قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : ... بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي حَصِينٍ، غَيرَ أَنَّهُ قَال: "فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ".
٨٤ - (٤٧) حَدَثَنَا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرِ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ،
ــ
من خماسياته ورجاله اثنان منهم كوفيان واثنان مدنيان وواحد مروزي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة الأعمش لأبي حصين في رواية هذا الحديث عن أبي صالح، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه (قال) أبو هريرة (قال رسول ﷺ الحديث والجار والمجرور في قوله (بمثل حديث أبي حصين) متعلق بما عمل في المتابع والتقدير حدثنا الأعمش عن أبي صالح بمثل حديث أبي حصين عن أبي صالح، والمثل عبارة عن الحديث اللاحق الموافق للسابق في جميع لفظه ومعناه إلا ما استثنى بقوله هنا (غير أنه) أي لكن أن الأعمش (قال) في روايته عن أبي صالح (فليحسن إلى جاره) بدل قول أبي حصين في الرواية السابقة "فلا يؤذي جاره" ومعنى الإحسان إلى الجار عدم إيذائه مع إكرامه والتبرع له في قضاء حوائجه ومهماته فهو اختلاف لفظي، قال القاضي عياض: قوله "فليكرم جاره" وفي الآخر "فلا يؤذ جاره" وفي الآخر "فليحسن إلى جاره" كلها ترجع إلى تعظيم حق الجار والإحسان إليه اهـ.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث أبي شُريح ﵄ فقال:
(٨٤) - ش (٤٧) (حدثنا زهير بن حرب) بن شداد الحرشي مولاهم أبو خيثمة النسائي ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرين بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (محمد بن عبد الله بن نُمير) الهمداني أبو عبد الرحمن الكوفي، كان أحمد بن حنبل يعظمه تعظيمًا عجيبًا يقول: أيُّ فتى، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا، حالة كون زهير ومحمد بن عبد الله (جميعًا) أي متفقين في الرواية لي (عن) سفيان (بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي مولاهم أبي محمد الأعور الكوفي ثم المكي، ثقة ثبت وربما يدلس عن الثقات من رؤوس الطبقة الثامنة، مات في رجب سنة (١٩٨) ثمان وتسعين ومائة، وتقدم البسط في
стр. 947
قَال ابْنُ نُمَيرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن عَمْرٍو: أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيرٍ
ــ
ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة وعشرين بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه لأن المتقارنين ثقتان، وأتى بجملة قوله (قال ابن نمير حدثنا سفيان) تورعًا من الكذب على ابن نمير لأنه لو لم يأت بهذه الجملة لأوهم أن ابن نمير روى عن سفيان بالعنعنة كزهير والحال أنه ليس كذلك (عن عمرو) بن دينار القرشي الجمحي مولاهم أبي محمد المكي الأثرم (١) أحد الأئمة الأعلام روى عن نافع بن جبير وسالم بن عبد الله بن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وعامر بن سعد وعطاء بن يسار ومحمد بن علي بن الحسين وخلائق، ويروي عنه (ع) وسفيان بن عيينة والحمادان والسفيانان وابن جريج وأيوب وشعبة وهُشيم وروح بن القاسم وجماعة، قال ابن المديني: له خمسمائة حديث، قال مسعر: كان ثقة ثقة، وقال في التقريب: ثقة ثبت من الرابعة، مات سنة (١٢٦) ست وعشرين ومائة في أولها.
روى عنه المؤلف في الإيمان في ثلاثة مواضع والوضوء في موضعين والصلاة في خمسة مواضع والجنائز والزكاة والصوم في ثلاثة مواضع والحج في خمسة مواضع والنكاح في ثلاثة مواضع والبيوع في موضعين والعتق والجهاد في موضعين والأشربة والذبائح والطب ووفاة النبي ﷺ في موضعين وفي القدر والضحايا والفضائل والهبة، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها تسعة عشر بابًا تقريبًا (أنه) أي أن عمرو بن دينار (سمع نافع بن جبير) بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي أبا محمد المدني، وكان ينزل دار أبيه بالمدينة، روى عن أبي شريح الخزاعي، ومعاذ بن عبد الرحمن وأبي هريرة وابن عباس وعثمان بن أبي العاص وغيرهم، ويروي عنه (ع) وعمرو بن دينار وحكيم بن عبد الله القرشي وسعد بن إبراهيم وعُروة بن الزبير والزهري وصالح بن كيسان وخلائق، وقال في التقريب: ثقة فاضل من الثانية، مات بالمدينة سنة (٩٩) تسع وتسعين، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة والجنائز والحج في موضعين والنكاح والرؤيا والفضائل والطب والمناقب، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها عشرة أبواب تقريبًا حالة كون نافع بن جبير
стр. 948
يُخْبِرُ عَنْ أَبِي شُرَيحٍ الْخُزَاعِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. فَلْيَقُلْ خَيرًا أَوْ لِيَسْكُتْ"
ــ
(يخبر) ويحدث (عن أبي شريح الخزاعي) بضم الخاء، ويقال العدوي، ويقال الكعبي اسمه خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن زِمَّانِ بن عدي بن ربيعة أخو بني كعب بن عمرو بن ربيعة، كما في التحفة، وقيل عمرو بن خويلد وقيل عبد الرحمن، وقيل عبد الرحمن وقيل غير ذلك، والمشهور الأول، صحابي أسلم يوم الفتح، وكان يحمل أحد ألوية بني كعب، عداده في أهل الحجاز، روى عن النبي ﷺ وعن ابن مسعود، ويروي عنه (ع) وأبو سعيد المقبري وسعيد بن أبي سعيد المقبري ونافع بن جبير، له عشرون حديثًا اتفقا على حديثين، وانفرد (خ م) بحديث، قال ابن سعد: مات بالمدينة سنة (٦٨) ثمان وستين، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الأحكام، وهذا السند من خماسياته، رجاله واحد منهم نسائي أو كوفي واثنان مكيان واثنان مدنيان.
(أن النبي ﷺ قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) أي إلى من جاور سكنُه سكنَه بالبرِّ والإهداء والنصيحة له (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) قولًا وفعلًا (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا) أي ما فيه محمدة عاجلًا أو آجلًا (أو ليسكت) عما فيه مذمة عاجلًا أو آجلًا، وأطنب في هذه الأحاديث بتكرير جملة الشرط إشارة إلى أن كل جملة منها مقصودة بالذات مستقلة عن غيرها بالاعتناء بها لأنه لو قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره وليكرم ضيفه وليقل خيرًا أو ليسكت) لو في بالمراد.
وغرض المؤلف بسوق حديث أبي شريح هذا الاستشهاد به لحديث أبي هريرة، وشارك المؤلف في رواية حديث أبي شريح هذا أصحاب الأمهات الست، لأنه رواه البخاري في الأدب وفي الرقاق، ورواه مسلم في الإيمان وفي الأحكام، ورواه أبو داود في الأطعمة، ورواه الترمذي في البر والصلة وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي في الرقاق (في الكبرى) ورواه ابن ماجه في الأدب اهـ من تحفة الأشراف للمزي باختصار.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث اثنان: الأول حديث أبي
стр. 949
هريرة ذكره للاستدلال، وذكر فيه متابعتين، والثاني حديث أبي شريح ذكره للاستشهاد كما مر بيان ذلك آنفًا.
***
стр. 950
٢٥ - بَابُ وُجُوب إِزالةِ الْمُنْكَرِ بِالْقَدْرِ الْمُسْتَطَاعِ وَأنَّ إِزَالتَهُ مِنَ الإِيمَانِ
٨٥ - (٤٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
ــ
٢٥ - باب وجوب إزالة المنكر بالقدر المستطاع وأن إزالته من الإيمان
أي باب معقود في بيان وجوب إزالة كل ما أنكره الشرع قولًا كان أو فعلًا بالقدر الذي يستطيعه في إزالته سواء كان باليد أو باللسان أو بالقلب.
وترجم القاضي عياض والنواوي وأكثر المتون للحديث الآتي بقولهم (باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان) وفيها زيادة على منطوق الحديث، ولذلك عدلت عنها، وترجم له الأبي بقوله (باب أحاديث تغيير المنكر) والسنوسي بقوله (باب تغيير المنكر) والقرطبي بقوله (باب تغيير المنكر من الإيمان) وهذه كلها أوفق لمنطوق المتن.
(٨٥) - س (٤٨) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الحافظ الكوفي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا، قال أبو بكر (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي، أحد الأئمة الأعلام، ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٦) ست وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية عشر بابًا تقريبًا (عن سفيان) بن سعيد بن مسروق بن عدي الثوري ثور بن عبد مناة، وقيل ثور تميم، أبي عبد الله الكوفي ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دلس، مات سنة (١٦١) إحدى وستين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة وعشرين بابًا تقريبًا.
(تنبيه): والقاعدة في صحيح مسلم أنه إذا ذكر سفيان وأطلق فالعلامة التي تعرف بها أنه الثوري أو ابن عيينة أنه إن كان ثاني السند فهو ابن عيينة وإن كان ثالث السند فهو الثوري، فهذه قاعدة أغلبية ليست مطردة اهـ شيخنا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي أبو موسى
стр. 951
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ كِلاهُمَا عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ
ــ
البصري المعروف بالزمن، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا، وأتى بحاء التحويل لاختلاف شيخي شيخيه ولبيان كثرة طرقه، قال ابن المثنى (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم أبو عبد الله البصري المعروف بغندر ربيب شعبة، ثقة صحيح الكتاب إلا أن فيه غفلة، من التاسعة، مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، قال ابن جعفر (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البصري أحد الأئمة الأعلام، ثقة حافظ متقن من السابعة، مات سنة (١٦٠) ستين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثين بابًا تقريبًا، وأتى بقوله (كلاهما) أي كل من سفيان في السند الأول وشعبة في السند الثاني، ولم يقل جميعًا كعادته في بعض المواضع إشارة إلى تيقنه بانحصار من روى له عن قيس بن مسلم في هذين الشيخين أعني سفيان وشعبة بن الحجاج (عن قيس بن مسلم) الجدلي بفتح الجيم العدواني، أبي عمرو الكوفي روى عن طارق بن شهاب والحسن بن محمد بن علي، ويروي عنه (ع) والأعمش والثوري وشعبة ومسعر وأبو العميس وصدقة بن أبي عمران وإدريس الأودي وخلق، وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي، وكان مرجئًا، وقال في التقريب: ثقة من السادسة، رُمي بالإرجاء، مات سنة (١٢٠) عشرين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصوم والحج وآخر الكتاب والتفسير في أربعة أبواب تقريبًا (عن طارق بن شهاب) بن عبد شمس بن سلمة بن هلال بن عوف بن جشم بن زفر بن عمرو بن لؤي بن رُهم بن معاوية بن أسلم بن أحمس البجلي الأحمسي أبي عبد الله الكوفي صحابي، أو ثقة، رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه، وغزا في خلافة أبي بكر وعمر ﵄ ثلاثًا وثلاثين غزوة أو ثلاثًا وأربعين، روى عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى وأبي سعيد الخدري في الإيمان، ويروي عنه (ع) وقيس بن مسلم وعلقمة بن مرثد وإسماعيل بن أبي خالد وعِدة وثقه ابن معين، قال خليفة: مات سنة (٨٢) اثنتين وثمانين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصوم والحج والتفسير في أربعة أبواب تقريبًا والله أعلم.
