم عندي (ما أحد اليوم) أي ليس اليوم أحد (أكرم) وأشرف (أضيافًا مني) فما حجازية تعمل عمل ليس لتوفر شرطها، قال القرطبي: قول الرجل هذا قول صدق ومقال حق إذ لم تقل الأرض ولا أظلت السماء في ذلك الوقت أفضل من أضيافه فإنهم محمد رسول الله ﷺ وخليفتاه أبو بكر وعمر ولما تحقق الرجل عظيم هذه النعمة قابلها بغاية مقدور الشكر فقال الحمد لله اهـ من المفهم.
стр. 8788
قَال: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ. فَقَال: كُلُوا مِنْ هذِهِ. وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِيَّاكَ، وَالْحَلُوبَ" فَذَبَحَ لَهُمْ. فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ. وَمِنْ ذلِكَ الْعِذْقِ. وَشَرِبُوا. فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا
ــ
(قال) الراوي أبو هريرة (فانطلق) الأنصاري من عندهم (فجاءهم بعذق) بكسر العين وسكون الذال أي بغصن من النخل، والعذق من الرطب بمنزلة العنقود من العنب، وقال القرطبي: والعذق بكسر العين الكباسة وهي العرجون، والعذق بفتح العين النخلة وإنما قدم لهم هذه العرجون لأنه الذي تيسر له بغير كلفة لا سيما مع تحققه حاجتهم ولأن فيه ألوانًا من التمر والبسر والرطب فقد يطيب لبعضهم هذا ولبعضهم هذا ولأن الابتداء بما يتفكه به من الحلاوة أولى من حيث إنه أقوى للمعدة؛ لأنه أسرع هضمًا، وفيه دليل على استحباب تقديم أكل الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما (فيه) أي في ذلك العذق (بسر وتمر ورطب فقال) الأنصاري لرسول الله ﷺ ولصاحبيه (كلوا من هذه) الثمار المختلفة الألوان (وأخذ المدية) بضم الميم وسكون الدال أي السكين (فقال له رسول الله ﷺ إياك) منصوب على التحذير بعامل محذوف وجوبًا. لنيابة المعطوف منابه (والحلوب) بفتح الحاء فعول بمعنى مفعول كركوب ونحوه الشاة التي تحلب لبنًا كثيرًا أي باعد نفسك عن ذبح الحلوب ذات اللبن وإنما نهاه عنها لأن ذبحها تضييع للبنها مع أن غير ذات اللبن تتنزل منزلتها عند الضيف ويحصل بها المقصود، وفي رواية الترمذي (لا تذبحن ذات اللبن) (فذبح لهم فأكلوا من) لحم (الشاة ومن) تمر (ذلك العذق) وفيه دليل على جواز جمع طعامين فأكثر على مائدة واحدة (وشربوا) عليه الماء، وفي رواية (حتى شبعوا ورووا) وفيه دليل على جواز الشبع من الحلال وما ورد مما يدل على كراهة الشبع عن النبي ﷺ وعن السلف إنما ذلك في الشبع المثقل للمعدة المبطيء بصاحبه عن الصلوات والأذكار المضر للإنسان بالتخم وغيرها الذي يفضي صاحبه إلى البطر والأشر والنوم والكسل فهذا هو المكروه، وقد يلحق بالمحرم إذا كثرت آفاته وعمت بلياته والقسطاس المستقيم ما قاله ﷺ من قوله: "ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان ولا بد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" رواه أحمد [٤/ ١٣٣] والترمذي [٢٣٨٠] (فلما أن) أن زائدة بعد لما (شبعوا) من الطعام (ورووا)
стр. 8789
قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَتُسْالُنَّ عَنْ هذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ. ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هذَا النَّعِيمُ".
٥١٧٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ
ــ
الشراب (قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا) إليها (حتى أصابكم) ونالكم (هذا النعيم) العظيم من الشبع والري.
