Полный текст (11 982 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.
стр. 8786
قُومُوا" فَقَامُوا مَعَهُ. فَأَتَي رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ. فَإِذَا هُوَ لَيسَ في بَيتِهِ
ــ
هنا ولالتماس دعاء أو مساعدة على التسبب في إزالة ذلك العارض فهذا كله ليس بمذموم إنما يذم ما كان تشكيًا وتسخطًا وتجزعًا أه منه.
قال القرطبي: وهذا يدل على شدة حالهم في أول أمرهم وسبب ذلك أن أهل المدينة كانوا في شظفٍ من العيش عندما قدم عليهم النبي ﷺ مع المهاجرين وكان المهاجرون فروا بأنفسهم وتركوا أموالهم وديارهم فقدموا فقراء على أهل شدة وحاجة مع أن الأنصار ﵁ واسوهم "فيما كان عندهم" وشركوهم فيما كان لهم ومنحوهم وهادوهم غير أن ذلك ما يسد خلاتهم ولا يرفع فاقاتهم مع إيثارهم الضراء على السراء والفقر على الغنى ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن فتح الله عليهم وادي القرى وخيبر وغير ذلك فردوا عليهم منائحهم واستغنوا بما فتح الله عليهم ومع ذلك فلم يزل عيشهم شديدأوجهدهم جهيدًا حتى لقوا الله تعالى مؤثرين بما عنده تعالى صابرين على شدة عيشهم معرضين عن الدنيا وزهرتها ولذاتها مقبلين على الآخرة ونعيمها وكراماتها فحماهم الله تعالى ما رغبوا عنه وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه حشرنا الله تعالى في زمرتهم واستعملنا بسنتهم. فقال لهما رسول الله ﷺ (قوموا) بنا وهذا أمر بالقيام لطلب العيش عند الحاجة وهو دليل على ما رسمناه في الترجمة (فقاموا معه) ﷺ ، هكذا هو في الأصول بضمير الجمع وهو جائز بلا خلاف، ولكن الجمهور يقولون إطلاقه على الاثنين مجاز وآخرون يقولون حقيقة اهـ نووي (فأتى) رسول الله ﷺ أي جاء وهما معه (رجلًا من الأنصار) أي بيت رجل من الأنصار، وهذا الرجل الأنصاري هو أبو الهيثم بن التيهان على ما جاء مفسرًا في رواية أخرى، وقيل هو أبو أيوب الأنصاري واسمه مالك بن التيهان بفتح التاء وكسر الياء المشددة كما هو مصرح في رواية مالك والترمذي، وفيه جواز الإدلال على الصاحب الذي يوثق به واستتباع جماعة إلى بيته، وفيه منقبة لأبي الهيثم بن التيهان الأنصاري إذ جعله النبي ﷺ أهلًا لذلك وكفى به شرفًا (فهذا هو) أي الرجل الأنصاري (ليس) موجودًا (في بيته) والفاء عاطفة وإذا فجائية، والتقدير فأتى بيت رجل من الأنصار ففاجأه عدم وجدانه في بيته، وفي رواية الترمذي (فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري، وكان رجلًا كثير النخل والشاء ولم يكن له خدم فلم يجدوه فقالوا لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: انطلق يستعذب لنا الماء فلم يلبثوا أن جاء أبو
стр. 8787
فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا. فَقَال لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَينَ فُلان؟ " قَالتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ. إِذْ جَاءَ الأنصَارِيُّ فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيهِ. ثُمَّ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ. مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي
ــ
الهيثم بقربة يزعبها -أي يحملها- بمشقة فوضعها ثم جاء يلتزم النبي ﷺ ويفديه بأبيه وأمه ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطًا ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه فقال النبي ﷺ : "أفلا تنقيت لنا من رطبه" فقال: يا رسول الله إني أردت أن تختاروا أو قال تخيروا من رطبه وبسره) (فلما رأته) ﷺ (المرأة) أي مرأة الرجل الأنصاري، قال في تنبيه المعلم: إن كان الرجل أبا الهيثم فامرأته لا أعرفها وإن كان أبا أيوب فامرأته هي أم أيوب وهي بنت قيس بن عمرو بن امرئ القيس من الخزرج ولا أعرف اسمها ولعل اسمها كنيتها اهـ (قالت) له ﷺ (مرحبًاوأهلًا) كلمتان معروفتان عند العرب منصوبان بعامل محذوف وجوبًا تقديره صادفت يا رسول الله مكانًا رحبًا واسعًا وأهلًا تأنس بهم، فيه جواز سماع كلام الأجنبية عند الحاجة، وجواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها لمن علمت علمًا محققًا أنه لا يكرهه بحيث لا يخلو بها الخلوة المحرمة، وفيه أيضًا استحباب إكرام الضيف بهذا القول وشبهه وإظهار السرور بقدومه اهـ أبي. (فقال لها رسول الله ﷺ : أين فلان) يريد زوجها (قالت) المرأة (ذهب) أي انطلق حالة كونه (يستعذب لنا من الماء) أي يطلب لنا الماء العذب، وفيه دليل على جواز الميل للمستطابات طبعًا من الماء وغيره، وإذ في قوله (إذ جاء الأنصاري) فجائية أي قالت المرأة ذهب ففاجاهم مجيء الأنصاري (فنظر) الأنصاري (إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه) أبي بكر وعمر (ثم قال الحمد لله) على ضيافتكم عندي (ما أحد اليوم) أي ليس اليوم أحد (أكرم) وأشرف (أضيافًا مني) فما حجازية تعمل عمل ليس لتوفر شرطها، قال القرطبي: قول الرجل هذا قول صدق ومقال حق إذ لم تقل الأرض ولا أظلت السماء في ذلك الوقت أفضل من أضيافه فإنهم محمد رسول الله ﷺ وخليفتاه أبو بكر وعمر ولما تحقق الرجل عظيم هذه النعمة قابلها بغاية مقدور الشكر فقال الحمد لله اهـ من المفهم.
стр. 8788
قَال: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ. فَقَال: كُلُوا مِنْ هذِهِ. وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِيَّاكَ، وَالْحَلُوبَ" فَذَبَحَ لَهُمْ. فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ. وَمِنْ ذلِكَ الْعِذْقِ. وَشَرِبُوا. فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا
ــ
(قال) الراوي أبو هريرة (فانطلق) الأنصاري من عندهم (فجاءهم بعذق) بكسر العين وسكون الذال أي بغصن من النخل، والعذق من الرطب بمنزلة العنقود من العنب، وقال القرطبي: والعذق بكسر العين الكباسة وهي العرجون، والعذق بفتح العين النخلة وإنما قدم لهم هذه العرجون لأنه الذي تيسر له بغير كلفة لا سيما مع تحققه حاجتهم ولأن فيه ألوانًا من التمر والبسر والرطب فقد يطيب لبعضهم هذا ولبعضهم هذا ولأن الابتداء بما يتفكه به من الحلاوة أولى من حيث إنه أقوى للمعدة؛ لأنه أسرع هضمًا، وفيه دليل على استحباب تقديم أكل الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما (فيه) أي في ذلك العذق (بسر وتمر ورطب فقال) الأنصاري لرسول الله ﷺ ولصاحبيه (كلوا من هذه) الثمار المختلفة الألوان (وأخذ المدية) بضم الميم وسكون الدال أي السكين (فقال له رسول الله ﷺ إياك) منصوب على التحذير بعامل محذوف وجوبًا. لنيابة المعطوف منابه (والحلوب) بفتح الحاء فعول بمعنى مفعول كركوب ونحوه الشاة التي تحلب لبنًا كثيرًا أي باعد نفسك عن ذبح الحلوب ذات اللبن وإنما نهاه عنها لأن ذبحها تضييع للبنها مع أن غير ذات اللبن تتنزل منزلتها عند الضيف ويحصل بها المقصود، وفي رواية الترمذي (لا تذبحن ذات اللبن) (فذبح لهم فأكلوا من) لحم (الشاة ومن) تمر (ذلك العذق) وفيه دليل على جواز جمع طعامين فأكثر على مائدة واحدة (وشربوا) عليه الماء، وفي رواية (حتى شبعوا ورووا) وفيه دليل على جواز الشبع من الحلال وما ورد مما يدل على كراهة الشبع عن النبي ﷺ وعن السلف إنما ذلك في الشبع المثقل للمعدة المبطيء بصاحبه عن الصلوات والأذكار المضر للإنسان بالتخم وغيرها الذي يفضي صاحبه إلى البطر والأشر والنوم والكسل فهذا هو المكروه، وقد يلحق بالمحرم إذا كثرت آفاته وعمت بلياته والقسطاس المستقيم ما قاله ﷺ من قوله: "ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان ولا بد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" رواه أحمد [٤/ ١٣٣] والترمذي [٢٣٨٠] (فلما أن) أن زائدة بعد لما (شبعوا) من الطعام (ورووا)
стр. 8789
قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَتُسْالُنَّ عَنْ هذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ. ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هذَا النَّعِيمُ".
٥١٧٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ
ــ
الشراب (قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا) إليها (حتى أصابكم) ونالكم (هذا النعيم) العظيم من الشبع والري.
قوله (لتسألن) أي سؤال عرض لا سؤال مناقشة وسؤال إظهار التفضل والمنن لا سؤالًا يقتضي المعاتبة والمحن، و (النعيم) كل ما يتنعم به أي يستطاب ويتلذذ به وإنما قال النبي ﷺ هذا استخراجًا للشكر على النعم وتعظيمًا لذلك والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
وزاد في رواية الترمذي "ظل بارد ورطب طيب وماء بارد" وهو إشارة إلى قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) وفي الحديث دلالة على أن الرجل كما أصابته نعمة أو لذة فعليه أن يشكره تعالى ويتذكر أنه يسئل يوم القيامة عن أداء حقها.
ومن تتمة هذه القصة فيما أخرجه الترمذي فقال النبي ﷺ : "هل لك خادم؟ " قال: لا، قال: "فإذا أتانا سبي فأتنا" فأتي النبي ﷺ برأسين ليس معهما ثالث فأتاه أبو الهيثم، فقال النبي ﷺ : "اختر منهما" فقال: يا نبي الله اختر لي، فقال النبي ﷺ : "إن المستشار مؤتمن خد هذا فإني رأيته يصلي واستوص به معروفًا" فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله ﷺ فقالت امرأته: ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي ﷺ إلا أن تعتقه، قال: فهو عتيق، فقال النبي ﷺ : "إن الله لم يبعث نبيًّا ولا خليفة إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالًا ومن يوق بطانة السوء فقد وقي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث الترمذي أخرجه في الزهد برقم [٢٣٧٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥١٧٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي
стр. 8790
أَخْبَرَنَا أَبُو هِشَامٍ (يَعْنِي الْمُغِيرَةَ بْنَ سَلَمَةَ). حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ. حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ. قَال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: بَينَا أَبُو بَكْرٍ قَاعِدٌ وَعُمَرُ مَعَهُ، إِذْ أَتَاهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَال: "مَا أَقْعَدَكُمَا ههُنَا؟ " قَالا: أَخْرَجَنَا الْجُوعُ مِنْ بُيُوتِنَا. وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ.
