Полный текст (11 982 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.
стр. 9171
فَلَم يَرُدَّ عَلَيَّ. فَرَجَعتُ فَقَال: مَا مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَنَا؟ فَقُلْتُ: إِني أَتَيتُكَ. فَسَلَّمتُ عَلَى بَابِكَ ثَلاثًا. فَلَم يَردُّوا عَلَيَّ. فَرَجَعتُ. وَقَد قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا اسْتَأذَنَ أَحَدُكم ثَلاثًا فَلَم يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيرجِع"
ــ
وصورته أن يقول السلام عليكم، وإن شاء زاد هذا فلان على ما سيأتي اهـ. وقال الطيبي: وأجمعوا على أن الاستئذان مشروع وتظاهرت به دلائل القرآن والسنة، والأفضل أن يجمع بين السلام والاستئذان، واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام أو الاستئذان، والصحيح تقديم السلام فيقول: السلام عليكم أأدخل؟ وعن الماوردي: إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام وإلا قدم الاستئذان. [قلت] وهو بظاهره يخالف ما سبق من حديث السلام قبل الكلام اهـ (فلم يرد) على عمر السلام (فرجعت) إلى بيتي. واختلفت الروايات في وجه عدم الرد فأخرج البخاري في البيوع ما يدل على أن عمر ﵁ كان مشغولًا بامر، وأخرج البخاري في الأدب المفرد أن عمر أراد تأديبه لما بلغه أنه قد يحتبس على الناس حال إمرته بالكوفة، ولفظ البخاري في الأدب المفرد (يا عبد الله اشتد عليك أن تحتبس على بابي، اعلم أن الناس كذلك يشتد عليهم أن يحتبسوا على بابك) ولا منافاة بين الوجهين فيمكن أن يكون عمر ﵁ أراد التأديب وكان مع ذلك في شغل اهـ تكملة. فدعاني مرة ثانية فأتيته (فقال) في عمر (ما منعك؟ ) أي أي شيء وأي سبب من العذر منعك وحجزك من (أن تأتينا) حين أرسلت إليك وأمرتك أن تأتينا؟ قال أبو موسى (فقلت) له في الاعتذار (إني أتيتك) أي أتيت إلى دارك (فسلمت) واقفًا (على بابك) فالجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره أي فسلمت عليك حال كوني واقفًا على بابك والله أعلم (ثلاثًا) منصوب على المفعولية المطلقة بسلمت أي سلمت عليك ثلاث تسليمات (فلم يردوا) أي فلم يرد (علي) السلام أهل بيتك (فرجعت) إلى بيتي (وقد قال رسول الله ﷺ إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يوذن له فليرجع) ظاهره أن صاحب المنزل إذا سمع ولم يأذن له فليرجع والنظم القرآني يؤيده حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ وأما إذا لم يسمع فالأولى تكرار الاستئذان حتى يسمع كما قاله بعضهم فقوله (فليرجع) أي لأن عدم الإجابة من صاحب البيت ثلاث مرات تصريح منه بعدم الإذن، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ وبه ظهر أن الرجل إذا لم يأذن له صاحب
стр. 9172
فَقَال عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيهِ البَيِّنَةَ. وَإِلأ أَوْجعتُكَ.
فَقَال أُبَيُّ بْنُ كَعبٍ: لَا يَقُومُ مَعَهُ إلا أَصغَرُ الْقَوْمِ. قَال أَبُو سَعِيدٍ: قلت: أَنَا أَصغَرُ الْقَوْمِ. قَال: فَاذهبْ بِهِ
ــ
البيت لشغل أو نحوه فليس للزائر أن يسخط على صاحب البيت ولا أن يضيق بذلك ذرعًا لأنه يمكن أن يكون في حالة لا يتيسر له فيها الخروج أو إكرام الزائر وليس للإنسان أن يكره الآخر على لقائه.
واعلم أن ما ذكر من الاستئذان بالكلام إذا كان صاحب البيت يسمع صوته أما إذا علم أنه لا يسمع صوته في داخل البيت فيكتفي بالاستئذان بقرع الباب أو بضغط زر الجرس الموضوع في زماننا على أبواب أكثر البيوت ولكن الأدب في قرع الباب أو دق الجرس أن يكون خفيفًا بحيث يسمع ولا يزعج في ذلك، فقد روى أنس بن مالك ﵁ قال كانت أبواب النبي ﷺ تقرع بالأظافير رواه الخطيب في جامعه كما في تفسير القرطبي [١٢/ ٢١٧].
(فقال عمر) لأبي موسى (أقم عليه) أي على ما سمعته من رسول الله ﷺ من هذا الحديث (البينة) أي من يشهد لك على هذا الحديث (وإلا) أي وإن لم تقم عليه البينة (أوجعتك) أي ضربتك بالدرة وجعلتك عظة لغيرك، فلما أتاه بالبينة قال: إنما أحببت أن أتثبت فيه (فقال أبي بن كعب) بن قيس الأنصاري سيد القراء كاتب الوحي إلا يقوم معه) أي مع أبي موسى للشهادة له عند عمر (إلا أصغر القوم) منا (قال أبو سعيد) الخدري (قلت) لأبي بن كعب (أنا أصغر القوم) المجتمعين في هذا المجلس (قال) أبي بن كعب لأبي موسى (فاذهب به) أي بأبي سعيد الخدري إلى عمر ليشهد لك على سماع هذا الحديث من رسول الله ﷺ ، وإنما قال أبي لا يقوم معه إلا أصغر القوم ليتبين لعمر ﵃ أن الحديث معروف عند جماعة من الصحابة حتى عند الصغار والله أعلم. يعني لما طلب عمر من أبي موسى شاهدًا على روايته وقال أبي بن كعب لا يقوم معه إلا أصغر القوم، قال أبو سعيد: أنا أصغر القوم، يعني أنا أشهد له عنده.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٣١]، والبخاري في الاستئذان باب التسليم والاستئذان ثلاثًا [٦٢٤٥]، ، وأبو داود [٥١٨٠]، والترمذي [٢٦٩٠]، وابن
стр. 9173
٥٤٨٧ - (٠٠) (٠٠) حدثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ: قَال أبُو سَعِيدٍ: فَقُمتُ مَعَهُ، فَذَهبْتُ إِلَى عُمَرَ، فَشَهِدتُ
ــ
ماجه [٣٧٠٦]، قال القرطبي: وحاصل هذه الأحاديث أن دخول منزل الغير ممنوع كان ذلك الغير فيها أو لم يكن إلا بعد الإذن وهذا الذي نص الله تعالى عليه بقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ ثم قال بعد ذلك ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا﴾ وهذا لا بد منه لأن دخول منزل الغير تصرف في ملكه ولا يجوز بغير إذنه لأنه يطلع منه على ما لا يجوز الاطلاع عليه من عورات البيوت فكانت هذه المصلحة في أعلى رتبة المصالح الحاجية. ولما تقرر هذا شرعًا عند أبي موسى استأذن أبو موسى على عمر ﵄ ولما كان عنده علم بكيفية الاستئذان وعدده عمل على ما كان عنده من ذلك فلما لم يؤذن له رجع، وأما عمر ﵁ فكان عنده علم بالاستئذان ولم يكن عنده علم من العدد فلذلك أنكره على أبي موسى إنكار مستبعد من نفسه أن يخفى عليه ذلك من النبي ﷺ مع ملازمته النبي ﷺ حضرًا وسفرًا ملازمة لم تكن لأبي موسى ولا لغيره وإنكار من يسد باب الذريعة في التقول على رسول الله ﷺ ولذلك أغلظ على أبي موسى بقوله: أقم عليه البينة وإلا أوجعتك ولأجعلنك عظة. فلما أتاه بالبينة قال: إنما أحببت أن أتثبت. اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي موسى ﵁ فقال:
٥٤٨٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد و) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني (قالا حدثنا سفيان) بن عيينة (عن يزيد بن خصيفة بهذا الإسناد) يعني عن بسر عن أبي سعيد الخدري عن أبي موسى، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة قتيبة وابن أبي عمر لعمرو الناقد (و) لكن (زاد ابن أبي عمر في حديثه) أي في روايته أي زاد على عمرو الناقد لفظة (قال أبو سعيد) الخدري (فقمت معه) أي مع أبي موسى (فذهبت إلى عمر) ابن الخطاب (فشهدت) بذلك الحديث عند عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي موسى ﵁ فقال:
стр. 9174
٥٤٨٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثني أبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيرِ بْنِ الأشَجِّ؛ أن بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ؛ أنَّهُ سمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. فَأتَى أَبُو مُوسَى الأشْعَرِيُّ مُغْضَبًا حَتَّى وَقَفَ. فَقَال: أَنْشُدُكُمُ اللهَ، هَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الاسْتئذَانُ ثَلاثٌ. فَإِنْ أُذِنَ لَكَ. وَإِلا فارْجِعْ"
ــ
٥٤٨٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو (أخبرني عبد الله بن وهب) القرشي المصري (حدثني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري المصري (عن بكير) بن عبد الله (بن الأشج) المخزومي المصري، ثقة، من (٥) (أن بسر بن سعيد) المدني، ثقة، من (٢) (حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة بكير بن الأشج ليزيد بن خصيفة كنا في مجلس) من الأنصار (عند أبي بن كعب فأتى أبو موسى الأشعري مغضبًا) بصيغة اسم المفعول أي غضبان فزعًا بما طلب منه عمر من إقامة البينة على الحديث (حتى وقف) على رؤوس القوم، غاية لأتى (فقال) أبو موسى لأهل المجلس (أنشدكم الله) أي أسالكم حالة كوني حالفًا بالله (هل سمع أحد منكم رسول الله ﷺ يقول الاستئذان) من رب المنزل أي طلب الإذن منه في الدخول (ثلاث) مرات أي قدر عدده ثلاث فقط لا زيادة فيه (فإن أذن لك) في الدخول بعد ثلاث مرات أو بما دونها فادخل (وإلا) أي وإن لم يؤذن لك بعد الثلاث (فارجع) أيها المستأذن عن الدخول وانصرف إلى حوائجك ولا تقم على بابه، ففي الحديث دلالة على أن الاستئذان لا بد أن يكون ثلاثًا فإن لم يؤذن له بعد الثلاث فهل يزيد عليها أو لا؟ قولان لأصحابنا الأولى أن لا يزيد لقوله ﷺ الاستئذان ثلاث فإن أذن وإلا فارجع وهذا نص في عدم الزيادة وإنما خص الثلاث بالذكر لأن الغالب أن الكلام إذا كرر ثلاثًا سمع وفهم ولذلك كان النبي ﷺ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه وإذا سلم على قوم سلّم عليهم ثلاثًا وإذا كان الغالب هذا فإن لم يؤذن له بعد ثلاث ظهر أن رب المنزل لا يريد الإذن أو لعله يمنعه من الجواب عذر لا يمكنه قطعه فينبغي للمستأذن أن ينصرف لأن الزيادة على ذلك قد تقلق رب المنزل وربما يضره الإلحاح حتى ينقطع عما كان مشتغلًا به كما قال النبي ﷺ لأبي أيوب ﵁ حين استأذن عليه فخرج مستعجلًا
стр. 9175
قَال أُبَيٌّ: وَمَا ذَاكَ؟ قَال: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمْسِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ. ثُمَّ جِئْتُهُ الْيَوْمَ فَدَخَلْتُ عَلَيهِ. فَأَخْبَرْتُهُ؛ أَنِّي جِئْتُ أَمْسِ فَسَلَّمْتُ ثَلاثًا. ثُمَّ انْصَرَفْتُ. قَال: قَدْ سَمِعْنَاكَ وَنَحْنُ حِينَئِذٍ عَلَى شُغْلٍ. فَلَوْ مَا اسْتَأْذَنْتَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَكَ؟ قَال: اسْتَأْذَنْتُ, كَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَال: فَوَاللَّهِ, لأُوجِعَنَّ ظَهْرَكَ
ــ
فقال: "لعلنا أعجلناك" متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري.
