Полный текст (11 982 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.
стр. 9556
٥٧٨٥ - (٢٢٣٩) (٢٩٤) حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيدِيِّ. أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَوْ أَبَا هُرَيرَةَ كَانَ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، (وَاللَّفْظُ لَهُ) , أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛
ــ
٥٧٨٥ - (٢٢٣٩) (٢٩٤) (حدثنا حاجب بن الوليد) بن ميمون الشامي نزيل بغداد، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٣) أبواب تقريبًا (حدثنا محمد بن حرب) الخولاني الأبرش الحمصي كاتب محمد بن الوليد الزبيدي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٥) أبواب (عن) محمد بن الوليد بن عامر (الزبيدي) بالزاي والموحدة مصغرًا أبي الهذيل الحمصي القاضي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٨) أبواب، قال الزبيدي (أخبرني) محمد بن مسلم (الزهري) المدني (عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني الأعمى أحد الفقهاء السبعة في المدينة، ثقة، من (٣) روى عنه في (٨) أبواب (أن ابن عباس أو) قال عبيد الله أن (أبا هريرة) ﵃ والشك من الزهري فيما قاله عبيد الله، كذا وقع الشك في رواية الزبيدي وكذلك روي عن معمر أنه كان يقول أحيانًا عن أبي هريرة وأحيانًا يقول عن ابن عباس لكن انتهت روايته في الأخير إلى ابن عباس وكان يجزم بها وجزم أكثر أصحاب الزهري بكونه من مرويات ابن عباس وصنيع البخاري يقتضي ترجيح رواية من جزم بكونه من مسندات ابن عباس لأنه ذكر هذا الحديث في الأيمان والنذور تعليقًا فقال: وقال ابن عباس قال النبي ﷺ لأبي بكر فجزم بأن الراوي ابن عباس راجع فتح الباري [١٢/ ٤٣٣] وليس هذا من الاضطراب الذي يقدح في صحة الحديث لأن أكثر المحققين رجحوا كونه مرويًّا عن ابن عباس وبعد الترجيح لا يبقى اضطراب ولأن جهالة الصحابي لا يضر في قبول الحديث لكون الصحابة كلهم عدولًا والله أعلم (كان) أحد الصحابيين (يحدث أن رجلًا) من المسلمين لم أر من ذكر اسمه (أتى رسول الله ﷺ وهذا السند من سداسياته (ح وحدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله (التجيبي) المصري (واللفظ) الآتي (له) أي لحرملة، وأما حاجب بن الوليد فروى معناه (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم الفهمي المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي الأموي (عن ابن شهاب) الزهري
стр. 9557
أَنَّ عُبَيدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي أَرَى اللَّيلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ. فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيدِيهِمْ. فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ. وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ, ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَعَلا, ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلا. ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ بِهِ
ــ
(أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) الهذلي المدني (أخبره) أي أخبر للزهري (أن ابن عباس) ﵄ ولم يذكر الشك هنا كما ذكر في السند الأول كان يحدث) عبيد الله (أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ وهذا السند أيضًا من سداسياته (فقال) الرجل (يا رسول الله إني أرى الليلة) أي رأيت في الليلة البارحة (في المنام ظلة) بضم الظاء المشالة أي سحابة تظلل من تحتها وكل ما أظل ما تحته من سقيفة ونحوها يسمى ظلة قاله الخطابي، وزاد ابن ماجه من طريق ابن عيينة (بين السماء والأرض) (تنطف) بكسر الطاء ويجوز ضمها أيضًا يقال نطف الماء إذا سال، والنطفة القطرة من الماء ومعناه أي تقطر (السمن والعسل) قليلًا قليلًا (فأرى الناس) أي فرأيت الناس (يتكففون) أي يأخذون (منها) أي من تلك الظلة (بأيديهم) أي بأكفهم من القطرات التي تقطرها، قال الخليل: يقال تكفف إذا بسط كفه ليأخذ، وفي رواية الترمذي "يستقون" قال القرطبي: ويحتمل أن يكون معناه "يأخذون من ذاك كفايتهم" وهذا أليق بقوله "فالمستكثر من ذلك والمستقل" وتعقبه الحافظ في الفتح [١٢/ ٤٣٤] (فـ) من الناس (المستكثر) أي الآخذ من من ذلك كثيرًا (و) منهم (المستقل) أي الآخذ منه قليلًا وفي رواية لأحمد "فمن بين مستكثر ومستقل" (وأرى) أي ورأيت في تلك المنام (سببًا) أي حبلًا (واصلًا) أي ممدودًا فالواصل بمعنى الموصول (من السماء إلى الأرض فأراك) أي فرأيتك يا رسول الله (أخدت به) أي أمسكت بذلك السبب وتعلقت به (فعلوت) أي فصعدت وارتفعت إلى علوه (ثم أخذ) وتمسك (به) أي بذلك الحبل (رجل) من المسلمين (من بعدك فعلا) أي فصعد به ذلك الرجل وهو أبو بكر الصديق ﵁ (ثم أخذ) واستمسك (به) أي بذلك الحبل (رجل آخر فعلا) أي صعد به إلى السماء وهو عمر بن الخطاب ﵁ (ثم أخذ به رجل آخر) أي ثالث لهما فعلا به (فانقطع به)
стр. 9558
ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلا.
قَال أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ, بِأَبِي أَنْتَ. وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَلأَعْبُرَنَّهَا. قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اعْبُرْهَا" قَال أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الإِسْلامِ. وَأَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَالْقُرْآنُ حَلاوَتُهُ وَلِينُهُ, وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ. وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيهِ. تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ بِهِ. ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ. ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ
ــ
الحبل وهو عثمان بن عفان ﵁ (ثم وصل) الحبل المنقطع أي شد بعضه إلى بعض (له) أي لرجل آخر غير الثالث (فعلا) به ذلك الآخر وهو علي بن أبي طالب ﵁، وفي تنبيه المعلم قوله (ثم أخذ به رجل من بعدك) هو الصديق والآخر بعده هو عمر والثالث هو عثمان والرابع علي ﵃ اهـ (قال أبو بكر) الصديق ﵁ (يا رسول الله بأبي) وأمي كما في بعض الرواية (أنت) مفديٌّ من كل مكروه (والله لتدعني) أي أقسمت لك بالله لتتركني واللام موطئة للقسم واقعة في جوابه (فلأعبرنها) بضم الباء من باب نصر، والفاء فيه عاطفة على ما قبلها ولا يصح ما قاله القرطبي هنا من أن الفاء زائدة واللام فيه لام كي إلا على رواية (فلأعبرها) بلا نون توكيد، وفيه من الفقه جواز الحلف على الغير وإبرار الحالف فإنه ﷺ أجاب طلبته وأبر قسمه حيث (قال) له (رسول الله ﷺ اعبرها) أي فسرها فـ (قال أبو بكر) في تفسيرها (أما الظلة) التي تنطف السمن والعسل (فـ) هي (ظلة الإسلام) وأحكامه النازلة من السماء (وأما الذي ينطف) ويمطر (من السمن والعسل فالقرآن حلاوته) من حيث المعنى فهو بدل من القرآن (ولينه) من حيث اللفظ أي سهولته (وأما ما يتكفف الناس) ويأخذون (من ذلك) الذي ينطف (فـ) هو ما يأخذه (المستكثر من القرآن والمستقل) منه (وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فـ) هو (الحق الذي أنت عليه تأخذ به) أي بذلك الحق (فيعليك الله) تعالى (به) أي بذلك الحق الذي أخذته (ثم يأخذ به) أي بذلك الحق (رجل من بعدك فيعلو) الحق ويعز (به) أي بذلك الرجل وهو أبو بكر (ثم يأخذ به) أي بذلك الحق (رجل آخر) غير الأول (فيعلو) الحق (به) أي بذلك
стр. 9559
ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ. فَأَخْبِرْنِي, يَا رَسُولَ اللهِ, بِأَبِي أَنْتَ, أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا" قَال: فَوَاللَّهِ, يَا رَسُولَ اللهِ, لَتُحَدِّثَنِّي مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ؟ قَال: "لَا تُقْسِمْ"
ــ
الرجل الثاني وهو عمر (ثم يأخذ به) أي بذلك الحق (رجل آخر) ثالث لهما وهو عثمان (فينقطع) ذلك الحق (به) أي بذلك الرجل الثالث أي يضعف الحق في يده لوقوع القتل عليه (ثم يوصل) ذلك الحق الذي انقطع في يد ثالث وضعف (له) أي رجل آخر رابع لهم (فيعلو) الحق ويعز (به) أي بذلك الرابع وهو علي ﵁، ثم قال أبو بكر (فأخبرني يا رسول الله بأبي) وأمي (أنت) مفدي من المكاره والمساوئ (أصبت) بتقدير همزة التعيين أي هل وافقت الصواب في تعبيري هذه الرؤيا (أم أخطات) أي أخطات عن الصواب أي عين لي موافقتي أو خطئي فـ (قال) له (رسول الله ﷺ أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا) أي وافقت الصواب في تفسير بعض الرؤيا وأخطات في ترك تفسير بعضها فإن الرائي قال (رأيت ظلة تنطف السمن والعسل) ففسر الصديق ﵁ كلًّا من السمن والعسل بالقرآن حلاوته ولينه وهذا إنما هو تفسير العسل وترك تفسير السمن وتفسيره السنة فكان حقه أن يقول القرآن والسنة وإلى هذا أشار الطحاوي اهـ نووي. ثم (قال) الصديق (فوالله) أي فأقسمت لك بالله (يا رسول الله) إلا (لتحدثني ما الذي أخطات فيه) وما الذي أصبت فيه (قال) له رسول الله ﷺ (لا تقسم) قال السنوسي: قال بعضهم: أمر النبي ﷺ بإبرار القسم في الحديث الذي أخرجه مسلم فيما مر برقم [٢٠٦٩]، ولم يبر قسم أبي بكر لأن المعنى هنا لا تعد للقسم وما ذلك إلا لما رأى من المصلحة في ترك ذلك والإبرار إذا منع منه مانع خرج من الحض عليه اهـ وقال القرطبي: ففيه دلالة على أن أمر النبي ﷺ بإبرار المقسم ليس بواجب وإنما هو مندوب إليه إذا لم يعارضه ما هو أولى منه اهـ. قال النووي: وفي هذا الحديث جواز عبر الرؤيا وأن عابرها قد يصيب وقد يخطئ وأن الرؤيا ليست لأول عابر على الإطلاق وإنما ذلك إذا أصاب وجهها اهـ وقال القرطبي: وإنما لم يبين النبي ﷺ ذلك الخطأ لأبي بكر لأن بيانه ليس من الأحكام التي أمر بتبليغها ولا أرهقت إليه حاجة ولعله لو عين ما أخطأ فيه لأفضى
стр. 9560
٥٧٨٦ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَال: جَاءَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ مُنْصَرَفَهُ مِنْ أُحُدٍ. فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي رَأَيتُ هَذِهِ اللَّيلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ , بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ
ــ
ذلك إلى الكلام في الخلافة ومن تتم له ومن لا تتم له فتنفر لذلك نفوس وتتألم قلوب وتطرأ منه مفاسد، فسدّ النبي ﷺ ذلك الباب والله أعلم بالصواب اهـ مفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في التعبير باب من لم ير الرؤيا لأول عابر [٧٠٤٦] وباب رؤيا الليل [٧٠٠٠]، وأبو داود في السنة باب في الخلفاء [٤٦٣٢] و ٥٦٣٣]، والترمذي في الرؤيا [٢٢٩٣]، وابن ماجه في الرؤيا باب تعبير الرؤيا [٣٩٦٤ و ٣٩٦٥].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٥٧٨٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) المكي (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس) ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة سفيان ليونس (قال) ابن عباس ﵄ (جاء رجل النبي ﷺ منصرفه) ﷺ (من) غزوة (أحد) أي وقت رجوعه من غزوة أحد (فقال) الرجل (يا رسول الله إني رأيت هذه الليلة) البارحة (في المنام ظلة تنطف السمن والعسل) فساق سفيان (بمعنى حديث يونس).
