← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خمسة أوجه أحدها: أنَّه ﷺ قاله قبل أن يعلم أنَّه سيد ولد آدم فلما أُعلم قال ذلك، والثاني: قاله أدبًا وتواضعًا، والثالث: أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول، والرابع: إنما نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصوصية والفتنة كما هو المشهور في سبب الحديث، والخامس: أن النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوة فلا تفاضل فيها وإنما التفاضل في الخصائص وفضائل أخرى ولا بد من اعتقاد التفضيل فقد قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. قوله: (وأنا أول من ينشق عنه القبر) يعني أنَّه أول من يعجل إحياؤه مبالغة في إكرامه وتخصيصًا له بتعجيل جزيل إنعامه، ويعارض هذا قوله ﷺ في حديث آخر أنَّه أول من يُبعث فيجد موسى متعلقًا بساق العرش رواه مسلم [٣/ ٢٣١] [١٦٠] وسيأتي هذا مبينأ في باب ذكر موسى ﵇ إن شاء الله تعالى، قوله: (وأول شافع) أي أول من يطلب الشفاعة من الله تعالى والشفاعة في اصطلاحاتهم طلب الخير من الغير للغير (وأول مشفع) أي أول من تُقبل شفاعته عند الله تعالى وإنما صرح بذلك لأنه قد يشفع اثنان فيُشفع الثاني قبل الأول فالأولية في الشفاعة لا تستلزم الأولية في التشفيع ولذلك أفرد كلًّا منهما بالذكر، قال القرطبي: قد تقدم: القول في الشفاعة وأقسامها في الأيمان ومقصود هذا الحديث أن يبين أنَّه لا يتقدمه شافع لا من الملائكة ولا من النبيين ولا من المؤمنين في جميع أقسام الشفاعات على أن الشفاعة العامة لأهل الموقف خاصة لا تكون لغيره ﷺ وهذه المنزلة أعظم المراتب وأشرف المناقب وهذه الخصائص والفضائل التي حدَّث بها النبي ﷺ عن نفسه إنما كان ذلك منه لأنها من جملة ما أُمر بتبليغه لما يترتب عليها من وجوب اعتقاد ذلك وأنه حق في نفسه وليُرغِّب في الدخول في دينه وليتمسك به من دخل فيه وليعلم قدر نعمة الله عليه في أن جعله من أمة من هذا حاله ولتعظم محبته في قلوب متبعيه فتكثر أعمالهم وتطيب أحوالهم فيحشرون في زمرته وينالون الحظ الأكبر من كرامته، وعلى الجملة فيحصل له بذلك شرف الدنيا وشرف الآخرة لأن شرف المتبوع متعدٍّ لشرف التابع على كل حال فإن قيل كل هذا راجع إلى الاعتقاد وكيف يحصل القطع بذلك من أخبار الآحاد فالجواب أن من سمع شيئًا من تلك الأمور من النبي ﷺ مشافهة حصل له العلم بذلك كما حصل للصحابة السامعين منه ومن لم يشافهه فقد يحصل له العلم

стр. 9592

٥٧٩٩ - (٢٢٤٩) (٤) وحدَّثني أَبو الرَّبِيعِ، سُلَيمَانُ بن دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّاد، (يَعْنِي ابْنَ زَيدٍ)، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِمَاءٍ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَوَضَّؤُنَ، فَحَزَرْتُ مَا بَينَ السِّيتِّينَ إِلَى الثَّمَانِينَ. قَال: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ ــ بذلك من جهة التواتر المعنوي إذ كثُرت بذلك الظواهر وأخبار الآحاد حتَّى حصل لسامعها العلم القطعي بذلك المراد. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في كتاب السنة باب ما جاء من التخيير بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام [٤٧٦٣]، والترمذي في المناقب باب ما جاء في فضل النبي ﷺ [٣٦١١]. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الرابع من الترجمة بحديث أنس ﵁ فقال: ٥٧٩٩ - (٢٢٤٩) (٤) (وحدثني أبو الربيع) الزهراني (سليمان بن داود العتكي) البصري (حَدَّثَنَا حماد يعني ابن زيد) بن درهم الأزدي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٤) بابا، توفي (١٧٩) وله (٨١) سنة (حَدَّثَنَا ثابت) بن أسلم البناني البصري، ثقة، من (٤) روى عنه في (١٣) بابا (عن أنس) بن مالك خادم رسول الله ﷺ ﵁. وهذا السند من رباعياته (أن النبي ﷺ دعا) أي طلب (بماء) يتوضأ (فأُتي) فجيء (بقدح) أي بكاس (رحراح) أي الواسع القصير الجدار، ورحراح بفتح الراء على وزن خلخال، قال الخطابي: الرحراح ويقال: رحرح بغير ألف وإناء أرّح وآنية رحاء كل ذلك بمعنى الواسع وهو الإناء الواسع الصحن القريب القعر القصير الجدار ومثله لا يسع الماء الكثير فهو أدل على المعجزة، وقال الحافظ في الفتح [١/ ٣٠٤] وهذه الصفة شبيهة بالطست فوضع ﷺ يده الشريفة في ذلك الإناء فجعل الماء ينبع فيه من بين أصابعه وحوله جماعة من الصحابة فأمرهم بأن يتوضؤوا من ذلك الماء (فجعل) أي شرع (القوم) الحاضرون (يتوضؤون) من ذلك الماء، قال أنس: (فحزرت) أي حرصت وقدرت، في المصباح خزرت الشيء خزرًا من بابي ضرب وقتل قدرته أي خرصت القوم الذين توضؤوا من ذلك الماء وجعلتهم في خرص (ما بين) فوق (الستين إلى) أن بلغوا (الثمانين قال) أنس: (فجعلت) أي شرعت (انظر إلى الماء)