(قال أبي) بن كعب لأبي موسى (ومما ذاك؟ ) أي وما سبب سؤالك عمن سمع هذا الحديث (قال) أبو موسى (استأذنت) طلبت الإذن في الدخول (على عمر بن الخطاب أمس) متعلق بالاستئذان أي استأذنته في الدخول عليه في اليوم الذي قبل هذا اليوم (ثلاث مرات فلم يؤذن لي) في الدخول عليه (فرجعت) أي فانصرفت من بابه (ثم جئته) أي جئت عمر (اليوم) أي في هذا اليوم الحاضر الذي نحن فيه (فدخلت عليه فأخبرته أني جئت أمس) على بابك (فسلمت) عليكم (ثلاثًا) من المرات فلم يؤذن لي (ثم انصرفت) أي انقلبت إلى بيتي. وقوله (استأذنت على عمر أمس) هو ظاهر في أن قصة الاستئذان ورجوع أبي موسى وقعت في يوم واعتراض عمر على ذلك ومطالبته بالبينة وقع في اليوم التالي بعده، وظاهر سياق الروايات الأخرى أن الأمرين وقعا في يوم واحد، وجمع الحافظ بينهما في الفتح [١١/ ٢٨] بأن عمر لما فرغ من الشغل الذي كان فيه تذكره فسأل عنه فأخبر برجوعه فأرسل إليه فلم يجده الرسول في ذلك الوقت وجاء هو إلى عمر في اليوم الثاني والله أعلم (قال) عمر لأبي موسى (قد سمعناك) أي قد سمعنا استئذانك يا أبا موسى (ونحن حينئذ) أي حين إذ طلبت منا الإذن في الدخول مقبلون (على شغل) مهم (فلوما استأذنت) أي هلا استأذنت مرارًا (حتى يؤذن لك) فلوما هنا حرف تحضيض بمعنى هلا حضه بها على الاستئذان مرارًا والتحضيض هو الطلب بحث وإزعاج (قال) أبو موسى (استأذنت) منكم (كما سمعت) من (رسول الله ﷺ أي استأذنت منكم استئذانًا كالاستئذان الذي سمعته من رسول الله ﷺ فلم تأذنوا لي فرجعت لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول "الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع" (قال) عمر: ائتني بمن يشهد لك على هذا الحديث فإن أتيت به فذاك وإلا (فوالله لأوجعن ظهرك) أي لأوقعن الوجع والألم على ظهرك بالضرب
стр. 9176
وَبَطْنَكَ. أَوْ لَتَأْتِيَنَّ بِمَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا.
فَقَال أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: فَوَاللَّهِ, لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَحْدَثُنَا سِنًّا. قُمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ , فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيتُ عُمَرَ؛ فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا
ــ
(وبطنك) أي ولأوقعن الوجع على بطنك وقلبك بالتقريع والتوبيخ (أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا) الحديث وأو هنا بمعنى إلا وأن مضمرة بعدها وجوبًا والفعل منصوب بها محلًا واللام زائدة زيدت لتأكيد اللام الأولى، والتقدير والله لأوجعن ظهرك وبطنك إلا أن تأتيني بمن يشهد لك على هذا الحديث.
وظاهر هذا تهديد لأبي موسى وحقيقته زجر غيره لأن من دون أبي موسى إذا رأى هذه القضية أو سمعها وإن كان في قلبه مرض وأراد أن يصنع حديثًا بترويج مرامه الفاسد ينزجر ويخاف ولا يجترئ على وضع حديث وإلا فكيف يظن بعمر أنه ظن في حق أبي موسى أنه صنع لمرامه حديثًا وأنه أجل وأعلى عند عمر من ذلك والله أعلم (فقال أبي بن كعب) لأبي موسى (فوالله لا يقوم معك) ولا يشهد لك على هذا الحديث (إلا أحدثنا) أي إلا أصغرنا وأقلنا (سنًّا) أي عمرًا، ثم قال لي أبي بن كعب (قم) معه (يا أبا سعيد) لتشهد له عند عمر، قال أبو سعيد (فقمت) مع أبي موسى (حتى أتيت عمر) بن الخطاب (فقلت) لعمر أشهد أني (قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا) الحديث، ومراد عمر ﵁ بطلب البينة من أبي موسى حماية الشرائع والسنن أن يزاد فيها أو ينقص وحسم مادة التقول على النبي ﷺ وسد بابه عن الناس لا أنه شك في صدقه وظن أن أبا موسى تقول على رسول الله ﷺ بما لم يقله، وأبو موسى كان عالمًا بكيفية الاستئذان وعدده فاستأذن بمثل ما علم وعمر وإن كان عالمًا بمشروعيته ولكن خفي عليه العدد فلذا أنكر على أبي موسى واستبعد وطلب البينة، ومراد أبي بن كعب أن الحديث مشهور عندهم وإن خفي على عمر حتى يعرفه أصغرهم والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي موسى ﵁ فقال:
стр. 9177
٥٤٨٩ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرٌ (يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ, عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّ أَبَا مُوسَى أَتَى بَابَ عُمَرَ. فَاسْتَأْذَنَ. فَقَال عُمَرُ: وَاحِدَةٌ. ثُمَّ اسْتَأْذَنَ الثَّانِيَةَ. فَقَال عُمَرُ: ثِنْتَانِ. ثُمَّ اسْتَأْذَنَ الثَّالِثَةَ. فَقَال عُمَرُ: ثَلاثٌ. ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتْبَعَهُ فَرَدَّهُ. فَقَال: إِنْ كَانَ هَذَا شَيئًا حَفِظْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَا. وَإِلَّا, فَلأَجْعَلَنَّكَ عِظَةً. قَال أَبُو سَعِيدٍ: فَأَتَانَا فَقَال: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ؟ ". قَال: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ. قَال: فَقُلْتُ: أَتَاكُمْ أَخُوكُمُ الْمُسْلِمُ قَدْ أُفْزِعَ،
ــ
٥٤٨٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا نصر بن علي الجهضمي) البصري، ثقة ثبت، من
(١٠) (حدثنا بشر يعني ابن مفضل) بن لاحق الرقاشي البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا سعيد بن يزيد) بن مسلمة الأزدي أبو مسلمة البصري، ثقة، من (٤) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي البصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (١١) بابا (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري الخدري ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي نضرة لبسر بن سعيد (أن أبا موسى) الأشعري (أتى باب عمر) بن الخطاب (فاستأذن) في الدخول عليه (فقال عمر) هذه التسليمة مرة (واحدة ثم استأذن) أبو موسى المرة (الثانية فقال عمر) هاتان (ثنتان) مع الأولى (ثم استأذن) أبو موسى المرة (الثالثة فقال عمر) تلك (ثلاث) مع السابقتين (ثم انصرف) ورجع أبو موسى (فأتبعه) عمر (فرده فقال) عمر لأبي موسى (إن كان هذا) الاستئذان (شيئًا حفظته من رسول الله ﷺ فها) أي فهات البينة على ما رويته (وإلا) أي وإن لم تأت بالبينة (فلأجعلنك) أي فلأجعل ضربك وتعزيرك (عظة) أي اعتبارًا يعتبر به الناس (قال أبو سعيد فأتانا) أبو موسى (فقال ألم تعلموا) أيها القوم ولم تسمعوا (أن رسول الله ﷺ قال الاستئذان ثلاث) مرات (قال) أبو سعيد (فجعلوا) أي فشرع القوم الجالسون (يضحكون) بأبي موسى تعجبًا من فزع أبي موسى وذعره من العقوبة مع أنهم قد أمنوا أن تناله عقوبة أو غيرها لقوة حجته وسماعهم من النبي ﷺ ما أنكر عليه عمر (قال) أبو سعيد (فقلت) للقوم (أتاكم أخوكم المسلم) و (قد أفزع) أي والحال أنه قد أوقع به الفزع والخوف من عمر وأنتم
стр. 9178
تَضْحَكُونَ؟ انْطَلِقْ فَأَنَا شَرِيكُكَ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ. فَأَتَاهُ. فَقَال: هَذَا أَبُو سَعِيدٍ.
٥٤٩٠ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْجُرَيرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ. كِلاهُمَا عَنْ أَبِي نَضْرَةَ. قَالا: سَمِعْنَاهُ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. بِمَعْنَى حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ مُفَضَّلٍ, عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ
ــ
(تضحكون) به فقلت لأبي موسى (انطلق) بنا إلى عمر (فأنا شريكك في هذه العقوبة) التي هددك بها عمر (فأتاه) أي فأتى أبو موسى عمر وأنا معه (فقال) أبو موسى لعمر (هذا) الجائي معي (أبو سعيد) الخدري فهو يشهد لي بما رويته لك.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أبي موسى ﵁ فقال:
٥٤٩٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي مسلمة) البصري سعيد بن يزيد الأزدي، ثقة، من (٤) (عن أبي نضرة) المنذر بن مالك (عن أبي سعيد) الخدري. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة شعبة لبشر بن المفضل (ح وحدثنا أحمد بن الحسن بن خراش) الخراساني أبو جعفر البغدادي، صدوق، من (١١) روى عنه في (٣) أبواب (حدثنا شبابة) بن سوار المدائني أبو عمرو الفزاري مولاهم، ثقة، من (٩) (حدثنا شعبة) غرضه بيان متابعة شبابة لمحمد بن جعفر (عن) سعيد بن إياس (الجريري) أبي مسعود البصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٠) أبواب (وسعيد بن يزيد) أبي مسلمة البصري (كلاهما) أي كل من الجريري وسعيد بن يزيد رويا (عن أبي نضرة قالا) أي قال الجريري وسعيد (سمعناه) أي سمعنا أبا نضرة (يحدث عن أبي سعيد الخدري) وساق شعبة في السندين (بمعنى حديث بشر بن مفضل عن أبي مسلمة) غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة شعبة لبشر بن المفضل.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث أبي موسى ﵁ فقال:
стр. 9179
٥٤٩١ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ. حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، عَنْ عُبَيدِ بْنِ عُمَيرٍ؛ أَنَّ أَبَا مُوسَى اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ ثَلاثًا. فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولًا. فَرَجَعَ. فَقَال عُمَرُ: أَلَمْ تَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيسٍ. ائْذَنُوا لَهُ. فَدُعِيَ لَهُ. فَقَال: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ. قَال: إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا. قَال: لَتُقِيمَنَّ عَلَى هَذَا بَيِّنَةً أَوْ لأَفْعَلَنَّ. فَخَرَجَ فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلَّا أَصْغَرُنَا. فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ فَقَال: كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا. فَقَال
ــ
٥٤٩١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي، صدوق، من (١٠) (حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج حدثنا عطاء) بن أبي رباح اسمه أسلم القرشي مولاهم اليماني نزيل مكة، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٠) أبواب (عن عبيد بن عمير) بن قتادة الليثي المكي، ثقة مخضرم، من (٢) روى عنه في (٧) أبواب (أن أبا موسى) الأشعري (استأذن) في الدخول (على عمر) بن الخطاب ﵄. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة عبيد بن عمير لأبي سعيد الخدري (ثلاثًا فكأنه) أي فكأن أبا موسى (وجده) أي وجد عمر (مشغولًا) بشغل (فرجع) أبو موسى بعد الاستئذان ثلاثًا ولم يؤذن له (فقال عمر) لمن عنده (ألم تسمع صوت) أبي موسى (عبد الله بن قيس) الأشعري انظروه و (ائذنوا له) في الدخول علي (فدعي) أبو موسى (له) أي لعمر فجاء أبو موسى (فقال) له عمر (ما حملك) وحثك (على ما صنعت) يا أبا موسى من الاستئذان ثلاثًا ثم الرجوع (قال) أبو موسى لعمر (إنا كنا) معاشر الصحابة (نؤمر بهذا) الذي صنعته من الاستئذان ثلاثًا ثم الرجوع إن لم يؤذن، أي أمرنا النبي ﷺ بذلك (قال) عمر لأبي موسى والله (لتقيمن على هذا) الحديث الذي زعمته (بينة أو لأفعلن) بك كذا وكذا من العقوبة (فخرج) أبو موسى من عند عمر لطلب الشاهد على ذلك الحديث (فانطلق) أي ذهب أبو موسى بعدما خرج من عند عمر (إلى مجلس) ومجتمع (من الأنصار) فطلب منهم الشهادة له على هذا الحديث (فقالوا) أي فقالت الأنصار له هذا الحديث مشهور عندنا فـ (لا يشهد لك على هذا) الحديث (إلا أصغرنا) سنًّا فذهب معه أبو سعيد إلى عمر (فقام أبو سعيد) قدام عمر (فقال) أبو سعيد له (كنا) معاشر المسلمين (نؤمر بهذا) الاستئذان ثلاثًا ثم الرجوع (فقال
стр. 9180
عُمَرُ: خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ.