قوله (منصرفه من أحد) بفتح الفاء على أنه ظرف أو منصوب بنزع الخافض والتقدير وقت انصرافه ورجوعه من أحد وهذا مما يدل على أن الحديث من مراسيل الصحابة سواء كان مرويًّا عن ابن عباس أو عن أبي هريرة لأن كلا منهما لم يكن في ذلك الوقت بالمدينة، أما ابن عباس فكان صغيرًا مع أبويه بمكة، وأما أبو هريرة فإنما قدم المدينة زمن خيبر سنة سبع من الهجرة والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في هذا الحديث فقال:
стр. 9561
٥٧٨٧ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ أَحْيَانًا يَقُولُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَحْيَانًا يَقُولُ: عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَال: إِنِّي أَرَى اللَّيلَةَ ظُلَّةً , بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ.
٥٧٨٨ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ، وَهُوَ ابْنُ كَثِيرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : كَانَ مِمَّا يَقُولُ لأَصْحَابِهِ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا
ــ
٥٧٨٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود (عن ابن عباس أو) عن (أبي هريرة) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة معمر ليونس (قال عبد الرزاق كان معمر أحيانًا يقول عن ابن عباس وأحيانًا يقول عن أبي هريرة أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال إني أرى الليلة ظلة) أي رأيت الليلة البارحة، وساق معمر (بمعنى حديثهم) أي بمعنى حديث الزبيدي ويونس وسفيان.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا فقال:
٥٧٨٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن مهران (الدارمي) السمرقندي، ثقة، من (١١) روى عنه في (١٤) بابا (حدثنا محمد بن كثير) العبدي أبو عبد الله البصري أخو سليمان بن كثير، روى عن أخيه سليمان بن كثير في الرؤيا وسفيان وشعبة والثوري، ويروي عنه (ع) وعبد الله الدارمي والذهلي والبلخي والبحراني وأبو حاتم وعلي بن المديني، قال ابن معين: لم يكن ثقة، وقال أحمد: ثقة، وقال ابن حبان: كان ثقة فاضلًا، له في (م) فرد حديث في الرؤيا، وقال في التقريب: ثقة، من كبار العاشرة، مات سنة (٢٢٣) ثلاث وعشرين ومائتين عن مائة (١٠٠) سنة (حدثنا) أخي (سليمان وهو ابن كثير) العبدي أبو محمد العبدي، قال في التقريب: لا بأس به، من (٧) روى عنه في (٢) بابين (عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان مما يقول لأصحابه من رأى منكم رؤيا
стр. 9562
فَلْيَقُصَّهَا أَعْبُرْهَا لَهُ" قَال: فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ, رَأَيتُ ظُلَّةً. بِنَحْو حَدِيثِهِمْ.
٥٧٨٩ - (٢٢٤٠) (٢٩٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رَأَيتُ ذَاتَ لَيلَةٍ, فِيمَا يَرَى النَّائِمُ, كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ, فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ
ــ
فليقصها) أي فليخبرها علي (أعبرها) أنا (له) أي أفسر تلك الرؤيا لذلك الرائي. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة سليمان بن كثير لمن روى عن الزهري (قال) ابن عباس (فجاء رجل) رسول الله ﷺ (فقال يا رسول الله رأيت ظلة) الحديث، وساق سليمان بن كثير (بنحو حديثهم) أي بنحو حديث الزبيدي ويونس وسفيان ومعمر.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة بحديث أنس بن مالك ﵁ فقال:
٥٧٨٩ - (٢٢٤٠) (٢٩٥) (حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) الحارثي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (عن ثابت) بن أسلم (البناني) البصري، ثقة، من (٤) روى عنه في (١٣) بابا (عن أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته (قال) أنس (قال رسول الله ﷺ رأيت ذات ليلة) أي ليلة من الليالي، ولفظ (ذات) مقحم أو مضاف إلى ما بعده من إضافة الشيء إلى نفسه (فيما يرى) أي في الرؤيا التي يراها (النائم) لا في اليقظة (كأنا) معاشر المسلمين مجتمعون (في دار عقبة بن رافع) وهو من أنصار الصحابة، وله حديث أخرجه أبو يعلى بسند فيه ابن لهيعة عن محمود بن لبيد عن عقبة بن رافع رفعه "إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا .. الخ" رواه غير ابن لهيعة فسمى الصحابي قتادة بن النعمان ﵁ والله أعلم اهـ من الإصابة [٢/ ٤٨٢] (فأتينا) بضم الهمزة وكسر التاء على صيغة المبني للمجهول أي أتانا آت (برطب من رطب ابن طاب) قال النووي: هو نوع معروف من الرطب يقال له رطب ابن طاب وتمر ابن طاب
стр. 9563
فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا وَالْعَاقِبَةَ فِي الآخِرَةِ, وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ"
ــ
وعذق ابن طاب وعرجون ابن طاب وهي مضاف إلى ابن طاب رجل من أهل المدينة، ثم قال النبي ﷺ (فأولت الرفعة) أي ففسرت تلك الرؤيا بحصول الرفعة والعزة (لنا في الدنيا) وقوله (والعاقبة) بالنصب معطوف على الرفعة أي وأولتها بحسن العاقبة والخاتمة لنا (في الآخرة) بالفوز بجنات النعيم، قال القرطبي: أخذ رسول الله ﷺ من لفظ عقبة العاقبة ومن رافع الرفعة (و) أولتها أيضًا بـ (أن ديننا قد طاب) أي كمل واستقرت أحكامه وتمهدت قواعده، وقال القاضي عياض: وتأول الرطب بالدين لأنه حلوفي القلوب سهل لأن الشريعة سمحة كملت بعد تدريج كما أن الرطب حلو سهل كمل بعد تدريج من الطلع إلى أن صار رطبًا، قال القرطبي: وتأويله ﷺ دليل على أن تأويل الرؤيا وتفسيرها قد يؤخذ من اشتقاق كلماتها فإنه ﷺ أخذ من عقبة حسن العاقبة ومن رافع الرفعة ومن رطب ابن طاب لذاذة الدين وكماله. وقد قال علماء أهل التعبير إن له أربعة طرق أحدها: ما يشتق من الأسماء كما ذكرناه آنفًا، وثانيها ما يعبر بمثاله ويفسر بشكله كدلالة معلم الكتاب على القاضي والسلطان وصاحب السجن ورئيس السفينة وعلى الوصي والوالد، وثالثها ما يفسره المعنى المقصود من ذلك الشيء المرئي كدلالة السفر على السفر وفعل السوق على المعيشة وفعل الدار على الزوجة والجارية، ورابعها التعبير بما تقدم له ذكر في القرآن أو السنة أو الشعر أو كلام العرب وأمثالها وكلام الناس وأمثالهم أو خبر معروف أو كلمة حكمة وذلك كنحو تعبير الخشب بالمنافق لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ وكتعبير الفأر بفاسق لأنه ﷺ سماه فويسقًا وكتعبير القارورة بالمرأة لقوله ﷺ "رفقًا بالقوارير، يعني ضعفة النساء وتتبع أمثلة ما ذكر يطول اهـ من المفهم. وكتعبير رؤية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين مثلًا رضي الله تعالى عنهم أجمعين بما كان في أيامهم وخاص قصصهم كذا في شرح الأبي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في الأدب باب ما جاء في الرؤيا [٥٠٢٥].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث ابن عمر ﵃ فقال:
стр. 9564
٥٧٩٠ - (٢٢٤١) (٢٩٦) وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ. أَخْبَرَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ, فَجَذَبَنِي رَجُلانِ, أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ, فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا. فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ, فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ"
ــ
٥٧٩٠ - (٢٢٤١) (٢٩٦) (وحدثنا نصر بن علي) بن نصر بن صهبان الأزدي أبو عمرو البصري (الجهضمي) ثقة ثبت، من (١٠) روى عنه في (١٦) بابا (أخبرني أبي) علي بن نصر بن علي الأزدي الجهضمي الكبير أبو الحسن البصري، ثقة، من كبار (٩) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا صخر بن جويرية) التميمي مولاهم أبو نافع البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٥) أبواب (عن نافع) مولى ابن عمر (أن عبد الله بن عمر حدثه) أي حدث لنافع وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ قال أراني في المنام) أي أرى نفسي، وقوله (أتسوك) مضارع تسوك من باب تفعل الخماسي أي أرى نفسي في المنام مسوكًا (بسواك فجذبني) أي غمزني ودفعني (رجلان) من قدامي من الجانبين طلبًا للسواك مني (أحدهما أكبر من الآخر فناولت) أي أعطيت (السواك الأصغر منهما) أي من الرجلين دون الأكبر أي مددت وبسطت بيدي إلى الأصغر منهما لإعطاء السواك له (فقيل لي) في ذلك المنام والقائل له هو الملك (كبر) أي قدم الأكبر منهما في الإعطاء (فدفعته) أي دفعت السواك (إلى الأكبر) منهما وأعطيته له امتثالًا لأمر الملك، قال الأبي: فيه أن السنة تقديم الأكبر لأن رؤيا الأنبياء ﵈ حق وقد أمر بذلك في اليقظة اهـ، وقال ابن بطال: فيه تقديم ذي السن في السواك ويلتحق به الطعام والشراب والمشي والكلام، وقال المهلب: هذا ما لم يترتب القوم في الجلوس فإذا ترتبوا فالسنة حينئذ تقديم الأيمن كذا في فتح الباري [١/ ٣٥٧].
