← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ ــ الشام ومات بها، روى عن أنس بن مالك وثابت بن الضحاك ومعاذة ومالك بن الحويرث وأبي المهلب وخلق، وبروي عنه (ع) وأيوب ويحيى بن كثير وخالد الحذاء وأبو رجاء مولاه وعاصم الأحول وقتادة وعِدة، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وقال في التقريب: ثقة فاضل كثير الإرسال، من الثالثة، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة (١٠٤) أربع ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة والجنائز في موضعين والزكاة والحج في موضعين والنكاح والبيوع والجهاد والإيمان فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أحد عشر بابًا تقريبًا (عن أنس) بن مالك بن النضر خادم رسول الله ﷺ الأنصاري الخزرجي النجاري البصري، روى عن النبي ﷺ وعن جماعة من الصحابة له ألف ومائتا حديث وستة وثمانون حديثًا (١٢٨٦) ويروي عنه (ع) وأبو قلابة وقتادة وثابت والحسن وحُميد الطويل وخلق لا يحصون، مات بالبصرة سنة (٩١) أحد وتسعين، وقيل (٩٢) وقيل (٩٣) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا. وهذا السند من خماسياته ورجاله كلهم بصريون إلا إسحاق بن إبراهيم فإنه مروزي ومحمد بن أبي عمر فإنه مكي أو عدني (عن النبي ﷺ قال) أي رسول الله ﷺ (ثلاث) أي خصالٌ ثلاثٌ، فثلاث خلف عن موصوف محذوف، وهو المسوغ للابتداء بها نحو قولهم (مؤمن خير من مشرك) أي رجل مؤمن، وقولهم (ضعيف عاذ بقرملة) أي إنسان ضعيف والقرملة شجرة ضعيفة، ويحتمل أن يكون المسوغ الإبهام، لكونه للتعظيم كما التعجبية، وقولِهم (شرٌّ أهرَّ ذا ناب) على قول، وقال بعضهم المسوغ تخصصه بمضاف إليه محذوف أي ثلاث خصال ورُدَّ بأنه إنما يحسن ذلك لو لم يُنون ثلاث لنية المضاف إليه مع قلته جدًّا في مثل هذا لفقد شرطه وجملة (من كن فيه) أي من وُجدن تلك الثلاث وغلبن فيه خبر المبتدأ، والظاهر أن من شرطية، مبتدأ ثان خبرها الشرط أو الجواب أو هما على الخلاف المذكور في محله ويحتمل كونها موصولة، وكان تامة بمعنى وُجد وحصل، والمراد بكونها فيه غلبتها عليه لأن به يتضح دلالتها وخُصت الثلاث بالذكر لأنها أعمال قلب لا يعرض لها الرياء، وإلا فقد قال ﷺ : "الصدقة برهان" وكانت أدلة على حلاوة الإيمان لأنها مسببات عنه

стр. 912

وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: ــ ووجود المسبب يدل على وجود السبب، والثلاث متلازمة، فلا يوجد بعضها منفكًا عن الآخر حتى يُسأل عن مفهوم العدد، فيقال فمن وجدت فيه واحدة منهن (وجد) أي ذاق (بهن) أي بسبب وُجدانهن فيه (حلاوة الإيمان) ولذته، قال بعضهم فمعنى ذوقه حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضي الله تعالى ورضا رسوله ﷺ ، قال القاضي عياض: هو من معنى ذاق طعم الإيمان، لأن الثلاث لا توجد إلا ممن صح إيمانه وانشرح به صدره، فمعنى (وجد بهن حلاوة الإيمان) أي وجد الإيمان بسببهن لذيذًا في قلبه منشرحًا في صدره، مستطابًا له حتى لا يود أن يفارقه قدر لمحة، كأحب الأشياء عنده. وعبارة المفهم هنا: وإنما خص الثلاث بهذا المعنى لأنها لا توجد إلا ممن تنور قلبه بأنوار الإيمان واليقين، وانكشفت له محاسن تلك الأمور التي أوجبت له تلك المحبة التي هي حال العارفين. قال الأبي: حلاوة الإيمان استعارة، شبه انشراح الصدر به بشيء ذي حلاوة، فهو لوجوده يستعذب الطاعة ويتحمل المشاق، فعن عتبة الغلام: كابدت الصلاة عشرين سنة ثم استمتعت بها بقية عمري، وعن الجنيد: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهوفي لهوهم، وعن ابن أدهم: والله إنا لفي لذة لو علمها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف اهـ. قال السنوسي: والتحقيق في بيان الاستعارة أن يقال: شبه ميل القلب إلى الإيمان للرغبة فيه بميله للخلق، فيكون من تشبيه معقول بمعقول، فاستعير له اسمه، والجامع عقلي، وقد يقال: إنه من استعارة محسوس لمحسوس والجامع حسي، أو من استعارة معقول لمحسوس، والجامع محتمل، ويحتمل أن تكون استعارة ترشيحية لقرنها بما يلائم المستعار منه وهو الحلاوة نحو قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ والأظهر أنها استعارة بالكناية، أضمر تشبيه الإيمان بشيء حلو وأضيف إليه لازم من لوازمه وهو الحلاوة على سبيل التخييل اهـ. وعبارة إكمال المعلم "قوله ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان" هذا الحديث هو بمعنى الحديث المتقدم "ذاق طعم الإيمان" وذلك أنه لا تتضح محبة الله ورسوله حقيقة، والحب للغير في الله وكراهة الرجوع إلى الكفر إلا لمن قوي بالإيمان يقينه، واطمأنت به

стр. 913

مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، ــ نفسه وانشرح له صدره وخالط دمه ولحمه وهذا هو الذي وجد حلاوة الإيمان اهـ. ثم فصل تلك الثلاث فقال (من كان الله) (ورسوله) ﷺ (أحب إليه) أي أكثر محبوبية لديه (مما سواهما) من جميع الموجودات حتى على نفسه وولده ووالديه والظاهر أن من في قوله "من كان الله" وأن وما في حيزها في قوله "وأن يحب المرء" وفي قوله "وأن يكره" أنها أخبار لمبتدأ محذوف، أي هي أو أحدها وثانيها وثالثها أو مبتدءات، والخبر محذوف، أي منها ويضعف كونها أبدالًا من ثلاث بدل تفصيل من مجمل أو عطف بيانات، ويكون من كن فيه هو الخبر لما فيه من الفصل بين البدل والمبدل منه، وبين البيان والمبين بالخبر اهـ سنوسي. والتقدير إحدى تلك الثلاث خصلة من كان الله سبحانه ورسوله ﷺ أحب عنده مما سواهما، وفي إكمال المعلم: ومعنى حب العبد لله سبحانه استقامته في طاعته والتزامه أوامره ونواهيه في كل شيء، ولذا قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب، فيحب ما أحب ويكره ما كره، فأصل المحبة هي ميل القلب إلى ما يوافقه، ويصح الميل إلى النبي ﷺ ، ويتنزه الله تعالى عن أن يميل أو يمال إليه، فمعنى محبة العبد ربه طاعته له، وللمتكلمين فيها أقوال يرجع جميعها إلى هذا والخلاف بينهم لفظي اهـ. قال الأبي: الطاعة ثمرة المحبة، ولا يفسر الشيء بثمرته، ولا يمتنع تفسير محبة العبد لله تعالى بالميل حقيقية، والذي يتنزه الله سبحانه عنه إنما هو الميل إليه في الحس لإشعاره بالجهة والمكان وميل القلب إلى الشيء إشارة له، ولا يمتنع أن يتعلق ذلك به تعالى كما يتعلق به العلم الآن والرؤية في الآخرة اهـ. قال القرطبي: (وقوله من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) دليل على جواز إضافة المحبة لله تعالى وإطلاقها عليه، ولا خلاف في إطلاق ذلك عليه محبًا ومحبوبًا كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وهو في السنة كثير. قوله: (مما سواهما) ثنى الضمير هنا ورَدَّ على الخطيب قوله: (ومن يعصهما فقد غوى) فقال بئس خطيب القوم أنت، قل ومن يعص الله ورسوله، أجاب عز الدين بأن منصب الخطيب قابل للزلل، فتثنية الضمير توهم أنه سوى بينهما، وأجاب غيره: بأن

стр. 914

وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، ــ كلامه ﷺ جملة واحدة فإيقاع الظاهر فيها موقع الضمير مرجوح، وكلام الخطيب جملتان، وأجاب شارح المصابيح: بأنه إيماء إلى أن المعتبر مجموع المحبتين، حتى لو انفردت إحداهما لم تُفد، وأمر بالإفراد في الآخر إعلامًا بأن إحدى المعصيتين كافية في الذم اهـ الأبي. ولم يقل (ممن سواهما) تنبيهًا على حقارة ما سوى الله سبحانه ورسوله ﷺ ومن في معناه ممن يحب الله تعالى، وتنزيلًا له منزلة ما لا يعقل إذ ذاك أصل استعمال ما لأنه مثله في عدم القدرة على جلب المنافع ودفع المضار مطلقًا، ففي اللفظ إيماء إلى أنه ينبغي أن يقصر المؤمن حبه على مولانا جل وعز، وما كان لأجله، وما سواه هباء لا يجدي حبه شيئًا، وقال بعضهم إنما عبر بما دون من ليعم العاقل وغيره، لأنها أدخل في العموم، فيعم المخلوقات كلها ورُد بأنه إذا اختلط العاقل وغيره فهما سواء ولذا جاء ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وجاء ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ في كافية ابن مالك: وعند الاختلاط خُيِّر من نطق ... في أن يجيء منهما بما اتفق (و) ثانيها (أن يحب) الرجل (المرء) المؤمن حالة كونه (لا يحبه) أي لا يحب ذلك المرء (إلا لله) أي إلا لأجل دين الله تعالى، وأخوته، لا لغرض دنيوي، قال القاضي: من ثمرة حب الله تعالى الحبُّ فيه، فلا يحب العبد إلا لله تعالى لأن من أحب شيئًا أحب ما هو من سببه كما قال ﷺ : "من أحب العرب فبحبي أحبهم" يريد أن الحب في الله تعالى لا ينشأ إلا عن حب الله تعالى، ولا يمتنع أن يكتسب الحب في الله سبحانه باستحضار ما أعد الله تعالى للمتحابين فيه، وحسبك ما صح من قوله ﷺ "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" فذكر منهم رجلين تحابا في الله اهـ أبي. ونص عبارة القاضي هنا: ومن محبته ومحبة رسوله التزام شريعته ووقوفه عند حدوده، ومحبة أهل ملته وهو تمام محبته فيحب العبد لا يحبه إلا لله، لأن من أحب شيئًا أحب ما يحبه ومن يحبه ومن هو من سببه، قال النبي ﷺ "من أحب العرب فبحبي أحبهم" رواه الطبراني في الكبير وابن عدي في الكامل عن عثمان بن