٥١٧٦ - (١٩٩٨) (٦٣) حدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، مِنْ رُقْعَةٍ عَارَضَ لِي بِهَا، ثُمَّ قَرَأَهُ
ــ
النيسابوري، ثقة متقن، من (١١) (أخبرنا أبو هشام يعني المغيرة بن سلمة) القرشي المخزومي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا يزيد) بن كيسان اليشكري الكوفي، صدوق، من (٦) (حدثنا أبو حازم) سلمان الأشجعي مولى عزة الكوفي، ثقة، من (٣) (قال سمعت أبا هريرة يقول) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة عبد الواحد لخلف بن خليفة، قال الأبي: قوله (عن أبي هاشم عن يزيد) كذا وقع هذا السند لابن ماهان وللرازي عن الجلودي بزيادة رجل بين أبي هاشم ويزيد والرجل هو عبد الرحمن بن زياد، وقال الجياني: لا بد من زيادته وبه يتصل السند وإسقاطه خطأ بيّن اهـ من الأبي (بينا أبو بكر قاعد وعمر) حاضر (معه إذ أتاهما رسول الله ﷺ إذ فجائية رابطة لجواب بينا أي بينا أوقات قعود أبي بكر وعمر فاجأهما إتيان رسول الله ﷺ (فقال) لهما رسول الله ﷺ (ما أقعدكما ها هنا) هذه الساعة أي أي سبب جعلكما قاعدين ها هنا في هذا الوقت (قالا أخرجنا الجوع) أي ألمه (من بيوتنا والدي بعثك بالحق) أي أقسمنا لك بالإله الذي بعثك بالحق أخرجنا الجوع (ثم ذكر) عبد الواحد (نحو حديث خلف بن خليفة) والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث جابر ﵄ فقال:
٥١٧٦ - (٩٩٨ ١) (٦٣) (حدثني حجاج) بن يوسف بن حجاج الثقفي أبو محمد المعروف بـ (ابن الشاعر) البغدادي، ثقة، من (١١) (حدثني الضحاك بن مخلد) بن الضحاك الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري، ثقة، من (٩) (من رقعة) أي من ورقة (عارض لي) أي أظهر لي (بها) أي بتلك الرقعة (ثم) بعد عرضها علي (قرأه) أي قرأ هذا
стр. 8791
عَلَيَّ. قَال: أَخْبَرَنَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ. قَال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَمَصًا. فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي. فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ شَيءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا. فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ
ــ
الحديث (علي، قال) الضحاك في قراءته علي (أخبرناه) أي أخبرنا هذا الحديث المكتوب في هذه الرقعة التي عرضتها عليك (حنظلة بن أبي سفيان) الأسود بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الأموي المكي، ثقة، من (٦) (حدثنا سعيد بن ميناء) بكسر الميم ومد النون أبو الوليد المكي أو المدني مولى البختري بن أبي ذباب، ثقة، من (٣) (قال سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄. وهذا السند من خماسياته حالة كون جابر (يقول لما حفر الخندق) أي الحفيرة التي حفرت يوم غزوة الأحزاب لمنع وصول المشركين إلى المدينة حين تحزبوا على الهجوم عليها واستئصال المسلمين (رأيت برسول الله ﷺ خمصًا) بفتحتين أي جوعًا شديدًا، والخمص خلاء البطن من الطعام اهـ أبي، قال القرطبي: الخمص الجوع وأصله من خمص البطن وهو ضموره ولما كان الجوع يضمر البطن سمي به اه مفهم أي رأيته جائعًا وذلك بعد ما عرضت كدية في الخندق لم يستطع الصحابة كسرها فضربها النبي ﷺ بمعول كما هو مصرح في رواية أيمن عن جابر عند البخاري ولفظها (ثم قام ﷺ وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب في الكدية فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم فقلت يا رسول الله ائذن لي إلى البيت فقلت لامرأتي .. إلخ.
قال جابر (فانكفأت) أي انقلبت ورجعت (إلى) بيتي عند (امرأتي) بعد الاستئذان من النبي ﷺ وامرأته اسمها سهيلة بنت مسعود، وقيل سهيمة بنت مسعود بن أوس الظفرية بايعت وولدت لجابر بن عبد الله عبد الرحمن فيما ورد وذكر ابن الأثير أنها بايعت رسول الله ﷺ ذكره ابن حبيب اهـ تنبيه المعلم (فقلت لها) أي لامرأتي (هل عندك شيء) من الطعام (فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصًا) أي جوعًا (شديدًا فأخرجت لي) من خزانة البيت (جرابًا) بكسر الجيم وفتحها والكسر أشهر أي وعاء من جلد معروف (فيه) أي في ذلك الجراب (صاع من
стр. 8792
شَعِيرٍ. وَلَنَا بُهَيمَةٌ دَاجِنٌ. قَال: فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ. فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي. فَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا. ثُمَّ وَلَّيتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ. قَال: فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولِ اللهِ إِنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بُهَيمَةً لَنَا. وَطَحَنَتْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا. فَتَعَال أَنْتَ فِي نَفَرٍ مَعَكَ. فَصَاحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَال: "يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ! إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ
ــ
شعير ولنا بهيمة) تصغير بهمة، والجمع بهم وهي الصغيرة من أولاد الضأن وتطلق على الذكر والأنثى (داجن) والداجن الحيوان الملازم للبيت وألف به ولا يخرج إلى المرعى وإنه يسمن عادة من دجن في كذا إذا قام فيه، وزاد في رواية (قال) جابر (فذبحتها) أي ذبحت تلك البهيمة (وطحنت) امرأتي ذلك الصاع (ففرغت) امرأتي من طحن الشعير (الي فراغي) من شغلي الذبح (فقطعتها) من التقطيع أي قطعت لحم البهيمة قطعًا صغارًا فجعلتها أي جعلت لحمها المقطع (في برمتها) أي في قدرها والبرمة بضم الباء قدر صغير (ثم وليت) أي رجعت (إلى رسول الله ﷺ فقالت) امرأتي عندما وليت إلى رسول الله ﷺ (لا تفضحني) يا جابر (بـ) إحضار (رسول الله ﷺ و) جميع (من معه) ﷺ لأن طعامنا قليل لا يكفيهم إنما خشيت أن يدعو جابر رجالًا كثيرًا مع رسول الله ﷺ فلا يكفيهم الطعام فتلحق بها منه الفضيحة (قال) جابر (فجئته) ﷺ (فساررته) أي كلمته سرًّا بحيث لا يسمع الناس، قال النووي: فيه جواز المساررة بحضرة الجماعة للحاجة وإنما النهي أن يتناجى اثنان دون ثالث (فقلت) له ﷺ سرًّا (يا رسول الله إنا) معاشر أهل بيتي (قد ذبحنا بهيمة) صغيرة كائنة (لنا وطحنت) امرأتي (صاعًا من شعير كان عندنا فتعال أنت) أي احضر أنت إلينا في بيتنا (في نفر) أي مع جماعة ممن (معك) من المسلمين، وفي رواية أيمن عند البخاري (طعيم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان قال: "كم هو؟ " فذكرت له، فقال: "كثير طيب") وفيه أن من أدب الدعوة أن يذكر الداعي طعامه بصيغة التصغير (فصاح) أي نادى (رسول الله ﷺ في الناس (وقال) في ندائه (يا أهل الخندق) أي يا أصحاب الحفيرة المشغولين بحفرها (إن جابرًا) ابن عبد الله ﵄ (قد صنع) أي أصلح وهيأ
стр. 8793
لَكُمْ سُورًا فَحَيَّهَلا بِكُمْ" وَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَتَكُمْ، حَتَّى أَجِيءَ" فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْدُمُ النَّاسَ. حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي. فَقَالت: بِكَ. وَبِكَ
ــ
(لكم) لأجل إطعامكم (سورًا) بضم السين أي طعامًا أي اتخذ طعامًا لدعوة الناس، والسور بضم السين وإسكان الواو من غير همز وهو الصنيع من الطعام الذي يدعى إليه، وقيل الطعام مطلقًا وهي كلمة فارسية، وقيل حبشية، وفيه جواز التكلم بالفارسية وأما ما أخرجه الحاكم في المستدرك مرفوعًا "من تكلم بالفارسية زادت في خبثه ونقصت من مروءته" و"من أحسن العربية فلا يتكلمن بالفارسية فإنه يورث النفاق" فسند كل منهما واه كما ذكره الحافظ في الفتح [٦/ ١٨٤] وقد تظاهرت أحاديث صحيحة بأن رسول الله ﷺ قد تكلم بألفاظ غير العربية فيدل على جوازه (فحيهلا بكم) بتنوين هذا وقيل بلا تنوين وهي كلمة استدعاء فيها حث أي هلموا وأقبلوا مسرعين إلى طعامه، قال الهروي: "حي" كلمة على حدة ومعناها هلم و"هلا" كلمة على حدة فجعلا كلمة واحدة، قال غيره: فيها ست لغات يقال حيَّ هَلْ، وحَيَّ هَلَ، وحَّيَّ هَلا، وحَيَّ هَلًا، وحَيَ هَلَ، وحَي هَلْ، وهي عند أبي عبيد بمعنى عليك بكذا أي ادع به (وقال) لي (رسول الله صلى الله عليه وسم لا تنزلن) بنون التوكيد الثقيلة وضم اللام من الإنزال نهي مسند إلى الجماعة أي لا ترفعن (برمتكم) أي قدركم عن النار (ولا تخبزن) بضم الزاي وتشديد النون أي لا تدخلن (عجينتكم) في المخبز (حتى أجيء) وآتي إليكم، قال جابر (فجئت) أنا قبله إلى بيتي (وجاء رسول الله ﷺ عقبى مع الناس (يقدم الناس) أي يمشي قدام الناس وهذا يخالف للذي نقل في سيرته ﷺ مع أصحابه من أنه كان لا يتقدمهم ولا يوطأ عقبه وإنما كان يمشي بين أصحابه أو يقدمهم وإنما تقدمهم في هذا الموضع لأنه هو الذي دعاهم فكان دليلهم إلى الموضع الذي دعاهم إليه اهـ من المفهم. وتقدمت أنا إلى البيت (حتى جاءت امرأتي) وأخبرتها خبر مجيء رسول الله ﷺ مع الناس (فقالت) لي امرأتي (بك) لحقت الفضيحة لا أنا (و) يلحق (بك) الذم لا أنا حيث جمعت الناس على طعام قليل، قال النووي: ذمته ودعت عليه أي ألحق الله بك الفضيحة وجعل عليك الذم واللوم، وقال القرطبي: "هذا عتب عتبت عليه وكأنها قالت له فعلت هذا برأيك وسوء نظرك وتسببك
стр. 8794
فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لِي. فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينَتَنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ. ثُمَّ عَمَدَ إلى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ. ثُمَّ قَال: "ادْعِي خَابِزَة فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ
ــ
يعني دعاءه للناس كلهم وظنت أنه لم يخبر رسول الله ﷺ بقدر الطعام، ويحتمل أن يكون معناه بك تنزل الفضيحة وبك يقع الخجل، ويحتمل أن يكون دعاء عليه أي أوقع الله بك الفضيحة أو الخجل أو نحوهذا اهـ من المفهم.
وإنما قالت ذلك لما ظنت أن جابرًا هو الذي دعا هؤلاء جميعًا وكانت منعته ذلك خشية الفضيحة ووقع تفصيل القصة في رواية يونس ذكرها الحافظ في الفتح [٧/ ٣٩٨] (قال فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله وقلت: جاء الخلق على صاع من شعير وعناق فدخلت على امرأتي أقول: افتضحت جاءك رسول الله ﷺ بالخندق أجمعين، فقالت: هل كان سألك: كم طعامك؟ فقلت: نعم، فقالت: الله ورسوله أعلم، ونحن قد أخبرناه بما عندنا فكشفت عني غمًا شديدًا) وجمع الحافظ بين الروايات بأنها أوصته أولًا بأن يعلمه الصورة فلما قال لها إنه جاء بالجميع ظنت أنه لم يعلمه فخاصمته فلما أعلمها أنه أعلمه سكن ما عندها لعلمها بإمكان خرف العادة ودل ذلك على وفور عقلها وكمال فضلها اهـ من التكملة.
قال جابر (فقلت) لها (قد فعلت) وأخبرت لرسول الله ﷺ الخبر (الذي قلت لي) أَخبِرْه ﷺ يعني أخبرت النبي ﷺ بما عندنا من قلة الطعام فهو أعلم بالمصلحة (ف) لما جاء رسول الله ﷺ (أخرجت) امرأتي وقربت (له) ﷺ (عجينتنا) القليلة (فبصق فيها) رسول الله ﷺ (وبارك) عليها أي دعا بالبركة فيها (ثم عمد) وقصد رسول الله ﷺ (إلى) الدعاء في (برمتنا) وقدرنا (فبصق فيها وبارك) عليها أي دعا بالبركة فيها فاستجيبت له على الفور وظهرت معجزاته وبركاته لما أكل من صاع الشعير والبهيمة ذلك العدد الكثير ثم بقي الطعام على حاله كما كان أول مرة وعلى هذا لو كانوا مائة ألف لكفاهم، وما أحسن وأكرم ريقه ﷺ وكان الصحابة يحكون به وبنخامته وجوههم إذ كل شيء منه أطيب من كل طيب اهـ سنوسي (ثم) بعد الدعاء عليهما (قال) رسول الله ﷺ لامرأتي (ادعي) أي اطلبي من جاراتك (خابزة فلتخبز) من باب ضرب أي فلتجعل وتصلح الخبز (معك) مساعدة لأن
стр. 8795
وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا"ـ وَهُمْ أَلْفٌ". فَأُقْسِمُ بِالله، لأكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا. وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ. وَإِنَّ عَجِينَتَنَا -أَوْ كَمَا قَال الضَّحَّاكُ- لَتُخْبَزُ كَمَا هُوَ.