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الوضوء باب دفع السواك إلى الأكبر [٢٤٦] وسيذكره المؤلف أيضًا في الزهد باب مناولة الأكبر.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أنس بحديث أبي موسى الأشعري ﵄ فقال:
стр. 9565
٥٧٩١ - (٢٢٤٢) (٢٩٧) حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ, عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيبٍ, مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ , (وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ) , قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ جَدِّهِ, عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "رَأَيتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ. فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ
ــ
٥٧٩١ - (٢٢٤٢) (٢٩٧) (حدثنا أبو عامر عبد الله بن براد) بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى (الأشعري) الكوفي، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٣) أبواب تقريبًا (وأبو كريب محمد بن العلاء) الهمداني الكوفي (وتقاربا في اللفظ قالا حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي الكوفي (عن بريد) بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى أبي بردة الصغير الكوفي، ثقة، من (٦) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبي بردة جده) عامر بن أبي موسى الأشعري، ثقة، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبي موسى) الأشعري عبد الله بن قيس الكوفي الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من خماسياته (عن النبي ﷺ قال رأيت في المنام أني أهاجر) وأنتقل (من مكة إلى أرض بها نخل) وهذا يدل على أن هذه الرؤيا وقعت له وهو بمكة قبل الهجرة وأن الله تعالى أطلعه بها على ما يكون من حاله وحال أصحابه يوم أحد وبأنهم يصاب من صدورهم معه وأن الله تعالى يثبتهم بعد ذلك ويجمع كلمتهم ويقيم أمرهم ويعز دينهم وقد كمل الله تعالى له ذلك بعد بدر الثانية وهي المرادة في هذا الحديث على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى اهـ من المفهم (فذهب وهلي) بفتح الهاء أي وهمي وظني واعتقادي أي مال ظني (إلى أنها) أي إلى أن تلك الأرض (اليمامة) وهي المنطقة المعروفة من نجد أرض الحجاز وهي المسماة الآن بالرياض (أو هجر) بفتحتين وهي مدينة معروفة وهي قاعدة البحرين وهي من مساكن عبد القيس وقد سبقوا غيرهم إلى الإسلام وأفاد ياقوت أن هجر أيضًا بلد باليمن فهذا أولى بالتردد بينهما وبين اليمامة لأن اليمامة بين مكة والمدينة كذا في مناقب فتح الباري [٧/ ٢٢٨] اهـ نووي، قوله (وهلي) والوهل بفتح الهاء ما يقع في خاطر الإنسان ويهم به وقد يكون في موضع آخر بمعنى الغلط وليس مرادًا هنا بوجه لأنه لم يجزم بأنها واحدة منهما وإنما جوز ذلك إذ ليس في المنام ما يدل على التعيين وإنما أُرِيَ أرضًا ذات نخل فخطر له ذانك الموضعان لكونهما من أكثر البلاد
стр. 9566
فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ. وَرَأَيتُ فِي رُؤْيَاى هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيفًا. فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ. فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ
ــ
نخلًا ثم إنه لما هاجر إلى المدينة تعينت له تلك الأرض فأخبر عنها بعد هجرته إليها بقوله (فإذا هي) أي تلك الأرض التي رأيتها في المنام (المدينة) المنورة (يثرب) بدل من المدينة أو عطف بيان لها أو صفة لها أي المسماة في الجاهلية بيثرب فسماها الله تعالى المدينة وسماها رسول الله ﷺ طيبة وطابة لطيب قريحة أهلها وضمائرهم والله أعلم، وإذا فجائية دخلت على الجملة الاسمية والتقدير فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر ففاجأني كون تلك الأرض المدينة يثرب، ففيه ما يدل على أن الرؤيا قد تقع موافقة لظاهرها من غير تأويل وأن الرؤيا قبل وقوعها لا يقطع الإنسان بتأويلها وإنما هي ظن وحدس إلا فيما كان منها وحيًا للأنبياء كما وقع لإبراهيم ﵊ في قوله لابنه ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ فإن ذلك لا يكون إلا عن يقين يحصل لهم قطعًا خلافًا لمن قال من أهل البدع إن ذلك كان منه ظنًّا وحسبانًا وهو قول باطل لأنه لم يكن ليقدم على معصوم قطعًا محبوب شرعًا وطبعًا بمنام لا أصل له ولا تحقيق فيه اهـ من المفهم، ولكن ما رآه ﷺ في المنام هو أنه سيهاجر إلى أرض بها نخل وكان هذا القدر قطعيًّا لكونه وحيًا وقد وقع ما أخبر به، أما تعيين تلك الأرض فلم يوح إليه في ذلك حينئذ شيء فأولها على طريق الظن والاجتهاد باليمامة أو بهجر فتبين بعد ذلك أنها غيرهما.
قوله (يثرب) وهي اسم قديم للمدينة وقد ورد في الحديث النهي عن تسميتها بيثرب لكراهة لفظ التثريب ولأنه من تسمية الجاهلية فقيل يحتمل أن تسميته ﷺ في حديث الباب بيثرب كان قبل النهي عنه، وقيل لبيان الجواز وإن النهي للتنزيه لا للتحريم وقيل خوطب به من يعرفها به ولهذا جمع بينه وبين اسمه الشرعي فقال المدينة يثرب اهـ من النووي.
(ورأيت في رؤياى هذه) التي رأيت فيها الهجرة (أني هززت) أي حركت وسللت (سيفًا) أي سيفي ذا الفقار كما في طبقات ابن سعد مرسلًا عن عروة أني حركت وأردت إخراجه من غلافه (فانقطع صدره) أي ظبته ورأسه وطرفه الفوقاني في الغلاف (فإذا هو) أي انقطاع صدر السيف أي تأويله (ما أصيب من المؤمنين) بالقتل والجراح (يوم أحد ثم
стр. 9567
هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ. فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ. وَرَأَيتُ فِيهَا أَيضًا بَقَرًا, وَاللَّهُ خَيرٌ. فَإِذَا هُمُ النَّفَرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. وَإِذَا الْخَيرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيرِ بَعْدُ, وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدُ, يَوْمَ بَدْرٍ"
ــ
هززته) مرة (أخرى) أي حركته وأخرجته (فعاد) السيف أي صار (أحسن ما كان) عليه أولًا بلا انقطاع ولا ثلم (فإذا هو) أي عوده أحسن ما كان عليه تأويله (ما جاء) نا (الله به من الفتح) للبلاد (واجتماع المؤمنين) على الحق (ورأيت فيها) أي في تلك الرؤيا (أيضًا) أي كما رأيت هز السيف (بقرًا) تنحر كما في رواية أبي الأسود عن عروة (بقرًا تذبح) (فإذا) هي أي تلك البقرة المذبوحة تأويلها (هم النفر) أي الجماعة المقتولون (من المؤمنين يوم أحد). قوله (والله خير) مبتدأ وخبر أي ثواب الله خير للنفر المقتولين بالشهادة من بقائهم في الدنيا ولمن أصيب بهم بأجر المصيبة، وقيل المعنى صنع الله خير وهو قتلهم يوم أحد، وفي أكثر النسخ تقديم هذه الجملة على موضعها والحق ما ذكرناه من تأخيرها عما قبلها. قوله (والله خير) قال الأبي نقلًا عن القاضي عياض: هذه الجملة من بعض الرؤيا وأنها كلمة ألقيت إليه في ذلك المنام وسمعها في رؤياه بدليل قوله (وإذا الخير ما جاء الله به .. إلخ) وظاهره أنه رؤيا واحدة غير منفصلة ولعل هذه الكلمة إنما ألقيت إليه ﷺ عندما رأى بقرًا تنحر لأن تأويل نحر البقر هو ما يصاب به المسلمون يوم أحد من الشهادة فأعقب الله تعالى رؤية البقر في ذلك المنام بكلمة فيها تسلية لخواطر المسلمين، وقد ورد في رواية لأبي إسحاق (وإني رأيت والله خيرًا رأيت بقرًا) فإن صحت هذه الرواية فهي أوضح وقد رجحها الحافظ في الفتح والله أعلم.
والمعنى ورأيت فيها أي في تلك الرؤيا أي رأيت فيها بعيني بقرًا تذبح وسمعت بأذني في تلك الرؤيا لفظة "والله خير" (فإذا هم) ذكر الضمير باعتبار الخير أي فإذا البقر التي رأيتها في المنام هم النفر والجماعة الذين قتلوا من المؤمنين يوم أحد (وإذا الخير) الذي رأيته في ذلك المنام هو (ما جاء الله به من الخير) وأعطاه إياه (بعد) بالضم لقطعه عن الإضافة أي بعد يوم أحد (وثواب الصدق) بالرفع معطوف على ما الموصولة الواقعة خبرًا للخير عطف تفسير، والتقدير وإذا الخير الذي رأيته في المنام هو ما جاء الله به من الخير بعد يوم أحد وثواب صدق المؤمنين (الذي) صفة للثواب أي الذي (آتانا الله بعد يوم بدر) الثانية، وبالجر معطوف على قوله من الخير أي ومن ثواب الصدق يعني بذلك
стр. 9568
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخير والله أعلم ما صنع الله لهم بعد أحد وذلك أنهم لم يجبنوا عن الجهاد ولا ضعفوا ولا استكانوا لما أصابهم يوم أحد لكن جددوا نياتهم وقووا إيمانهم وعزماتهم واجتمعت على ذلك جماعاتهم وصحت في ذلك رغباتهم فخرجوا على ما بهم من الضعف والجراح فغزوا غزوة حمراء الأسد مستظهرين على عدوهم بالقوة والجلد ثم فتح الله تعالى عليهم ونصرهم في غزوة بني النضير ثم في غزوة ذات الرقاع ثم لم يزل الله تعالى يجمع المؤمنين ويكثرهم ويفتح عليهم إلى بدر الثانية وكانت في شعبان من السنة الرابعة من الهجرة وبعد تسعة أشهر ونصف شهر من أحد فما فتح الله عليهم به في هذه المدة هو المراد هنا اهـ من المفهم.