стр. 9593

يَنْبُعُ مِنْ بَينِ أَصَابِعِهِ. ٥٨٠٠ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهرِ. أَخبَرَنَا ــ الَّذي (ينبع) ويفور ويخرج (من بين أصابعه) الشريفة ﷺ . قال النووي: وفي كيفية هذا النبع قولان حكاهما القاضي وغيره أحدهما ونقله القاضي عن المزني وأكثر العلماء أن معناه أن الماء كان يخرج من نفس أصابعه ﷺ وينبع من ذاتها قالوا: وهو أعظم في المعجزة من نبعه من حجر، والثاني: يحتمل أن الله كثر الماء في ذاته فصار يفور من بين أصابعه لا من نفسها وكلاهما معجزة ظاهرة وآية باهرة اهـ. قال القرطبي: وهذه المعجزة تكررت من النبي ﷺ مرات عديدة في مشاهد عظيمة وجموع كثيرة بلغتنا بطرق صحيحة من رواية أنس وعبد الله بن مسعود وجابر وعمران بن حصين وغيرهم ممن يحصل بمجموع أخبارهم العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي وبهذا الطريق حصل لنا العلم بأكثر معجزاته الدالة على صدق رسالاته كما قد ذكرنا جملة ذلك في كتاب الإعلام، وهذه المعجزة أبلغ من معجزة موسى ﵇ في نبع الماء من الحجر عند ضربه بالعصا إذ من المألوف نغ الماء من بعض الحجارة فأما نبعه من بين عظم ولحم وعصب ودم فشيء لم يُسمع بمثله ولا تحدث به عن غيره. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١٣٢]، والبخاري في مواضع كثيرة منها باب علامات النبوة في الإسلام [٣٥٧٢، إلى ٣٥٧٥١]، والترمذي في المناقب [٣٦٣١]، والنسائي في الطهارة [١/ ٦٠]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال: ٥٨٠٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني إسحاق بن موسى) بن عبد الله بن موسى (الأنصاري) المدني ثم الكوفي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (وحدثنا معن) بن عيسى بن يحيى الأشجعي مولاهم أبو يحيى المدني، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٠) أبواب (حَدَّثَنَا مالك) بن أنس الإمام الأصبحي المدني، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٧) بابا (ح وحدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو الأموي المصري (أخبرنا) عبد الله