стр. 952
-وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ- قَال: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاةِ مَرْوَانُ،
ــ
(وهذا) الحديث الآتي لفظ (حديث أبي بكر) بن أبي شيبة، وأما ابن المثنى فروى معناه لا لفظه، وأتى المؤلف بهذه الجملة تورعًا من الكذب على محمد بن المثنى لأنه لو لم يأت بها لأوهم أن اللفظ الآتي لهما (قال) طارق بن شهاب (أول من بدأ بالخطبة) أي أول من قرأ الخطبة (يوم العيد قبل الصلاة) أي قبل صلاة العيد والمراد بالخطبة جنسها أعني الخطبتين (مروان) بن الحكم بن أبي العاص بن أمية أبو عبد الملك الأموي، من أمراء بني أمية، ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، وقيل أول من بدأ بها عمر بن الخطاب، ليدرك الصلاة من تأخر، وقيل لما رأى من ذهاب الناس عند فراغ الصلاة بلا استماع خطبة قدمها ليجلسوا وقيل عثمان وقيل معاوية وقيل ابن الزبير فعله أيضًا، والسنة وعمل الخلفاء وفقهاء الأمصار تقديم الصلاة على الخطبة، وعده بعضهم إجماعًا، ولعله بعد الخلات، أو لعله لم يعتد بخلاف بني أمية بعد إجماع الصدر الأول لأنهم كانوا ينالون من علي ويطعنون فيه في خطبهم، فكان الناس إذا فرغوا من الصلاة تفرقوا فِرارًا من سماع خطبهم، فقدموها ليجلس الناس، ولذا قال أشهب: من بدأ بها أعادها بعد الصلاة اهـ من الأبي.
قال القرطبي: والقول بأن أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان بن الحكم أصح ما رُوي في أول من قدم الخطبة قبل الصلاة كما يدل عليه قول مروان للرجل (قد ترك ما هنالك) ورُوي أول من فعل ذلك عمر، وقيل عثمان، وقيل ابن الزبير، وقيل معاوية ﵃ أجمعين.
(قلت) وبعيد أن يصح شيء من ذلك عن مثل هؤلاء لأنهم شاهدوا رسول الله ﷺ وصلوا معه أعيادًا كثيرة، والصحيح المنقول عنه ﷺ والمتواتر عند أهل المدينة تقديم الصلاة على الخطبة فكيف يعدل أحد منهم عما فعله النبي ﷺ وداوم عليه إلى أن توفي، فإن صح عن واحد من هؤلاء أنه قدم ذلك فلعله إنما فعله لما رأى من انصراف الناس عن الخطبة تاركين لاستماعها مستعجلين، أو ليدرك الصلاة من تأخر وبَعُد منزله، ومع هذين التأويلين، فلا ينبغي أن تترك سنة رسول الله ﷺ لمثل ذلك، وأولئك الملأ أعلم وأجل من أن يصيروا إلى ذلك والله أعلم.
стр. 953
فَقَامَ إِلَيهِ رَجُلٌ فَقَال: الصَّلاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَال: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَال أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيهِ،
ــ
وأما مروان وبنو أمية فإنما قدموها لأنهم كانوا في خطبهم ينالون من علي كرم الله وجهه، ويُسمعون الناس ذلك فكان الناس إذا صلوا معهم انصرفوا عن سماع خطبهم لذلك، فلما رأى مروان ذلك، أو من شاء من بني أمية قدموا الخطبة ليُسمعوا الناس من ذلك ما يكرهون، والصواب تقديم الصلاة على الخطبة، وقد حكى فيه بعض علمائنا الإجماع (فقام إليه) أي إلى مروان (رجل) من الحاضرين ولم أرَ من ذكر اسمه (فقال) الرجل لمروان (الصلاة) أي صلاة العيد مفعولة (قبل الخطبة) أي قبل خطبة العيد في سنة أبي القاسم ﷺ فلا تخطب قبل الصلاة أيها الأمير، فأبى مروان أن ينزجر بقول الرجل (فقال) مروان اعتذارًا عن بدئه بالخطبة (قد ترك) أيها الرجل (ما) يفعل (هنالك) أي في عهد رسول الله ﷺ وعهد الخلفاء الراشدين من استماع الخطبة إذا أُخرت عن الصلاة، أي قد ترك الناس استماع الخطبة إذا أخرناها عن الصلاة، لأنهم منصرفون مستعجلون فلذلك قدمتها ليستمعوها، قال الأبي: قد ترك ما هنالك يعني من تقديم الصلاة، ثم الأظهر أن غيره سبقه بالترك، أو يحتمل أن يعني نفسه (فقال أبو سعيد) الخدري لمن حوله من الجالسين (أما هذا) الرجل الناهي لمروان عن بدئه بالخطبة (فقد قضى) وأدى (ما) وجب (عليه) من النهي عن المنكر الذي هو ترك السنة وابتداع البدعة من تقديم الخطبة على الصلاة، وقال القاضي عياض: (قوله فقام إليه رجل) ثم قال بعد فقال أبو سعيد "أما هذا فقد قضى ما عليه" يدل على أن الرجل غير أبي سعيد، وسيأتي في باب صلاة العيد حديث (أن أبا سعيد هو الذي جبذ بيد مروان إذ رآه يصعد المنبر، وكانا جاءا معًا فرد عليه مروان بمثل ما قال لهذا الرجل) فيحتمل أنهما حديثان جرى أحدهما لأبي سعيد، والآخر لغيره بحضرته اهـ.
قال الأبي: ويبْعُد أنهما قضيتان بل هي واحدة بدأ فيها الرجل فلما لم يكف مروان ولم ينزجر قام أبو سعيد فقال ما ذكر، ولذا قال أبو سعيد: أما هذا فقد أدى ما عليه من الإنكار اهـ. قال النواوي: وكان الأحق بالبداية أبو سعيد، فلعله لم يحضر من أول ما شرع مروان في أسباب تقديم الخطبة فأنكر عليه الرجل، ثم دخل أبو سعيد وهما في الكلام، أو حضر وخاف ولم يخف الرجل لمنعة قومه، أو إنه خاف وخاطر وذلك جائز في مثل هذا بل هو مستحب، أو حضر أبو سعيد وبادر الرجل قبله اهـ.
стр. 954
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الأبي: ويبعد الجواب بأن أبا سعيد خاف لأنه غيَّر في الآخر بالقول والفعل إلا أن يقال إنه تشجع بعد بداية الرجل اهـ.
قال القاضي عياض (قوله أما هذا فقد أدى ما عليه) إنكارهما بحضرة هذا الجمع وتسمية أبا سعيد ذلك مُنْكرًا يدل على أن السنة وعمل الخلفاء تقديم الصلاة على الخطبة، وأن ما روي من تقديم الخطبة عمن تقدم ذكره لا يصح، إذ لا ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يحمل الناس على اجتهاده ومذهبه، وإنما يُغير ما أجمع على إنكاره وإحداثه، وعبارة القرطبي هنا قوله: (فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه) مقتضى هذا السياق أن المنكر على مروان رجل غير أبي سعيد، وأن أبا سعيد مُصَوِّب الإنكار، مُسْتَدل على صحته، وفي الرواية الأخرى أن أبا سعيد هو المنكر على مروان والمستدل، ووجه الجمع بينهما أن يقال إن كل واحد من الرجل وأبي سعيد أنكر على مروان فرأى بعض الرواة إنكار الرجل فرواه، ورأى بعضهم إنكار أبي سعيد فرواه، وقيل هما واقعتان في وقتين وفيه بُعدٌ.
وفيه من الفقه أن سنن الدين والإسلام لا يجوز تغيير شيء منها ولا من ترتيبها وأن تغيير ذلك منكر يجب تغييره ولو على الملوك، إذا قدر على ذلك ولم يدع إلى منكر أكبر من ذلك وعلى الجملة فإذا تحقق المنكر وجب تغييره على من رآه وكان قادرًا على تغييره، وذلك كالمحدثات والبدع والخرافات والمجمع على أنه منكر، فأما إن لم يكن كذلك، وكان مما قد صار إليه الإمام وله وجه من الشرع فلا يجوز لمن رأى خلاف ذلك أن ينكر على الإمام، وهذا لا يختلف فيه، وإنما اختلف العلماء فيمن قلده السلطان الحسبة في ذلك هل يحمل الناس على رأيه ومذهبه أم لا على قولين اهـ.
(وأما أبو سعيد الخدري) المدني فاسمه سعد بن مالك بن سنان بنونين بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن خدرة بضم المعجمة له ولأبيه صحبة، استصغر يوم أحد ثم شهد ما بعدها، وكان من علماء الصحابة له ألف ومائة حديث وسبعون حديثًا، يروي عنه (ع) وطارق بن شهاب وأبو نضرة ورجاء بن زمعة وعياض بن عبد الله وابن المسيب والشعبي ونافع وخلائق، مات بالمدينة سنة (٦٥) ثلاث أو أربع أو خمس وستين، وقيل سنة (٧٤) أربع وسبعين، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب
стр. 955
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى أللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم يَقُولُ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا .. فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ .. فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ .. فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ"
ــ
تقريبًا، وهذان السندان من سداسياته الأول منهما رجاله كلهم كوفيون إلا أبا سعيد الخدري فإنه مدني، وأما السند الثاني فرجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان كوفيان وواحد مدني.
ثم استدل أبو سعيد الخدري على إنكار ما فعله مروان بقوله فإني (سمعت رسول الله ﷺ يقول من رأى) وعرف (منكم) أيتها الأمة (منكرًا) أي أمرًا أنكره الشرع لمضادته قواعده إما برؤيته أو بسماعه (فليغيره) أي فليزل ذلك المنكر إن قدر على إزالته (بيده) إن كان يحتاج في إزالته إلى اليد ككسر أواني الخمر وإراقتها، وكسر آلات الملاهي، ومنع الظالم من الضرب أو القتل (فإن لم يستطع) ولم يقدر على إزالته بيده (فـ) ـليزله (بلسانه) أي بقوله بوعظ الظالم وتذكيره مثلًا (فإن لم يستطع) ويقدر على إزالته بلسانه (فـ) ـليزله (بقلبه) أي فليكرهه بقلبه، ويعزم أن لو قدر على إزالته لأزاله (وذلك) التغيير بالقلب (أضعف الإيمان) أي أدنى خصال الإيمان في إزالة المنكر، والإيمان بمعنى الإسلام كما في القرطبي.
(قوله فليغيره) قال القرطبي هذا الأمر للوجوب لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات الإيمان ودعائم الإسلام بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولا يعتد بخلاف الرافضة في ذلك، لأنهم إما مُكفَّرُون فليسوا من الأمة، وإما مبتدعون فلا يعتد بخلافهم، لظهور فسقهم على ما حققناه في الأصول ووجوب ذلك بالشرع لا بالعقل، خلافًا للمعتزلة القائلين بأنه واجب بالعقل، وقد بينا في الأصول أنه لا يجب شيء بالعقل، وإنما العقل كاشف عن ماهيات الأمور ومميز لها لا موجب شيئًا منها.
ثم إذا قلنا إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فذلك على الكفاية من قام به أجزأه عن غيره لقوله تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ولوجوبه شرطان: أحدهما: العلم بكون ذلك الفعل منكرًا أو معروفًا، والثاني: القدرة على التغيير فإذا كان كذلك تعين التغيير باليد إن كان ذلك المنكر مما يحتاج في تغييره إليها مثل كسر أواني الخمر وآلات اللهو كالمزامير
стр. 956
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأوتار، والكِبَر بكسر الكاف وفتح الباء جمع كِبْر بكسر الكاف وسكون الباء كسِدْر وسِدَرِ وهو الطبل، ويجب إتلاف الطبل وكسره في غير الحرب، وكمنع الظالم من الضرب والقتل وغير ذلك، فإن لم يقدر بنفسه استعان بغيره، فإن خاف من ذلك ثوران فتنة وإشهار سلاح تعين رفع ذلك فإن لم يقدر بنفسه على ذلك غير بالقول المُرتجى نفعه من لين أو إغلاظ حسب ما يكون أنفع وقد يبلغ بالرفق والسياسة ما لا يبلغ بالسيف والرياسة، فإن خاف من القول القتل أو الأذى غيَّر بقلبه، ومعناه أن يكره ذلك المنكر بقلبه ويعزم على أن لو قدر على التغيير لغيره وهذا آخر خصلة من الخصال المتعينة على المؤمن في تغيير المنكر، وهي المعبر عنها في الحديث بأنها أضعف الإيمان أي أضعف خصال الإيمان في تغيير المنكر، ولم يبق بعدها للمؤمن مرتبة أخرى في تغيير المنكر، وقيل معناه أقل ثمراته، ولذلك قال في الرواية الأخرى "ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" كما رواها البخاري ومسلم والترمذي من حديث ابن عباس ﵄ أي لم يبق وراء هذه المرتبة مرتبة أخرى والإيمان في هذا الحديث بمعنى الإسلام على ما تقدم، وفيه دليل على أن من خاف على نفسه القتل أو الضرب يسقط عنه التغيير، وهو مذهب المحققين سلفًا وخلفًا، وذهبت طائفة من الغلاة إلى أنه لا يسقط وإن خاف ذلك اهـ من القرطبي.
