٩٢ - (٠٠)(٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
ــ
أخرجه الطبراني عن معاذ بن جبل ولفظه قال كان رسول الله ﷺ في دارنا يَعْرِضُ الخيل (١) فدخل عليه عيينة بن حصن فقال للنبي ﷺ أنت أبصر مني بالخيل، وأنا أبصر بالرجال منك، فقال النبي ﷺ : فأي الرجال خير، فقال: رجال يحملون سيوفهم على عواتقهم، ويعرضون رماحهم على مناسج خيولهم، ويلبسون البرود من أهل نجد فقال النبي ﷺ : كذبت بل خير الرجال رجال اليمن الإيمان يمان، قال الهيثمي رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أن خالد بن معدان لم يسمع من معاذ اهـ مجمع ١/ ٤٤.
وعيينة هو ابن حصن بن حذيفة الفزاري من قيس عيلان، واسم عيينة حذيفة فأصابته بَقْوَةٌ (شلَلٌ) فجُحِظَتْ عيناه فسُمي عيينة، ويكنى أبا ملاك وهو سيد بني فزارة وفارسهم، وصفه رسول الله ﷺ لعائشة فقال: "هو الأحمق المطاع".
قال ابن سعد: وارتد عيينة حين ارتدت العرب، ولحق بطليحة الأسدي حين تنبأ فآمن به، فلما هُزم طليحة أخذ خالد بن الوليد عيينة فأوثقه وبعث به إلى أبي بكر الصديق، قال ابن عباس: فنظرت إليه والغلمان ينخسونه بالجريد ويضربونه ويقولون له: أي عدو الله كفرت بعد إيمانك؟ ! فيقول: والله ما كنت آمنت، فلما كلمه أبو بكر رجع إلى الإسلام فأمنه، وقد نقل الذهبي عن المدائني عن عبد الله بن قائد قال: كانت أم البنين بنت عيينة عند عثمان فدخل عيينة على عثمان بلا إذن، فعاتبه عثمان، فقال: ما كنت أرى أني أُحجب عن رجل من مضر، فقال عثمان: إذن فأصب من العشاء، قال: إني صائم، قال: تصوم الليل؟ ! قال: إني وجدت صوم الليل أيسر عليَّ، هذا ما كان من بعض شأن عيينة.
وغرض المؤلف بسوق هذا الحديث أعني حديث أبي هريرة الاستشهاد لحديث أبي مسعود الأنصاري ﵄ جميعًا، وشارك المؤلف في روايته أحمد (٢/ ٤٨٠، ٤٨٨) والبخاري (٣٤٩٩) ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٩٢) - (٠٠)(٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس أبو موسى العَنزي البصري المعروف بالزَّمن، ثقة ثبت من العاشرة، مات في ذي القعدة سنة (٢٥٢) اثنتين
стр. 982
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ح وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ،
ــ
وخمسين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا، قال ابن المثنى (حدثنا) محمد (بن أبي عدي) اسمه إبراهيم مولى بني سُليم القسملي، نزل القساملة موضع بالبصرة، أبو عمرو البصري، ثقة من التاسعة، مات بالبصرة سنة (١٩٤) أربع وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثني عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور بمعجمة (الناقد) أبو عثمان البغدادي، ثقة حافظ، وَهِمَ في حديث، من العاشرة، مات ببغداد في ذي الحجة سنة (٢٣٢) اثنتين وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا، قال عمرو (حدثنا إسحاق بن يوسف) بن يعقوب بن مرداس (الأزرق) المخزومي الواسطي، أحد الأعلام، روى عن عبد الله بن عون وفُضيل بن غزوان والثوري وزكريا بن أبي زائدة والأعمش وخلق، ويروي عنه (ع) وعمرو الناقد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وعبد الله بن سعيد ومحمد بن أبي خلف وغيرهم، وقيل لأحمد: أثقة هو؟ قال: أي والله، ورُوي عنه أنه لم يرفع بصره إلى السماء نحوًا من عشرين سنة، وقال في التقريب: ثقة من التاسعة، مات سنة (١٩٥) خمس وتسعين ومائة وله (٧٨) ثمان وسبعون سنة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والصوم والحج والدعاء في خمسة أبواب تقريبًا، وأتى بالتحويل لاختلاف شيخي شيخيه مع اختلاف صيغتهما (كلاهما) أي كل من ابن أبي عدي واسحاق بن يوسف رويا (عن) عبد الله (بن عون) بن أرطبان بفتح فسكون ففتح المُزني مولاهم، أبي عون البصري الخراز بفتح المعجمة والمهملة المشددة آخره زاي، قيل: كان أرطبان مولى عبد الله بن مُغَفَّل، وقيل: مولى عبد الله بن دُرَّة، روى عن محمد بن سيرين ومجاهد وأبي سعيد ونافع وهشام بن زيد وإبراهيم النخعي والشعبي وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابن أبي عدي وإسحاق الأزرق وأبو عاصم وإسماعيل بن عُلية ووكيع وحماد بن زيد ويزيد بن هارون والثوري وأبو خالد الأحمر وخلق، قال ابن مهدي: ما أحد أعلمَ بالسنة بالعراق من ابن عون، وقال روح بن عبادة: ما رأيت أعبد منه، ولد سنة (٦٦) ست وستين قبل الجارف بثلاث سنين، وقال في التقريب: ثقة ثبت فاضل من أقران
стр. 983
عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ... " بِمِثْلِهِ.
٩٣ - (٠٠) وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ،
ــ
أيوب في العلم والعمل والسن، كان من سادات أهل زمانه من السادسة، مات سنة (١٥٠) خمسين ومائة على الصحيح، وهو ابن خمس وثمانين سنة (٨٥).
روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والجنائز والزكاة والصوم في موضعين والحج في أربعة مواضع والهبة والجهاد والحدود والفضائل والفتن، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أحد عشر بابًا تقريبًا (عن محمد) بن سيرين الأنصاري مولاهم أبي بكر البصري (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة ... الحديث، والجار والمجرور في قوله (بمثله) متعلق بما عمل في المتابع، والضمير فيه عائد إلى المتابَع المذكور في السند السابق، والتقدير حدثنا عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين بمثل ما حدث أيوب عن محمد بن سيرين من الحديث السابق.
وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة ابن عون لأيوب، ولم يكرر المتن لأن الحديثين متماثلان لفظًا ومعنى، فلا حاجة إلى الاستثناء، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وهذان السندان من خماسياته فالأول منهما رجاله كلهم بصريون إلا أبا هريرة فإنه مدني، والثاني رجاله اثنان بصريان وواحد بغدادي وواحد واسطي وواحد مدني.
تنبيه: وإنما كررت ذكر تراجم رجال الأسانيد مع كونه ظاهرًا معلومًا مما تقدم لقصد الإيضاح لمن لم يكن من أهل هذا الشأن، ليتوصل بما ذكرته إلى مطالعة تراجمهم، ومعرفة حالهم، لأنه ربما وقف على رجال هذا الباب فيريد معرفة طبقاتهم وأحوالهم فيصعُب عليه والله الموفق.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٩٣)(٠٠) (وحدثني عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) أبو عثمان البغدادي ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٢) اثنتين وثلاثين ومائتين (و) حدثني أيضًا (حسن) بن علي بن محمد بن علي الهُذلي، أبو علي الخلال (الحلواني) الريحاني المكي، ثقة حافظ له تصانيف، من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٢) اثنتين وأربعين ومائتين، وتقدم البسط
стр. 984
قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الأَعْرَجِ
ــ
في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال كل من عمرو والحسن (حدثنا يعقوب) بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، أبو يوسف المدني ثقة فاضل، من صغار التاسعة، مات سنة (٢٠٨) ثمان ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة أبواب تقريبًا وأتى المؤلف بجملة قوله (وهو ابن إبراهيم بن سعد) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه بل مما زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي، وتورعًا من الكذب على شيخه، قال يعقوب (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهري أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقة حجة من الثامنة، مات سنة (١٨٣) ثلاث وثمانين ومائة، وهو ابن (٧٣) ثلاث وسبعين سنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا (عن صالح) بن كيسان المدني، أبي محمد الغفاري، ثقة ثبت فقيه تابعي، رأى عبد الله بن عمر، من الرابعة، مات بعد الأربعين ومائة (١٤٠)، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة أبواب تقريبًا.
(عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني الهاشمي مولاهم، أبي داود القاري مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، روى عن أبي هريرة وعبد الله بن كعب بن مالك ومعاوية وأبي سعيد وغيرهم، ويروي عنه (ع) وصالح بن كيسان وأبو الزناد وجعفر بن ربيعة ومحمد بن يحيى بن حبان ويحيى بن سعيد الأنصاري وسعد بن إبراهيم وخلائق، ثقة ثبت عالم حافظ قارئ من الثالثة، مات سنة (١١٧) سبع عشرة ومائة بالإسكندرية.
روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في ثلاثة مواضع والحج والبيوع وفي ذكر عيسى ﵇ وفي الفضائل، وجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعة أبواب تقريبًا، وهذا السند من سداسياته، رجاله كلهم مدنيون إلا واحدًا عمرًا فإنه بغدادي، وحسنًا فإنه مكي، ومن لطائفه أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة الأعرج لمحمد بن سيرين في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأن المتابَع والمتابع ثقتان، وكرر متن الحديث في هذه المتابعة لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى بالزيادة والنقصان.
стр. 985
قَال: قَال أَبُو هُرَيرَةَ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ"
ــ
(قال) الأعرج (قال أبو هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني (قال رسول الله ﷺ أتاكم) أيها المؤمنون من الأنصار والمهاجرين (أهل) قطر (اليمن) مسلمين طائعين، وهذا الخطاب صريح في أن المراد بأهل اليمن أهل قطر اليمن لا الأنصار ولا أهل الحجاز، لأنهم هم المخاطبون، وفي هذه الرواية زيادة ضمير المخاطبين (هم أضعف قلوبًا) من مضر وربيعة، أي أسرع فهمًا وانفعالًا للخير (وأرق أفئدة) منهم أي أخشع وأصفى من الحجاب يعني قلوبهم ضعيفة سريعة لفهم الخيرات وقبولها، لا غليظة لا تفهم الخير ولا تقبله كقلوب مضر وربيعة، رقيقة خاشعة صافية من الحجاب لا قاسية كقلوبهم.
(فائدة) والفرق بين الأفئدة والقلوب أن الفؤاد من القلب كالقلب من الصدر، يعني أن الفؤاد وسط القلب وباطنه وداخله الذي يحترق بسبب المحبة والعشق، ويتألم بسبب الحزن والهم والغم اهـ من تفسير حدائق الروح والريحان في سورة الأحزاب، والحاصل أن الصدر غِلاف القلب والقلب غلاف الفؤاد، فالفؤاد داخل الداخل، وبهذا ظهر الفرق بينهما، وفي القرطبي: والقلوب جمع قلب، سُمي به لأنه يتقلب كثيرًا كما قال الشاعر:
وما سُمي الإنسان إلا لنسيه ... وما القلب إلا أنه يتقلبُ
والأفئدة جمع فؤاد وهو القلب، وقيل الفؤاد داخل القلب، أي اللطيفة القابلة للمعاني من العلوم والمحبة والحزن وغيرها اهـ بتصرف وزيادة. (الفقه) أي علم الأحكام الشرعية العملية (يمان) أي منسوب إلى أهل اليمن (والحكمة) أي علم الأحكام الاعتقادية التي تهذب النفوس من الضلالة والشهوات، وتربيها بمعرفة الله تعالى ورسله وجميع السمعيات (يمانية) أي منسوبة إلى أهل اليمن، يعني أهل اليمن أكثر علمًا بالأحكام الشرعية العملية، وعلمًا بالأحكام الاعتقادية الموصلة إلى معرفة الله تعالى، فليس المراد نفي ذلك عن غيرهم، بل المراد تفضيلهم على غيرهم من ربيعة ومضر، في الفقه والحكمة في ذلك الوقت، لا في جميع الأزمنة، فليست تلك المنقبة لأولادهم، كما أن فضل الهجرة ليست لأولاد المهاجرين، وخلاصة ما ذكرناه أن من رق قلبه ولان قبل المواعظ وخضع للزواجر وسارع إلى الخير صفا للإيمان والفقه والحكمة كأهل
стр. 986
٩٤ - (٠٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
ــ
اليمن، بخلاف من قسا قلبه وغلظ وكَثُفت حُجب الكبر والفخر والعجب عليه كأهل المشرق انتهى من إكمال المعلم.