стр. 9594

ابْنُ وَهْبٍ، عَن مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. عَن إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ قَال: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَحَانَت صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ. فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضؤُوا مِنْهُ. قَال: فَرَأَيتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ ــ (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقة، من (٩) (عن مالك بن أنس) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (٧) أبواب (عن أنس بن مالك) ﵁. وهذان السندان من خماسياته، غرضه بيان متابعة إسحاق بن عبد الله لثابت بن أسلم (أنَّه) أي أن أنسًا (قال: رأيت رسول الله ﷺ و) قد (حانت) أي قربت (صلاة العصر) أي قرب دخول وقتها (فالتمس) أي طلب (الناس) أي الأصحاب (الوضوء) بفتح الواو أي الماء الَّذي يتوضؤون به (فلم يجدوه) أي لم يجدوا ماء الوضوء (فأُتي رسول الله ﷺ بوضوء) أي بماء قليل ليتوضَّأ به في قدح رحراح (فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء) الرحراح (يده) الشريفة (وأمر) رسول الله ﷺ (الناس) الحاضرين عنده (أن يتوضؤوا منه) أي من ذلك الماء القليل (قال) أنس: (فرأيت الماء ينبع) أي يخرج ويجري (من تحت) أي أسفل أصابعه ﷺ (فتوضأ الناس) الحاضرون من ذلك الماء (حتَّى توضؤوا من) أولهم الذين يلون النبي ﷺ (عند آخرهم) أي إلى آخرهم الذين كانوا بعيدين من النبي ﷺ ، فعند هنا حرف جر بمعنى إلى وهو لغة فيها دل على هذا المعنى ذكر من قبلها وآخرهم بعدها لأن من تقتضي إلى والآخر تقتضي الأول تأمل والمقصود من هذه الغاية أنَّه توضأ جميعهم حتَّى آخرهم، قال الكرماني: حتَّى للتدريج ومن للبيان أي توضأ الناس حتَّى توضأ الذين عند آخرهم وهو كناية عن جميعهم، وعند بمعنى في فكأنه قال: الذين هم في آخرهم، وقال التميمي: المعنى توضأ القوم حتَّى وصلت النوبة إلى الآخر، وذهب النووي إلى أن كلمة من هنا بمعنى إلى وتعقبه الكرماني وانتصر الحافظ للنووي، راجع فتح الباري [١/ ٢٧١].

стр. 9595

٥٨٠١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، (يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ)، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَة، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وأَصْحَابَهُ بِالزَّوْرَاءِ - (قَال: وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ فِيمَا ثَمَّهْ) - دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ كَفَّهُ فِيهِ. فَجَعَلَ يَنْبُعُ مِنْ بَينِ أَصَابِعِهِ. فَتَوَضَّأ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ. قَال: قُلْتُ: كَمْ كَانُوا؟ يَا أَبا حَمْزَةَ. قَال: كَانُوا زُهَاءَ الثَّلَاثِمِائَةِ ــ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال: ٥٨٠١ - (٠٠) (٠٠) (حدثني أبو غسان المسمعي) مالك بن عبد الواحد البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٠) أبواب (حَدَّثَنَا معاذ يعني ابن هشام) الدستوائي (حَدَّثَنَا أبي) هشام بن أبي عبد الله سنبر الدستوائي البصري (عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري (حَدَّثَنَا أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة قتادة لثابت بن أسلم وإسحاق بن عبد الله (أن نبي الله ﷺ وأصحابه) كانوا (بالزوراء قال) أنس: (والزوراء) بفتح الزاي وبالمد مكان معروف (بالمدينة) المنورة كان (عند السوق) المدني (والمسجد) النبوي معروف (فيما) أي في المكان الَّذي كان (ثمه) بفتح المثلثة، اسم إشارة للمكان البعيد، والهاء للسكت أي معروف في المكان الَّذي كان ثم أي عند المسجد والسوق قدام باب السلام كان بين الباب والسوق أدركنا ذلك المكان ورأيناه حين حججنا في سنة (١٣٧٥ هـ) واشترينا كتبًا من مكاتب تلك السوق فلله الحمد على تعميرنا. قال أنس: (دعا) النبي ﷺ أي طلب ماءً يتوضأ به، فأُتي ﷺ كما في الرواية الأولى (بقدح) رحراح (فيه) أي في ذلك القدح (ماء) قليل، ووقع في رواية لأبي نعيم عن أنس أنَّه هو الَّذي أحضر الماء وأحضره من بيت أم سلمة رضي الله تعالى عنهما ذكره الحافظ في الفتح [٧/ ٥٨٥ و ٥٨٦] (فوضع) ﷺ كفه) الشريفة (فيه) أي في ذلك القدح (فجعل) الماء (ينبع) أي يخرج (من بين أصابعه) أي من النقرة التي بين أصابعه فهو بمعنى الرواية التي قبلها (من تحت أصابعه) (فتوضأ) من ذلك الماء (جميع أصحابه) ﷺ (قال) قتادة: (قلت) لأنس: (كم كانوا) أي كم جملة الأصحاب الذين كانوا توضؤوا من ذلك الماء (يا أبا حمزة) كنية أنس (قال) أنس: (كانوا) أي كان الذين توضؤوا من ذلك الماء (زهاء) أي قدر (الثلاثمائة) نفر، يقال: هم زهاء كذا،