٥٤٩٢ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ. ح وَحَدَّثَنَا
ــ
عمر) لعله (خفي علي هذا) الاستئذان حالة كونه (من أمر رسول الله ﷺ أي من مأموراته ﷺ فإنه قد (ألهاني) وشغلني (عنه) أي عن سماع هذا الحديث من رسول الله ﷺ (الصفق بالأسواق) أي التجارة والمعاملة في الأسواق، سميت المعاملة صفقًا لأن كلًّا من المتعاقدين يصفق أي يضرب بيده على يد الآخر. قوله (خفي عليّ هذا) هذا اعتراف منه واعتذار مما وقع منه في حق أبي موسى وبيان بسبب كون الحديث المعروف بينهم خفيًّا عليه. ومعنى (ألهاني عنه الصفق) أي شغلني عن ذلك الحديث أمر التجارة والمعاملة في الأسواق، نظير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ الآية، قال البيضاوي: معنى الآية لا يشغلكم تدبيرها والاهتمام بها اهـ من ذهني وقوله (خفي عليّ هذا) .. إلخ قاله عمر عاتبًا على نفسه وناسبًا لها إلى التقصير ثم بين عذره بقوله (ألهاني الصفق بالأسواق) وفي البخاري يعني الخروج إلى التجارة (وألهاني) شغلني يقال ألهاه إذا جعله في غفلة، والصفق بفتح الصاد وسكون الفاء وقيل بفتحها أيضًا جمع الصفقة وهي العقد وسمي بذلك لأنهم يتواجبون البيع بالأيدي فيصفق كل واحد منهما بيد صاحبه ومنه قيل للبيعة صفقة اهـ مفهم.
وشارك المؤلف في هذه الرواية البخاري [٢٠٦٣]، وأبو داود [٥١٨٢].
ومعنى كلام عمر ﵁ أنني بقيت مشغولًا في عهد رسول الله ﷺ بالتجارة في الأسواق فلم أسمع من النبي ﷺ أشياء تعلمها غيري. وفيه تواضع من عمر ﵁ واعتراف منه بالتقصير، وفيه أن الحاكم أو الكبير لا يخجل من الاعتراف بعدم علمه أمام أصاغره اهـ تكملة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة سادسًا في حديث أبي موسى ﵁ فقال:
٥٤٩٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عاصم) النبيل البصري الضحاك بن مخلد الشيباني، ثقة ثبت، من (٩) روى عنه في (١٢) بابا (ح وحدثنا
стр. 9181
حُسَينُ بْنُ حُرَيثٍ. حَدَّثَنَا النَّضْرُ (يَعْنِي ابْنَ شُمَيلٍ) قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ, نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ النَّضْرِ: أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ.
٥٤٩٣ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا حُسَينُ بْنُ حُرَيثٍ, أَبُو عَمَّارٍ. حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى. أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ، يَحْيَى, عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَال: جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَال: السَّلامُ عَلَيكُمْ. هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيسٍ. فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ. فَقَال: السَّلامُ عَلَيكُمْ. هَذَا أَبُو مُوسَى. السَّلامُ عَلَيكُمْ. هَذَا الأَشْعَرِيُّ
ــ
حسين بن حريث) بن الحسن بن ثابت مولى عمران بن حصين الخزاعي المروزي، ثقة، من (١٠) (حدثنا النضر يعني ابن شميل) المازني أبو الحسن البصري ثم الكوفي نزيل مرو، ثقة، من (٩) (قالا جميعًا) أي قال كل من أبي عاصم والنضر بن شميل (حدثنا ابن جريج بهذا الإسناد) يعني عن عطاء عن عبيد بن عمير عن أبي موسى، غرضه بيان متابعتهما ليحيى القطان وساقا (نحوه) أي نحو حديث يحيى القطان (و) لكن (لم يذكر) حسين بن حريث (في حديث النضر) وروايته عنه لفظة (ألهاني عنه الصفق بالأسواق).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة سابعًا في حديث أبي موسى ﵁ فقال:
٥٤٩٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا حسين بن حريث) بن الحسن الخزاعي (أبو عمار) المروزي (حدثنا الفضل بن موسى) الرازي أبو عبد الله المروزي، ثقة، من (٩) (أخبرنا طلحة بن يحيى) بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني الكوفي، صدوق، من (٦) روى عنه في (٥) أبواب (عن أبي بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري الكوفي، ثقة، من (٣) (عن أبي موسى الأشعري) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي بردة عبيد بن عمير (قال) أبو بردة (جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فقال) أبو موسى لعمر بن الخطاب (السلام عليكم هذا) المسلم عليكم (عبد الله بن قيس) الأشعري (فلم يأذن له) عمر (فقال) أبو موسى (السلام عليكم هذا) المسلم عليكم (أبو موسى) ثم قال (السلام عليكم هذا) المسلم عليكم الرجل (الأشعري) يستفاد منه أن المسلم يبين نفسه من هو ولا يكتفي بالسلام فقط لأن صوت المستأذن يمكن أن لا
стр. 9182
ثُمَّ انْصَرَفَ. فَقَال: رُدُّوا عَلَيَّ. رُدُّوا عَلَيَّ. فَجَاءَ فَقَال: يَا أَبَا مُوسَى, مَا رَدَّكَ؟ كُنَّا فِي شُغْلٍ. قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ. فَإِنْ أُذِنَ لَكَ, وَإِلَّا فَارْجِعْ" قَال: لَتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ. وَإِلَّا فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ. فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى.
قَال عُمَرُ: إِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ عَشِيَّةً. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً فَلَمْ تَجِدُوهُ. فَلَمَّا أَنْ جَاءَ بِالْعَشِيِّ وَجَدُوهُ. قَال: يَا أَبَا مُوسَى, مَا تَقُولُ؟ أَقَدْ وَجَدْتَ؟ قَال: نَعَمْ. أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ. قَال:
ــ
يكون معروفًا عند رب المنزل، قال السنوسي: وخالف بين ألفاظ التعريف عن نفسه طلبًا للتعريف خوف أن يكون لم يعرف بعضها فيعرف بالآخر اهـ ذهني (ثم) بعدما سلم على عمر ثلاث مرات (انصرف) أبو موسى أي ذهب (فقال) عمر (ردوا) أي أرجعوا أبا موسى (علي ردوا علي) بالتكرار مرتين فردوه عليه (فجاء فقال) له عمر (يا أبا موسى ما ردك) ورجعك عن بابنا بعد الاستئذان ثلاث مرات لأنا (كنا) مشغولين (في شغل) أي في أشغال مهمة (قال) أبو موسى إنما رجعت بعد الاستئذان ثلاث مرات لأني (سمعت رسول الله ﷺ يقول الاستئذان) المشروع في شرعنا (ثلاث) مرات (فإن أذن لك) في الدخول بعد ثلاث مرات أو دونها فادخل (وإلا) أي وإن لم يؤذن لك (فارجع قال) عمر لأبي موسى ﵄: والله (لتأتيني على هذا) الحديث (ببينة) أي بشاهد يشهد معك على أن الرسول ﷺ قال ذلك (والا) أي وإن لم تأت بها (فعلت) بك أشد العقوبة (وفعلت) بك أشد تعزير يكون عظة لغيرك حفظًا للسنة المطهرة عن الزيادة فيها ونكالًا له (فذهب أبو موسى) لطلب البينة (قال عمر) لمن عنده (إن وجد) أبو موسى (بينة) تشهد له على ما قال (تجدوه) أي تجدوا أبا موسى أيها المخاطبون (عند المنبر) النبوي (عشية) أي في آخر النهار (وإن لم يجد بينة فلم تجدوه) عند المنبر بل يختفي خوفًا من أن تناله عقوبة (فلما أن جاء) عمر ومن معه المسجد (بالعشي) وأن بعد لما زائدة لأن ذلك قاعدة مطردة عند النحاة (وجدوه) أي وجدوا أبا موسى عند المنبر حاضرًا قبلهم ليشهد عند المنبر لأنه أشرف بقاع المدينة فينبغي الإشهاد هناك، ثم (قال) له عمر (يا أبا موسى ما تقول) وتصنع (أقد وجدت) البينة (قال) أبو موسى (نعم) وجدت البينة (أبي بن كعب) الأنصاري (قال) عمر لأبي
стр. 9183
عَدْلٌ. قَال: يَا أَبَا الطُّفَيلِ, مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! فَلَا تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَال: سُبْحَانَ اللَّهِ, إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيئًا. فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ.
٥٤٩٤ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ
ــ
موسى: هو (عدل) يعني عمر أبي بن كعب، عدل مقبول عندنا إن شهد لك يا أبا موسى، ثم (قال) عمر (يا أبا الطفيل) هو كنية عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي المدني، كان عند عمر وقتئذ (ما يقول هذا) الحاضر مع أبي موسى يعني أبي بن كعب هل يشهد له أم لا فـ (قال) أبي بن كعب (سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك) الحديث الذي يرويه أبو موسى، ثم قال أبي بن كعب لعمر (يا ابن الخطاب فلا تكونن عذابًا) أي مشددًا (على أصحاب رسول الله ﷺ قال القرطبي: (وقول أبي لعمر بن الخطاب ﵁ لا تكونن عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ يدل على ما كانوا عليه من القوة في دين الله وعلى قول الحق ومن قبوله والعمل به فإن أبيا أنكر على عمر تهديده لأبي موسى فقام بما عليه من الحق ولما تحقق عمر الحق قبله واعتذر عما صدر منه فـ (قال) عمر (سبحان الله) أي تنزيهًا لله عما لا يليق به من الخطأ (إنما سمعت) أنا (شيئًا) أي طرفًا من هذا الحديث (فأحببت أن أتثبت) فيه وأتيقنه فاعذروني عن هذا الإنكار. قوله (فأحببت أن أتثبت) فيه أن أتحقق وأتاكد من صحته وقد مر أنه أراد سد باب الإكثار من الرواية عن رسول الله ﷺ بدون التثبت في ذلك ولم يكن ليتهم أبا موسى بالكذب فلا يعارض ما هنا من أنه أخبره أبي بن كعب ما سبق من أنه أخبره أبو سعيد الخدري لأنه أخبره بذلك كلاهما أبو سعيد أتاه أولًا فأخبره في منزله وأبي ثانيًا حتى اجتمع به عمر في المسجد وهذا كله يدل على شهرة الحديث عندهم ومع ذلك فلم يعرفه عمر ولا يستنكر هذا فإنه من ضرورة أخبار الآحاد وشارك المؤلف في هذه الرواية أبو داود [٥١٨١].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثامنًا في حديث أبي موسى ﵁ فقال:
٥٤٩٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان) بن صالح بن
стр. 9184
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى, بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيرَ أَنَّهُ قَال: فَقَال: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ, آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَال: نَعَمْ. فَلَا تَكُنْ, يَا ابْنَ الْخَطَّابِ, عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ: سُبْحَانَ اللَّهِ , وَمَا بَعْدَهُ.