стр. 915

وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ" ــ عفان ولكنه واه لأنه من رواية حصين بن عمر الأحمسيِّ، قال البخاري فيه: منكر الحديث، وإذا حصل هذا بين المؤمنين حصلت منه الألفة الموجبة للتعاون على البر والتقوى والمودة في الدين والدنيا، والمحبة لله والبغض فيه من واجبات الإسلام، وهو قول مالك وغيره من أهل العلم انتهى. وقال القرطبي: قوله (وأن يحب المرء) إلخ يعني بالمرء هنا المسلم المؤمن لأنه هو الذي يمكن أن يخلص لله تعالى في محبته، وأن يتقرب إلى الله تعالى باحترامه وحرمته، فإنه هو الموصوف بالأخوة الإيمانية، والمحبة الدينية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وكما قال تعالى ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقد أفاد هذا الحديث أن محبة المؤمن الموصلة لحلاوة الإيمان لا بد أن تكون خالصة لله تعالى غير مشوبة بالأغراض الدنيوية، ولا بالحظوظ البشرية، فإن من أحبه لذلك انقطعت محبته إن حصل له ذلك الغرض، أو يئس من حصوله، ومحبة المؤمن وظيفة معينة على الدوام، وُجدت الأغراض أو عدمت، ولما كانت المحبة للأغراض هي الغالبة قل وجدان تلك الحلاوة، بل قد انعدم لا سيما في هذه الأزمان التي قد انمحى فيها أكثر رسوم الإيمان والشريعة، وغلب عليها صداقة النصارى، والرسوم النظامية، وبالجملة فمحبة المؤمنين من العبادات التي لا بد فيها من الإخلاص في حسن النيات اهـ. (و) ثالثها (أن يكره) ويسخط (أن يعود) ويرجع ويصير (في) ملة (الكفر) والضلالة (بعد أن أنقذه الله) وأخرجه بسبب الإيمان (منه) أي من ذلك الكفر الخبيث (كما يكره) صفة لمصدر محذوف، أي وأن يكره عوده في الكفر بعد إخراج الله إياه منه كراهة مثل كراهته (أن يقذف) ويرمى (في النار) الأخروية أو مطلقًا، قال القرطبي: معنى يُقذف يُرمى، والقذف الرمي، وهذه الكراهة موجبة لما انكشف للمؤمن من محاسن الإسلام، ولما دخل قلبه من نور الإيمان، ولما خلصه الله من رذائل الجهالات وقبح الكفران. قال النواوي: وعاد هنا بمعنى صار لأن مجيء عاد ورجع بمعنى صار كثير في كلامهم، قال القاضي: وسبب محبة الشيء كونه حسنًا في الحس، كالصورة الجميلة

стр. 916

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والصوت الحسن، أو في العقل كمحبة الصالحين، أو كونه محسنًا بجلب نفع أو دفع ضُر، وقد تجتمع الثلاث في واحد كما اجتمعت في رسول الله ﷺ لما جمع الله تعالى فيه من جمال الظاهر والباطن، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الطريق المستقيم والشفاعة فيهم. قال السنوسي: وجه كون هذه الكراهية موجبة لحصول حلاوة الإيمان أنها نتيجة حصول اليقين، فإن الكفر سبب الخلود في النيران، فالمؤمن يكرهه كما يكره النار لملازمته إياها فصار لقوة اليقين يتخيل أن الدخول في الكفر دخول في النار فكرهه كراهيتها، وإذا فعل هذا في الكفر فعله في سائر المعاصي لمشاركتها له في السببية لاستحقاق النار، وما يفرق به من احتمال العفو مقابل باحتمال عدمه، والعاقل يفر بمجرد احتمال الوقوع في أدنى شيء من المعاطب الدنيوية فكيف باحتمال الوقوع في هول الآخرة وعذابها الذي لا طاقة لمخلوق عليه إن أُريد بالكفر الكفر المقابل لأصل الإيمان، وأما إن أريد به كفر النعم، وعدم القيام بشكرها وهو الظاهر، تناول حينئذ بلفظه جميع المعاصي، والمراد بالعودة في الكفر مطلق الصيرورة والتلبس به، سواء تقدم اتصافه به أم لا، قال النواوي: ومن استعماله فيما لم يتقدم فيه الاتصاف قوله تعالى ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ ويحتمل أن تكون الآية من باب التغليب، وأن الخطاب للرُسُل مع أممهم الذين تقدم لهم الاتصاف بالكفر. قال الطيبي: إنما كانت الثلاث عنوان كمال الإيمان، والمحصل تلك اللذة لأنه لا يتم إيمان إلا مع تيقن أن المنعم القادر هو الله سبحانه، لا مانح ولا مانع سواه، وذلك يوجب صرف القلب إليه بالمحبة والتوكل، والجوارح بالطاعة والموافقة، وغيره تعالى وسائط عادية، وأن العطوف الساعي في المصالح والمنافع حقًّا هو الرسول ﷺ فيتوجه بالسر إليه، ولا يحب ما يحبه إلا لكونه وسطًا بينه وبين ربه جل وعلا، ويتيقن وعده ووعيده بحيث يكون وعده ووعيده عنده كالحاصل، فيحسب مجالس الذكر رياض الجنة، وأكل مال اليتيم أكل النار، والعود في الكفر إلقاء فيها فيكرهه انتهى بالمعنى. وحديث أنس هذا شارك المؤلف في روايته أحمد (٣/ ١٠٣ و ١٧٤ و ٢٣٠) والبخاري (١٦) والترمذي (٢٦٢٦) والنسائي (٨/ ٩٦) وابن ماجه (٤٠٣٣).

стр. 917

٧٤ - (٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ (١) يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ ــ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه فقال: (٧٤) - متا (٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي أبو موسى البصري المعروف بالزَّمن، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا محمد (بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال كل من المحمدين (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم أبو عبد الله البصري المعروف بغُندر، ربيب شعبة، ثقة إلا أن فيه غفلة، من التاسعة، مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا. قال محمد بن جعفر (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام البصري إمام الأئمة، ثقة حافظ متقن من السابعة، مات سنة (١٦٠) ستين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثين بابًا تقريبًا (٣٠) (عن قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي أبي الخطاب البصري الأكمه، ثقة ثبت حافظ مفسر مدلس من الرابعة، مات كهلًا سنة (١١٧) سبع عشرة ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة وعشرين بابًا تقريبًا (٢٦). حالة كون قتادة (يُحدث) ويروي (عن أنس) بن مالك بن النضر خادم رسول الله ﷺ أبي حمزة البصري، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون، وغرض المؤلف بسوق هذا السند بيان متابعة قتادة بن دعامة لأبي قلابة في رواية هذا الحديث عن أنس بن مالك، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، لأن المتابع والمتابع كلاهما ثقتان، وكرر

стр. 918

قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ .. وَجَدَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلا للهِ، ــ متن الحديث فيها لما في هذه الرواية من المخالفة للراوية الأولى في بعض الكلمات، فلا اعتراض عليه في تكرار الحديث متنًا وسندًا، لأنه لغرض (قال) أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه (قال رسول الله ﷺ ثلاث) خصال أو خصال ثلاث وسوغ الابتداء بالنكرة ما تقدم (من كُنَّ) أي من وُجِدن تلك الثلاث وحصلن (فيه) وغلبن عليه، فكان تامة كما مر (وجد طعم الإيمان) أي ذاق حلاوة الإيمان ولذته وانشراحه في صدره وانبساطه في قلبه، أحدها خصلة (من كان يحب المرء) المسلم حالة كونه (لا يحبه) لغرض من الأغراض الدنيوية (إلا لله) أي إلا لأجل دين الله تعالى وأخوة الإيمان. (فإن قلت) لم قيد هذا الحب بأن يكون لله خالصًا، ولم يقيد حُب الرسول ﷺ بذلك (قلت) يُجاب عن ذلك بأجوبة: (أحدها) لما كانت محبة الرسول ﷺ من حيث كونه رسولًا لله سبحانه لا تكون إلا لله جل وعلا، لم يشترط فيها أن لا يحبه إلا لله تعالى، لأنه تحصيل الحاصل. (ثانيها) أن مطلق حب الرسول ﷺ يجر في الغالب إلى التصديق به، وذوق حلاوة الإيمان، لأن المحب ينقاد إلى محبوبه في غالب الأحيان ومحبه ﷺ بإطلاق لا يخلو من نفع ولو ببعض التخفيف من عذاب النيران إذا كان من أهل الكفران، ويدل عليه حديث أبي طالب وأبي لهب عمَّيه، فترك هذا الشرط من حبه ﷺ ترغيبًا للخلق في محبته الموجبة لكل الخير أو بعضه. (ثالثها) أن الذي ذكر من حبه ﷺ هو المقام الأعلى منه، وهو الميل إليه، وإيثاره على كل شيء سواه حتى على نفس المحب لدخوله في عموم ما سواهما، وذلك مستلزم لحصول أعلى مراتب الإيمان فلا يحتاج إلى التقييد بهذا الشرط. (ورابعها) أن ذكر محبته ﷺ مع محبة الله ثم إضافته إليه إضافة تشعر بعظيم منزلته عنده ثم الجمع بينهما في ضمير واحد يدل على أن حبه من معنى حب الله تعالى، وأنه لأجله، فأغنى ذلك عن ذكر ذلك القيد، ولما انتفت هذه

стр. 919

وَمَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ". ٧٥ - (٠٠) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ، ــ المعاني الأربعة في حب غيره ﷺ شُرِط في الانتفاع الأخروي بذلك الحب أن لا يكون إلا لله تعالى، ولذا قيل المرء ولم يقل المؤمن أو المطيع ونحوه من الأوصاف المناسبة لأن ذلك يدل على كون الحب لله تعالى بالإيمان، وهذا الشرط يدل عليه بالتصريح على وجه أبلغ وهو الحصر بالاستثناء المفرغ لأنه أبلغ من التام، إذ بالتصريح بالمستثنى منه ينقطع احتمال ما سواه، ومع حذفه يحتمل تقدير كل ما يستثنى منه فكان لازمه أكثر، والحصر بالنفي وإلا أبلغ مما سواه من طرق الحصر اهـ سنوسي. (و) ثانيها خصلة (من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) حتى على نفسه وولده ووالديه (و) ثالثها خصلة (من كان أن يلقى) ويرمى (في النار أحب إليه من أن يرجع) ويصير (في الكفر) والضلال (بعد أن أنقذه الله) تعالى (منه) وأخرجه من ذلك الكفر بالإيمان ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أنس رضي الله تعالى عنه فقال: (٧٥) - متا (٠٠) (حدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج أبو يعقوب التميمي المروزي ثم النيسابوري، ثقة ثبت من الحادية عشرة، مات سنة (٢٥١) إحدى وخمسين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة عشر بابًا تقريبًا. قال إسحاق (أنبأنا النضر بن شميل) بن خرشة المازني أبو الحسن البصري ثم الكوفي، نزيل مرو، ثقة ثبت من كبار التاسعة، مات سنة (٢٠٤) أربع ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة أبواب تقريبًا، قال نضر بن شميل (أنبأنا حماد) بن سلمة بن دينار الربعي أو التميمي أو القرشي مولاهم أبو سلمة البصري، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، من كبار الثامنة، مات سنة (١٦٧) سبع وستين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا (عن ثابت) بن أسلم بن موسى البناني مولاهم أبي محمد البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا

стр. 920

عَنْ أَنَسٍ قَالِ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : ... " بِنَحْو حَدِيثِهِمْ، غَيرَ أَنَّهُ قَال: "مِنْ أنْ يَرْجِعَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصرَانِيًّا" ــ تقريبًا (عن أنس) بن مالك خادم رسول الله ﷺ ، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد كوفي وواحد نيسابوري، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة ثابت البناني لأبي قلابة وقتادة في رواية هذا الحديث عن أنس بن مالك ﵁. (قال) أنس (قال رسول الله ﷺ ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان الحديث، والجار والمجرور في قوله (بنحو حديثهم) متعلق بما عمل في ثابت، وضمير الجمع فيه تحريف من النساخ، والصواب (بنحو حديثهما) بضمير التثنية العائد إلى أبي قلابة وقتادة والتقدير: حدثنا ثابت بن أسلم عن أنس بن مالك بنحو حديث أبي قلابة وقتادة عن أنس فالمتابعة في التابعي، وجعل بعض العلماء ضمير الجمع عائدًا على مشايخ المؤلف في السندين الأولين فتكون المتابعة بين إسحاق بن منصور وبين إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن يحيى ومحمد بن بشار ومحمد بن المثنى فتكون المتابعة ناقصة، وهذا تكلف لا حاجة إليه لمخالفته لاصطلاحاته والله أعلم، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، والنحو هنا بمعنى المثل بدليل الاستثناء بقوله (غير أنه قال) أي لكن أن ثابتًا قال في روايته (من أن يرجع) ويصير (يهوديًّا أو نصرانيًّا) بدل قولهما (من أن يعود في الكفر) أو (يرجع في الكفر) ورجع هنا من أخوات صار الناقص يعمل عمل كان الناقصة، ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث أنس بن مالك فذكره ثلاث مرات مرة للاستدلال به على الترجمة ومرتين للمتابعة والله أعلم. ***

стр. 921

٢١ - بَابُ عَدَمِ إِيمَانِ مَنْ لَمْ يُحِبَّ الرَّسُولَ ﷺ مَحَبَّةً أَكْثَرَ مِنْ مَحَبَّتِهِ لأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ــ ٢١ - بَابُ عَدَمِ إِيمَانِ مَنْ لَمْ يُحِبَّ الرَّسُولَ ﷺ مَحَبَّةً أَكْثَرَ مِنْ مَحَبَّتِهِ لأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي باب معقود في الاستدلال على عدم إيمان من لم يُحب رسول الله ﷺ محبة أكثر وأشد من محبته لولده ووالده وأهله والناس أجمعين حتى على نفسه لدخولها في عموم الناس. وترجم القاضي والنواوي وأكثر المتون لهذا الحديث الآتي بقولهم: (باب وجوب محبة رسول الله ﷺ أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين وإطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة). وترجم له القرطبي بقوله: (باب لا يصح الإيمان حتى تكون محبة رسول الله ﷺ راجحة على كل محبوب من الخلق). ولم يترجم له الأبي والسنوسي، بل جعلا هذا الحديث تبعًا للترجمة السابقة، والأولى إفراده بالترجمة، وترجمتنا أولى وأوفق لمنطوق الحديث، وكذلك ترجمة القرطبي. قال بعضهم: ليس المراد بالمحبة هنا المحبة الطبيعية التابعة شهوة النفس، فإن محبة النفس والولد والمعشوق طبعًا أشد من غيرها، وليست هذه المحبة اختيارية يؤاخذ بها، إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، بل المراد هنا المحبة العقلية الاختيارية، وهو إيثار ما يقتضي العقل رجحانه، وإن خالف الطبع كالدواء يكره طبعًا، ويميل إليه العقل لصلاحه، والعاقل يعلم أن خير الدنيا والآخرة اتباع الرسول، وأنه أشفق عليه من نفسه والناس كلهم، فيرجح جانبه على كل مخلوق، ولا يتم الإيمان إلا بهذا وكماله أن يتبع طبعه عقله، حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه عقلًا وطبعًا ونحو هذا سلك الخطابي اهـ، قال بعضهم ومما يسهل التكليف بهذا على النفس أن يقدر الإنسان أنه لو رأى ما يؤلم رسول الله ﷺ لتلقاه عنه بنفسه، وسهل عليه فعله فإذا فعل ذلك فقد أدى ما عليه منه، وهذا مقام لا بد منه، ووراءه مقامات كثيرة متفاوتة اهـ قال بعض الشافعية: يجب أن يحزن على فقد رسول الله ﷺ من

стр. 922

٧٦ - (٤٣) وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، ح وَحَدَّثَنَا شَيبَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ــ الدنيا أكثر من الحزن على فقد الأبوين والولد، كما يجب أن يحب أكثر من النفس وغيرها، وهذا الذي ذكر هو في الحقيقة من لوازم الأحبية المذكورة في الحديث، وقال القاضي عياض: ومن محبته ﷺ نصر سنته والذب عن شريعته، وتمني أن لو عاصره حتى يبذل النفس والمال دونه اهـ. (٧٦) - س (٤٣) (وحدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي بفتح المهملتين بعدهما معجمة مولاهم أبو خيثمة النسائي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرين بابًا تقريبًا، قال زهير (حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الأسدي القرشي البصري أبو بشر المعروف بـ (ـابن علية) اسم أمه، ثقة حافظ من الثامنة، مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة عشر بابًا تقريبًا. (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا شيبان) بن فروخ المعروف بـ (ـابن أبي شيبة) وأبو شيبة كنية فرُّوخ الحبطي مولاهم، أبو محمد الأبلي بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام صدوق يهم، ورُمي بالقدر من صغار التاسعة، مات سنة (٢٣٦) ست وثلاثين ومائتين وأتى بحاء التحويل لاختلاف شيخ شيخيه مع اتحاد شيخيهما، ولبيان كثرة طرقه، قال شيبان (حدثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوري بفتح المثناة وتشديد النون البصري، أحد الأئمة الأعلام، روى عن عبد العزيز بن صهيب وحسين المعلم وداود بن أبي هند وأيوب السختياني وأبي التياح وغيرهم، ويروي عنه (ع) وشيبان بن فروخ وابنه عبد الصمد وعبيد الله القواريري ويحيى بن يحيى ومُعلَّى بن منصور وأبو الربيع الزهراني وخلق، ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة (١٨٠) ثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والصوم والحج في موضعين والبيوع والأطعمة واللباس والفتن، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثمانية تقريبًا (كلاهما) أي كل من إساعيل بن علية وعبد الوارث رويا (عن عبد العزيز) بن صهيب البناني بموحدة مضمومة ونونين نسبة إلى بُنانة بن سعد بن لؤي بن غالب مولاهم البصري الأعمى، روى عن أنس وشهر، ويروي عنه (ع)

стр. 923

عَنْ أَنَسٍ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ -وَفِي حَدِيثٍ عَبْدِ الْوَارِثِ: "الرَّجُلُ"- حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" ــ وإسماعيل ابن علية وعبد الوارث وحماد بن زيد وهُشيم وشعبة وأبو عوانة ووهيب، وثقه أحمد، وقال في التقريب: ثقة من الرابعة، مات سنة (١٣٠) ثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة والصوم والنكاح والطب في ستة أبواب تقريبًا. (عن أنس) بن مالك خادم رسول الله ﷺ وهذا السند من رباعياته، وهو الخامس من رباعياته ورجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد نسائي أو أبلي (قال) أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه (قال رسول الله ﷺ لا يؤمن عبدٌ) وكذا الأمة لأنها شقيقته، أي لا يصح إيمان عبد من عباد الله المكلفين، ولا إيمان أمة من إماء الله تعالى المكلفات، ونكره ليفيد العموم، أي لا يصح إيمان أي عبد كان، عربًا ولا عجمًا، أعرابًا ولا أهل كتاب (وفي حديث عبد الوارث) بن سعيد أي في روايته لا يؤمن (الرجل) بدل قوله عبد (حتى أكون) أنا (أحب إليه) أي أكثر محبوبية لديه (من أهله) وأقاربه (وماله) الذي اقترفه وجمعه (و) من جميع (الناس) من أبنائه وآبائه وأصدقائه وأحبائه كلهم (أجمعين)، وفي الرواية الآتية (من ولده ووالده والناس أجمعين) قال الخطابي: لم يُرد به حب الطبع، بل أراد به حب الاختيار لأن حب الإنسان نفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه، قال: فمعناه لا تصدق في حبي حتى تفنى في طاعتي نفسك، وتؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه هلاكك. وقال القاضي وابن بطال وغيرهما: المحبة ثلاثة أقسام محبة إجلال وإعظام، كمحبة الوالد ومحبة شفقة ورحمة، كمحبة الولد ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس، فجمع ﷺ أصنات المحبة في محبته، قال ابن بطال: ومعنى الحديث أن من استكمل الإيمان علم أن حق النبي ﷺ آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الإيمان لا يتم إلا بذلك. قال القرطبي: هذا الحديث على إيجازه يتضمن ذكر أقسام المحبة فإنها ثلاثة: محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد والعلماء والفضلاء، ومحبة رحمة وإشفاق كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة غير من ذكرنا، وإن محبة رسول الله ﷺ لا بد أن تكون راجحة على ذلك كله، وإنما كان كذلك لأن الله تعالى قد

стр. 924

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كمله على جميع جنسه وفضله على سائر نوعه بما جبله عليه من المحاسن الظاهرة والباطنة، وبما فضله من الأخلاق الحسنة والمناقب الجميلة فهو أكمل من وطئ الثرى، وأفضل من ركب ومشى وأكرم من وافى القيامة، وأعلاهم منزلة في دار الكرامة. قال القاضي: فلا يصح الإيمان إلا بتحقيق رفعة قدر النبي ﷺ ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومفضل، ومن لم يعتقد هذا واعتقد سواه فليس بمؤمن اهـ. قال القرطبي: وظاهر هذا القول أنه صرف محبة النبي ﷺ إلى اعتقاد تعظيمه وإجلاله ولا شك في كفر من لم يعتقد ذلك عليه، غير أن تنزيل هذا الحديث على ذلك المعنى غير صحيح لأن اعتقاد الأعظمية ليس بالمحبة، ولا بالأحبية ولا مستلزم لهما، إذ قد يجد الإنسان من نفسه إعظام أمر أو شخص، ولا يجد محبته، ولأن عمر لما سمع قول رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين" قال عمر: يا رسول الله أنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي قال: ومن نفسك يا عمر قال: ومن نفسي فقال: الآن يا عمر" رواه أحمد (٤/ ٣٣٦) وهذا كله تصريح بأن هذه المحبة ليست باعتقاد تعظيم بل ميل إلى المعتقد وتعظيمه وتعلق القلب به، فتأمل هذا الفرق فإنه صحيح ومع ذلك فقد خفي على كثير من الناس وعلى هذا المعنى الحديث والله أعلم أن من لم يجد من نفسه ذلك الميل وأرجحيته للنبي ﷺ لم يكمل إيمانه، على أني أقول: إن كل من صدق النبي ﷺ وآمن به إيمانًا صحيحًا لم يخل عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة للنبي ﷺ غير أنهم في ذلك متفاوتون فمنهم من أخذ تلك الأرجحية بالحظ الأوفى كما قد اتفق لعمر حتى قال: ومن نفسي، ولهند امرأة أبي سفيان حين قالت للنبي ﷺ : لقد كان وجهك أبغض الوجوه كلها إلي فقد أصبح وجهك الآن أحب الوجوه كلها إلي ... الحديث، وكما قال عمرو بن العاص: لقد رأيتني وما أحد أحب إلي من رسول الله ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولا شك في أن حظ أصحابه من هذا المعنى أعظم لأن معرفتهم لقدره أعظم لأن المحبة ثمرة المعرفة فتقوى وتضعف بحسبها.