стр. 9596

٥٨٠٢ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ ــ ولُهَاء كذا باللام بدل الزاي وضمها فيهما أي قدرها، وفي الرواية الأولى فحزرت ما بين الستين إلى الثمانين فبين رواية ثابت ورواية قتادة معارضة ولعدم إمكان الجمع بينهما ذهب النووي والحافظ إلى حمل الحديثين على واقعتين مختلفتين، ووقع الاختلاف في روايات أنس في تعيين المكان الَّذي وقع فيه ذلك فصرح في حديث الباب أنَّه ﷺ كان بالمدينة، ووقع في رواية الحسن عن أنس عند البخاري في علامات النبوة ما نصه خرج النبي ﷺ في بعض أسفاره ومعه ناس من أصحابه فانطلقوا يسيرون فحضرت الصلاة فلم يجدوا ماء يتوضؤون به .. الخ وهذا يدل على كون الواقعة في سفر ويبعد الجمع بينهما أيضًا والذي يظهر من الأحاديث أن قصة نبع الماء من أصابع رسول الله ﷺ وقعت مرات عديدة فلا يبعد أن يكون أنس ﵁ أخبر في بعض الأحيان ما وقع في المدينة، وفي بعضها ما وقع في السفر وكان المتوضؤون في بعض هذه الواقعات زهاء ثمانين، وفي بعضها زهاء ثلاثمائة والله سبحانه أعلم. وقال الحافظ في الفتح [٧/ ٥٨٥] قصة نبع الماء من بين أصابعه ﷺ جاءت من رواية أنس عند الشيخين وأحمد وغيرهم من خمسة طرق، وعن جابر من أربعة طرق، وعن ابن مسعود عند البخاري والترمذي، وعن ابن عباس عند أحمد والطبراني من طريقين، وعن ابن أبي ليلى عند الطبراني فعدد هؤلاء الأصحاب يكفي لكون الخبر مشهورًا وليس الأمر كما يفهم من كلام القرطبي والقاضي عياض اهـ. وهذه الرواية والتي بعدها انفرد بها الإمام مسلم رحمه الله تعالى. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أنس ﵁ فقال: ٥٨٠٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (حَدَّثَنَا محمد بن جعفر) الهذلي البصري ربيب شعبة المعروف بغندر، ثقة، من (٩) إلَّا أن فيه غفلة (حَدَّثَنَا سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم أبي النضر البصري، ثقة، من (٦) روى عنه في (٨) أبواب (عن قتادة عن أنس) ﵁. وهذا السند من خمساسياته، غرضه بيان متابعة سعيد بن أبي عروبة لهشام الدستوائي (أن النبي ﷺ كان

стр. 9597

بِالزَّوْرَاءِ. فَأُتِيَ بِإِنَاءِ مَاءٍ لَا يَغمُرُ أَصَابِعَهُ. أَو قَدْرَ مَا يُوَارِي أَصَابِعَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ هِشَامٍ. ٥٨٠٣ - (٢٢٥٠) (٥) وحدَّثني سَلَمَةُ بن شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَن جَابِرٍ؛ أَنَّ أُمِّ مَالِكِ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ ﷺ في عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا. فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الُأدمَ. وَلَيسَ ــ بالزوراء فأُتي) بالبناء للمفعول أي أتاه آت وهو أنس بن مالك كما مر آنفًا (بإناء ماء لا يغمر) ذلك الماء أي لا يستر ولا يغطي (أصابعه) لقلته (أو) قال أنس أو قتادة: أُتي بإناء ماء (قدر ما يواري) ويستر ذلك الماء (أصابعه) والشك من سعيد أو من قتادة قال محمد بن جعفر: (ثم ذكر) سعيد (نحو حديث هشام) الدستوائي. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨٠٣ - (٢٢٥٠) (٥) (وحدثني سلمة بن شبيب) المسمعي النيسابوري نزيل مكة، ثقة، من (١١) روى عنه في (٥) أبواب (حَدَّثَنَا الحسن) بن محمد (بن أعين) الأموي مولاهم الحراني، صدوق من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (حَدَّثَنَا معقل) بن عبيد الله العبسي بالموحدة مولاهم الحراني، صدوق، من (٨) روى عنه في (٩) أبواب تقريبًا (عن أبي الزبير) المكي الأسدي (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن أم مالك) الأنصارية الصحابية رضي الله تعالى عنها اسمها كنيتها (كانت تهدي للنبي ﷺ في عكة لها سمنًا) أي زبدًا صفي من المخيض بالتسخين على النار، قال في القاموس: العُكة بضم العين وتشديد الكاف آنية السمن أصغر من القربة وجمعه عكك وزان غرف وغرفة، وذكر الحافظ في الإصابة [٤/ ٤٧٠] رواية لابن أبي عاصم ولابن أبي خيثمة جاء فيها أن أم مالك الأنصارية جاءت بعكة سمن إلى رسول الله ﷺ فأمر بلالًا بعصرها ثم دفعها إليها فإذا هي مملوءة فجاءت فقالت: أنزل فيّ شيء؟ قال: "وما ذلك؟ " قالت: رددت علي هديتي فدعا بلالًا فسأله فقال: والذي بعثك بالحق لقد عصرتها حتَّى استحييت، فقال: "هنيئًا لك هذه بركة يا أم مالك هذه بركة عجّل الله لك ثوابها" (فيأتيها بنوها فيسألونـ) ـها (الأدم) بضم الهمزة وسكون الدال ما يؤكل به الخبز ويطيبه يجمع على إدام وأُدم (وليس