ولا يصح حمل (بدر) في هذا الحديث على غزوة بدر الأولى الكبرى لتقدم بدر الكبرى على أحد بزمان طويل لأنه ﷺ خرج إلى بدر الأولى في شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة وكانت أحد في السنة الثالثة في النصف من شوالها ولذلك قال علماؤنا إن يوم بدر في هذا الحديث هو يوم بدر الثاني وكان من أمرها أن قريشًا لما أصابت في أحد من أصحاب النبي ﷺ ما أصابت وأخذوا في الرجوع نادى أبو سفيان يسمع النبي ﷺ فقال: موعدكم يوم بدر في العام المقبل فأمر النبي ﷺ بعض أصحابه أن يجيبه بنعم، فلما كان العام المقبل وهي السنة الرابعة من الهجرة خرج في شعبانها إلى بدر الثانية فوصل إلى بدر وأقام هناك ينتظر أبا سفيان وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى بلغ عسفان ثم إنهم غلبهم الخوف فرجعوا واعتذروا بأن العام عام جدب وكان عذرًا محتاجًا إلى عذر فأخزى الله المشركين ونصر المؤمنين، ثم إن النبي ﷺ لم يزل منصورًا وبما يفتح الله عليه مسرورًا إلى أن أظهر الله تعالى دينه على الأديان وأخمد كلمة الكفر والطغيان اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع كثيرة منها في التعبير باب تعبير الرؤيا [٧٠٣٣]، وابن ماجه في تعبير الرؤيا [٣٩٦٨].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أنس بحديث ابن عباس ﵃ فقال:
стр. 9569
٥٧٩٢ - (٢٢٤٣) (٢٩٨) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَينٍ. حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَال: قَدِمَ مُسَيلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ , الْمَدِينَةَ. فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ
ــ
٥٧٩٢ - (٢٢٤٣) (٢٩٨) (حدثني محمد بن سهل) بن عسكر (التميمي) مولاهم البغدادي الجوال، ثقة، من (١١) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع القضاعي الحمصي مشهور بكنيته، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٥) أبواب (أخبرنا شعيب) بن أبي حمزة دينار الأموي مولاهم أبو بشر الحمصي، ثقة، من (٧) (عن عبد الله) بن عبد الرحمن (بن أبي حسين) بن الحارث بن عامر بن نوفل المكي النوفلي، ثقة، من (٥) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا نافع بن جبير) بن مطعم النوفلي أبو محمد المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٠) أبواب (عن ابن عباس) ﵄. وهذا السند من سداسياته (قال) ابن عباس (قدم مسيلمة) بضم الميم وكسر اللام مصغرًا (الكذاب) أي البالغ في الكذب نهايته لأنه يدعي النبوة (على عهد رسول الله ﷺ المدينة فجعل يقول إن جعل لي محمد الأمر) أي أمر الخلافة (من بعده) أي من بعد محمد (تبعته) وآمنت به هذا هو مسيلمة بن ثمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن عثمان بن الحارث بن ذهل بن الدول بن حنيفة، قال ابن إسحاق: وكان من شأنه أنه تنبأ على عهد رسول الله ﷺ سنة عشر وكان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ويزعم أنه شريك معه في نبوته، وقال سعيد بن المسيب: كان قد تسمى بالرحمن قبل أن يولد عبد الله بن عبد المطلب أبوالنبي ﷺ وأنه قتل وهو ابن خمسين ومائة (١٥٥) قال سعيد بن جبير: كان رسول الله ﷺ إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم قالت قريش إنما يعني مسيلمة، قال ابن إسحاق: وإنه تسارع إليه بنو حنيفة وإنه بعث برجلين من قومه بكتاب إلى رسول الله ﷺ من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله فسلام عليك أما بعد فإني أشركت معك في الأمر فلي نصف الأرض ولك نصفها ولكن قريش قوم لا يعدلون فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب قال للرسولين: "ما تقولان أنتما؟ " قالا: نقول ما قال صاحبنا، فقال رسول الله ﷺ : "لولا أن الرسل لا تقتل
стр. 9570
فَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ. فَأَقْبَلَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيسِ بْنِ شَمَّاسٍ. وَفِي يَدِ النَّبِيِّ ﷺ قِطْعَةُ جَرِيدَةٍ. حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ. قَال: "لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيتُكَهَا. وَلَنْ أَتَعَدَّى أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ
ــ
لقتلتكما" ثم كتب رسول الله ﷺ "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى أما بعد فـ ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فلما انتهى الكتاب إليه أنكر بعض الإنكار، وقالت بعض الحنفية لا نرى محمدًا أقر بشركة صاحبنا في الأمر رواه أحمد [٣/ ٤٨٧]، وأبو داود [٢٧٦١].
(فقدمها) أي فقدم مسيلمة المدينة (في بشر) أي مع خلق (كثير من قومه) بني حنيفة فنزل في دار بنت الحارث كما هو مصرح في رواية عبيد الله بن عتبة عند البخاري في باب قصة الأسود العنسي وهي رملة بنت الحارث وكانت في دارها عدة للوفود كما في فتح الباري [٨/ ٩٢] (فأقبل إليه) أي جاء إلى مسيلمة (النبي ﷺ ومعه) ﷺ (ثابت بن قيس بن شماس) بمعجمة وميم مشددة وآخره مهملة الأنصاري الخزرجي ﵁ خطيب الأنصار من كبار الصحابة بشره النبي ﷺ بالجنة قاتل يوم اليمامة واستشهد فرآه بعض المسلمين وعليه درع فأخذها وأخفاها في قدر له وغطاها بالسرج وكان أمير القوم إذ ذاك خالد بن الوليد فأخبره ثابت في منامه بمكان الدرع وأوصاه أن يأخذه وأن يسلمه لأبي بكر وأن يطلب منه عتق عبيده وأن يبيع الدرع والأثاث ليؤدي بذلك دينه فأنفذ أبو بكر وصيته راجع الإصابة اهـ من التقريب، قال النووي: قال العلماء: إنما جاءه رسول الله ﷺ تالفًا له ولقومه رجاء إسلامهم وليبلغ إليهم ما أنزل إليه، قال القاضي عياض: ويحتمل أن سبب مجيئه إليه أن مسيلمة قصده من بلده للقائه فجاءه مكافأة له، قال: وكان مسيلمة إذ ذاك يظهر الإسلام وإنما ظهر كفره وارتداده بعد ذلك (وفي يد النبي ﷺ قطعة جريدة) من نخل، قوله (حتى وقف على) رأس (مسيلمة في أصحابه) غاية لقوله فأقبل إليه فـ (قال) له رسول الله ﷺ (لو سألتني هذه القطعة) من الجريدة (ما أعطيتكها ولن أتعدى أمر الله فيك) مضارع تعدى الخماسي والهمزة فيه همزة المضارعة
стр. 9571
وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ. وَإِنِّي لأُرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ. وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي" ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ.
فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ، ﷺ : "إِنَّكَ أَرَى
ــ
للمتكلم، من أني لا أجيبك إلى ما طلبته مما لا ينبغي لك من الاستخلاف أو المشاركة ومن أني أبلغ ما أنزل إلي وأدفع أمرك بالتي هي أحسن، ووقع في رواية للبخاري (ولن تعدو أمر الله فيك) يعني لن تعدو أنت أمر الله في خيبتك فيما أملته من النبوة وهلاكك دون ذلك أوفيما سبق من قضاء الله تعالى وقدره في شقاوتك (ولئن أدبرت) عن طاعتي والإيمان بي (ليعقرنك الله) أي ليقتلنك الله من العقر وهو القتل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ أي قتلوها وقتله الله تعالى يوم اليمامة وهذا من معجزات النبوة (وإني لأراك) أي لأظنك الشخص (الذي أريت) في المنام (فيك) فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب أي أريت فيه (ما أريت) وقوله وإني لأراك فهو بضم الهمزة بمعنى لأظنك، وأما قوله ﷺ : "أريت فيه ما أريت" فهو إشارة إلى الرؤيا التي رآها النبي ﷺ كما سيأتي والمراد أني أظنك الشخص الذي أراني الله فيه الرؤيا (وهذا) الحاضر معي (ثابت) بن قيس (يجيبك) نيابة (عني ثم انصرف) رسول الله ﷺ أي رجع وذهب وأدبر (عنه) أي عن مسيلمة أي من عند مسيلمة إلى منزله ومسجده وإنما فوض ﷺ الإجابة له عن سؤاله إلى ثابت بن قيس لأنه كان رجلًا خطيبًا يجاوب الوفود عن خطبهم وتشدقهم، قال الحافظ في الفتح [٨/ ٩٠] إنه كان خطيب الأنصار وكان النبي ﷺ قد أعطي جوامع الكلم فاكتفى بما قاله لمسيلمة وأعلمه أنه إن كان يريد الإسهاب في الخطاب فهذا الخطيب يقوم عني في ذلك، ويؤخذ منه استعانة الإمام بأهل البلاغة في جواب أهل العناد.
وشارك المؤلف في رواية حديث ابن عباس هذا البخاري في مواضع كثيرة منها في التعبير باب إذا طار الشيء في المنام برقم [٧٠٣٣].
(فقال ابن عباس) ﵄ بالسند السابق (فسألت) أبا هريرة ﵁ (عن قول النبي ﷺ في هذا الحديث أي سألته عن الرؤيا التي أشار إليها النبي ﷺ بقوله في هذا الحديث (إنك) يا مسيلمة (أرى) وأظن
стр. 9572
الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ" فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيرَةَ.
٥٧٩٣ - (٢٢٤٤) (٢٩٩) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "بَينَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَينِ مِنْ ذَهَبٍ. فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا, فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنِ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا. فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَينِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي
ــ
كونك الشخص (الذي أريت فيك) أي فيه (ما أريت) من الرؤيا (فأخبرني أبو هريرة) ﵁ فقال:
٥٧٩٣ - (٢٢٤٤) (٢٩٩) أي ذكر لي أبو هريرة في بيان تلك الرؤيا (أن النبي ﷺ قال بينا أنا نائم رأيت في يدي) أي في ذراعين لي (سوارين من ذهب) وفي بعض النسخ (أسوارين) قال أهل اللغة يقال سوار بكسر السين وضمها وأسوار بضم الهمزة ثلاث لغات اهـ نووي، والسوار ما تجعله المرأة في ذراعها مما تتحلى به من الذهب والفضة ويجمع على أساورة فأما أساورة الفرس فقوادهم (فأهمني شأنهما) أي أدخل في قلبي الهم والغم وأحزنني شأنهما، وإنما أهمه شأنهما أعني السوارين لأنهما من حلية النساء ومما يحرم على الرجال، وفي التوضيح قوله (من ذهب) للتأكيد لأن السوار لا يكون إلا من ذهب فإن كان من فضة فهو قلب اهـ أي يسمى به (فأوحي إلي في المنام أن انفخهما) أي بأن انفخ بنفسك إلى السوارين (فنفختهما) أي فنفخت إلى السوارين (فطارا) أي فزالا وسقطا عني، قال العيني: وتأويل نفخهما أنهما قتلا بريحه أي أن الأسود ومسيلمة قتلا بريحه والذهب زخرف يدل على زخرفهما ودلا بلفظهما على ملكين لأن الأساورة هم الملوك، وفي النفخ دليل على اضمحلال أمرهما وكان كذلك اهـ (فأولتهما) أي فأولت السوارين كذابين يخرجان) أي يظهران (بعدي) أي بعد وفاتي أي يظهران شوكتهما ودعواهما النبوة بعد وفاتي وإلا فقد كانا موجودين في زمنه ﷺ ، وتعقبه الحافظ في الفتح بأن العنسي قد ظهرت شوكته في حياة النبي ﷺ فالظاهر أن المراد من قوله من بعدي أي بعد بعثتي والله أعلم اهـ قال المهلب: وإنما أول النبي ﷺ السوارين بالكذابين لأن الكذب وضع الشيء في غير موضعه فلما رأى في ذراعيه سوارين من ذهب وليسا من لبسه لأنهما من حلية النساء عرف أنه سيظهر من يدعي ما ليس له، وأيضًا ففي كونهما من ذهب، والذهب منهي عن لبسه دليل على الكذب وأيضًا فالذهب مشتق من الذهاب فعلم أنه
стр. 9573
فَكَانَ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيَّ, صَاحِبَ صَنْعَاءَ. وَالآخَرُ مُسَيلِمَةَ, صَاحِبَ الْيَمَامَةِ"
ــ
شيء يذهب عنه وتأكد ذلك بالإذن له في نفخهما فطارا عنه فعرف أنه لا يثبت لهما أمر وأن كلامه بالوحي الذي جاء به يزيلهما عن موضعهما والنفخ يدل على الكلام اهـ فتح الباري [١٢/ ٤٢١] (فكان أحدهما) أي أحد الكذابين الأسود (العنسي) بسكون النون نسبة إلى بني عنس قبيلة مشهورة واسمه عبهلة بن كعب وكان يقال له أيضًا ذو الخمار بالخاء المعجمة لأنه كان يخمر وجهه، وقيل ذو الحمار بالحاء المهملة وسبب هذا اللقب على ما قاله ابن سحاق أنه لقيه حمار فعثر فسقط لوجهه فقال سجد لي الحمار فارتد عن الإسلام وادعى النبوة ومخرق على الجهال فاتبعوه وغلب على صنعاء اليمن ولذلك قيل له (صاحب صنعاء) وأخرج منها المهاجر بن أبي أمية المخزومي وكان عاملًا لرسول الله ﷺ عليها وانتشر أمره وغلب على امرأة مسلمة من الأساورة فتزوجها فدست إلى قوم من الأساورة أني قد صنعت سربًا يوصل منه إلى مرقد الأسود فدلتهم على ذلك فدخل منه قوم منهم فيروز الديلمي وقيس بن مكشوح فقتلوه وجاؤوا برأسه إلى رسول الله ﷺ على ما قاله ابن إسحاق، وقال وثيمة بن موسى بن الفرات المعروف بالوشاء ومنهم من يقول كان ذلك في خلافة أبي بكر ﵁. [قلت] وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى لقوله ﷺ يخرجان بعدي أي بعد وفاتي اهـ من المفهم (والآخر) من الكذابين (مسيلمة) الكذاب (صاحب اليمامة).