٥٤٩٥ - (٢١١٦) (١٨١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَال: أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ . فَدَعَوْتُ
ــ
عمير الأموي الكوفي، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٤) (حدثنا علي بن هاشم) بن البريد مكبرًا العابدي مولاهم الكوفي، الخزاز، صدوق، من (٨) روى عنه في (٢) بابين (عن طلحة بن يحيى) التيمي المدني (بهذا الإسناد) يعني عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة علي بن هاشم للفضل بن موسى (غير أنه) أي لكن أن علي بن هاشم (قال) في روايته (فقال) عمر لأبي بن كعب (يا أبا المنذر) كنية أبي بن كعب (آنت) أي هل أنت (سمعت هذا) الحديث الذي رواه أبو موسى (من رسول الله ﷺ فقال) أبي (نعم) سمعته من رسول الله ﷺ (فلا تكن يا ابن الخطاب عذابًا) أي مشددأ (على أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يذكر) علي بن هاشم في روايته (من قول عمر) أي لم يذكر قول عمر (سبحان الله وما بعده) يعني إنما سمعت شيئًا .. إلخ. فمن زائدة في مفعول يذكر والله أعلم.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث جابر ﵁ فقال:
٥٤٩٥ - (٢١١٦) (١٨١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي (حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد الأودي الكوفي (عن شعبة) بن الحجاج (عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير مصغرًا التيمي المدني، ثقة، من (٣) (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄. وهذا السند من خماسياته (قال) جابر (أتيت النبي ﷺ في منزله (فدعوت) أي فاستأذنت في الدخول عليه كما في
стр. 9185
فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ هَذَا؟ ". قُلْتُ: أَنَا. قَال: فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: "أَنَا أَنَا! ! "
ــ
الرواية الآتية (فقال النبي ﷺ من هذا) المستأذن؟ قال جابر (قلت) له ﷺ (أنا) المستأذن (قال) جابر (فخرج) إلي النبي ﷺ (وهو) أي والحال أنه (يقول) تقول (أنا أنا) مبهمًا نفسك. قال النووي: زاد في رواية (كرهها) قال العلماء: إذا استأذن فقيل له: من أنت؟ أو من هذا؟ كره أن يقول: أنا. لهذا الحديث ولأنه لم يحصل بقوله (أنا) فائدة ولا زيادة بل الإبهام باق بل ينبغي أن يقول فلان باسمه وإن قال أنا فلان فلا بأس به كما قالت أم هانئ حين استأذنت، فقال النبي ﷺ : من هذه؟ فقالت: أنا أم هانئ. ولا بأس بقوله أنا أبو فلان .. الخ اهـ ولا أنا الشيخ فلان أو القارئ فلان والقاضي فلان إذا لم يحصل التمييز إلا بذلك يعني أن المقصود تعريف المستأذن نفسه وإزالة الإبهام عنها فبأي شيء يحصل ذلك يلزم عليه أن يورده والله أعلم.
وفي قوله ﷺ "أنا أنا" بالتكرير توبيخ لجابر لعدم إفادة قوله المقصود، قال الأبي: وقيل إنما كره ذلك لأنه دق الباب كما جاء في غير مسلم فأنكر عليه الاستئذان بالدق وبغير السلام اهـ ذهني.
قوله (أتيت النبي ﷺ وزاد البخاري (في دين كان على أبي فدققت الباب) وبه ظهر أن المراد من قوله فدعوت أي استأذنت بدق الباب. قوله (فخرج وهو يقول أنا أنا) هذا يحتمل وجهين الأول أنه أنه كرر لفظ جابر إنكارًا منه عليه. والثاني أنه قال إن لفظ أنا يستعمل لكل متكلم فلا يحصل به التعريف. وبالجملة ففيه كراهة لمثل هذا الجواب فإن المستأذن عليه أن يعرف نفسه بوضوح وإن هذا الجواب ليس فيه فائدة جديدة لمن لا يعرف الصوت وإن كان الآخر يعرف الصوت فإن كلمة أنا مختصرة جدًّا لا تتضح بها مميزات الصوت ثم إن في هذا القول إيهامًا بالكبر حيث يزعم الإنسان أنه غني عن التعريف وهذا وإن كان منتفيًا في حق جابر في ذلك المقام ولكنه تعليم عام.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٣٢٠]، والبخاري في الاستئذان [٦٢٥٠]، وأبو داود في الأدب [٥١٨٧]، والترمذي في الاستئذان [٢٧١٢]، وابن ماجه في الأدب في باب الاستئذان [٣٧٥٣].
стр. 9186
٥٤٩٦ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا) وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَال: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَقَال: "مَنْ هَذَا؟ ". فَقُلْتُ: أَنَا. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ " أَنَا أَنَا! ! ".
٥٤٩٧ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيلٍ وَأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِهِمْ: كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
٥٤٩٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (وأبو بكر بن أبي شيبة واللفظ لأبي بكر قال يحيى أخبرنا وقال أبو بكر حدثنا وكيع عن شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله) ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة وكيع لعبد الله بن إدريس (قال) جابر (استأذنت) في الدخول (على النبي ﷺ فقال) النبي ﷺ (من هذا) المستأذن (فقلت أنا) المستأذن يا رسول الله (فقال النبي ﷺ تقول (أنا أنا) مبهمًا نفسك.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر ﵁ فقال:
٥٤٩٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا النضر بن شميل) المازني البصري، ثقة، من (٩) (وأبو عامر العقدي) عبد الملك بن عمرو البصري، ثقة، من (٩) (ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثني وهب بن جرير) بن حازم الأزدي البصري، ثقة، من (٩) (ح وحدثني عبد الرحمن بن بشر) بن الحكم العبدي النيسابوري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٢) (حدثنا بهز) بن أسد العمي البصري، ثقة، من (٩) (كلهم) أي كل هؤلاء الثلاثة من أبي عامر ووهب وبهز رووا (عن شعبة بهذا الإسناد) يعني عن ابن المنكدر عن جابر غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لعبد الله بن إدريس ووكيع (و) لكن (في حديثهم) أي في حديث هؤلاء الثلاثة لفظة (كأنه) ﷺ (كره ذلك) الاستئذان من جابر يعني أنا أنا.
стр. 9187
٥٤٩٨ - (٢١١٧) (١٨٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. قَالا: أَخْبَرَنَا اللَّيثُ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى). ح وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ
ــ
ثم استدل المؤلف على الجزء الثالث من الترجمة بحديث سهل بن سعد الساعدي ﵄ فقال:
٥٤٩٨ - (٢١١٧) (١٨٢) (حدثنا يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح) بن المهاجر المصري (قالا أخبرنا الليث) بن سعد الفهمي المصري (واللفظ ليحيى ح وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن ابن شهاب أن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي (الساعدي) أبا العباس المدني الصحابي المشهور، له ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما (أخبره) أي أخبر لابن شهاب (أن رجلًا) من المسلمين هو الحكم بن أبي العاص والد مروان بن الحكم كما في مبهمات مسلم، وقيل سعد بن عبادة، وقال الحافظ ابن جحر: والصواب أنه أحد الأعراب أو المنافقين. وهذان السندان من رباعياته (اطلع) أي نظر (في جحر) أي في ثقب (في باب) بيت (رسول الله ﷺ والجحر بضم الجيم وسكون الحاء ثقب مستدير في حائط أو أرض، وفي الأبي: الجحر بضم الجيم وإسكان الحاء واحد الجحرة على وزن عنبة وهي مكامن الوحش ولما كانت ثقبًا في الأرض شبه الثقب في الباب بها (ومع رسول الله ﷺ مدرى) بكسر الميم وسكون الدال في آخره ألف مقصورة وهي حديدة يسوى بها شعر الرأس، وقيل هو شبه المشط، وقيل أعواد محددة وتجعل شبه المشط، وقيل هو عود تسوي به المرأة شعرها، والكلمة تذكر وتؤنث ومؤنثها مدراة وجمعها مدارى، وأوضح من هذا وأصح قول النضر بن شميل وابن كيسان أنه عود أو عاج تنشر به المرأة شعرها وتجعده، قال امرؤ القيس:
غدائره مستشزِرَات إلى العلا ... تضل المدارى في مثنى ومرسل
وقد عبر عنه في الرواية الأخرى بمشقص وبمشاقص .. إلخ ما في المفهم (يحك به رأسه) أي يسرح به شعر رأسه، وفي بعض الروايات (يرجل) ولا منافاة بينهما لأن
стр. 9188
فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَال: "لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْتَظِرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَينِكَ" وَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ".
٥٤٩٩ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ الأَنْصَارِيِّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ
ــ
الترجل ربما يسبقه الحك، وفيه استحباب الترجيل وجواز استعمال المدرى قال العلماء: فالترجيل مستحب للنساء مطلقًا وللرجل بشرط أن لا يفعله كل يوم أو كل يومين ونحو ذلك اهـ نووي.
(فلما رآه) أي رأى ذلك الرجل (رسول الله ﷺ قال لو أعلم أنك) أيها الرجل (تنظرني) وفي بعض الروايات (تنتظرني) وهو بمعنى الأول (لطعنت به في عينك وقال رسول الله ﷺ إنما جعل الإذن) أي شرع الاستئذان (من أجل البصر) أي النظر، معناه أن الاستئذان مشروع ومأمور به وإنما جعل لئلا يقع البصر على الحرام فلا يحل لأحد أن ينظر في جحر باب ولا غيره مما هو متعرض فيه لوقوع بصره على امرأة أجنبية، وفي هذا الحديث رمي المتطلع بشيء خفيف فلو رماه بخفيف ففقأها فلا ضمان إذا كان قد نظر في بيت ليس فيه امرأة محرم والله أعلم اهـ ذهني.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ٣٣٠]، والبخاري في الاستئذان [٦٢٤١] وفي غيره، والترمذي في الاستئذان [٢٧٠٩]، والنسائي في القسامة باب في العقول [٤٨٥٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث سهل بن سعد ﵄ فقال:
٥٤٩٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الأنصاري) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة يونس لليث بن سعد (أخبره) أي أخبر سهل لابن شهاب (أن رجلًا) من اليهود أو المنافقين (اطلع) أي نظر إلى رسول الله ﷺ (من جحر) أي من ثقب أو
стр. 9189
فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِدْرًى يُرَجِّلُ بِهِ رَأْسَهُ. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ, طَعَنْتُ بِهِ فِي عَينِكَ. إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الإِذْنَ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ".
٥٥٠٠ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. ح وَحَدَّثَنَا
ــ
خرق كائن (في باب) بيت (رسول الله ﷺ ومع رسول الله ﷺ في وقت نظره إليه (مدرى) أي أعواد محددة مشدود بعضها إلى بعض بخيط وهي في الأرميا (فلا) (يرجل) رسول الله ﷺ أي يسرح (به) أي بذلك المدرى (رأسه) أي شعر رأسه، وهذا يدل لمن قال إنه مشط أو شبه مشط، وترجيل الشعر تسريحه ومشطه وتكسيره (فقال له) أي لذلك الرجل المطلع عليه (رسول الله ﷺ لو أعلم أنك تنظر) إلي (طعنت به) أي بهذا المدرى (في عينك) أي في بصرك (إنما جعل الله الإذن من أجل البصر) يعني أن الاستئذان إنما شرع لوقاية صاحب البيت عن نظر الأجانب فلو استأذن الرجل صاحب البيت وهو يشاهد ما في بيته فإن الاستئذان لا معنى له حينئذ، وأخرج أبو داود عن عبد الله بن بسر: كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر وذلك أن الدور لم يكن عليها ستور.
وفي الحديث دليل على صحة التعليل القياسي فهو حجة للجمهور على نفاة القياس، وفيه أيضًا دليل على استحباب إصلاح الشعر وإكرامه كما قال رسول الله ﷺ : "من كانت له جمة فليكرمها" رواه مالك في الموطإ ولكن لا ينتهي بذلك إلى أن يخرج إلى الترفه والسرف المنهي عنه بقوله ﷺ فيما رواه عنه فضالة بن عبيد ﵁ حيث قال (نهانا رسول الله ﷺ عن كثير من الإرفاه وأمرنا أن نحتفي أحيانًا) رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث سهل ﵁ فقال:
٥٥٠٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد (الناقد وزهير بن حرب و) محمد بن يحيى (بن أبي عمر قالوا حدثنا سفيان بن عيينة ح وحدثنا
стр. 9190
أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ. كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ... نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيثِ وَيُونُسَ.
٥٥٠١ - (٢١١٨) (١٨٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو كَامِلٍ, فُضَيلُ بْنُ حُسَينٍ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى وَأَبِي كَامِلٍ - (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ . فَقَامَ إِلَيهِ بِمِشْقَصٍ
ــ
أبو كامل الجحدري) فضيل بن حسين البصري (حدثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من (٧) (كلاهما) أي كل من سفيان ومعمر رويا (عن الزهري عن سهل بن سعد) الساعدي ﵄ (عن النبي ﷺ وهذان السندان الأول منهما من رباعياته، والثاني من خماسياته، غرضه بسوقهما بيان متابعة سفيان ومعمر لليث بن سعد ويونس بن يزيد كما ذكره المؤلف بقوله وساقا أي وساق سفيان ومعمر (نحو حديث الليث ويونس).
