Полный текст (11 982 стр.). Показаны 9486–9525 · переход к 9491.
стр. 9486
يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ. فَقَال الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي. فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً. ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ. فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ. فَغَفَرَ لَهُ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ, وَإِنَّ لَنَا فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ لأَجْرًا؟
ــ
مبتدأ وإذا فجائية (يلهث) أي يخرج لسانه لشدة العطش، والجملة صفة أولى لكلب، وجملة قوله (يأكل الثرى) أي التراب الندي أي الرطب صفة ثانية لكلب (من العطش) تنازع فيه الفعلان والخبر محذوف تقديره حاضر يقال لهث بفتح الهاء وكسرها يلهث بفتحها لا غير لهثًا بإسكانها والاسم اللهث بالفتح، واللهاث بضم اللام ورجل لهثان وامرأة لهثى كعطشان وعطشى وهو الذي أخرج لسانه من شدة العطش والحر، واللهث أيضًا ارتفاع النفس من الإعياء، وقال ابن التين: لهث الكلب أخرج لسانه من العطش وكذلك الطائر ولهث الرجل إذا أعيا اهـ، قوله (ويأكل الثرى) أي الأرض الندية يعني يكدم بفيه الأرض الندية (فقال الرجل) والله (لقد بلغ هذا الكلب) بالنصب أي بلغ ووصل إلى هذا الكلب وقوله فيما سيأتي (مثل) بالرفع على الفاعلية لبلغ أي والله لقد بلغ ووصل إلى هذا الكلب (من العطش مثل) العطش (الذي كان بلغ) ووصل (مني) أي إلي أولًا، وقوله (بلغ هذا الكلب) ضبطه بعضهم بالنصب على أنه مفعول بلغ مقدم على فاعله، وفاعله (مثل الذي كان بلغ مني) فهو مرفوع يعني أن الكلب أصابه مثل ما أصابني من العطش وضبطه آخرون برفع الكلب على أنه فاعل بلغ ومفعوله (مثل الذي كان بلغ مني) فهو منصوب على المفعولية يعني أن هذا الكلب قد بلغ مبلغًا مثل الذي بلغ مني (فنزل) الرجل (البئر فملأ خفه ماءً ثم أمسكه) أي أمسك خفه (بفيه) أي بفمه (حتى رقي) بوزن رضي أي صعد وخرج من البئر وإنما احتاج إلى إمساك خفه بفمه لأنه كان يعالج ويحاول بيديه إلى إمساك جدار البئر ليصعد إلى أعلاها وهو يشعر بأن الصعود من البئر كان عسرًا (فسقى الكلب) الماء وأزال عطشه (فشكر الله) تعالى (له) أي لذلك الرجل أي جازاه بإحسانه على سقيه الكلب (فغفر) الله تعالى (له) أي لذلك الرجل وهو تفسير لقوله فشكر الله له أي أظهر الله ما جازاه به عند ملائكته وأثنى عليه عندهم وقد قدمنا أن أصل الشكر الظهور كما قالوا دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن أكثر مما تأكله من العلف اهـ من المفهم (قالوا) أي قال الحاضرون عند رسول الله ﷺ (يا رسول الله وإن لنا في) نفع (هذه البهائم) المحترمة أي في سقيها وإطعامها (لأجرًا) أي
стр. 9487
فَقَال: "فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ".
٥٧١٨ - (٢٢١٢) (٢٦٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ,
ــ
لثوابًا عند الله تعالى وكان من السائلين سراقة بن مالك بن جعشم كما وقع في رواية ابن ماجه وأحمد وابن حبان (فقال) لهم رسول الله ﷺ نعم (في) سقي (كل) حيوان ذي (كبد رطبة) يعني في نفع كل حيوان حي محترم (أجر) أي ثواب عند الله تعالى، والمراد من الرطبة هنا ذات حياة لأن الرطوبة من خواص الحياة وإذا مات الإنسان أو الحيوان جفت أعضاؤه، والمراد من الكبد ذو الكبد أو ذات الكبد، ومضاف كل كبد محذوف والتقدير في إرواء كل ذي كبد حي أجر وفي قضاء حاجة كل ذي كبد أجر، قال النووي: معناه في الإحسان إلى كل حيوان حي بسقيه ونحوه أجر وسمي الحي ذا كبد رطبة لأن الميت يجف جسمه وكبده.
ففي هذا الحديث الحث على الإحسان إلى الحيوان المحترم وهو كل ما لم يأمر الشارع بقتله فأما المأمور بقتله فيمتثل فيه أمر الشارع بقتله والمأمور بقتله كالكافر الحربي والمرتد والكلب العقور والفواسق الخمس المذكورة في الحديث وما في معناها، وأما المحترم فيحصل الثواب بسقيه والإحسان إليه أيضًا بإطعامه اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣٧٥]، والبخاري في مواضع كثيرة منها في المساقاة باب فضل سقي الماء [٢٣٦٢]، وفي الأدب باب رحمة الناس والبهائم [٦٠٠٩]، وأبو داود في الجهاد باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم [٢٥٥٠].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لهذا الحديث بحديث آخر لأبي هريرة ﵁ فقال:
٥٧١٨ - (٢٢١٢) (٢٦٧) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر) الأزدي سليمان بن حيان الكوفي، صدوق، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (عن هشام) بن حسان الأزدي القردوسي، ثقة، من (٦) روى عنه في (٧) أبواب (عن محمد) بن سيرين الأنصاري مولاهم مولى أنس بن مالك أبي بكر البصري، ثقة، من (٣) روى عنه
стр. 9488
عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا, فِي يَوْمٍ حَارٍّ, يُطِيفُ بِبِئْرٍ, قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ, فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا.
٥٧١٩ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَينَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ. إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَنَزَعَتْ مُوقَهَا, فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ, فَسَقَتْهُ
ــ
في (١٦) بابا (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (عن النبي ﷺ أن امرأة بغيًا) بفتح الباء وكسر الغين المعجمة وتشديد الياء المثناة تحت أي زانية من البغاء بكسر الباء وهو الزنا أي أن امرأة زانية أو مومسة (رأت كلبًا في يوم حار يطيف) بضم الياء من أطاف الرباعي يقال طاف به وأطاف إذا دار حوله أي يدور (ببئر) حالة كون ذلك الكلب (قد أدلع) وأخرج (لسانه من) شدة (العطش) به يقال أدلع ودلع لغتان أي أخرجه لشدة العطش (فنزعت) البغي الماء وأخذته من البئر (له) أي لذلك الكلب (بموقها) أي بخفها وسقته (فغفر لها) فاحشتها بسبب استقائها الماء للكلب، والموق بضم الميم الخف كذا فسره بعضهم، ورد عليه العيني في العمدة [٧/ ٤٦٧] وفسره بما يلبس فوق الخف ويقال له الجرموق أيضًا وهو فارسي معرب.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٥٠٧]، والبخاري [٣٤٦٧].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٥٧١٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو الطاهر أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني جرير بن حازم عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة أيوب لهشام بن حسان (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ بينما كلب يطيف) ويدور (بركية) قال القسطلاني: الرَّكية بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد التحتية بئر لم تطو أو طويت أي يطوف ببئر (قد كاد) وقرب ذلك الكلب أي (يقتله العطش إذ رأته) أي رأت ذلك الكلب (بغي) أي زانية (من بغايا) أي من زواني (بني إسرائيل فنزعت) أي خلعت (موقها) أي خفها من رجلها (فاستقت) أي أخذت (له) أي لذلك الكلب (به) أي بموقها (فسقته) أي فسقت الكلب
стр. 9489
إِيَّاهُ, فَغُفِرَ لَهَا بِهِ"
ــ
(إياه) أي الماء (فغفر لها) أي لتلك البغي ذنوبها (به) أي بسبب استقاء الماء في موقها وسقيه إياه أي أوحي الغفران لذنبها إلى نبي ذلك الزمان إعلامًا بتوسيع رحمة الله تعالى وتبشيرًا لها كما بشرت الكلب بسقيه قوله (فغفر لها) إن كان المراد منه غفران الصغائر لها فهو جار على الأصل العام المعروف وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فليس خاصًّا بها وإن كان المراد منه غفران جميع ذنوبها صغائرها وكبائرها فإنه من رحمة الله التي وسعت كل شيء ولا يمكن القياس عليه وعلى كلا الاحتمالين لا دلالة في الحديث على الاجتراء على الذنوب بحجة أن حسنة مثل حسنة سقي الكلب يكفر الذنوب كلها ويغفر له بذلك وهذا ظاهر جدًّا والله أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب تسعة أحاديث: الأول حديث أم شريك ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث سعد بن أبي وقاص ذكره للاستشهاد، والثالث حديث عائشة ذكره للاستشهاد به ثانيًا، والرابع حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والخامس حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والسادس حديث عبد الله بن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والسابع حديث أبي هريرة الثالث ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات، والثامن حديث أبي هريرة الرابع ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة، والتاسع حديث أبي هريرة الخامس ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
стр. 9490
٦٨٣ - (٢٧) باب النهي عن سب الدهر وتسمية العنب كرمًا، وقول: يا عبدي يا أمتي، والنهي عن قول الإنسان: خبثت نفسي، وكون المسك أطيب الطيب، وكراهة رد هدية الطيب والريحان واستعمال البخور
٥٧٢٠ - (٢٢١٣) (٢٦٨) وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَال: قَال أَبُو هُرَيرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "قَال اللَّهُ : يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ. وَأَنَا الدَّهْرُ. بِيَدِيَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ"
ــ
٦٨٣ - (٢٧) باب النهي عن سب الدهر وتسمية العنب كرمًا، وقول: يا عبدي يا أمتي، والنهي عن قول الإنسان: خبثت نفسي، وكون المسك أطيب الطيب، وكراهة رد هدية الطيب والريحان واستعمال البخور
٥٧٢٠ - (٢٢١٣) (٢٦٨) (وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح وحرملة بن يحيى قالا أخبرنا ابن وهب حدثني يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال قال أبو هريرة سمعت رسول الله ﷺ يقول) فيما يرويه عن ربه (قال الله يسب ابن آدم الدهر) فيقول يا خيبة الدهر ويا بؤس الدهر (وأنا الدهر) أي وأنا رب الدهر ومالكه ومقلبه ومصرفه، ففيه حذف اختصارًا للفظ واتساعًا في المعنى ولهذا عقبه بقوله (بيدي) المقدسة (الليل والنهار) أي تصريفهما وتقليبهما وإنزال ما ينزل فيهما من الحوادث فإذا سب الدهر فكأنما سبني.