قال القرطبي: ووجه مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانا قد أسلما وكانا كالساعدين للإسلام فلما ظهر فيهما هذان الكذابان وتبهرجا لهما بترهاتهما وزخرفا أقوالهما فانخدع الفريقان بتلك البهرجة فكان البلدان للنبي ﷺ بمنزلة يديه لأنه كان يعتضد بهما والسواران فيهما هما مسيلمة وصاحب صنعاء بما زخرفا من أقوالهما ونفخ النبي ﷺ هو أن الله أهلكهما على أيدي أهل دينه.
وأما مسيلمة فإنه بعد ما جاء المدينة رجع إلى اليمامة على حالته تلك واستقر عليها إلى أن توفي رسول الله ﷺ فعظم أمر مسيلمة وأطبق أهل اليمامة عليه وارتدوا عن الإسلام وانضاف إليهم بشر كثير من أهل الردة وقويت شوكتهم فكاتبهم أبو بكر الصديق ﵁ كتبًا كثيرة يعظهم ويذكرهم ويحذرهم وينذرهم إلى أن بعث
стр. 9574
٥٧٩٤ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بن رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ. قَال: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَينَا أنا نَائِمٌ
ــ
لهم كتابًا مع حبيب بن عبد الله الأنصاري فقتله مسيلمة فعند ذلك عزم أبو بكر ﵁ على قتالهم والمسلمون فأمر أبو بكر خالد بن الوليد ﵄ وتجهز الناس وعقد الراية لخالد وساروا إلى اليمامة فاجتمع لمسيلمة جيش عظيم وخرج إلى المسلمين فالتقوا وكانت بينهم حروب عظيمة لم يسمع بمثلها واستشهد فيها من قراء القرآن خلق كثير حتَّى خاف أبو بكر وعمر ﵄ أن يذهب من القرآن شيء لكثرة من قتل هناك من القراء ثم إن الله تعالى ثبت المسلمين وقتل الله تعالى مسيلمة اللعين على يدي وحشي قاتل حمزة ورماه بالحربة التي قتل بها حمزة ثم دفف عليه -أي جرحه جرحًا مميتًا وأجهز عليه - رجل من الأنصار فاحتز رأسه وهزم الله جيشه وأهلكهم وفتح الله اليمامة فدخلها خالد ﵁ واستولى على جميع ما حوته من النساء والولدان والأموال وأظهر الله تعالى الدين وجعل العاقبة للمتقين، فالحمد لله الَّذي صدقنا وعده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده فلا شيء بعده اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية حديث أبي هريرة ﵁ هذا البخاري في مواضع كثيرة منها في المغازي باب وفد بني حنيفة [٤٣٧٤ و ٤٣٧٥]، والترمذي في الرؤيا باب رؤيا النبي ﷺ [٢٢٩٢]، وابن ماجة في تعبير الرؤيا باب تعبير الرؤيا [٣٩٦٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٧٩٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حَدَّثَنَا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (عن همام بن منبه) بن كامل اليماني الصنعاني (قال) همام (هذا ما حَدَّثَنَا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة همام بن منبه لابن عباس (فذكر) همام (أحاديث) كثيرة (منها) أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا (و) منها أنَّه قال (قال رسول الله ﷺ بينا أنا نائم
стр. 9575
أُتِيتُ خَزَائِنَ الأَرْضِ. فَوَضَعَ في يَدَيَّ أُسْوَارَينِ مِنْ ذَهَبٍ. فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي. فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا. فَنَفَخْتُهُمَا فَذَهَبَا. فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَينِ اللَّذَينِ أَنَا بَينَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ".
٥٧٩٥ - (٢٢٤٥) (٣٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ
ــ
أتيت) أي أعطيت (خزائن الأرض) وجميع كنوزها كذا وقع في بعض النسخ أتيت، وفي بعضها أوتيت بإثبات الواو، قال الخطابي: المراد بخزائن الأرض ما فتح على الأمة من الغنائم من ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما، ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة، وقيل غيره بل يحمل على أعم من ذلك اهـ فتح الباري [١٢/ ٤٢٤] (فوضع) بالبناء للفاعل أي فوضع ذلك الآتي بالخزائن (في يدي) بتشديد الياء على صيغة التثنية (أسوارين) بضم الهمزة لغة في السوار وفيها ثلاث لغات كما مر سوار ككتاب وسوار كغراب وأسوار كما هنا وهو ما يليس في الذراع كما مر (من ذهب) صفة كاشفة للأسوارين لأنها لا تكون إلَّا من ذهب كما مر أي ألبسنيهما في يدي (فكبرا) أي كَبُرَ الأسواران (علي) أي ثقل إلباسهما في يدي لأنهما من حلية النساء (وأهماني) شأنهما أي أحزنني إلباسهما في يدي (فأوحي إلي) في ذلك المنام (أن انفخهما) أي أن أزلهما بنفسك عن يديك (فنفختهما) أي فنفخت السوارين عن يدي (فذهبا) أي طارا عن يدي (فأولتهما) أي فسرت السوارين بـ (الكذابين اللذين أنا بينهما) الآن (صاحب صنعاء) الأسود العنسي (وصاحب اليمامة) مسيلمة الكذاب الحنفي.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى خامسًا لحديث أنس بحديث سمرة بن جندب ﵄ فقال:
٥٧٩٥ - (٢٢٤٥) (٣٠٠) (حَدَّثَنَا محمد بن بشار) العبدي البصري (حَدَّثَنَا وهب بن جرير) بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو العباس البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (حَدَّثَنَا أبي) جرير بن حازم الأزدي البصري، ثقة، من (٦) روى عنه في (١٩) بابا (عن أبي رجاء العطاردي) عمران بن ملحان بكسر الميم وسكون اللام أو ابن تيم البصري مشهور بكنيته، ثقة مخضرم، أسلم بعد فتح مكة معمر، مات سنة (١٠٥) خمس ومائة، وله مائة وعشرون سنة (١٢٠) روى عنه في (٥) أبواب (عن سمرة بن جندب) بن
стр. 9576
قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الصُّبحَ أَقبَلَ عَلَيهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَال: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ الْبَارِحَةَ رُؤيا؟ "
ــ
هلال الفزاري أبي عبد الله الكوفي حليف الأنصار الصحابي المشهور ﵁، روى عنه في (٥) أبواب. وهذا السند من خماسياته (قال) سمرة كان النبي ﷺ إذا صلى الصبح) أي فرغ من صلاتها (أقبل عليهم) أي على الناس (بوجهه) الشريف (فقال هل رأى أحد منكم البارحة) أي في الليلة الماضية (رؤيا) أي منامًا فإن أخبرها له أحد عبرها له، وفيه جواز إطلاق البارحة على الليلة الماضية وإن كان قبل الزوال اهـ نووي، وفي الحديث حجة على من كره تعبير الرؤيا قبل طلوع الشمس وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم قال: إلا تقصص رؤياك على امرأة ولا تخبر بها حتَّى تطلع الشمس" وفي الحديث ما يرد عليهم بل قال المهلب تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها وقبل ما يعرض له نسيانها ولحضور ذهن العابر وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه وليعرف الرائي ما يعرض له بسبب رؤياه فيستبشر بالخير ويحذر من الشر ويتاهب لذلك فربما كان في الرؤيا تحذير عن معصية فيكص عنها وربما كانت إنذارًا لأمر فيكون له مترقبًا اهـ فتح الباري [١٢/ ٤٤٠].
وفي الحديث دليل على استحباب استقبال الإمام الناس بوجهه بعد صلاة الصبح وعلى جواز استدبار القبلة في جلوسه للعلم أر غيره وعلى أنَّه يستحب للإمام أن يستكشف عن أحوال أتباعه والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع عديدة منها في التعبير باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح [٧٥٤٧]، والترمذي في الرؤيا باب ما جاء في رؤيا النبي ﷺ الميزان والدلو [٢٢٩٤].
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثمانية أحاديث: الأول حديث جابر ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثاني حديث ابن عباس ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والثالث حديث أنس بن مالك ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة، والرابع حديث ابن عمر ذكره للاستشهاد، والخامس حديث أبي موسى ذكره للاستشهاد، والسادس
стр. 9577
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد، والسابع حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثامن حديث سمرة بن جندب ذكره للاستشهاد والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ومنه نرجو حسن الختام وجميع الآراب.
قد فرغنا من تسويد هذا المجلد الثاني عشر قبيل أذان العشاء من الليلة الثانية والعشرين من شهر صفر الخير في تاريخ ٢٢/ ٢ / ١٤٢٧ هـ سنة ألف وأربعمائة وسبع وعشرين من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية.