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث سهل بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما فقال:
٥٥٠١ - (٢١١٨) (١٨٣) (حدثنا يحيى بن يحيى وأبو كامل فضيل بن حسين وقتيبة بن سعيد واللفظ ليحيى وأبي كامل قال يحيى أخبرنا وقال الآخران حدثنا حماد بن زيد) ابن درهم الأزدي البصري (عن عبيد الله بن أبي بكر) بن أنس بن مالك الأنصاري البصري، ثقة، من (٤) روى عنه في (٤) أبواب (عن) جده (أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته (أن رجلًا) لم أر من ذكره ولعله هو الرجل الذي ذكر في حديث سهل بن سعد وعبر هنا عن المدرى بالمشقص تشبيهًا به لأن المدرى قد يكون من حديد فكلاهما واحد كما يستفاد من المفهم (اطلع) على النبي ﷺ ونظر إليه (من بعض حجر النبي ﷺ قال القسطلاني: الحجر بضم الحاء وفتح الجيم بلفظ الجمع جمع حجرة بمعنى البيت (فقام إليه) أي إلى الرجل النبي ﷺ (بمشقص) بكسر الميم وفتح القاف وهو نصل السهم إذا كان
стр. 9191
أَوْ مَشَاقِصَ. فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , يَخْتِلُهُ لِيَطْعُنَهُ.
٥٥٠٢ - (٢١١٩) (١٧٤) حَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَال: "مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيتِ قَوْمٍ بِغَيرِ إِذْنِهِمْ, فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَينَهُ"
ــ
طويلًا غير عريض قاله الحافظ في الفتح [١١/ ٢٥] وقال النووي: هو نصل عريض للسهم (أو مشاقص) شك من الراوي في أن شيخه روى الكلمة مفردة أو جمعًا قال أنس (فكأني) الآن (انظر إلى رسول الله ﷺ حالة كونه (يختله) بفتح الياء وكسر التاء من باب ضرب أي يراوغه ويتغفله، والختل تفويق السهم أو الرمح إلى من هو غافل عن الرامي (ليطعنه) بضم العين وفتحها، والضم أشهر أي ليطعن النبي ﷺ ذلك الرجل الناظر إليه غفلة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الاستئذان [٦٩٠٠] وفي غيره، وأبو داود في الأدب باب الاستئذان [٥١٧١]، والترمذي في الاستئذان [٢٧٠٩]، والنسائي في القسامة باب في العقول [٤٨٥٨].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث سعد بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فقال:
٥٥٠٢ - (٢١١٩) (١٧٤) (حدثني زهير بن حرب حدثنا جرير) بن عبد الحميد (عن سهيل) بن أبي صالح (عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (عن النبي ﷺ قال من اطلع) ونظر (في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه) وقوله من اطلع في بيت .. الخ المراد به أن ينظر في بيت من شق باب أو كوة وكان الباب غير مفتوح (فقد حل لهم أن يفقئوا) أي أن يشدخوا عينه أي حدقة عينه في محلها أو أن يخرجوا حدقتها إلى الخارج، قال القرطبي: وهذا نص في الإباحة والتحليل وعلى هذا فلا يلزم ضمان ولا دية إذا وقع ذلك ولا يستبعد هذا من الشرع فإنه عقوبة على جناية سابقة غير أن هذا خرج مخرج التعزيرات لا مخرج الحدود ألا ترى قوله (فقد حل) ولم يقل (فقد وجب) وإنما مقصود هذا الحديث إسقاط القود والمؤاخذة بذلك إن وقع ذلك اهـ من المفهم. والظاهر أنه
стр. 9192
٥٥٠٣ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيكَ بِغَيرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ, فَفَقَأْتَ عَينَهُ, مَا كَانَ عَلَيكَ مِنْ جُنَاحٍ"
ــ
محمول على من لم يمتنع من النظر في البيت إلا به ومن حق الرجل أن يدافع عن نفسه وعن أهل بيته وعن التدخل في خلواته ويجوز له القتال على ذلك فالمراد والله أعلم أنه يجوز لصاحب البيت أن يدفع عنه المطلع بما أمكن له ولو أدى ذلك إلى فقإِ عينه اهـ فتح الباري [١٢/ ٢٤٥] وقال في المبارق: عمل الشافعي بهذا الحديث وأسقط عنه ضمان العين قيل هذا عنده إذا فقأها بعد أن زجره فلم ينزجر، وأصح قوليه أنه لا ضمان مطلقًا لإطلاق الحديث، وقال أبو حنيفة: عليه الضمان لأن النظر ليس فوق الدخول ومن دخل بيت غيره بغير إذنه لا يستحق فقأ عينه فبالنظر أولى فالحديث محمول على المبالغة في الزجر اهـ منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الديات [٦٨٨٧ و ٦٨٨٨] وباب من اطلع في بيت قوم ففقئوا عينه فلا دية له [٦٩٠٢]، وأبو داود في الأدب باب في الاستئذان [٥١٧٢]، والنسائي في القسامة باب من اقتص وأخذ حقه دون السلطان [٤٨٦٠ و ٤٨٦١].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٥٠٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا) محمد (بن أبي عمر) العدني (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني الأموي (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة الأعرج لأبي صالح السمان (أن رسول الله ﷺ قال لو أن رجلًا اطلع عليك) ونظر في بيتك (بغير إذن) منك (فخذفته) أي رميته (بحصاة) من بين إصبعيك (ففقأت) أي شدخت (عينه ما كان عليك من جناح) أي ذنب فلا ضمان عليك بقود ولا دية، قال القرطبي: وهذا ظاهر قوي في الذي قررناه، ويفيد أيضًا أن هذا الحكم جار فيمن اطلع على عورة الإنسان وإن لم يكن من باب فإن قوله اطلع عليك يتناول كل مطلع كيفما كان ومن أي جهة كان بل يتعين أن يقال إن الشرع إذا علق هذا الحكم على الاطلاع في البيت لأنه مظنة الاطلاع على العورة فلأن يعلق على نفس الاطلاع على
стр. 9193
٥٥٠٤ - (٢١٢٠) (١٧٥) حَدَّثَنِي قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ. كِلاهُمَا عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا هُشَيمٌ. أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ. فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي
ــ
العورة أحرى وأولى وهذا نظر راجح غير أن أصحابنا حكوا الإجماع على أن من اطلع على عورة رجل بغير إذنه ففقأ عينه أنه لا يسقط عنه الضمان كما ذكرناه فإن صح هذا الإجماع فهو واجب الاتباع وإن وجد خلاف فما ذكرناه هو الإنصاف والله أعلم اهـ من المفهم.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث جابر بن عبد الله ﵄ فقال:
٥٥٠٤ - (٢١٢٠) (١٧٥) (حدثني قتيبة بن سعيد حدثنا يزيد بن زريع) التميمي العيشي البصري، ثقة، من (٨) (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل ابن علية كلاهما) أي كل من يزيد وإسماعيل (عن يونس) بن عبيد بن دينار العبدي مولاهم أبي عبيد البصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٣) بابا (ح وحدثني زهير بن حرب حدثنا هشيم) بن بشير السلمي الواسطي، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٨) بابا (أخبرنا يونس) ابن عبيد البصري (عن عمرو بن سعيد) القرشي مولاهم أبي سعيد البصري، روى عن رواد مولى المغيرة في الصلاة، وسعيد بن جبير في الصلاة، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير في الجهاد وفي الأدب، وحميد بن عبد الرحمن الحميري في الوصايا، وأنس بن مالك في المناقب، ويروي عنه (م عم) ويونس بن عبيد وابن عون وداود بن أبي هند وأيوب السختياني، وثقة النسائي، وقال في التقريب: ثقة، من الخامسة (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير البجلي الكوفي، ثقة، من (٣) (عن) جده (جرير بن عبد الله) بن جابر البجلي الكوفي ﵁. وهذا السند من سداسياته (قال) جرير (سألت رسول الله ﷺ عن) حكم (نظر الفجاءة) والبغتة هل يؤاخذ بها أم لا؟ (فأمرني أن أصرف) وأكف (بصري) وأمنعه عن استدامة النظر، والفجاءة بضم الفاء والمد والهمز مصدر فجائي الأمر يفجؤني فجاءة إذا صادفك بغتة من غير قصد ويقال
стр. 9194
٥٥٠٥ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى. وَقَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ
ــ
فاجأني يفاجئني مفاجأة وفجاء وهما لغتان وهي البغتة ومعنى نظر الفجاءة أن يقع نظره على الأجنبية من غير قصد فلا إثم عليه في أول ذلك فيجب عليه أن يصرف بصره في الحال فإن صرف في الحال فلا إثم عليه وإن استدام النظر أثم، قال القاضي: وقال العلماء: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجال غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي كحالة الشهادة عليها والمداواة لها وإرادة خطبتها أو شراء الجارية أو المعاملة معها بالبيع والشراء وغيرهما ونحو ذلك، وإنما يباح في جميع ذلك بقدر الحاجة دون ما زاد اهـ نووي. قال القرطبي: وإنما أمره أن يصرف بصره عن استدامة النظر إلى ما وقع عينه عليه أول مرة ولم يتعرض لذكر النظرة الأولى لأنها لا تدخل تحت خطاب تكليف إذ وقوعها لا يتأتى أن يكون مقصودًا فلا تكون مكتسبة فلا يكون مكلفًا بها فأعرض عما ليس مكلفًا به ونهاه عما يكلف به لأن استدامة النظر مكتسبة للإنسان إذ قد يستحسن ما وافقه بصره فيتابع النظر فيحصل المحظور وهو النظر إلى ما لا يحل ولذلك قال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب "لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليس لك الثانية" رواه الحاكم [٢/ ١٩٤] وفي الأبي: فإن استدام وتأمل المحاسن واللذة أثم ولذا قال ﷺ لعلي ﵁ "لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى" وقد أمر بغض البصر كما أمر بحفظ الفرج، وقال: "العين تزني" وفي الجامع الصغير "العينان تزنيان واليدان تزنيان والفرج يزني" (حم) عن ابن مسعود اهـ ذهني.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ٣٨٥]، وأبو داود في النكاح باب ما يؤمر من غض البصر [٢١٤٨]، والترمذي في الأدب باب ما جاء في نظر الفجاءة [٢٧٧٧].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جرير ﵁ فقال:
٥٥٠٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١١) بابا (وقال إسحاق) بن إبراهيم أيضًا (أخبرنا وكيع) بن الجراح (حدثنا سفيان) الثوري
стр. 9195
كِلاهُمَا عَنْ يُونُسَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ, مِثْلَهُ
ــ
كلاهما) أي كل من عبد الأعلى وسفيان رويا (عن يونس) بن عبيد (بهذا الإسناد) يعني عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة عن جرير بن عبد الله (مثله) أي مثل ما روى هشيم عن يونس، وإنما أعدنا الضمير إلى هشيم لأنه أقرب مذكور والضمير مفرد، ولو قال (مثلهم) بضمير الجمع لكان أصوب وأوفق لاصطلاجاته لأن المتابعين بفتح الباء ثلاثة يزيد وإسماعيل وهشيم والمتابعان بكسر الباء اثنان عبد الأعلى وسفيان، ولعل (ما) هنا تحريف من النساخ.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث ستة: الأول حديث أبي موسى الأشعري ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه ثماني متابعات، والثاني حديث جابر ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثالث حديث سهل بن سعد ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والرابع حديث أنس بن مالك ذكره للاستشهاد، والخامس حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والسادس حديث جرير بن عبد الله ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة والله سبحانه تعالى.
ووصلنا في كتابة هذا الشرح إلى آخر باب الاستئذان في تاريخ ١٤/ ١٠ / ٤٢٦ اهـ من الهجرة النبوية [٥/ ١١ / ٢٠٠٥ م] على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم وأرجو الله سبحانه أن يمن علينا بإتمامه بتوفيقه سبحانه.