قال الخطابي: كانت الجاهلية تضيف المصائب والنوائب إلى الدهر الذي هو الليل والنهار وهم في ذلك فرقتان فرقة لا تؤمن بالله ولا تعرف إلا الدهر الذي هو الليل والنهار اللذان هما محل للحوادث وظرف لمساقط الأقدار فتنسب المكاره إليه على أنها من فعله ولا ترى أن لها مدبرًا غيره وهذه الفرقة هي الدهرية الذين حكى الله تعالى عنهم في كتابه العزيز بقوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إلا الدَّهْرُ﴾ وفرقة تعرف الخالق وتنزهه من أن تنسب إليه المكاره فتضيفها إلى الدهر والزمان وعلى هذين الوجهين كانوا يسبون الدهر ويذمونه فيقول القائل منهم يا خيبة الدهر ويا بؤس الدهر، فقال ﷺ لهم مبطلًا
стр. 9491
٥٧٢١ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي عُمَرَ - (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا) سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "قَال اللَّهُ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ
ــ
ذلك: "لا يسبن أحد منكم الدهر فإن الله هو الدهر" أي لا تسبوا الدهر على أنه هو الفاعل لهذا الصنيع بكم، فالله هو الفاعل له فإذا سببتم الذي أنزل بكم المكاره رجع السبُّ إلى الله تعالى وانصرف إليه اهـ.
قال القرطبي: ويراد بابن آدم هنا أهل الجاهلية ومن جرى مجراهم ممن يطلق هذا اللفظ ولا يتحرز منه فإن الغالب من أحوال بني آدم إطلاق نسبة الأفعال إلى الدهر فيذمونه ويسفهونه إذا لم تحصل لهم أغراضهم ويمدحونه إذا حصلت لهم، وأكثر ما يوجد ذلك في كلام الشعراء والفصحاء ولا شك في كفر من نسب تلك الأفعال أو شيئًا منها إلى الدهر واعتقد ذلك، وأما من جرت هذه الألفاط على لسانه ولا يعتقد صحة ذلك فليس بكافر ولكنه قد تشبه بأهل الكفر وبالجاهلية في الإطلاق وقد ارتكب ما نهاه رسول الله ﷺ عنه فليتب وليستغفر الله تعالى والدهر والزمان والأبد كلها بمعنى واحد وهو راجع إلى حركات الفلك وهي الليل والنهار فالدهر هو امتداد حركة الفلك إلى ما لا نهاية له.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٧٢]، والبخاري في مواضع كثيرة منها في الأدب باب لا تسبوا الدهر [٦١٨١]، وأبو داود في الأدب باب الرجل يسب الدهر [٥٢٧٤].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٥٧٢١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه إسحاق بن إبراهيم و) محمد (بن أبي عمر) المكي العدني (واللفظ لابن أبي عمر قال إسحاق أخبرنا وقال ابن أبي عمر حدثنا سفيان) بن عيينه (عن الزهري عن) سعيد (بن المسيب عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة ابن المسيب لأبي سلمة بن عبد الرحمن (أن رسول الله ﷺ قال قال الله يوذيني ابن آدم) أي يعاملني معاملة توجب الأذى في حقكم اهـ نووي، قال القرطبي: معناه يخاطبني من القول بما يتأذى به
стр. 9492
يَسُبُّ الدَّهْرَ, وَأَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ".
٥٧٢٢ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَال اللَّهُ
ــ
من يجوز في حقه التأذي والله منزه عن أن يصل إليه الأذى وإنما هذا من التوسع في دائرة الكلام، والمراد أن من وقع ذلك منه تعرض لسخط الله، وقد ذكر بعض العلماء أن جميع الانفعالات التي نسبت إلى الله تعالى في القرآن أو السنة إنما يراد بها على سبيل المجاز نتائج تلك الانفعالات التي تترتب عليها في الحوادث عادة فمن آذى إنسانًا فإن المتأذي ينتقم منه أو يعاقبه عادة فالمراد من التأذي في حق الله تعالى هو العقاب والعذاب أعاذنا الله تعالى منه اهـ[قلت] وهذا الذي ذكره القرطبي وغيره هو مذهب المؤولين والمذهب الحق إجراء ما ورد من صفات الله تعالى في القرآن أو السنة على ظاهره وعدم تأويله فيقال هنا تأذي الله سبحانه من ابن آدم صفة ثابتة له تعالى نثبتها ونعتقدها ولا نكيفها ولا نمثلها ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
واعلم أنه لما كان اعتقاد الجاهلية أن الدهر هو الذي يفعل الأفعال ويذمونه إذا لم تحصل أغراضهم أعلمهم النبي ﷺ أن الله تعالى يفعل كل شيء فإذا سبوا الدهر من حيث إنه الفاعل ولا فاعل إلا الله فكأنهم سبوا الله تعالى فلذلك قال الله تعالى (يسب) ابن آدم (الدهر وأنا الدهر) أي أنا الذي أفعل ما ينسبونه إلى الدهر لا الدهر فإنه ليل ونهار، وأنا (أقلب الليل والنهار) أي أتصرف فيهما بالإطالة والإقصار والإضاءة والإظلام وفيه تنبيه على أن ما يفعل ويتصرف فيه لا يصلح لأن يفعل وهذا المعنى هو الذي عبر عنه الحكماء بقولهم ماله طبيعة عدمية يستحيل أن يفعل فعلًا حقيقيًّا والله أعلم اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٧٢٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة معمر لسفيان بن عيينة (قال قال رسول الله ﷺ قال الله
стр. 9493
عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ, يَقُولُ: يَا خَيبَةَ الدَّهْرِ, فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيبَةَ الدَّهْرِ , فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ. أُقَلِّبُ لَيلَهُ وَنَهَارَهُ. فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا".
٥٧٢٣ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيبَةَ الدَّهْرِ , فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ"
ــ
يؤذيني ابن آدم) وذلك لأنه (يقول يا خيبة الدهر) ويا خسارة الدهر ويا سوء الدهر (فلا يقولن أحدكم) يا عبادي (يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر) أي مقلبه ومالكه (أقلب ليله) بالإطالة والإقصار والإظلام (ونهاره) بالزيادة والنقصان والإضاءة وفاعل ما فيهما (فإذا شئت) قبضهما إلي (قبضتهما).
قوله (أنا الدهر) قال العلماء: فيه مجاز بالحذف لأن الدهر ليس من أسمائه تعالى لعدم ورود التوقيف فيه لأن المعنى أنا رب الدهر وخالقه ومالكه ومقلبه وفاعل جميع ما فيه، وسبب هذا الحديث أن العرب كان من شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو قحط أو غير ذلك فيقولون: يا خيبة الدهر ويا بؤس الدهر ونحو ذلك من ألفاظ سب الدهر، فقال النبي ﷺ : "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، أي مالك الدهر وفاعل ما يقع فيه لأنه مخلوق مفعول لله تعالى فلا يكون المفعول فاعلًا، أي لا تسبوا فاعل النوازل والمصائب فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى لأنه هو فاعلها ومنزلها، وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة مخلوقات الله تعالى فلا شركة لمخلوق مع الخالق اهـ نووي بتصرف وزيادة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا فقال:
٥٧٢٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا قتيبة) بن سعيد (حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن) بن عبد الله الحزامي المدني، ثقة، من (٧) (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال لا يقولن أحدكم) أيها المؤمنون (يا خيبة الدهر) ويا قبحه (فإن الله) سبحانه (هو الدهر) أي خالق الدهر وخالق ما يقع فيه من الحوادث، قوله (يا خيبة
стр. 9494
٥٧٢٤ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ. فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ".
٥٧٢٥ - (٢٢١٤) (٢٦٩) حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
ــ
الدهر) قال الداودي: هو دعاء على الدهر بالخيبة وهو كقولهم قحط الله نوءها يدعون على الأرض بالقحط، وقال آخرون: هو ندبة كأنه فقد الدهر لما يصدر عنه مما يكرهه فندبه متفجعًا عليه أو متوجعًا منه والمقصود منه سب الدهر، وقال الشيخ ابن أبي جمرة: لا يخفى أن من سب الصنعة فقد سب صانعها فمن سب نفس الليل والنهار أقدم على أمر عظيم بغير معرفة خطره وأما الحوادث فمنها ما يجري بوساطة العاقل المكلف فهذا يضاف شرعًا ولغة إلى الذي جرى على يديه ويضاف إلى الله تعالى لكونه بتقديره فأفعال العباد من أكسابهم ولهذا ترتبت عليه الأحكام وهي في الابتداء خلق الله تعالى وتقديره، ومنها ما يجري بغير وساطة فهو منسوب إلى قدرة القادر وليس لليل والنهار فعل ولا تأثير لا لغة ولا عقلًا ولا شرعًا وهو المعني في هذا الحديث ويلتحق بذلك ما يجري من الحيوان غير العاقل اهـ فتح الباري [١/ ٥٦٥].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٧٢٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب حدثنا جرير) بن عبد الحميد (عن هشام) بن حسان (عن ابن سيرين عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة ابن سيرين للأعرج (عن النبي ﷺ قال لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر) أي خالقه وخالق ما يقع فيه.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث آخر لأبي هريرة ﵁ فقال:
٥٧٢٥ - (٢٢١٤) (٢٦٩) (حدثنا حجاج) بن يوسف بن حجاج الثقفي البغدادي المعروف بـ (ابن الشاعر) ثقة، من (١١) (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا
стр. 9495
مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ, عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَسُبُّ أَحَدُكُمُ الدَّهْرَ. فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ. وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ: الْكَرْمَ. فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ"
ــ
معمر) بن راشد الأزدي البصري (عن أيوب) السختياني (عن ابن سيرين عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر) أي خالقه وخالق ما فيه (ولا يقولن أحدكم) أيضًا (للعنب الكرم) أي لا تسموه بالكرم، وفي المرقاة: سمت العرب العنبة كرمًا ذهابًا إلى أن الخمر تورث شاربها كرمًا فلما حرم الخمر نهاهم عن ذلك تحقيرًا للخمر وتأكيدًا لحرمتها وبين أن قلب المؤمن هو الكرم لأنه معدن التقوى اهـ، حيث قال (فإن الكرم الرجل المسلم) أي إنما يستحق هذا الاسم الرجل المسلم أو قلب المؤمن لأن الكرم مشتق من الكرم بفتح الراء، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فسمى قلب المؤمن كرمًا لما فيه من الإيمان والهدى والنور والتقوى، قال النووي: ففي هذه الأحاديث كراهية تسمية العنب كرمًا بل يقال عنب أو حبلة، قال العلماء: سبب كراهة ذلك أن لفظة الكرم كانت العرب تطلقها على شجر العنب وعلى العنب وعلى الخمر المتخذة من العنب سموها كرمًا لكونها متخذة منه ولأنها تحمل على الكرم والسخاء فكره الشرع إطلاق هذه اللفظة على العنب وشجره لأنهم إذا سمعوا اللفظة ربما تذكروا بها الخمر وهيجت نفوسهم إليها فوقعوا فيها أو قاربوا ذلك. وقوله أيضًا (لا يقولن أحدكم للعنب الكرم) بسكون الراء، وحكى ابن بطال عن ابن الأنباري أنهم سموا العنب كرمًا لأن الخمر المتخذة منه تحث على الكرم والسخاء ومكارم الأخلاق حتى قال شاعرهم: والخمر مشتقة المعنى من الكرم، فلذلك نهى عن تسمية العنب بالكرم حتى لا يسموا أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم وجعل المؤمن الذي يتقي شربها أحق بهذا الاسم، وحكى القرطبي عن المازري: أن السبب في النهي أنه لما حرمت عليهم الخمر وكانت طباعهم على الكرم كره ﷺ أن يسمى هذا المحرم باسم تهيج طباعهم إليه عند ذكره فيكون ذلك كالمحرك لهم قوله (فإن الكرم الرجل المسلم) وقد أخرج الطبراني والبزار من حديث سمرة رفعه "إن اسم الرجل المؤمن في الكتب الكرم من أجل ما أكرمه الله على الخليقة وإنكم تدعون الحائط من العنب الكرم".