قال النووي: (قوله أضعف قلوبًا وأرق أفئدة) قال الشيخ ابن عرفة: المشهور أن الفؤاد هو القلب فعلى هذا ذِكْرُ الأفئدة بعد القلوب تفنُّنٌ، وهو ذكر نوعين من الكلام معناهما واحد لثقل تكرار أحدهما على اللسان كقولهم هذا ذهب عسجد، وهذا كذب مين، كما هو مقرر عند البديعيين، وقيل الفؤاد غير القلب، وهو عين القلب، وقيل باطن القلب، وقيل غشاء القلب، وأما وصفها باللين والرقة والضعف فمعناه أنها ذات خشية واستكانة، سريعة الاستجابة والتأثر بقوارع التذكير سالمة من الغلظ والشدة والقسوة التي وُصفت بها قلوب الآخرين اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٩٤) - متا (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير بن عبد الرحمن بن يحيى بن حماد التميمي الحنظلي مولاهم، أبو زكريا النيسابوري، روى عن مالك وأبي الأحوص وأبي معاوية وخلق ويروي عنه (خ م ت س) وأحمد بن الأزهر وإسحاق والدارمي وعِدة، ثقة ثبت إمام من العاشرة، مات سنة (٢٢٦) ست وعشرين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة عشر بابًا تقريبًا (قال) يحيى بن يحيى (قرأت على مالك) وليس معي أحد وهو بمعنى أخبرني مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله المدني الفقيه، إمام دار الهجرة، من السابعة، مات سنة (١٧٩) تسع وسبعين ومائة، ودفن بالبقيع بلغ تسعين سنة (٩٠) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة عشر بابًا تقريبًا (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان القرشي الأموي مولاهم، مولى بنت شيبة المدني، وأبو الزناد لقبه اشتهر به، وكان تجرد منه، وكنيته أبو عبد الرحمن، روى عن الأعرج وعلي بن الحسين والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم، ويروي عنه (ع) ومالك وابن عيينة وزائدة والمغيرة الحِزَامي وورقاء بن عمر وموسى بن عقبة والثوري والليث وأبو إسحاق الشيباني وعِدة، قال أحمد: ثقة أمير المؤمنين، وقال البخاري: أصح الأسانيد أبو الزناد عن
стр. 987
عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ
ــ
الأعرج عن أبي هريرة، وقال الليث: رأيت أبا الزناد وخلفه ثلاثمائة طالب، وقال في التقريب: ثقة فقيه من الخامسة، مات في رمضان فجأة سنة (١٣٠) ثلاثين ومائة، وله ست وستون سنة (٦٦)، روى المؤلف عنه في الإيمان والوضوء والصلاة والصوم في ثلاثة مواضع والزكاة واللعان والجهاد والفضائل والفتن، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها تسعة أبواب تقريبًا.
(عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم أبي داود المدني (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من خماسياته، ورجاله كلهم مدنيون إلا يحيى بن يحيى فإنه نيسابوري، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي الزناد لصالح بن كيسان في رواية هذا الحديث عن الأعرج، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة في ألفاظ الحديث، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه أي عن الأعرج عن أبي هريرة أنه حدثه (أن رسول الله ﷺ قال رأس الكفر) أي قوة الكفر ومعظمه وشره، وكثرة أهله ورياستهم (نحو المشرق) أي كائن من قبل المشرق وجهته، وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له، ويكون هذا الكفر ما كانوا عليه من عداوة الدين والتعصب عليه، ويدل على صحة هذا التأويل دعاء النبي ﷺ على مضر في غير موطن، وقوله في حديث حذيفة "لا تَدَعُ مضر عبدًا لله مؤمنًا إلا فتنوه أو قتلوه" وقد بينه حذيفة حين دخلوا عليه عند قتل عثمان حين ملؤوا حجرته وبيته من ربيعة ومضر فقال: لا تبرح ظلمة مضر كل عبد مؤمن تفتنه وتقتله، قال الطحاوي في مشكل الآثار: ولم يُرد رسول الله ﷺ في دعائه على مضر كل مضر، وكيف يكون يريد بذلك كل مضر وهو ﷺ من مضر بل المراد بمضر هنا بعضهم والعرب تقول مثل هذا في الأشياء الواسعة، تضيف ما كان من بعضها إلى جملتها كما قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ ولم يُرد الجميع، وقيل رأس الكفر الدجال، لأنه يخرج من المشرق، قال النووي: كان المشرق في زمنه ﷺ دار كفر، وكذا يكون في زمن الدجال وهو فيما بين ذلك منشأ الفتن ومثار الترك الأمة الغاشمة العاتية.
(والفخر) قال النووي: الفخر التفاخر بعرض الدنيا من نسب أو جاه أو مال،
стр. 988
وَالْخُيَلاءُ فِي أَهْلِ الْخَيلِ وَالإِبِلِ الْفَدَّادِينَ أهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ"
ــ
وقال القرطبي: الفخر التفاخر بالآباء الأشراف وكثرة الأموال والخَوَل "أي الخدم" والجاه وغير ذلك من مراتب أهل الدنيا (والخيلاء) بالمد وَزنه عند سيبويه فعلاء، التبختر في المشي والتكبر والتعاظم، يقال خال الرجل يخول فهو خال وذو خال ومخيلة ومنه قول طلحة لعمر: إنا لا نخول عليك، أي لا نتكبر، ويقال: اختال يختال اختيالًا إذا تكبر في مشيته فهو مختال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ وقال ابن دريد: الخيلاء التكبر مع جر الإزار والمعنى والافتخار على الغير بما أوتي من عرض الدنيا والترفع في نفسه على الغير، واحتقار الناس كائنان (في أهل الخيل والإبل) أي عند أصحابها غالبًا (الفدادين) أي المصوتين الرافعين أصواتهم حُداءً لها عند سوقِها، والخيل اسم جنس لحيوان معروف سريع الجري يسمى الفرس، لا واحد له من لفظه يُجمع على خيول، سُمي بذلك لاختياله في مشيته وأول من ركبها واتخذها مركبًا إسماعيل ﵇، أخذها جائزة له على مساعدته لأبيه إبراهيم في بناء البيت، من أجياد واد على يمين جبل أبي قبيس بوحي إلى أبيه ﵉، وكانت قبل ذلك من الوحوش، كما بسطنا الكلام على ذلك في تفسيرنا حدائق الروح والريحان، والإبل اسم جنس لواحد من النعم الثلاثة، وأول من اتخذها آدم ﵇، وقوله (أهل الوبر) بالجر بدل من أهل الخيل، أي في أهل الحيوان ذي الوبر الذي يتخذونه بيوتًا لأنفسهم، والوَبَر بالتحريك للإبل كالصوف للضأن، والشعر للمعز والبقر، ولذلك قال تعالى ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠].
قال الإمام: الخيلاء بالمد مشية مكروهة، هي التبختر في المشي، وهو من أفعال الجبابرة، وفي بعض الروايات "والرياء" وحكى ابن الصابوني أنه التجبر والاستحقار للناس، وقال الأصمعي: الفدادون الذين تعلو أصواتهم في حروثهم وأموالهم ومواشيهم (أهل الوبر) أي أصحاب البيوت المتخذة من الوبر، أي من شعور سنام الإبل (والسكينة) أي السكون والطمأنينة والتواضع وعدم الكبر والوقار كما جاء في الحديث (في أهل الغنم) أي في أصحابها على خلاف ما ذكره في صفة الفدادين، قال القرطبي: وهذا منه ﷺ إخبار عن أكثر حال أهل الغنم وأهل الإبل وأغلبه ورأس الكفر معظمه، يُريد أن أكثر أهله ورياستهم هُناك أي من جهة المشرق.
قال النووي: وأما قوله (في أهل الخيل والإبل الفدادين أهل الوبر) فالوبر وإن كان
стр. 989
٩٥ - (٠٠) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَال ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: أَخْبَرَنِي الْعَلاءُ عَنْ أَبِيهِ،
ــ
من الإبل دون الخيل فلا يمتنع أن يكون قد وصفهم بكونهم جامعين بين الخيل والإبل والوبر اهـ. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٩٥) - متا (٠٠) (وحدثني يحيى بن أيوب) المقابري بفتح الميم والقاف، العابد أبو زكريا البغدادي، وقال في التقريب: ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا.
(و) حدثني أيضًا (قتيبة) بن سعيد بن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي مولاهم، أبو رجاء البغلاني، وقتيبة لقب له واسمه يحيى أو علي، وقال في التقريب: ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٤٠) أربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا.
(و) حدثني أيضًا عليُّ (بن حجر) بضم الحاء المهملة، وسكون الجيم بن إياس بن مقاتل بن مُشَمْرِخ السعدي أبو الحسن المروزي، ثقة حافظ من صغار التاسعة، مات سنة (٢٤٤) أربع وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، كلهم (عن إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير أبي إبراهيم، ويقال: أبي إسحاق الأنصاري مولى بني زريق المدني، أحد الكبار، ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة (١٨٠) ثمانين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا.
وأتى بجملة قوله (قال ابن أيوب حدثنا إسماعيل) تورعًا من الكذب على ابن أيوب، لأنه لو لم يأت بها لأوهم أنه روى عن إسماعيل بالعنعنة كغيره، مع أنه ليس كذلك (قال) إسماعيل (أخبرني العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحُرقي مولى حُرقة، أبو شِبل بكسر المعجمة وسكون الموحدة المدني، أحد الأعلام، وثقه أحمد، وقال في التقريب: صدوق ربما وهم من الخامسة، مات سنة (١٣٣) بضع وثلاثين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة أبواب (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحُرقي المدني ثقة من الثالثة، وتقدم البسط في ترجمته
стр. 990
عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "الإيمَانُ يَمَانٍ، وَالْكُفْرُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْخَيلِ وَالْوَبَرِ".
٩٦ - (٠٠) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
ــ
وأن المؤلف روى عنه في الإيمان وغيره (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من خماسياته، ورجاله كلهم مدنيون إلا شيخ المؤلف فإنه بغدادي أو بغلاني أو مروزي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عبد الرحمن بن يعقوب لعبد الرحمن الأعرج في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات، وبالزيادة، وفي ترتيب الكلمات (أن رسول الله ﷺ قال الإيمان) أي قوة الإيمان وقبوله طوعًا ونصره (يمان) أي منسوب إلى أهل اليمن، لدخولهم فيه طوعًا لا كرهًا (والكفر) أي قوة الكفر ورياسته (قبل المشرق) أي في جهة المشرق من كفار مضر وربيعة (والسكينة) أي الطمأنينة والتواضع (في أهل الغنم) أي في أصحابها (والفخر) أي التفاخر على الغير بما أوتي من عرض الدنيا (والرياء) أي المراءاة للغير بما فعل من الخير والمواساة، وفي الرواية السابقة بدل هذا (والخيلاء) (في الفدادين) أي في قلوب المصوتين في مواشيهم حُداء لها عند سوقها، وقوله (أهل الخيل) والفرس المختالة في جريها (و) أهل الإبل ذات (الوبر) بدل من الفدادين، والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٩٦) - (٠٠) (وحدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي، صاحب الشافعي، أبو حفص المصري، روى عن ابن وهب نحو مائة ألف حديث، ومؤمل بن إسماعيل، ويروي عنه (م س ق) وحفيده أحمد بن طاهر، وقال في التقريب: صدوق من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٤) ثلاث أو أربع وأربعين ومائتين، روى عنه مسلم عن ابن وهب في مواضع كثيرة، وقال حرملة (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولى بني فهر، أبو محمد المصري الفقيه أحد الأئمة، قال أحمد بن حنبل: ما أصح حديثه، وقال ابن معين: ثقة، وقال أحمد بن صالح: حدَّث
стр. 991
قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْفَخْرُ وَالْخُيَلاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ"
ــ
بمائة ألف حديث، وقال في التقريب: ثقة حافظ عابد من التاسعة، مات سنة (١٩٧) سبع وتسعين ومائة، وله (٧٢) اثنان وسبعون سنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا.