قوله (لتسألن) أي سؤال عرض لا سؤال مناقشة وسؤال إظهار التفضل والمنن لا سؤالًا يقتضي المعاتبة والمحن، و (النعيم) كل ما يتنعم به أي يستطاب ويتلذذ به وإنما قال النبي ﷺ هذا استخراجًا للشكر على النعم وتعظيمًا لذلك والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
وزاد في رواية الترمذي "ظل بارد ورطب طيب وماء بارد" وهو إشارة إلى قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) وفي الحديث دلالة على أن الرجل كما أصابته نعمة أو لذة فعليه أن يشكره تعالى ويتذكر أنه يسئل يوم القيامة عن أداء حقها.
ومن تتمة هذه القصة فيما أخرجه الترمذي فقال النبي ﷺ : "هل لك خادم؟ " قال: لا، قال: "فإذا أتانا سبي فأتنا" فأتي النبي ﷺ برأسين ليس معهما ثالث فأتاه أبو الهيثم، فقال النبي ﷺ : "اختر منهما" فقال: يا نبي الله اختر لي، فقال النبي ﷺ : "إن المستشار مؤتمن خد هذا فإني رأيته يصلي واستوص به معروفًا" فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله ﷺ فقالت امرأته: ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي ﷺ إلا أن تعتقه، قال: فهو عتيق، فقال النبي ﷺ : "إن الله لم يبعث نبيًّا ولا خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالًا ومن يوق بطانة السوء فقد وقي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث الترمذي أخرجه في الزهد برقم [٢٣٧٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥١٧٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي
стр. 8790
أَخْبَرَنَا أَبُو هِشَامٍ (يَعْنِي الْمُغِيرَةَ بْنَ سَلَمَةَ). حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ. حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ. قَال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: بَينَا أَبُو بَكْرٍ قَاعِدٌ وَعُمَرُ مَعَهُ، إِذْ أَتَاهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَال: "مَا أَقْعَدَكُمَا ههُنَا؟ " قَالا: أَخْرَجَنَا الْجُوعُ مِنْ بُيُوتِنَا. وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ.
٥١٧٦ - (١٩٩٨) (٦٣) حدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، مِنْ رُقْعَةٍ عَارَضَ لِي بِهَا، ثُمَّ قَرَأَهُ
ــ
النيسابوري، ثقة متقن، من (١١) (أخبرنا أبو هشام يعني المغيرة بن سلمة) القرشي المخزومي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا يزيد) بن كيسان اليشكري الكوفي، صدوق، من (٦) (حدثنا أبو حازم) سلمان الأشجعي مولى عزة الكوفي، ثقة، من (٣) (قال سمعت أبا هريرة يقول) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة عبد الواحد لخلف بن خليفة، قال الأبي: قوله (عن أبي هاشم عن يزيد) كذا وقع هذا السند لابن ماهان وللرازي عن الجلودي بزيادة رجل بين أبي هاشم ويزيد والرجل هو عبد الرحمن بن زياد، وقال الجياني: لا بد من زيادته وبه يتصل السند وإسقاطه خطأ بيّن اهـ من الأبي (بينا أبو بكر قاعد وعمر) حاضر (معه إذ أتاهما رسول الله ﷺ إذ فجائية رابطة لجواب بينا أي بينا أوقات قعود أبي بكر وعمر فاجأهما إتيان رسول الله ﷺ (فقال) لهما رسول الله ﷺ (ما أقعدكما ها هنا) هذه الساعة أي أي سبب جعلكما قاعدين ها هنا في هذا الوقت (قالا أخرجنا الجوع) أي ألمه (من بيوتنا والدي بعثك بالحق) أي أقسمنا لك بالإله الذي بعثك بالحق أخرجنا الجوع (ثم ذكر) عبد الواحد (نحو حديث خلف بن خليفة) والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث جابر ﵄ فقال:
٥١٧٦ - (٩٩٨ ١) (٦٣) (حدثني حجاج) بن يوسف بن حجاج الثقفي أبو محمد المعروف بـ (ابن الشاعر) البغدادي، ثقة، من (١١) (حدثني الضحاك بن مخلد) بن الضحاك الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري، ثقة، من (٩) (من رقعة) أي من ورقة (عارض لي) أي أظهر لي (بها) أي بتلك الرقعة (ثم) بعد عرضها علي (قرأه) أي قرأ هذا
следующие страницы →