стр. 9496
٥٧٢٦ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَا تَقُولُوا: كَرْمٌ. فَإِنَّ الْكَرْمَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ".
٥٧٢٧ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ،
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الأدب باب قول النبي ﷺ إنما الكرم قلب المؤمن [٦١٨٣] وباب لا تسبوا الدهر [٦١٨٢]، وأبو داود في الأدب باب في الكرم وحفظ المنطق [٤٩٧٤].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٥٧٢٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (و) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (قالا حدثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري عن سعيد) بن المسيب (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة سعيد بن المسيب لمحمد بن سيرين (عن النبي ﷺ قال لا تقولوا) للعنب (كرم فإن الكرم) أي فإن المستحق بالتسمية باسم الكرم هو (قلب المؤمن) لما فيه من نور الهدى والإيمان واليقين، قال القرطبي: المعنى فإن الأحق باسم الكرم قلب المؤمن وذلك لما حواه من العلوم والفضائل والأعمال الصالحة والمنافع العامة فهو أحق باسم الكريم والكرم، والنهي في قوله (لا تقولوا) نهي على جهة الإرشاد لما هو الأولى في الإطلاق نظير قوله ﷺ "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء وإنها تعتم بحلاب الإبل" متفق عليه، قال: "وتقول الأعراب هي العتمة" فمعنى هذا والله أعلم أن تسمية هذه الصلاة بالعشاء أولى من تسميتها بالعتمة لا أن إطلاق اسم العتمة عليها ممنوع فإن النبي ﷺ قد أطلق عليها اسم العتمة حين قال: "ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا" رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه اهـ من المفهم.
وهذا الرواية لم يروها غير مسلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٧٢٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي
стр. 9497
عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ. فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ".
٥٧٢٨ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ. حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ: الْكَرْمُ. فَإِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ".
٥٧٢٩ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَال: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ــ
الكوفي (عن هشام) بن حسان القردوسي (عن) محمد (بن سيربن عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة هشام لأيوب ولو قدم هذه المتابعة على التي قبلها لكان أوضح وأولى (عن النبي ﷺ قال لا تسموا العنب الكرم فإن الكرم الرجل المسلم) والنهي فيه نهي إرشاد لما هو الأولى لا أنه ممنوع كما مر آنفًا عن القرطبي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٧٢٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا زهير بن حرب حدثنا علي بن حفص) المدائني أبو الحسن البغدادي، صدوق، من (٩) روى عنه في (٢) الزكاة والأدب (حدثنا ورقاء) بن عمر بن كليب اليشكري الكوفي، صدوق، من (٧) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبو هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة الأعرج لابن سيرين وسعيد بن المسيب (قال قال رسول الله ﷺ : لا يقولن أحدكم) للعنب هو (الكرم فإنما الكرم) هو (قلب المؤمن) أي لا يستحق التسمية بالكرم العنب إنما يستحقها قلب المؤمن.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا فقال:
٥٧٢٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا) محمد (بن رافع) القشيري (حدثنا عبد الرزاق) بن همام (أخبرنا معمر) بن راشد (عن همام بن منبه) بن كامل اليماني (قال) همام (هذا ما حدثنا) به (أبو هريرة عن رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته،
стр. 9498
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ, لِلْعِنَبِ, الْكَرْمَ. إِنَّمَا الْكَرْمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ".
٥٧٣٠ - (٢٢١٥) (٢٧٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ. أَخْبَرَنَا عِيسَى، (يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ) , عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ, عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَال: "لَا تَقُولُوا: الْكَرْمُ. وَلَكِنْ قُولُوا: الْحَبَلَةُ". يَعْنِي الْعِنَبَ
ــ
غرضه بيان متابعة همام لمن روى عن أبي هريرة (فذكر) همام (أحاديث) كثيرة (منها) قال أبو هريرة قال رسول الله ﷺ كذا وكذا (وقال رسول الله ﷺ : لا يقولن أحدكم للعنب الكرم) أي لا يسميه بالكرم (إنما الكرم الرجل المسلم).
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث وائل بن حجر ﵄ فقال:
٥٧٣٠ - (٢٢١٥) (٢٧٠) (حدثنا علي بن خشرم) بوزن جعفر ابن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال الهلالي أبو الحسن المروزي، ثقة، من (١٠) (أخبرنا عيسى يعني ابن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي أبو عمرو الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٧) بابا (عن شعبة) بن الحجاج العتكي البصري (عن سماك بن حرب) بن أوس البكري الذهلي أبي المغيرة الكوفي أحد الأعلام التابعين، صدوق، من (٤) روى عنه في (١٤) بابا (عن علقمة بن وائل) بن حجر الكندي الحضرمي ثم الكوفي، صدوق، من (٣) روى عنه في (٦) أبواب (عن أبيه) وائل بن حجر بن سعد بن مسروق الحضرمي الكوفي الصحابي المشهور ﵁، روى عنه في (٤) أبواب. وهذا السند من سداسياته (عن النبي ﷺ قال: لا تقولوا) لشجر العنب أو ثمره هو (الكرم ولكن قولوا) لثمره أو شجره هو (الحبلة يعني) النبي ﷺ بقوله قولوا الحبلة سموا (العنب) بالحبلة لا بالكرم.
وهذا الحديث مما انفرد به المؤلف رحمه الله تعالى.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه فقال:
стр. 9499
٥٧٣١ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ. قَال: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "لَا تَقُولُوا: الْكَرْمُ. وَلَكِنْ قُولُوا: الْعِنَبُ وَالْحَبَلَةُ".
٥٧٣٢ - (٢٢١٦) (٢٧١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) , عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي. كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ,
ــ
٥٧٣١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه زهير بن حرب حدثنا عثمان بن عمر) بن فارس العبدي أبو محمد البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (حدثنا شعبة عن سماك قال سمعت علقمة بن وائل عن أبيه) وائل بن حجر ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة عثمان بن عمر لعيسى بن يونس (أن النبي ﷺ قال لا تقولوا) للعنب هو (الكرم ولكن قولوا) فيه (العنب والحبلة) بفتح الحاء والباء وهو الأشهر وحكي ضم الحاء وسكون الباء وهي شجرة العنب وقيل أصل الشجرة وقيل القضيب منها وهو أيضًا اسم ثمر السمر والعضاة والعنب يطلق على الثمر والشجر نهى عن ذلك تحقيرًا لها وتذكيرًا لحرمة الخمر اهـ مناوي، وفي البخاري (ويقولون الكرم) قال القسطلاني: الكرم مبتدأ محذوف الخبر أي الكرم شجر العنب ويجوز أن يكون خبرًا لمحذوف أي يقولون شجر العنب الكرم اهـ.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة بحديث آخر لأبي هريرة ﵁ فقال:
٥٧٣٢ - (٢٢١٦) (٢٧١) (حدثنا يحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة) بن سعيد (و) علي (بن حجر) السعدي المروزي (قالوا حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني (عن العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ قال لا يقولن أحدكم) لعبده يا (عبدي و) لا لأمته يا (أمتي كلكم) أيها الأحرار والعبيد (عبيد الله) أي مملوكون لله ملكًا حقيقيًّا فلا تتكبروا
стр. 9500
وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ. وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلامِي وَجَارِيَتِي, وَفَتَاى وَفَتَاتِي".
٥٧٣٣ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ،
ــ
أيها الأسياد بالملك المجازي على أرقائكم (وكل نسائكم) أيها الرجال حرائر كن أم إماءً (إماء الله) أي مملوكون لله تعالى ملكًا حقيقيًّا فلا تترفعوا بالملك المجازي فإنه زائل (ولكن ليقل) أحدكم لمملوكه يا (كلامي و) يا (جاريتي و) يا (فتاي) في الغلام (و) يا (فتاتي) في الجارية، يعني لا يصف أحدكم رقيقه بكونه عبدًا له أو أمة لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله ولأن في تلك الكلمة تعظيمًا لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه، قال الخطابي: المعنى في ذلك كله راجع إلى البراءة من الكبر والتزام الذل والخضوع لله وهو الذي يليق بالمربوب اهـ.
ثم إن هذا النهي عند جميع العلماء إنما يدل على الكراهة التنزيهية دون التحريم، واستشهد الإمام البخاري على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ فإنه أطلق لفظ العبد في الآية على الرقيق وإنما أرشد الحديث على الأدب والتواضع في الكلام وحسن الخلق في العشرة والاجتناب عن الترفع والتعاظم ومخاطبة الرقيق بما فيه مداراة لهم وتسلية لخواطرهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣١٦]، والبخاري في العتق باب كراهية التطاول على الرقيق [٢٥٥٢]، وأبو داود في الأدب باب لا يقول المملوك ربي وربتي [٤٩٧٥ و ٤٩٧٦].
وأمره ﷺ بأن يقول غلامي وفتاي وفتاتي وجاريتي لأن هذه الألفاظ تطلق على الحر والعبد وليس فيها من معنى الملك ولا من التعاظم شيء مما في عبدي وأمتي وأصل الفتوة الشباب وهو من الفتاء بالمد ثم قد استعمل الفتى فيمن كملت فضائله ومكارمه كما قالوا: لا فتى إلا علي، وأصل الغلومية في بني آدم هي للصغير فيطلق على الصغير اسم الغلام من حين يولد إلى أن يبلغ فينقطع عنه ذلك الاسم وكذلك الجارية في النساء اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٧٣٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب حدثنا جرير) بن عبد الحميد الضبي
стр. 9501
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي. فَكُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ, وَلَكِنْ لِيَقُلْ: فَتَاى. وَلَا يَقُلِ الْعَبْدُ: رَبِّي. وَلَكِنْ لِيَقُلْ: سَيِّدِي"
ــ
الكوفي، ثقة، من (٨) (عن الأعمش عن أبي صالح) السمان (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي صالح لعبد الرحمن بن يعقوب (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ لا يقولن أحدكم) لعبده يا (عبدي فكلكم عبيد الله ولكن ليقل فتاي ولا يقل العبد) لسيده يا (ربي ولكن ليقل) يا (سيدي).