(قال) ابن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد بن مشكان أبي النجاد الأموي مولى معاوية بن أبي سفيان [﵁] الأَيليُّ أبو يزيد بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام، وثقه النسائي وغيره وقال في التقريب: ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة، مات بمصر سنة (١٥٩) تسع وخمسين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة أبواب تقريبًا.
(عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) القرشي الزهري، أبي بكر المدني، رأى عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام، وقال في التقريب: حافظ متقن متفق على جلالته وإتقانه، من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة وعشرين بابًا تقريبًا.
(قال) ابن شهاب (أخبرني أبو سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف القرشي الزهري المدني، أحد الأئمة الأعلام، ثقة كثير الحديث، من الثالثة، مات سنة (٩٤) أربع وتسعين، وكان مولده سنة بضع وعشرين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا (أن أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الفخر) أي التفاخر على الناس (والخيلاء) أي الترفع والتكبر في نفسه (في الفدادين) أي في قلوب المصوتين عند أصول أذناب الإبل (أهل الوبر) بدل من الفدادين، أي أصحاب البيوت المتخذة من الوبر (والسكينة) أي الطمأنينة والاستكانة والتواضع (في أهل الغنم) على خلاف ما ذكره في صفة الفدادين.
وهذا السند من سداسياته، رجاله اثنان منهم مصريان وواحد أيلي وثلاثة مدنيون،
стр. 992
٩٧ - (٠٠) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ
ــ
وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي سلمة بن عبد الرحمن لمحمد بن سيرين وعبد الرحمن الأعرج وعبد الرحمن بن يعقوب في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من بعض المخالفة للروايات السابقة، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة سادسًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٩٧) - ... (٠٠) (وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن مهران (الدارمي) أبو محمد السمرقندي الحافظ، أحد الأئمة الأعلام، وصاحب المسند والتفسير والجامع، روى عن أبي اليمان ويحيى بن حسان ومحمد بن عبد الله الرقاشي ويزيد بن هارون وجعفر بن عون وخلق، ويروي عنه (م د ت) والبخاري في غير الصحيح، قال أحمد: إمام أهل زمانه، وقال في التقريب: ثقة فاضل متقن من الحادية عشرة، مات بسمرقند يوم عرفة سنة (٢٥٥) خمس وخمسين ومائتين، وله أربع وسبعون سنة (٧٤) روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والصوم والبيوع والنذور والحدود في موضعين والجهاد في ثلاثة مواضع وفي الجنة وفي الجهاد ودلائل النبوة والضحايا والرؤيا والفضائل في موضعين والطب فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أربعة عشر بابًا تقريبًا.
قال الدارمي (أخبرنا أبو اليمان) الحكم بن نافع القضاعي البهراني، نسبة إلى بطن من قضاعة يُسمى بَهران، الحمصي مشهور بكنيته مولى امرأة يقال لها أم سلمة، كانت عند عمر بن رؤبة التغلبي، روى عن سْعيب بن أبي حمزة وحَريز بن عثمان وصفوان بن عمرو وطائفة، ويروي عنه (ع) وعبد الله الدارمي ومحمد بن إسحاق الصغاني وأبو زرعة الدمشقي وخلق، وقال في التقريب: ثقة ثبت، يقال إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة، من العاشرة، مات سنة (٢٢٢) اثنتين وعشرين ومائتين بحمص، وكان مولده سنة (١٣٨) ثمان وثلاثين ومائة روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة وغيرهما. قال أبو اليمان (أخبرنا شعيب) بن أبي حمزة القرشي مولى بني أمية، أبو بشر الحمصي، واسم أبي حمزة دينار، أحد الأثبات المشاهير، روى عن الزهري في الصلاة والإيمان وغيرهما
стр. 993
عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: "الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ".
٩٨ - (٠٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ عَنْ شُعَيبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ
ــ
وعبد الله بن أبي حسين في الرؤيا، ونافع وابن المنكدر، ويروي عنه (ع) وأبو اليمان وأبو إسحاق الفزاري وابنه بشر وجماعة، وقال في التقريب: ثقة عابد، من أثبت الناس في الزهري، من السابعة، مات سنة (١٦٢) اثنتين وستين ومائة أو بعدها، روى عنه المؤلف في الصلاة والأيمان والرؤيا وغيرها (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب، أبي بكر المدني، من الطبقة الرابعة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الزهري المدني عن أبي هريرة الدوسي، وهذا السند أيضًا من سداسياته، ثلاثة منهم مدنيون واثنان شاميان وواحد سمرقندي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة شعيب بن أبي حمزة ليونس بن يزيد الأيلي في رواية هذا الحديث عن الزهري، وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول، لأن شعيب بن أبي حمزة ثقة متقن، ويونس بن يزيد في روايته عن الزهري يَهِمُ كما مر، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بما عمل في المتابع، وكذا قوله (مثله) مفعول ثان لما عمل في المتابع، والضمير فيه عائد إلى المتابَع المذكور في السند الأول، والإشارة في قوله بهذا راجعة إلى ما بعد شيخ المتابَع الذي هو يونس بن يزيد، والتقدير: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة بهذا الإسناد يعني عن أبي سلمة عن أبي هريرة مثله، أي مثل ما روى يونس بن يزيد عن الزهري (و) لكنَّ شعيبًا (زاد) في روايته على يونس لفظة (الإيمان يمان والحكمة يمانية) ثم ذكر المؤلف المتابعة سابعًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(٩٨) - متا (٠٠) (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) الدارمي أبو محمد السمرقندي قال (أخبرنا أبو اليمان) الحكم بن نافع القضاعي الحمصي (عن شعيب) بن أبي حمزة، أبي بشر الحمصي (عن) محمد بن مسلم (الزهري) أبي بكر المدني، قال الزهري (حدثني سعيد بن المسيب) بن حزن بوزن سهل بن أبي وهب القرشي المخزومي، أبو محمد المدني، من كبار الثانية، ولد سنة (١٥) خمس عشرة، ومات بعد التسعين (٩٠) وقد ناهز الثمانين، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة عشر بابًا تقريبًا (أن أبا هريرة) الدوسي المدني (قال سمعت النبي صلى الله
стр. 994
صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَأَضْعَفُ قُلُوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، السَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ".
٩٩ - (٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ،
ــ
عليه وسلم يقول) إلخ، وهذا السند أيضًا من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان شاميان وواحد سمرقندي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة سعيد بن المسيب لمن روى عن أبي هريرة في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وكرر متن الحديث هنا لما فيها من بعض المخالفة للروايات السابقة، أي سمعت رسول الله ﷺ حالة كونه يقول (جاء) كم أيها المسلمون (أهل) قطر (اليمن هم أرق) وألين وأصفى (أفئدة) هي لب القلب وداخله (وأضعف) وأخشع (قلوبًا) غلاف الفؤاد وغِشاؤه (الإيمان) أي قوة الإيمان وقبوله وفقهه (يمان) أي منسوب إلى أهل اليمن (والحكمة) أي العلم النافع وهو العلم مع العمل (يمانية) أي منسوبة إلى اليمن (السكينة) أي الطمأنينة والتواضع (في أهل الغنم) أي أصحابها، لأنهم لا فخر ولا خيلاء عندهم (والفخر) أي التفاخر بعرض الدنيا (والخيلاء) أي التبختر في المشية والترفع على الغير (في الفدادين) أي في الرافعين أصواتهم حُداء في مواشيهم وحُرُوثهم (أهل) البيوت المتخذة من (الوبر) أي من شعور الإبل النازلين (قبل مطلع الشمس) أي جهة طلوع الشمس ومكانه، والمَطْلَعُ هو مما فيه وجهان: الفتح على القياس مطلقًا ظرفًا ومصدرًا، والكسر على الشذوذ لأنه من باب فَعل يفعل بضم مضارعه كنصر ينصر، يقال طلع الكوكب ونحوه، يطلع بالضم طُلوعًا إذا ظهر، ومطلعًا بالفتح على القياس، والكسر على الشذوذ أي طُلُوعًا، وهذا مطلَع الشمس بالفتح على القياس ومطلِع القمر بالكسر على الشذوذ أي مكان طُلوعها وزمان طلوعه اهـ من مناهل الرجال على لامية الأفعال.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثامنًا في حديث أبي هريرة فقال:
(٩٩) - (٠٠) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (أبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي، ثقة حافظ من
стр. 995
قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ"
ــ
العاشرة، مات سنة (٢٤٨) ثمان وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال أبو بكر وأبو كريب (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم التميمي السعدي مولاهم، مولى أسعد بن زيد مناة الضرير الكوفي، من التاسعة، مات سنة (١٩٥) خمس وتسعين ومائة، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي، ثقة حافظ قارئ ورعٌ، لكنه يدلس، من الخامسة، مات في ربيع الأول سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة عن (٨٤) أربع وثمانين سنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا.
(عن أبي صالح) السمان ذكوان مولى جُويرية بنت الحارث القيسية المدني، ثقة ثبت من الثالثة، مات سنة (١٠١) إحدى ومائة، روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب تقريبًا.
(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أبي صالح لمن روى عن أبي هريرة في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث في هذه الرواية لما فيها من المخالفة للروايات السابقة في بعض الكلمات وترتيبها.
(قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ أتاكم أهل اليمن) والحال أنـ (ـهم ألين) وأضعف وأخشع (قلوبًا وأرق) وأصفى وأسرع لفهم الخيرات (أفئدة الإيمان) أي قوته ونصرته (يمان) أي منسوب إلى اليمن (والحكمة) أي العلم النافع (يمانية) أي منسوبة إلى اليمن (رأس الكفر) أي رياسته وحزبه وجنده كائنون (قبل المشرق) أي جهة شروق الشمس وطلوعها. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة تاسعًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
стр. 996
١٠٠ - (٠٠) وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: (رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ).
١٠١ - (٠٠) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ًابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ،
ــ
(١٠٠) - متا (٠٠) وحدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل بن طريف الثقفي مولاهم، أبو رجاء البغلاني، اسمه يحيى ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٤٠) أربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في سبعة أبواب تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (زهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في عشرين بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال قتيبة وزهير (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن جرير بن قرط الضبي أبو عبد الله الكوفي، ثقة من الثامنة، مات سنة (١٨٨) ثمان وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي أبي محمد الكاهلي، عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وهذا السند أيضًا من خماسياته، رجاله كوفيان ومدنيان وبغلاني أو نسائي، والجار والمجرور في قوله (بهذا الإسناد) متعلق بحدثنا جرير، والإشارة فيه راجعة إلى ما بعد شيخ المتابع، والمفعول الثاني لحدثنا جرير محذوف والتقدير حدثنا جرير عن الأعمش بهذا الإسناد المذكور في السند السابق، يعني عن أبي صالح عن أبي هريرة مثله، أي مثل ما حدث أبو معاوية عن الأعمش، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة جرير لأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن الأعمش (و) لكن (لم يذكر) جرير في روايته عن الأعمش لفظة (رأس الكفر قبل المشرق) كما ذكره أبو معاوية، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة عاشرًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:
(١٠١) - (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد العنزي أبو موسى البصري المعروف بالزمن ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومائتين، روى عنه المؤلف في أربعة عشر بابًا تقريبًا قال ابن المثنى (حدثنا) محمد (بن أبي عدي) إبراهيم السلمي مولاهم، أبو عمر البصري ثقة من التاسعة، مات بالبصرة سنة (١٩٤) أربع وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا.