стр. 9598

عِنْدَهُمْ شَيءٌ، فَتَعْمِدُ إِلَى الَّذِي كَانَت تُهْدِي فِيهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَتَجِدُ فِيهِ سَمْنًا. فَمَا زَال يُقِيمُ لَهَا أُدْمَ بَيتِهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: "عَصَرْتِيهَا؟ " قَالتْ: نَعَمْ. قَال: "لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَال قَائِمًا". ٥٨٠٤ - (٢٢٥١) (٦) وحدَّثني سَلَمَةُ بن شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَطْعِمُهُ، فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ ــ عندهم شيء) من الإدام (فتعمد) أي فتقصد (إلى) الإناء (الَّذي كانت تهدي فيه للنبي ﷺ وهي العكة المذكورة (فتجد فيه سمنًا فما زال) الشأن (يقيم) ويدوم ويوجد (لها أدم بيتها) في ذلك الإناء (حتَّى عصرته) حتَّى عصرت ذلك الإناء وخلصته مما فيه ومسحته أي لم يزل ذلك الإناء يهيأ لها ما يكفي لائتدام أهل بيتها إلى أن عصرته فلم يبق فيه شيء (فأتت) أم مالك (النبي ﷺ فأخبرته حال عكتها بعد عصرها (فقال) لها النبي ﷺ (عصرتيها) أي عصرت العكة وخلصتيها عما فيها من السمن (قالت) أم مالك: (نعم) عصرتها يا رسول الله فـ (قال) لها رسول الله ﷺ : (لو تركتيها) أي لو تركت العكة ولم تعصريها مما فيها من السمن (ما زال) أُدمك (قائمًا) أي موجودًا فيها مستمرًا. وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم عن أصحاب الأمهات. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أنس بحديث آخر لجابر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨٠٤ - (٢٢٥١) (٦) (وحدثني سلمة بن شبيب) المسمعي النيسابوري (حَدَّثَنَا الحسن) بن محمد (بن أعين) الأموي الحراني (حَدَّثَنَا معقل) بن عبيد الله العبسي الحراني (عن أبي الزبير) المكي (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري ﵄. وهذا السند من خماسياته فهو نفس السند الَّذي قبله حرفًا بحرف (أن رجلًا) ولم أر أحدًا من الشراح ذكر اسم هذا الرجل، وللبيهقي ما يفيد أنَّه نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ولعلها حادثة أخرى مشابهة لها اهـ من مبهمات مسلم (أتى النبي ﷺ حالة كونه (يستطعمه) أي يطلب منه ﷺ الإطعام (فأطعمه) النبي ﷺ أي فأعطاه النبي ﷺ طعامًا (شطر وسق شعير) أي طعامًا

стр. 9599

فَمَا زَال الرَّجُلُ يأكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيفُهُمَا، حَتَّى كَالهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: "لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لأَكلْتُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَ لَكُمْ" ــ نصف وسق شعير، والوسق ستون صاعًا والشطر ثلاثون صاعًا كما مر في كتاب الزكاة، وشطر بدل من طعامًا المقدر المفهوم من الفعل أو عطف بيان له (فما زال الرجل يأكل منه) أي من ذلك الشطر هو (وامرأته وضيفهما حتَّى كاله) أي حتَّى كال ذلك الطعام ليعلم قدره فلما كاله فني بسرعة (فأتى النبي ﷺ فأخبره بحال الطعام من أكله زمانًا قبل الكيل، ومن فناءه بسرعة بعد الكيل (فقال) له النبي ﷺ : (لو لم تكله) ولم تعلم قدره (كلتم منه) أي من ذلك الطعام بلا تقدير مدة (ولقام لكم) واستمر عندكم وثبت ودام لكم. قال القرطبي: ونماء سمن العكة وشطر وسق الشعير كل ذلك ببركة النبي ﷺ فيما لمسه أو تناوله أو تهمم به أو برّك عليه وكم له منها وكم، ورفع النماء من ذلك عند العصر والكيل سببه والله أعلم الالتفات بعين الحرص مع معاينة إدرار نعم الله تعالى ومواهب كراماته وكثرة بركاته والغفلة عن الشكر عليها والثقة بالذي وهبها والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادة وهذا نحو مما جرى لبني إسرائيل في التيه لما أنزل عليهم المن والسلوى وقيل لهم: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] فأطاعوا حرص النفس فادخروا للأيام فختر اللحم وفسد الطعام. وقوله (لصاحبة العكة: "لو تركتيها ما زال قائمًا" ولصاحب الشطر: "لو لم تكله لقام لكم") يُستفاد منه أن من أُدرّ عليه رزق أو أكرم بكرامة أو لطف به في أمر ما فالمتعين عليه موالاة الشكر ورؤية المنة لله تعالى ولا يحدث مغيرًا في تلك الحالة ويتركها على حالها ومعنى رؤية النعمة أن يعلم أن ذلك بمحض فضل الله وكرمه لا بحولنا ولا بقوتنا ولا استحقاقنا اهـ من المفهم. وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى لكنه شاركه أحمد برقم [٣/ ٣٣٧ و ٣٤٧]. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أنس بحديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما فقال:

стр. 9600

٥٨٠٥ - (٢٢٥٢) (٧) حدَّثنا عَبدُ اللهِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ، (وَهُوَ ابْنُ أَنَسٍ)، عَن أَبِي الزُّبَيرِ الْمَكِّيِّ؛ أَنَّ أَبَا الطُّفَيلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ أَخبَرَهُ؛ أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ أَخبَرَهُ. قَال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ. فَكَانَ يَجْمَعُ الصَّلاةَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَانمَغرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، ــ ٥٨٠٥ - (٢٢٥٢) (٧) (حَدَّثَنَا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي) السمرقندي، ثقة متقن، من (١١) روى عنه في (١٤) بابا (حَدَّثَنَا أبو علي الحنفي) عبيد الله بن عبد المجيد البصري، صدوق، من (٩) روى عنه في (٥) أبواب (عن مالك وهو ابن أنس) الإمام المدني (عن أبي الزبير المكي أن أبا الطفيل عامر بن واثلة) بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي المكي الصحابي المشهور ﵁، روى عنه في (١٠) أبواب (أخبره) أي أخبر عامر لأبي الزبير (أن معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي المدني الصحابي الجليل، أسلم وهو ابن ثماني عشر سنة، وشهد بدرًا والمشاهد، له (١٥٧) مائة وسبعة وخمسون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد (خ) بثلاثة و (م) بواحد، مات بالشام في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وله ثلاث وثلاثون سنة، وقُبر بغور بيسان في شرقيه ﵁، روى عنه في (٣) أبواب. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن فيه رواية صحابي عن صحابي. (أخبره قال) معاذ: (خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة (عام غزوة تبوك) وهو موضع معروف بطريق الشام فيه ماء وهذه الغزاة آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ يريد غزوة الروم فخرج فيها في شهر رجب سنة تسع من الهجرة في حر شديد لسفر بعيد وخرج معه أهل الصدق من المسلمين وتخلّف عنه جميع المنافقين وكانت غزوة أظهر الله فيها من معجزات نبيه ﷺ وكرامته ما زاد الله المؤمنين به إيمانًا وأقام بذلك على الكافرين حجة وبرهانًا (فكان) ﷺ في تلك الغزوة (يجمع الصلاة) إلَّا الصبح صورة عند الحنفية وحقيقة عند غيرهم على ما مر فيه من تفصيل الخلاف في كتاب الصلاة (فصلى الظهر والعصر جميعًا) في وقت الظهر يجمعهما جمع تقديم عند غير أبي حنيفة (و) صلى (المغرب والعشاء جميعًا) في وقت المغرب يجمعهما جمع تقديم، وهذا إشارة إلى جمع تقديم، واستمر على هذه