وقال الأبي: (قوله وذلك أضعف الإيمان) يعني أضعف خصاله الراجعة إلى كيفية التغيير لا خصاله مطلقًا لأنه قد تقدم أن أضعفها إماطة الأذى، وقد يعني أضعفها مطلقًا، ويجمع بين الحديثين بأن يكون إماطة الأذى والتغيير بالقلب متساويين في أنه لا أضعف منهما، وكان التغيير بالقلب أضعفها لأنه ليس بعده مرتبة أخرى للتغيير كما مر اهـ.
وليست كراهته بقلبه بإزالةٍ وتغييرٍ للمنكر منه، ولكنه هو الذي في وسعه وطاقته، وقال السنوسي: (قوله فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه) الحديث إشارة إلى مراعاة الترتيب في كيفية التغيير وأنه يكون بالأخف فالأخف، يعني بالأيسر فما فوقه، والتغيير بالقلب أن يكره المعصية ويود أن لو قدر لأزالها، قال الأبي: وكان ابن عرفة يقول: إنه الدعاء بقطع المنكر، وإن دعا على المتعاطي جاز اهـ.
قال النووي: ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض
стр. 957
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الناس سقط الحرج عن الباقين وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف، قال العلماء: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأن الذي عليه هم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا القبول، كما قال تعالى ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إلا الْبَلَاغُ﴾ وقالوا أيضًا: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلًا ما يأمر به مجتنبًا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مُخلًا بما يأمر به، والنهي وإن كان ملتبسًا بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان أن يأمر نفسه وينهاها ويأمر غيره وينهاه فإذا أخل بأحدهما فكيف يباح له الإخلال بالآخر، وقالوا أيضًا: ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات بل ذلك جائز لآحاد المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول، والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية.
ثم إنه إنما يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء.
ثم إن العلماء إنما ينكرون ما أُجمع عليه، أما المُختلف فيه فلا إنكار فيه لأنه على أحد القولين، كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين، أو أكثرهم، وعلى القول الآخر المصيب واحد والمُخطئ غير متعين لنا والإثم مرفوع عنه، لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بسنة أو وقوع في خلاف آخر والله أعلم.
واعلم أن هذا الباب أعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضُيع أكثره من
стр. 958
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدًّا، وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وإذا كَثُر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضا الله تعالى أن يعتني بهذا الباب، فإن نفعه عظيم لا سيما وقد ذهب معظمه، ويخلص نيته ولا يهابن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته فإن الله تعالى قد قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ وقال ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ إلى غير ذلك، وهذا الذي ذكره النووي هو في زمانه الذي هو كالنهار المشرق بالنسبة إلى زماننا الذي هو كالليل المظلم، الذي صار فيه الحديد خبثًا، والخبث حديدًا، والذهب نحاسًا، والنحاس ذهبًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، والنظام شرعًا، والشرع منسيًّا، وما لنا إلا أن نقول إنا لله وإنا إليه راجعون، ومما يتساهل فيه الناس أن يُرى من يبيع سلعة معيبة ولا ينكر عليه، وقد نص العلماء على أنه يجب أن ينكر عليه، ويُعرَّف المشتري بذلك، ومن كلام الشافعي رحمه الله تعالى: من وعظ أخاه سرًّا نصحه وزانه، ومن نصحه علانية فضحه وشانه، واعلم أن الأجر على قدر النَّصَب، ولا يتاركه أيضًا لصداقته ومودته ومداهنته وطلب الوجاهة عنده ودوام المنزلة لديه، فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقًا ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته، وينقذه من مضارها، وصديق الإنسان ومُحِبُّه هو من سعى في عمارة آخرته وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه، وعدوَّه من سعى في ذهاب أو نقص آخرته وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه وإنما كان إبليس عدوًا لنا لهذا، وكانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أولياء للمؤمنين لسعيهم في مصالح آخرتهم وهدايتهم إليها، ونسأل الله الكريم أن يوفقنا وأحباءنا وجميع المسلمين لمرضاته، وأن يعمنا بجوده ورحمته آمين، وهذا الحديث أعني حديث أبي سعيد الخدري قد شارك المؤلف في روايته أحمد (٣/ ١٠، ٢٠، ٤٩، ٥٤، ٩٢) وأبو داود (١١٤٠) والترمذي (٢١٧٣) والنسائي (٨/ ١١١) وابن ماجه (٤٠١٣).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
стр. 959
٨٦ - (٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَنْ قَيسِ بْنِ مُسْلِمٍ،
ــ
(٨٦) - متا (٠٠) (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي مشهور بكنيته ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٤٨) ثمان وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا، قال محمد بن العلاء (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم التميمي السعدي مولاهم، مولى أسعد بن زيد مناة الضرير الكوفي، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٥) خمس وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا.
قال أبو معاوية (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبو محمد الكوفي، ثقة لكنه يدلس، من الخامسة، مات سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن إسماعيل بن رجاء) بن ربيعة الزبيدي بضم الزاي مولاهم أبي إسحاق الكوفي، روى عن عبد الله بن أبي الهذيل وأبيه رجاء وأوس بن ضمعج وعِدة، ويروي عنه (م عم) والأعمش وشعبة وفِطر بن خليفة وغيرهم، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة تكلم فيه الأزدي بلا حجة، من الخامسة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والفضائل في ثلاثة أبواب تقريبًا.
(عن أبيه) رجاء بن ربيعة الزُّبيدي بضم الزاي أبي إسماعيل الكوفي، روى عن أبي سعيد وعلي، ويروي عنه (م دق) وابنه إسماعيل مقرونًا في رواية الأعمش عن قيس بن مسلم عن طارق عن أبي سعيد الخدري ويحيى بن هاني المرادي، وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق من الثالثة، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك المدني الصحابي الجليل ﵁، وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا أبا سعيد الخدري فإنه مدني، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة رجاء بن ربيعة لطارق بن شهاب في رواية هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وإلا فرجاء بن ربيعة صدوق لا يصلح لتقوية طارق لأنه ثقة أو صحابي، وقوله (وعن قيس بن مسلم)
стр. 960
عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي قِصَّةِ مَرْوَانَ، وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ
ــ
معطوف على قوله عن إسماعيل بن رجاء، أي قال أبو معاوية: وحدثنا الأعمش أيضًا عن قيس بن مسلم الجدلي الكوفي ثقة من السادسة، فقارن الأعمش في روايته هذا الحديث بين إسماعيل بن رجاء وقيس بن مسلم، وفائدة هذه المقارنة تقوية إسماعيل بن رجاء لأنه مختلف فيه بقيس بن مسلم لأنه ثقة.
(عن طارق بن شهاب) الأحمسي الكوفي (عن أبي سعيد الخدري) المدني ﵁ وقوله (في قصة) بداية (مروان) الخطبة قبل الصلاة (و) في (حديث أبي سعيد) أي وفي روايته الحديث المذكور (عن النبي ﷺ متعلق بحدثنا الأعمش وكذا قوله (بمثل حديث شعبة وسفيان) متعلق بحدثنا الأعمش، والمعنى حدثنا الأعمش في قصة مروان وحديث أبي سعيد عن قيس بن مسلم بمثل ما روى شعبة وسفيان عن قيس بن مسلم في قصة مروان وحديث أبي سعيد، فغرض المؤلف بسوق السند الثاني أعني رواية الأعمش عن قيس بن مسلم بيان متابعة الأعمش لسفيان وشعبة في رواية هذا الحديث عن قيس بن مسلم، وغرضه في السند الأول أعني رواية الأعمش عن إسماعيل بن رجاء بيان متابعة رجاء بن ربيعة لطارق بن شهاب في رواية هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري ففي كلامه متابعتان فائدتهما بيان كثرة طرقه، وفيه مقارنة أيضًا فائدتها التقوية كما مر آنفًا.
ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وذكر فيه متابعة واحدة.
***
стр. 961
٢٦ - بَابُ مُجَاهَدَةِ خُلُوفِ السَّوءِ، وَكَوْنِ مُجَاهَدَتِهِمْ مِنَ الإِيمَانِ
٨٧ - (٤٩) حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ،
ــ
٢٦ - بَابُ مُجَاهَدَةِ خُلُوفِ السَّوءِ، وَكَوْنِ مُجَاهَدَتِهِمْ مِنَ الإِيمَانِ
أي هذا باب معقود في الاستدلال على مشروعية مجاهدة خُلوف السوء والشر، وعلى كون مجاهدتهم من شعب الإيمان وخصاله، والمجاهدة كالمقاتلة مفاعلة تكون من الجانبين، بخلاف تغيير المنكر فإنه من جانب المغير فقط، والخلوف بضم الخاء واللام جمع خلْف بإسكان اللام وهو الخالف بشر ومنه قوله تعالى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ وبالفتح الخَالف بخير هذا هو الأكثر في كلامهم، وسيأتي البسط فيه، ولم يُترجم لحديث ابن مسعود الآتي القاضي عياض ولا النواوي ولا أكثر نسخ المتون التي بأيدينا ولا السنوسي ولا القرطبي بل جعلوه تبعًا للترجمة السابقة، وترجم له الأبي بقوله (باب قوله ﷺ ما من نبي بعثه الله قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب) وهذه الترجمة لا تناسب كتاب الإيمان ولذلك عدلت عنها إلى ما قلت.
(٨٧) - (٤٩) (حدثني عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور بمعجمة (الناقد) أبو عثمان البغدادي، ثقة حافظ من العاشرة، مات ببغداد سنة (٢٣٢) اثنتين وثلاثين ومائتين، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (أبو بكر) محمد أو أحمد (بن النضر) بن أبي النضر هاشم بن القاسم البغدادي، وأكثر ما ينسب إلى جده، ثقة من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٥) خمس وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (عبد بن حميد) بن نصر الكسي أبو محمد الحافظ، ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٩) تسع وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، وأتى بقوله (واللفظ) الآتي (لعبد) بن حميد تورعًا من الكذب على الشيخين الأولين (قالوا) أي قال كل من الثلاثة مشايخ (حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري أبو يوسف المدني نزيل بغداد ثقة فاضل من صغار التاسعة، مات سنة ثمان ومائتين (٢٠٨) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه
стр. 962
قَال: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ،
ــ
في أربعة أبواب الإيمان والصلاة والزكاة والبر (قال) يعقوب (حدثني أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو إسحاق المدني ثقة حجة من الثامنة، مات سنة (١٨٣) ثلاث وثمانين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا (عن صالح بن كيسان) الغفاري مولى بني غفار أبي محمد المدني ثقة ثبت فقيه تابعي، رأى عبد الله بن عمر، من الرابعة، مات بعد الأربعين ومائة (١٤٠) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة أبواب تقريبًا (عن الحارث) بن فضيل الأنصاري الخطمي أبي عبد الله المدني روى عن جعفر بن عبد الله بن الحكم في الإيمان والزهري ومحمود بن لبيد، ويروي عنه (م د س ق) وصالح بن كيسان وفُليح والدراوردي، وثقه ابن معين، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في التقريب: ثقة من السادسة، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان (عن جعفر بن عبد الله بن الحكم) بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي المدني روى عن عبد الرحمن بن المسور في الإيمان ومحمود بن لبيد في الصلاة والزهد وأنس بن مالك في الأشربة والقعقاع بن حكيم في الأشربة وعمر بن الحكم في العلم وسليمان بن يسار في الفتن، ويروي عنه (م عم) والحارث بن فُضيل وابنه عبد الحميد بن جعفر ويحيى بن سعيد الأنصاري ويزيد بن أبي حبيب والليث، ثقة من الثامنة، وذكره ابن حبان في الثقات، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والزهد والأشربة في موضعين والعلم والفتن فجملة الأبواب التي روى عنه [المؤلف] فيها ستة تقريبًا (عن عبد الرحمن بن المسور) بكسر الميم بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري أبي المسور المدني روى عن أبي رافع في الإيمان وأبيه وسعد، ويروي عنه (م) وجعفر بن عبد الله بن الحكم والزهري، وثقه ابن حبان، وقال في التقريب: مقبول، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث من الثالثة، مات سنة (٩٠) تسعين، وله عند مسلم حديث واحد، روى عنه المؤلف في الإيمان فقط.