قوله (ولا يقل العبد ربي) يعني لا يصف العبد سيده بكونه ربًا له ولا يخاطبه بقوله يا ربي فإن الربوبية من صفات الله تعالى لا يشاركه فيها غيره، وقد ذكر العلماء أنه لا يجوز لأحد أن يقول لأحد غير الله تعالى "رب" كما لا يجوز أن يقال له "إله" ولكن الذي يختص بالله تعالى هو إطلاق لفظ الرب بدون إضافة، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه كما في قولهم رب الدار ورب المال ورب الغلام ورب الثوب وكذلك ورد هذا اللفظ بالإضافة في قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وفي قوله: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ وكذلك ورد في قوله ﷺ : "أن تلد الأمة ربها أو ربتها" وكل ذلك يدل على أن النهي في حديث الباب إنما هو للتنزيه والإرشاد إلى ما هو الأولى كما سبق آنفًا في النهي عن قولهم عبدي وأمتي وإلى هذا ذهب كافة العلماء قوله (ولكن ليقل سيدي) فيه تصريح بجواز إطلاق لفظ السيد على غير الله تعالى كما يدل على الجواز قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ وقوله ﷺ في سعد بن معاذ: "قوموا إلى سيدكم" وفي سعد بن عبادة "اسمعوا ما يقول سيدكم" وفي الحسن بن علي ﵄ "إن ابني هذا سيد" وقوله ﷺ لبني سلمة "من سيدكم يا بني سلمة" قالوا: الجد بن قيس على أنا نبخله قال: "وأي داء أدوى من البخل، بل سيدكم عمرو بن الجموح" أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأشار إليه تعليقًا في باب كراهية التطاول على الرقيق فهذه النصوص كلها تدل على جواز استعمال لفظ السيد لغير الله تعالى.
قال القرطبي: قوله (ولا يقل العبد ربي وليقل سيدي) إنما فرق بينهما لأن الرب من أسماء الله تعالى المستعملة بالاتفاق، واختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى
стр. 9502
٥٧٣٤ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِهِمَا: "وَلَا يَقُلِ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ: مَوْلاى".
وَزَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاويَةَ: "فَإِنَّ مَوْلاكُمُ اللَّهُ "
ــ
أم لا؟ فإذا قلنا ليس من أسمائه فالفرق واضح إذ لا التباس ولا إشكال يلزم من إطلاقه كما يلزم من إطلاق الرب، وإذا قلنا إنه من أسمائه تعالى فليس في الشهرة والاستعمال كلفظ الرب فيجعل الفرق بذلك وأما الفرق بينهما من حيث اللغة أن الرب أصله من رب الشيء والولد يربه من باب شد ورباه يربيه إذا قام عليه بما يصلحه ويكمله فهو رب وراب ولما كان ابتداء التربية وكمالها من الله تعالى بالحقيقة لا من غيره كان الأولى بالإنسان أن لا ينسب تربية نفسه إلا إلى من إليه الربوبية الحقيقية وهو الله تعالى فإن فعل ذلك كان متجوزًا في اللفظ مخالفًا للأولى.
والسيد من السؤدد وهو التقدم يقال ساد قومه إذا تقدمهم ولا شك في تقدم السيد على غلامه فلما حصل الافتراق جاز الإطلاق اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٧٣٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو معاوية ح وحدثنا أبو سعيد الأشج) عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي الكوفي، ثقة، من صغار (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا وكيع كلاهما) أي كل من أبي معاوية ووكيع رويا (عن الأعمش) غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعتهما لجرير بن عبد الحميد (بهذا الإسناد) يعني عن أبي صالح عن أبي هريرة (و) لكن (في حديثهما) أي في حديث أبي معاوية ووكيع وروايتهما زيادة لفظة (ولا يقل العبد لسيده مولاي وزاد) الراوي (في حديث أبي معاوية) وروايته لفظة (فإن مولاكم) هو (الله لا غيره، وقوله (ولا يقل العبد لسيده مولاي) هذه زيادة زادها وكيع وأبو معاوية على رواية جرير عن الأعمش فإنه لم يذكرها وحذف هذه الزيادة أولى وأرجح لأنها معارضة لما سيأتي في رواية همام بن منبه من قوله (ولا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي مولاي) فإنه يدل على عدم كراهية استعمال لفظ المولى، وقد رجح المحدثون رواية همام بن منبه لأنه قد
стр. 9503
٥٧٣٥ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَال: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ: اسْقِ رَبَّكَ, أَطْعِمْ رَبَّكَ, وَضِّئْ رَبَّكَ , وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: رَبِّي. وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي. مَوْلاى. وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي. أَمَتِي. وَلْيَقُلْ: فَتَاى. فَتَاتِي غُلامِي"
ــ
اختلف الرواة عن الأعمش فمنهم من ذكر في الحديث لفظة (ولا يقل العبد لسيده مولاي) كأبي معاوية ووكيع، ومنهم من حذف هذه الزيادة كجرير بن عبد الحميد، وذكر المحدثون أن حذفها أصح، وأما حديث همام الآتي فخال عن التعارض فيترجح على غيره ولاسيما إذا وردت دلائل كثيرة على جواز استعمال لفظ المولى لغير الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وإن لفظ المولى له معان كثيرة فلا يكره استعماله لغير الله تعالى.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٧٣٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن رافع) القشيري (حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال) همام (هذا ما حدثنا) به (أبو هريرة) ﵁ (عن رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة همام بن منبه لأبي صالح السمان (فذكر) همام أو أبو هريرة (أحاديث) كثيرة (منها) قال رسول الله ﷺ كذا وكذا (و) منها (قال رسول الله ﷺ لا يقل أحدكم) لعبده (اسق ربك أطعم ربك وضِّئ ربك) للصلاة (ولا يقل أحدكم) أيها العبيد لسيده يا (ربي وليقل) له يا (سيدي) ويا (مولاي ولا يقل أحدكم) أيها الأسياد لعبده يا (عبدي) يا (أمتي وليقل) أحدكم لعبده يا (فتاي) ولأمته يا (فتاتي) ولعبده إن شاء يا (غلامي) قال القرطبي: قوله في رواية همام (وليقل سيدي مولاي) هذا اللفظ متفق عليه عند أكثر الرواة، وفي الأم من رواية أبي معاوية ووكيع عن الأعمش مرفوعًا (ولا يقل العبد لسيده مولاي) وانفرد أبو معاوية فزاد: وإن الله مولاكم، وقد رواه عن الأعمش جرير ولم يذكر ذلك، وقد روي عن طرق متعددة مشهورة وليس ذلك مذكورًا فيها بل
стр. 9504
٥٧٣٦ - (٢٢١٧) (٢٧٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ. مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. كِلاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي , وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي"
ــ
اللفظ الأول فقط فظهر بهذا أن اللفظ الأول أرجح، وإنما صرنا للترجيح للتعارض بين الحديثين يعني بين حديث أبي صالح على رواية أبي معاوية ووكيع وبين حديث همام هذا أو بين رواية جرير وبين رواية أبي معاوية فإن الأول يعني رواية جرير يقتضي إباحة قول العبد مولاي كحديث همام والثاني يعني رواية أبي معاوية ووكيع يقتضي منعه من ذلك والجمع متعذر والعلم بالتاريخ مفقود فلم يبق إلا الترجيح كما ذكرناه وروايات حديث أبي هريرة كلها من باب الإرشاد إلى إطلاق الاسم الأولى لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم ممنوع.
[قلت] ومقصود الشرع الإرشاد إلى تعرف مواقع الألفاظ، واستعمال الأولى منها والأحسن ما أمكن من غير إيجاب ذلك واجتناب المشترك من الألفاظ وما يستكره منها وما لا تواضع فيه كعبدي وأمتي من غير تحريم ذلك ولا تحريجه والله أعلم اهـ من المفهم.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الرابع من الترجمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٥٧٣٦ - (٢٢١٧) (٢٧٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة ح وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة كلاهما) أي كل من سفيان وأبي أسامة رويا (عن هشام) بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السندان من خماسياته (قالت) عائشة (قال رسول الله ﷺ لا يقولن أحدكم خبثت) من باب ظرف أي نجست (نفسي) أي قلبي (ولكن ليقل لقست) من باب فرح أي وسخت (نفسي) واللقس في اللغة امتلاء المعدة والغثيان ويقال لقست نفسه إلى الشيء إذا نازعته إليه وحرصت عليه، وفي الاستعمال هو أن اللقس والخبث سواء غير أن الخبث أعم وأقبح، قال الراغب: الخبث يطلق على الباطل في الاعتقاد والكذب في المقال والقبح في الفعال والخبث واللقس وإن كانا سواء في
стр. 9505
هَذَا حَدِيثُ أَبِي كُرَيبٍ. وَقَال أَبُو بَكْرٍ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَلَمْ يَذْكُرْ "لَكِنْ".
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٥٧٣٧ - (٢٢١٨) (٢٧٣) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ
ــ
المعنى من حيث الاستعمال لكن لفظ الخبيث قبيح ويجمع أمورًا زائدة على المراد كما أنه يستعمل للسب أيضًا بخلاف اللقس فرجحه رسول الله ﷺ ترغيبًا في حسن الكلام، وأما قوله ﷺ في الذي ينام عن الصلاة " فأصبح خبيث النفس كسلان " فقد أخبر به النبي ﷺ عن شخص مبهم مذموم الحال فلا يمتنع إطلاق هذا اللفظ عليه والنهي فيه للتنزيه اهـ.
وعبارة القرطبي هنا قال أبو عبيد: معنى لقست وخبثت واحد لكن كره لفظ الخبث لشناعة اللفظ وعلمهم الأدب في المنطق، وقال الأصمعي: لقست نفسي أي غثت، وقال ابن الأعرابي: ضاقت وكسلت ولا يعترض هذا بقوله ﷺ " فأصبح خبيث النفس كسلان " لأن محل النهي أن يضيف المتكلم الخبث إلى نفسه لا أن يتكلم بالخبث مطلقًا فإذا أخبر به عن غير معين جاز ولاسيما في معرض التحذير والذم للكسل والتكاسل عن الطاعات كما قد جاء في هذا الحديث ومن أوضح ما في هذا الباب قوله ﷺ حين سئل عن العقيقة فقال: "لا أحب العقوق ولكن إذا أحب أحدكم أن ينسك عن ولده بشاة فليفعل " فكره اسم العقوق اهـ من المفهم (هذا) المذكور لفظ (حديث أبي كريب وقال أبو بكر عن النبي ﷺ ولم يقل قال رسول الله ﷺ (ولم يذكر) أبو بكر لفظة (لكن) في الحديث (وحدثناه أبو كريب حدثنا أبو معاوية بهذا الإسناد) يعني عن هشام عن عروة عن عائشة، غرضه بيان متابعة أبي معاوية لأبي أسامة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الأدب [٦١٩٧]، وأبو داود في الأدب [٤٩٧٩].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة بحديث سهل بن حنيف ﵄ فقال:
٥٧٣٧ - (٢٢١٨) (٢٧٣) (وحدثني أبو الطاهر وحرملة قالا أخبرنا ابن
стр. 9506
وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي , وَلْيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي".