стр. 9601

حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلاةَ. ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا. ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذلِكَ. فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا. ثُمَّ قَال: "إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللهُ، عَينَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمَسَّ مِن مَائِهَا شيئًا حَتَّى آتِيَ" ــ الكيفية في صلاته كلها (حتَّى إذا كان) ﷺ (يومًا) أي في يوم من الأيام (أخّر الصلاة) الأول عن وقتها (ثم) بعد تأخيرها ودخول وقت الثانية (خرج) من خيمته (فصلى الظهر والعصر جميعًا) في وقت صلاة العصر يجمعهما جمع تأخير (ثم دخل) خيمته وجلس فيها حتَّى وقت العشاء (ثم خرج) من خيمته (بعد ذلك) أي بعدما أخر المغرب إلى وقت العشاء (فصلى المغرب والعشاء جميعًا) في وقت صلاة العشاء يجمعهما جمع تأخير. وهذا الحديث مستند الشافعي في جواز الجمع بين الصلاتين تقديمًا وتأخيرًا في السفر، وأما عند الأحناف فلا يجوز الجمع بينهما إلَّا في عرفات ومزدلفة لا غير، وأجابوا عن هذا الحديث وأمثاله بأنه ﷺ صلى الأولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها فحصل الجمع بهذه الصورة لا بصورة تأخير الأول حتَّى يدخل وقت الثانية والله أعلم. قال العيني: وأحسن التأويلات في هذا الحديث وأقربها إلى القبول أنَّه يحمل على تأخير الأول إلى آخر وقتها فصلاها فيه فلما فرغ عنها دخلت الثانية فصلاها ويؤيد هذا التأويل ويبطل غيره ما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير وقتها إلَّا بجمع فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها. وهذا الحديث يبطل العمل بكل حديث فيه جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء سواء كان في سفر أو حضر أو غيرهما اهـ. (ثم قال) رسول الله ﷺ : (أنكم ستأتون) أي تحضرون (غدًا) أي في اليوم التالي لهذا اليوم (أن شاء الله) تعالى إتيانكم (عين تبوك) أي ماءها القليل (وإنكم لن تأتوها) أي لن تأتوا تلك العين (حتَّى يضحي النهار) أي حتَّى يشتد حر النهار بدخول وقت الضحوة (فمن جاءها) أي جاء وحضر تلك العين (منكم) قبلي (فلا يمس) أي فلا يأخذ (من مائها) أي من ماء تلك العين (شيئًا) لا قليلًا ولا كثيرًا (حتَّى آتي) أنا إياها وأحضرها لأدعو عليها بالبركة، ولم أقف على حكمة هذا النهي مصرحة في رواية

стр. 9602

فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيهَا رَجُلَانِ. وَالْعَينُ مِثلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيءٍ مِنْ مَاءٍ. قَال: فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيئًا؟ " قَالا: نَعَمْ. فَسَبَّهُمَا النَّبِيّ ﷺ ، وَقَال لَهُمَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ ــ ولا في كلام أحد من الشراح، ولعله ﷺ بيان يريد أن تظهر في الماء البركة بحضوره ﷺ إياها وكان يخشى إذا مسه أحد قبل حضوره أن ينقطع الماء، ثم رأيت الباجي رحمه الله تعالى قد ذكر في شرح الموطأ مثل هذا في بيان حكمة هذا النهي وزاد قائلًا: فيه دليل على أن للإمام له أن يمنع من الأمور العامة كالماء والكلأ من المنافع التي يشترك فيها المسلمون لما يراه من المصلحة اهـ من التكملة. وقال القرطبي: إنما نهاهم عن ذلك ليظهر انفراده بالمعجزة وتتحقق نسبتها إليه واختصاصه بها فإنه إذا شاركه غيره في مس ماءها لم يتمحض اختصاصه بها ولذلك لما وجد الرجلين عليها أمر أن يغرف له من مائها وكأنه كان أراد أن يباشر الماء وهو في موضعه لكن لما سبقه غيره إليها جمعوا له من مائها فغسل فيه يديه ووجهه ثم أمر أن يُعاد ذلك الماء فيها فلما فعلوا ذلك جاءت العين بماء منهمر وسُمع له حس كحس الصواعق اهـ من المفهم. قال معاذ بن جبل: (فجئناها) مع رسول الله ﷺ (وقد سبقنا إليها رجلان) من المسلمين، وروى أبو بشر الدولابي أنهما كانا من المنافقين قاله الزرقاني في شرح الموطأ، وقال ابن حجر في الفتح [٣/ ٣٤٥] ولم أقف على اسم الرجلين المذكورين اهـ من مبهمات مسلم (والعين مثل الشراك) أي مثل شراك النعل وسيرها الَّذي يجعل بين الإصبعين في قلة عرض الماء في العين (تبصر بشيء من ماء) الرواية المشهورة تبض بكسر الباء وبالضاد المعجمة أي تسيل بماء قليل رقيق مثل شراك النعل وقد رُوي بالصاد المهملة، وكذلك وقع في البخاري أي تبرق يقال بص يبص بصيصًا، ووبص يبص وبيصًا بمعناه أي تبرق وتلمع ويمكن تفسيره بالرشح أيضًا لأنه أحد معاني الكلمة كما في القاموس (قال) معاذ: (فسألهما) أي سأل الرجلين (رسول الله ﷺ فقال لهما: (هل مسستما) وأخذتما (من مالها شيئًا؟ قالا: نعم) أخذنا من مائها وانتفعنا به، قال معاذ: (فسبهما) أي فسب وشتم الرجلين (النبي ﷺ وقال لهما) رسول الله ﷺ في سبهما: (ما شاء الله أن يقول) رسول الله ﷺ .