стр. 925

٧٧ - (٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ــ ومن المؤمنين من يكون مستغرقًا بالشهوات محجوبًا بالغفلات عن ذلك المعنى في أكثر أوقاته فهذا بأخس الأحوال لكنه إذا ذكر بالنبي ﷺ وبشيء من فضائله اهتاج لذكره واشتاق لرؤيته بحيث يؤثر رؤيته بل رؤية قبره ومواضع آثاره على أهله وماله وولده ونفسه والناس أجمعين فيخطر له هذا ويجده وجدانًا لا شك فيه غير أنه سريع الزوال والذهاب لغلبة الشهوات وتوالي الغفلات ويخاف على من كان هذا حاله ذهاب أصل تلك المحبة حتى لا يوجد منها حبة فنسأل الله الجواد الكريم أن يمن علينا بدوامها وكمالها ولا يحجبنا عنها. اهـ قرطبي. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد (٣/ ١٧٧ و ٢٠٧ و ٢٧٥) والبخاري (١٥) والنسائي (٨/ ١١٤ - ١١٥) وابن ماجه (١٦٧) ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أنس هذا فقال: (٧٧) - متا (٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي أبو موسى البصري، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومائتين، روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابا (و) حدثنا أيضًا محمد (بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومائتين، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابا، وفائدة المتابعة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال كل من المحمدين (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم أبو عبد الله البصري المعروف بغندر، ثقة من التاسعة، مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا، قال محمد بن جعفر (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البصري حافظ متقن من السابعة، مات سنة (١٦٠) ستين ومائة، روى المؤلف عنه في ثلاثين بابًا تقريبًا (قال) شعبة (سمعت قتادة) بن دعامة السدوسي أبا الخطاب البصري، ثقة ثبت حافظ مفسر مدلس من الرابعة، مات كهلًا سنة (١١٧) سبع عشرة ومائة، روى عنه المؤلف في ستة وعشرين بابًا، حالة كون قتادة (يحدث) ويروي (عن أنس بن مالك) بن النضر خادم رسول الله ﷺ أبي حمزة البصري، روى عنه المؤلف في اثني عشر بابًا تقريبًا.

стр. 926

قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" ــ وهذا السند من خماسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون، وغرض المؤلف بسوقه بيان متابعة قتادة لعبد العزيز بن صهيب في رواية هذا الحديث عن أنس بن مالك، وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول لأن قتادة أثبت من عبد العزيز، وكرر متن الحديث في هذه الرواية لما فيها من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات فلا اعتراض على المؤلف في تكرار الحديث متنًا وسندًا لأنه لغرض (قال) أنس (قال رسول الله ﷺ : لا يؤمن أحدكم) أي لا يصح إيمان أحدكم أيها المسلمون (حتى أكون) أنا، مضارع كان المسند إلى المتكلم (أحب إليه) أي أكثر محبوبية لديه (من ولده ووالده) بدل قوله في الرواية الأولى "من أهله وماله" (و) من كل (الناس أجمعين) من سائر عشيرته وأقربائه وأصدقائه وأزواجه ومواليه. ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث أنس، وذكر فيه متابعة واحدة. ***

стр. 927

٢٢ - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ إِيمَانَ الْعَبْدِ لَا يَكْمُلُ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ، أَوْ جَارِهِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيرِ ٧٨ - (٤٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (١): "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ -أَوْ قَال: لِجَارِهِ ــ ٢٢ - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ إِيمَانَ الْعَبْدِ لَا يَكْمُلُ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ، أَوْ جَارِهِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيرِ أي باب معقود في بيان الدليل على أن إيمان الشخص رجلًا كان أو امرأة لا يكمل أي لا يصل إلى درجة الكمال حتى يحب ويرضى لأخيه المسلم، أي أن يكون لأخيه المسلم ما يحبه، أي ما يحب كونه وحصوله لنفسه من جنس الخير دينيًّا كان أو دنيويًّا، وترجم لهذا الحديث الآتي النووي والقاضي وأكثر المتون بقولهم: (باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير) وترجم له الأبي والسنوسي بقولهما (باب لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو جاره) ولم يترجم له القرطبي رحمهم الله تعالى. (٧٧) - س (٤٤) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي أبو موسى البصري من العاشرة (و) محمد (ابن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري من العاشرة (قالا) أي قال كل من المحمدين (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم أبو عبد الله البصري من التاسعة (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البصري من السابعة (قال) شعبة (سمعت قتادة) بن دعامة السدوسي أبا الخطاب البصري من الرابعة حالة كون قتادة (يحدث عن أنس بن مالك) الأنصاري الخزرجي النجاري، خادم رسول الله ﷺ . وهذا السند من خماسياته، ورجاله كلهم بصريون، حالة كون أنس يحدث (عن النبي ﷺ أنه (قال: لا يؤمن أحدكم) أي لا يتم إيمان أحدكم أيها المؤمنون ولا يكمل (حتى يحب) ويرضى (لأخيه) المسلم أر الإنسان فيدخل الكافر (أو قال) لي أنس، فالشك من قتادة، أو قال لي قتادة فالشك من شعبة (لجاره) بدل قوله

стр. 928

- مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" ــ لأخيه (ما يحبـ) ـه (لنفسه) من الخيرات الدنيوية دينًا أو دُنيا، قال النواوي: وفي البخاري لأخيه دون شك، قال القاضي: والنفي هنا نفي كمال، أي لا يتم إيمان أحدكم حتى يكون للمؤمنين بهذه الصفة من كفه الأذى عنهم، وبذله المعروف لهم، ومودته الخير لجميعهم، وصرف الضر عنهم، والحديث -والله أعلم- إنما هو في أمور الدنيا، وأما في الآخرة فقد قال تعالى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ قيل ظاهر الحديث على التسوية والمعنى حينئذ ما قلنا، وقيل على التفضيل، والمعنى عليه أي حتى يحب لأخيه أن يكون أحسن حالًا منه لأنه الذي يحب لنفسه، لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل، فإذا أحب لغيره ما يحب لنفسه كان هو من المفضولين، وقد روي هذا المعنى عن الفضيل بن عياض أنه قال لسفيان بن عيينة رحمهما الله تعالى: إن كنت تريد أن يكون الناس كلهم مثلك فما أديت لله نصحية، فكيف تود أنهم دونك. قال ابن الصلاح: وهذا المعنى قد يعد من الصعب الممتنع، وليس معنى الحديث كذلك، بل معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام مثل ما يحبه لنفسه، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهةٍ لا يزاحمه فيها، بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه، وذلك سهل على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل عافانا الله سبحانه من ذلك، قال الأبي: ويترجح هذا المعنى بأن التكليف به أيسر وبالأول كالمتعذر، قال السنوسي: في كثير من الروايات أعني في غير مسلم (لا يؤمن) بحذف الفاعل، وفي رواية (أحدكم) وهو المراد في الأخرى، وحذفه أدخل في العموم لصحة إسناده إلى كل ما يصحّ الإسناد إليه لبطلان الترجيح بلا مرجح، أي لا يؤمن أحد أو عبد أو الرجل، وقد رُويت كلها أو مكلف أو من يصح منه الإيمان، وحذف الفاعل للعلم به ولدلالة السياق عليه وارد في كلامهم وإن قل ومنه قوله تعالى ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي الكائن في تلك الظلمة، ومنه قوله ﷺ "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر ... " أي الشارب. وأما رواية (أحدكم) فلكونها ظاهرة في خطاب الصحابة فتحتمل أن غيرهم مثلهم في ذلك ويحتمل أن يقال إنهم لشرفهم يطالبون بالأكمل وغيرهم لكونه أدنى منزلة منهم يكتفي منهم بأدنى من ذلك ويحتمل أن يكون من الخطاب العام، ومعنى الحديث عند

стр. 929

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أهل السنة لا يؤمن أحدكم إيمانًا أكمل أو أفضل أو نحو ذلك، والحديث لا بد فيه من تقديرات وإلا فُهم منه غير المراد (الأول) في قوله لأخيه لأنه لما تعذر قصره على أخ النسب تعيَّن تقدير صفة تعممه وغيره، تقديرها أي لأخيه المؤمن إن فُسِّر الخير المذكور في رواية النسائي بما زاد على الإيمان من الصفات الدين ية والدنيوية وهذا التفسير أولى، قال الشيخ محمد بن مرزوق: وإن فُسِّر الخير بالأعم حتى يشمل الإيمان الذي هو أصل كل الخير وغيره يكون تقديرها أي لأخيه الإنسان فيتناول الكافر والمؤمن، قال ابن مرزوق: وهذا التقدير أولى لأنه أعم وأشمل من تقدير المؤمن ولأن من الواجبات محبة الإيمان لكل أحد، كما وجب محبة ما يستتبعه الإيمان من الطاعات أيضًا، إذ لا فرق، وإنما محبة ذلك للمؤمن على سبيل التأكيد والترجيح لتحصيله الإيمان، وأما الوجوب ففي حق الجميع انتهى. قال السنوسي بل التقدير الأول أولى لأوجه: (منها) ما قدمناه من زيادة وصف الأخ المسلم في بعض الروايات. (ومنها) أن الأخ إذا أطلق في الشرع في مثل هذا المقام لا يتبادر إلى الذهن منه إلا أخ الإيمان، كيف والله سبحانه إنما أثبت الأخوة بين المؤمنين فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ومفهوم الوصف أن غير المؤمنين ليس بأخ، وأما مفهوم الحصر هنا فلا ينفعنا لأنه إنما يقتضي قصر المؤمنين على الأخوة على سبيل المبالغة حتى كأنهم لا وصف لهم سواها. (ومنها) أن الحديث إنما سيق لتأكيد الشفقة والرحمة والتواضع والنصرة وكمال المؤازرة والمناصرة على كل خير، ولهذا ذكر لفظ الأخ الموجب لذلك كله. وهذه الأوصاف كلّها إنما تطلب في حق المؤمنين، إذ هم الذين كالبنيان يشد بعضهم بعضًا، وأما الكافرون فالمطلوب في حقهم ضد ذلك، والتسمية لهم شرعًا إنما هو بلفظ العداوة ونحوها مما هو مناف للمقصود بلفظ الأخ المذكور في الحديث، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ الآية، فذكر ما يُحرك القلوب ويهيج غضبها، ويحمي حمية ذوي التهمة للمبالغة في عداوة الكافرين والسعي في إهلاكهم وإذلالهم بقدر الإمكان، وقال تعالى في الثناء على قوم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى

стр. 930

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ والقرآن والسنة مملوآن بمثل هذا مما هو كالمنافي لمعنى الأخوة حتى إن الشرع قطع بين المؤمن وذي نسبه من الكفار، وإن كان أقرب الناس إليه كولده وأبيه بعض أحكام النسب من الميراث ونحوه، وأما بغضنا للكفر وشدة حبنا للإيمان فمن أجل ذلك انقطعت الأخوة بيننا وبين الكفار وكيف تثبت الأخوة والمواصلة بيننا وبين من اتخذ مع مولانا شريكًا وخرق حجاب الهيبة بعبادة مخلوق دونه لا يملك نفعًا ولا ضرًّا، وكذب خواصه جل وعلا من خلقه الذين بعثهم رحمة ونعمة لا يقدر على شكرها وأفاض بهم أنوار المعارف وأنواع الخيرات دنيا وأخرى صلوات الله وسلامه على جميعهم، وبهذا يظهر أنه لا يحتاج إلى تقدير وصف المؤمن أو المسلم في الحديث لأن لفظ أخ غلب عُرفًا عليهما. (الثاني) في قوله (ما يحب) أي مثل ما يحب لنفسه، على حذف مضاف، ولو لم يقدر ذلك لأدى إلى معنى أن المرء لا يحب لنفسه شيئًا إذ الذي يحب لنفسه هو بعينه الذي يحب لغيره، وذلك لا يصح أن يكون لهما لاستحالة كون الشيء الواحد في الوقت الواحد في محلين فتعين صرفه لأخيه، ونقل ابن بطال: أن ظاهر يُحب لأخيه المساواة، ومعناه محبة التفضيل له على نفسه، لأن المرء يُحب أن يكون أفضل من غيره، فيصرف ذلك لأخيه فيبقى أن يُحب لنفسه أن يكون مفضولًا، قال بعضهم: يعني لاستحالة أن يكون كل منهما أفضل من جهة واحدة، فتعين أن يحب لنفسه المفضولية، وما ذكره إنما يلزم إذا كان يحب لنفسه الأفضلية دائمًا وذلك غير لازم، إذ قد يحب المساواة كثيرًا، وأن كان حبه الأفضلية أكثر. (الثالث) في قوله (لنفسه) عبر بالنفس لأنها أعز شيء على الإنسان، ولا بد من تقييده بما يليق بأخيه شرعًا من مصلحة دنيوية مباحة، أو أخروية، وإلا فقد يحب الإنسان لنفسه شهوة لا تحل فلا ينبغي أن يحب مثلها لأخيه. (الرابع) قال الشيخ محمد بن مرزوق: يزاد في الحديث، وذلك مع عدم تضايق الحقوق مثل أن يكون مع المكلف ما يحيي به نفسه فقط أو يستر به عورته فقط، فإنه يجب عليه أن يبدأ بنفسه قبل ابنه وأبيه وأخيه فضلًا عن الأجانب، لأن ذلك مقتضى أصول الشريعة كقوله ﷺ "ابدأ بنفسك" وقوله للذي قال له عندي دينار

стр. 931

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ "تصدق به على نفسك" الحديث، وقوله (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت". وحتى في قوله (حتى يحب) غابة لنفي الإيمان، وهي جارة، والفعل بعدها منصوب بأن واجبة الإضمار، ويمتنع رفع الفعل بعدها لاقتضاء ذلك كون يحب منفيًّا كيؤمن أي لا يكون إيمان ومحبة وهو باطل وضد المقصود، وقال بعضهم لا يصح العطف بحتى لأن عدم الإيمان ليس سببًا للمحبة انتهى. تنبيه: إنما قال في الحديث حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ولم يقل (حتى يفعل بأخيه ما يفعل بنفسه) لوجوه: (منها) أن المحبة هي السبب الأقوى في الحمل على الفعل لأن من أحب شيئًا حبًّا صادقًا لا يصده شيء عن فعله، لقوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ وقوله: لو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع فكأنه ﷺ أرشد إلى ضابط الفعل والحامل عليه على وجه العموم إلا لعارض. (ومنها) أن ذكر الفعل لا يغني عن المحبة، لأنه قد يفعل تكرهًا ولامتثال الأمر خاصة، وهو على الوجه الأول قد يوجب أشد البغض، أو يزيد فيه فيؤدي إلى خلاف المقصود بخلاف المحبة فإنها تغني عن الفعل لحصوله معها مع حصول المقصود من الألفة والتواد بين المؤمنين على أكمل وجه. (ومنها) أن الفعل أشق على النفس من المحبة، فكان التصريح باشتراطه في الإيمان يوجب النفرة عنه، فنبه طبيب الأطباء وحكيم الحكماء ﷺ على ما يُحصِّل المقصود وتقبله النفوس. (ومنها) أن الفعل لا يَحْسن أن يُعد ضابطًا، لأنه كثيرًا ما يفعل الإنسان بنفسه أمورًا يكرهها لاسترقاق نفسه له، وأسر شهوته إياه، أو لغير ذلك من الإكراه ونحوه بخلاف المحبة فإنها مطردة منضبطة. (ومنها) غير ذلك مما لا ينحصر والله أعلم بأسرار كلامه ﷺ . وقد اشتمل الحديث على الإيجاز للتقديرات المذكورة ولاسلتزامه الوفاء بجميع

стр. 932

٧٩ - (٠٠) حَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ ــ الحقوق، سواء كانت في معاملة الخلق، أو في معاملة الخالق، لما أن القيام بحقوق الخلق لأجل الله تعالى يستلزم القيام بحقه جل وعلا، إذ هو المنعم تعالى بجميع النعم جملة وتفصيلًا وتفضل سبحانه بسبب التواد والوصلة، وهو الإيمان والإسلام، ومَن بمنِّه انتظم به شمل المؤمنين، وحصلت به المكارم وأنواع الخيرات كلها سيدنا ومولانا محمد ﷺ ولقد أجاد من قال في مدحه ﷺ : أحل أمته في حرز ملته ... كالليث حلَّ مع الأشبال في أجم وقد عُدَّ هذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ وكله جوامع اهـ من السنوسي. وقال القرطبي: قوله "لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يحب لنفسه" معناه لا يكمل إيمانه كما تقدم إذ من يَغش المسلم ولا ينصحه مرتكب كبيرة، ولا يكون كافرًا بذلك كما بيناه غير مرة، وعلى هذا فمعنى الحديث أن الموصوف بالإيمان الكامل من كان في معاملته للناس ناصحًا لهم مريدًا لهم ما يريده لنفسه، وكارهًا لهم ما يكرهه لنفسه، وتضمن أن يفضلهم على نفسه، لأن كل أحد يُحب أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحب لغيره ما يُحب لنفسه فقد أحب أن يكون غيره أفضل منه وإلى هذا المعنى أشار الفضيل بن عياض حين قال لسفيان بن عيينة: إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك فما أديت لله الكريم النصيحة فكيف وأنت تود أنهم دونك كما مر انتهى. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد (٣/ ١٧٦، ٢٧٢، ٢٧٨) والبخاري (١٣) والنسائي (٨/ ١١٥) والترمذي (٢٥١٧) وابن ماجه (٦٦). ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال: (٧٩) - متا (٠٠) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي مولاهم أبو خيثمة النسائي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، وتقدم وأن المؤلف روى عنه في عشرين بابًا تقريبًا. قال زهير (حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ التميمي أبو سعيد القطان البصري الأحول، ثقة متقن إمام حافظ قدوة من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٨) ثمان وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن

стр. 933

حُسَينٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ -أَوْ قَال: لأخِيهِ- مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" ــ حسين) بن ذكوان (المعلّم) المُكْتِب الأزدي العوذي البصري، روى عن قتادة وعطاء بن أبي رباح وعبد الله بن بريدة، ويحيى بن أبي كثير وبُديل بن ميسرة وغيرهم، ويروي عنه (ع) ويحيى القطان وعبد الوارث بن سعيد وأبو خالد الأحمر وعيسى بن يونس ويزيد بن هارون وعبد الله بن المبارك وروح بن عبادة وخلائق، وقال في التقريب: ثقة ربما وهم من السادسة، مات سنة (١٤٥) خمس وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة والجنائز والصوم وبيع المدبر والدعاء والفتن والجهاد، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها تسعة أبواب تقريبًا (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري (عن أنس) بن مالك خادم رسول الله ﷺ (عن النبي ﷺ وهذا السند من خماسياته ورجاله كلهم بصريون إلا زهير بن حرب فإنه نسائي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة حسين المعلم لشعبة في رواية هذا الحديث عن قتادة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من زيادة القسم وتغيير بعض الكلمات، أنه ﷺ (قال: والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد) أي: أقسمت بالله الذي رُوحي بيده لا يكمل إيمان عبد من عباد الله تعالى (حتى يحب) ويرضى أن يحصل (لجاره) وهو من بيته ملاصق لبيتك، أو قريب منه إلى أربعين دارًا على الخلاف المقرر في الفروع في باب الوصية للجار (أو قال) أنس أو قتادة (لأخيه) بدل جاره، والشك على ما مر بيانه آنفًا (ما يحب) حصوله (لنفسه) ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا حديث أنس، وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم. ***

стр. 934

٢٣ - بَابُ عَدَمِ إِيمَانِ مَنْ يَخَافُ جَارُهُ ضَرَرَهُ ٨٠ - (٤٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ــ ٢٣ - بَابُ عَدَمِ إِيمَانِ مَنْ يَخَافُ جَارُهُ ضَرَرَهُ أي باب معقود في بيان الدليل على عدم إيمان من يخاف جاره ضرره، بخروجه من الملة إن استحل إيذاءه مع علمه بتحريمه، وبنقصان إيمانه إن لم يستحل، وترجم لهذا الحديث الآتي النواوي وكذا القاضي عياض وأكثر المتون بقولهم (باب بيان تحريم إيذاء الجار) وهذه الترجمة وإن دل عليها الحديث بمفهومه، فهي خارجة عن كتاب الإيمان أجنبية عنه، ولذلك عدلتُ عنها إلى ما قلت، وترجم الأبي والسنوسي لهذا الحديث والذي بعده بقولهما (باب إكرام الجار) وهذه أيضًا أجنبية، وترجم القرطبي لهذا الحديث والذي بعده بقوله (باب حسن الجوار وإكرام الضيف من الإيمان) وهذه منطبقة على كتاب الإيمان فهي صحيحة والله أعلم. (٨٠) - س (٤٥) (حدثنا يحيى بن أيوب) العابد المقابري بفتح الميم والقاف، أبو زكريا البغدادي روى عن إسماعيل بن جعفر وإسماعيل بن علية ومروان بن معاوية وغيرهم، ويروي عنه (م د) وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو يعلى ومحمد بن إسحاق الصغاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وآخرون، قال حسين بن محمد بن فهم: كان ثقة ورعًا، وقال في التقريب: ثقة من العاشرة مات لإحدى عشرة مضت من ربيع الأول سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (قتيبة بن سعيد) بن جميل بفتح الجيم ابن طريف الثقفي مولاهم أبو رجاء البغلاني، روى عن مالك بن أنس وإسماعيل بن جعفر والدراوردي وغيرهم، ويروي عنه (خ م د ت س) وأحمد والحميدي وجماعة، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٤٠) أربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب تقريبًا. (و) حدثنا أيضًا (علي بن حجر) بضم المهملة وسكون الجيم بن إياس السعدي أبو الحسن المروزي، نزيل بغداد ثم مرو، روى عن إسماعيل بن جعفر وإسماعيل بن عُلية وجرير بن عبد الحميد، وعلي بن مسهر وحسان بن إبراهيم وغيرهم، ويروي عنه (خ م ت س) وابن خزيمة، وثقه النسائي، وقال في التقريب: ثقة حافظ من صغار التاسعة،