٥٧٣٨ - (٢٢١٩) (٢٧٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ شُعْبَةَ. حَدَّثَنِي خُلَيدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَال: "كَانَتِ امْرَأَةٌ, مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ, قَصِيرَةٌ. تَمْشِي مَعَ امْرَأَتَينِ طَويلَتَينِ
ــ
وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي أمامة) أسعد (بن سهل بن حنيف) معروف بكنيته الأنصاري، معدود في الصحابة رضي الله تعالى عنه، له رؤية، لم يسمع من النبي ﷺ ، مات سنة (١٠٠) مائة، روى عنه في (٧) أبواب (عن أبيه) سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري الأوسي أبي ثابت المدني البدري ﵁، روى عنه في (٤) أبواب. وهذا السند من سداسياته (أن رسول الله ﷺ قال لا يقل أحدكم خبثت نفسي) أي صارت خبيثة نجسة (وليقل لقست نفسي) أي صارت ثقيلة بطيئة في العبادة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الأدب باب لا يقل خبثت نفسي [٦١٨٠]، وأبو داود في الأدب باب لا يقل خبثت نفسي [٤٩٧٨].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الخامس من الترجمة بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
٥٧٣٨ - (٢٢١٩) (٢٧٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن شعبة حدثني خليد) مصغرًا (بن جعفر) بن طريف الحنفي البصري، صدوق، من (٦) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي العوقي بفتح المهملة والواو ثم قاف البصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (١١) بابا (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك ﵄. وهذا السند من سداسياته (عن النبي ﷺ قال كانت امرأة من بني إسرائيل) لم أر من ذكر اسمها (قصيرة) بالرفع صفة ثانية لامرأة، وجملة قوله (تمشي) خبر كان، ومع في قوله (مع امرأتين طويلتين) بمعنى بين، ولم أر
стр. 9507
فَاتَّخَذَتْ رِجْلَينِ مِنْ خَشَبٍ. وَخَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ مُغْلَقٍ مُطْبَقٍ, ثُمَّ حَشَتْهُ مِسْكًا. وَهُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ,
ــ
من ذكر اسم المرأتين أيضًا أي كانت امرأة قصيرة من بني إسرائيل ماشية في عادتها بين امرأتين طويلتين منهم فعرفت قصرها ونقصها عنهما وقبح مشيتها معهما (فاتخدت رجلين) لتطول قامتها فتكون متناسبة مع صاحبتيها أي صنعت لنفسها خفين (من خشب) فحشتهما بنحو قطن فلبستهما فصارت مساوية للمرأتين أو أطول منهما، وفي رواية لأحمد [٣/ ٤٠] فكانت تسير بين امرأتين طويلتين، وفي رواية له [٣/ ٤٦] ثم ذكر نسوة ثلاثًا من بني إسرائيل امرأتين طويلتين تعرفان وامرأة قصيرة لا تعرف فلما اتخذت الرجلين من الخشب صارت طويلة بين قصيرتين، ويمكن الجمع بينهما بأن المرأة القصيرة كانت تسير بين امرأتين طويلتين فلما اتخذت الرجلين من الخشب صارت طويلة بين قصيرتين ويشهد له ما أخرجه الطبراني في الكبير عن سمرة بن جندب رفعه وفيه (حتى كانت المرأة القصيرة تتخذ خفين من خشب تحشوهما ثم تدخل فيهما رجليها ثم تعمد إلى المرأة الطويلة فتمشي معها فإذا هي قد سارت بها وكانت أطول منها. [قلت] ويشهد له ما أخرجه ابن خزيمة في التوحيد بإسناد صحيح على شرط مسلم من حديث أبي سعيد أو جابر رفعه وفيه (فذكرت امرأة من بني إسرائيل كانت قصيرة واتخذت رجلين من خشب وخاتمًا له غلق وطبق وحشته مسكًا وخرجت بين امرأتين طويلتين أو جسيمتين فبعثوا إنسانًا يتبعهن فعرف الطويلتين ولم يعرف صاحبة الرجلين من خشب والله أعلم اهـ من تنبيه المعلم على مبهمات مسلم.
قال النووي: حكم اتخاذها رجلين في شرعنا أنها إن قصدت به مقصودًا صحيحًا شرعيًّا بأن قصدت ستر نفسها لئلا تعرف فتقصد بالأذى أو نحو ذلك فلا بأس به وإن قصدت به التعاظم أو التشبه بالكاملات تزويرًا على الرجال وغيرهم فهو حرام اهـ منه.
(و) اتخذت أي صنعت لنفسها (خاتمًا من ذهب مغلق) بالجر صفة أولى لذهب (مطبق) بالجر صفة ثانية له، ووقع في بعض النسخ (مغلقًا مطبقًا) بالنصب على أنه صفة لخاتمًا وهو أوضح وأوفق وكونه بالجر صفة لذهب بناء على أنه صفة سببية له أي مغلق خاتمه مطبق خاتمه جائز صحيح معنى، والخاتم المغلق هو المربوط المشدود وسطه عند ملتقى الطرفين بغلق كغلق الباب والمطبق هو المجعول فصه كالطبق عليه (ثم حشته) أي حشت وملأت فصه (مسكًا) لأنه كان مجوفًا (وهو) أي والحال أن ذلك المسك (أطيب
стр. 9508
فَمَرَّتْ بَينَ الْمَرْأَتَينِ. فَلَمْ يَعْرِفُوهَا. فَقَالتْ بِيَدِهَا هَكَذَا" وَنَفَضَ شُعْبَةُ يَدَهُ
ــ
الطيب) أي أحسنه وأجوده وأفوحه رائحة وأفضله طيبًا، وهذا موضع الترجمة، وفيه جواز استعمال المسك وقد انعقد عليه الإجماع، وقد حكي عن بعض الشيعة تحريمه ونجاسته لكون أصله دمًا أو عضوًا أبين من الحي ولكن المسك مستثنى من هذه القاعدة أو في معنى الجنين والبيض واللبن (فمرت) أي مشت تلك المرأة القصيرة (بين المرأتين) الطويلتين (فلم يعرفوها) أي فلم يعرفها الناس الذين يعرفونها أولًا لكونها طويلة الآن (فقالت) أي فأشارت تلك المرأة (بيدها) التي فيها الخاتم (هكذا) أي رافعة لها ليعرفها الناس، قال أبو أسامة (ونفض) أي رفع (شعبة يده) محركًا لها ليحكي لنا إشارتها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٤٥ و ٤٦]، والنسائي في الزينة باب أطيب الطيب [٥١١٩] وباب ذكر أطيب الطيب [٥٢٦٤].
قال القرطبي: قوله (كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة) .. الخ يحتمل أن تكون هذه المرأة فعلت هذا لتستر قصرها عن الناس فلا ينظرون إليها ولعل قصرها كان خارجًا عن غالب أحوال القصار فإن كان هذا فلا إثم عليها لصحة قصدها وحسن تسترها وإن كانت فعلت ذلك لتتزين بإلحاقها نفسها بالطوال فذلك ممنوع منه فإنه من باب تغيير خلق الله تعالى كما تقدم، وأما اتخاذها خاتم الذهب فجائز للنساء على ما ذكرناه وأما اتخاذها المسك فمباح لها في بيتها ويلحق بالمندوب إذا قصدت به حسن التبعل للزوج، وأما إذا خرجت فإن قصدت أن يجد الرجال ريحها فهي زانية كما قاله النبي ﷺ أعني في حديث "والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا" يعني زانية رواه الترمذي [٢٧٨٦] ومعناه أنها بمنزلة الزانية في الإثم وأما إذا لم تقصد ذلك فلا تسلم من الإثم كيف لا وقد قال رسول الله ﷺ "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا" رواه مسلم وقال: "ليخرجن وهن تفلات" رواه أبو داود أي غير متطيبات وكل ذلك هو شرعنا وهل كان كذلك في شرع بني إسرائيل أو لا؟ كل ذلك محتمل اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
стр. 9509
٥٧٣٩ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خُلَيدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَالْمُسْتَمِرِّ. قَالا: سَمِعْنَا أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَشَتْ خَاتَمَهَا مِسْكًا. وَالْمِسْكُ أَطْيَبُ الطِّيبِ
ــ
٥٧٣٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٩) بابا (عن شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٣٠) بابًا تقريبًا (عن خليد بن جعفر) الحنفي البصري (والمستمر) بن الريان الإيادي الزهراني البصري العابد رأى أنسًا، ثقة، من (٦) روى عنه في (٢) بابين الجهاد والطيب، كلاهما (قالا سمعنا أبا نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي البصري (يحدث عن أبي سعيد الخدري) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة يزيد بن هارون لأبي أسامة (أن رسول الله ﷺ ذكر امرأة من بني إسرائيل حشت) أي ملأت (خاتمها مسكًا) وكان خاتمها مجوفًا (و) قال (المسك أطيب الطيب) أي أحسن أنواع الطيب وأفضلها وأجودها وأعطرها رائحة، قال النووي: في الحديث أنه أطيب الطيب وأفضله وأنه طاهر يجوز استعماله في البدن والثوب ويجوز بيعه وهذا كله مجمع عليه، ونقل أصحابنا فيه عن الشيعة مذهبًا باطلًا وهم محجوجون بإجماع المسلمين وبالأحاديث الصحيحة في استعمال النبي ﷺ له واستعمال أصحابه، قال أصحابنا وغيرهم: هو مستثنى من القاعدة المعروفة أن ما أبين من حي فهو ميت أو يقال إنه في معنى الجنين والبيض واللبن اهـ منه، وقال القرطبي: والحديث دليل واضح على طهارة المسك وإن كان أصله دمًا لكنه قد استحال إلى صلاح في مقره العادي فصار كاللبن، قال القاضي عياض: وقد وقع الإجماع على طهارته وجواز استعماله وما حكي عن عمر بن الخطاب ﵁ وعمر بن عبد العزيز من الخلاف في ذلك لا يصح فإن المعروف من السلف إجماعهم على جواز استعماله واقتداؤهم بالنبي ﷺ في ذلك اهـ من المفهم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي سعيد بحديث أبي هريرة ﵄ فقال:
стр. 9510
٥٧٤٠ - (٢٢٢٠) (٢٧٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. كِلاهُمَا عَنِ الْمُقْرِئِ. قَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ عُرِضَ عَلَيهِ رَيحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ, فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ طَيِّبُ الرِّيحِ"
ــ