(عن أبي رافع) المدني القبطي مولى رسول الله ﷺ اسمه إبراهيم، وقيل أسلم وقيل ثابت وقيل هرمز، يقال إنه كان للعباس فوهبه للنبي ﷺ وأعتقه لما بشره بإسلام العباس، وكان إسلامه قبل بدر ولم يشهدها، وشهد
стр. 963
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي .. إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ
ــ
أحدًا وما بعدها، روى عن النبي ﷺ وعن عبد الله بن مسعود، ويروي عنه عبد الرحمن بن المسور في الإيمان وأبو غطفان في الوضوء و (ع) وأولاده الحسن ورافع وعبد الله، مات في أول خلافة علي على الصحيح (عن عبد الله بن مسعود) بن غافل بن حبيب بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر الهذلي حليف بني زهرة أخي عتبة بن مسعود، أبي عبد الرحمن الكوفي، وأمه أم عبد بنت الحارث بن زهرة وقيل بنت عبد الحارث أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، من كبار علماء الصحابة، صاحب النعلين، شهد بدرًا والمشاهد، له ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثًا (٨٤٨) كان عاملًا لعمر على القضاء وبيت المال بالكوفة، وابتنى بها دارًا جانب المسجد، وتوفي بالمدينة سنة (٣٢) ثنتين وثلاثين، وصلى عليه الزبير بن العوام، ودفن بالبقيع، وكان له يوم مات نيف وستون سنة.
يروي عنه (ع) وأبو رافع مولى رسول الله ﷺ في الإيمان وأنس بن مالك وقيس بن أبي حازم وخلق من الصحابة والتابعين، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الصلاة في موضعين والصوم في ثلاثة أبواب تقريبًا.
وهذا السند من تساعياته رجاله سبعة منهم مدنيون وواحد بغدادي وواحد كوفي، وأنزل ما وقع في مسلم من الأسانيد التساعيات، وهذا أول ما وقع فيه منها، ومن لطائف هذا السند أنه اجتمع فيه أربعة تابعيون يروي بعضهم عن بعض صالح والحارث وجعفر وعبد الرحمن، وأن فيه رواية صحابي عن صحابي (أن رسول الله ﷺ قال ما من نبي) من الأنبياء (بعثه الله) وأرسله (في أمة) وجماعة من الأمم السابقة (قبلي)، أي ليس نبي من الأنبياء بعثهم الله تعالى إلى الأمم السابقة قبلي (إلا كان له) أي لذلك النبي (من أمته) وأتباعه (حواريون) أي أصفياء وخواص وبطائن يطلعهم على أسرار أموره وشؤونه (وأصحاب) أي جماعات صحبوه ولازموه لا يفارقونه.
قال الأبي: قوله "إلا كان له من أمته" من أمة ذلك النبي وأتباعه الذين آمنوا به، ويطلق أيضًا على عموم أهل دعوته فيندرج فيهم أصناف الكفر، وأكثر استعمالها في
стр. 964
يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ،
ــ
الأحاديث بالمعنى الأول أي ما من رسول من الرسل المتقدمة، قال الأبي: قوله "حواريون وأصحاب" عُورض هذا بقوله ﷺ في الحديث الآخر الذي أخبر فيه عن مجيء الأنبياء في أممهم يوم القيامة فإنه قال فيه "يأتي النبي ومعه الرجل والرجلان ويأتي النبي وليس معه أحد" وأجيب بأن هذا العموم وإن كان مؤكدًا من بعد النفي فهو مؤول بأنه باعتبار أكثرهم وأغلبهم لا كلهم، أي ما من نبي باعتبار أكثرهم وأغلبهم لا كلهم، أو بأنه على حذف صفة أي ما من نبي له أتباع، وأجاب الشيخ ابن عرفة بأن ذلك في الأنبياء، وهذا في الرسل، والحواريون جمع حواري قيل: هم خاصة الأنبياء وبطانتهم الذين يطلعونهم على أسرارهم، فعطف الأصحاب عليه من عطف العام على الخاص، وهذا هو الأظهر في معناه، وقيل هم أفضل أصحابهم، وقيل خلطائهم الذين أخلصوا في حب أنبيائهم وخلصوا من كل عيب، ومنه حواري الخبز وهو الخبز الذي خُبز من الدقيق المنخول أي الذي نُخل وصُفي من النخالة، وسُمي الحواري لأنه أشرف الخبز، وقيل هم أنصارهم ومنه قوله ﷺ "لكل نبي من أمته حواريون وحواري الزبير" وقيل هم أخلاؤهم، وقيل في حواري عيسى خمسة أقوال، وقيل هم البيض الثياب، وقيل المبيضون لها، وقيل المجاهدون، وقيل الصيادون، وقيل المخلصون، والأصحاب جمع صحب كفرخ وأفراخ قاله الجوهري، وقال غيره أصحاب عند سيبويه جمع صاحب كشاهد وأشهاد، وليس جمع صحب لأن فعلًا لا يجمع على أفعال إلا في ألفاظ معدودة وليس هذا منها، والصحبة الخلطة والملابسة على جهة المحبة، يقال صحبه يصحبه صحبة بالضم وصحابة بالفتح، وقد يُراد به الأصحاب، وجمع الصاحب صحب كراكب وركب، وصُحبة بضم الصاد كفاره وفرهة، وصِحاب بالكسر كجائع وجياع، وصحبان كشاب وشبان.
(يأخذون) ويتمسكون (بسنته) أي بسنة ذلك النبي وشريعته فعلًا وقولًا واعتقادًا (ويقتدون) أي يأتمون (بأمره) ونهيه، أي يتبعون أمره بفعل المأمورات، ونهيه بترك المنهيات، ففي قوله بأمره اكتفاء، وجملة يأخذون ويقتدون صفة لحواريون وأصحاب، ويحتمل أن يكون يأخذون راجعًا للحواريين ويقتدون للأصحاب على سبيل اللف والنشر المرتب، أي حواريون يأخذون ويتخلقون بأخلاق ذلك النبي وصفاته الباطنة وشمائله الظاهرة كالكرم والجود والتواضع والحياء والصبر والحلم مثلًا، وأصحاب يقتدون بأمره
стр. 965
ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ .. فَهُوَ مُؤْمِنٌ،
ــ
ونهيه في الأحكام الظاهرة (ثم) أي بعد أولئك الحواريين والأصحاب بمهلة وتراخ، قال الأبي، في العطف، بثم تنبيه على أن تغيير السنن إنما يقع بعد طول زمن، ويحتمل أنها للبعد في الرتبة وضمير (إنها) للقصة وهو الذي يسميه النحويون ضمير القصة والشأن، ومعنى (تَخْلُف) تحدُث وتوجد (من بعدهم) أي من بعد أولئك الحواريين والأصحاب (خلوف) بضم الخاء واللام جمع خَلْف والخلفُ الآتي بعد غيره، وفي لامه الفتح والسكون فهو بالسكون الخالف بشر ومنه قوله تعالى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ وبالفتح الخالف بخير ومنه قوله ﷺ "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث، والعقيلي في الضعفاء، وحكى الفراء الضبطين في الذم والفتح في المدح لا غير وحكى أبو زيد الضبطين جميعًا فيهما جميعًا، والمعنى ثم يجيء ويأتي بعد أولئك السلف الصالح أقوام لا خلاق لهم في أمر الديانات، بترك المأمورات وفعل المنكرات، وجملة قوله (يقولون) صفة لخلوف على القاعدة المقررة عندهم، أي خلفاء سوء وشر، يقولون ويخبرون الناس (ما لا يفعلون) بأنفسهم أي يأمرون بالمأمورات ولا يفعلون بأنفسهم (ويفعلون) بأنفسهم (ما لا يؤمرون) أي ما لم يؤمروا به من البدع والخرافات والمنكرات، وعبارة المُفْهم هنا قوله (ثم إنها تخلف من بعدهم خُلوف) الرواية إنها بهاء التأنيث فقط، ويعود على الأمة أو على الطائفة التي هي معنى حواريين وأصحاب ويحتمل أن يكون ضمير القصة والخلوف بضم الخاء جمع خلف بفتح الخاء وسكون اللام وهو القرن بعد القرن واللاحق بعد السابق ومنه قوله تعالى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] ويقال فيه خلف بفتح اللام ومنه قوله ﷺ "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" رواه البيهقي كما في مشكاة المصابيح (٢٤٨) والفاء في قوله (فمن جاهدهم) للإفصاح لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره إذا عرفت حال أولئك القوم الخُلوف وشرهم وأردت بيان ما هو الواجب على المسلمين في حقهم فأقول لك من جاهدهم، أي من جاهد أولئك الخلوت وقاتلهم (بيده) بإشهار السلاح عليهم وطعنهم وضربهم بها إن احتيج إلى ذلك في إبطال شوكتهم وردهم إلى الحق (فهو) أي فذلك المجاهد بهم بيده (مؤمن) أي كامل الإيمان في باب إظهار الحق وإبطال الباطل، أي ومن جاهدهم
стр. 966
وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ .. فَهُوَ مُؤمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ .. فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ"، قَال أَبُو رَافِعٍ: فَحَدَّثْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ فَأَنْكَرَهُ عَلَيَّ، فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَنَزَلَ بِقَنَاةَ،
ــ
بسلاحه وسنانه فهو مؤمن (ومن جاهدهم بلسانه) بتذكيرهم ووعظهم أو بسبهم وهجوهم (فهو مؤمن) أي كامل الإيمان في باب إبطال الباطل وإظهار الحق (ومن جاهدهم بقلبه) بأن كره ما هم عليه بقلبه ولم يرضه (فهو مؤمن) أي كامل الإيمان.
وإن لم يفعل ذلك ولا أنكره بقلبه فقد رضيه، وليس ذلك من الإيمان في شيء كما قال (وليس وراء ذلك) الجهاد بقلبه، والظرف خبر مقدم لليس وقوله (من الإيمان) بيان مقدم لما بعده، وقوله (حبة خردل) اسمها مؤخر أي وليس وزن حبة خردل من الإيمان باقيًا وراء ذلك الجهاد بالقلب، أي ليست مرتبة من مجاهدة أهل الإيمان بهم باقية بعد ذلك الجهاد بالقلب، أي فالكراهة بالقلب نهاية ما يمكن من أهل الإيمان في جهاد من خالفهم من أهل الباطل والضلال والحبة بفتح الباء الموحدة واحد الحبوب، والحبوب للزرع بمنزلة الثمار للشجر والخردل بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة بينهما راء ساكنة، حب معروف من الأبازير له خواص عند أهل الطب، والحاصل أن المجاهدة لهؤلاء الخلوف بواحد من تلك الأسباب واجبة على من قدر عليها، فإن تركها مع القدرة فهو ناقص الإيمان لأنه ترك خصلة من خصال الإيمان إن لم يستحل تركها فإن استحلَّ فقد خرج من الملة فهو كافر.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (١/ ٤٥٨) وانفرد به عن أصحاب الأمهات كما ذكره في التحفة.
(قال أبو رافع) مولى رسول الله ﷺ بالسند السابق (فحدثت) هذا الحديث الذي سمعته من عبد الله بن مسعود (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (فأنكره) أي فأنكر ذلك الحديث عبد الله بن عمر ورده (علي فقدم) وجاء (ابن مسعود) من الكوفة إلى المدينة (فنزل) ابن مسعود (بـ) ـوادي (قناة) بالفتح لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث اللفظي وهو واد من أودية المدينة فيه مال من أموالها، كذا رواه السمرقندي بالقاف، ورواه الجمهور بفنائه بالفاء وبالمد، وبالضمير وهو تصحيف وخطأ، قال النواوي: الفناء في اللغة ما بين أيدي المنازل والدور، وفي اصطلاح الفقهاء هو ما فضل عن المارة من
стр. 967
فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودُهُ .. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا .. سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَرَ، قَال صَالِحٌ: وَقَدْ تُحُدِّثَ بِنَحْو ذَلِكَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ
ــ
الطريق الواسعة النافذة، فالشارع الضيق وغير النافذ لا فناء لهما، ولأرباب الأفنية أن ينتفعوا بما لا يضر بالمارة، واختلف هل لهم أن يكروها أم لا اهـ أبي.