стр. 9196
٦٧٢ - (١٦) باب تسليم الراكب على الماشي وحق الطريق وحقوق المسلم على المسلم والنهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيفية الرد عليهم واستحباب السلام على الصبيان وجواز جعل الإذن رفع الحجاب
٥٥٠٦ - (٢١٢١) (١٧٦) حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ. حَدَّثَنَا رَوْحٌ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي زِيَادٌ؛ أَنَّ ثَابِتًا، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيدٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي,
ــ
٦٧٢ - (١٦) باب تسليم الراكب على الماشي وحق الطريق وحقوق المسلم على المسلم والنهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيفية الرد عليهم واستحباب السلام على الصبيان وجواز جعل الإذن رفع الحجاب
٥٥٠٦ - (٢١٢١) (١٧٦) (حدثنا عقبة بن مكرم) بضم أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه العمي بفتح العين أبو عبد الملك البصري، ثقة، من (١١) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد الشيباني البصري، ثقة ثبت، من (٩) روى عنه في (١٢) بابا (عن ابن جريج ح وحدثنا محمد بن) محمد بن (مرزوق) بن بكير بن بهلول الباهلي أبو عبد الله البصري ابن بنت مهدي بن ميمون وسبطه، صدوق، من (١١) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا روح) بن عبادة بن العلاء القيسي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا ابن جريج) قال (أخبرني زياد) بن سعد بن عبد الرحمن الخراساني أبو عبد الرحمن المكي نزيل مكة ثم اليمن، ثقة، من (٦) روى عنه في (٨) أبواب (أن ثابتًا) ابن عياض بن الأحنف الأعرج العدوي مولاهم (مولى عبد الرحمن بن زيد) المدني، وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال في التقريب: ثقة، من (٣) روى عنه في (٢) الأطعمة والسلام (أخبره) أي أخبر ثابت بن عياض لزياد بن سعد (أنه) أي أن ثابتًا (سمع أبا هريرة) ﵁ (يقول) الحديث الآتي. وهذا السند من سداسياته (قال رسول الله ﷺ ، يسلم الراكب على الماشي) أي ليسلم الراكب على
стр. 9197
وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ, وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ"
ــ
الماشي .. الخ، فالجملة خبرية اللفظ إنشائية المعنى وهذا أدب من آداب السلام، والحكمة في ابتداء الراكب بالسلام على ما قاله المهلب أن لا يتكبر الراكب بركوبه فيرجع إلى التواضع، وقال أبو الفضل المازري: أمر الراكب لأن له مزية على الماشي فعوض الماشي بأن يبدأ الراكب بالسلام احتياطًا على الراكب بالزهو لو حاز الفضيلتين (و) يسلم (الماشي على القاعد) وفي رواية للبخاري (والمار على القاعد) وهو أشمل لأن المار أعم من أن يكون ماشيًا أو راكبًا، وحكمة ابتدائه بالسلام على ما ذكره المهلب أن المار له شبه بالداخل على أهل المنزل، وقال المازري: إن القاعد ربما يخاف من المار بعض الشر ولاسيما إذا كان راكبًا فإذا ابتدأ بالسلام أمن منه ذلك وأنس إليه أو لأن المار مشغول بحاجته وفي التصرف في الحاجات نوع من الامتهان فصار للقاعد مزية فأمر الماشي بالابتداء أو لأن القاعد يشق عليه مراعاة المارين مع كثرتهم، فسقطت البداية عنهم للمشقة بخلاف المار فإنه لا مشقة عليه اهـ فتح الباري [١١/ ١٧] (و) يسلم (القليل على الكثير) لأن للكثير مزية ولأن توجه الأمر بالسلام إلى القليل أخف وأسهل من توجهه إلى الكثير، وقال أبو الليث: إذا دخل جماعة على قوم فإن تركوا السلام فكلهم آثمون في ذلك وإن سلم واحد منهم كفى عنهم جميعًا وإن سلم كلهم فهو أفضل وإن تركوا الجواب فكلهم آثمون وإن رد واحد منهم أجزأهم وبه ورد الأثر وإن أجاب كلهم فهو أفضل اهـ تكملة.
وقال الماوردي: لو دخل شخص مجلسًا فإن كان الجمع قليلًا يعمهم سلام واحد فسلم كفاه فإن زاد فخصص بعضهم فلا بأس ويكفي أن يرد منهم واحد فإن زاد فلا بأس وإن كانوا كثيرًا بحيث لا ينتشر فيهم فيبتدئ أول دخوله إذا شاهدهم وتتأدى سنة السلام في حق جميع من يسمعه ويجب على من سمعه الرد على الكفاية وإذا جلس سقط عنه سنة السلام فيمن لم يسمعه من الباقين اهـ فتح الباري [١١/ ١٤].
وذكر الماوردي أيضًا أن من مشى في الشوارع المطروقة كالسوق أنه لا يسلم إلا على البعض لأنه لو سلم على كل من لقي لتشاغل به عن المهم الذي خرج لأجله ولخرج به عن العرف حكاه الحافظ في الفتح [١١/ ١٧] ثم قال: ولا يعكر على هذا ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد عن الطفيل بن أبي بن كعب قال كنت أغدو مع ابن عمر إلى
стр. 9198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السوق فلا يمر على بياع ولا على أحد إلا سلم عليه فقلت: ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع؟ قال: إنما نغدو من أجل السلام على من لقينا. لأن مراد الماوردي من خرج في حاجة له فتشاغل عنها بما ذكر والأثر المذكور ظاهره أنه في من خرج لقصد تحصيل ثواب السلام اهـ.
قال القرطبي: قوله (يسلم الراكب على الماشي) .. الخ قد تقدم الأمر بالسلام وبإفشائه في كتاب الإيمان ولا خلاف بين العلماء في أن الابتداء بالسلام سنة لأنه إكرام للمسلم عليه وتحية له وأن الرد واجب لأنه مجازاة ومكافأة للمسلم على إكرامه للمسلم عليه ثم إن الناس في الابتداء بالسلام إما أن تتساوى أحوالهم أو تتفاوت فإن تساوت فخيرهم الذي يبدأ صاحبه بالسلام كالماشي على الماشي والراكب على الراكب غير أن الأولى مبادرة ذوي المراتب الدينية كأهل العلم والفضل احترامًا لهم وتوقيرًا وأما ذوو المراتب الدنيوية المحضة فإن سلموا يرد عليهم وإن ظهر عليهم إعجاب أو كبر فلا يسلم عليهم لأن ذلك معونة لهم على المعصية وإن لم يظهر ذلك عليهم جاز أن يبدؤوا، وابتداؤهم هم بالسلام أولى بهم لأن ذلك يدل على تواضعهم وإن تفاوتت فالحكم فيه على ما يقتضيه هذا الحديث فيبدأ الراكب بالسلام على الماشي لعلو مرتبته لأن ذلك أبعد له من الزهو، وأما الماشي فقد قيل فيه مثل ذلك وفيه بُعد إذ الماشي لا يزهي بمشيه غالبًا، وقيل هو معلل بأن القاعد قد يقع له خوف من الماشي فإذا بدأ بالسلام أمن من ذلك وهذا أيضًا بعيد إذ لا خصوصية للخوف بالقاعد فقد يخاف الماشي من القاعد وأشبه من هذا أن يقال إن القاعد على حال وقار وثبوت وسكون فله مزية على الماشي بذلك لأن حاله على العكس من ذلك وأما ابتداء القليل بالسلام على الكثير فمراعاة لشرفية جمع المسلمين وأكثريتهم.
وقد زاد البخاري في هذا الحديث (ويسلم الصغير على الكبير) وهذه المعاني التي تكلف العلماء إبرازها هي حكم تناسب المصالح المحسّنة والمكفلة ولا نقول إنها نصبت نصب العلل الواجبة الاعتبار حتى لا يجوز أن يعدل عنها فنقول إن ابتداء القاعد للماشي غير جائز وكذلك ابتداء الماشي الراكب بل يجوز ذلك لأنه مظهر للسلام ومفش له كما أمر به النبي ﷺ بقوله "أفشوا السلام بينكم" رواه مسلم من حديث
стр. 9199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبي هريرة [٥٤] وبقوله "إذا لقيت أخاك فسلّم عليه" رواه أبو داود، وإذا تقرر هذا فكل واحد من الماشي والقاعد مأمور بأن يسلم على أخيه إذا لقيه غير أن مراعاة تلك المراتب أولى والله أعلم.
ثم هذا السلام المأمور به هو أن يقول السلام عليكم أو سلام عليكم إذ قد جاء اللفظان في الكتاب والسنة أو السلام عليكم ورحمة الله أو السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ولا يزاد على البركة فإن الزيادة بدعة كما في الموطإ، والسلام في الأصل بمعنى السلامة كاللذاذ واللذاذة كما قال تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ أي فسلامة، فعلى هذا يكون معنى قول المسلم "سلام عليك " أي سلامة لك مني وأمان ولذلك قال: ﷺ في السلام أمان لذمتنا وتحية لملتنا" رواه الطبراني في الصغير، والخطيب في تاريخه، وابن الجوزي في الموضوعات [٣/ ٧٩] وفيه عصمة بن محمد الأنصاري، قال ابن معين: عصمة كذاب يضع الحديث. والسلام أيضًا اسم من أسماء الله تعالى كما قال تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيمِنُ﴾ ومعناه في حق الله تعالى أنه المنزه عن النقائص والآفات التي تجوز على خلقه وعلى هذا فيكون معنى قول المسلم "السلام عليك " أي الله مطلع عليك وناظر إليك فكأنه يذكره باطلاع الله تعالى ويخوفه ليأمن منه ويسلمه من شره فإذا دخلت الألف واللام على المعنى الأول كان معناه السلامة كلها لك مني وإذا أدخلت على اسم الله تعالى كانت تفخيمًا وتعظيمًا أي الله العظيم السليم من النقائص والآفات المسلم لمن استجار به من جميع المخلوقات ولا يقل المبتدئ عليك السلام لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك فيما رواه النسائي وأبو داود من حديث جابر بن سليم قال (لقيت رسول الله ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول الله، فقال: "عليك السلام تحية الميت، السلام عليك ثلاثًا" رواه أبو داود [٥٢٠٩]، والترمذي [٢٧٢٣]، والنسائي [٩٦٩٤] في الكبرى أي هكذا فقل، وقوله (عليك السلام تحية الميت) يعني أنه الأكثر في عادة الشعراء كما قال:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
لا أن ذلك اللفظ هو المشروع في حق الموتى لأنه ﷺ قد سلم على الموتى كما سلم على الأحياء فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين" رواه أحمد
стр. 9200
٥٥٠٧ - (٢١٢٢) (١٧٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: قَال
ــ
ومسلم والنسائي وابن ماجه ويتأكد تقديم لفظ السلام إذا تنزلنا على أن اسم السلام من أسماء الله تعالى فإن أسماء الله تعالى أحق بالتقديم.