(ح) أي حول المؤلف السند (و) قال (حدثني بشر بن خالد) الفرضي نسبة إلى علم
стр. 997
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ (١)، قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَزَادَ: "وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الإِبِلِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَصْحَابِ الشَّاءِ"
ــ
الفرائض، أبو محمد العسكري ثم البصري، روى عن غندر وحسين الجعفي وأبي أسامة وعِدة، ويروي عنه (خ م د س) وابن خزيمة ووثقه النسائي وابن حِبان في كتاب الثقات، وقال في التقريب: ثقة يُغرب، من العاشرة، مات سنة (٢٥٥) ثلاث أو خمس وخمسين ومائتين، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وغيره، قال بشر بن خالد (حدثنا محمد) بن جعفر الهذلي مولاهم، أبو عبد الله البصري ربيب شعبة المعروف بغندر، ثقة صحيح الكتاب إلا أن فيه غفلة، من التاسعة، مات في ذي القعدة سنة (١٣٩) تسع وثلاثين ومائة، روى عنه المؤلف في ستة أبواب تقريبًا، وأتى بحاء التحويل لاختلاف شيخي شيخيه، مع اختلاف كيفية سماعه عنهما، وفائدة التحويل بيان كثرة طرقه.
(قالا) أي قال محمد بن أبي عدي ومحمد بن جعفر (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام البصري ثقة حافظ متقن من السابعة، مات سنة (١٦٠) ستين ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثين بابًا تقريبًا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي، أبي محمد الكوفي، والجار والمجرور في قوله (بهدا الإسناد) متعلق بحدثنا شعبة وقوله (مثل حديث جرير) مفعول ثانٍ لحدثنا شعبة، والمعنى حدثنا شعبة عن الأعمش بهذا الإسناد، يعني عن أبي صالح عن أبي هريرة مثل حديثٍ حدثه جرير عن الأعمش، وغرض المؤلف بسوق هذا السند بيان متابعة شعبة لجرير بن عبد الحميد في رواية هذا الحديث عن الأعمش، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وقوله (وزاد) إلخ استثناء من المماثلة، أي ولكن زاد شعبة في روايته على جرير قوله (والفخر) أي التفاخر بالدنيا (والخيلاء) أي التبختر في المشي (في أصحاب الإبل والسكينة) أي التواضع الظاهري (والوقار) أي التواضع الباطني (في أصحاب الشاء) جمع شاة، والشاة الواحدة من الغنم الذكر والأنثى أو يكون من الضأن والمعز والظباء والبقر والنعام وحُمر الوحش والمرأة، والجمع شاءٌ، أصله شاه وشياه وشِواه وأشاوه اهـ قاموس.
وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثتهم بصريون واثنان مدنيان وواحد كوفي.
стр. 998
١٠٢ - (٥٢) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "غِلَظُ الْقُلُوبِ وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقِ، وَالإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ"
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي مسعود الأنصاري بحديث جابر ﵄ فقال:
(١٠٢) - ش (٥٢) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد الحنظلي، أبو يعقوب المروزي، ثقة حافظ نظير أحمد بن حنبل من العاشرة، مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في أحد وعشرين بابا، قال إسحاق (أخبرنا عبد الله بن الحارث) بن عبد الملك (المخزومي) أبو محمد المكي، روى عن ابن جريج والضحاك بن عثمان وثور بن يزيد، ويروي عنه (م عم) وإسحاق وقتيبة وأحمد، وثقه يعقوب بن شيبة، وقال في التقريب: ثقة من الثامنة، روى عنه المؤلف في الإيمان والطب والبيوع ثلاثة أبواب تقريبًا (عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) القرشي الأموي مولاهم، أبي الوليد المكي، الفقيه أحد الأئمة الأعلام ثقة فقيه وكان يدلس ويرسل، من السادسة، مات سنة (١٥٠) خمسين ومائة، روى عنه المؤلف في ستة عشر بابًا تقريبًا.
(قال) ابن جريج (أخبرني أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُسَ بوزن تَنْصُرَ الأسدي مولاهم المكي ثقة يُدلس، روى عنه المؤلف في تسعة أبواب تقريبًا (أنه) أي أن أبا الزبير (سمع جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي بفتحتين أبا عبد الله المدني الصحابي الجليل، مات بالمدينة بعد السبعين (٧٠) وهو ابن (٩٤) أربع وتسعين سنة، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم مكيون وواحد مدني وواحد مروزي حالة كونه (يقول قال رسول الله ﷺ غِلظ القلوب) وعدم فهمها لما يقال لها (والجفاء) أي جفاء القلوب وقساوتها وعدم قبولها للخيرات (في) أهل (المشرق) وكفارها ربيعة ومضر (والإيمان) أي مبدؤه ومنشؤه (في أهل الحجاز) مكة والمدينة وما حولهما، سُمي بذلك لحجزه بين نجد وتهامة، قاله القتبي، وقال ابن دريد: لحجزه بين نجد والسراة، قال الأصمعي: إذا انحدرت من ذات عرق فقد أَتهَمْتَ إلى البحر، فإذا استقبلك الحِرار فذلك الحجاز، وسميت بذلك لأنها حجزت بالحرار
стр. 999
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخمس وهي حرة شوران وحرة ليلى وحرة واقم وحرة النار وحرة منازل بني سُليم إلى المدينة "معجم البلدان واللسان" في مادة حجاز، وقيل حد الحجاز من جهة الشام ومما يلي تهامة بدر وعكاظ، قال بعض علمائنا: يجوز أن يكون المراد بالحجاز في هذا الحديث المدينة فقط، لأنه ﷺ قال: "إن الإيمان ليارز إلى المدينة" رواه البخاري (١٨٧) ومسلم (١٤٧) ويأرز بمعنى يرجع اهـ قرطبي.
قال الأبي: تقدم لابن الصلاح أن المراد باليمن القطر المعروف، وأنه لا يلزم من نسبة الإيمان إليه نفيه عن غيره، فلا تعارض بين قوله: الإيمان يمان، وقوله: الإيمان في أهل الحجاز اهـ.
وحديث جابر هذا انفرد به مسلم عن أصحاب الأمهات ولكنه شاركه أحمد (٣/ ٣٤٥).
وجملة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب من الأحاديث ثلاثة:
الأول: حديث أبي مسعود الأنصاري ذكره استدلالًا به على الترجمة، والثاني: حديث أبي هريرة ذكره استشهادًا به لحديث أبي مسعود وذكر فيه عشر متابعات، والثالث: حديث جابر بن عبد الله ذكره استشهادًا له ثانيًا والله أعلم.
***
стр. 1000
٢٨ - بَابُ كَوْنِ التَّحابِّ فِي اللَّهِ تَعَالى مِنَ الإيمَانِ، وَبَيَانِ سَبَبِهِ
١٠٣ - (٥٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ
ــ
٢٨ - بَابُ كَوْنِ التَّحابِّ فِي اللَّهِ تَعَالى مِنَ الإيمَانِ، وَبَيَانِ سَبَبِهِ
أي هذا بابٌ معقود في الاستدلال على كون التحابب في دين الله تعالى شعبة من شعب الإيمان، وأن إفشاء السلام بينهم مما ينبته في قلوبهم، وترجم النووي والقاضي وأكثر المتون للحديث الآتي بقولهم: (باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون وأن محبة المؤمنين من الإيمان وأن إفشاء السلام سبب لحصولها)، وترجم له الأبي والسنوسي بقولهما: (باب قوله ﷺ لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا) إلى آخره، وترجم له القرطبي بقوله: (بابٌ المحبة في الله تعالى من الإيمان)، وترجمتنا أشمل وأخصر من ترجمتهم.
(١٠٣) - س (٥٣) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، روى المؤلف عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا، قال أبو بكر (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير، التميمي السعدي مولاهم الكوفي، من التاسعة، مات سنة (١٩٥) خمس وتسعين ومائة، روى المؤلف عنه في أربعة عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٦) ست وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في ثمانية عشر بابا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي مولاهم، أبي محمد الكوفي، ثقة حافظ ولكنه يدلس، من الخامسة، مات في ربيع الأول سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (عن أبي صالح) السمان، ذكوان مولى جُويرية بنت الحارث القيسية، المدني ثقة ثبت من الثالثة، مات سنة (١٠١) إحدى ومائة، روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب تقريبًا (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني، وهذا السند من خماسياته، رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان (قال) أبو هريرة (قال رسول الله صلى الله عليه
стр. 1001
وَسَلَّمَ: "لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّي تُؤمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَي تَحَابُّوا،
ــ
وسلم لا تدخلون) أيها المؤمنون (الجنة) ابتداءَ (حتى تومنوا) إيمانًا كاملًا باجتماع شُعبه (ولا تؤمنوا) إيمانًا كاملًا يُوجب دخول الجنة ابتداءً (حتى تحابوا) وتوادوا في الله أي حتى يُحب بعضكم بعضًا لأجل دين الله تعالى وطلب رضاه لا لغرض من الأغراض الدنيوية من قرابة وصداقة وزوجية وعطية.
قال القرطبي: والإيمان المذكور أولًا هو التصديق الشرعي المذكور في حديث جبريل ﵇، والإيمان المذكور ثانيًا هو الإيمان العملي المذكور في قوله: الإيمان بضع وسبعون بابا كما سبق تخريجه، ولو كان الثاني هو الأول للزم منه أن لا يدخل الجنة من أبغض أحدًا من المؤمنين، وذلك باطل قطعًا، فتعين التأويل الذي ذكرناه انتهى.
قال الأبي: لفظ الحديث يقتضي وقف دخول الجنة على التحاب، فلا يدخل الجنة كاره، ولا يقوله أهل السنة، وإنما قلنا ذلك لأن الموقوف على الموقوف على شيء موقوف على ذلك الشيء، فأجاب ابن الصلاح بأن المراد بالدخول دخول الجنة ابتداءً، وأجاب النووي: بان معنى الحديث وقف دخولها على الإيمان، ووقف كمال الإيمان على التحاب.
(قلت) فعلى الأول الإيمان الثاني هو الأول، والمراد بهما الكمال، أي لا تدخلوا الجنة ابتداءً حتى تؤمنوا الإيمان الكامل، ولا تؤمنوا الإيمان الكامل حتى تتحابوا، وعلى الثاني هو غيره، ومدلول الجملتين مختلف ولا ارتباط لإحداهما بالأخرى، فمدلول الأولى وقف دخول الجنة على الإيمان المطلق، الذي هو التصديق، ومدلول الثانية وقف الإيمان الكامل على التحاب، والأول أسعد بالسياق.
ويصح عندي وجه ثالث: وهو أن يكون الإيمان الثاني هو الأول، والمراد به المطلق، ولم يذكر الثاني من حيث الوقف عليه، بل من حيث النهي عن الاقتصار عليه، فالمعنى لا تدخلون الجنة حتى تُصدِّقوا ولا تقتصروا على التصديق بل حتى تضيفوا إليه التحاب.
(فإن قلت) وَقْفُ الإيمانِ على التحاب إن كان التحاب من الجانبين كما تقتضيه المفاعلة لزم التكليف بفعل الغير ولا يجوز، وإن كان من جهة واحدة لزم التكليف بالأمر الجبلي، لأن المحبة جبلية.