٥٧٤٠ - (٢٢٢٠) (٢٧٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب كلاهما) رويا (عن المقرئ) عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان المخزومي الأعور المدني (قال أبو بكر حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ) ثقة، من (٦) روى عنه في (٣) أبواب (عن سعيد بن أبي أيوب) مقلاص الخزاعي المصري، ثقة ثبت، من (٧) روى عنه في (٥) أبواب (حدثني عبيد الله بن أبي جعفر) يسار الكناني مولاهم أبو بكر المصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (٧) أبواب (عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج) المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ من عرض عليه) وأهدي له (ريحان فلا يرده) أي فهو لا يرده على من أهداه إليه (فإنه) أي فإن ذلك الريحان (خفيف المحمل) أي خفيف حمله غير ثقيل على حامله (طيب الريح) وعطرها، قوله (ريحان) وهو نبت معروف طيب الرائحة، وقال الخليل: كل بقلة طيبة الريح، وقال أهل اللغة وغريب الحديث في تفسير هذا الحديث: هو كل نبت مشموم طيب الريح، وقال القاضي عياض: ويحتمل عنده أن يكون المراد به في هذا الحديث الطيب كله لأن كله خفيف المحمل طيب الريح وقد وقع في رواية أبي داود في هذا الحديث (من عرض عليه طيب) والمحمل بفتح الميمين مصدر حمل من باب ضرب وبفتح الأول وكسر الثانية هو الزمان والمكان وليس مرادًا هنا، وقد أشار النبي ﷺ بهذا القول إلى العلة التي ترغب في قبول الطيب من المهدي وهي أنه لا مؤونة ولا منة تلحق في قبوله لجريان عادتهم بذلك ولسهولته عليهم ولنزارة ما يتناول منه عند العرض ولأنه مما يستطيبه الإنسان من نفسه ويستطيبه من غيره، وفيه من الفقه الترغيب في استعمال الطيب وفي عرضه على من يستعمله اهـ من المفهم (فلا يرده) برفع الدال على الأفصح على أن الجملة خبر لمبتدإ والجملة الاسمية جواب الشرط والمعنى لا يرده لأنه لا يشق حمله على المهدي إليه وكذلك لا يشق على المهدي
стр. 9511
٥٧٤١ - (٢٢٢١) (٢٧٦) حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ وَأَبُو طَاهِرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. (قَال أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَقَال الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا) ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَافِعٍ. قَال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ اسْتَجْمَرَ بِالأَلُوَّةِ, غَيرِ مُطَرَّاةٍ, وَبِكَافُورٍ, يَطْرَحُهُ مَعَ الأَلُوَّةِ. ثُمَّ قَال: هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
إهداؤه ففي رده من غير داع كسر لقلب المهدي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣٢٠]، وأبو داود في الترجل باب في رد الطيب [٤١٧٢]، والنسائي في الزينة باب الطيب [٥٢٥٩].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث ابن عمر ﵄ فقال:
٥٧٤١ - (٢٢٢١) (٢٧٦) (حدثني هارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي (الأيلي) نزيل مصر (وأبو طاهر) أحمد بن عمرو بن سرح الأموي المصري (وأحمد بن عيسى) بن حسان المصري المعروف بالتستري نسبة إلى تستر اسم بلدة لكونه يتجر فيها (قال أحمد حدثنا وقال الآخران أخبرنا ابن وهب أخبرني مخرمة) بن بكير بن عبد الله بن الأشج المخزومي المدني، صدوق، من (٧) (عن أبيه) بكير بن الأشج، ثقة، من (٥) (عن نافع قال) نافع (كان ابن عمر إذا استجمر) وتبخر أي إذا أراد الاستجمار والتبخر على المجمرة، والاستجمار هنا استعمال الطيب والتبخر به مأخوذ من المجمر وهو البخور أي إذا أراد أن يستجمر ويتبخر بالطيب (استجمر) أي تبخر (بالألوة) أي بالعود الهندي الموضوع على المجمرة، والألوة بفتح الهمزة وضمها وضم اللام وتشديد الواو العود يتبخر به، وذكر الأصمعي أنها كلمة فارسية معربة، حالة كون الألوة (غير مطراة) أي غير مخلوطة بغيرها كالمسك والعنبر، قال التوربشتي (والمطراة) هي المرباة بما يزيد في الرائحة من الطيب، والمعنى استجمر بالألوة وحدها تارة (وبكافور يطرحه) أي يخلطه (مع الألوة) تارة أخرى اهـ من المرقاة (ثم) بعد ما تبخر كذلك (قال) ابن عمر (هكذا) أي مثل ما أنا تبخرت كان يستجمر) ويتبخر (رسول الله ﷺ ففي هذا الحديث استحباب الطيب للرجال كما هو مستحب للنساء لكن يستحب للرجال بما ظهر ريحه وخفي لونه، وأما المرأة فإذا أرادت الخروج إلى المسجد أو غيره كره لها كل طيب
стр. 9512
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
له ريح، ويتأكد استحبابه للرجال يوم الجمعة والعيد وعند حضور مجامع المسلمين ومجالس الذكر والعلم وعند معاشرة زوجة ونحو ذلك والله أعلم كله من النووي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النسائي في الزينة باب البخور [٥١٣٥].
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث تسعة: الأول حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه أربع متابعات، والثاني حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه أربع متابعات، والثالث حديث وائل بن حجر ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع حديث أبي هريرة الثالث ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والخامس حديث عائشة ذكره للاستدلال به على الجزء الرابع من الترجمة، والسادس حديث سهل بن حنيف ذكره للاستشهاد، والسابع حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستدلال به على الجزء الخامس من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثامن حديث أبي هريرة الرابع ذكره للاستشهاد، والتاسع حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة والله أعلم.
***
стр. 9513
٦٨٤ - (٢٨) باب إنشاد الشعر وجواز استماعه إذا لم يكن فيه بأس وتحريم اللعب بالنردشير
٥٧٤٢ - (٢٢٢٢) (٢٧٧) حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ. قَال ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمًا. فَقَال: "هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيئًا؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَال: "هِيهِ"
ــ
٦٨٤ - (٢٨) باب إنشاد الشعر وجواز استماعه إذا لم يكن فيه بأس وتحريم اللعب بالنردشير
٥٧٤٢ - (٢٢٢٢) (٢٧٧) (حدثنا عمرو) بن محمد (الناقد و) محمد (بن أبي عمر كلاهما عن ابن عيينة قال ابن أبي عمر حدثنا سفيان) بن عيينة (عن إبراهيم بن ميسرة) الطائفي نزيل مكة، ثقة، من (٥) روى عنه في (٥) أبواب (عن عمرو بن الشريد) بن سويد الثقفي الطائفي، ثقة، من (٣) روى عنه في (٢) بابين الطب والشعر (عن أبيه) شريد بن سويد الثقفي الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) شريد بن سويد (ردفت رسول الله ﷺ يومًا) من الأيام أي ركبت خلفه على دابته (فقال) لي (هل معك) شيء (من شعر أمية بن أبي الصلت) فتنشدني منه (شيئًا) قال النووي: هكذا وقع في معظم النسخ (شيئًا) بالنصب وعلى هذه الرواية يقدر فيه محذوف يعمل فيه النصب كما قدرناه، وعلى رواية الرفع فهو مرفوع على أنه مبتدأ مؤخر خبره الظرف المذكور أولًا وهذا هو الأوضح الأوفق لقواعد النحو دون النصب، وأمية ابن أبي الصلت شاعر جاهلي معروف وقد كان قرأ الكتب السماوية المتقدمة ورغب عن عبادة الأوثان وكان يخبر بأن نبيًّا يبعث في آخر الزمان وقد أظل زمانه وكان يرجو أن يكون ذلك النبي فلما بلغه خروج رسول الله ﷺ وقصته كفر حسدًا له، وكان يحكي في شعره قصص الأنبياء ويأتي بألفاظ كثيرة لا تعرفها العرب يأخذها من الكتب المتقدمة وبأحاديث من أحاديث أهل الكتاب ولما سمع رسول الله ﷺ شعره قال "آمن لسانه وكفر قلبه" اهـ من كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة [ص ٢٧٧، (قال) شريد بن سويد (نعم) عندي من شعره شيء فقال رسول الله ﷺ "أسمعنيه" فأنشدت له شيئًا فـ (قال) لي (هيه) أي زدنيه، قال الأبي: بكسر الهاء
стр. 9514
فَأَنْشَدْتُهُ بَيتًا. فَقَال: "هِيهِ" ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيتًا. فَقَال: "هِيهِ" حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيتٍ
ــ
الأولى وسكون الياء والهاء الأخيرة كلمة استزادة معناها زدني منه شيئًا، وأصلها (إيه) بالهمزة المكسورة فإن نونتها فهي نكرة من أسماء الأفعال بمعنى زدني من أي حديث كان وإن كسرت الهاء الأخيرة ولم تنونها فهي اسم فعل أمر معرفة بمعنى زدني من حديث معهود بيننا فهي كمه وصه في تعريفها وتنكيرها وإعرابها (فأنشدته) أي قرأت له (بيتًا) واحدًا (فقال) لي مرة ثانية (هيه) أي زدني منه شيئًا (ثم أنشدت بيتًا) آخر (فقال) مرة ثالثة (هيه) فزدته (حتى أنشدته مائة بيت) من شعر أمية.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث ابن ماجه في الأدب باب الشعر [٣٨٠٣].
قوله (حتى أنشدته مائة بيت) فيه جواز إنشاد الشعر "وهو قراءة شعر الغير" وجواز إنشائه "وهو ابتداء الشعر وتأليفه من عند نفسه" ومما يدل على الجواز أيضًا ما أخرجه البخاري في الأدب عن أبي بن كعب ﵁ برقم [٦١٤٥] أن رسول الله ﷺ قال "إن من الشعر حكمة" وقد ثبت سماع النبي ﷺ الشعر في غير ما حديث وكان يوضع المنبر في المسجد النبوي لحسان بن ثابت ﵁ فينشد الأشعار ينافح بها عن النبي ﷺ ، ودل على ذم الشعر والشعراء قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)﴾ الآيات وكذلك قوله ﷺ في حديث أبي هريرة الآتي في هذا الباب "لأن يمتلئ جوف الرجل قيحًا يريه خير من أن يمتلئ شعرًا" ويجمع بين هذه النصوص المتعارضة بما ذكرته عائشة رضي الله تعالى عنها فيما أخرج عنها البخاري بسند حسن في الأدب المفرد قالت (الشعر منه حسن ومنه قبيح خذ الحسن ودع القبيح) وبما أخرجه أبو يعلى بسند ضعيف عن ابن عمر ﵄ مرفوعا "الشعر بمنزلة الكلام فحسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام".