وأما المراد فالواجب عليه أن يرد ما سمعه والمندوب أن يزيد إن أبقى له المبتدئ ما يزيد فلو انتهى المبتدئ بالسلام إلى غايته التي هي (السلام عليك ورحمة الله وبركاته) لم يزد المراد على ذلك شيئًا لأن السلام انتهى بالبركة كما قال ابن عباس وقد أنكر ابن عمر على من زاد على ذلك شيئًا وهذا كله مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦] أي يحاسب على الأقوال كما يحاسب على الأفعال اهـ من المفهم. وقد بسطنا الكلام على السلام بترجمة مستقلة في تفسيرنا الحدائق عند هذه الآية فراجعه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٥١٠]، والبخاري في الاستئذان [٦٢٣١ و ٦٢٣٣] وفي غيره، وأبو داود [٥١٩٨ و ٥١٩٩]، والترمذي [٢٧٠٤ و ٢٧٠٥].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أبي طلحة الأنصاري ﵁ فقال:
٥٥٠٧ - (٢١٢٢) (١٧٧) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الأنصاري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (حدثنا عثمان بن حكيم) ابن عباد بن حنيف بالمهملة والنون مصغرًا الأنصاري الأوسي المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (٦) أبواب (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (٦) أبواب (عن أبيه) عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري المدني الصحابي المشهور ﵁ حنكه النبي ﷺ وسماه أخي أنس لأمه، روى عن أبيه في الأدب وأخيه أنس، ويروي عنه (م س) وابنه إسحاق في الأدب، قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، مات سنة (٨٤) أربع وثمانين، أن أباه (قال قال)
стр. 9201
أَبُو طَلْحَةَ: كُنَّا قُعُودًا بِالأَفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَامَ عَلَينَا. فَقَال: "مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ؟ اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ" فَقُلْنَا: إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيرِ مَا بَأسٍ. قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ وَنَتَحَدَّثُ. قَال: "إِمَّا لا
ــ
لي والدي (أبو طلحة) الأنصاري زيد بن سهل المدني ﵁. وهذا السند من سباعياته، ومن لطائفه أن فيه رواية صحابي عن صحابي وولد عن والد (كنا) يومًا (قعودًا) أي قاعدين (بالأفنية) أي في أفنية الدور وجوانبها على ما كان في عادتنا من القعود في جوار بيوتنا للتحدث، والأفنية جمع فناء نظير أسقية وسقاء والفناء هو ما حول الدار من الفضاء حالة كوننا (نتحدث) فيما بيننا (فجاء رسول الله ﷺ أي مر علينا (فقام علينا) في مروره علينا (فقال: "مالكم ولمجالس الصعدات ") أي ولمجالس الطرقات جمع مجلس اسم لمكان الجلوس، والصعدات بضم الصاد والعين المهملتين جمع صعيد كطريق وطرقات وزنًا ومعنى أي أي علقة بينكم وبين هذه المجالس وأي حاجة لكم إليها، وفي القرطبي: والصعدات جمع صعيد وهو الطريق مطلقًا، وقيل الطريق الذي لا نبات فيه مأخوذ من الصعيد وهو التراب على قول الفراء، أو وجه الأرض على قول ثعلب، ويجمع صعدًا وصعدات كطرق وطرقات وقد جاء الصعيد في الرواية الأخرى مفسرًا بالطريق (اجتنبوا مجالس الصعدات) أي ابتعدوا عنها واتركوا الجلوس فيها لأن لها حقوقًا من غض البصر وكف الأذى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنتم لا تقدرون على القيام بها، قال أبو طلحة (فقلنا) للنبي ﷺ (إنما قعدنا) فيها (لغير ما بأس) ما زائدة والمعنى ما قعدنا فيها لشيء فيه بأس ومنع بل للتحدث والتذكر كما ذكره بقوله بل (قعدنا) فيها حالة كوننا (نتذاكر) العلم والحديث (ونتحدث) فيها أحاديث مباحة فيما بيننا، قال القرطبي: وهذا الحديث إنكار للجلوس على الطرقات وزجر عنه لكن محمله على ما إذا لم ترهق إلى ذلك حاجة كما قالوا ما لنا من ذلك بد نتحدث فيها لكن العلماء فهموا أن ذلك المنع ليس على جهة التحريم وإنما هو من باب سد الذرائع والإرشاد إلى الأصلح ولذلك قالوا (إنما قعدنا لغير ما بأس قعدنا نتذاكر ونتحدث) أي نتذاكر العلم والدين ونتحدث بالمصالح والخير ولما علم النبي ﷺ منهم ذلك وتحقق حاجتهم إليه أباح لهم ذلك ثم نبههم على ما يتعين عليهم في مجالسهم تلك من الأحكام فـ (قال إما لا) بد ولا غنى
стр. 9202
فَأَدُّوا حَقَّهَا: غَضُّ الْبَصَرِ, وَرَدُّ السَّلامِ, وَحُسْنُ الْكَلامِ"
ــ
لكم عن الجلوس فيها (فـ) اجلسوا فيها و (أدوا حقها) أي افعلوا حق تلك المجالس وذلك الحق (غض البصر) عن الأجنبيات (ورد السلام) على من سلم عليكم من المارة (وحسن الكلام) مع المارة كأن تجيبوا لمن سألكم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وقوله (إما لا) هي إن الشرطية المكسورة الهمزة زيدت عليها (ما) فأدغمت نونها في ميم ما، وما زائدة لتأكيد معنى الشرط و (لا) عبارة عن الإباية والامتناع والمعنى إن أبيتم وامتنعتم من ترك مجالس الصعدات ولا بد من إبايتكم ولا غنى لكم عن قعودكم فيها فأعطوا الطريق حقها، قال الأبي: وقد أشار إلى علة النهي عن التعرض للفتن والإثم بمرور النساء والتعرض لحقوق الله تعالى وحقوق المسلمين التي لا تلزمه لو قعد في بيته من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ترك القيام به معصية وكذلك قد يكثر المار فيعجز عن رد السلام على كل مار به ورد سلام الإنسان واجب والإنسان مأمور بأن لا يعرض نفسه للفتن وأن لا يلزم نفسه ما لعله لا يقوم به فندبهم رسول الله ﷺ إلى ترك هذا كله فلما أعلموه أنه لا بد لهم من ذلك لما يقصده الإنسان من مجالسة الجيران والأصحاب من إراحة قلوبهم وقضاء حوائجهم والسؤال عن أحوالهم قال لهم إما لا أي إن لم تتركوها فأدوا حقها اهـ من الأبي. قال القرطبي: فلما سمعوا لفظ الحق وهو مجمل سألوا عن تفصيله ففصله لهم بقوله ﷺ : "غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وهذه الحقوق كلها واجبة على من قعد على طريق ولما كان القعود على الطريق يفضي إلى أن تتعلق به هذه الحقوق ولعله لا يقوم ببعضها فيتعرض لذم الله تعالى ولعقوبته كره القعود فيها وغلظ بالزجر المتقدم والإنكار فإن دعت إلى ذلك حاجة كالاجتماع في مصالح الجيران وقضاء حوائجهم وتفقد أمورهم إلى غير ذلك قعد على قدر حاجتهم فإن عرض له شيء من تلك الحقوق وجب القيام به عليه.
قوله (وكف الأذى) يعني به لا يؤذي بجلوسه أحدًا من جلسائه بإقامته من مجلسه ولا بالقعود فوقه ولا بالتضييق عليه ولا يجلس قبالة دار جاره فيتأذى بذلك وقد يكون كف الأذى بأن يكف بعضهم عن بعض إلا أن هذا يدخل في قسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فحمله على المعنى الأول أولى.
стр. 9203
٥٥٠٨ - (٢١٢٣) (١٧٨) حَدَّثَنَا سُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيسَرَةَ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَال: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ, مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَبَيتُمْ إِلَّا
ــ
قوله (وحسن الكلام) يريد أن من جلس على الطريق فقد تعرض لكلام الناس فليحسن لهم كلامه ويصلح شأنه اهـ من المفهم. وقال القاضي عياض: قوله (وحسن الكلام) هذا ندب إلى حسن معاملة الناس فإن الجالس في الطريق يمر به من يسأله عن وجهته فيجب أن يرشده ويتلقاه بالجميل لا بالضجر وخشونة اللفظ ولعل هذا من كف الأذى المتقدم اهـ.
وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم عن أصحاب الأمهات ولكنه شاركه أحمد [٤/ ٣].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي طلحة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما فقال:
٥٥٠٨ - (٢١٢٣) (١٧٨) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل أبو محمد الحدثاني، صدوق، من (١٠) (حدثنا حفص بن ميسرة) العقيلي مصغرًا الصنعاني، ثقة، من (٨) (عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم مولى عمر المدني، ثقة، من (٣) (عن عطاء بن يسار) الهلالي المدني، ثقة، من (٣) (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ (عن النبي ﷺ وهذا السند من خماسياته (قال) النبي ﷺ (إياكم) في محل النصب على التحذير بعامل محذوف وجوبًا لقيام المعطوف مقامه (والجلوس بالطرقات) معطوف على الضمير، والتقدير: باعدوا أنفسكم عن الجلوس في الطرقات، وفي بعض النسخ في الطرقات (قالوا) أي قال الأصحاب (يا رسول الله مالنا بد من مجالسنا) أي ما لنا فراق ولا غنى عنها، قال القسطلاني: فيه دليل على أن أمره لهم لم يكن للوجوب بل عن طريق الترغيب والأولى إذ لو فهموا الوجوب لم يراجعوه هذه المراجعة قاله القاضي عياض، وإنما قلنا لا بد لنا منها لأنا (نتحدث فيها) أي في مجالسنا في الطرقات بمصالحنا ومصالح جيراننا ومصالح ديننا ودنيانا فـ (قال) لهم (رسول الله ﷺ إذا أبيتم) وامتنعتم، وفي بعض النسخ (فإذا أبيتم) (إلا
стр. 9204
الْمَجْلِسَ, فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ" قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَال: "غَضُّ الْبَصَرِ, وَكَفُّ الأَذَى, وَرَدُّ السَّلامِ, وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ, وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ".
٥٥٠٩ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي
ــ
المجلس) بفتح اللام مصدر ميمي لأنه من باب ضرب أي إلا الجلوس في مجالسكم وهو الأوفق، وأما المتون التي بأيدينا فبكسرها فيكون ظرفًا ميميًا أي فإن أبيتم إلا الاستمرار في مكان جلوسكم على الطرقات، وإنما قلنا ذلك لأن جلس من باب ضرب فقياس مصدره الفتح وظرفه الكسر والكسر في المصدر شاذ كما أن الفتح شاذ في الظرف كما بسطنا الكلام على ذلك في مناهل الرجال فراجعه في باب المفعل والمفعل. (فأعطوا الطربق حقه قالوا وما حقه قال) لهم رسول الله ﷺ حق الطريق (غض البصر) أي خفض النظر عن الأجنبيات (وكف الأذى) أي كف نفسك ومنعها عن إذاية الناس يدًا ولسانًا (ورد السلام) على من سلم عليكم (والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) شرعًا، قال النووي: والمقصود من هذا الحديث أنه يكره الجلوس على الطرقات لحديث ونحوه وقد أشار النبي ﷺ إلى علة النهي عن التعرض للفتن والإثم بمرور النساء وغيرهن وقد يمتد نظر إليهن أو فكر فيهن أو ظن سوء فيهن أو في غيرهن من المارين ومن أذى الناس باحتقار من يمر أو غيبة أو غيرهما أو إهمال رد السلام في بعض الأوقات أو إهمال الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر ونحو ذلك من الأسباب التي لو خلا في بيته سلم منها اهـ منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٣٦]، والبخاري [٢٤٦٥]، وأبو داود [٤٨١٥].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
٥٥٠٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد الجهني مولاهم الدراوردي (المدني) صدوق، من (٨) (ح وحدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي
стр. 9205
فُدَيكٍ، عَنْ هِشَامٍ، يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ , كِلاهُمَا عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٥٥١٠ - (٢١٢٤) (١٧٩) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ".ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ
ــ
فديك) يسار الديلي المدني، صدوق، من (٨) (عن هشام يعني ابن سعد) القرشي المدني يتيم زيد بن أسلم، صدوق، من (٧) (كلاهما) أي كل من عبد العزيز وهشام بن سعد رويا (عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد) يعني عن عطاء عن أبي سعيد الخدري، غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة عبد العزيز وهشام بن سعد لحفص بن ميسرة.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٥١٠ - (٢١٢٤) (١٧٩) (حدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي المصري (أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن) سعيد (بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة، من كبار التابعين، من (٢) (أن أبا هريرة قال) ﵁. وهذا السند من سداسياته (قال رسول الله ﷺ حق المسلم على المسلم خمس) أي الحقوق المشتركة بين المسلمين عند ملابسة بعضهم بعضًا، والحق لغة هو الثابت ونقيضه هو الباطل، والحق في الشريعة يطلق على الواجب وعلى المندوب المؤكد كما قال: "الوتر حق " رواه أحمد [٥/ ٤١٨]، وأبو داود [١٤٢٢]، والنسائي [٣/ ٢٣٨] لأن كل واحد منهما ثابت في الشرع فإنه مطلوب مقصود قصدًا مؤكدًا غير أن إطلاقه على الواجب أول وأولى وقد أطلق في هذا الحديث على القدر المشترك بين الواجب والمندوب فإنه جمع فيه بين واجبات ومندوبات، وقد تقدم أن الابتداء بالسلام سنة، وأما إجابة الدعوة فواجبة في الوليمة كما تقدم، وفي غيرها مندوب إليها، وأما النَصيحة فواجبة عند الاستنصاح وفي غيره تفصيل على ما تقدم في كتاب الإيمان وأما تشميت العاطس فاختلف فيه على ما يأتي، وأما عيادة المريض فمندوب إليها إلا أن يخاف ضياعه فيكون تفقده وتمريضه واجبًا على الكفاية، وقد تقدم الكلام على اتباع الجنائز في بابها اهـ من المفهم.
(ح وحدثنا عبد بن حميد) الكسي، ثقة، من (١١) (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام
стр. 9206
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ السَّلامِ, وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ, وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ, وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ, وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ".