стр. 935

جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَال ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: أَخْبَرَنِي الْعَلاءُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ــ مات سنة (٢٤٤) أربع وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في موضعين والجنائز في خمسة مواضع والصوم والأيمان والجهاد والشعر والفضائل واللعان والفتن، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أحد عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه لأنهم كلهم ثقات. وقوله (جميعًا) حال من فاعل حدثنا في الجمع وأكد به دون كلهم لشكه في انحصار من روى له عن إسماعيل بن جعفر في هذه الثلاثة، أي حدثونا حالة كونهم مجتمعين في الرواية لنا (عن إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الزُّرقي، نسبة إلى زُريق بطن من الأنصار من الخزرج، مولاهم أبي إسحاق المدني، أحد الكبار، وثقه أحمد بن حنبل وقال في التقريب: ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة (١٨٠) ثمانين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابا. وأتى بقوله (قال ابن أيوب حدثنا إسماعيل) تورعًا من الكذب عليه، لأنه لو لم يأت به لأوهم أنه روى عن إسماعيل أيضًا بالعنعنة (قال) إسماعيل (أخبرني العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي مولى حُرقة أبو شبل المدني أحد الأعلام، وقال في التقريب: صدوق ربما وهم من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ومائة في خلافة المنصور، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة أبواب تقريبًا (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني مولى الحرقة، والحرقة بطن من جُهينة المدني، روى عن أبي هريرة في الإيمان وغيره، وعن أبيه يعقوب ويروي عنه (م عم) وابنه العلاء ومحمد بن إبراهيم النخعي، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، أحد المكثرين من الصحابة، وهذا السند من خماسياته ورجاله كلهم مدنيون إلا يحيى بن أيوب فإنه بغدادي، وقتيبة بن سعيد فإنه بغلاني، وعلي بن حجر فإنه مروزي، أي حدث عبد الرحمن بن يعقوب عن أبي هريرة (أن رسول الله ﷺ قال: لا يدخل الجنة) أصلًا لعدم إيمانه، وخروجه عن الملة إن استحل ذلك بعد علم تحريمه، أو حتى يعاقب على ذنب الإيذاء إن لم

стр. 936

مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ" ــ يستحل، لنقصان إيمانه بالمعاصي (من لا يأمن جاره بوائقه) أي مكايده وغوائله ومضاره وشروره، والبوائق كالموبقات في المعنى، جمع بائقة وهي الغائلة والداهية والخديعة والمكر والفتك، قال القاضي: أي لا يدخل الجنة من لا يؤمن شره ولا مضرته، ومن كان بهذه الصفة من سوء الاعتقاد للمؤمن فكيف بالجار، وتربصه به الدوائر وتسبيبه له المضار فهو من العاصين المتوعدين بدخول النار، وأنه لا يدخل الجنة حتى يعاقب ويجازى بفعله إلا أن يعفو الله عنه، وهذا وعيد شديد، وفيه من تعظيم حق الجار ما فيه، والظاهر في الحديث أنه خبر لا دعاء وفي رواية أخرى "والله لا يؤمن (ثلاثًا) من لا يأمن جاره بوائقه" رواها البخاري في صحيحه في كتاب الأدب، وفي "باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه" عن أبي شريح الخزاعي (٨/ ١٢) وأحمد في المسند (٢/ ٢٨٨، ٤/ ٣١، ٦/ ٣٨٥) والحاكم في المستدرك (١/ ١٠، ٤/ ١٦٥). وهذه الرواية أصرح من ترجمتنا، ومعناها ليس من أهل الإيمان إن استحل ذلك بعد علمه بتحريمه، أو لا يتم إيمانه ولا يكمل لنقصانه بتلك المعصية إن لم يستحل ذلك، والرواية الأولى موافقة لها بالمفهوم لأن عدم دخول الجنة لعدم إيمانه. قال القاضي عياض: كون الرجل بحيث يُتقى شره معصية، فكيف بها مع الجار الذي عظم الشرع حُرمته وندب إلى إكرامه (فإن قلت) من لا يأمن جاره بوائقه إن وقعت منه إذاية أو تسبب فيها فواضح، وإن لم تقع فغايته أنه هَمَّ بها، فيُعارض بحديث "إذا هم عبدي بسيئة ولم يعملها فلا تكتبوها". (قلت) الهم الذي لا يكتب إنما هو الهم الذي لم يقع متعلقه في الخارج، كالهم بشرب الخمر ولم يشرب، وهذا وقع متعلقه لتأذي الجار بتوقع ذلك منه كالمحارب يخيف الطريق ولم يصب أو يقال الواقع منه والحالة هذه عزم لا هم، والعزم مؤاخذ به على الصحيح اهـ أبي. قال النواوي: وفي معنى هذا الحديث وأشباهه قولان: أحدهما أنه محمول على من يستحل الإيذاء مع علمه بتحريمه فهذا كافر لا يدخل الجنة أصلًا، والثاني أنه لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم، بل يؤخر ثم قد يُجازى، وقد يعفى عنه فيدخلها أولًا إن لم يستحل الإيذاء، وإنما أولنا بهذين التأويلين لأنا قدمنا أن

стр. 937

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مذهب أهل الحق أن من مات على التوحيد مصرًا على الكبائر فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه فأدخله الجنة أولًا وإن شاء عاقبه ثم أدخله الجنة والله أعلم اهـ. قال القرطبي (قوله لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) الجار هنا يصلح للمجاور لك في مسكنك، ويصلح للداخل في جوارك وحرمتك إذ كل واحد منهما سواء في وجوب الوفاء بحقه وتحريم أذيته تحريمًا أشد من تحريم أذى المسلمين مطلقًا فمن كان مع هذا التأكيد الشديد مُضرًّا لجاره كاشفًا لعوراته حريصًا على إنزال البوائق به، كان ذلك منه دليلًا، إما على فساد اعتقاد ونفاق فيكون كافرًا ولا شك في أنه لا يدخل الجنة وإما على استهانة بما عظم الله تعالى من حرمة الجار، ومن تأكيد عهد الجوار فيكون فاسقًا عظيمًا ومرتكب كبيرة يخاف عليه من الإصرار عليها أن يختم عليه بالكفر، فإن المعاصي بريد الكفر فيكون من المصنف الأول، وإن سلم من ذلك ومات غير تائب فأمره إلى الله تعالى فإن عاقبه بدخول النار لم يدخل الجنة حين يدخلها من لم يكن كذلك، أو لا يدخل الجنة المعدة لمن قام بحقوق جاره، وعلى هذا التفصيل ينبغي أن يحمل ما في هذا الباب مما قال فيه المصطفى ﷺ إن فاعله لا يدخل الجنة مما ليس بشرك للأدلة المتقدمة، ولما يأتي في أحاديث الشفاعة. والبوائق جمع بائقة وهي الداهية التي توبق صاحبها أي تهلكه، وقد تقدم ذكرها والله أعلم اهـ. ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث أبي هريرة ولا متابعة فيه، وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٣٧٣) وانفرد به عن أصحاب الأمهات. ***

стр. 938

٢٤ - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الصَّمْتَ إِلَّا عَنِ الْخَيرِ، وَإِكْرَامَ الْجَارِ وَالضَّيفِ .. مِنَ الإِيمَانِ ٨١ - (٤٦) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ ــ ٢٤ - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الصَّمْتَ إِلَّا عَنِ الْخَيرِ، وَإِكْرَامَ الْجَارِ وَالضَّيفِ مِنَ الإِيمَانِ أي باب معقود في بيان الدليل على أن السكوت إلا عما فيه ثواب، وإن إكرام الجار والإحسان إليه، وأن إكرام الضيف النازل عليك بإعطاء جائزته من خصال الإيمان الكامل وشُعبه. وترجم القاضي والنواوي وأكثر المتون للحديث الآتي بقولهم (باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير وكون ذلك كله من الإيمان). وترجمتي أخصر وأولى وأوضح لسلامتها من الحشو، وموافقتها لسياق الحديث ولكونها موجزة وأدخل الحديث الآتي الأبي والسنوسي والقرطبي في ترجمة الحديث الذي قبله. (٨١) - س (٤٦) (حدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي أبو حفص المصري، روى عن ابن وهب نحو مائة ألف حديث ومؤمل بن إسماعيل، ويروي عنه (م س ق) وابن قتيبة العسقلاني والحسن بن سفيان وحفيده أحمد بن طاهر، وقال في التقريب: صدوق من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٤) أربع وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في مواضع كثيرة عن ابن وهب، قال حرملة (أنبأنا) أخبرنا عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم مولى بني فهر، أبو محمد المصري الفقيه أحد الأئمة ثقة حافظ عابد من التاسعة، مات سنة (١٩٧) سبع وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (قال) ابن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد بن مشكان، ويقال فيه: يونس بن يزيد بن أبي النجاد القرشي الأموي مولاهم مولى معاوية بن أبي سفيان أبو يزيد الأيلي، روى عن الزهري ونافع والقاسم وعكرمة، ويروي عنه (ع) وابن وهب وابن المبارك وغيرهم، ثقة من كبار السابعة، مات بمصر سنة (١٥٩) تسع وخمسين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة أبواب.

стр. 939

عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَال: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. فَلْيَقُل خَيرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، ــ (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) القرشي الزهري أبي بكر المدني رأى عشرة من أصحاب النبي ﷺ ، حافظ متقن متفق على جلالته وإتقانه، من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة وعشرين بابًا تقريبًا (عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف بن عبد عوف القرشي الزهري المدني أحد الأئمة الأعلام، كان من سادات قريش، روى عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وسالم مولى المهري وزينب بنت أم سلمة وعائشة وأبي سعيد الخدري وأبي قتادة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وخلائق، ويروي عنه (ع) والزهري ويحيى بن أبي كثير وبكير بن الأشج وسعيد المقبري ويحيى بن سعيد الأنصاري وعمرو بن دينار وأبو حازم سلمة بن دينار وابنه عمر وأولاد إخوته سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن والأعرج وخلائق، وقال ابن سعد: كان ثقة فقيهًا كثير الحديث، مات سنة (٩٤) أربع وتسعين. روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء في موضعين والصلاة في ستة مواضع والصوم في ثلاثة مواضع والحج في ثلاثة مواضع والبيوع والهبة والأطعمة والأشربة والرؤيا والقسمة والجهاد والطب والفضائل، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها أربعة عشر تقريبًا. (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني الصحابي الجليل، أحد المكثرين من الصحابة رضي الله تعالى عنه، وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي، ومن لطائفه أن فيه رواية تابعي عن تابعي (عن رسول الله ﷺ أنه (قال من كان) يريد أن (يؤمن بالله) (و) بـ (ـاليوم الآخر) الإيمان الكامل الذي ينال به الدرجات العلى في الآخرة، إذا أراد أن يتكلم شيئًا (فلـ) ـيُفكر فيه أولًا ثم لـ (ـيقل) ويتكلم به إن كان ذلك الشيء (خيرًا) أي ما فيه ثواب كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم جاهل وإجابة مُستفت مثلًا (أو) كان شرًّا أي ما فيه عقاب كالغيبة والنميمة والتجسس وشهادة الزور والكذب والسب والقذت مثلًا فـ (ـليصمت) أي فليسكت عنه ولا يتكلم به صونًا للسانه عن الخطيئة وحفظًا