(فاستتبعني) أي فطلب مني المتابعة والذهاب معه (إليه) أي إلى ابن مسعود (عبد الله بن عمر) بن الخطاب بعد ما أنكر عليّ حديثه، وهو فاعل استتبع حالة كون ابن عمر (يعوده) أي يعود ابن مسعود ويزوره لكون ابن مسعود مريضًا هناك، قال أبو رافع (فانطلقت) أي ذهبت (معه) أي مع ابن عمر إلى ابن مسعود حالة كوننا زائرين له فوصلنا إليه في قناة (فلما جلسنا) أي جلست أنا وابن عمر عند ابن مسعود (سألت) أنا (ابن مسعود عن) إعادة رواية (هذا الحديث) الذي أنكره عليَّ ابن عمر (فحدثنيه) أي فحدث هذا الحديث ابن مسعود أي أعاد لي روايته (كما حدثته) أي على الوجه الذي حدثت أنا (ابن عمر) هذا الحديث أولًا فصدقني ابن مسعود في روايتي إياه حرفًا بحرف.
(قال صالح) بن كيسان (وقد تحدث بنحو ذلك) الحديث السابق، أي وقد روي هذا الحديث المروي عن أبي رافع عن ابن مسعود عن النبي ﷺ بلفظ قريب لذلك اللفظ السابق (عن أبي رافع) عن النبي ﷺ بلا واسطة ابن مسعود، قال القاضي: يريد أن صالح بن كيسان رواي هذا الحديث عن الحارث بن فضيل الخطمي عن جعفر بن عبد الله بن الحكم عن عبد الرحمن بن المسور عن أبي رافع عن ابن مسعود عن النبي ﷺ ، قال إن هذا الحديث قد تحدث به عن أبي رافع عن النبي ﷺ لم يُذكر فيه ابن مسعود، وقد ذكره البخاري في تاريخه كذلك مختصرًا عن أبي رافع عن النبي ﷺ لكنه بلفظ "ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض" والحديث هكذا أخرجه الشيخان من رواية أنس بن مالك في أكثر من موضع، وأخرجه البخاري من رواية عبد الله بن زيد بن عاصم في كتاب المغازي، ولا تنافي بين رواية ابن مسعود ورواية أنس وغيره، فإن الأمر بالصبر لا يُفيد النهي عن المجاهدة باليد واللسان والقلب والمجاهدة لهؤلاء الخلوف بواحد من
стр. 968
٨٩ - (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أبْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَال: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ الْفُضَيلِ الْخَطْمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ:
ــ
تلك الوسائل لا ينفك عن قدر من الصبر مناسب اهـ من تقرير إكمال المعلم بتصرف.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن مسعود ﵁ فقال: (٨٩) - متا (٠٠) (وحدثنيه) أي وحدثني هذا الحديث المذكور يعني حديث ابن مسعود (أبو بكر) محمد (بن إسحاق بن محمد) الصاغاني أصله من خراسان نزيل بغداد، ثقة ثبت من الحادية عشرة، مات سنة (٢٧٠) سبعين ومائتين، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا، قال أبو بكر (أخبرنا) سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم (بن أبي مريم) الجُمحي مولاهم، الحافظ الفقيه أبو محمد المصري، روى عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي ومحمد بن جعفر بن أبي كثير وأبي غسان محمد بن مُطرِّف ويحيى بن أيوب ونافع بن يزيد وسليمان بن بلال وخلق، ويروي عنه (ع) ومحمد بن إسحاق الصاغاني والحسن بن علي الحلواني وابن معين وأبو حاتم ومحمد بن سهل بن عسكر التميمي وعِدة، وقال الإمام مسلم في القدر: وحدثني عِدة من أصحابنا عن سعيد بن الحكم وثقه العجلي وأبو حاتم وقال أبو داود: حجة، وقال في التقريب: ثقة ثبت فقيه من كبار العاشرة، مات سنة (٢٢٤) أربع وعشرين ومائتين وله (٨٠) ثمانون سنة، قال ابن أبي مريم (حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد بن أبي عبيد الدراوردي الجُهني مولاهم أبو محمد المدني، أحد الأئمة الأعلام، قال ابن معين: ثقة حجة، وقال في التقريب: صدوق من الثامنة، مات سنة (١٨٩) تسع وثمانين ومائة، قرنه (خ) بآخر، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة أبواب تقريبًا، (قال) عبد العزيز (أخبرني الحارث بن الفضيل) الأنصاري (الخَطْميُّ) أبو عبد الله المدني، ثقة من السادسة (عن جعفر بن عبد الله بن الحكم) الأنصاري الأوسي المدني، ثقة من الثامنة (عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة) القرشي الزهري المدني مقبول من الثالثة (عن أبي رافع) إبراهيم القبطي (مولى النبي ﷺ المدني (عن عبد الله بن مسعود) الهذلي الكوفي ﵁، وهذا السند من ثمانياته، رجاله خمسة
стр. 969
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَا كَانَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ كَانَ لَهُ حَوَارِيُّونَ يَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ، وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِ ... "، مِثْلَ حَدِيثِ صَالِحٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ قُدُومَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاجْتِمَاعَ ابْنِ عُمَرَ مَعَهُ
ــ
منهم مدنيون وواحد بغدادي وواحد مصري وواحد كوفي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عبد العزيز الدراوردي لصالح بن كيسان في رواية هذا الحديث عن الحارث بن الفضيل، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأن المُتابع صدوق فلا يصلح لتقوية المُتابَع لأن المُتابَع ثقة (أن رسول الله ﷺ قال ما كان من نبي) بزيادة كان لوقوعها بين ما النافية ومن الزائدة، وخبر المبتدأ محذوف تقديره ما من نبي موجود ويحتمل كون كان تامة أي (إلا وقد كان له حواريون يهتدون) أي يتمسكون (بهديه) أي بطريقته وشيمته وشمائله الظاهرة والباطنة، قال السنوسي: قوله (بهديه) بفتح الهاء وسكون الدال أي بطريقته وسمته اهـ (ويستنون) أي يقتدون (بسنته) أي بشريعته ويتبِعونها بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، واقتصر في هذه الرواية في سوق المتن على هذا القدر لأنه محل المخالفة بين الروايتين وباقي حديثها مثل حديث الرواية الأولى كما أشار إليه بقوله (مثل حديث صالح) بن كيسان وهو مفعول به لقوله حدثنا عبد العزيز لأن العامل في المثل والنحو مثلًا هو العامل في المتابع وهنا صرح بالمتابع والمعنى حدثنا عبد العزيز عن الحارث مثل ما حدث صالح بن كيسان عن الحارث (و) لكن (لم يذكر) عبد العزيز في روايته (قدوم ابن مسعود) من الكوفة إلى المدينة (و) لم يذكر أيضًا (اجتماع ابن عمر معه) أي مع ابن مسعود في وادي قناة لعيادته وهذا مما أنكره الحريري في كتابه درة الغوّاص فقال: لا يقال اجتمع فلان مع فلان لأن معنى المصاحبة مستفادة من مادة الاجتماع وإنما يقال اجتمع فلان وفلان، وقد خالفه الجوهري فقال في صحاحه: جامعه على كذا أي اجتمع معه عليه.
ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وذكر له متابعة واحدة والله أعلم.
***
стр. 970
٢٧ - بَابُ نِسْبَةِ الإِيمانِ وَالْحِكْمَةِ إِلَى الْيَمَنِ وَجَعْلِ الْقَسْوَةِ وَغِلَظِ الْقُلُوبِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ
٩٠ - (٥٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ،
ــ
٢٧ - بَابُ نِسْبَةِ الإِيمانِ وَالْحِكْمَةِ إِلَى الْيَمَنِ وَجَعْلِ الْقَسْوَةِ وَغِلَظِ الْقُلُوبِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ
أي باب معقود في بيان نسبة النبي ﷺ الإيمان والحكمة إلى أهل اليمن إشعارًا بكمال إيمانهم وقوة عزيمتهم فيه، من غير أن يكون في ذلك نفي له عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله ﷺ "الإيمان في أهل الحجاز" لأن معنى قوله الإيمان يمان أي قوته وكماله ونشاطه في أهل اليمن لأنهم آمنوا طواعية بلا سيف، ووفدوا على النبي ﷺ فوجًا فوجًا، ومعنى الإيمان في أهل الحجاز أي مبدؤه ومنشؤه ومنبعه في الحجاز فلا معارضة بين الحديثين، ثم المراد بأهل اليمن الموجود منهم في ذلك الوقت لا كل أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه، وهذا الذي ذكرناه في معنى الحديث وجمعه هو الحق والصواب والله أعلم، وبيان جعله ﷺ قسوة القلوب أي صلابتها وعدم لينها لموعظة وعدم خشوعها لتذكرة وغِلظها أي عدم فهمها وعقلها لما يقال لها من المواعظ في كفار ربيعة ومضر الفدَّادين عند أصول أذناب الإبل عند سوقها وحدوها، وإنما نسبهما إليهم لشدة معاندتهم النبوة، ومناوأتهم أهل الدين ومعارضتهم له وفيهم ظهر مسيلمة الكذاب.
وترجم القاضي عياض والنواوي وأكثر المتون لهذه الأحاديث الآتية بقولهم (باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه) وترجم له الأبي والسنوسي بقولهما (باب الإيمان يمان) وترجم لها القرطبي بقوله (باب الإيمان يمان والحكمة يمانية) وترجمتنا أشمل وأسلم.
(٩٠) - س (٥٠) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي بموحدة مولاهم الحافظ الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا.