قَال عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ يُرْسِلُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَأَسْنَدَهُ مَرَّةً عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ
ــ
الحميري الصنعاني، ثقة، من (٩) (أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند أيضًا من سداسياته، وغرض هذا التحويل بيان متابعة معمر ليونس، وفائدتها تقوية السند الأول (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ خمس تجب) وجوبًا حقيقيًّا أو مجازيًا (للمسلم على أخيه) المسلم أحدها (رد السلام) ما لم يكن في حال يمتنع معها رده ككونه في مستراح أو جماع أو خلاء أو نحوها (و) ثانيهما (تشميت العاطس) أي الدعاء له بالرحمة إن حمد الله كما يجيء في حديث آخر (و) ثالثها (إجابة الدعوة) أي دعوة الداعي وجوبًا إن كانت إلى وليمة عرس ما لم يكن هناك لهو ومزامير ونحوهما من المحرمات أو المكروهات وندبًا إلى غيرها (و) رابعها (عيادة المريض) بشرط أن لا يطيل الجلوس عنده (و) خامسها (اتباع الجنائز) إلى أن يصلي عليها وإن اتبع إلى الدفن فهو أفضل والله أعلم.
(قال عبد الرزاق) بالسند السابق (كان) شيخي (معمر) بن راشد (يرسل هذا الحديث) المذكور حالة كونه راويًا (عن الزهري) بإسقاط الصحابي والتابعي (وأسنده) أي أسند معمر هذا الحديث (مرة) أي تارة أخرى أي ذكر سنده متصلًا إلى النبي ﷺ فقال (عن ابن المسيب عن أبي هريرة) عن النبي ﷺ فلا يضره إرساله لأنه أسنده في رواية وأسنده غيره أيضًا والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الجنائز [١٢٤٠]، وأبو داود في الأدب باب في العطاس [٥٠٣٠]، والترمذي في الأدب باب ما جاء في تشميت العاطس [٢٧٣٨]، والنسائي في الجنائز باب النهي عن سب الأموات [٧٠٣٨]، وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في عيادة المريض [١٤٣٤].
قوله (رد السلام) قال النووي: نقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أن ابتداء السلام سنة لأنه إكرام وإحسان إلى المسلم وأن رده واجب لأنه مكافاة ومجازاة، وأقل
стр. 9207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السلام أن يقول السلام عليكم إن كان المسلم عليه جماعة فإن كان واحدًا فأقله السلام عليك، والأفضل أن يقول السلام عليكم ليتناوله وملكيه الكاتبين أعماله وأكمل منه أن يزيد ورحمة الله ثم الأكمل منه أن يزيد وبركاته ولو قال سلام عليكم أجزاه، واستدل العلماء لزيادة ورحمة الله وبركاته بقوله تعالى إخبارًا عن سلام الملائكة بعد ذكر السلام (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) وبقول المصلي في التشهد "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" وأما صفة الرد فالأفضل الأكمل أن يقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ويأتي بالواو فإن حذفها جاز وكان تاركًا للأفضل، ولو اقتصر على وعليكم السلام أو على عليكم السلام أجزأ ولو اقتصر على عليكم لم يجزئه بلا خلاف ولو قال وعليكم بالواو ففي إجزائه وجهان عند أصحابنا وأقل السلام ابتداء وردًا أن يسمع صاحبه ولا يجزئه ما دون ذلك ويشترط كون الرد على الفور ولو أتاه سلام من غائب مع رسول أو في ورقة وجب الرد على الفور وقد جمعت في كتاب الأذكار نحو كراستين في الفوائد المتعلقة بالسلام اهـ نووي.
وقوله (وتشميت العاطس) حكى النووي عن ثعلب أن أصله التسميت بالسين المهملة ومعناه الدعاء له بهدايته إلى السمت فقلبت السين شينًا وتشميت العاطس وتسميته أن يدعو له بالرحمة، واختلفوا في حكمه قيل هو سنة على الكفاية وهو الذي اختاره النووي من الشافعية، وقيل إنه فرض عين وهو الذي اختاره جماعة من الشافعية، وقيل إنه واجب على الكفاية وهو مذهب الحنفية وجمهور الحنابلة، ثم إن التشميت إنما يجب أو يسن إذا حمد العاطس كما مر وكما سيأتي في حديث أبي هريرة (وإذا عطس فحمد الله فسمته) فأما إذا لم يحمد العاطس لا يجب أو لا يسن التشميت وكذلك الكافر لا يجب ولا يسن تشميته لكن يستحب أن يدعى له بالهداية كما ورد في حديث أبي موسى عند أبي داود (كانت اليهود يتعاطسون عند النبي ﷺ رجاء أن يقول يرحمكم الله فكان يقول "يهديكم الله ويصلح بالكم ") وهل يسمى ذلك تشميتًا فيه خلاف فمن جعل التشميت خاصًّا بالدعاء بالرحمة لم يجعله تشميتًا ومن عممه لكل دعاء سماه تشميتًا.
وقال النووي في الأذكار: إذا تكرر العطاس متتابعًا فالسنة أن يشمته لكل مرة إلى أن يبلغ ثلاث مرات روينا في صحيح مسلم وأبي داود والترمذي عن سلمة بن الأكوع
стр. 9208
٥٥١١ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) , عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ"
ــ
﵁ أنه سمع النبي ﷺ وعطس عنده رجل فقال له "يرحمك الله" ثم عطس أخرى فقال له رسول الله ﷺ : "الرجل مزكوم".
قوله (وإجابة الدعوة) وهي سنة وقيل واجبة لورود صيغة الأمر في الرواية الآتية ولكنه مقيد بما إذا لم يكن عذر وعلى كلا القولين لا ينبغي التخلف عن إجابة الدعوة العامة كدعوة العرس والختان ونحوهما وإذا أجاب فقد فعل ما عليه أكل أو لم يأكل وإن لم يأكل فلا بأس عليه والأفضل أن يأكل إن كان غير صائم ومن دعي إلى وليمة فوجد ثمة لعبًا أو غناء فلا بأس أن يقعد ويأكل فإن قدر على المنع منعهم وإن لم يكن يقدر صبر وهذا إذا لم يكن مقتدى به أما إذا كان مقتدى به ولم يقدر على منعهم فإنه يخرج ولا يقعد معهم.
قوله (وعيادة المريض) قال النووي: أما عيادة المريض فسنة بالإجماع سواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه والقريب والأجنبي، وجزم البخاري بالوجوب ووجهه الداودي وابن بطال بأنه واجب على الكفاية والجمهور على كونها سنة مندوبة وذكر الطبري أنها تتأكد في حق من ترجى بركته، وفي الكافر خلاف كذا في فتح الباري [١٠/ ١١٢].
قوله (واتباع الجنائز) وهو سنة بالإجماع أيضًا وسواء فيه من يعرفه وقريبه وغيرهما وقد مر بسط الكلام فيها في كتاب الجنائز.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٥١١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة) بن سعيد (و) علي (بن حجر) السعدي المروزي (قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني، ثقة، من (٨) (عن العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني، صدوق، من (٥) (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني، ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عبد الرحمن بن يعقوب لسعيد بن المسيب (أن رسول الله ﷺ قال حق المسلم على المسلم ست) خصال.
стр. 9209
قِيلَ: مَا هُنَّ؟ يَا رَسُولَ اللهِ. قَال: "إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ. وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ. وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ. وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ. وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ".
٥٥١٢ - (٢١٢٥) (١٨٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيمٌ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. قَال: سَمِعْتُ أَنَسًا
ــ
(فإن قلت) هنا ذكر ستًّا وفي الأولى خمسًا فبين الروايتين معارضة من حيث العدد.
[قلت] لا معارضة لأن العدد الزائد لا ينفي الأقل وبأنه يمكن أن يوحى إليه أولًا العدد الأقل ثم الزائد فيخبره.
(قيل) له ﷺ ولم أر من ذكر أسماء القائلين (ما هن) أي ما تلك الست (يا رسول الله قال) ﷺ في بيانها (إذا لقيته) أي إذا لقيت أخاك المسلم (فسلم عليه) أي إكرامًا وتحية له (وإذا دعاك) إلى وليمة (فأجبه) أي فأجب دعوته بالحضور وإن لم تأكل (وإذا استنصحك) أي طلب منك النصيحة في أموره (فانصح له) أي أظهر له النصيحة والخير ولا تداهنه ولا تغشه عن بيان النصيحة، والنصيحة إرادة الخير للغير وإظهاره له ليتمسك به (وإذا عطس فحمد الله فسمته) أي فادع له بقولك يرحمك الله، وفي النهاية: التشميت بالشين المعجمة والسين المهملة الدعاء بالخير والبركة والمعجمة أعلاهما دلالة يقال شمت فلانًا وشمت عليه تشميتًا واشتقاقه من الشوامت وهي القوائم كأنه دعا للعاطس بالثبات على طاعة الله تعالى وقيل معناه أبعدك الله من الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك اهـ (وإذا مرض فعده) أي زره عيادة له عن مرضه والدعاء له بالعافية (وإذا مات فاتبعه) أي فاتبع جنازته حاملًا له إلى موضع الصلاة عليه، والأفضل اتباعه إلى موضع الدفن إن لم يكن له عذر.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الرابع من الترجمة بحديث أنس ﵁ فقال:
٥٥١٢ - (٢١٢٥) (١٨٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (أخبرنا هشيم) بن بشير السلمي الواسطي، ثقة، من (٧) (عن عبيد الله بن أبي بكر) بن أنس بن مالك الأنصاري أبي معاذ البصري (قال) عبيد الله (سمعت) جدي (أنسًا) ابن مالك الأنصاري البصري
стр. 9210
يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ. حَدَّثَنَا هُشَيمٌ. أَخْبَرَنَا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِذَا سَلَّمَ عَلَيكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيكُمْ"
ــ
﵁. وهذا السند من رباعياته (يقول قال رسول الله ﷺ ح وحدثني إسماعيل بن سالم) الصائغ بمكة البغدادي ثم المكي ثقة من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا هشيم) بن بشير السلمي الواسطي (أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر عن جده أنس بن مالك) ﵁. وهذا أيضًا إسناد رباعي (أن رسول الله ﷺ قال إذا سلم عليكم أهل الكتاب) أي اليهود والنصارى الكائنون من أهل الذمة (فقولوا) في رد سلامهم (وعليكم) ذاك الذي قلتم بإثبات الواو العاطفة أو عليكم بحذفها وأكثر الروايات بإثباتها فأمر النبي ﷺ بأن يرد المسلم عليهم بقوله (وعليكم) فقط ولا يقول (وعليكم السلام) وقال بعض المالكية يقول في جوابهم (السلام عليكم) بكسر السين وهو بمعنى الحجارة، وحكى ابن عبد البر عن ابن طاوس قال يقول (علاكم السلام) بالألف أي ارتفع، وذهب بعض السلف إلى أنه يجوز أن يقال في الرد عليهم (عليكم السلام) كما يرد على المسلم واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ وحكاه الماوردي وجهًا عن بعض الشافعية لكن لا يقول ورحمة الله، وروي عن ابن عباس وعلقمة أنه يجوز عند الضرورة، وعن الأوزاعي قال (إن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد تركوا) وعن طائفة من العلماء لا يرد عليهم أصلًا، وعن بعضهم التفرقة بين أهل الذمة وأهل الحرب والراجح من هذه الأقوال كلها ما دل عليه حديث الباب وهو أن يكتفي بقوله (وعليكم) اهـ فتح الباري [١١/ ٤٥]. وقد روي هذا الجواب هنا (وعليكم) بإثبات الواو أو (عليكم) بدونها، ووقع في بعض الروايات (عليك) وكلا الجوابين جائز فأما بإثبات الواو فمعناه أن السام وهو الموت لا يختص بنا بل هو وارد عليكم في أوانه كما أنه وارد علينا في أواننا وهو معنى صحيح وقيل إن الواو للاستئناف والتقدير وعليكم ما تستحقونه من الذم وهذه المعاني ظاهرة في جواب من خاطب مسلمًا بقوله (السام عليكم) أما إذا خاطب الكافر مسلمًا بقوله (السلام عليكم) فالظاهر من عموم لفظ الحديث أن جوابه (وعليكم) فقط أيضًا والمعنى حينئذ وعليكم ما تستحقونه من الذم.
следующие страницы →