стр. 940

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لنفسه عن العقوبة، وطلبًا لدينه البراءة، قال الأبي: هو من خطاب التهييج، أي من صفة المؤمن أن يتكلم بالخير ويسكت عن الشر فيسلم كقوله في الحديث الآخر "من سكت نجا". قال الأبي: فيتعارض صدر هذا الكلام وآخره في المباح، وجعل النووي المباح من قسم ما يطلب السكوت عنه، وقال القاضي: واختلف في المباح فقال ابن عباس: لا يكتب إذ لا يُجازى عليه، وقال عكرمة: يكتب لقوله تعالى ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ الآية، قال النووي: ولخص الشافعي معنى الحديث فقال: يَنْظرُ من يريد الكلام فإن لم يرَ ضررًا تكلم، وإن رآه أو شك فيه سكت، وخلاصة هذا الكلام من كمال الإيمان صون اللسان. و(صمت) من باب دخل ونصر، يقال: صمتَ يصْمُتُ صَمتًا وصُمُوتًا وصماتًا وصماتة إذا سكت. قال القرطبي: "قوله من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" يعني من كان يؤمن بالله تعالى الإيمان الكامل المُنجي من عذاب الله المُوصل إلى رضوان الله تعالى لأن من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده ورجا ثوابه، ومن آمن باليوم الآخر استعد له واجتهد في فعل ما يدفع به أهواله ومكارهه، فيأتمر بما أُمر به وينتهي عما نُهي عنه، ويتقرب إلى الله تعالى بفعل ما يقرب إليه، ويعلم أن من أهم ما عليه ضبط جوارحه التي هي رعاياه، وهو مسؤول عنها جارحة جارحة، كما قال تعالى ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال أيضًا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وإن أكثر المعاصي عددًا وأيسرها فعلًا معاصي اللسان، وقد استقرأ المحاسبون لأنفسهم آفات اللسان فوجدوها تنيف على العشرين، وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا جملة فقال "وهل يَكُبُّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم" رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وقال أيضًا "كل كلام ابن آدم عليه إلا ذكر الله تعالى أو أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر" رواه الترمذي وابن ماجه، وقال أيضًا "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا" رواه الترمذي، فمن علم ذلك وآمن به حق إيمانه اتقى الله في لسانه فيتكلم إذا غنم، ويسكت إذا سلم اهـ. وعبارة النووي هنا: وأما (قوله فليقل خيرًا أو ليصمت) فمعناه أنه إذا أراد أن يتكلم

стр. 941

وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. فَلْيُكْرِمْ ضَيفَهُ" ــ فإن كان ما يتكلم به خيرًا محققًا يثاب عليه أو مندوبًا فليتكلم وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورًا بتركه، مندوبًا إلى الإمساك عنه مخافةً من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا، وقد ندب الشرع إلى الإمساك عن كثير من المباحات لئلا ينجر صاحبها إلى المحرمات أو المكروهات وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن أبي زيد إمام المالكية بالمغرب في زمانه: جماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث: قول النبي ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" وقوله ﷺ "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه" وقوله ﷺ للذي اختصر له الوصية "لا تغضب" وقوله ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وقال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى: الصمت بسلامةٍ وهو الأصل، والسكوت في وقته صفة الرجال، كما أن النطق في موضعه من أشرف الخصال، وقال: سمعت أبا علي الدقاق يقول: من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس، قال: فأما إيثار أصحاب المجاهدة السكوت فلما علموا ما في الكلام من الآفات، ثم ما فيه من حظ النفس وإظهار صفات المدح والميل إلى أن يتميز من بين أشكاله بحسن النطق، وغير هذا من الآفات، وذلك صفة أرباب الرياضة، وهو أحد أركانهم في تهذيب الخُلُق، ورُوي عن الفضيل بن عياض أنه قال: من عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه، وعن ذي النون رحمه الله تعالى: أصون الناس لنفسه أمسكهم للسانه، والله أعلم اهـ نووي. (ومن كان) يريد أن (يؤمن بالله واليوم الآخر) الإيمان المنجي من عذاب الله والموصل له إلى كرامة الله تعالى (فليكرم جاره) بالإحسان إليه والإهداء له، وإعارة المواعين له، والجهد في قضاء حوائجه، والجار: من جاورك في مسكنك وفي الحديث الآخر (فلا يؤذ جاره) وفي الآخر "فليحسن إلى جاره" قال القاضي عياض: كلها ترجع إلى تعظيم حق الجار (ومن كان) يريد أن (يؤمن بالله واليوم الآخر) الإيمان الكامل الموصل إلى الدرجات العُلى (فليكرم ضيفه) بإظهار البشاشة له في الكلام، وبإحضار القِرى له وإكرام نزله، والضيف: القادم عليك النازل عندك.

стр. 942

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال القاضي عياض: معنى الحديث أن من التزم شرائع الإسلام لزمه إكرام جاره وضيفه وبرهما، وكل ذلك تعريف بحق الجار، وحث على حفظه، وقد أوصى الله تعالى بالإحسان إلى الجار في كتابه العزيز، وقال ﷺ "ما زال جبريل ﵇ يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"، وعن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي قال: "إلى أقربهما منك بابا" أخرجه البخاري في صحيحه في مواضع، وأحمد في المسند. قال الحافظ في الفتح: "أقربهما" أي أشدهما قربًا، وقيل: الحكمة فيه أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها فيتشوف لها بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات ولا سيما في أوقات الغفلة، وقال ابن أبي جمرة: الإهداء إلى الأقرب مندوب، لأن الهدية في الأصل ليست واجبة فلا يكون الترتيب فيها واجبًا، قال الحافظ: وفي هذا الحديث أن الأخذ في العمل بما هو أعلى أولى، وفيه تقديم العلم على العمل، قال: واختلف في حد الجار فجاء عن علي ﵁ من سمع النداء فهو جار، وقيل من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار، وعن عائشة ﵂ حد الجار أربعون دارًا من كل جانب، وعن الأوزاعي مثله، وأخرج البخاري في الأدب المفرد مثله عن الحسن، وللطبراني بسند ضعيف عن كعب بن مالك مرفوعًا "ألا إن أربعين دارًا جار" وأخرج ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب "أربعون عن يمينه وعن يساره ومن خلفه ومن بين يديه" قال الحافظ: وهذا يحتمل كالأولى، ويحتمل أن يريد التوزيع فيكون من كل جانب عشرة اهـ فتح ١/ ٤٦٣. قوله "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" والضيف: القادم على القوم النازل بهم، وبقال: ضيف على الواحد والجمع، وبجمع أيضًا على أضياف وضيوف وضيفان، والمرأة ضيف وضيفة، وأضفت الرجل وضيفته إذا أنزلته بك ضيفًا، وضفت الرجل ضيافة إذا نزلت عليه، وكذلك تَضيَّفْتُهُ، والضيافة من مكارم الأخلاق، ومن محاسن الدين، ومن خلق النبيين والصالحين، وليست بواجبة عند عامة أهل العلم خلا الليث فإنه أوجبها ليلة واحدة محتجًا بقوله ﷺ "ليلة الضيف واجبة على

стр. 943

٨٢ - (٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي حَصِينٍ، ــ كل مسلم) رواه أبو داود من حديث المقدام بن معديكرب (٣٧٥١) وبقوله ﷺ "إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بحق الضيف فاقبلوه وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له" رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث عقبة بن عامر ﵁، وحجة الجمهور قوله ﷺ : "جائزته يوم وليلة" رواه البخاري ومسلم والجائزة العطية والصلة التي أصلها على الندب، وقلما يستعمل مثل هذا اللفظ في الواجب، وتأويل الجمهور أحاديث الليث بأن ذلك كان في أول الإسلام إذ كانت المواساة واجبة، أو كان هذا للمجاهدين في أول الإسلام لقلة الأزواد، أو المراد به من لزمته الضيافة من أهل الذمة، إذا شرطت عليهم في عقد الذمة، وكمن اجتاز عليه محتاج مضطر وضيّف عليه، ثم اختلفوا فيمن يخاطب بالضيافة، فذهب الشافعي ومحمد بن عبد الحكم إلى أن المخاطب بها أهل الحضر والبادية، وقال مالك وسحنون إنما ذلك على أهل البوادي لتعذر ما يحتاج إليه المسافر في البادية، ولتيسر ذلك على أهل البادية غالبًا وتعذره على أهل الحضر ومشقته عليهم غالبًا، وقد روي "الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر" رواه القضاعي في مسند الشِّهاب من حديث ابن عمر (٢٠٢) وابن عدي في الكامل (٧/ ١) وقال القاضي إنه حديث موضوع لا أصل له. وشارك المؤلف في رواية حديث أبي هريرة هذا، أحمد (٢/ ٢٦٧، ٢٦٩، ٤٣٣، ٤٦٣) والبخاري (٦٠١٨) وأبو داود (٥١٥٤) وابن ماجه (٣٩٧١). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: (٨٢) - متا (٠٠) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي بمهملة مفتوحة وموحدة ساكنة مولاهم الحافظ الكوفي، ثقة حافظ صاحب تصانيف من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا قال أبو بكر (حدثنا أبو الأحوص) سلَّام بن سليم الحنفي مولى بني حنيفة، الحافظ الكوفي ثقة متقن من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومائة (١٧٩) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابا تقريبًا (عن أبي حصين) بفتح الحاء المهملة مكبرًا، عثمان بن عاصم بن حصين مصغرًا

стр. 944

عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. فَلْيُكْرِمْ ضَيفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. فَلْيَقُلْ خَيرًا ــ الأسدي أحد الأئمة الأثبات، روى عن أبي صالح والأسود بن هلال ويحيى بن وثاب والشعبي وغيرهم، ويروي عنه أبو الأحوص وشعبة والسفيانان، ثقة ثبت وربما دلس، من الرابعة، مات سنة (١٢٧) سبع وعشرين ومائة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة أبواب (عن أبي صالح) ذكوان السمان مولى جُويرية بنت الحارث القيسية، المدني ثقة ثبت من الثالثة، مات سنة (١٠١) إحدى ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني رضي الله تعالى عنه، وهذا السند من خماسياته، ورجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي صالح لأبي سلمة بن عبد الرحمن في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأن المتاج والمتابَع كلاهما ثقتان، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات، وفي سياق الحديث والله أعلم. (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ من كان) يريد أن يؤمن بالله واليوم الآخر) الإيمان الكامل المنجي (فلا يؤذي جاره) بإثبات الياء، على أن لا نافية، والكلام على تقدير مبتدأ محذوف، أي فهو لا يؤذي جاره، والجملة الاسمية جواب الشرط، أو على أن لا ناهية، والجزم بحذف حركة مقدرة على حرف العلة، وهو لغة فصيحة لبعض العرب كقوله: ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد والإيذاء إيصال الضرر إلى الغير مباشرة أو تسببًا، كالسب والضرب والامتناع من إعارة المواعين وغير ذلك من كل ما يقابل الإحسان، وفي بعض الرواية "فلا يؤذ جاره" بحذف الياء للجازم (ومن كان يومن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) بتقديم القرى له وإظهار طلاقة الوجه له، وإظهار المخاطبة له بقول الرحب والسهل من كل ما اعتيد في إكرامه (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا) أي ما يثاب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس، وتعليم جاهل، وإرشاد ضال، كما