стр. 1002
أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَينَكُم"
ــ
(قلت) فعل الغير إن كان سببه من المكلَّفِ صحَّ التكليف به، وينصرف التكليف إلى ذلك السبب، والسبب هنا إفشاء السلام اهـ من الأبي.
قوله (ولا تؤمنوا) قال النووي: معناه لا يكمل إيمانكم ولا يصلح حالكم في الإيمان إلا بالتحاب، وأما قوله ﷺ "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا" فهو على ظاهره وإطلاقه، فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمنًا، وإن لم يكن كامل الإيمان، فهذا هو الظاهر من الحديث اهـ.
وقوله أيضًا (ولا تؤمنوا) قال القرطبي: كذا صحت الرواية هنا بإسقاط النون، والصواب إثباتها كما قد وقع في بعض النسخ، لأن لا نافيةٌ، لا ناهية جازمة، فلزم إثباتها لعدم الجازم اهـ.
وقال النووي: إنه في جميع الأصول والروايات هكذا (ولا تؤمنوا) بحذف النون من آخره وهي لغة معروفة صحيحة اهـ.
(قلت) حذف النون هنا لمشاكلة ما قبله وما بعده، والمشاكلة من المحسنات اللفظية عند البديعيين، وحينئذ تقول في إعرابه: لا نافية، تؤمنوا: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة للمشاكلة، لأنه من الأفعال الخمسة، لأن المحذوف لعلةٍ كالثابت، فلا يضر حذفها في الخط واللفظ، وهذا هو الصواب الذي عليه علماء العربية لا غيره، والهمزة في قوله (أولا أدلكم على شيء) داخلة على محذوف تقديره أتستغربون ذلك ولا تفهمونه، أدلكم أيها المؤمنون على شيء (إذا فعلتموه) وقلتموه (تحاببتم) أي يحصل التحاب والتواد بينكم، أقول لكم في بيان ذلك الشيء (أفشوا) أي بقطع الهمزة المفتوحة أي أكثروا وأشيعوا (السلام بينكم) أيها المؤمنون خاصة، قال القرطبي: وإفشاء السلام إظهاره وإشاعته واقراؤه على المعروف وغير المعروف، ومعنى لا تؤمنوا حتى تحابوا، أي لا يكمل إيمانكم ولا يكون حالكم حال من كَمُلَ إيمانه حتى تُفْشُوا السلامَ الجالب للمحبة الدينية والألفة الشرعية.
قال النووي: وفي الحديث حث عظيم على إفشاء السلام، وبذله للمسلمين كُلهم من عرفت ومن لم تعرف كما تقدم في الحديث الآخر، والسلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وبإفشائه يحصل ألفة المسلمين بعضُهم لبعض، واظهارُ
стр. 1003
١٥٤ - (٠٠) وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأعمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّي تُؤْمِنُوا ... " بِمِثْلِ
ــ
شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل، مع ما فيه من رياضة النفس ولزوم التواضع وإعظام حُرمات المسلمين، وقد ذكر البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبَذْلُكَ السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار، وروى غير البخاري هذا الكلام مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وهذه الثلاثة المذكورة من السلام على العالم، والسلام على من عرفت ومن لم تعرف، وإفشاء السلام كلها بمعنى واحد، وفيها لطيفة أخرى، وهي أنها تتضمن رفع التقاطع والتهاجر والشحناء وفساد ذات البين التي هي الحالقة، وأن سلامه لله لا يتبع فيه هواه ولا يخص أصحابه وأحبابه خلاف ما أنذر به ﷺ آخر الزمان من كون السلام للمعرفة، فيقطع سبب التواصل الذي هو الإسلام، والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: (١٠٤) - (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٤٠) أربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في سبعة أبواب. قال زهير (أنبأنا) أي أخبرنا (جرير) بن عبد الحميد بن جرير بن قرط الضبي أبو عبد الله الكوفي، ثقة من الثامنة، مات سنة (١٨٨) ثمانء وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في ستة عشر بابا (عن) سليمان بن مهران الكوفي، أبي محمد الكاهلي مولاهم المعروف بـ (الأعمش) لكون عينه عمشاء، ثقة حافظ من الخامسة، مات سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، وقوله (بهذا الإسناد) متعلق بأنبأنا جرير، والإشارة راجعة إلى ما بعد الأعمش، أي أخبرنا جرير عن الأعمش بهذا الإسناد، يعني عن أبي صالح عن أبي هريرة (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ والذي) أي قسمت لكم بالإله الذي (نفسي) ورُوحي (بيده) تعالى المنزهة عن صفات الحدوث، بزيادة القسم في هذه الرواية لتأكيد الكلام، أي أقسمت لكم به على أنه (لا تدخلون الجنة) حين يدخلها السابقون (حتى تؤمنوا) الإيمان الكامل، وقوله (بمثل
стр. 1004
حَدِيثِ أَبِي مُعَاويةَ وَوَكِيعٍ
ــ
حديث أبي معاوية ووكيع) متعلق أيضًا بأنبأنا جرير، أي أخبرنا جرير عن الأعمش بهذا الإسناد بمثل ما رواه أبو معاوية ووكيع عن الأعمش.
وهذا السند أيضًا من خماسياته، رجاله اثنان منهم كوفيان واثنان مدنيان وواحد نسائي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة جرير لأبي معاوية ووكيع في رواية هذا الحديث عن الأعمش، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه مع بيان زيادة القسم في هذه الرواية، وبيان مخالفة صيغة رواية جرير لصيغتهما، ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث أبي هريرة، وذكر فيه متابعة واحدة، والله أعلم بالصواب، وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة في التحاب شارك المؤلف في روايته أحمد (٢/ ٣٩١) وأبو داود (٥١٩٣) والترمذي (٢٦٨٩).
***
стр. 1005
٢٩ - بَابُ النُّصحِ مِنَ الإِيمَانِ
١٠٥ - (٥٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ الْمَكِّيُّ،
ــ
٢٩ - بَابُ النُّصحِ مِنَ الإِيمَانِ
أي هذا باب معقود في بيان أن النصح لمن سيأتي من شُعب الإيمان والدين المذكور في الحديث بمعنى الإيمان، وفي تركيب الحديث تقديم وتأخير كما سنبينه، وإنما عدلنا إلى هذه الترجمة لتوافق ترجمة كتاب الإيمان، وترجم للحديث الآتي النووي والقاضي وأكثر المتون بقولهم (بابُ بيانِ أن الدين النصيحة) وهكذا ترجم له الأبي والسنوسي، وفي بعض المتون إسقاط هذه الترجمة وهو خطأ من النساخ، لأن هذا الحديث لا يدخل في الترجمة السابقة، وأدخل القرطبي هذا الحديث في الترجمة السابقة حيث قال: (بابٌ المحبة في الله تعالى والنصح من الإيمان) وهي أولى وأدق، وترجمتي أخصر وأوفق للمقام أيضًا.
والنصح والنصيحة كلاهما مصدرٌ سماعي لنصح، من باب فتح، يقال: نصح ينْصحُ نصيحةً ونُصحًا بضم النون، فأما نصحْتُ الثوب فمصدره نَصحًا بفتح النون قاله الجوهري، قال الخطابي: النصيحة كلمة يُعبر بها عن جملةٍ هي إرادة الخير للمنصوح له، وهي في اللغة الإخلاص من قولهم: نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط، قال نفطويه: يقال نصح له الشيء إذا خلص، ونصح له القول إذا أخلصه له من الغش، واصطلاحًا: إرادة الخير للغير، وقيل: هي مأخوذة من النصح بالفتح وهي الخياطة، والإبرة المِنصحة، والنصاح الخيط الذي يُخاط به، والناصح الخياط، فكان الناصح لأخيه يلمُّ شَعثه ويضمه كما تضم الإبرة خرق الثوب، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب، فالنصيحة كلمة وجيزة تجمع معاني كثيرة، كما قالوا في الفلاح: ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه.
(١٠٥) - س (٥٤) (حدثنا محمد بن عباد) بن الزِّبِرْقَان (المكي) نزيل بغداد أبو عبد الله، روى عن سفيان بن عيينة ومروان بن معاوية وحاتم بن إسماعيل وأنس بن عياض والدراوردي وأبي صفوان الأموي وغيرهم، ويروي عنه (خ م ت س ق) له في (ح) فرد حديث، وأحمد بن سعيد الدارمي وأحمد بن علي المروزي وغيرهم، وقال في
стр. 1006
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: قُلْتُ لِسُهَيلٍ: إِنَّ عَمْرًا حَدَّثَنَا عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِيكَ قَال: وَرَجَوْتُ أَنْ يُسْقِطَ عَنِّي رَجُلًا، قَال: فَقَال: سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِي- كَانَ
ــ
التقريب: صدوق يهم من العاشرة مات ببغداد في آخر ذي الحجة سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والبيوع في موضعين والأشربة في أربعة أبواب. قال محمد بن عباد (حدثنا سفيان) بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي مولاهم، أبو محمد الأعور الكوفي ثم المكي، وقال في التقريب: ثقة فقيه إمام حجة، إلا أنه تغير حفظه في آخره، وكان ربما يدلس، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار، من رؤوس الطبقة الثامنة، مات سنة (١٩٨) ثمانٍ وتسعين ومائة، وله إحدى وتسعون سنة (٩١) روى عنه المؤلف في أربعة وعشرين بابًا تقريبًا.
(قال) سفيان (قلت لسهيل) بن أبي صالح السمان ذكوان الزيات أبي يزيد المدني صدوق من السادسة، مات في خلافة المنصور، روى عنه المؤلف في ثلاثة عشر بابا تقريبًا (إن عَمْرًا) ابن دينار القرشي مولاهم، أبا محمد المكي ثقة ثبت من الرابعة، مات سنة (١٢٦) ست وعشرين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثنين وعشرين بابًا تقريبًا (حدثنا عن القعقاع) بن حكيم الكناني المدني، روى عن أبي صالح وأبي يونس مولى عائشة وجابر بن عبد الله وابن عمر وعائشة وعلي بن الحسين وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وعمرو بن دينار، ذكره ابن عيينة في قصةٍ، ثم حدثه سفيان عن عطاء بن يزيد نفسه، ويروي عنه سهيل وزيد بن أسلم وجعفر بن عبد الله بن الحكم ويعقوب بن عبد الله بن الأشج وابن عجلان، وثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: ثقة من الرابعة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء في موضعين والصلاة في موضعين والدعاء في موضعين وفي الأشربة في خمسة أبواب تقريبًا (عن أبيك) أبي صالح ذكوان مولى جُويرية بنت الحارث القيسية السمان المدني، ثقة ثبت، مات سنة (١٠١) إحدى ومائة، روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب تقريبًا.
(قال) سفيان بن عيينة (ورجوت) أي ظننت أنا (أن يُسقط) سهيل (عني رجلًا) واحدًا من السند بينه وبين أبيه الذي هو القعقاع بن حكيم (قال) سفيان (فقال) لي سهيل حين رجوت منه بيان ذلك الرجل الذي أسقط، وجملة قوله (سمعته) مقول لقال الثانية، أي فقال لي سهيل: سمعت هذا الحديث (من) الشيخ (الذي سمعه) أي سمع هذا الحديث (منه) أي من ذلك الشيخ (أبي) أبو صالح حين حدثه لأبي (كان) ذلك الشيخ
стр. 1007
صَدِيقًا لَهُ بِالشَّامِ- ثُمَّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيلٍ، عَن عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ:
ــ
(صديقًا له) أي لأبي نزيلًا (بالشام) قال محمد بن عباد (ثم) بعدما أخبرنا سفيان هذه القصة التي جرت بينه وبين سهيل بن أبي صالح (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن سُهيل) بن أبي صالح (عن عطاء بن يزيد) الليثي من أنفسهم أبي يزيد المدني، وقيل الشامي، فرجا سفيان أولًا أن يسقط عنه سهيل رجلًا واحدًا من السند الذي هو القعقاع فحدث له سهيل عن عطاء بن يزيد فأسقط عنه رجلين القعقاع وأبا صالح، لأنه ظن أن سهيلًا سمعه من أبيه، فإذا هو سمعه من شيخ أبيه عطاء بن يزيد، قال القاضي عياض: وفيه دليل على حرص الأئمة على علو الإسناد واختصار الطريق، واتفق لسفيان في هذا السند سُقوط رجلين أكثر ممن ظنه أولًا، لأنه ظن أن لسُهيلًا سمعه من أبيه، فإذا هو سمعه من شيخ أبيه اهـ.