وقد اشتمل هذا المجلد على شرح ثلاثمائة حديث من غير المكرر وعلى ثلاثين بابا من التراجم وهذا آخر ما يسر الله لنا بانتهائه بعدما وفقنا بابتدائه فله الحمد على هذه المنة والشكر له على كل النعمة حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده ونسأله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة والفسحة لنا في العمر لخدمة العلوم الشرعية والأحاديث النبوية وما يتعلق بهما من علوم القواعد العربية بعدما عاقني من موالاته عوائق الدروس ومعائق النفوس ولله در من قال:
ولا تقل عاقني شغل فليس يرى ... في الترك للعلم من عذر لمعتذر
وأي شغل كمثل العلم تطلبه ... ونقل ما قدرووا عن سيد البشر
ألهى عن العلم أقوامًا تطلبهم ... لذات دنيا غدوا منها على غرر
فكن بصحب رسول الله مقتديًا ... فإنهم للهدى كالأنجم الزهر
وقال الآخر:
كرر عليّ حديثهم يا حادي ... فحديثهم فيه الشفا لفؤادي
كرر علي حديثهم فلربما ... لان الحديد بضربة الحدّاد
الحمد لله الَّذي تتم به الصالحات، وتطلب منه جميع الحاجات، والشكر له على ما أكرمنا به من نشر العلومات، تعلمًا ودراسة تدريسًا وتصنيفًا وكتابة فإن الاشتغال بها من أفضل الطاعات، وأولى ما أنفقت نفائس الأوقات، والصلاة والسلام على من فضله على سائر الخليقات، سيدنا ومولانا محمد خير البريات، أفضل من أخذ قصب السبق في ميدان الرسالات ممن خص من بين الأرسال بالإسراء والمعراجات، وبالمكالمة مع
стр. 9578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ربه والمناجات، حين عرج به من فوق سبع سماوات، وخوطب بفرضية خمس صلوات، عليه وعلى أمته أفضل الأمات، وعلى آله وصحبه السادات القادات، وعلى من تبعهم على هذه الملة الحنيفية إلى يوم القيامات، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين آمين آمين يا رب العالمين.
شعر
آمين آمين لا أرضى بواحدة ... حتَّى أكملها ألفين أمينا
إلى هنا تم المجلد الثاني عشر من الكوكب الوهاج والروض البهاج على مسلم بن الحجاج ويليه المجلد الثالث عشر وأولها كتاب فضائل النبي ﷺ ومعجزاته) (١).
* * * *
ــ
(١) وهذا حسب تقسيم المؤلف حفظه الله لنسخته الخطية في (١٦) مجلدًا، ثم ارتأى حفظه الله بعد دفعه للطباعة أن يكون في (٢٦) مجلدًا.
стр. 9579
شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِم المُسَمَّى الكَوْكَبَ الوَهَّاج وَالرَّوضَ البَهَّاج
فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمْ بْنِ الحَجْاجِ
جَمْع وَتأليف
مُحمَّدٍ الأمِين بن عبَد اللهِ الأُرَمِيّ
العَلَويّ الهَرَريّ الشَّافِعِيِّ
نزيل مكَّة المُكَرَّمة والمجاور بها
مراجعَة لجنة من العلماء
برئاسة
البرفسور هاشم محمد علي مهدي
المستَشَار برَابطَةِ العالمِ الإسْلَاميِّ - مَكِّةَ المكرَمة
الجزء الثَّالثُ والعِشْرُون
دَارُ المِنْهَاجِ
دَارُ طَوق النَّجَاة
стр. 9580
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
جميع الحقوق محفوطة للناشر
دَارُ المِنْهَاجِ
جدة - السعودية
دَارُ طَوق النَّجَاة
بيروت - لبنان
стр. 9581
شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمْ
стр. 9582
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 9583
شعر: -
تفرج بالروضِ البَهَّاج ... واستضئ بالكوكب الوهّاج
فإنه غُنْيَةُ المُحْتَاج ... إلى صحيح مسلم بن الحجاج
فإنه مركز الابتهاج ... وأوضح المهَيْع الوهّاج
стр. 9584
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين ..
الحمد لله على كماله، والشكر له على نواله، شكرًا يوافي محصوله ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على نبيه، وآله وصحبه وأتباعه منبع حكمه وأحكامه، سيدنا محمد صاحب جوامع الكلم، مأخذ الدين القويم الأقوم، صلاة وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين صلاة تحل بها العقد وتفك بها الكرب، وتبلّغ بها العبد غاية ما طلب، صلاة أرقى بها مراقي الإخلاص، وأنال بها غاية الاختصاص، صلاتك التي صليت عليه دائمة بدوامك باقية ببقائك عدد ما أحاط به علمك وجرى به قلمك آمين آمين يا رب العالمين.
(أما بعد) فلما فرغت من تسويد المجلد الثاني عشر إلى آخر كتاب الرؤيا تفرغت لتسطير المجلد الثالث عشر أولُه كتاب فضائل النبي ﷺ وخصائصه بما عندي من رشحات العلوم المنقولة والفيوضات المعقولة مستمدًا من الله التوفيق والهداية لأقوم الطريق. فقلت وقولي هذا:
стр. 9585
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢٤ - كتاب فضلائل النبي ﷺ وفواضله ﵊
٦٨٧ - (١) باب كونه ﷺ مختارًا من خيار الناس، وتسليم الحجر عليه وتفضيله على جميع الخلق، وبعض معجزاته، وتوكله
٥٧٩٦ - (٢٢٤٦) (١) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ
ــ
٢٤ - كتاب فضائل النبي ﷺ وفواضله ﵊
والفضائل جمع فضيلة، والفضيلة النعم والمزايا اللازمة لصاحبها كالشجاعة والعلم لأن الاتصاف بهما لا يتوقف على تعدي أثرهما إلى الغير، والفواضل جمع فاضلة، والفاضلة النعم المتعدية إلى الغير كالإحسان والكرم والجود شوبري (فإن قلت) كل من الكرم والعلم إن أريد بهما الملكة كانا قاصرين وإن أريد بهما الأثر كانا متعديين (قلت) المراد بالمتعدية هي التي يتوقف تحقق معناها على وصول أثرها للغير والقاصرة نقيضها إذا عرفت ذلك علمت أن الشخص يتصف بالعلم وإن لم يُعلّم أحدًا ولا يتصف بالكرم إلَّا بعد الإعطاء اهـ حاشية سليمان البجيرمي على شرح منهج الطلاب لشيخ الإسلام قاضي زكريا الأنصاري.
٦٨٧ - (١) باب كونه ﷺ مختارًا من خيار الناس، وتسليم الحجر عليه وتفضيله على جميع الخلق، وبعض معجزاته، وتوكله
٥٧٩٦ - (٢٢٤٦) (١) (حَدَّثَنَا محمد بن مهران) بكسر الميم وسكون الهاء الجمال بالجيم أبو جعفر (الرازي) ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب، روى عنه (خ م د)
стр. 9586
وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ، جَمِيعًا عَنِ الْوَلِيدِ. قَال ابْنُ مِهْرَانَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا الاوْزَاعِيُّ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ، شَدَّادِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنَ الأسقَعِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِن اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ. وَاصْطَفى قُرَيشًا مِن كِنَانَةَ. وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيشٍ بَنِي هَاشِمٍ. وَاصْطَفَاني مِنْ بَنِي هَاشِمٍ"
ــ
مات (٣٣٩) (ومحمد بن عبد "الرحمن) بن حكيم (بن سهم) الفزاري أبو إسحاق الأنطاكي، وثقه الخطيب، وقال في التقريب: ثقة يُغرب، من (١٠) روى عنه (م) يروي عنه في (٤) أبواب مات (٢٤٣) (جميعًا) أي كلاهما رويا (عن الوليد قال ابن مهران حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم) القرشي الدمشقي، ثقة، من (٨) روى عنه في (٦) أبواب (حَدَّثَنَا) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي) الدمشقي، ثقة، من (٧) (عن أبي عمار شداد) بن عبد الله القرشي الأموي مولاهم مولى معاوية الدمشقي، ثقة، من (٤) روى عنه في (٥) أبواب (أنه سمع واثلة بن الأسقع) بن كعب الليثي الصحابي المشهور من أهل الصفة ﵁ (يقول) أي واثلة (سمعت رسول الله ﷺ يقول): وهذا السند من خماسياته (إن الله اصطفى) واختار (كنانة) بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ (من ولد إسماعيل) ﵇ بفتح الواو واللام على أنَّه اسم جمع أو بضم الواو وسكون اللام على أنَّه جمع لولد أي من أولاد إسماعيل (واصطفى قريشًا) أي نضر بن كنانة (من كنانة) أي من أولاده وكان لِكِنَانَة أولادْ غَيرُ النضر، واختلف النسابون من أين تقرشت قريش فقيل من فهر بن مالك، وقيل من النضر بن كنانة، والمشهور أنَّه من النضر (واصطفى من قريش) أي من أولاد النضر بن كنانة (بني هاشم) بن عبد مناف (واصطفاني من بني هاشم) فهو ﷺ خيار من خيار.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ١٠٧]، والترمذي في المناقب (قوله اصطفى كنانة) أي اختار، وصفوة الشيء خياره ووزنه افتعل، والطاء فيه بدل من التاء في اصتفى اصتفاء لقرب مخرجيهما ومعنى اختيار الله تعالى لمن شاء من خلقه تخصيصُه إياه بصفاتِ كمالِ نوعِه وجَعْلُه إياه أصلًا لذلك النوع وإكرامُه له على ما سبق
стр. 9587
٥٧٩٧ - (٢٢٤٧) (٢) وحدَّثنا أَبُو بَكرٍ بن أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَبِي بُكَيرٍ،
ــ
في علمه ونافذِ حكمه من غير وجوب عليه ولا إجبار بل على ما قال: ﴿وَربُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] وقد اصطفى الله تعالى من هذا الجنسِ الحيواني نوعَ بني آدم كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]، ويكفيك من ذلك كله أن الله تعالى خلق العالم كله لأجله أي لأجل هذا النوع الإنساني كما قد صرح بذلك عنه لما قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] ثم إن الله تعالى اختار من هذا النوع الإنساني من جعله معدن نبوته ومحل رسالته فأولهم آدم ﵇ ثم إن الله تعالى اختار من نطفته أي من نطفة آدم نطفة كريمة فلم يزل ينقلها من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة فكان منها الأنبياء والرسل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ [آل عمران: ٣٣، ٣٤] ثم إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل وإسحاق كما قال: ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيكَ كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَينَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [النساء: ١٦٣] ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إسماعيل كنانة كما ذكرهم النبي ﷺ في هذا الحديث، ثم إن الله تعالى ختمهم بختامهم وأفهم بإمامهم وشرفهم بصدر كتيبتهم وبيت قصيدتهم شمس ضحاها هلال ليلتها در تقاصيرها (جمع تقصارة وهي القلادة) زبرجدها وهو محمد ﷺ أَخَّرَه عن الأنبياء زمانًا وقدَّمه عليهم رتبة ومكانًا جعله الله واسطةَ النظام وكفل بكماله أولئك الملأ الكرام وخصَّه من بينهم بالمقام المحمود في اليوم المشهود فهو شفيعهم إذا استشفعوا وقائدهم إذا وفدوا وخطيبهم إذا جمعوا وسيدهم إذا ذكروا فاقتبس من الخبر عيونه، فبيده لواء الحمد، تحته آدم فمن دونه، ويكفيك أثرة وكرامة "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة".