فالمذموم من الشعر ما اشتمل على الكفر أو على الفسق كالدعاوي الكاذبة لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ أو على الكلام الفاحش أو التغزل بأجنبية معينة أو بالأمرد أو هجاء إنسان بغير حق أو هجاء قبيلة لأجل رجل منهم أو غير ذلك من المعاصي فلا يجوز إنشاء مثله أو إنشاده إلا استشهادًا في اللغة وكذلك يذم من الشعر ما غلب على الإنسان بحيث صده عن القرآن والعلم وذكر الله تعالى فإذا بلغ هذا المبلغ لم
стр. 9515
٥٧٤٣ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيسَرَةَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ, أَوْ يَعْقُوبَ بْنِ عَاصِمٍ, عَنِ الشَّرِيدِ
ــ
يجز وإن كان مشتملًا على معان مباحة وإلى هذا المعنى أشار البخاري في صحيحه حيث عقد ترجمة بقوله: "باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى جصده عن ذكر الله تعالى والعلم والقرآن".
أما إذا اشتمل الشعر على معنى حسن كالتوحيد وحمد الله تعالى والثناء عليه ومدح الرسول ﷺ وسائر معاني البر والخير كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان الأحكام الأصولية والفقهية والقواعد العربية فهو مثاب عليه إن شاء الله تعالى، وإذا اشتمل الشعر على معنى مباح فهو مباح وقد أخرج البغوي في معجم الصحابة أن النبي ﷺ أذن لمالك بن عمير الأسلمي الشاعر ﵁ أن يشبب بامرأته ويمدح راحلته كما سيأتي إن شاء الله تعالى وكذلك ثبت عن رسول الله ﷺ أنه سمع قصائد حسان وكعب ﵄ مع ما اشتملت عليه من التشبيب بامرأة مبهمة ولم ينكر عليهما رسول الله ﷺ في ذلك فدل ذلك على جواز التشبيب بامرأة غير معينة اهـ من التكملة بزيادة وتصرف.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث شريد بن سويد ﵁ فقال:
٥٧٤٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه زهير بن حرب وأحمد بن عبدة) بن موسى الضبي البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٨) أبواب (جميعًا عن) سفيان (بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة) الطائفي (عن عمرو بن الشريد أو) قال إبراهيم بن ميسرة: عن (يعقوب بن عاصم) بن عروة بن مسعود الثقفي الطائفي، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص في الفتن، والشريد بن سويد أو عمرو بن الشريد في الشعر، ويروي عنه (م د س) وإبراهيم بن ميسرة والنعمان بن سالم ويعلي بن عطاء وآخرون، وثقه ابن حبان، وقال في التقريب: مقبول، من الثالثة، والشك من سفيان هل روى عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن الشريد أو روى إبراهيم عن يعقوب عن الشريد (عن الشريد) بن سويد. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة زهير بن حرب وأحمد بن عبدة
стр. 9516
قَال: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ خَلْفَهُ. فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
٥٧٤٤ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ, عَنْ أَبِيهِ، قَال: اسْتَنْشَدَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيسَرَةَ. وَزَادَ:
ــ
لعمرو الناقد وابن أبي عمر (قال) شريد بن سويد (أردفني رسول الله ﷺ خلفه فذكر) أي الراوي المتابع بكسر الباء وهو زهير بن حرب وأحمد بن عبدة (بمثله) أي بمثل الراوي المتابع بفتح الباء وهو عمرو الناقد وابن أبي عمر، ولعل في هذا الكلام تحريفًا، والصحيح الموافق لاصطلاحاته أن يقال (فذكر بمثلهما) بألف التثنية وضميرها والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث شريد بن سويد ﵁ فقال:
٥٧٤٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (أخبرنا المعتمر بن سليمان) ابن طرخان التيمي البصري، ثقة، من كبار (٩) روى عنه في (١٠) أبواب، وليس عندهم معتمر إلا هذا (ح وحدثني زهير بن حرب حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٤) بابا (كلاهما) أي كل من المعتمر وعبد الرحمن رويا (عن عبد الله بن عبد الرحمن) بن يعلى بن كعب الثقفي أبي يعلى (الطائفي) روى عن عمرو بن الشريد في الشعر وعطاء، ويروي عنه (م س ق) والمعتمر بن سليمان وعبد الرحمن بن مهدي والثوري، قال ابن معين: صالح، وقال مرة: ليس به بأس، وقال الدارقطني: طائفي يعتبر به، وقال العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق، يخطئ ويهم، من السابعة (عن عمرو بن الشريد عن أبيه) شريد بن سويد ﵁. وهذان السندان من خماسياته، غرضه بسوقهما بيان متابعة عبد الله بن عبد الرحمن لإبراهيم بن ميسرة (قال) شريد بن سويد (استنشدني) أي طلب مني (رسول الله ﷺ إنشاد شعر أمية بن أبي الصلت، وساق عبد الله بن عبد الرحمن (بمثل حديث إبراهيم بن ميسرة و) لكن (زاد) عبد الله بن
стр. 9517
قَال: "إِنْ كَادَ لَيُسْلِمُ". وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ قَال: "فَلَقَدْ كَادَ يُسْلِمُ فِي شِعْرِهِ".
٥٧٤٥ - (٢٢٢٣) (٢٧٨) حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ. جَمِيعًا عَنْ شَرِيكٍ
ــ
عبد الرحمن على إبراهيم بن ميسرة لفظة (قال) النبي ﷺ (إن كاد) أي إن الشأن والحال كاد وقرب أمية بن أبي الصلت فإن مخففة من الثقيلة بدليل ذكر اللام الفارقة بعدها (ليسلم) في شعره بلسانه لا بقلبه حيث قال في شعره:
مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد
وقوله (تعنو) أي تخضع نظير قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ (وفي حديث ابن مهدي) وروايته (قال) النبي ﷺ لفظة (فلقد كاد) أمية أي قارب أن (يسلم في شعره) حيث قال نحو قوله مليك على عرش السماء الخ ولكن إسلامه لساني لا اعتقادي والله أعلم. والمراد أن المعاني التي أتى بها أمية بن أبي الصلت في أشعاره معان صحيحة حكمية لا تصدر في الغالب إلا عن رجل مسلم فكاد أمية أن يسلم ولكنه لم يقدر له ذلك؛ أي قارب أن يسلم لأن أكثر أشعاره يشعر بالتوحيد، قال القسطلاني: كان من شعراء الجاهلية وأدرك مبادئ الإسلام بلغه خبر البعث لكنه لم يوفق للإيمان برسول الله ﷺ وكان يتعبد في الجاهلية وأكثر في شعره من التوحيد وكان غواصًا على المعاني معتنيًا بالحقائق ولذا استحسن ﷺ شعره واستزاد من إنشاده اهـ، قال النووي: ومعنى الحديث أن النبي ﷺ استحسن شعر أمية واستزاد من إنشاده لما فيه من الإقرار بالوحدانية والبعث، وفي الحديث دلالة على جواز إنشاد الشعر الذي لا فحش فيه وسماعه سواء شعر الجاهلية وغيرهم وإن المذموم من الشعر الذي لا فحش فيه إنما هو الإكثار منه وكونه غالبًا على الإنسان فأما يسيره فلا بأس بإنشاده وسماعه وحفظه اهـ.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث شريد بن سويد بحديث أبي هريرة ﵄ فقال:
٥٧٤٥ - (٢٢٢٣) (٢٧٨) (حدثني أبو جعفر محمد بن الصباح) البغدادي البزاز صاحب السنن، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (وعلي بن حجر السعدي) المروزي (جميعًا عن شريك) بن عبد الله بن أبي شريك سنان بن أنس، صدوق، من (٨)
стр. 9518
قَال ابْنُ حُجْرٍ: أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللَّهَ بَاطِلٌ"
ــ
روى عنه في (٨) أبواب (قال ابن حجر أخبرنا شريك) بصيغة السماع (عن عبد الملك بن عمير) الفرسي اللخمي الكوفي، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٥) بابا (عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (عن النبي ﷺ قال أشعر كلمة) والمراد بالكلمة القطعة من الكلام أي أبلغ كلمة (تكلمت بها العرب) شعرًا (كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل) أي زائلٌ فانِ منعدم، قال العيني ولبيد هذا هو ابن ربيعة بن مالك العامري أبو عقيل الكوفي عاش مائة وأربعًا وخمسين سنة مات في خلافة عثمان ﵃ اهـ وكان من شعراء الجاهلية وفرسانهم أدرك الإسلام وقدم على رسول الله ﷺ في وفد بني كلاب فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم ثم قدم لبيد الكوفة فأقام بها إلى زمن معاوية حتى توفي بها وقد عمر مائة وعشرين سنة وقيل مائة وثلاثين وقيل مائة وأربعين منها تسعون سنة في الجاهلية وباقيتها في الإسلام وهو القائل هذا البيت:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد
ولما كتب عمر ﵁ إلى عامله في الكوفة سل لبيدًا والأغلب العجلي ما أحدثا من الشعر في الإسلام سأله العامل فقال لبيد: أبدلني الله بالشعر سورة البقرة وآل عمران فزاد عمر في عطائه ويقال إنه ما قال في الإسلام إلا بيتًا واحدًا فقيل هو قوله:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى كسان من الإسلام سربالا
وقيل هو قوله:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح
وكان عطاؤه ألفين فزاد فيه عمر ﵁ حتى صار ألفين وخمس مائة فلما تولى معاوية الخلافة سأله (هذان الفودان) فما بال (العلاوة) يعني بالفودين الألفين وبالعلاوة الخمسمائة، وأراد أن يحطه إياها فقال: أموت الآن وتبقى لك العلاوة
стр. 9519
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والفودان فرق له معاوية وترك عطاءه على حاله فمات بعد ذلك بيسير، وكان لبيد من أسخياء الناس، وكذلك أبوه ربيعة حتى كان يقال لأبيه ربيع المقترين، وكان لبيد قد حلف أن لا تهب الصبا إلا أطعم الناس، وفيه قال الوليد بن عقبة:
أرى الجزار يشحذ شفرتيه ... إذا هبت رياح أبي عقيل
أشم الأنف أصيد عامري ... طويل الباع كالسيف الصقيل
قاله الحافظ في الإصابة [٣/ ٣٠٧] وابن قتيبة في الشعر والشعراء ص (١٢٣ و ١٢٤).