وترتيب هذا السند قال مسلم: حدثنا محمد بن عباد المكي حدثنا سفيان عن سهيل (عن عطاء بن يزيد) الليثي الجندعي بضم الجيم، أبي يزيد المدني نزيل الشام، روى عن تميم الداري وعبيد الله بن عدي بن الخيار وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأبي أيوب الأنصاري، ويروي عنه (ع) وسهيل بن أبي صالح وأبوه أبو صالح في قصةٍ ذكره ابن عيينة عن عمرو عن القعقاع عن أبي صالح عن عطاء الليثي، والزهري وأبو عبيد المذحجي، وثقه النسائي، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة، مات سنة خمس أو سبع ومائة (١٠٧) وهو ابن (٨٢) اثنتين وثمانين سنة.
روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء في موضعين والصلاة في موضعين والزكاة والصلة في خمسة أبواب تقريبًا (عن تميم) بن أوس بن خارجة بن مسدَّد بن جذيمة بن ذراع بن عدي بن الدار بن هانئ بن نمارة بن لخم، أبو رُقَيَّة الشامي بقاف وتحتانية مصغرًا (الداري) نسبة إلى الدار بن هانئ أحدِ أجداده، كان راهب عصره وعابد أهل فلسطين الصحابي المشهور، أسلم سنة تسع، وسكن بيت المقدس بعدما قتل عثمان، له ثمانية عشر حديثًا، انفرد له (م) بحديث، روى عنه سيد البشر ﷺ خبر الجساسة، وذلك في (خ م) وناهيك بهذه المنقبة الشريفة، وتدخل في رواية الأكابر عن الأصاغر، كان صاحب ليل وتلاوة، وكان يختم القرآن في ركعة، قال مسروق: صلى ليلة حتى أصبح يقرأ آية يرددها ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآية، وقال أبو نعيم:
стр. 1008
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "الدِّينُ النصِيحَةُ" قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَال: "للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأئَمَّةِ الْمُسْلِمِينَ
ــ
أول من سرج في المساجد تميم الداري، وقال السائب بن يزيد: وهو أول من قص القصص بإذن عمر بن الخطاب، مات بالشام سنة (٤٠) أربعين، وقبره ببيت جبرين من بلاد فلسطين، روى عنه عطاء بن يزيد الليثي في الإيمان وأنس وشهرٌ وقبيصة بن ذؤيب وعِدة، وهذا السند من خماسياته، رجاله اثنان منهم مكيان واثنان مدنيان وواحد شامي (أن النبي ﷺ قال الدين) أي عماد الدين وقوامه (النصيحة) أي إرادة الخير لمن سيأتي في الحديث، والدين هنا بمعنى الإيمان ليُطابق الحديث ترجمة كتاب الإيمان، وفي العبارة تقديم وتأخير وحذف، والتقدير والنصيحة للغير من الدين والإيمان، أي إرادة الخير للغير من شعب الإيمان فلا يكمل إيمان المرء إلا بها (قلنا) معاشر الحاضرين النصيحة (لمن) يا رسول الله (قال) رسول الله ﷺ مُجيبًا لنا النصيحة (لله) ، قال القاضي: النصيحة لله تعالى صحة الاعتقاد له بالوحدانية، ووصفه بصفات الإلهية وتنزيهه عن النقائص والرغبة في محابه والبعد عن مساخطه والإخلاص في عبادته، قال الخطابي: والنصيحة لله تعالى إنما ترجع إلى العبد لأن الله سبحانه غني عن نصح الناصحين (و) النصيحة (لكتابه) العزيز والقرآن الكريم، ومعنى النصيحة لكتابه الإيمان به، والعمل بما فيه، والتخلق بآدابه، وتحسين تلاوته والخشوع عند ذلك وتوقيره وتعظيمه، وتفهم معانيه وتدبر آياته، والتفقه في علومه، والدعاء إليه، والذب عنه من تأويل الغالين وتحريف المبطلين وطعن الملحدين (و) النصيحة (لرسوله) ﷺ ، ومعنى النصيحة له التصديق بنبوته، وطاعته فيما أمر به، ونهى عنه ونصرته حيًّا وميتًا، ومعاداة من عاداه ومحاربة من حاربه، وبذل النفوس والأموال دونه في حياته، وإحياء سنته بعد موته بالبحث عنها، والتفقه فيها، والذب عنها ونشرها، والدعاء إليها، والتخلق بأخلاقه الكريمة، والتأدب بآدابه الجميلة، وتوقيره وتعظيمه، ومحبة آل بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته، (و) النصيحة (لأئمة المسلمين) وخلفائهم وأمرائهم وولاتهم، ومعنى النصيحة لهم طاعتهم في الحق، ومعاونتهم عليه وأمرهم به، وتذكيرهم إياه على أحسن الوجوه، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من أمور المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتأليف قلوب الناس لطاعتهم، هذا إن أريد بالأئمة الخلفاء والولاة وهو المشهور، وإن أريد بهم العلماء فالنصح لهم
стр. 1009
وَعَامَّتِهِمْ".
١٠٦ - (٠٠) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ،
ــ
قبول روايتهم وتقليدهم في الأحكام وحسن الظن بهم، قال الخطابي: ومن النصيحة لولاة الأمور الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف، أو ظهر عثرة، وأن لا يُغرّوا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يُدعى لهم بالصلاح (و) النصيحة لي (عامتهم) وهم من عدا ولاة الأمور، ومعنى النصح لعامتهم إرشادهم لمصالحهم، ومعونتهم في أمر دينهم ودنياهم بالقول والعمل، وتنبيه غافلهم، وتعليم جاهلهم، ورِفد محتاجهم، وستر عوراتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع في الدين والدنيا إليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وسد خللهم، وترك حسدهم وغشهم، وبالجملة بأن يكون معهم كما قال ﷺ أن تؤتيهم ما تحب أن يُؤتى إليك وتكره لهم ما تكره لنفسك، وإذا كان هذا في حق المسلمين فالأمراء والأئمة بذلك أولى.
قال ابن بطال: والنصيحة فرض كفاية، وشَرْط لزومها أمن الناصح على نفسه وعلمه أنه يُقبل منه، فإن خشيَ الأذى فهو في سعة، قال الأبي: وتقدم عدم اشتراط ذلك في تغيير المنكر، فانظر الفرق، قال السنوسي: (قلت) أما الأمن على النفس فشَرطٌ فيهما، وأما القبول فلعل الفرق بين اشتراطه في النصيحة دون تغيير المنكر تحقُّق التلبس بالمفسدة في المنكر، فلا يسع السكوت عن تغييره باحتمال عدم القبول المحتمل للصدق والكذب بخلاف النصيحة فإن المفسدة لم يُقطع فيها بالوقوع فكانت أخف والله أعلم.
وهذا الحديث أعني حديث تميم الداري قد شارك المؤلف في روايته أحمد (٤/ ١٠٢) وأبو داود (٤٩٤٤) والنسائي (٧/ ١٥٦) ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث تميم الداري فقال:
(١٠٦) - متا (٠٠) (حدثني محمد بن حاتم) بن ميمون البغدادي، أبو عبد الله السَّمين، روى عن عبد الرحمن بن مهدي وغيره، ويروي عنه (م د) وأحمد بن الحسن الصوفي وجماعة، وثقه الدارقطني وابن عدي وأفرط ابن معين فكذبه، وقال في التقريب: صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين،
стр. 1010
حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيثِيِّ، عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ... " بِمِثلِهِ.
١٠٧ - (٠٠) وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ،
ــ
وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا، قال محمد بن حاتم (حدثنا) عبد الرحمن (بن مهدي) بن حسان الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصري اللؤلؤي، الإمام العلم، روى عن الثوري وشعبة ومالك وخلق، ويروي عنه (ع) ومحمد بن حاتم ومحمد بن المثنى وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة (١٩٨) ثمان وتسعين ومائة بالبصرة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابا، قال ابن مهدي (حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري، أبو عبد الله الكوفي، أحد الأئمة الأعلام ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دلس، مات سنة (١٦١) إحدى وستين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة وعشرين بابًا تقريبًا.
(عن سهيل بن أبي صالح) السمان أبي يزيد المدني صدوق من السادسة (عن عطاء بن يزيد الليثي) أبي يزيد المدني، ثقة من الثالثة (عن تميم) بن أوس بن خارجة (الداري) الصحابي المشهور (عن النبي ﷺ والجار والمجرور في قوله (بمثله) متعلق بقوله حدثنا سفيان الثوري، والضمير فيه يعود إلى سفيان بن عيينة المذكور في السند السابق، والتقدير حدثنا سفيان الثوري عن سهيل بن أبي صالح بمثل ما حدث سفيان بن عيينة عن سُهيل، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة سفيان الثوري لسفيان بن عيينة، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وهذا السند من سداسياته، ورجاله اثنان منهم مدنيان وواحد بغدادي وواحد بصري وواحد كوفي وواحد شامي، وهذا من ألطف الأسانيد، ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث تميم فقال:
(١٠٧) - (٠٠) (وحدثني أمية بن بِسْطام) بكسر الباء وسكون السين، وحُكي فتح الباء والصرف وعدمه، بن المنتشر العيشي بتحتانية ثم معجمة، نسبة إلى بني عائش بن مالك بن تيم الله، سكنوا البصرة، أبو بكر البصري، روى عن يزيد بن زُريع في الإيمان وغيره، والمعتمر بن سليمان في الوضوء، ويروي عنه (خ م س) وأبو زرعة، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق من العاشرة، مات سنة (٢٣١) إحدى
стр. 1011
عَنْ يَزِيدَ (١) - يَعْنِي ابْنَ زُرَيعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ -وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ- حَدَّثَنَا سُهَيلٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ -سَمِعَهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَبَا صَالِحٍ- عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ... " بِمِثْلِهِ
ــ
وثلاثين ومائتين (عن يزيد) بن زُريع بزايٍ مُصغرًا التيمي العيشي، أبي معاوية البصري، ثقة ثبت من الثامنة مات سنة (١٨٢) اثنتين وثمانين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن زريع) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه بل مما زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي، كما مر مرارًا، قال يزيد بن زريع (حدثنا روح) بن القاسم التميمي العنبري، أبو غياث البصري، يروي عن سهيل بن أبي صالح، ويروي عنه (خ م د س ق) ويزيد بن زُريع ثقة حافظ من السادسة، مات سنة (١٤١) إحدى وأربعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا.
وأتى بجملة قوله (وهو ابن القاسم) إشارة إلى أن هذه النسبة ليست مما سمعها من شيخه بل زادها من عند نفسه، قال روح (حدثنا سهيل) بن أبي صالح أبو يزيد المدني (عن عطاء بن يزيد) الليثي المدني، وجملة قوله (سمعه) حال من سهيل، والضمير عائد على عطاء والتقدير حدثنا سهيل حالة كون سهيل سمع عطاء، وجملة قوله (وهو يُحدث أبا صالح) حال من عطاء، أي سمع سهيل عطاء يُحدث أباه أبا صالح (عن تميم) بن أوس (الداري) أي المنسوب إلى دار بن هانئ أحد أجداده (عن رسول الله ﷺ والجار والمجرور في قوله (بمثله) متعلق بقوله حدثنا روح، والضمير عائد إلى سفيان بن عيينة، والتقدير حدثنا روح بن القاسم عن سهيل بمثل ما حدث سفيان بن عيينة عن سهيل، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة روح بن القاسم لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن سهيل بن أبي صالح، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، مع بيان كيفية سماع سهيل عن عطاء، وهذا السند من سداسياته، ثلاثة منهم بصريون واثنان مدنيان وواحد شامي والله أعلم.
ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث تميم الداري، وذكر فيه متابعتين.
стр. 1012
٣٠ - بَابُ مُبَايَعَةِ الإِمَامِ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَكَونهَا مِنَ الإِيمَانِ
١٠٨ - (٥٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيسٍ،
ــ
٣٠ - بَابُ مُبَايَعَةِ الإِمَامِ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَكَونهَا مِنَ الإِيمَانِ
أي باب معقودٌ في بيان مشروعية مبايعة الإمام على هذه الأمور وغيرها كإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وكون تلك المبايعة من شعب الإيمان، لأن المبايعة مع رسول الله ﷺ لا تكون إلا على أمور الدين والإيمان، فكانت من شعب الإيمان، ولم يترجم لهذا الحديث أحد من الشراح ولا أصحاب المتون إلا الأبي فقال فيه: (باب حديث جرير) والمبايعة مفاعلة من البيع، وكانوا إذا بايعوا الإمام قبضوا على يديه توكيدًا للأمر فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فجاءت المفاعلة في بايعت من ذلك، فالمبايعة وكذا البيعة لغةً: المعاهدة، واصطلاحًا معاهدة الإمام على تسليم النظر في كل الأمور إليه على وجه لا ينازع اهـ الأبي.
(١٠٨) - (٥٥) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا، قال أبو بكر (حدثنا عبد الله بن نمير) بالنون مصغرًا، الهمداني الخارفي بمعجمة ثم ألف ثم مهملة من خارف همدان أبو هشام الكوفي، ثقة ثبت من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٩) وله (٨٤) سنة، روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت ربما دلس، من كبار التاسعة، مات سنة (٢٠١) إحدى ومائتين وله (٨٠) سنة، روى عنه المؤلف في سبعة عشر بابا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، كلاهما (عن إسماعيل بن أبي خالد) سعد البجلي الأحمسي، أحمس بجيلة مولاهم، أبي عبد الله الكوفي، ثقة ثبت من الرابعة، مات سنة (١٤٦) ست وأربعين ومائة، روى عنه المؤلف في ثمانية أبواب تقريبًا (عن قيس) بن أبي حازم عوف بن عبد الحارث بن عوف البجلي الأحمسي أبي عبد الله الكوفي، أحد كبار
стр. 1013
عَنْ جَرِيرٍ قَال: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَي إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ
ــ
التابعين، ثقة من الثانية، مات سنة (٩٨) ثمان وتسعين، روى عنه المؤلف في عشرة أبواب تقريبًا (عن جرير) بن عبد الله بن جابر البجلي الأحمسي اليماني الأصل أبي عمرو، ويقال أبي عبد الله الصحابي الجليل، أسلم سنة عشر في رمضان، وبسط له النبي ﷺ رداءه وأكرمه ووجهه إلى ذي الخلصة وهدمها، وعمل على اليمن في زمنه ﷺ وكان سيدًا مطاعًا بديع الجمال، له مائة حديث، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بستة، عِداده في الكوفيين، سكنها زمانًا وتحول إلى قرقيسيا ومات بها سنة إحدى وخمسين (٥١)، ويروي عنه (ع) وابناه إبراهيم وعبد الله وحفيده أبو زرعة وقيس بن أبي حازم وزياد بن علاقة والشعبي والمنذر بن جرير وعامر بن سعد البجلي وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن هلال وغيرهم، وروى هو عن النبي ﷺ في مواضع، وروى عن معاوية في سِنِّ النبي ﷺ وقال جرير: ما رآني النبي ﷺ إلا تبسم، ولا حجبني منذ أسلمت، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والزكاة وسن النبي ﷺ في أربعة أبواب تقريبًا، وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون. (قال) جرير (بايعت رسول الله ﷺ وعاهدته (على إقام الصلاة) المكتوبة وأدائها في أوقاتها المحددة (و) على (إيتاء الزكاة) المفروضة وصرفها إلى مصارفها الثمانية (و) على (النصح) وإرادة الخير (لكل مسلم) ومسلمة، والمبايعة مع الرسول ﷺ لا تكون إلا على أمور الدين، فكانت المبايعة من شعب الإيمان، فدل الحديث على صدر الترجمة بمنطوقه، وعلى عجزها بمفهومه، قال القرطبي: كانت مبايعة رسول الله ﷺ لأصحابه مرات متعددة في أوقات مختلفة بحسب ما كان يُحتاج إليه من تجديد عهد أو توكيد أمر فلذلك اختلفت ألفاظها، فذكر في هذه الرواية أنها كانت على الثلاث، ولم يذكر الصوم وغيره من الشرائع لدخوله في مسمى الطاعة اهـ.
وفي الرواية الآتية لجرير "على السمع والطاعة فَلقَّنِّي فيما استطعت والنصح لكل مسلم" ومثلها في حديث ابن عمر في صحيح البخاري، وفي حديث سلمة "أنهم بايعوه يوم الحديبية على الموت" وفي حديث عُبادة "بايعنا النبي ﷺ بيعة
стр. 1014
١٠٩ - (٠٠) حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زِيادِ بْنِ عِلَاقَةَ، سَمِعَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ
ــ
الحرب على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول -أو نقوم- بالحق" وهذه قصص بحسب اختلاف الأحوال، فأما حديث عبادة "في المنشط والمكره" فهي كانت بيعة الأنصار في العقبة الثانية على بذل الأنفس والأموال دونه، وكذلك بيعة الشجرة، وأما ذكر جرير الصلاة والزكاة من بين سائر دعائم الإسلام فلكونهما قرينتين، وأهم أمور الإسلام وأظهرها، ولم يذكر الصوم وغيره من الشرائع لأنه داخل في السمع والطاعة اهـ، ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث جرير فقال:
(١٠٩) - متا (٠٠) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين (و) حدثنا أيضًا (زهير بن حرب) بن شداد الحرشي مولاهم أبو خيثمة النسائي، ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين (و) حدثنا أيضًا محمد بن عبد الله (بن نمير) أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة مأمون حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه، ولم يأتِ بحاء التحويل لاتحاد شيخهم واتحاد صيغة روايتهم عن شيخهم (قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حدثنا سفيان) بن عيينة الهلالي مولاهم، أبو محمد الأعور الكوفي ثم المكي، ثقة إمام حجة من رؤوس الطبقة الثامنة، مات في رجب سنة (١٩٨) ثمان وتسعين ومائة، روى عن زياد بن علاقة، ويروي عنه (ع) وابن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة وعشرين بابًا تقريبًا (عن زياد بن علاقة) بكسر المهملة وبالقاف الثعلبي بالمثلثة أبي مالك الكوفي، ابن أخي قطبة بن مالك، روى عن جرير بن عبد الله وعمرو بن ميمون وعرفجة وعمه قطبة بن مالك والمغيرة بن شعبة وغيرهم، ويروي عنه (ع) والسفيانان والأعمش ومِسْعَر وشعبة وخلق، وثقه ابن معين والنسائي، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة مات سنة (١٣٥) خمس وثلاثين ومائة، وقد جاوز المائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في موضعين والصوم والجهاد واجتهاد النبي ﷺ .
حالة كون زياد (سمع جرير بن عبد الله) بن جابر البجلي الأحمسي الكوفي
стр. 1015
يَقُولُ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى النُّصْحِ لِكُل مُسْلِمٍ.
١١٠ - (٠٠) حَدَّثَنَا سُرَيجُ بْنُ يُونُسَ وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ،
ــ
﵁، وهذا السند من رباعياته، رجاله كلهم كوفيون إلا على رواية زهير بن حرب فإنه نسائي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة زياد بن علاقة لقيس بن أبي حازم في رواية هذا الحديث عن جرير بن عبد الله، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وفيها أيضًا تصريح سماع زياد بن علاقة لجرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه.
حالة كون جرير (يقول: بايعت) وعاهدت (النبي ﷺ على النصح) وإرادة الخير الكل مسلم) ومسلمة وفي هذه الرواية اقتصار على النصح لكل مسلم، قال النواوي: وذكر الحافظ أبو القاسم الطبراني بإسناده ما فيه منقبة ومكرمة لجرير بن عبد الله، وذلك أن جريرًا أمر مولاه أن يشتري له فرسًا، فاشترى له فرسًا بثلاثمائة درهم، وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن، فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من ثلاثمائة درهم، أتبيعه باربعمائة درهم؟ قال: ذلك إليك يا أبا عبد الله، فقال: فرسك خير من ذلك، أتبيعه بخمسمائة درهم؟ ثم لم يزل يزيده مائةً فمائةً وصاحبه يرضى، وجرير يقول: فرسك خير من هذا، إلى أن بلغ ثمانمائة درهم فاشتراه بها، فقيل له في ذلك، فقال: إني بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم، ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث جرير رضي الله تعالى عنه فقال:
(١١٠) - متا (٠٠) (حدثنا سريج) بسين مهملة وجيم آخره مصغرًا (بن يونس) بن إبراهيم بن الحارث المروزي الأصل، أبو الحارث البغدادي، روى عن هشيم وإسماعيل بن جعفر ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر وعبد الله بن رجاء وعبَّاد بن عبَّاد وغيرهم، ويروي عنه (ع) ومحمد بن عبد الرحيم وأحمد بن علي المروزي والبغوي، قال أبو حاتم: صدوق، ووثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة عابد من العاشرة، مات لثمان بقين من ربيع الأول سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين له في (خ) فرد حديث وأكثر عنه (م) وليس في مسلم من اسمه سُريج إلا هذا، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة والحج والجهاد والطلاق والطب والضحايا والفضائل وخلق الأشياء وصفة النار، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أحد عشر بابًا تقريبًا. (و) حدثنا أيضًا (يعقوب) بن إبراهيم بن كثير العبدي (الدورقي)
стр. 1016
قَالًا: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ عَنْ سَيَّارٍ،
ــ
أبو يوسف البغدادي أخو أحمد القيسي مولى عبد القيس، وإنما سموا دوارقة لأنهم كانوا يلبسون القلانس الطوال، قال أبو العباس السراج: ولد يعقوب سنة (١٦٦) ست وستين ومائة، وكان بينه وبين أخيه أحمد سنتان، روى عن هشيم بن بشير وابن علية وابن أبي حازم ويحيى بن أبي كثير ومروان بن معاوية ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأبو زرعة وأبو حاتم والبغوي وابن خزيمة والسراج وجماعة، وثقه الخطيب وقال في التقريب: ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٥٢) اثنتين وخمسين ومائتين، وله ست وتسعون (٩٦) سنة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في ثلاثة مواضع والحج والطلاق والذبائح والفتن في ستة أبواب تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال كل من سريج ويعقوب (حدثنا هشيم) مصغرًا بن بشير بوزن عظيم بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية الواسطي ثم البغدادي، روى عن سيار وخالد الحذاء وحصين وداود بن أبي هند والأعمش وعبد العزيز بن صهيب ومغيرة ومنصور بن زاذان وإسماعيل بن أبي خالد وهشام بن حسان وأبي إسحاق الشيباني وحُميد الطويل وخلق، ويروي عنه (ع) وسُريج بن يونس ويعقوب الدورقي وعمرو الناقد وعبد الله بن مطيع ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل ومنصور بن أبي مزاحم وابن أبي شيبة وزهير بن حرب وخلق، قال يعقوب الدورقي: كان عند هُشيم عشرون ألف حديث، وقال العجلي: ثقة يُدلس، وقال في التقريب: ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة، مات سنة (١٨٣) ثلاث وثمانين ومائة، وقد قارب الثمانين (٨٠) وليس عندهم هُشيم إلا هذا.