٥١٧٧ - (١٩٩٩) (٦٤) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأُتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ
ــ
الضيف كثير (واقدحي من برمتكم) أي اغرفي المرق منها بالمقدحة وهي المغرقة على الخبز، وفيه إدلال الضيف والصديق في دار صديقه وأمره بما يراه اهـ أبي، يقال قدحت المرق أقدحه بفتح الدال من باب فتح غرفته (ولا تنزلوها) أي ولا ترفعوا برمتكم عن النار، قال جابر: فأكلوا من ذلك الطعام (وهم ألف، فأقسم) أي أحلف (بالله) الذي يفعل ما يشاء من الخوارق إنهم (لأكلوا حتى) شبعوا و (تركوه) على حاله (وانحرفوا) أي انصرفوا ومالوا عنه (وإن برمتنا) أي والحال أن برمتنا (لتغط) بكسر الغين أي لتغلي وتفور ويسمع صوت غليانها وغطيط القدر صوت فورانها وهي كانت (كما هي) عليه أولًا لم تنقص شيئًا من الغطيط واللحم (وإن عجينتنا أو) القول كما قال الضحاك) بن مخلد شك الحجاج بن الشاعر فيما قاله الضحاك هل قال لفظ عجينتنا أو لفظ خميرتنا أو لفظ عجيننا مثلًا أي والحال إن عجينتنا (لتخبز) أي لتجعل خبزًا والعجين كان (كما) كان (هو) أولًا لم ينقص منه شيء بالخبز، والضمير في هو يعود إلى العجين كما قدرناه في حلنا وقد تضمن هذا الحديث علمين من أعلام النبوة أحدهما: تكثير الطعام القليل، والثاني: علمه ﷺ بأن هذا الطعام القليل الذي يكفي في العادة خمسة أنفس أو نحوهم يكثر فيكفي ألفًا وزيادة فدعا له ألفًا قبل أن يصل إليه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٣٠٧٠].
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث أنس ﵄ فقال:
٥١٧٧ - (١٩٩٩) (٦٤) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال قرأت على مالك بن أنس) إمام الفروع (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري زيد ابن سهل أبي يحيى المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (٦) أبواب (أنه) أي أن إسحاق (سمع) عمه للأم (أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته حالة كون أنس
стр. 8796
يَقُولُ: قَال أَبُو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيمٍ: قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ضَعِيفًا. أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ. فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيءٍ؟ فَقَالتْ: نَعَمْ. فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ: ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا. فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي. وَرَدَّتْنِي. بِبَعْضِهِ
ــ
(يقول قال أبو طلحة) الأنصاري زوج أمي ﵁ (لـ) والدتي (أم سليم) رضي الله تعالى عنها بنت ملحان أخت أم حرام الأنصارية اسمها سهلة أو رميلة أو رميثة أو أنيسة أو مليكة وهي الغميصاء أو الرميصاء اشتهرت بكنيتها (قد سمعت) اليوم (صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا أعرف فيه) أي في ذلك الصوت (الجوع) أي أثر الجوع وعلامته (فهل عندك) يا أم سليم (من شيء) من الطعام.
وسيأتي أنه رأى رسول الله ﷺ مضطجعًا يتلقب ظهرًا لبطن وأنه وجده ﷺ جالسًا مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة، ووقع عند أبي نعيم (مررت على رسول الله ﷺ وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء وقد ربط على بطنه حجرًا من جوع) ولا منافاة بين هذه الروايات إذ آنس أبو طلحة بمجموع ما رأى أو سمع أنه ﷺ أصابه الجوع، ووقع عند أبي يعلى من طريق محمد بن سيرين عن أنس (أن أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله ﷺ طعام فذهب فآجر نفسه بصاع من شعير يعمل بقية يومه ذلك ثم جاء به) ذكره الحافظ في الفتح [٦١/ ٥٨٨].
(فقالت) أم سليم (نعم) عندنا شيء من طعام (فأخرجت) أم سليم من خزانتها (أقراصًا) أي خبزًا (من شعير) والأقراص جمع قرص بضم القاف وهو الرغيف (ثم أخذت خمارًا لها) والخمار ما تستر به المرأة رأسها (فلفت) أي طوت وخمرت (الخبز ببعضه) أي ببعض الخمار، فيه أن من أدب الهدية ولا سيما الطعام أن يكون مخمرًا (ثم دسته) أي دست الخبز الملفوف بالخمار وأدخلته (تحت ثوبي) أي تحت قميصي، كذا في كتاب مسلم عند سائر رواته، وفي الموطإ تحت يدي أي إبطي، والدس وضع الشيء في خفية ولطافة اه مفهم يقال دس الشيء يدسه بضم الدال من باب شد إذا أدخله بقوة وقهر (وردتني ببعضه) أي جعلت بعض الخمار كالرداء عليّ من التردية وهو إلباس الرداء وإكساؤه والمراد أنها لفت الخبز ببعض الخمار وردته ببعضه، وفيه تجميل الرسول
стр. 8797
ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَال: فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَالِسًا في الْمَسْجِدِ. وَمَعَهُ النَّاسُ. فَقُمْتُ عَلَيهِم. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ " قَال: فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَال: "أَلِطَعَامٍ؟ " فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: "قُومُوا" قَال: فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَينَ أَيدِيهِمْ. حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ. فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَال أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيمٍ! قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ
ــ
بالهدية، وقيل من الرد بمعنى الصرف؛ والمعنى أنها ردت جوعي ببعض الخبز، وفيه مناولة الخادم من طعام مخدومه لكي تنكسر شهوته لا سيما الصبيان ومن يتعلق قلبه بالطعام ذكره الأبي، ولكن الوجه الأول أولى فقد وقع في رواية البخاري (وَلاثَتْنِي ببعضه) (ثم أرسلتني) بذلك الخبز الملفوت بالخمار (إلى رسول الله ﷺ ظاهره أن أم سليم أرسلت بالأقراص إلى النبي ﷺ وأكثر الروايات تدل على أن أبا طلحة وأم سليم دعوا النبي ﷺ إلى بيتهما وجمع بينهما الحافظ ابن حجر في الفتح [٦/ ٥٨٩] بأنهما أرادا إرسال الخبز مع أنس فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس حوله ﷺ استحيا وظهر له أن يدعوه ﷺ ليقوم معه وحده إلى المنزل، ويحتمل أن يكون ذلك على رأي أنه حين أرسله عهد إليه إذا رأى كثرة الناس أن يستدعي النبي ﷺ وحده (قال) أنس (فذهبت به) أي بذلك الخبز إلى رسول الله ﷺ (فوجدت رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم) أي عندهم (فقال) لي (رسول الله ﷺ أ (أرسلك أبو طلحة) بتقدير همزة الاستفهام (قال) أنس (فقلت) لرسول الله ﷺ (نعم) أرسلني أبو طلحة (فقال) لي رسول الله ﷺ (أ) أرسلك (ل) دعوة (طعام فقلت) له ﷺ (نعم) أرسلني لدعوة طعام (فقال رسول الله ﷺ لمن معه قوموا) بنا إلى الدعوة (قال) أنس (فانطلق) أي ذهب رسول الله ﷺ معي وانطلقوا معه (وانطلقت) أنا (بين أيديهم) أي قدامهم إلى بيتنا (حتى جئت) بيتنا ووصلت إليه، ورأيت (أبا طلحة فأخبرته) أي أخبرت أبا طلحة خبر مجيء رسول الله ﷺ مع الناس (فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله ﷺ بالناس) أي
стр. 8798
وَلَيسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ. فَقَالتِ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُ حَتَّى دَخَلا. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلُمِّي مَا عِنْدَكِ. يَا أُمَّ سُلَيمٍ؛ " فَأَتَتْ بِذلِكَ الْخُبْزِ. فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَفُتَّ. وَعَصَرَتْ عَلَيهِ أُمُّ سُلَيمٍ عُكَّةَ لَهَا فَأَدَمَتْهُ
ــ
معهم (وليس عندنا ما نطعمهم) وهذا قول على مقتضى العادة (فقالت) أم سليم (الله ورسوله أعلم) بشأنهم وما يطعمهم، وهذا قول أخرجه نظرها إلى إمكان خرق العادة ورجاء بركة رسول الله ﷺ كالذي كان اه مفهم. كأنها عرفت أنه ﷺ فعل ذلك عمدًا لتظهر المعجزة في تكثير الطعام القليل ودل ذلك على فطنة أم سليم ورجحان عقلها.
(قال) أنس (فانطلق أبو طلحة) من البيت لاستقبال رسول الله ﷺ بعد ما أخبرته الخبر (حتى لقي) ورأى أبو طلحة (رسول الله ﷺ فأقبل رسول الله ﷺ أي وصل إلى البيت (معه) أي مع أبي طلحة (حتى دخلا) أي دخل أبو طلحة ورسول الله ﷺ البيت والناس جلسوا خارج البيت (فقال رسول الله ﷺ لأم سليم (هلمي) أي هاتي (ما عندك) من الطعام (يا أم سليم) والمشهور أن هلم لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع كما في قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَينَا﴾ ولكن فيه لغة حجازية مثل ما في الحديث كما بسطنا الكلام عليه في حاشيتنا على كشف النقاب فراجعه (فأتت) أم سليم (بذلك الخبز) الذي أرسلتني به إلى رسول الله ﷺ (فأمر به) أي أمر بفت ذلك الخبز وتقطيعه قطعًا قطعًا كالثريد (رسول الله ﷺ ففت) ذلك الخبز وقطع قطعًا صغارًا ليجعلوه ثريدًا، والفت كسر الخبز وجعله قطعًا كما يفعل في الثريد (وعصرت عليه) أي على ذلك الخبز المقطع (أم سليم عكة لها) أي بقايا ما فيها من السمن، والعكة بضم العين وتشديد الكاف إناء صغير من جلد مستدير يجعل فيها السمن غالبًا والعسل والنحي أكبر منه (فأدمته) أي جعلت ما في العكة إدامًا لذلك الخبز أي صيرت ما عصرته من العكة إدامًا له (وأدمته) بمد الألف وقصرها لغتان يقال آدمته رباعيًّا وأدمته ثلاثيًّا أي جعلت فيه إدامًا اهـ نووي، أي جعلت السمن في الخبز وهو الإدام فصار الخبز مأدومًا
стр. 8799
ثُمَّ قَال فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ. ثُمَّ قَال: "ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ" فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. ثُمَّ خَرَجُوا. ثُمَّ قَال: "ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ" فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا. ثُمَّ قَال: "ائْذَنْ لِعَشَرَةِ" حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا. وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلًا أَوْ ثَمَانُونَ
ــ
اهـ قرطبي (ثم) بعد ما أدمته أم سليم (قال) ودعا (فيه) أي في ذلك الخبز (رسول الله ﷺ ما شاء الله) سبحانه (أن يقول) ويدعوفيه أي دعا فيه بالبركة، ووقع في مسند أحمد برواية مبارك بن فضالة (فقال) أي النبي ﷺ : "هل من سمن؟ " فقال أبو طلحة: قد كان في العكة سمن فجاء بها فجعلا يعصرانها حتى خرج ثم مسح رسول الله ﷺ به سبابته ثم مسح القرص فانتفخ، وقال: "بسم الله" فلم يزل يصنع ذلك والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يتميع) (ثم قال) رسول الله ﷺ لأبي طلحة (ائذن لعشرة) من الناس ليدخلوا فيأكلوا، دعاهم عشرة عشرة ليتسع لهم المكان حول الصحفة ولئن اجتمعوا جميعًا ما تمكنوا من الجلوس حولها، وقال النووي: إنما أذن لعشرة عشرة ليكون أرفق بهم فإن القصعة التي فت فيه تلك الأقراص لا يتحلق عليها أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقهم لبعدها عنهم والله أعلم اهـ، قال القرطبي: فيه استحباب اجتماع هذا العدد على جفنة واحدة عند كثرة الناس لكن هذا إذا لم تحمل الجفنة أكثر من ذلك فلو كانت كجفنة الركب- هم أصحاب الإبل في السفر- لأكل عليها أكثر من هذا العدد (فأذن) أبو طلحة (لهم) أي لعشرة منهم فدخلوا (فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال) رسول الله ﷺ لأبي طلحة (ائدن لعشرة) منهم (فأذن لهم) فدخلوا (فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة) وما زال النبي ﷺ يقول ذلك لأبي طلحة وأبو طلحة يأذن لهم (حتى أكل لقوم كلهم وشبعوا، والقوم) أي جملتهم (سبعون رجلًا أو) قال أنس (ثمانون) رجلًا والشك من إسحاق بن عبد الله فيما قاله أنس (قوله فأكلوا حتى شبعوا) فيه دليل على جواز الشبع خلافًا لمن كرهه مطلقًا وهم قوم من المتزهدة لكن الذي يكره منه ما يزيد على الاعتدال وهو الأكل بكل البطن حتى لا يترك للماء ولا للنفس مساغًا وقد ينتهي هذا إلى تجاوز الحد فيحكم عليه بالتحريم كما تقدم، وكونه ﷺ أكل بعدهم إنما كان ذلك لأنه هو الذي أطعمهم ببركة دعائه فكان آخرهم أكلًا
стр. 8800
٥١٧٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَال: بَعَثَنِي أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لأَدْعُوَهُ. وَقَدْ جَعَلَ طَعَامًا. قَال: فَأَقْبَلْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