стр. 971
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ حَدَّثَنَا أَبِي، ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ،
ــ
قال أبو بكر (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي الكوفي ثقة ثبت ربما دلس من كبار التاسعة، مات سنة (٢٠١) إحدى ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة عشر بابًا تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا) أيضًا محمد بن عبد الله (بن نمير) بضم النون الهمداني أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا، قال محمد بن عبد الله (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني أبو هشام الكوفي ثقة صاحب حديث من أهل السنة، من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٩) تسع وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة عشر بابًا تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا) أيضًا (أبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٤٨) ثمان وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا، قال أبو كريب (حدثنا) عبد الله (ابن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الأودي أبو محمد الكوفي، أحد الأئمة الأعلام، روى عن إسماعيل بن أبي خالد والأعمش وأبيه إدريس وعبيد الله بن عمر وداود بن جريج وهشام بن عروة ويحيى بن سعيد الأنصاري وهشام بن حسان وخلق، ويروي عنه (ع) وأبو كريب وابن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب وإسحاق الحنظلي وعمرو الناقد وعِدة، قال ابن معين: ثقة في كل شيء، وقال في التقريب: ثقة فقيه عابد من الثامنة وقال أبو حاتم: ثقة حجة إمام من أئمة المسلمين، مات سنة (١٩٢) اثنتين وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في خمسة مواضع والجنائز في موضعين والزكاة والصوم والأيمان والأدب والرقاق والجهاد في أربعة مواضع والطلاق وصفة النبي ﷺ والأطعمة واللباس والدعاء وذكر إبراهيم ﵇ والقدر والتفسير في موضعين، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعة عشر بابًا تقريبًا، وأتى بحاء التحويلات في ثلاثة مواضع لاختلاف مشايخ مشايخه، وإن كان شيخ الكل واحدًا (كلهم) أي كل هؤلاء الثلاثةِ مشايخ حدثوا (عن إسماعيل بن أبي خالد) البجلي الأحمسي أحمس بجيلة
стр. 972
ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَال: سَمِعْتُ قَيسًا
ــ
مولاهم، واسم أبي خالد سعد وقيل هرمز وقيل كثير، أبي عبد الله الكوفي روى عن قيس بن أبي حازم والشعبي وعبد الله بن أبي أوفى وأبي جحيفة وعمرو بن حريث وأبي إسحاق السَّبِيعي وخلق، ويروي عنه (ع) وعبد الله بن إدريس وأبو أسامة وعبد الله بن نمير ومعتمر بن سليمان وشعبة وهُشيم ووكيع وسفيان بن عيينة وخلق، قال ابن المديني: له نحو ثلاثمائة حديث، وقال في التقريب: ثقة ثبت من الرابعة، مات سنة (١٤٦) ست وأربعين ومائة، روى المؤلف عنه في الإيمان والصلاة في أربعة مواضع والزكاة والصوم والحج في ثلاثة مواضع والجهاد والفضائل في موضعين وصفة النبي ﷺ ، وجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثمانية أبواب تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثنا يحيى بن حبيب) بن عربي (الحارثي) وقيل الشيباني أبو زكريا البصري، روى عن معتمر بن سليمان وخالد بن الحارث ويزيد بن زريع وروح بن عبادة وحماد بن زيد وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وأبو بكر البزار وابن خزيمة وغيرهم، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٤٨) ثمان وأربعين ومائتين، وإنما فصل تحويله عن التحويلين السابقين مع أن مجمع الأسانيد كلها إسماعيل بن أبي خالد لبيان أن اللفظ الآتي له لا لغيره كما ذكره بقوله (واللفظ) أي لفظ الحديث الآتي (له) أي ليحيى بن حبيب لا لأبي بكر ولا لابن نمير ولا لأبي كريب، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والحج والجهاد والديات في خمسة أبواب، قال يحيى (حدثنا معتمر) بن سليمان بن طرخان التيمي مولى بني مرة، أبو محمد البصري وكان يلقب بالطُّفيل، ثقة من كبار التاسعة، مات سنة (١٨٧) سبع وثمانين ومائة، وليس من اسمه معتمر عندهم إلا هذا الثقة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا (عن إسماعيل) بن أبي خالد، فإسماعيل ملتقى الأسانيد الأربعة (قال) إسماعيل (سمعت قيسًا) بن أبي حازم، وأبو حازم اسمه عبد عوف بن الحارث، وقيل اسمه عوف بن عبد الحارث بن عوف البجلي الأحمسي، أبا عبد الله الكوفي، أحد كبار التابعين وأعيانهم مخضرم، أتى النبي ﷺ ليُبايعه فجاء وقد قبض رسول الله ﷺ روى عن أبي مسعود الأنصاري وعبد الله بن مسعود وجرير بن عبد الله وعمرو بن العاص وعقبة بن عامر وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص
стр. 973
يَرْوي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَال: أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى أللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ فَقَال: "أَلا إِنَّ الإِيمَانَ هَهُنَا،
ــ
وغيرهم، ويروي عنه (ع) وإسماعيل بن أبي خالد والحكم بن عتيبة والأعمش وغيرهم، وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة من الثانية، وقال خليفة مات سنة (٩٨) ثمان وتسعين وقد جاوز المائة، روى المؤلف عنه في الإيمان والصلاة في ثلاثة مواضع والزكاة والنكاح والفتن والجهاد في موضعين والأدب والدعاء وصفة الدنيا والآخرة والزهري فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها عشرة تقريبًا، أي سمعت قيس بن أبي حازم حالة كونه (يروي) ويحدث (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة بفتح الهمزة وكسر السين المهملة بن عُسيرة بضم العين بن عطية بن خدارة بضم الخاء المعجمة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي الحارثي البدري الكوفي، عده البخاري فيمن شهد بدرًا مع النبي ﷺ تبعًا لابن شهاب، وقال سعيد بن إبراهيم: لم يشهدها ولكن شهد العقبة، وإنما قيل له البدري لأنه من ماء بدر، سكن الكوفة، وابتنى بها دارًا، له مائة وحديثان (١٠٢)، يروي عنه (ع) وقيس بن أبي حازم وعلقمة بن قيس وعبد الرحمن بن يزيد وعبد الله بن سخبرة وعبد الرحمن بن يزيد وربعي بن حراش وأبو وائل، مات قبل الأربعين، وقيل بعدها، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والزكاة ثلاثة أبواب تقريبًا وهذه الأسانيد كلها من خماسياته، فالسند الأول رجاله كلهم كوفيون وكذا الثاني والثالث، وأما الرابع فاثنان منهم بصريان وثلاثة كوفيون.
(قال) أبو مسعود (أشار النبي ﷺ بيده) الكريمة (نحو اليمن) أي جهته، وهو إقليم معروف سُمي يمنًا لأنه عن يمين الكعبة، أو باسم أول من نزلها وهو يمن بن هود ﵇، وسمي الشام شامًا لأنه عن يسار الكعبة، مأخوذ من اليد الشؤمى وهي اليسرى، وفي الأبي: والعرب قسمان يمنية وإسماعيلية، وأن يمنًا المُنتسب إليه هو يعرب بن قحطان، فكون الأنصار يمانيين هو أنهم من ولد يمن (فقال) رسول الله ﷺ (ألا) أي انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (إن الإيمان) أي إن قوة الإسلام وقبوله ونصره (ها هنا) أي في هذه الجهة التي أشرت لكم إليها، قال القاضي: فقيل يعني به مكة لأنها من تهامة، وتهامة يمن، وقيل يعني مكة والمدينة لأنه قاله وهو بتبوك، وهما حينئذ بينه وبين اليمن، والمعنى عليهما مبدأ الإيمان مكة أو مكة والمدينة،
стр. 974
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل: أراد تهامة التي هي مقابلة لنجد، وقيل: أراد الأنصار لأنهم يمانيون، واستحقوا ذلك لبدارهم إلى الإسلام طوعًا بخلاف أهل الحجاز القاسية قلوبهم عن ذكر الله تعالى، والمعنى عليه مُعظم أهل الإيمان وأنصار الدين يمانٍ، وقيل: أراد به الإقليم المعروف، والمعنى عليه: أهل اليمن أكمل الناس إيمانًا.
وذكر الطحاوي سببًا لقول النبي ﷺ : "الإيمان يمان" وهو أن عيينة بن حصن فضَّل أهل نجد على أهل اليمن لأنه منهم، فقال رسول الله ﷺ : كذبت بل هم أهل اليمن الإيمان يمان، قال النووي: والظاهر إجراء الكلام على ظاهره، وحمله على أهل اليمن حقيقة لأن من اتصف بشيء وقَويَ قيامه به وتأكد اطلاعه منه ينسب ذلك الشيء إليه إشعارًا بتميزه به وكمال حاله فيه، وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان، وحال الوافدين منه في حياة رسول الله ﷺ وفي أعقاب موته، كأويس القرني وأبي مسلم الخولاني ﵄، وشِبههما ممن سلم قلبه وقوي إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم لذلك إشعارًا بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفي له عن غيرهم، فلا معارضة بينه وبين قوله ﷺ في حديث جابر "الإيمان في أهل الحجاز" لأن معنى هذا مبدؤه وظهوره في أهل الحجاز ثم المراد بأهل اليمن الموجودون منهم حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه، هذا هو الحق والصواب في معنى الحديثين والجمع بينهما والله أعلم اهـ منه بتصرف.
(واعلم) أن اليمن ليست من ذرية إسماعيل ﵇ لأن يمنًا هو لقب يعرب بن قحطان بن عبد الله بن هود ﵇، وإنما سُمي يمنًا لقول هود ﵇ له: أنت أيمن ولدي نقيبة، فالعرب عربان: يمن وإسماعيلية، ومن يجعل العرب كلها من إسماعيل يقول في يمن إنه ابن قيدر بن إسماعيل، والصحيح أنه ابن قحطان كما مر عند مبحث معبد الجهني.
وعبارة المفهم هنا: قيل إن هذه الإشارة صدرت عنه ﷺ وهو بتبوك وبينه وبين اليمن مكة والمدينة، ويؤيد هذا قوله في حديث جابر: "الإيمان في أهل الحجاز" فعلى هذا يكون المراد بأهل اليمن أهل المدينة ومن يليهم إلى أوائل اليمن،
стр. 975
وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ،
ــ
وقيل كان عند الإشارة بالمدينة ويؤيده أن كونه بالمدينة كان غالب أحواله ﷺ ، وعلى هذا فتكون الإشارة إلى سُبّاق أهل اليمن أو إلى القبائل اليمنية الذين وفدوا على أبي بكر لفتح الشام وأوائل العراق، وإليهم الإشارة بقوله ﷺ : "إني لأجد نَفَسَ الرحمن من قبل اليمن" أي نصره في حياته وبعد مماته، ولكن قال العراقي: لم أجد لهذا الحديث أصلًا.
(وإن القسوة) أي قسوة القلوب وصلابتها ويبوستها، وعدم لينها لقبول الموعظة والتذكرة، والقسوة ضد اللين، فتكون القسوة في الحجر كما أن اللين في المدر (وغلظ القلوب) أي عدم فهمها للموعظة، والغلظة ضد الرقة كما تراهما في جلد الجمل والسخلة، وقيل هما بمعنى واحد قال القرطبي: القسوة وغلظ القلوب اسمان لمسمى واحد، وهو نحو قوله تعالى ﴿قَال إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] والبث هو الحزن ويحتمل أن يقال: إن القسوة يراد بها أن تلك القلوب لا تلين لموعظة ولا لتذكار، وغلظها أن لا تفهم ولا تعقل، وهذا أولى من الأول انتهى.
قال (ب) وللحكماء فيهما تفاسير، وهما هنا كناية عن بعدهم عن الاعتبار، وأن العظة لا تؤثر فيهم اهـ.
(في الفدادين) بالتشديد لا غير كما قاله الأصمعي وغيره، أي أن الغلظة والقسوة في قلوب الفدادين أي المصوتين (عند أصول أذناب الإبل) سوقًا لها، وحدوًا بها الملازمين لها، من فدّ الرجل يفد فديدًا من باب حنَّ إذا رفع صوته، يقال رجل فداد رفيع الصوت، قال (ط) والفدادون مشدد الدال جمع فداد، قال أبو عبيد: هم المكثرون من الإبل وهم جفاةٌ أهل خيلاء، واحدهم فَدَّاد وهو الذي يملك من المئين إلى الألف، وقال أبو العباس: هم الجمالون والبقَّارون والحمَّارون والرعيان، وقال الأصمعي: هم الذين تعلوا أصواتهم في حروثهم وأموالهم ومواشيهم، قال والفديد الصوت، وأما الفدادون بتخفيف الدال فهي البقر التي تحرث واحدها فدَّان بالتشديد، وإنما خص الإبل لأنها أكثر مال العرب وأهلها أهل جفاء، وقد يكون الجفاء والقسوة من طبيعة هؤلاء، ويكون وصفهم بأنهم أصحاب إبل كالتعريف لهم، وقوله: "حيث يطلع قرنا الشيطان" تعيين لمواضعهم كما قال في الرواية الأخرى: "رأس الكفر قبل المشرق" قال (ع) يعني المشرق، ويعني بالمشرق نجدًا، لأنها تكون من المدينة شرقًا، وكذلك هي من تبوك
стр. 976
حَيثُ يَطلُعُ قَرْنَا الشَّيطَانِ، فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ"
ــ
شرقًا إن كان قال ذلك بتبوك، ويدل على أنه يعني نجدًا حديث ابن عمر حيث قال: "اللهم بارك لنا في يمننا وشامنا قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا فأظنه قال في الثالثة هناك الزلازل والطاعون وبها يطلع قرنا الشيطان" وحديث "اللهم اشدد وطأتك على مضر ... " قال وفي الحديث وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له، والظرف في قوله (عند أصول أذناب الإبل) متعلق بالفدادين، والأذناب جمع ذَنَبٍ محركًا وهو ما ينبت على رأس عجيزة الحيوان مثل الحبل يمسكون به عند سوق الإبل بأيديهم ذنبها ويمدحونها، والإبل حيوان معروف من النعم، والمعنى الذين لهم جلبة وصياح عند سوقهم لها، وقوله (حيث يطلع قرنا الشيطان) ظرف لغوٌ متعلق بمحذوف صفة للفدادين تقديره النازلين في الأماكن التي يظهر فيها حزبا الشيطان اللذان هما ربيعة ومضر، فالقرنان هما ربيعة ومضر وأضافهما إليه لاتباعهما له في معاندة النبوة، ومناوأة الدين، وقد يكون القرن بمعنى القوة، وهما أيضًا ربيعة ومضر لأن بهما يتقوى على ما همَّ به، وقال الخطابي: القرن يُضرب به المثل لما لا يحمد من الأمر، وهما في الأصل جانبا الرأس، وقيل: وهما هنا حقيقةً لما جاء أنه ينتصب قائمًا عند طلوعها، لتطلع بين قرنيه ليوهم أن له يسجد المصلون، والقرن أيضًا الجماعة الناجمة كحديث: "هذا قرن ظهر" أي أهل بدعة ظهروا، وقوله (في ربيعة ومضر) بدل من قوله في الفدادين أي إن القسوة وغلظ القلوب في ربيعة ومضر الكائنين بالمشرق، وربيعة ومضر في النسب أخوان، وهما ابنا نزار بن معد بن عدنان.