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث جابر بن سمرة ﵄ فقال:
٥٧٩٧ - (٢٢٤٧) (٢) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا يحيى بن أبي بكير)
стр. 9588
عَن إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ. حَدَّثَنِي سِمَاكُ بن حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ"
ــ
قيس بن أسيد القيسي العبدي من عبد القيس أبو زكريا الكوفي، قاضي كرمان، ثقة، من (٩) مات سنة (٢٠٩) روى عنه في (٦) أبواب (عن (براهيم بن طهمان) بن شعيب الهروي النيسابوري ثم المكي، وبها مات، ثقة، من (٧) روى عنه في (٤) أبواب (حدثني سماك بن حرب) بن أوس البكري الذهلي أبو المغيرة الكوفي، صدوق، من (٤) روى عنه في (١٤) بابا (عن جابر بن سمرة) بن جنادة بضم الجيم السوائي بضم المهملة الصحابي ابن الصحابي ﵄، روى عنه في (٦) أبواب. وهذا السند من خماسياته (قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف) الآن كما سيأتي التصريح به في الحديث (حجرًا) كائنًا (بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث) يعني أنَّه كان يسلم عليه بالنبوة والرسالة قبل أن يشافهه الملك بالرسالة، وفي تسليم الحجر عليه قبل البعثة إرهاص، والإرهاص أمر خارق للعادة يظهر على يد من سيُنبأ، قال النووي: وفي هذا إثبات التمييز لبعض الجمادات (إني لأعرفه الآن) أي في هذا الزمن الحاضر يعني أنَّه كان وقت ما حدَّثهم بهذا الحديث يعرف الحجر معرفة من كان يشاهده، وذكر بعضهم أن الحجر الَّذي كان يسلم عليه ﷺ هو الحجر الأسود كما في شرح الأبي، وقال الآخرون: هو حجر غيره والله أعلم. وفي رواية الترمذي: "ليالي بعثت" وهو محمول على التقريب ولو أخر المؤلف هذا الحديث إلى باب أحاديث معجزاته ﷺ لكان أَنْسَبَ كما فعله القرطبي في تلخيصه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ٨٩]، والترمذي في المناقب [٣٦٢٤].
ذكر علماء سير النبي ﷺ وأحواله أنَّه كان من لطف الله بنبيه ﷺ أن قدَّم له مقدمات وخصه ببشائر وكرامات درَّجه بذلك إلى أطوار لينقطع بذلك عن مالونات الأغمار (جمع عُمر وهو الجاهل الَّذي لم يجرب الأمور) ويتأهل على تدريج لقبول ما يُلقى إليه، ولتسهيل مشافهة الملك عليه فكان ﷺ يرى ضياءً وأنوارًا ويسمع تسليمًا وكلامًا ولا يرى أشخاصًا فيسمع الحجارة والشجر تناديه ولا
стр. 9589
٥٧٩٨ - (٢٢٤٨) (٣) حدَّثني الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، أَبُو صَالِحٍ. حَدَّثَنَا هقْلٌ، (يَعْنِي ابْنَ زِيادٍ)، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ. وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفعٍ"
ــ
يرى أحدًا يناجيه إلى أن استوحش من الخلق ففر إلى الحق فحُبِّبت إليه الخلوة فكان سبب هذه الحبوة مشافهة الملك فقبل فملك، وقد قدمنا أن الصحيح من مذاهب أئمتنا أن كلام الجمادات راجع إلى أن الله تعالى يخلق فيها أصواتًا مقطعة من غير مخارج يُفهم منها ما يُفهم من الأصوات الخارجة من مخارج الفم وذلك ممكن في نفسه والقدرة القديمة لا قصور فيها فقد أخبر بها الصادق فيجب له التصديق كيف لا وقد سمع من حضر تسبيح الحصى في كفه وحنين الجذع والمسجد قد غُص بأهله اهـ من المفهم.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٧٩٨ - (٢٢٤٨) (٣) (حدثني الحكم بن موسى) بن أبي زهير البغدادي (أبو صالح) القنطري، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (حَدَّثَنَا هقل يعني ابن زياد) السكسكي مولاهم أبو عبد الله الدمشقي، وهقل لقب غلب عليه واسمه محمد، ثقة، من (٩) (عن) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي) الدمشقي، ثقة، من (٧) (حدثني أبو عمار) شداد بن عبد الله الأموي مولاهم مولى معاوية بن أبي سفيان الدمشقي، ثقة، من (٤) روى عنه في (٥) أبواب (حدثني عبد الله بن فروخ) القرشي التيمي مولاهم مولى عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، ثقة، من (٣) روى عنه في (٢) (حدثني أبو هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : أنا سيد ولد آدم) أي سيد أولاده ورئيسهم (يوم القيامة) وملجأهم وشفيعهم في ذلك اليوم العظيم (وأول من ينشق) وينفتح (عنه القبر) يوم البعث (وأول شافع) لربه يوم القيامة (وأول مشفع) عند ربه يوم القيامة.
قوله؛ (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) قال النووي: قال الهروي: السيد هو الَّذي يفوق قومه في الخير، وقال غيره: هو الَّذي يُفزع إليه عن الشدائد والنوائب فيقوم بأمرهم ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم، وأما قوله ﷺ : "يوم القيامة" مع
стр. 9590
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّه سيدهم في الدنيا والآخرة فسبب التقييد أن في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد ولا يبقى منّاع ولا معاند ونحوه بخلاف الدنيا فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين وهذا التقييد قريب من قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ مع أن الملك له سبحانه قبل ذلك لكن كان في الدنيا من يدعى الملك أو من يضاف إليه مجازًا فانقطع كل ذلك في الآخرة اهـ نووي.
وأما لفظ السيد فهو اسم فاعل من ساد قومه يسود إذا تقدَّمهم بما فيه من خصال الكمال وبما يوليهم من الإحسان والإفضال وأصله يسود لأن ألف ساد منقلبة عن واو بدليل أن مضارعه يسود فقلبوا الواو ياءً وأدغموها في الياء فصار سيدًا وهذا نظير ميت وقد تبين للعقل والعيان ما به، كان محمد ﷺ سيد نوع الإنسان وقد ثبت بصحيح الأخبار ماله من السؤدد في تلك الدار فمنها أنَّه قال: "أنا سيد ولد آدم" قال: "وتدرون بم ذاك" قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد" رواه مسلم (١٩٤) وذكر حديث الشفاعة المتقدم ومضمونه أن الناس كلهم إذا جمعهم موقف القيامة وطال عليهم وعظم كربهم طلبوا من يشفع لهم إلى الله تعالى في إراحتهم من موقفهم فيبدئون بآدم ﵇ فيسألونه الشفاعة فيقول: نفسي نفسي لست لها وهكذا يقول من سئلها من الأنبياء حتَّى ينتهي الأمر إلى سيدنا محمد ﷺ فيقول: "أنا لها" فيقوم في أرفع مقام ويُخص بما لا يحصى من المعارف والإلهام وينادي بألطف خطاب وأعظم إكرام "يا محمد قل: تُسمع، وسل تعطه واشفع تشفع" وهذا مقام لم ينله أحد من الأنام (الأنبياء) "ولا سُمع بمثله لأحد من الملائكة الكرام فنسأل الله تعالى باسمه العظيم وبوجهه الكريم أن يحيينا على شريعته وعلى ملته ويحشرنا في زمرته ولا يجعلنا ممن ذيد (طُرد) عنه وبُعد منه اهـ وزيد في الترمذي عن أبي سعيد الخدري وعن ابن عباس لفظ "ولا فخر" يعني أنَّه ﷺ لا يقول ذلك فخرًا وإعجابًا بنفسه أو استكبارًا على غيره والعياذ بالله بل قال ذلك بيانًا لحقيقة واقعة يجب أن يعتقدها كل مسلم فهو من قبيل تبليغ الرسالة وتحديث النعمة.