كما قال في الشراب: "ساقي القوم آخرهم شربًا" رواه أحمد ومسلم والترمذي، وأيضًا فليحصل على درجة الإيثار فإنه ﷺ كان أشدهم جوعًا لأنه كان قد شد على بطنه بحجرين ومع ذلك قدمهم عليه وآثرهم بالأكل قبله وشد البطن بالحجر يسكن سورة الجوع وذلك أنه يلصق البطن بالأمعاء والأمعاء بالبطن فتلتصق المعدة بعضها باب فيقل الجوع، وقيل إنما يفعل ذلك ليقوى من الضعف الذي يجده الجوع والأول أبين، وفي الحديث أبواب من الفقه لا تخفى اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٢١٨] والبخاري [٥٤٥٠]، والترمذي [٣٦٣٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
٥١٧٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير ح وحدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير واللفظ له حدثنا أبي) عبد الله (حدثنا سعد بن سعيد) ابن قيس بن عمرو الأنصاري أخو يحيى بن سعيد المدني، صدوق، من (٤) روى عنه في (٥) أبواب (حدثني أنس بن مالك) ﵁. وهذان السندان من رباعياته، غرضه بيان متابعة سعد بن سعيد وإسحاق بن عبد الله (قال) أنس (بعثني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ لأدعوه) ﷺ إلى طعام (و) الحال أنه (قد جعل) ووضع أبو طلحة (طعامًا) لأجله ﷺ . قال الأبي: هذه وضع قضية أخرى بلا شك، وفيها ما سبق في الحديث الأول وزيادة هذا العلم الآخر من أعلام النبوة وهو إخراج ذلك الشيء من بين أصابعه الكريمة اه نووي، وفي الحديث أن من استحق شيئًا مع غيره فيما يصح قسمته بالاعتدال لا بأس أن يبدأ بمن شاء كالمكيل والموزون إذا كان قسمتهم له على القرب والفور اه إكمال المعلم (قال) أنس (فأقبلت) إلى رسول الله ﷺ وجئت إليه (ورسول الله ﷺ أي
стр. 8801
مَعَ النَّاسِ. فَنَظَرَ إِلَيَّ فَاسْتَحْيَيتُ فَقُلْتُ: أَجِبْ أَبَا طَلْحَةَ. فَقَال لِلنَّاسِ: "قُومُوا" فَقَال أَبُو طَلْحَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّما صَنَعْتُ لَكَ شَيئًا. قَال: فَمَسَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَدَعَا فِيهَا بِالْبَرَكَةِ. ثُمَّ قَال: "أَدْخِلْ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِي، عَشَرَةً" وَقَال: "كُلُوا" وَأَخْرَجَ لَهُمْ شَيئًا مِنْ بَينِ أَصَابِعِهِ. فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. فَخَرَجُوا. فَقَال: "أَدْخِلْ عَشَرَةً" فَأَكَلُوا حَتى شَبِعُوا. فَمَا زَال يُدْخِلُ عَشَرَةً وَيُخْرِجُ عَشَرَةً حَتى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أحدٌ إلا دَخَلَ، فَأَكَلَ حَتَّى شَبعَ. ثُمَّ هَيَّأَهَا. فَإِذَا هِيَ مِثْلُهَا حِينَ أَكَلُوا مِنْهَا
ــ
والحال أنه جالس (مع الناس فنظر إلي) رسول الله ﷺ (فاستحييت) عن إخبار حال الطعام الذي أدعوه إليه يعني عن إخبار قلته (فقلت) على الإجمال (أحب أبا طلحة) يا رسول الله لطعام صنعه (فقال) رسول الله ﷺ (للناس) الذين كانوا عنده (قوموا) بنا إلى دعوة أبي طلحة فوصلنا مع رسول الله ﷺ والناس معه إلى بيت أبي طلحة (فقال أبو طلحة) فزعًا (يا رسول الله إنما صنعت) وأصلحت (لك شيئًا) قليلًا من الطعام فلا يكفي الناس (قال) الناس (فمسها) أي فمس تلك الطعمة القليلة (رسول الله ﷺ بيده الشريفة (ودعا فيها) أي في تلك الطعمة (بالبركة ثم قال) رسول الله ﷺ لأبي طلحة (أدخل) على (نفرًا من أصحابي) ورفقتي الذين جاؤوا معي (عشرة) أنفار (وقال) رسول الله ﷺ للداخلين عليه كلوا وأخرج لهم شيئًا) قليلًا من الطعام (من بين أصابعه) الشريفة، بينه في الآخر بقوله فوضع فيه يده وسمى عليه وذلك ببركة يده وأنهم أكلوا ما خرج من بين أصابعه كما نبع الماء بوضع يده فيه من بين أصابعه اهـ أبي (فأكلوا) أي فأكل أولئك العشرة من ذلك الشيء القليل (حتى شبعوا فخرجوا فقال) لأبي طلحة (أدخل) أيضًا (عشرة) أخرى (فأكلوا حتى شبعوا فما زال) ﷺ (يدخل عشرة ويخرج عشرة) بضم الياء فيهما من الإدخال والإخراج (حتى لم يبق منهم) أي من أصحابه الذين جاؤوا معه (أحد إلا دخل فأكل حتى شبع ثم هيأها) أي جمع ما بقي من تلك الطعمة (فإذا هي) أي تلك البقية المجموعة (مثلها) أي مثل تلك الطعمة (حين أكلوا منها) أي حين ابتدأوا الأكل منها لم ينقص منها شيء.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال:
стр. 8802
٥١٧٩ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَويُّ. حَدَّثَنِي أَبِي. حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ. قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَال: بَعَثَنِي أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْو حَدِيثِ ابْنِ نُمَيرٍ. غَيرَ أَنَّهُ قَال فِي آخِرِهِ: ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ فَجَمَعَهُ. ثُمَّ دَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ. قَال: فَعَادَ كَمَا كَانَ فَقَال: "دُونَكُمْ هذَا".
٥١٨٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني عَمْروٌ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرُّقِّيُّ. حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيلَى،
ــ
٥١٧٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني سعيد بن يحيى) بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص (الأموي) البغدادي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (حدثني أبي) يحيى ابن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي الكوفي، صدوق، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (حدثنا سعد بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني، صدوق سيئ الحفظ، من (٤) (قال سمعت أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة يحيى بن سعيد لعبد الله بن نمير، وقد (قال) أنس (بعثني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ وساق) يحيى بن سعيد (الحديث) السابق (بنحو حديث) عبد الله (بن نمير غير أنه) أي لكن أن يحيى بن سعيد (قال في آخره) أي في آخر الحديث (ثم أخذ) النبي ﷺ (ما بقي) من الآكلين (فجمعه) أي فجمع ذلك الباقي (ثم دعا فيه) أي في ذلك الباقي (بالبركة قال) أنس (فعاد) أي صار ذلك الباقي المجموع (كما كان) أي على ما كان عليه أولًا قبل الأكل منه (فقال) رسول الله ﷺ لأهل بيت أبي طلحة (دونكم) أي خذوا (هذا) الباقي لأنفسكم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٥١٨٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (حدثنا عبد الله بن جعفر) بن غيلان الأموي مولاهم أبو عبد الرحمن (الرقي) ثقة، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا عبيد الله بن عمرو) بن أبي الوليد الأسدي الرقي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٨) أبواب (عن عبد الملك بن عمير) الفرسي اللخمي الكوفي، ثقة، من (٤) روى عنه في (١٥) بابا (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) يسار الأنصاري
стр. 8803
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: أَمَرَ أَبُو طَلْحَةَ أُمِّ سُلَيمٍ أَنْ تَصْنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا لِنَفْسِهِ خَاصَّةَ. ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَيهِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَقَال فِيهِ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ وَسَمَّى عَلَيهِ. ثُمَّ قَال: "ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ" فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا. فَقَال: "كُلُّوا وَسَمُّوا اللهَ" فَأَكَلُوا. حَتَّى فَعَلَ ذلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا. ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذلِكَ وَأَهْلُ الْبَيتِ. وَتَرَكُوا سُؤْرًا.
٥١٨١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ،
ــ
الأوسي الكوفي، ثقة، من (٢) روى له في (٩) أبواب (عن أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة ابن أبي ليلى وإسحاق بن عبد الله وسعد بن سعيد (قال) أنس (أمر أبو طلحة أم سليم أن تصنع) وتصلح (للنبي ﷺ طعامًا لنفسه) ﷺ حالة كونه (خاصة) أي مخصوصًا بذلك الطعام (ثم أرسلني) أبو طلحة (إليه) ﷺ لأدعوه (وساق) ابن أبي ليلى (الحديث) السابق (وقال) ابن أبي ليلى أي زاد (فيه) أي في الحديث لفظة (فوضع النبي ﷺ يده) الشريفة في الطعام (وسمى) أي ذكر اسم الله (عليه) أي على ذلك الطعام (ثم قال) ﷺ لأبي طلحة (ائذن لعشرة فأذن) أبو طلحة (لهم) أي لعشرة (فدخلوا فقال) لهم النبي ﷺ (كلوا وسموا الله) أي اذكروا اسم الله عليه (فأكلوا حتى فعل) النبي ﷺ (ذلك) الإدخال والإخراج (بثمانين رجلًا ثم أمالنبي ﷺ بعد ذلك) أي بعد الفراغ من إطعامهم (و) أكل (أهل البيت) أي أهل بيت أبي طلحة (وتركوا) بعد ما أكلوا (سؤرًا) بالهمز أي بقية فاضلة عنهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٥١٨١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عبد بن حميد) الكسي البصري، ثقة، من (١١) (حدثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب الحارثي القعنبي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد الدراوردي الجهني المدني، صدوق، من (٨) (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة المازني المدني، ثقة، من (٦) (عن أبيه) يحيى بن عمارة المازني المدني، ثقة، من (٣) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة يحيى بن عمارة لابن
стр. 8804
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، بِهذِهِ الْقِصَّةِ، فِي طَعَامِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَال فِيهِ: فَقَامَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى الْبَابِ. حَتَّى أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَال لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنمَا كَانَ شَيءٌ يَسِيرٌ. قَال: "هَلُمَّهُ. فَإِنَّ اللهَ سَيَجْعَلُ فِيهِ الْبَرَكَةَ".
٥١٨٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْبَجَلِيُّ. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي طَلْحَةَ،
ــ
أبي ليلى، وساق يحيى بن عمارة (عن أنس بن مالك بهذه القصة) التي رواها ابن أبي ليلى المذكورة تلك القصة (في طعام أبي طلحة) المنقولة تلك القصة (عن النبي ﷺ و) لكن (قال) يحيى بن عمارة (فيه) أي في طعام أبي طلحة للنبي ﷺ لفظة (فقام أبو طلحة على الباب) أي على باب بيت أبي طلحة واستمر على الباب (حتى أتى رسول الله ﷺ فقال له) ﷺ أبو طلحة (يا رسول الله إنما كان) ووجد عندنا (شيء يسير) وطعام قليل لا يكفي الناس ف (قال) رسول الله ﷺ لأبي طلحة (هلمه) أي هلم ذلك الشيء اليسير وأحضره عندي وهاته (فإن الله) (سيجعل فيه) أي في ذلك اليسير (البركة) والبركة زيادة الخير معنى لا حسًّا، وفيه علم ظاهر من أعلام النبوة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٥١٨٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عبد بن حميد) بن نصر الكسي (حدثنا خالد بن مخلد البجلي) مولاهم أبو الهيثم الكوفي القطواني، صدوق، من (١٥) روى عنه في (٩) أبواب (حدثني محمد بن موسى) بن أبي عبد الله الفطري مولاهم المدني، روى عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة في الأطعمة والمقبري ويعقوب بن سلمة الليثي وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وخالد بن مخلد وابن مهدي وابن أبي فديك ومعن بن عيسى وغيرهم، وثقة الترمذي وابن حيان، وقال أحمد بن صالح: محمد بن موسى الفطري شيخ ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، وقال في التقريب: صدوق، من السابعة (حدثني عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري النجاري أبو يحيى
стр. 8805
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِهذَا الْحَدِيثِ. وَقَال فِيهِ: ثُمَّ أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَكَلَ أَهْلُ الْبَيتِ وَأَفْضَلُوا مَا أَبْلَغُوا جِيرَانَهُمْ.