قال الخطابي: ومضر أول من سنَّ حُداء الإبل تنشيطًا لها، لأنه كان من أحسن الناس صوتًا، قال القرطبي: واختلف في قرني الشيطان فقيل: هما ناحيتا رأسه العليا، وهذا أصل هذا اللفظ وظاهره، فإن قرن الشيء أعلاه في اللغة فيكون معناه على هذا أن الشيطان ينتصب قائمًا مع طلوع الشمس لمن يسجد للشمس ليسجد له، ويعبد بعبادتها، ويفعل هذا في الوقت الذي يسجد لها الكفار، كما قال ﷺ "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها ثم إذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها ثم إذا قاربت الغروب قارنها ثم إذا غربت فارقها" رواه مالك في الموطأ (١/ ٢١٩) والنسائي (١/ ٢٧٥).
وقيل: القرن الجماعة من الناس والأمة، ومنه قوله ﷺ "خير أمتي
стр. 977
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" رواه البخاري ومسلم والترمذي، وعلى هذا فيكون معنى قرني الشيطان في الحديث: أنهما أمتان عظيمتان يعبدون غير الله تعالى، ولعلهم في ذلك الوقت ربيعة ومضر المذكوران في الحديث، أو أمتان من الفرس يعبدون الشمس ويسجدون لها من دون الله تعالى كما جاء في الحديث "وحينئذ يسجد لها الكفار" كما مر تخريجه بقوله "إن الشمس تطلع" إلخ.
وقال الخطابي: قرن الشيطان ضُرب به المثل فيما لا يحمد من الأمور، وقيل المراد بهذا الحديث ما ظهر بالعراق من الفتن العظيمة والحروب الهائلة، كوقعة الجمل وحروب صفين وحروراء وفتن بني أمية، وخروج الخوارج، فإن ذلك كان أصله ومنبعه العراق ومشرق نجد، وتلك مساكن ربيعة ومضر إذ ذاك والله أعلم انتهى.
وقال السنوسي: قوله (عند أصول أذناب الإبل) معناه الذين لهم جلبة وصياح عند سوقهم لها ماسكين لذنبها.
(قلت) فائدة ذكر هذا الظرف تصوير هذه الحالة المستهجنة، والإشارة إلى منافاتها لارتياض النفس بحسن أدلة الشريعة وفهم أسرارها، الحامل على لين القلب واتعاظه لوقوف هذه الأمور على ملازمة مجالس الفقه والحكمة، ومخالطة أرباب الصدور والعلماء العاملين، واكتساب محاسن أخلاقهم بملازمة صحبتهم، وترك أضدادهم، وما يوجب البعد عن مجالستهم من الأشغال الدنيوية والحرف المشغلة عن كل خير، وأين هذا ممن عكف نفسه على صحبة حيوان بهيمي، ورضي لنفسه أن تكون ملازمة لذنبها، ولقد أجاد من قال:
عليك بأرباب الصدور فمن غدا ... مضافًا لأرباب الصدور تَصدرا
وإياك أن ترضى بصحبة ساقط ... فتنحط قدرًا من علاك وتحقرا
وبهذا تعرف أنه يدخل في معنى الحديث من لازم الجلوس مع أذناب الناس والجهلة منهم أو عكف نفسه على صحبة البهائم للتجارات أو الحراثة، أو رضي لنفسه بملازمة الأسواق ومحال الصخب وكثرة الصياح والتخليط لمجرد أمور الدنيا والله تعالى أعلم اهـ.
وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث أعني حديث أبي مسعود
стр. 978
٩١ - (٥١) حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَال: أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ
ــ
الأنصاري ﵁ أحمد (٢/ ٥٤١) والبخاري (٣٣٠٢).
ومطابقته للترجمة حاصلة بمنطوقه فلا غبار عليه، ثم استشهد له بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٩١) - ش (٥١) (حدثنا أبو الربيع) العتكي (الزهراني) سليمان بن داود البصري،
نزيل بغداد الحافظ، روى عن حماد بن زيد وعباد بن العوام وعبد الوارث وأبي عوانة
وفُليح بن سليمان وإسماعيل بن زكريا ويزيد بن زُريع ومحمد بن حرب وغيرهم، ويروي
عنه (خ م د س) وأحمد وإسحاق ومحمد بن يحيى وغيرهم، وثقه ابن معين وأبو حاتم،
وقال في التقريب: ثقة لم يتكلم فيه أحد بحجة، من العاشرة، مات في رمضان سنة
(٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والطلاق والجهاد والأدب والطب والرحمة في سبعة أبواب تقريبًا (قال) أبو الربيع (أنبأنا) أي أخبرنا (حماد) بن زيد بن درهم الأزدي مولاهم، أبو إسماعيل البصري، أحد الأئمة الأعلام، قال أحمد: حماد بن زيد أحب إلينا من عبد الوارث، حماد من أئمة المسلمين، من أهل الدين والإسلام، وهو أحب إليَّ من حماد بن سلمة، وقال في التقريب: ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة (١٧٩) تسع وسبعين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا.
قال حماد (حدثنا أيوب) بن أبي تميمة السختياني، واسم أبي تميمة كيسان مولىً لعنزة، أبو بكر البصري، من سادات أهل البصرة فقهًا وعلمًا وفضلًا وورعًا، أحد الأئمة الأعلام، قال ابن سعد كان ثقة ثبتًا حجةً جامعًا، كثير العلم، وقال في التقريب: ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، مات سنة (١٣١) إحدى وثلاثين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة عشر بابًا تقريبًا.
قال أيوب (حدثنا محمد) بن سيرين الأنصاري مولاهم، مولى أنس بن مالك، أبو بكر البصري، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁ أحد الأئمة الأعلام، إمام وقته، كان من أورع أهل البصرة، فقيهًا فاضلًا متقنًا ضابطًا، يُعبِّر الرؤيا، روى عن أبي هريرة وعمران بن حصين ومولاه أنس بن مالك وعبد الله بن شقيق وأم عطية وعائشة
стр. 979
عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ صَلَّى أللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "جَاءَ أَهْلُ اليَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً،
ــ
وحفصة بنت سيرين وأخيه معبد بن سيرين وخلائق، ويروي عنه (ع) والشعبي وأيوب وابن عون وهشام وسلمة بن علقمة وقتادة وعاصم الأحول وجرير بن حازم وعِدة لا يحصون، قال أحمد: لم يسمع من ابن عباس، وقال في التقريب: ثقة ثبت عابد كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة، مات في شوال سنة (١١٠) عشرٍ ومائة وهو ابن (٧٧) سبع وسبعين سنة، بعد الحسن بمائة يوم، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في خمسة مواضع وفي السهو والجنائز والزكاة والصوم والحج والبيوع والنكاح في موضعين والعتق واللعان والطب والوصايا في موضعين والديات في موضعين والفضائل والفتن، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ستة عشر بابًا تقريبًا (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني أحد المكثرين من الصحابة.
وهذا السند من خماسياته، ورجاله كلهم بصريون إلا أبا هريرة ﵁ فإنه مدنيٌّ (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ جاء) ووفد إلينا (أهل اليمن) وجملة قوله (هم أرق) وألين (أفئدة) أي قلوبًا، حال من أهل اليمن، ولكنه على تقدير الواو الحالية، أي جاءوا إلينا والحال أنهم ألين قلوبًا لقبول الموعظة والخير من أهل المشرق كفار مضر وربيعة، لا من أهل الحجاز، لأنه ﷺ قال في الحديث الآخر والإيمان في أهل الحجاز واليمن من الحجاز كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قال الأبي: تقدم لابن الصلاح أنه يعني باليمن القطر المعروف، ووصفهم بكونهم أرق أفئدة من ربيعة ومضر القاسية قلوبهم عن ذكر الله تعالى، وقال في هذا الطريق: هم أرق أفئدة، وفي الطريق الثاني هم أضعف قلوبًا وأرق أفئدة، وفي الثالث ألين قلوبًا وأرق أفئدة فاتفقت الطرق الثلاثة على إضافة الرقة إلى الأفئدة والضعف واللين إلى القلوب، قال (ط) فعلى أن الفؤاد والقلب بمعنى واحد فاللين والضعف والرقة معانٍ متقاربة، يرجع الجميع إلى سرعة قبول الموعظة، ضد ما اتصف به ربيعة ومضر من القسوة وغِلظ القلوب، وعلى أن الفؤاد اسم لداخل القلب فاللين والضعف سرعة انعطاف القلوب وتقلبها إلى الخير والرقة والصفاء، وعدم تكاثف الحجب، أي إن
стр. 980
الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ"
ــ
قلوبهم أسرع انعطافًا إلى الخير لصفاء أفئدتها، وعدم الحجب، وقيل اللين والضعف خفض الجناح، ولين الجانب في الظاهر والرقة والشفقة على الخلق في الباطن، فكأنه يقول: هم أحسن في الظاهر والباطن.
(الإيمان) أي قوة الإيمان وقبوله وطواعيته (يمان) أي منسوب إلى اليمن (والفقه) أي إدراك الأحكام الشرعية الفرعية والعملية (يمان) أي منسوب إلى اليمن (والحكمة) أي إدراك الأحكام الشرعية الأصولية الاعتقادية الموصل إلى معرفة الله ورسله وجميع السمعيات (يمانية) أي منسوبة إلى اليمن، والمعنى: أهل اليمن أكمل الناس إيمانًا وفقهًا وحكمة، فلا يلزم من نسبة الإيمان والفقه والحكمة إليهم نفي الثلاثة عن غيرهم، فلا تعارض بين قوله الإيمان يمان، وقوله الإيمان في أهل الحجاز، كما سيأتي، وقوله (يمان ويمانية) قال النووي: الجمهور بتخفيف الياء لأن ألفه زيدت بدلًا من ياء النسب المشددة، فلا يجمع بينهما وحكى المبرد وسيبويه عن بعض العرب فيها التشديد، قال أمية بن خلف:
يمانيًّا يظلُّ يشبُّ كيرًا ... وينفخ دائمًا لهب الشُّواظ
والفقه لغة الفهم، واصطلاحًا إدراك الأحكام الشرعية العملية بالاستدلال على أعيانها، والحكمة لغة ما منع من الجهل والجفاء، والحكيم من منعه عقله وحلمه من الجهل، حكاه ابن عرفة، واصطلاحًا العلم بالأحكام الاعتقادية المشتمل على المعرفة بالله ﵎ المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس وتحقيق الحق، والعمل به والصد عن اتباع الهوى والباطل، والحكيم من له ذلك، قاله النووي، وقال ابن دريد: كل كلمة وعظتك وزجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم، ومنه قول النبي ﷺ "إن من الشعر حكمة" وفي بعض الروايات "حِكمًا" وهي مأخوذة من حكمة الدابة وهي الحديدة التي هي اللجام سُميت بذلك لأنها تمنعها، وهذه الأحرف خ ك م حيثما تصرفت فيها فهي بمعنى المنع قال الشاعر:
أبني حنيفة أَحْكِموا سفهاءكم ... إني خشيت عليكم أن أغضب
وروى الطحاوي في سبب هذا الحديث أن عيينة بن حصن فضل أهل نجد فقال له النبي ﷺ كذبت بل هم أهل اليمن الإيمان يمان، والحديث الآخر
стр. 981
٩٢ - (٠٠)(٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
ــ
أخرجه الطبراني عن معاذ بن جبل ولفظه قال كان رسول الله ﷺ في دارنا يَعْرِضُ الخيل (١) فدخل عليه عيينة بن حصن فقال للنبي ﷺ أنت أبصر مني بالخيل، وأنا أبصر بالرجال منك، فقال النبي ﷺ : فأي الرجال خير، فقال: رجال يحملون سيوفهم على عواتقهم، ويعرضون رماحهم على مناسج خيولهم، ويلبسون البرود من أهل نجد فقال النبي ﷺ : كذبت بل خير الرجال رجال اليمن الإيمان يمان، قال الهيثمي رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أن خالد بن معدان لم يسمع من معاذ اهـ مجمع ١/ ٤٤.