وأما حديث "لا تفضّلوا بين أنبياء الله" فقال فيه النووي رحمه الله تعالى: جوابه من
стр. 9591
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خمسة أوجه أحدها: أنَّه ﷺ قاله قبل أن يعلم أنَّه سيد ولد آدم فلما أُعلم قال ذلك، والثاني: قاله أدبًا وتواضعًا، والثالث: أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول، والرابع: إنما نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصوصية والفتنة كما هو المشهور في سبب الحديث، والخامس: أن النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوة فلا تفاضل فيها وإنما التفاضل في الخصائص وفضائل أخرى ولا بد من اعتقاد التفضيل فقد قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
قوله: (وأنا أول من ينشق عنه القبر) يعني أنَّه أول من يعجل إحياؤه مبالغة في إكرامه وتخصيصًا له بتعجيل جزيل إنعامه، ويعارض هذا قوله ﷺ في حديث آخر أنَّه أول من يُبعث فيجد موسى متعلقًا بساق العرش رواه مسلم [٣/ ٢٣١] [١٦٠] وسيأتي هذا مبينأ في باب ذكر موسى ﵇ إن شاء الله تعالى، قوله: (وأول شافع) أي أول من يطلب الشفاعة من الله تعالى والشفاعة في اصطلاحاتهم طلب الخير من الغير للغير (وأول مشفع) أي أول من تُقبل شفاعته عند الله تعالى وإنما صرح بذلك لأنه قد يشفع اثنان فيُشفع الثاني قبل الأول فالأولية في الشفاعة لا تستلزم الأولية في التشفيع ولذلك أفرد كلًّا منهما بالذكر، قال القرطبي: قد تقدم: القول في الشفاعة وأقسامها في الأيمان ومقصود هذا الحديث أن يبين أنَّه لا يتقدمه شافع لا من الملائكة ولا من النبيين ولا من المؤمنين في جميع أقسام الشفاعات على أن الشفاعة العامة لأهل الموقف خاصة لا تكون لغيره ﷺ وهذه المنزلة أعظم المراتب وأشرف المناقب وهذه الخصائص والفضائل التي حدَّث بها النبي ﷺ عن نفسه إنما كان ذلك منه لأنها من جملة ما أُمر بتبليغه لما يترتب عليها من وجوب اعتقاد ذلك وأنه حق في نفسه وليُرغِّب في الدخول في دينه وليتمسك به من دخل فيه وليعلم قدر نعمة الله عليه في أن جعله من أمة من هذا حاله ولتعظم محبته في قلوب متبعيه فتكثر أعمالهم وتطيب أحوالهم فيحشرون في زمرته وينالون الحظ الأكبر من كرامته، وعلى الجملة فيحصل له بذلك شرف الدنيا وشرف الآخرة لأن شرف المتبوع متعدٍّ لشرف التابع على كل حال فإن قيل كل هذا راجع إلى الاعتقاد وكيف يحصل القطع بذلك من أخبار الآحاد فالجواب أن من سمع شيئًا من تلك الأمور من النبي ﷺ مشافهة حصل له العلم بذلك كما حصل للصحابة السامعين منه ومن لم يشافهه فقد يحصل له العلم
стр. 9592
٥٧٩٩ - (٢٢٤٩) (٤) وحدَّثني أَبو الرَّبِيعِ، سُلَيمَانُ بن دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّاد، (يَعْنِي ابْنَ زَيدٍ)، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِمَاءٍ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَوَضَّؤُنَ، فَحَزَرْتُ مَا بَينَ السِّيتِّينَ إِلَى الثَّمَانِينَ. قَال: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ
ــ
بذلك من جهة التواتر المعنوي إذ كثُرت بذلك الظواهر وأخبار الآحاد حتَّى حصل لسامعها العلم القطعي بذلك المراد.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في كتاب السنة باب ما جاء من التخيير بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام [٤٧٦٣]، والترمذي في المناقب باب ما جاء في فضل النبي ﷺ [٣٦١١].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الرابع من الترجمة بحديث أنس ﵁ فقال:
٥٧٩٩ - (٢٢٤٩) (٤) (وحدثني أبو الربيع) الزهراني (سليمان بن داود العتكي) البصري (حَدَّثَنَا حماد يعني ابن زيد) بن درهم الأزدي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٤) بابا، توفي (١٧٩) وله (٨١) سنة (حَدَّثَنَا ثابت) بن أسلم البناني البصري، ثقة، من (٤) روى عنه في (١٣) بابا (عن أنس) بن مالك خادم رسول الله ﷺ ﵁. وهذا السند من رباعياته (أن النبي ﷺ دعا) أي طلب (بماء) يتوضأ (فأُتي) فجيء (بقدح) أي بكاس (رحراح) أي الواسع القصير الجدار، ورحراح بفتح الراء على وزن خلخال، قال الخطابي: الرحراح ويقال: رحرح بغير ألف وإناء أرّح وآنية رحاء كل ذلك بمعنى الواسع وهو الإناء الواسع الصحن القريب القعر القصير الجدار ومثله لا يسع الماء الكثير فهو أدل على المعجزة، وقال الحافظ في الفتح [١/ ٣٠٤] وهذه الصفة شبيهة بالطست فوضع ﷺ يده الشريفة في ذلك الإناء فجعل الماء ينبع فيه من بين أصابعه وحوله جماعة من الصحابة فأمرهم بأن يتوضؤوا من ذلك الماء (فجعل) أي شرع (القوم) الحاضرون (يتوضؤون) من ذلك الماء، قال أنس: (فحزرت) أي حرصت وقدرت، في المصباح خزرت الشيء خزرًا من بابي ضرب وقتل قدرته أي خرصت القوم الذين توضؤوا من ذلك الماء وجعلتهم في خرص (ما بين) فوق (الستين إلى) أن بلغوا (الثمانين قال) أنس: (فجعلت) أي شرعت (انظر إلى الماء)
стр. 9593
يَنْبُعُ مِنْ بَينِ أَصَابِعِهِ.
٥٨٠٠ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهرِ. أَخبَرَنَا
ــ
الَّذي (ينبع) ويفور ويخرج (من بين أصابعه) الشريفة ﷺ .
قال النووي: وفي كيفية هذا النبع قولان حكاهما القاضي وغيره أحدهما ونقله القاضي عن المزني وأكثر العلماء أن معناه أن الماء كان يخرج من نفس أصابعه ﷺ وينبع من ذاتها قالوا: وهو أعظم في المعجزة من نبعه من حجر، والثاني: يحتمل أن الله كثر الماء في ذاته فصار يفور من بين أصابعه لا من نفسها وكلاهما معجزة ظاهرة وآية باهرة اهـ.
قال القرطبي: وهذه المعجزة تكررت من النبي ﷺ مرات عديدة في مشاهد عظيمة وجموع كثيرة بلغتنا بطرق صحيحة من رواية أنس وعبد الله بن مسعود وجابر وعمران بن حصين وغيرهم ممن يحصل بمجموع أخبارهم العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي وبهذا الطريق حصل لنا العلم بأكثر معجزاته الدالة على صدق رسالاته كما قد ذكرنا جملة ذلك في كتاب الإعلام، وهذه المعجزة أبلغ من معجزة موسى ﵇ في نبع الماء من الحجر عند ضربه بالعصا إذ من المألوف نغ الماء من بعض الحجارة فأما نبعه من بين عظم ولحم وعصب ودم فشيء لم يُسمع بمثله ولا تحدث به عن غيره.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١٣٢]، والبخاري في مواضع كثيرة منها باب علامات النبوة في الإسلام [٣٥٧٢، إلى ٣٥٧٥١]، والترمذي في المناقب [٣٦٣١]، والنسائي في الطهارة [١/ ٦٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
٥٨٠٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني إسحاق بن موسى) بن عبد الله بن موسى (الأنصاري) المدني ثم الكوفي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (وحدثنا معن) بن عيسى بن يحيى الأشجعي مولاهم أبو يحيى المدني، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٠) أبواب (حَدَّثَنَا مالك) بن أنس الإمام الأصبحي المدني، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٧) بابا (ح وحدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو الأموي المصري (أخبرنا) عبد الله
стр. 9594
ابْنُ وَهْبٍ، عَن مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. عَن إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ قَال: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَحَانَت صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ. فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضؤُوا مِنْهُ. قَال: فَرَأَيتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ
ــ
(بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقة، من (٩) (عن مالك بن أنس) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (٧) أبواب (عن أنس بن مالك) ﵁. وهذان السندان من خماسياته، غرضه بيان متابعة إسحاق بن عبد الله لثابت بن أسلم (أنَّه) أي أن أنسًا (قال: رأيت رسول الله ﷺ و) قد (حانت) أي قربت (صلاة العصر) أي قرب دخول وقتها (فالتمس) أي طلب (الناس) أي الأصحاب (الوضوء) بفتح الواو أي الماء الَّذي يتوضؤون به (فلم يجدوه) أي لم يجدوا ماء الوضوء (فأُتي رسول الله ﷺ بوضوء) أي بماء قليل ليتوضَّأ به في قدح رحراح (فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء) الرحراح (يده) الشريفة (وأمر) رسول الله ﷺ (الناس) الحاضرين عنده (أن يتوضؤوا منه) أي من ذلك الماء القليل (قال) أنس: (فرأيت الماء ينبع) أي يخرج ويجري (من تحت) أي أسفل أصابعه ﷺ (فتوضأ الناس) الحاضرون من ذلك الماء (حتَّى توضؤوا من) أولهم الذين يلون النبي ﷺ (عند آخرهم) أي إلى آخرهم الذين كانوا بعيدين من النبي ﷺ ، فعند هنا حرف جر بمعنى إلى وهو لغة فيها دل على هذا المعنى ذكر من قبلها وآخرهم بعدها لأن من تقتضي إلى والآخر تقتضي الأول تأمل والمقصود من هذه الغاية أنَّه توضأ جميعهم حتَّى آخرهم، قال الكرماني: حتَّى للتدريج ومن للبيان أي توضأ الناس حتَّى توضأ الذين عند آخرهم وهو كناية عن جميعهم، وعند بمعنى في فكأنه قال: الذين هم في آخرهم، وقال التميمي: المعنى توضأ القوم حتَّى وصلت النوبة إلى الآخر، وذهب النووي إلى أن كلمة من هنا بمعنى إلى وتعقبه الكرماني وانتصر الحافظ للنووي، راجع فتح الباري [١/ ٢٧١].
стр. 9595
٥٨٠١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، (يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ)، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَة، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وأَصْحَابَهُ بِالزَّوْرَاءِ - (قَال: وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ فِيمَا ثَمَّهْ) - دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ كَفَّهُ فِيهِ. فَجَعَلَ يَنْبُعُ مِنْ بَينِ أَصَابِعِهِ. فَتَوَضَّأ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ. قَال: قُلْتُ: كَمْ كَانُوا؟ يَا أَبا حَمْزَةَ. قَال: كَانُوا زُهَاءَ الثَّلَاثِمِائَةِ
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٥٨٠١ - (٠٠) (٠٠) (حدثني أبو غسان المسمعي) مالك بن عبد الواحد البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٠) أبواب (حَدَّثَنَا معاذ يعني ابن هشام) الدستوائي (حَدَّثَنَا أبي) هشام بن أبي عبد الله سنبر الدستوائي البصري (عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري (حَدَّثَنَا أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة قتادة لثابت بن أسلم وإسحاق بن عبد الله (أن نبي الله ﷺ وأصحابه) كانوا (بالزوراء قال) أنس: (والزوراء) بفتح الزاي وبالمد مكان معروف (بالمدينة) المنورة كان (عند السوق) المدني (والمسجد) النبوي معروف (فيما) أي في المكان الَّذي كان (ثمه) بفتح المثلثة، اسم إشارة للمكان البعيد، والهاء للسكت أي معروف في المكان الَّذي كان ثم أي عند المسجد والسوق قدام باب السلام كان بين الباب والسوق أدركنا ذلك المكان ورأيناه حين حججنا في سنة (١٣٧٥ هـ) واشترينا كتبًا من مكاتب تلك السوق فلله الحمد على تعميرنا. قال أنس: (دعا) النبي ﷺ أي طلب ماءً يتوضأ به، فأُتي ﷺ كما في الرواية الأولى (بقدح) رحراح (فيه) أي في ذلك القدح (ماء) قليل، ووقع في رواية لأبي نعيم عن أنس أنَّه هو الَّذي أحضر الماء وأحضره من بيت أم سلمة رضي الله تعالى عنهما ذكره الحافظ في الفتح [٧/ ٥٨٥ و ٥٨٦] (فوضع) ﷺ كفه) الشريفة (فيه) أي في ذلك القدح (فجعل) الماء (ينبع) أي يخرج (من بين أصابعه) أي من النقرة التي بين أصابعه فهو بمعنى الرواية التي قبلها (من تحت أصابعه) (فتوضأ) من ذلك الماء (جميع أصحابه) ﷺ (قال) قتادة: (قلت) لأنس: (كم كانوا) أي كم جملة الأصحاب الذين كانوا توضؤوا من ذلك الماء (يا أبا حمزة) كنية أنس (قال) أنس: (كانوا) أي كان الذين توضؤوا من ذلك الماء (زهاء) أي قدر (الثلاثمائة) نفر، يقال: هم زهاء كذا،
следующие страницы →