٥١٨٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. قَال: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ زَيدٍ يُحَدِّثُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ،
ــ
المدني، وكان أصغر من أخيه إسحاق، وكان معه في دار أبي طلحة، روى عن أنس بن مالك في الأطعمة، وعن أبيه، ويروي عنه (م س) ومحمد بن موسى الفطري ومحمد بن عمارة، وثقه النسائي والعجلي وابن حبان، وقال في التقريب: ثقة، من الرابعة، مات سنة (١٣٤) أربع وثلاثين ومائة (عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عبد الله بن عبد الله لابن أبي ليلى ويحيى بن عمارة، وساق عبد الله بن عبد الله (بهذا الحديث) المذكور الذي ساقه ابن أبي ليلى (و) لكن (قال) عبد الله (فيه) أي في الحديث لفظة (ثم أكل رسول الله ﷺ وأكل أهل البيت) أي أهل بيت أبي طلحة (وأفضلوا) أي وأفضل أهل بيت أبي طلحة أي تركوا إما أبلغوا) أي فضلة يهدونها (جيرانهم) أي أبقوا بقية يهدونها لجيرانهم بعد أكلهم وشبعهم، وفي قوله (ثم أكل رسول الله ﷺ .. الخ دلالة على أنه يستحب لصاحب الطعام وأهله أن يكون أكلهم بعد فراغ الضيفان والله أعلم اهـ نووي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة سادسًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٥١٨٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا الحسن بن علي) بن محمد بن علي الهذلي الخلال (الحلواني) أبو علي المكي، ثقة، من (١١) (حدثنا وهب بن جرير) بن حازم بن زيد الأزدي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا أبي) جرير بن حازم الأزدي البصري، ثقة، من (٦) روى عنه في (١٩) بابا (قال) أبي جرير بن حازم (سمعت جرير بن زيد) بن عبد الله الأزدي أبا سلمة البصري عم جرير بن حازم، روى عن عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة في الأطعمة، والشعبي وعامر بن سعد، ويروي عنه (خ م س) وابن أخيه جرير بن حازم، قال أبو حاتم: لا بأس به، قرنه (خ) بآخر، وقال في التقريب: صدوق، من السادسة (يحدث عن عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري، روى عن أنس بن مالك في
стр. 8806
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: رَأَى أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ. يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ. فَأَتَى أُمِّ سُلَيمٍ فَقَال: إِنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُضْطَجِعًا في الْمَسْجِدِ. يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنِ وَأَظُنُّهُ جَائِعًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَقَال فِيهِ: ثُمَّ أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ وَأُمُّ سُلَيمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ. فَأَهْدَينَاهُ لِجِيرَانِنَا
ــ
الأطعمة وابن الزبير، ويروي عنه (م) وجرير بن زيد وابن إسحاق وجماعة، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة عابد، من الرابعة (عن أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة عمرو بن عبد الله لابن أبي ليلى ومن قبله من رواة أنس (قال) أنس (رأى أبو طلحة رسول الله ﷺ مضطجعًا في المسجد) النبوي (يتقلب ظهرًا لبطن) أي يتحول عن ظهر إلى بطن ومن بطن إلى ظهر يعني لا يستقر على حالة لألم جوعه، وفي الرواية الآتية (وقد عصب بطنه بعصابة) فلا مخالفة بينهما لأن إحداهما تبين الأخرى (فأتى أم سليم فقال إني رأيت رسول الله ﷺ مضطجعًا في المسجد يتقلب ظهرًا لبطن وأظنه) ﷺ (جائعًا وساق) أي ذكر عمرو بن عبد الله (الحديث) السابق الذي ذكره ابن أبي ليلى (وقال) عمرو (فيه) أي في الحديث لفظة (ثم أكل رسول الله ﷺ وأبو طلحة وأم سليم وأنس بن مالك وفضلت فضلة) أي بقيت بقية بعد أكلهم (فأهديناه) أي أهدينا الباقي (لجيراننا) وفي هذا أن المضيف يأكل آخر الناس والنبي ﷺ وإن كان هو المدعو فقد صا رنا ظرًا في الطعام بما ظهر من بركته وفي أكله ﷺ مع أبي طلحة أكل المضيف مع الضيف لأنه أبسط له، وأما أكله مع أم سليم فاجاز العلماء أن تأكل المرأة مع الأجنبي على وجه لا يعرف من أكل المرأة من الرجل لأن الوجه والكفين منها ليسا بعورة فيباح نظرهما للأجنبي بغير لذة ولا مداومة نظر لتأمل المحاسن، وقد يحتمل أن تكون أم سليم ذات محرم منه ﷺ فإنه ذكر أن أختها أم حرام خالته من الرضاعة فتكون أم سليم مثلها اهـ من الأبي باختصار.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة سابعًا فقال:
стр. 8807
٥١٨٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ؛ أَنَّ يَعْقُوبَ بْنَ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الأنْصَارِيَّ حَدّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جِئْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَوْما. فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُهُمْ، وَقَدْ عَضَبَ بَطنَهُ بِعِصَابَةٍ -قَال أُسَامَةُ: وَأَنَا أَشُكُّ- عَلَى حَجَرٍ. فَقُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: لِمَ عَصَّبَ رَسُولُ الله ﷺ بَطْنَهُ؟ فَقَالُوا:
ــ
٥١٨٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي) المصري (حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (أخبرني أسامة) بن زيد الليثي المدني، صدوق، من (٧) (أن يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري) روى عن عمه أنس بن مالك في الأطعمة، ويروي عنه (م) وأسامة بن زيد الليثي وعبد الله بن بكر بن حزم، وثقه أبو زرعة، وقال النسائي: مشهور الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الرابعة، له عند (م) حديث واحد في الأطعمة، وقال أبو زرعة: لم يرو عنه إلا أسامة بن زيد الليثي (حدثه) أي حدث يعقوب لأسامة (أنه) أي أن يعقوب (سمع أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة يعقوب لمن روى عن أنس حالة كون أنس (يقول جئت رسول الله ﷺ يومًا فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدثهم) حديثًا (و) الحال أنه ﷺ (قد عصب) بتشديد الصاد المهملة من التعصيب، وبتخفيفها يقال عصب مخففًا وعصب مشددًا وهو كناية عن شدة الحال والجوع، وقيل حقيقة وهي عادتهم في الحجاز لأن برد الحجر يصل إلى باطن الأحشاء فتبرد حرارة الجوع أو لأن عادتهم عند ضمور البطن شد الحجارة عليها لتعتمد، وقيل إنما فعله موافقة لأصحابه وليعلمهم أنه ليس عنده ما يستأثر به عليهم وإن كان بخلافهم لقوله ﷺ "إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" اهـ من الأبي، أي رأيته وقد عصب أي شد وربط (بطنه بعصابة) والعصابة بكسر العين ما يشد به الرأس عند الصداع أو الجرح أو البطن عند الجوع، وقيل ثوب كالعمامة (قال أسامة) بن زيد بالسند السابق (وأنا أشك) هل قال يعقوب لفظة (على حجر) أم لا؟ أي عصب بطنه بعصابة فوق حجر، قال أنس (فقلت لبعض أصحابه) ﷺ (لم عصب رسول الله ﷺ بطنه) بعصابة أي مسألة استثباتًا (فقالوا) لي
стр. 8808
مِنَ الْجُوعِ. فَذَهَبْتُ إلى أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ سُلَيم بِنْتِ مِلْحَانَ. فَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ! قَدْ رَأَيتُ رَسُولَ الله ﷺ عَضَبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ. فَسَأَلْتُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: مِنَ الْجُوعِ. فَدَخَلَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى أُمي. فَقَال: هَلْ مِنْ شَيءٍ؟ فَقَالتْ: نَعَمْ. عِنْدِي كِسَرٌ مِنْ خُبْزٍ وَتَمَرَاتٌ. فَإِنْ جَاءَنَا رَسُولُ الله ﷺ وَحْدَهُ أشْبَعْنَاهُ. وَإِنْ جَاءَ آخَرُ مَعَهُ قَل عَنْهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْحَدِيثِ بِقِصَّتِهِ.
٥١٨٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثنَا حَرْبُ بْنُ مَيمُونٍ،
ــ
عصبه (من الجوع فذهبت إلى أبي طلحة وهو زوج أم سليم بنت ملحان) والدتي اسمها سهلة أو سهيلة (فقلت) لأبي طلحة (يا أبتاه) أصله يا أبتي والهاء للسكت وتحريكه خطأ راجع رسالتنا هدية أولى العلم والإنصاف في إعراب المنادى المضاف إن أردت اليقين في إعرابه، وإنما خاطبه بهذا اللفظ لأنه كان ربيبًا لأبي طلحة (قد رأيت رسول الله ﷺ عصب بطنه بعصابة فسألت بعض أصحابه) ﷺ عن سبب تعصيبه بطنه، ولم أر من ذكر اسم هذا البعض (فقالوا) لي عصبه (من الجوع فدخل أبو طلحة على أمي) أم سليم (فقال) لها (هل) عندك (من شيء) من الطعام (فقالت) أمي لأبي طلحة (نعم) عندي شيء قليل (عندي كسر من خبز) جمع كسرة أي قطع منها (وتمرات) قليلة (فإن جاءنا رسول الله ﷺ وحده) أي منفردًا عن غيره (أشبعناه) بما عندنا (وإن جاء) شخص (آخر معه قل) طعامنا (عنهم) أي عن الجائين معه فلا يكفيهم (ثم ذكر) يعقوب بن عبد الله (سائر الحديث) أي باقي الحديث السابق في رواية إسحاق بن عبد الله (بقصته) أي مع قصته من إدخالهم عشرة عشرة وأكلهم ما بقي من الضيفان مع رسول الله ﷺ .
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثامنًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٥١٨٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني حجاج) بن يوسف الثقفي البغدادي المعروف بـ (ابن الشاعر حدثنا يونس بن محمَّد) بن مسلم البغدادي أبو محمَّد المؤدب، ثقة، من (٩) (حدثنا حرب بن ميمون) الأنصاري مولاهم مولى النضر بن أنس بن مالك أبو عبد الله
стр. 8809
عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالك، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، في طَعَامِ أَبِي طَلْحَةَ، نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
٥٢٩٣ - (١٤٤) حدثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيهِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ؛ أَنهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إِن خَياطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ. قَال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى ذلِكَ الطَّعَامِ. فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ. وَمَرَقأ فِيهِ دُبَّاءٌ
ــ
البصري الأكبر، روى عن النضر بن أنس في الأطعمة، وعطاء وأيوب، ويروي عنه (م ت) ويونس بن محمَّد المؤدب وحرمي بن عمارة وعبد الله بن رجاء، قال الخطيب في المتفق والمفترق: كان ثقة، وقال الساجي في حرب بن ميمون الأصغر: ضعيف الحديث، وقال في التقريب: صدوق رمي بالقدر، من السابعة، مات في حدود الستين ومائة (١٦٠) (عن النضر بن أنس) بن مالك الأنصاري أبي مالك البصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (٥) أبواب (عن) أبيه (أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة النضر بن أنس لجميع من روى عن أنس بن مالك (عن النبي ﷺ في) قصة (طعام أبي طلحة) وساق النضر (نحو حديثهم) أي نحو حديث إسحاق بن عبد الله وسعد بن سعيد وابن أبي ليلى ويحيى بن عمارة وعبد الله بن عبد الله وعمرو بن عبد الله ويعقوب بن عبد الله أي نحو حديث هؤلاء السبعة.
ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث آخر لأنس بن مالك ﵁ فقال:
٥١٨٦ - (٢٠٠٠) (٦٥) (حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس فيما قرئ عليه عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول) وهذا السند من رباعياته (أن خياطًا) لم أر من ذكر اسمه، وفي رواية ثمامة عند البخاري رقم [٥٤٣٣] أنه كان مولى للنبي ﷺ ، وفيه أن صنعة الخياطة لا دناءة فيها ولا غضاضة في دعوة الخياط (دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه) قال إسحاق بن عبد الله (قال) لنا (أنس بن مالك فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام فقرب) الخياط (إلى رسول الله ﷺ خبزًا من شعير ومرقًا فيه دباء
стр. 8810
وَقَدِيدٌ. قَال أَنَسٌ: فَرَأَيتُ رَسُولَ الله ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالي الصَّحْفَةِ. قَال: فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مُنْذُ يَوْمَئِذٍ
ــ
وقديد) والشعير حب مقتات معروف يكون في قشره، والمرق إدام فيه دسومة اللحم، والدباء هو اليقطين وهو القرع، وقيل إنه خاص بالمستدير منه والواحدة دباءة، وفي الأنوار ليوسف الأردبيلي من كتب الشافعية: الدباء شجر يشبه ثمره ثمر الليف ولكنه أكبر منه، والقديد بفتح القاف اللحم المقطع بقدر ما يمضغ. قوله (فقرب إليه) .. إلخ؛ وفي رواية النضر بن شميل عند البخاري برقم [٥٤٣٥] (قال فأقبل الغلام على عمله) ومنه استدل البخاري على أنه لا يتحتم على الداعي أن يأكل مع المدعو وهذا إذا كان بين الداعي والمدعو انبساط وإلا فأكل الداعي مع المدعو أبسط لوجهه وأذهب لاحتشامه. (قال أنس فرأيت رسول الله ﷺ يتتبع الدباء) أي يتفحص ويطلب الدباء (من حوالي الصحفة) أي من جوانب القصعة لحبه إياه (قال) أنس (فلم أزل) أنا (أحب) أكل (الدباء منذ يومئذ) أي من يوم إذ رأيت النبي ﷺ يتتبعها اتباعًا له في محبتها. قوله (يتتبع الدباء من حوالي الصحفة) ظاهره معارض لما مر من الأمر بالأكل مما يليه ووجهه بعضهم بأن ذلك الأمر متعلق بما إذا كان الطعام من نوع واحد وهنا كان أنواعًا من المرق والدباء والقديد، ووجهه البخاري بأنه إذا علم رضا من يأكل معه فلا بأس بتتبع ما في حوالي الصحفة لأن علة الكراهية استقذار صاحبه فينتفي الحكم عند إنتفاء العلة، ونقل ابن بطال عن مالك أن المواكل لأهله وخدمه يباح له أن يتتبع شهوته حيث رآها إذا علم أن ذلك لا يكره منه، وقال ابن التين: إذا أكل المرء مع خادمه وكان في الطعام نوع منفرد جاز له أن ينفرد به هذا ملخص ما في فتح الباري [٩/ ٥٢٥] قال النواوي: وفي الحديث فوائد منها إجابة الدعوة وإباحة كسب الخياط وإباحة المرق وفضيلة أكل الدباء وأنه يستحب أن يحب الدباء وكذلك كل شيء كان رسول الله ﷺ يحبه وأن يحرص على تحصيل ذلك اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في أبواب كثيرة منها في الأطعمة [٥٣٧٩] , وأبو داود في الأطعمة [٣٧٨٢] , والترمذي في الأطعمة [١٨٤٩] , وابن ماجه في الأطعمة [٣٣٤٥ و ٣٣٤٦].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
стр. 8811
٥١٨٧ - (٠٠) (٠٠) حدثنا محمدُ بْنُ الْعَلاءِ، أبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَال: دَعَا رَسُولَ الله ﷺ رَجُلٌ. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ. فَجِيءَ بِمَرَقَةِ فِيهَا دُبَّاءٌ. فَجَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ يَأكُلُ مِنْ ذلِكَ الدُّبَّاءِ وَيُعْجِبُهُ. قَال: فَلَمَّا رَأيتُ ذلِكَ جَعَلْتُ ألْقِيهِ إِلَيهِ
ــ
٥١٨٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمَّد بن العلاء أبو غريب حدثنا أبو أسامة عن سليمان بن المغيرة) القيسي البصري، ثقة، من (٧) (عن ثابت) بن أسلم البناني البصري (عن أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة ثابت لإسحاق بن عبد الله (قال) أنس (دعا رسول الله ﷺ رجل) من المسلمين وهو الخياط المذكور في الرواية الأولى (فانطلقت) أي ذهبت (معه) ﷺ (فجيء) أي أتي رسول الله ﷺ (بمرقة فيها دباء فجعل رسول الله ﷺ يأكل من ذلك الدباء وبعجبه) أي يحب ﷺ الدباء (قال) أنس (فلما رأيت ذلك) الحب منه ﷺ (جعلت ألقيه إليه) أي فلما رأيت محبة رسول الله ﷺ للدباء شرعت ألقي الدباء من جانبي إلى جانب رسول الله ﷺ وأرميه إليه ليأكله، قال النووي: إنما أمر النبي ﷺ بالأكل مما يلي الإنسان لئلا يتقذر جليسه وهو ﷺ لا يتقذره أحد بل يتبركون بآثاره وكانوا يدلكون ببصاقه ونخامته وجوههم.
قوله (فلما رأيت ذلك جعلت ألقيه) فيه دليل على جواز مناولة بعض المجتمعين على الطعام بعضهم بعضًا شيئًا من الطعام مما بين يديه لأن جميعه لهم ولا ينكر على من فعل ذلك، وإنما يكره أن يناول ما أمام غيره لآخر لأن فيه الجمع بين سوء الأدب والأكل مما يلي الغير اهـ من الأبي، أو يتناول من على مائدة من مائدة أخرى فقد كرهه ابن المبارك، وفي رواية للبخاري (فجعلت أجمع الدباء بين يديه) وفي رواية حميد (فجعلت أجمعه فأدنيه منه) واحتج به البخاري على أن الأضياف يجوز لهم أن يقدم بعضهم شيئًا إلى بعض، قال ابن بطال: إنما جاز أن يناول بعضهم بعضًا في مائدة واحدة لأن ذلك الطعام قدم لهم بأعيانهم فلهم أن يأكلوه كله وهم فيه شركاء، وقد تقدم الأمر بأكل واحد مما يليه فمن ناول صاحبه مما بين يديه فكأنه آثره بنصيبه مع ماله فيه معه من المشاركة وهذا بخلاف من كان على مائدة أخرى فإنه وإن كان للمتناول حق فيما بين
стр. 8812
ولا أَطْعَمُهُ. قَال: فَقَال أَنَسٌ: فَمَا زِلْتُ، بَعْدُ، يُعْجِبُني الدُّبَّاءُ.
٥١٨٨ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَاعِرِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَعَاصِم الأَحْوَلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَجُلًا خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ الله ﷺ . وَزَادَ: قَال ثَابِتٌ: فَسَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: فَمَا صُنِعَ لِي طَعَامٌ، بَعْدُ، أَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُصْنَعَ فِيهِ دُئاءٌ إِلَّا صُنِعَ.
٥١٨٩ - (٢٠٠١) (٦٦) حدّثني محمدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ جَعْفَرٍ
ــ
يديه لكن لا حق للآخر في تناوله منه إذ لا شركة له فيه. قلت: والظاهر أن المنع من المناولة من المائدة الأخرى مقيد بما إذا لم يعلم رضا المضيف بذلك أما إذا علم رضاه فلا إشكال في جوازه.
(ولا أطعمه) أي ولا أطعم الدباء ولا آكله بنفسي بل أجمعه لرسول الله ﷺ (قال) ثابت (فقال أنس: فما زلت بعد) أي بعد ذلك اليوم (يعجبني الدباء) وأحب أكله. وهذا من أنس ﵁ للتخلق بأخلاقه ﷺ والاقتداء بآثاره ﷺ وقد كان ابن عمر ﵄ يحب موافقته في كل شيء وهي جدير للمؤمن أن تكون غاية المطلب والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في هذا الحديث فقال:
٥١٨٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني حجاج بن الشاعر وعبد بن حميد جميعًا عن عبد الرزاق أخبرنا معمر) بن راشد (عن ثابت البناني وعاصم) بن سليمان التميمي البصري (الأحول) ثقة، من (٤) (عن أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة معمر لسليمان بن المغيرة (أن رجلًا خياطًا دعا رسول الله ﷺ وزاد) معمر (قال ثابت فسمعت أنسًا يقول فما صنع لي طعام بعد) أي بعد ما رأيت رسول الله ﷺ يحب الدباء (أقدر على أن يصنع) لي (فيه دباء إلا صنع) لي فيه الدباء.
ثم استدل المؤلف على الجزء الثالث من الترجمة بحديث عبد الله بن بسر ﵁ فقال:
٥١٨٩ - (٢٠٠١) (٦٦) حدثني محمَّد بن المثنى العنزي حدثنا محمَّد بن جعفر
стр. 8813
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ. قَال: نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي. قَال: فَقَرَّبْنَا إِلَيهِ طَعَامًا وَوَطْبَةً. فَأَكَلَ مِنْهَا. ثُمّ أُتِيَ بِتَمْرِ فَكَانَ يَأكُلُهُ وَيُلْقِي النوَى بَينَ إِصْبَعَيهِ وَيجْمَعُ السَّبَابَةَ وَالْوُسْطَى
ــ
حدثنا شعبة عن يزيد بن خمير) بمعجمة مصغرًا ابن يزيد الرحبي الهمداني أبي عمرو الحمصي، صدوق، من (٥) (عن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة المازني السلمي أبي صفوان، وقيل أبو بسر، الصحابي الصغير ولأبيه صحبة، له أحاديث انفرد له (خ) بحديث و (م) بآخر، الشامي وهو آخر من مات بها من أصحاب رسول الله ﷺ مات وهو يتوضأ فجأة سنة ثمان وثمانين، وله (١٠٠) سنة، روى عن النبي ﷺ في الأطعمة، وعن أبيه بسر، ويروي عنه (ع) ويزيد بن خمير ومحمد بن زياد الألهاني وحريز بن عثمان وغيرهم. وهذا السند من خماسياته (قال) عبد الله بن بسر (نزل رسول الله ﷺ على أبي) بسر بن أبي بسر المازني والد عبد الله بن بسر له صحبة من النبي ﷺ روى عنه ابنه عبد الله في الأطعمة وهو هذا الحديث، ويروي عنه (م س) وابنه عبد الله (قال) عبد الله بن بسر (فقربنا) إليه ﷺ (طعامًا ووطبة) بفتح الواو وإسكان الطاء وبعدها تاء موحدة، وهكذا رواه النضر بن شميل راوي هذا الحديث عن شعبة والنضر إمام من أئمة اللغة، وفسره النضر فقال: الوطبة الحيس يجمع التمر البرني والأقط المدقوق والسمن اهـ نووي، وقال السنوسي: وفي بعض النسخ (رطبة) براء مضمومة وفتح الطاء قيل وهو تصحيف من الرواة، ونقل القاضي من رواية بعضهم (وطئة) بفتح الواو وكسر الطاء وبعدها همزة وادعى أنها الصواب، والوطئة بالهمزة عند أهل اللغة طعام يتخذ من التمر كالحيس اهـ وعطف رطبة على طعام من عطف الخاص على العام (فأكل منها) أي من تلك الوطبة رسول الله ﷺ (ثم أتي) ﷺ (بتمر) خالص (فكان يأكله) أي يأكل التمر (وبلقي النوى) أي يمسكه ويجعله (بين إصبعيه وبجمع السبابة والوسطى) لإلقاء النوى عليهما، قال النووي: فسره الأكثرون بأنه ﷺ كان يجمع النوى بين إصبعيه السبابة والوسطى لقلتها ولا يلقيها في إناء التمر كي لا يختلط بالتمور ولا يرميها على الأرض محافظة على نظافة المكان، وفسره ابن المنذر بأنه كان يجمعها بين أصابعه ليرميها بعد ذلك في محل مناسب اهـ.
стр. 8814
(قَال شُعْبَةُ: هُوَ ظَنِّي. وَهُوَ فِيهِ، إِنْ شَاءَ اللهُ، إِلْقَاءُ النوَى بَينَ الإِصْبَعَينِ). ثم أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ. ثُمّ نَاوَلَهُ الذِي عَنْ يَمِينِهِ. قَال: فَقَال أَبِي، وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابتِهِ: ادْعُ الله لَنَا. فَقَال: "اللهم بَارِكْ لَهُمْ في مَا رَزَقْتَهُمْ. وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ".
٥١٩٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ حَمَّادٍ. كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ،
ــ
قال محمَّد بن جعفر (قال شعبة) بالسند السابق (هو) أي ذكر إلقاء النوى بين إصبعيه (ظني) أي الأمر الذي أظنه (وهو) أي الحديث (فيه إن شاء الله القاء النوى) أي ذكر إلقاء النوى (بين الأصبعين) يعني تردد شعبة هل ذكر إلقاء النوى بين إصبعين موجود في هذا الحديث أو لا, ولم يشك في الرواية الآتية في ذلك واليقين مقدم على الشك.
(ثم أتي) ﷺ (بشراب فشربه ثم ناوله) أي أعطى الشراب بعد ما شربه الشخص (الذي عن يمينه) تقديمًا للأيمن (قال) عبد الله بن بسر (فقال) له ﷺ (أبي) بسر بن أبي بسر بعد ما ركب للذهاب (و) قد (أخذ) أبي (بلجام دابته) ﷺ واللجام على وزن كتاب شيء يجعل في فم الدابة جمعه لجم ككتب وهو معرب عن كلام فارسي اهـ قاموس (ادع الله لنا فقال) رسول الله ﷺ في دعائه (اللهم بارك لهم) أي لآل بسر (في ما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم) وفيه طلب الدعاء من أرباب الفضل ودعاؤهم لصاحب الطعام بتوسعة الرزق والعفو والمغفرة والرحمة وقد جمع ﷺ في هذا الدعاء خيرات الدنيا والآخرة والله أعلم اهـ نووي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في الأشربة [٣٧٢٩] , والترمذي في الدعوات [٣٥٧٦].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٥١٩٠ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا محمَّد بن بشار حدثنا) محمَّد بن إبراهيم (بن أبي عدي) السلمي البصري، ثقة، من (٩) (ح وحدثنيه محمَّد بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا يحيى بن حماد) بن أبي زياد الشيباني مولاهم أبو بكر البصري ختن أبي عوانة، وراويته ثقة، من (٩) (كلاهما) أي كل من ابن أبي عدي ويحيى بن حماد رويا (عن شعبة
стр. 8815
بِهذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَشُكَّا في إِلْقَاءِ النَّوَى بَينَ الإِصْبَعَينِ.