стр. 945

أَوْ لِيَسْكُتْ". ٨٣ - (٠٠) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ــ مر (أو ليسكت) عن كل ما يأثم به كالغيبة والنميمة والسب والشتم، وعن كل ما لا يعنيه من قيل وقال طلبًا للسلامة، وإعمالًا لفكره في مصنوعات الله تعالى، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة فقال: (٨٣) - متا (٠٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي أبو يعقوب بن راهويه المروزي الإمام الفقيه، قال أحمد: إسحاق عندنا من أئمة المسلمين، وقال في التقريب: ثقة حافظ مجتهد قرين أحمد بن حنبل من العاشرة، مات سنة (٢٣٨) ثمان وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد وعشرين بابًا تقريبًا، قال إسحاق (أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي بفتح المهملة وكسر الموحدة أخو إسرائيل الهمداني السبيعي أبو عمرو الكوفي أحد الأعلام، روى عن الأعمش والأوزاعي وهشام بن عروة ويحيى بن سعيد الأنصاري وحسين المعلم وسليمان التيمي وإسماعيل بن أبي خالد وأبيه وأخيه إسرائيل، ويروي عنه (ع) وإسحاق بن إبراهيم ومحمد بن مهران وعلي بن خشرم وعلي بن حجر وعمرو الناقد وحماد بن سلمة وابن وهب ومسدد، وثقه أبو حاتم، وقال ابن المديني: بخ بخ ثقة مأمون، جاء يومًا إلى ابن عيينة فقال: مرحبًا بالفقيه بن الفقيه بن الفقيه، وقال في التقريب: مأمون من الثامنة، مات سنة (١٩١) إحدى وتسعين ومائة، وقيل سنة (١٨٧) سبع وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء في موضعين والصلاة في سبعة مواضع والجنائز والزكاة والصوم والحج في موضعين والبيوع في موضعين والنكاح والجهاد والأدب في موضعين واللعان والفضائل وفضائل عُمَر والفتن والحشر والتفسير، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعة عشر بابًا تقريبًا (عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي من بني كاهل أبي محمد الكوفي ثقة ثبت من الخامسة، مات سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني ثقة ثبت من الثالثة، مات سنة (١٠١) إحدى ومائة (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني أحد المكثرين، وهذا السند أيضًا

стр. 946

قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : ... بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي حَصِينٍ، غَيرَ أَنَّهُ قَال: "فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ". ٨٤ - (٤٧) حَدَثَنَا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرِ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ، ــ من خماسياته ورجاله اثنان منهم كوفيان واثنان مدنيان وواحد مروزي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة الأعمش لأبي حصين في رواية هذا الحديث عن أبي صالح، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه (قال) أبو هريرة (قال رسول ﷺ الحديث والجار والمجرور في قوله (بمثل حديث أبي حصين) متعلق بما عمل في المتابع والتقدير حدثنا الأعمش عن أبي صالح بمثل حديث أبي حصين عن أبي صالح، والمثل عبارة عن الحديث اللاحق الموافق للسابق في جميع لفظه ومعناه إلا ما استثنى بقوله هنا (غير أنه) أي لكن أن الأعمش (قال) في روايته عن أبي صالح (فليحسن إلى جاره) بدل قول أبي حصين في الرواية السابقة "فلا يؤذي جاره" ومعنى الإحسان إلى الجار عدم إيذائه مع إكرامه والتبرع له في قضاء حوائجه ومهماته فهو اختلاف لفظي، قال القاضي عياض: قوله "فليكرم جاره" وفي الآخر "فلا يؤذ جاره" وفي الآخر "فليحسن إلى جاره" كلها ترجع إلى تعظيم حق الجار والإحسان إليه اهـ. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث أبي شُريح ﵄ فقال: (٨٤) - ش (٤٧) (حدثنا زهير بن حرب) بن شداد الحرشي مولاهم أبو خيثمة النسائي ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرين بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (محمد بن عبد الله بن نُمير) الهمداني أبو عبد الرحمن الكوفي، كان أحمد بن حنبل يعظمه تعظيمًا عجيبًا يقول: أيُّ فتى، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا، حالة كون زهير ومحمد بن عبد الله (جميعًا) أي متفقين في الرواية لي (عن) سفيان (بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي مولاهم أبي محمد الأعور الكوفي ثم المكي، ثقة ثبت وربما يدلس عن الثقات من رؤوس الطبقة الثامنة، مات في رجب سنة (١٩٨) ثمان وتسعين ومائة، وتقدم البسط في

стр. 947

قَال ابْنُ نُمَيرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن عَمْرٍو: أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيرٍ ــ ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة وعشرين بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه لأن المتقارنين ثقتان، وأتى بجملة قوله (قال ابن نمير حدثنا سفيان) تورعًا من الكذب على ابن نمير لأنه لو لم يأت بهذه الجملة لأوهم أن ابن نمير روى عن سفيان بالعنعنة كزهير والحال أنه ليس كذلك (عن عمرو) بن دينار القرشي الجمحي مولاهم أبي محمد المكي الأثرم (١) أحد الأئمة الأعلام روى عن نافع بن جبير وسالم بن عبد الله بن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وعامر بن سعد وعطاء بن يسار ومحمد بن علي بن الحسين وخلائق، ويروي عنه (ع) وسفيان بن عيينة والحمادان والسفيانان وابن جريج وأيوب وشعبة وهُشيم وروح بن القاسم وجماعة، قال ابن المديني: له خمسمائة حديث، قال مسعر: كان ثقة ثقة، وقال في التقريب: ثقة ثبت من الرابعة، مات سنة (١٢٦) ست وعشرين ومائة في أولها. روى عنه المؤلف في الإيمان في ثلاثة مواضع والوضوء في موضعين والصلاة في خمسة مواضع والجنائز والزكاة والصوم في ثلاثة مواضع والحج في خمسة مواضع والنكاح في ثلاثة مواضع والبيوع في موضعين والعتق والجهاد في موضعين والأشربة والذبائح والطب ووفاة النبي ﷺ في موضعين وفي القدر والضحايا والفضائل والهبة، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها تسعة عشر بابًا تقريبًا (أنه) أي أن عمرو بن دينار (سمع نافع بن جبير) بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي أبا محمد المدني، وكان ينزل دار أبيه بالمدينة، روى عن أبي شريح الخزاعي، ومعاذ بن عبد الرحمن وأبي هريرة وابن عباس وعثمان بن أبي العاص وغيرهم، ويروي عنه (ع) وعمرو بن دينار وحكيم بن عبد الله القرشي وسعد بن إبراهيم وعُروة بن الزبير والزهري وصالح بن كيسان وخلائق، وقال في التقريب: ثقة فاضل من الثانية، مات بالمدينة سنة (٩٩) تسع وتسعين، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة والجنائز والحج في موضعين والنكاح والرؤيا والفضائل والطب والمناقب، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها عشرة أبواب تقريبًا حالة كون نافع بن جبير

стр. 948

يُخْبِرُ عَنْ أَبِي شُرَيحٍ الْخُزَاعِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. فَلْيَقُلْ خَيرًا أَوْ لِيَسْكُتْ" ــ (يخبر) ويحدث (عن أبي شريح الخزاعي) بضم الخاء، ويقال العدوي، ويقال الكعبي اسمه خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن زِمَّانِ بن عدي بن ربيعة أخو بني كعب بن عمرو بن ربيعة، كما في التحفة، وقيل عمرو بن خويلد وقيل عبد الرحمن، وقيل عبد الرحمن وقيل غير ذلك، والمشهور الأول، صحابي أسلم يوم الفتح، وكان يحمل أحد ألوية بني كعب، عداده في أهل الحجاز، روى عن النبي ﷺ وعن ابن مسعود، ويروي عنه (ع) وأبو سعيد المقبري وسعيد بن أبي سعيد المقبري ونافع بن جبير، له عشرون حديثًا اتفقا على حديثين، وانفرد (خ م) بحديث، قال ابن سعد: مات بالمدينة سنة (٦٨) ثمان وستين، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الأحكام، وهذا السند من خماسياته، رجاله واحد منهم نسائي أو كوفي واثنان مكيان واثنان مدنيان. (أن النبي ﷺ قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) أي إلى من جاور سكنُه سكنَه بالبرِّ والإهداء والنصيحة له (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) قولًا وفعلًا (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا) أي ما فيه محمدة عاجلًا أو آجلًا (أو ليسكت) عما فيه مذمة عاجلًا أو آجلًا، وأطنب في هذه الأحاديث بتكرير جملة الشرط إشارة إلى أن كل جملة منها مقصودة بالذات مستقلة عن غيرها بالاعتناء بها لأنه لو قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره وليكرم ضيفه وليقل خيرًا أو ليسكت) لو في بالمراد. وغرض المؤلف بسوق حديث أبي شريح هذا الاستشهاد به لحديث أبي هريرة، وشارك المؤلف في رواية حديث أبي شريح هذا أصحاب الأمهات الست، لأنه رواه البخاري في الأدب وفي الرقاق، ورواه مسلم في الإيمان وفي الأحكام، ورواه أبو داود في الأطعمة، ورواه الترمذي في البر والصلة وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي في الرقاق (في الكبرى) ورواه ابن ماجه في الأدب اهـ من تحفة الأشراف للمزي باختصار. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث اثنان: الأول حديث أبي

стр. 949

هريرة ذكره للاستدلال، وذكر فيه متابعتين، والثاني حديث أبي شريح ذكره للاستشهاد كما مر بيان ذلك آنفًا. ***

стр. 950

٢٥ - بَابُ وُجُوب إِزالةِ الْمُنْكَرِ بِالْقَدْرِ الْمُسْتَطَاعِ وَأنَّ إِزَالتَهُ مِنَ الإِيمَانِ ٨٥ - (٤٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ــ ٢٥ - باب وجوب إزالة المنكر بالقدر المستطاع وأن إزالته من الإيمان أي باب معقود في بيان وجوب إزالة كل ما أنكره الشرع قولًا كان أو فعلًا بالقدر الذي يستطيعه في إزالته سواء كان باليد أو باللسان أو بالقلب. وترجم القاضي عياض والنواوي وأكثر المتون للحديث الآتي بقولهم (باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان) وفيها زيادة على منطوق الحديث، ولذلك عدلت عنها، وترجم له الأبي بقوله (باب أحاديث تغيير المنكر) والسنوسي بقوله (باب تغيير المنكر) والقرطبي بقوله (باب تغيير المنكر من الإيمان) وهذه كلها أوفق لمنطوق المتن. (٨٥) - س (٤٨) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الحافظ الكوفي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا، قال أبو بكر (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي، أحد الأئمة الأعلام، ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٦) ست وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية عشر بابًا تقريبًا (عن سفيان) بن سعيد بن مسروق بن عدي الثوري ثور بن عبد مناة، وقيل ثور تميم، أبي عبد الله الكوفي ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دلس، مات سنة (١٦١) إحدى وستين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة وعشرين بابًا تقريبًا. (تنبيه): والقاعدة في صحيح مسلم أنه إذا ذكر سفيان وأطلق فالعلامة التي تعرف بها أنه الثوري أو ابن عيينة أنه إن كان ثاني السند فهو ابن عيينة وإن كان ثالث السند فهو الثوري، فهذه قاعدة أغلبية ليست مطردة اهـ شيخنا. (ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي أبو موسى
следующие страницы →