وعيينة هو ابن حصن بن حذيفة الفزاري من قيس عيلان، واسم عيينة حذيفة فأصابته بَقْوَةٌ (شلَلٌ) فجُحِظَتْ عيناه فسُمي عيينة، ويكنى أبا ملاك وهو سيد بني فزارة وفارسهم، وصفه رسول الله ﷺ لعائشة فقال: "هو الأحمق المطاع".
قال ابن سعد: وارتد عيينة حين ارتدت العرب، ولحق بطليحة الأسدي حين تنبأ فآمن به، فلما هُزم طليحة أخذ خالد بن الوليد عيينة فأوثقه وبعث به إلى أبي بكر الصديق، قال ابن عباس: فنظرت إليه والغلمان ينخسونه بالجريد ويضربونه ويقولون له: أي عدو الله كفرت بعد إيمانك؟ ! فيقول: والله ما كنت آمنت، فلما كلمه أبو بكر رجع إلى الإسلام فأمنه، وقد نقل الذهبي عن المدائني عن عبد الله بن قائد قال: كانت أم البنين بنت عيينة عند عثمان فدخل عيينة على عثمان بلا إذن، فعاتبه عثمان، فقال: ما كنت أرى أني أُحجب عن رجل من مضر، فقال عثمان: إذن فأصب من العشاء، قال: إني صائم، قال: تصوم الليل؟ ! قال: إني وجدت صوم الليل أيسر عليَّ، هذا ما كان من بعض شأن عيينة.
وغرض المؤلف بسوق هذا الحديث أعني حديث أبي هريرة الاستشهاد لحديث أبي مسعود الأنصاري ﵄ جميعًا، وشارك المؤلف في روايته أحمد (٢/ ٤٨٠، ٤٨٨) والبخاري (٣٤٩٩) ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٩٢) - (٠٠)(٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس أبو موسى العَنزي البصري المعروف بالزَّمن، ثقة ثبت من العاشرة، مات في ذي القعدة سنة (٢٥٢) اثنتين
стр. 982
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ح وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ،
ــ
وخمسين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا، قال ابن المثنى (حدثنا) محمد (بن أبي عدي) اسمه إبراهيم مولى بني سُليم القسملي، نزل القساملة موضع بالبصرة، أبو عمرو البصري، ثقة من التاسعة، مات بالبصرة سنة (١٩٤) أربع وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثني عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور بمعجمة (الناقد) أبو عثمان البغدادي، ثقة حافظ، وَهِمَ في حديث، من العاشرة، مات ببغداد في ذي الحجة سنة (٢٣٢) اثنتين وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا، قال عمرو (حدثنا إسحاق بن يوسف) بن يعقوب بن مرداس (الأزرق) المخزومي الواسطي، أحد الأعلام، روى عن عبد الله بن عون وفُضيل بن غزوان والثوري وزكريا بن أبي زائدة والأعمش وخلق، ويروي عنه (ع) وعمرو الناقد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وعبد الله بن سعيد ومحمد بن أبي خلف وغيرهم، وقيل لأحمد: أثقة هو؟ قال: أي والله، ورُوي عنه أنه لم يرفع بصره إلى السماء نحوًا من عشرين سنة، وقال في التقريب: ثقة من التاسعة، مات سنة (١٩٥) خمس وتسعين ومائة وله (٧٨) ثمان وسبعون سنة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والصوم والحج والدعاء في خمسة أبواب تقريبًا، وأتى بالتحويل لاختلاف شيخي شيخيه مع اختلاف صيغتهما (كلاهما) أي كل من ابن أبي عدي واسحاق بن يوسف رويا (عن) عبد الله (بن عون) بن أرطبان بفتح فسكون ففتح المُزني مولاهم، أبي عون البصري الخراز بفتح المعجمة والمهملة المشددة آخره زاي، قيل: كان أرطبان مولى عبد الله بن مُغَفَّل، وقيل: مولى عبد الله بن دُرَّة، روى عن محمد بن سيرين ومجاهد وأبي سعيد ونافع وهشام بن زيد وإبراهيم النخعي والشعبي وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابن أبي عدي وإسحاق الأزرق وأبو عاصم وإسماعيل بن عُلية ووكيع وحماد بن زيد ويزيد بن هارون والثوري وأبو خالد الأحمر وخلق، قال ابن مهدي: ما أحد أعلمَ بالسنة بالعراق من ابن عون، وقال روح بن عبادة: ما رأيت أعبد منه، ولد سنة (٦٦) ست وستين قبل الجارف بثلاث سنين، وقال في التقريب: ثقة ثبت فاضل من أقران
стр. 983
عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ... " بِمِثْلِهِ.
٩٣ - (٠٠) وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ،
ــ
أيوب في العلم والعمل والسن، كان من سادات أهل زمانه من السادسة، مات سنة (١٥٠) خمسين ومائة على الصحيح، وهو ابن خمس وثمانين سنة (٨٥).
روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والجنائز والزكاة والصوم في موضعين والحج في أربعة مواضع والهبة والجهاد والحدود والفضائل والفتن، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أحد عشر بابًا تقريبًا (عن محمد) بن سيرين الأنصاري مولاهم أبي بكر البصري (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة ... الحديث، والجار والمجرور في قوله (بمثله) متعلق بما عمل في المتابع، والضمير فيه عائد إلى المتابَع المذكور في السند السابق، والتقدير حدثنا عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين بمثل ما حدث أيوب عن محمد بن سيرين من الحديث السابق.
وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة ابن عون لأيوب، ولم يكرر المتن لأن الحديثين متماثلان لفظًا ومعنى، فلا حاجة إلى الاستثناء، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وهذان السندان من خماسياته فالأول منهما رجاله كلهم بصريون إلا أبا هريرة فإنه مدني، والثاني رجاله اثنان بصريان وواحد بغدادي وواحد واسطي وواحد مدني.
تنبيه: وإنما كررت ذكر تراجم رجال الأسانيد مع كونه ظاهرًا معلومًا مما تقدم لقصد الإيضاح لمن لم يكن من أهل هذا الشأن، ليتوصل بما ذكرته إلى مطالعة تراجمهم، ومعرفة حالهم، لأنه ربما وقف على رجال هذا الباب فيريد معرفة طبقاتهم وأحوالهم فيصعُب عليه والله الموفق.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٩٣)(٠٠) (وحدثني عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) أبو عثمان البغدادي ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٢) اثنتين وثلاثين ومائتين (و) حدثني أيضًا (حسن) بن علي بن محمد بن علي الهُذلي، أبو علي الخلال (الحلواني) الريحاني المكي، ثقة حافظ له تصانيف، من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٢) اثنتين وأربعين ومائتين، وتقدم البسط
стр. 984
قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الأَعْرَجِ
ــ
في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال كل من عمرو والحسن (حدثنا يعقوب) بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، أبو يوسف المدني ثقة فاضل، من صغار التاسعة، مات سنة (٢٠٨) ثمان ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة أبواب تقريبًا وأتى المؤلف بجملة قوله (وهو ابن إبراهيم بن سعد) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه بل مما زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي، وتورعًا من الكذب على شيخه، قال يعقوب (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهري أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقة حجة من الثامنة، مات سنة (١٨٣) ثلاث وثمانين ومائة، وهو ابن (٧٣) ثلاث وسبعين سنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا (عن صالح) بن كيسان المدني، أبي محمد الغفاري، ثقة ثبت فقيه تابعي، رأى عبد الله بن عمر، من الرابعة، مات بعد الأربعين ومائة (١٤٠)، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة أبواب تقريبًا.
(عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني الهاشمي مولاهم، أبي داود القاري مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، روى عن أبي هريرة وعبد الله بن كعب بن مالك ومعاوية وأبي سعيد وغيرهم، ويروي عنه (ع) وصالح بن كيسان وأبو الزناد وجعفر بن ربيعة ومحمد بن يحيى بن حبان ويحيى بن سعيد الأنصاري وسعد بن إبراهيم وخلائق، ثقة ثبت عالم حافظ قارئ من الثالثة، مات سنة (١١٧) سبع عشرة ومائة بالإسكندرية.
روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في ثلاثة مواضع والحج والبيوع وفي ذكر عيسى ﵇ وفي الفضائل، وجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعة أبواب تقريبًا، وهذا السند من سداسياته، رجاله كلهم مدنيون إلا واحدًا عمرًا فإنه بغدادي، وحسنًا فإنه مكي، ومن لطائفه أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة الأعرج لمحمد بن سيرين في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأن المتابَع والمتابع ثقتان، وكرر متن الحديث في هذه المتابعة لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى بالزيادة والنقصان.
стр. 985
قَال: قَال أَبُو هُرَيرَةَ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ"
ــ
(قال) الأعرج (قال أبو هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني (قال رسول الله ﷺ أتاكم) أيها المؤمنون من الأنصار والمهاجرين (أهل) قطر (اليمن) مسلمين طائعين، وهذا الخطاب صريح في أن المراد بأهل اليمن أهل قطر اليمن لا الأنصار ولا أهل الحجاز، لأنهم هم المخاطبون، وفي هذه الرواية زيادة ضمير المخاطبين (هم أضعف قلوبًا) من مضر وربيعة، أي أسرع فهمًا وانفعالًا للخير (وأرق أفئدة) منهم أي أخشع وأصفى من الحجاب يعني قلوبهم ضعيفة سريعة لفهم الخيرات وقبولها، لا غليظة لا تفهم الخير ولا تقبله كقلوب مضر وربيعة، رقيقة خاشعة صافية من الحجاب لا قاسية كقلوبهم.
(فائدة) والفرق بين الأفئدة والقلوب أن الفؤاد من القلب كالقلب من الصدر، يعني أن الفؤاد وسط القلب وباطنه وداخله الذي يحترق بسبب المحبة والعشق، ويتألم بسبب الحزن والهم والغم اهـ من تفسير حدائق الروح والريحان في سورة الأحزاب، والحاصل أن الصدر غِلاف القلب والقلب غلاف الفؤاد، فالفؤاد داخل الداخل، وبهذا ظهر الفرق بينهما، وفي القرطبي: والقلوب جمع قلب، سُمي به لأنه يتقلب كثيرًا كما قال الشاعر:
وما سُمي الإنسان إلا لنسيه ... وما القلب إلا أنه يتقلبُ
والأفئدة جمع فؤاد وهو القلب، وقيل الفؤاد داخل القلب، أي اللطيفة القابلة للمعاني من العلوم والمحبة والحزن وغيرها اهـ بتصرف وزيادة. (الفقه) أي علم الأحكام الشرعية العملية (يمان) أي منسوب إلى أهل اليمن (والحكمة) أي علم الأحكام الاعتقادية التي تهذب النفوس من الضلالة والشهوات، وتربيها بمعرفة الله تعالى ورسله وجميع السمعيات (يمانية) أي منسوبة إلى أهل اليمن، يعني أهل اليمن أكثر علمًا بالأحكام الشرعية العملية، وعلمًا بالأحكام الاعتقادية الموصلة إلى معرفة الله تعالى، فليس المراد نفي ذلك عن غيرهم، بل المراد تفضيلهم على غيرهم من ربيعة ومضر، في الفقه والحكمة في ذلك الوقت، لا في جميع الأزمنة، فليست تلك المنقبة لأولادهم، كما أن فضل الهجرة ليست لأولاد المهاجرين، وخلاصة ما ذكرناه أن من رق قلبه ولان قبل المواعظ وخضع للزواجر وسارع إلى الخير صفا للإيمان والفقه والحكمة كأهل