٥١٩١ - (٢٠٠٢) (٦٧) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلالِيُّ (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال ابْنُ عَوْنٍ: حَدَّثَنَا) إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرٍ. قَال: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأكُلُ الْقِثاءَ بِالرُّطَبِ
ــ
بهذا الإسناد) يعني عن يزيد بن خمير عن عبد الله بن بسر، غرضه بيان متابعتهما لمحمد بن جعفر (ولم يشكا) أي لم يشك ابن أبي عدي ويحيى بن حماد (في) ذكر (إلقاء النوى بين الإصبعين) كما شك محمَّد بن جعفر.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٥١٩١ - (٢٠٠٢) (٦٧) (حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وعبد الله بن عون) بن أمير مصر أبي عون عبد الملك بن يزيد (الهلالي) أبو محمَّد البغدادي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (قال يحيى) بن يحيى (أخبرنا وقال ابن عون حدثنا إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدني (عن أبيه) سعد بن إبراهيم (عن عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب الهاشمي المدني ﵄. وهذا السند من رباعياته (قال) عبد الله بن جعفر (رأيت رسول الله ﷺ يأكل القثاء) بكسر القاف وضمها والكسر أشهر بوزن فعال وهمزته أصلية، قال الفيومي: وهو اسم لما يسميه الناس الخيار والعجور والفقوس الواحدة قثاءة أي يأكله (بالرطب) وعلله بعضهم بأن برودة القثاء تطفئ حرارة الرطب، وفي الحديث: "اكسر حر هذا ببرد هذا" رواه أبو داود [٣٨٢٦] وفيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها كان رسول الله ﷺ يأكل البطيخ بالرطب. وأخرج النسائي عن عائشة قالت: لما تزوجني رسول الله ﷺ عالجوني بغير شيء فأطعموني القثاء بالتمر فسمنت عليه كأحسن الشحم. ذكره الحافظ في الفتح [٩/ ٥٧٣] وفي الحديث جواز الجمع بين النوعين من الطعام وجواز التوسع في المطاعم، وفيه دليل على جواز مراعاة صفات الأطعمة وطبائعها واستعمالها على الوجه الأليق بها كما يقوله الأطباء، وقد أورد الحافظ هنا عدة أحاديث جمع فيها رسول الله ﷺ أنواعًا من المطعومات ولا خلاف بين العلماء
стр. 8816
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في جواز ذلك، وما نقل عن السلف من خلاف هذا فمحمول على الامتناع من اعتياد التوسع والترفه والاستكثار أو على المجاهدة على سبيل العلاج لا على أنه ممنوع منه شرعًا اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الأطعمة [٥٤٤٠] , وأبو داود في الأطعمة [٣٨٢٥] , والترمذي في الأطعمة [١٨٤٤] , وابن ماجه في الأطعمة [٣٣٦٨].
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث ستة: الأول حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث جابر ذكره للاستشهاد، والثالث حديث أنس الأول ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثماني متابعات، والرابع حديث أنس الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والخامس حديث عبد الله بن بسر ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والسادس حديث عبد الله بن جعفر ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة والله أعلم.
***
стр. 8817
٦٦٤ - (٨) باب صفة قعود الآكل، ونهيه عن قرن تمرتين عند أكله مع الجماعة، وقوله ﷺ : "لا يجوع أهل بيت عندهم تمر"، وفضل تمر المدينة، وفضل الكمأة، وفضل الكباث، وفضل التأدم بالخل
٥١٩٢ - (٢٠٠٣) (٦٨) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ. كِلاهُمَا عَنْ حَفْصٍ. قَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ مُصْعَب بْنِ سُلَيمٍ. حَدَّثنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. قَال: رَأَيتُ النَّبِي ﷺ مُقْعِيًا، يَأكُلُ تَمْرًا
ــ
٦٦٤ - (٨) باب صفة قعود الآكل، ونهيه عن قرن تمرتين عند أكله مع الجماعة، وقوله ﷺ : "لا يجوع أهل بيت عندهم تمر"، وفضل تمر المدينة، وفضل الكمأة، وفضل الكباث، وفضل التأدم بالخل
٥١٩٢ - (٢٠٠٣) (٦٨) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج) الكندي عبد الله بن سعيد بن حصين الكوفي (كلاهما عن حفص) بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي، ثقة، من (٨) (قال أبو بكر حدثنا حفص بن غياث عن مصعب بن سليم) مصغرًا الأسدي مولاهم مولى الزبير بن العوام الكوفي، روى عن أنس بن مالك في الأطعمة وأبي بكر بن أبي موسى ومحمد بن أيوب، ويروي عنه (م د س) وحفص بن غياث وابن عيينة ومروان بن معاوية، وثقة النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق، من (٥) (حدثنا أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته (قال) أنس (رأيت النبي ﷺ مقعيًا) أي جالسًا على أطراف أليتيه ناصبًا ساقيه من الإقعاء وهي جلسة المستوفز على أطراف أليتيه وهي هيئة متواضعة للجلوس مأخوذة من إقعاء السبع، حالة كونه (يأكل تمرًا) وإنما كان يأكل كذلك لعدم نهمه وقلة مبالاته بأكله إذ لم تكن همته فيما يجعل في بطنه وإنما كان يأكل القليل من الطعام عند الحاجة وعلى جهة التواضع ولذلك قال ﷺ : "أما أنا فلا آكل متكئًا ولكن آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد" رواه أحمد [٤/ ٣٠٨ و ٣٠٩] والبخاري [٥٣٩٩] , وأبو داود [٣٧٦٩] , والترمذي [١٨٣٠] , وابن ماجه [٣٢٦٢]. وفي الحديث دلالة على أن المرء ينبغي له أن يجلس على الطعام جلوسًا
стр. 8818
٥١٩٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَال ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سُلَيم، عَنْ أَنَسٍ. قَال: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَمْرٍ. فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ
ــ
متواضعًا ويجتنب هيئة المتكبرين ولذلك ورد قوله ﷺ : "أما أنا فلا آكل متكئًا" أخرجه البخاري وغيره والمتكئ هنا هو المعتمد على الوطاء الذي تحته وكل من استوى قاعدًا على وطاء فهو متكئ والاتكاء افتعال مأخوذ من الوكاء فالمتكئ هو الذي أوكى مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته، والمعنى أني إذا أكلت لم أقعد متمكنًا على الأوطية والوسائد فعل من يريد أن يستكثر من الأطعمة ويتوسع في الألوان ولكني آكل علقة وآخذ من الطعام بلغة فيكون قعودي مستوفزًا له".
والحاصل أن الأكل متكئًا إن كان للتكبر فهو ممنوع مطلقًا وإن كان لعذر فهو جائز بدون كراهة وإن كان للارتياح والتمكن من استكثار الطعام فهو خلاف الأولى، وذكر العلماء أن أدب الأكل أن يجلس الرجل جاثيًا على ركبته وظهور قدميه أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى ذكره العيني في العمدة والحافظ في الفتح [٩/ ٥٤٢] أما الجلوس متربعًا بلا إسناد الظهر إلى ما خلفه أو الميلان على أحد الشقين فالظاهر أنه جائز بدون كراهة لعدم ما يدل على كراهته، أما ما ذكره الخطابي من إدخاله في الاتكاء فلم أره عند غيره ولئن صح فإنه يمكن أن يكون هذا من خصائص النبي ﷺ .
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١٨٠] , وأبو داود في الأطعمة [٣٧٧١].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
٥١٩٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا زهير بن حرب و) محمَّد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (جميعًا عن سفيان) بن عيينة (قال ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن مصعب بن سليم) الأسدي الكوفي (عن أنس) بن مالك ﵁. وهذان السندان من رباعياته، غرضه بيان متابعة سفيان بن عيينة لحفص بن غياث (قال) أنس (أتي) بالبناء للمجهول (رسول الله ﷺ بتمر فجعل النبي ﷺ أي
стр. 8819
يَقْسِمُهُ وَهُوَ مُحْتَفِرٌ. يَأْكُلُ مِنْهُ أَكْلًا ذَرِيعًا. وَفِي رِوَايَةِ زُهَيرٍ: أكلًا حَثِيثًا.
٥١٩٤ - (٢٠٠٤) (٦٩) حدثنا محمدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَال: سَمِعْتُ جَبَلَةَ بْنَ سُحَيمٍ قَال: كَانَ ابْنُ الزبَيرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ. قَال: وقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ يَوْمئِذٍ جَهْدٌ
ــ
شرع (يقسمه) أي يقسم التمر بين الناس (وهو) ﷺ (محتفز) بالحاء المهملة وبالزاي أي مستعجل مستوفز أي متهيء للقيام غير متمكن في جلوسه وهو بمعنى قوله مقعيًا، وهو معنى قوله في الحديث الآخر في صحيح البخاري وغيره "لا آكل متكئًا" على ما فسره الإِمام الخطابي فإنه قال المتكئ هنا هو المتمكن في جلوسه من التربع وشبهه المعتمد على الوطاء تحته .. إلخ اهـ نووي، لا ما يحسبه أكثر العامة من أن المتكئ هو المائل المعتمد على أحد شقيه متوسدًا لا يعرفون غيره، حالة كونه (يأكل منه) أي من ذلك التمر (أكلًا ذريعًا) أي سريعًا مستعجلًا غير متباطئ فيه وكان استعجاله ﷺ في أكله لاستيفازه واستعداده لشغل آخر هو أهم من الأكل فأسرع الأكل ليقضي حاجته منه ويرد الجوعة ثم يذهب في ذلك الشغل (وفي رواية زهير) ابن حرب (أكلًا حثيثًا) بمثلثتين بينهما ياء ساكنة بدل قول ابن أبي عمر (أكلًا ذريعًا) وهما بمعنى واحد.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة وهو الإقران بين تمرتين فأكثر عند الأكل مع الجماعة بحديث ابن عمر ﵄ فقال:
٥١٩٤ - (٢٠٥٤) (٦٩) (حدثنا محمَّد بن المثنى حدثنا محمَّد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت جبلة) بفتحات (بن سحيم) بمهملتين مصغرًا التيمي أبا سويرة الكوفي، ثقة، من (٣) روى عنه في (٥) أبواب (قال) جبلة (كان) عبد الله (بن الزبير) ﵄ في عهد خلافته في الحجاز (يرزقنا) أي يعطينا (التمر) في أرزاقنا، وهو القدر الذي يصرف لهم كل سنة من مال الخراج وغيره بدل النقد تمرًا لقلة النقد إذ ذاك بسبب المجاعة التي حصلت كذا في فتح الباري [٩/ ٥٧٥] (قال) جبلة (وقد كان) الشأن كان إما شائية أو زائدة أي وقد (أصاب الناس يومئذ) أي يوم إذ يرزقنا ابن الزبير تمرًا (جهد) بفتح الجيم أي مشقة وشدة ومجاعة وبضمها بمعنى الجد والاجتهاد في الشيء وليس مرادًا هنا والمراد بالمشقة هنا القحط كما هو مصرح في رواية البخاري في الأطعمة
стр. 8820
وَكُنَّا نَأْكُلُ فَيَمُرُّ عَلَينَا ابْنُ عُمَرَ وَنَحْنُ نَأْكُلُ. فَيَقُولُ: لَا تُقَارِنُوا. فَإِن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ. إلا أَنْ يَسْتأْذِنَ الرَجُلُ أَخَاهُ
ــ
ولفظها "أصابنا عام سنة مع ابن الزبير فرزقنا تمرًا" قال جبلة (وكنا) معاشر الأجناد (نأكل) التمر جماعة جماعة (فيمر علينا) عبد الله (ابن عمر ونحن نأكل) تمرًا (فيقول) لنا (لا تقارنوا) ولا تجمعوا في أكلكم تمرتين فأكثر، والمراد الجمع بين تمرتين في لقمة واحدة إذا كان الرجل مع جماعة (فإن رسول الله ﷺ نهى عن الإقران) والجمع بين تمرتين في لقمة واحدة (إلا أن يستأذن الرجل) الذي يريد الإقران بينهما (أخاه) الذي يأكل معه أي إلا أن يطلب المقرن الإذن في الإقران من صاحبه فيأذن له فيه.
قوله (الإقران) هكذا هو في الأصول، والمعروف في اللغة القرآن يقال قرن بين الشيئين يقرن بضم الراء وكسرها من بابي نصر وضرب لغتان أي جمع ولا يقال أقرن، وأما الإقران من أقرن الرباعي فهو في اللغة الإطاقة كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ وحكى ابن الأثير أن الإقران يأتي بمعنى القرآن، قال النووي: واختلف العلماء في أن هذا النهي للتحريم أو للكراهة والأدب والصواب التفصيل فإن كان الطعام مشتركًا بينهم فالقران حرام إلا برضاهم ويحصل الرضا بتصريحهم به أو بما يقوم مقام التصريح من قرينة حال أو إدلال عليهم وإن كان الطعام لغيرهم أو لأحدهم اشترط رضاه وحده فإن قرن بغير رضاه فحرام، ويستحب أن يستأذن الآكلين معه ولا يجب، وإن كان الطعام لنفسه وقد ضيفهم به فلا يحرم عليه القرآن ثم إن كان في الطعام قلة فحسن أن لا يقرن لتساويهم وإن كان كثيرًا بحيث يفضل عنهم فلا بأس بقرانه لكن الأدب مطلقًا التأدب في الأكل وترك الشره إلا أن يكون مستعجلًا ويريد الإسراع لشغل آخر اهـ.