وقوله (ألا كل شيء) .. الخ هو مبتدأ مضاف إلى النكرة مفيد للاستغراق وخبره (باطل) ومعناه فانٍ ومضمحل ولذا قال ﷺ في حقه أصدق كلمة لموافقة هذا المصراع لِأصدق الكلام وهو قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (٢٦)﴾ وقوله (ما خلا الله) بنصب الجلالة بخلا والمعنى كل شيء خلا الله وخلا صفاته تعالى فانٍ إلا ما شاء الله تعالى أو المعنى كل شيء سوى الله جائز عليه الفناء لذاته اهـ قسطلاني، والمراد أن الله تعالى هو المستقل بالوجود وليس في الكون ما يستقل بوجوده إلا الله ﵎ فإنه لا يحتاج إلى خالق موجد بخلاف جميع الأشياء فإنها تحتاج إلى مكون وموجد لها وهذا طرف من قصيدته المشهورة وفيها:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
إذا المرء أسرى ليلة ظن أنه ... قضى عملًا والمرءُ ما عاش عامل
حبائله مبثوثة بسبيله ... ويفنى إذا ما أخطأته الحبائل
وكل امرئ يومًا سيعلم سعيه ... إذا كشفت عند الإله المحاصل
ذكره ابن قتيبة في كتابه المذكور آنفًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري ذكره في مواضع كثيرة منها في الأدب في باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء [٣٨٤٧]، والترمذي في الأدب [٢٨٤٩]، وابن ماجه في الأدب [٣٨٠٢].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
стр. 9520
٥٧٤٦ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيمُونٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالهَا شَاعِرٌ, كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللَّهَ بَاطِلٌ
وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ".
٥٧٤٧ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أَصْدَقُ بَيتٍ
ــ
٥٧٤٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن حاتم بن ميمون) السمين البغدادي (حدثنا) عبد الرحمن (بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري (عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي (عن عبد الملك بن عمير) اللخمي الكوفي (حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة سفيان الثوري لشريك بن عبد الله، وفائدتها تقوية السند الأول (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ أصدق كلمة قالها شاعر) من شعراء العرب (كلمة لبيد) أي قطعة قالها لبيد من الشعر وهي قوله (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) وكل نعيم لا محالة زائل، وقال رسول الله ﷺ (وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم) بلسانه لا بقلبه حيث قال: مليك على عرش السماء مهيمن.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٧٤٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن زائدة) بن قدامة الثقفي الكوفي، ثقة، من (٧) (عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة زائدة لشريك بن عبد الله، وفائدتها تقوية السند الأول (أن رسول الله ﷺ قال أصدق بيت) يعني شطر بيت أو مع الشطر
стр. 9521
قَالهُ الشَّاعِرُ:
أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللَّهَ بَاطِلٌ
وَكَادَ ابْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ".
٥٧٤٨ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَال: "أَصْدَقُ بَيتٍ قَالتْهُ الشُّعَرَاءُ:
أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللَّهَ بَاطِلٌ "
٥٧٤٩ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ:
ــ
الثاني (قاله الشاعر) قول لبيد (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) وكل نعيم لا محالة زائل (وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم) حيث قال: مليك على عرش السماء مهيمن.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا فقال:
٥٧٤٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرصه بيان متابعة شعبة لشريك بن عبد الله، وفائدتها أيضًا تقوية السند الأول (عن النبي ﷺ قال أصدق بيت قالته الشعراء) قول لبيد (ألا كل شيء ما خلا الله باطل).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٧٤٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا يحيى بن زكرياء) بن أبي زائدة (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (قال) أبو سلمة (سمعت أبا هريرة) ﵁ (يقول) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة إسرائيل لشريك بن عبد الله، وفائدتها تقوية
стр. 9522
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : يَقُولُ: "إِنَّ أَصْدَقَ كَلِمَةٍ قَالهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللَّهَ بَاطِلٌ"
مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ.
٥٧٥٠ - (٢٢٢٤) (٢٧٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاويَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ. كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ الرَّجُلِ قَيحًا يَرِيهِ،
ــ
السند الأول (سمعت رسول الله ﷺ يقول إن أصدق كلمة قالها شاعر) من الشعراء (كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، ما زاد) إسرائيل شيئًا من الكلام (على ذلك) أي على قوله (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) أي ما زاد تمام البيت، ولا مثل قول بعض الرواة (وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم).
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث شريد بن سويد بحديث آخر لأبي هريرة ﵄ فقال:
٥٧٥٠ - (٢٢٢٤) (٢٧٩) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص) بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٤) بابا (وأبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (ح وحدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية كلاهما) أو كل من حفص وأبي معاوية رويا (عن الأعمش ح وحدثنا أبو سعيد الأشج) عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي الكوفي (حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن أبي صالح) السمان (عن أبي هريرة) ﵁. وهذه الأسانيد كلها من خماسياته (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ لأن يمتلئ جوف الرجل قيحًا) أي صديدًا (يريه) أي يرى ذلك القيح جوفه، وضمير الفاعل المستتر يعود على القيح، والضمير البارز في محل النصب مفعول به يعود على الجوف وبني على الكسر لوقوعه بعد الياء كما بسطنا الكلام فيه في تفسيرنا حدائق الروح، وجملة يمتلئ مع أن المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء،
стр. 9523
خَيرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا".
قَال أَبُو بَكْرٍ: إِلَّا أَنَّ حَفْصًا لَمْ يَقُلْ: "يَرِيهِ".
٥٧٥١ - (٢٢٢٥) (٢٨٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ
ــ
والخبر قوله (خير من أن يمتلئ شعرًا) والتقدير لامْتِلَاءُ جوف الرجل قيحًا يفسده خير من امتلائه شعرًا أي أخف ضررًا لأن الشعر يهلكه هلاكًا أخرويًا، والوري أي الداء يهلكه هلاكًا دنيويًا وهو أخف من الهلاك الأخروي يقال ورى الداء الرجل يري وريًا من باب رمى إذا أصاب رئته وورى القيح جوفه إذا أفسده وأكله والاسم منه الوَرْي يقال وري الرجل إذا أصابه الوَرْي فهو مورُوٌّ وموريٌّ، والورى بسكون الراء مصدر وبفتحها اسم مصدر وهو قيح في الجوف أو قرح يقع في قصب الرئتين اهـ، والمراد أن يكون الشعر غالبًا عليه مستوليًا عليه بحيث يشغله عن القرآن وغيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى وهذا مذموم من أي شعر كان، وأما إذا كان القرآن والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية هو الغالب عليه فلا يضر حفظ اليسير من الشعر مع هذا لأن جوفه ليس ممتلئًا شعرًا اهـ نووي (قال أبو بكر) بن أبي شيبة (إلا أن حفصًا) ابن غياث (لم يقل) لفظة (يريه) وإنما قالها أبو معاوية.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الأدب باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر [٦١٥٥] وأبو داود في الأدب باب ما جاء في الشعر [٥٠٠٩]، والترمذي في الأدب [٢٨٥١]، وابن ماجه في الأدب [٣٨٩٤].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث شريد بن سويد بحديث سعد بن أبي وقاص ﵄ فقال:
٥٧٥١ - (٢٢٢٥) (٢٨٠) (حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير) الباهلي أبي غلاب بالمعجمة المفتوحة واللام المشددة بعدها موحدة البصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (٣) أبواب (عن محمد بن سعد) بن أبي وقاص، ثقة، عن (٣) روى عنه في (٤) أبواب (عن) أبيه
стр. 9524
سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيحًا يَرِيهِ خَيرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا".
٥٧٥٢ - (٢٢٢٦) (٢٨١) حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ. حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ يُحَنِّسَ، مَوْلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيرِ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَال: بَينَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْعَرْجِ, إِذْ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذُوا الشَّيطَانَ, أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيطَانَ,
ــ
(سعد) بن أبي وقاص ﵁. وهذا السند من سباعياته (عن النبي ﷺ قال لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا يريه) أي يري ذلك القيح جوفه ويفسده ويأكله (خير) أي أخف وأسهل عقوبة (من أن يمتلئ شعرًا) بحيث يمنعه من تلاوة القرآن ودراسة العلوم الشرعية والحديث من أي شعر كان هجوآ كان أو غيره قد تقدم البسط في هذه الكلمات آنفًا فراجعها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث الترمذي في الأدب [٢٨٥٢]، وابن ماجه في الأدب [٣٨٠٥].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث شريد بن سويد بحديث أبي سعيد الخدري ﵄ فقال:
٥٧٥٢ - (٢٢٢٦) (٢٨١) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل (الثقفي) البلخي (حدثنا ليث) بن سعد الفهمي المصري (عن) يزيد بن عبد الله بن أسامة (بن الهاد) الليثي المدني (عن يحنس) بضم الياء وتشديد النون المفتوحة ثم مهملة ابن عبد الله المدني الأسدي مولاهم (مولى مصعب بن الزبير) بن العوام، ثقة، من (٣) روى عنه في (٣) أبواب (عن أبي سعيد الخدري) ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أبو سعيد (بينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج) بفتح العين المهملة وسكون الراء هي قرية جامعة من عمل الفرع على نحو ثمانية وسبعين ميلًا من المدينة (إذ عرض) وظهر لنا (شاعر ينشد) أي يقرأ شعرًا لغيره، وقد ذكرنا الفرق بين الإنشاد والإنشاء في أوائل الباب فراجعه (فقال) لنا (رسول الله ﷺ خذوا الشيطان أو) قال النبي ﷺ (أمسكوا الشيطان) والشك من الراوي والمعنى واحد يعني الشاعر ثم قال
стр. 9525
لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيحًا, خَيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا".
٥٧٥٣ - (٢٢٢٧) (٢٨٢) حَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ, عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ, فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ"
ــ
رسول الله ﷺ (لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا) وكأنه هجا المسلمين بشعره.
وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن أصحاب الأمهات.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث بريدة بن الحصيب ﵁ فقال:
٥٧٥٣ - (٢٢٢٧) (٢٨٢) (حدثنا زهير حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري (عن سفيان) الثوري (عن علقمة بن مرثد) الحضرمي الكوفي، ثقة، من (٦) روى عنه في (١٠) أبواب (عن سليمان بن بريدة) بن الحصيب الأسلمي المروزي، ثقة، من (٣) (عن أبيه) بريدة بن الحصيب ﵁. وهذا السند من سداسياته (أن النبي ﷺ قال من لعب بالنردشير) بفتح النون وسكون الراء وفتح الدال وكسر الشين كلمة فارسية معربة تستعمل في اللعب المعروف وهو في الأصل اسم ملك من الأعاجم سمي اللعب باسمه لكونه قد وضع له كما نقله ابن عابدين عن المهمات، والنرد جوالق واسع الأسفل مخروط الأعلى يتخذ من خوص النخل ولعبة وضعها ملوك الفرس وتعرفها العامة بلعب الطاولة وبالكعاب (فكأنما صبغ) وغمس (يده في لحم الخنزير) بالأكل منه (و) غمس يده في (دمه) أي في دم الخنزير بذبحه، قال ابن فرشته، قيل المراد به هنا الأكل منه لأن الغمس في اللحم يكون في حالة الأكل غالبًا فيكون اللعب به حرامًا لتشبيهه ﷺ بالمحرم، وعليه اتفق العلماء .. إلخ، قال النووي: وهذا الحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد، وقال أبو إسحاق المروزي من أصحابنا: يكره ولا يحرم، وأما الشطرنج فمذهبنا أنه مكروه وليس بحرام وهو مروي عن جماعة من التابعين، وقال مالك
следующие страницы →