روى عنه المؤلف في الإيمان في ثلاثة مواضع وفي الوضوء في موضعين والصلاة في موضعين والجنائز والزكاة والصوم في موضعين والحج في ثلاثة مواضع والإيمان في ثلاثة مواضع والحدود في موضعين والنكاح والطلاق والبيوع في ثلاثة مواضع والقسامة والأدب في موضعين والأطعمة والطب والدعاء والتفسير آخر الكتاب، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثمانية عشر بابًا تقريبًا.
(عن سيار) بتقديم السين على الياء المشددة بن وردان العنزي بفتح النون من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، أبي الحكم الواسطي، روى عن الشعبي ويزيد الفقير وأبي وائل وزر بن حبيش، ويروي عنه (ع) وهشيم وقُرة بن خالد وشعبة، وثقه أحمد
стр. 1017
عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ قَال: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّنَنِي "فِيمَا اسْتَطَعْتَ"
ــ
وابن معين، وقال في التقريب: ثقة من السادسة، مات سنة (١٢٢) اثنتين وعشرين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والنكاح والطلاق والجهاد في خمسة أبواب.
(عن الشعبي) عامر بن شراحيل الحميري الشعبي، شعب همدان، أبي عمرو الكوفي، الإمام العلم، ولد لست سنين خلت من خلافة عمر، روى عن جرير بن عبد الله البجلي وأبي بُردة بن أبي موسى ومسروق والمغيرة بن شعبة وبُريدة وعروة بن المغيرة وعلقمة وابن عباس وعدي بن حاتم والنعمان بن بشير وخلائق، ويروي عنه (ع) وسيار بن وردان ومنصور بن عبد الرحمن وداود بن أبي هند وإسماعيل بن خالد ومنصور بن المعتمر وعِدة من الناس، قال أبو مجلز: ما رأيت فيهم أفقه من الشعبي، وقال في التقريب: ثقة مشهور فقيه فاضل من الثالثة، مات سنة (١٠٣) ثلاث ومائة وله نحو (٨٠) سنة.
روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في موضعين والجنائز والبيوع في ثلاثة مواضع والذبائح في ثلاثة مواضع والصوم والصيد والطلاق والفتن في أربعة مواضع والهبة والتوبة والجهاد في خمسة مواضع والأحكام والفضائل في موضعين والضحايا والتفسير واللباس والدعاء في ثلاثة مواضع، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها تسعة عشر بابًا تقريبًا.
(عن جرير) بن عبد الله البجلي الأحمسي الكوفي الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، وهذا السند من خماسياته، رجاله اثنان منهم بغداديان واثنان كوفيان وواحد واسطي، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة الشعبي لقيس بن أبي حازم وزياد بن علاقة في رواية هذا الحديث عن جرير بن عبد الله، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه.
(قال) جرير (بايعت) وعاهدت (النبي ﷺ على السمع) له فيما يقول ولأئمة المسلمين (و) على (الطاعة) والإجابة له ولأئمة المسلمين فيما يأمر وينهى (فلقَّنني) من التلقين: وهو حكاية القول لمن يقوله، ويقابله الإملاء: وهو حكاية القول لمن يكتبه، وقوله (فيما استطعت) قال القرطبي: رويناه بفتح التاء على مخاطبته صلى الله
стр. 1018
وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، قَال يَعْقُوبُ فِي رِوَايَتِهِ، قَال: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ
ــ
عليه وسلم إياه، وعلى هذا فيكون قوله (فيما استطعت) من قول النبي ﷺ مخاطبًا له به فلا يحتاج جرير إلى التلفظ بهذا القول وعليه فمعنى قوله (فلقنني النبي ﷺ فيما استطعت) أي قال لي النبي ﷺ فقد بايعتك على السمع والطاعة فيما استطعتَ وقدرتَ عليه، ولم يشق عليك، وعلى هذا فالتلقين ليس على معناه الأصلي، ورويناه بضم التاء للمتكلم، وعلى هذا فيكون النبي ﷺ أمره أن ينطق بهذا اللفظ فكأنه قال له: قل فيما استطعتُ، وعليه فيحتاج جرير إلى النطق بذلك امتثالًا للأمر، وعليه فمعنى قوله (فلقنني النبي ﷺ فيما استطعت) أي أمرني أن أقول بايعتك على السمع والطاعة فيما استطعت، وعلى هذا فالتلقين على معناه الأصلي، وهذا التلقين من كمال شفقته ﷺ على أمته، إذ لو لم يقيده بذلك عَئَم في كل الأحوال، وقد يعجز في بعضها، وعلى الوجهين فمقصود هذا القول التنبيه على أن اللازم من الأمور المبايع عليها هو ما يطاق ويستطاع، كما هو المشترط في أصل التكليف، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ ويُشِعر الأمر بقول ذلك اللفظ في حال المبايعة بالعفو عن الهفوة والسقطة، وما وقع عن خطأ، أو تفريط اهـ من المفهم بزيادة والله أعلم.
وقوله (والنصح لكل مسلم) بالجر معطوف على السمع والطاعة، وأما قول الإمام مسلم (قال) شيخي (يعقوب في روايته) لي هذا الحديث (قال) هشيم (حدثنا سيار) ففيه تنبيه على لطيفة وهو أن هشيمًا مُدلس، وقد قال عن سيار، والمُدلس إذا قال عن لا يحتج بحديثه إلا إذا ثبت سماعه من جهة أخرى، فروى مسلم رحمه الله تعالى حديثه هذا عن شيخين وهما سريج ويعقوب، فأما سريج فقال في روايته (حدثنا هشيم عن سيار) بالعنعنة، وأما يعقوب فقال في روايته (حدثنا هشيم قال حدثنا سيار) فبين مسلم رحمه الله تعالى اختلاف عبارة الراويين في نقلهما عبارة هشيم، وحصل منهما اتصال حديثه، ولم يقتصر مسلم رحمه الله تعالى على إحدى الروايتين، وهذا من دقيق إتقانه وتدقيق نظره، وحسن احتياطه رحمه الله تعالى والله أعلم بالصواب.
وهذا الحديث أعني حديث جرير شارك المؤلف في روايته أحمد (٤/ ٣٥٨، ٣٦١، ٣٦٤، ٣٦٥) والبخاري (٥٧) وأبو داود (٤٩٤٥) والنسائي (٧/ ١٥٣).
***
стр. 1019
٣١ - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَان بِارْتْكَابِ الْمَعَاصِي، وَنَفْيِهِ عَنْ مُرْتَكِبِهَا حَال تَلَبُّسِهِ بِهَا عَلَى مَعْنَي نَفْيِ كَمَالِهِ
ــ
٣١ - بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَان بِارْتْكَابِ الْمَعَاصِي، وَنَفْيِهِ عَنْ مُرْتَكِبِهَا حَال تَلَبُّسِهِ بِهَا عَلَى مَعْنَي نَفْيِ كَمَالِهِ
أي هذا باب معقود في ذكر أن الإيمان ينقص بفعل المعاصي كما أنه يزيد بفعل الطاعات، وأن كمال الإيمان ينتفي عنه حال تلبسه بها بمعنى أن إيمانه ناقص غير كامل، وترجم القاضي والنواوي وأكثر المتون للأحاديث الآتية بترجمة قريبة من ترجمتنا وهي قولهم (باب نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله).
وترجم لها الأبي بقوله (باب أحاديث قوله ﷺ لا يزني الزاني وهو مؤمن) وترجم لها السنوسي بقوله (باب لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن إلى آخره) وترجم لها القرطبي بقوله (باب لا يزني الزاني حين يزني وهو كامل الإيمان) وهذه التراجم كلها وكذا ترجمتنا ألفاظها متقاربة ومعانيها متحدة والله أعلم.
قال القرطبي: هذه الترجمة مُشعرة بأن هذه الأحاديث المذكورة تحتها ليست على ظواهرها بل متأولة، وهي تحتمل وجوهأ من التأويلات: أحدها ما ذُكِر في الترجمة وستأتي بقيتها إن شاء الله تعالى قريبًا، قال (م) واحتج الخوارج بحديث الباب على التكفير بالذنوب، والمعتزلة على أن الفاسق لا يسمى مؤمنًا، قال (ع) ونرد على الجميع بحديث أبي ذر ﵁ الآتي: "وإن زنى وإن سرق" لأنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وحديث الباب عندنا مؤول فيُحمل على أنه لنفي الكمال أي لا يزني وهو كامل الإيمان، من باب نفي الشيء بنفي صفته نحو قولهم (لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا الإبل) أو يحمل على المُستحل للمعاصي المذكورة، وقيل معناه وهو آمنٌ من عقوبة الله تعالى، وتأوله الحسن والطبري على أنه لنفي اسم المدح، أي وهو يقال له مؤمن بل يقال له زانٍ أو شاربٌ أو سارقٌ، وتأوله المهلب على أنه لنفي البصيرة أي وهو ذو بصيرة، وحمله ابن عباس على أنه لنفي النور، أي وهو ذو نور، وذكر في ذلك حديثًا: أنه ﷺ قال: "من زنى نزع الله نور الإيمان من قلبه فإن شاء رده إليه" أخرجه الطبري من طريق مجاهد عن ابن عباس، وقيل إنه نهيٌ لا خبر وهو بعيد
стр. 1020
١١١ - (٥٦) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ
ــ
لا يساعده اللفظ ولا الرواية، وقال ابن شهاب إنه من المتشابه فيُترك تأويله إلى الله تعالى، وقال أجروا هذه الأحاديث كما أجراها من كان قبلكم، فإن أصحاب رسول الله ﷺ أجروها ورأوها من المشكل، وذكر الطبري عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه أنكر هذا الحديث وغلَّط الرواة قال: وإنما قال النبي ﷺ لا يزني المؤمن ولا يسرق، قال (د) وأحسن هذه التأويلات فيه الأول، قال (ط) بل حملها على المستحل أولى، قال الأبي: وهذا بعيد لأنه لا يبقى لذكر الزنا فائدة لأنه شأن كل ذنب يُستحل، وما ذكر عن ابن زيد لا يدفع الحاجة إلى التأويل بل يتأكد بأن الزنا واقع، وخبره ﷺ واجب الصدق إلا أن يكون لا يزني المؤمن نهيًا لا خبرًا ويحتمل أن يكون المعنى: وهو مستحضر الإيمان، ويؤيده قول الفخر: لا يزني الزاني وهو عاقل، لأن المعصية مع استحضار العقوبة مرجوحة، والحكم بالمرجوح بخلاف المعقول، وتأوله بعضهم بأن المراد بالإيمان فيه الحياء، أي وهو مستحي من الله تعالى، والحياء شعبة من الإيمان كما تقدم، وحمله غيره على التشديد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ﴾.
(١١١) - (٥٦) (حدثني حرملة بن يحيى بن عبد الله بن عمران التجيبي) بضم المثناة وكسر الجيم بعدها ياء ساكنة ثم موحدة، أبو حفص المصري، صاحب الشافعي وتلميذه، روى عن ابن وهب نحو مائة ألف حديث ومؤمل بن إسماعيل، ويروي عنه (م س ق) وحفيده أحمد بن طاهر وابن قتيبة العسقلاني والحسن بن سفيان، وقال في التقريب: صدوق من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٤) ثلاث أو أربع وأربعين ومائتين، روى عن ابن وهب في الإيمان وفي مواضع كثيرة.
(أنبأنا) أي أخبرنا عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه، أحد الأئمة، قال ابن معين: ثقة، وقال أحمد بن صالح: حدث بمائة ألف حديث، وقال في التقريب: ثقة حافظ عابد من التاسعة، مات سنة (١٩٧) سبع وتسعين ومائة، وله (٧٢) اثنتان وسبعون سنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (قال) ابن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد بن أبي النجاد