قال القرطبي: وعلل الجمهور النهي بعلتين إحداهما أن ذلك يدل على كثرة الشره والنهم وثانيتهما إيثار الإنسان نفسه بأكثر من حقه على مشاركه وحكمهم في ذلك التساوي. قوله (إلا أن يستأذن الرجل أخاه) قال الخطابي: إن ذلك النهي إنما كان في زمنهم لما كانوا عليه من الضيق فأما اليوم مع اتساع الحال فلا حاجة إلى الإذن، ورد النووي وغيره قول الخطابي بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، قال القرطبي: وقول الخطابي فيه نظر وذلك أن الطعام إذا قدم إلى قوم فقد تشاركوا فيه وإذا كان كذلك
стр. 8821
قَال شُعْبَةُ: لَا أُرَى هذِهِ الْكَلِمَةَ إلا مِنْ كَلِمَةِ ابْنِ عُمَرَ. يَعْنِي الاسْتِئذَانَ.
٥١٩٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. كِلاهُمَا
ــ
فليأكل كل واحد منهم على الوجه المعتاد على ما تقتضيه المروءة والنصفة من غير أن يقصد اغتنام زيادة على الآخر فإن فعل وكان الطعام شركة بحكم الملك فقد أخذ ما ليس له وإن كان إنما قدمه لهم غيرهم فقد اختلف العلماء فيما يملكون منه فإن قلنا إنهم يملكونه بوضعه بين أيديهم فكالأول وإن قلنا إنما يملك كل واحد منهم ما رفع إلى فيه فهذا سوء أدب وشره ودناءة فعلى الوجه الأول يكون محرمًا وعلى الثاني مكروهًا لأنه يناقض مكارم الأخلاق والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
(قال شعبة) بالسند السابق (لا أرى) ولا أظن (هذه الكلمة) الأخيرة من الحديث (إلا من كلمة ابن عمر) ﵄ (يعني) شعبة بالكلمة كلمة (الاستئذان) لأخيه في القرآن.
وقد صرح شعبة بما قاله أن هذا الاستثناء إدراج من ابن عمر وأطال في تحقيقه في الفتح [٩/ ٥٧٠] ووصل إلى أن هذا الاستثناء مروي عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا فتارة رواه ابن عمر عن رسول الله ﷺ وتارة أفتى به وقد صح هذا الاستثناء عن النبي ﷺ مرفوعًا في غير حديث ابن عمر، ومنه حديث أبي هريرة عند البزار (قسم رسول الله ﷺ تمرًا بين أصحابه فكان بعضهم يقرن فنهى رسول الله ﷺ أن يقرن إلا بإذن أصحابه) اهـ من الفتح.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الأطعمة [٥٤٤٦] , وأبو داود في الأطعمة [٣٨٣٤] , والترمذي في الأطعمة [١٨١٥] , وابن ماجه [٣٣٧٤].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
٥١٩٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه عبيد الله بن معاذ) العنبري البصري (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري البصري (ح وحدثنا محمَّد بن بشار) العبدي البصري (حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري (كلاهما) أي كل من معاذ بن معاذ وعبد
стр. 8822
عَنْ شُعْبَةَ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَلَيسَ في حَدِيثِهِمَا، قَوْلُ شُعْبَةَ. وَلَا قَوْلُهُ: وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ جَهْدٌ.
٥١٩٦ - (٠٠) (٠٠) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالا: حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيمِ. قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَقَمَ أَنْ يَقْرِنَ الرَجُلُ بَينَ التَّمْرَتَينِ. حَتَّى يَسْتَأذِنَ أَصْحَابَهُ.
٥١٩٧ - (٢٠٠٥) (٧٠) حدّثني عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ. حَدَّثنَا سُلَيمَانُ بْنُ
ــ
الرحمن بن مهدي (عن شعبة بهذا الإسناد) يعني عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر، غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعتهما لمحمد بن جعفر (و) لكن (ليس في حديثهما قول شعبة) يعني قوله (لا أرى هذه الكلمة إلا من كلمة ابن عمر) (ولا قوله) أي قول جبلة بن سحيم (وقد كان أصاب الناس يومئذ جهد).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
٥١٩٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب ومحمد بن المثنى قالا حدثنا عبد الرحمن) ابن مهدي (عن سفيان) الثوري (عن جبلة بن سحيم) التيمي الكوفي (قال سمعت ابن عمر) ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة سفيان الثوري لشعبة بن الحجاج (يقول) ابن عمر (نهى رسول الله ﷺ أن يقرن) ويجمع (الرجل بين التمرتين) في لقمة واحدة (حتى يستأذن) ويستأمر (أصحابه) الذين يأكلون معه.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة أعني قوله "لا يجوع أهل بيت فيه تمر" بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٥١٩٧ - (٢٠٠٥) (٧٥) (حدثني عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل (الدارمي) السمرقندي، ثقة متقن، من (١١) (أخبرنا يحيى بن حسان) بن حيان بتحتانية التنيسي البكري أبو زكرياء البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا سليمان بن
стр. 8823
بِلالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَن النبِي ﷺ قَال: "لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيتٍ عِندَهُمُ التمْرُ".
٥١٩٨ - (٠٠) (٠٠) حدثنا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ طَحْلاءَ، عَنْ أَبِي الرِّجالِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ،
ــ
بلال) التيمي مولاهم أبو محمَّد المدني، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٣) بابا (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته (أن النبي ﷺ قال لا يجوع) أي لا يأخذ الجوع (أهل بيت عندهم التمر) فيه وفي الحديث الثاني إشارة إلى فضيلة التمر وجواز الادخار للعيال والحث عليه، قال المناوي: هذا ورد في بلاد غالب قوتهم التمر كأهل الحجاز في ذلك الزمن اهـ وقال في المبارق: وفي الحديث حث على القناعة وتنبيه على جواز ادخار القوت للعيال فإنه أسكن للنفس وأحصن عن الملال اهـ قال الأبي: لا يختص ذلك بالتمر بل كل غالب قوت شأنه ذلك فيقال في بلد غالب قوتهم البر بيت لا بر فيه جياع أهله، وفيه جواز ادخار الأقوات اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ١٠٥] , وأبو داود [٣٨٣١] , والترمذي [١٨١٥] , وابن ماجه [٣٣٢٧].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٥١٩٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) الحارثي القعنبي، ثقة، من (٩) (حدثنا يعقوب بن محمَّد بن طحلاء) بمهملتين ثانيتهما ساكنة الليثي مولاهم أبو يوسف المدني، ويقال محمَّد بن طحلاء مولى جويرية بنت الحارث، روى عن أبي الرجال محمَّد بن عبد الرحمن الأنصاري في الأطعمة وبلال بن أبي هريرة إسحاق بن يسار وغيرهم، ويروي عنه (م) والقعنبي ومالك وابن مهدي وابن أبي الزناد وابن المبارك وعدة، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: لا بأس به، من كبار السابعة، مات سنة (١٦٢) اثنتين وستين ومائة (عن أبي الرجال محمَّد بن عبد الرحمن) بن حارثة، وقيل اسم جده عبد الله الأنصاري مشهور
стр. 8824
عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "يَا عَائِشَةُ! بَيتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ، جِيَاعٌ أَهْلُهُ. يَا عَائِشَةُ! بَيتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ -أَوْ جَاعَ أَهْلُهُ-" قَالهَا مَرَّتَينِ، أَوْ ثَلاثًا.
٥١٩٩ - (٢٠٠٦) (٧١) حدثنا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثنَا سُلَيمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سعْدِ بْنِ
ــ
بهذه الكنية لأنه ولد له عشرة أولاد فكملوا فلم يمت منهم أحد، ثقة، من (٥) روى عنه في (٤) أبواب (عن أمه) عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، ثقة، من (٣) روى عنها في (٦) أبواب (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عمرة لعروة بن الزبير (قالت) عائشة (قال رسول الله ﷺ يا عائشة بيت لا تمر فيه جياع أهله) جمع جائع (يا عائشة بيت لا تمر فيه جياع أهله) وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة عمرة لعروة بن الزبير (أو) قالت عمرة (جاع أهله) قالت عائشة (قالها) أي قال هذه الكلمة رسول الله ﷺ (مرتين أو) قالها (ثلاثًا) من المرات، والشك الأول من أبي الرجال فيما قالت عمرة، والثاني من عائشة فيما قال الرسول ﷺ .
قال القرطبي: وهذا الحديث عنى به النبي ﷺ المدينة ومن كان على حالهم ممن غالب قوتهم التمر وذلك أنه إذا خلا البيت عن غالب القوت في ذلك الموضع كان عن غير الغالب أخلى فيجوع أهله إذ لا يجدون شيئًا ويصدق هذا القوت على كل بلد ليس فيه إلا صنف واحد أو يكون الغالب فيه صنفًا واحدًا فيقال على بلد ليس فيه إلا البر بيت لا بر فيه جياع أهله. ويفيد هذا التنبيه على مصلحة تحصيل القوت وادخاره فإنه أسكن للنفس غالبًا وأبعد عن التشويش اهـ من المفهم.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الرابع أعني فضل تمر المدينة بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال:
٥١٩٩ - (٢٠٠٦) (٧١) (حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب حدثنا سليمان يعني ابن بلال عن عبد الله بن عبد الرحمن) بن معمر الأنصاري النجاري أبي طوالة بضم الطاء وفتح الواو المدني قاضيها، ثقة، من (٥) روى عنه في (٥) أبواب (عن عامر بن سعد بن
стр. 8825
أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أن رَسُولَ الله ﷺ قَال: "مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَراتٍ، مِمَّا بَينَ لابَتَيهَا، حِينَ يُصْبِحُ، لَمْ يَضُرَّهُ سُم حَتَّى يُمْسِيَ"
ــ
أبي وقاص) الزهريّ المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٩) أبواب (عن أبيه) سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهريّ المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ قال من أكل سبع تمرات) أي سبع حبات كائنات تلك السبع (مما) أي من التمر الذي (بين لابتيها) أي بين حرتيها (حين يصبح) أي يدخل في الصباح (لم يضره سم) أي إذا أصيب به في ذلك اليوم (حتى يمسي) أي يدخل في المساء فتكون له أمانًا وحرزًا في ذلك اليوم بإذن الله تعالى لوصول دعاء النبي ﷺ إلى ثمار المدينة بالبركة، وأما تخصيص السبع والسم فمما يفوض علمه إلى الشارع كذا في المبارق. قوله (بين لابتيها) أي لابتي المدينة وإعادة الضمير إليها بدون ذكرها لعلمها من السياق ولحضورها في الذهن واللابتان الحرتان، قال ابن الأثير: المسندينة ما بين حرتين عظيمتين، قال الأصمعي: الحرة هي الأرض التي ألبستها حجارة سود، واللابتان هما الحرتان: واقم والوبرة أولاهما في شرق المدينة والثانية في غربها (لم يضره سم) بتثليث السين والفتح أفصح، قال في المنجد: والسم هو كل مادة إذا دخلت الجوف عطلت الأعمال الحيوية أو أوقفتها تمامًا، يجمع على سمام وسموم بوزن فلوس.
قال القرطبي: ومطلق حديثي الباب مقيد بالآخر فحيث أطلق العجوة هنا إنما أراد بها عجوة المدينة وكذلك في حديث عائشة حين أطلق العالية فمراده بها عالية المدينة وجهاتها، والعجوة هي أجود نوع من التمر بالمدينة غرسها رسول الله ﷺ بيده الشريفة كما ذكره الحافظ في الفتح [٢/ ٢٣٨] وهي أكبر من الصيحاني تضرب إلى السواد فيها لين.
قال الخطابي: كون العجوة تنفع من السم والسحر إنما هو ببركة دعوة النبي ﷺ لتمر المدينة لا لخاصية في التمر، وقال "بعضهم: إنه كان خاصًّا بنخل بالمدينة لا يعرف الآن، وقيل كان خاصًّا بزمنه ﷺ ، والأصح أنه عام لكل عجوة بالمدينة، وأما تقييده بسبع تمرات فلا يعلم سره إلا الله تعالى، ومن ذكر لذلك سرًّا فلا يعدو أن يكون ظنًّا وتخمينًا والله أعلم اهـ.
следующие страницы →