стр. 9603

قَال: ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيدِيهِمْ مِنَ الْعَينِ قَلِيلًا قَلِيلًا. حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيءٍ. قَال: وَغَسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ يَدَيهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتِ الْعَينُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ. أَوْ قَال غَزِيرٍ -شَك أَبُو عَلِيٍّ أَيُّهُمَا قَال- حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَال: ــ قوله: (فسبهما رسول الله ﷺ أي لامهما وعاتبهما، قال عياض: فيه تأديب الحاكم بالقول والسب غير المقدح، وقال الباجي: لعله ﷺ سألهما لما رأى من قلة الماء، ولعله أُوحي إليه أنَّه يكثر إذا شق إليه فأنكر قلته. وأما وجه مخالفتهما لنهي النبي ﷺ فقال فيه الباجي في المنتقى: لأنهما لم يعلما نهيه أو حملاه على الكراهة أو نسياه إن كانا مؤمنين ولم يوافق سبه إياهما محله وروى أبو بشر الدولابي أنهما كانا من المنافقين فقصدا مخالفة رسول الله ﷺ فصادف السب محله، ويحتمل أنهما كانا غير منافقين ولم يعلما بنهي النبي ﷺ ويكون سبه لهما لم يصادف محلًا فيكون ذلك رحمة لهما وزكاة كما قاله ﷺ : "اللهم من لعنته أو سببته وليس لذلك بأهل فاجعل ذلك له زكاة ورحمة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة" رواه مسلم [٢٦٠١]، (٨٩). (قال) معاذ: (ثم غرفوا) أي غرف أصحابه ﷺ أي اغترفوا (بأيديهم) أي بأكفهم (من) ماء (العين قليلًا قليلًا) أي شيئًا فشيئًا أي أخذوا الماء بأكفهم قليلًا قليلًا من تلك العين وصبوه في بعض أوانيهم (حتَّى اجتمع) الماء (في شيء) من تلك الأواني (قال) معاذ: (وغسل رسول الله ﷺ فيه) أي في ذلك الماء جمعوه في الإناء (يديه) أي كفيه (ووجهه ثم أعاده) أي أمر بإعادة ذلك الماء الَّذي غسل فيه وجهه ويديه (فيها) أي في تلك العين (فجرت) أي سالت (العين بماء منهمر) أي منفجر بشدة شديد التدفق والانفجار، قال المجد في القاموس: انهمر الماء انسكب وسال والهضار السحاب السيال، ووقع في رواية الموطأ بماء كثير (أو قال) مالك حين ما حَدَّثَنَا هذا الحديث فجرت العين بماء (فزير) والغزير بمعجمتين ثم براء آخره كالكثير وزنًا ومعنى، قال المؤلف: (شك أبو علي) الحنفي (أيهما) أي أي اللفظين (قال) مالك بن أنس: يعني لفظي منهمر وغزير والمعنى واحد، قال معاذ: فجرت العين بماء منهمر (حتَّى استقى الناس) أي أخذوا منها الماء في أسقيتهم (ثم قال) رسول الله صلى

стр. 9604

"يُوشِكُ، يَا مُعَاذُ! إِنْ طَالتْ بِكَ حَيَاةٌ، أَنْ تَرَى مَا ههُنَا قَد مُلِئَ جِنَانًا". ٥٨٠٦ - (٢٢٥٣) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بن مَسْلَمَةَ بنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَن عَمْرِو بْنِ يَحِيَى، عَنْ عَبَّاسِ بنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ، ــ الله عليه وسلم: (يوشك) أي يقرب (يا معاذ إن طالت بك حياة) أي إن أطال الله عمرك (أن نرى ما ها هنا) أي ما في حوالي هذه العين (قد مليء) وغُرس (جنانًا) أي بساتين وأشجارًا وعمائر مملوءة وهي جمع جنة، وذكر ابن عبد البر عن ابن وضاح قال: إني رأيت ذلك الموضع كله حوالي تلك العين جنانًا خضرة نضرة كذا في كشف المغطا شرح الموطأ. وقال القرطبي: والجنان البستان من النخل وغيره سُمي بذلك لأنه يجن أرضه وما تحته أي يستر ذلك وقد اشتمل هذا الحديث على معجزتين عظيمتين إحداهما: نبع الماء المذكور، والثانية: تعريفه بكثير من علم الغيب فإن تبوك من ذلك الوقت سُكنت لأجل ذلك الماء وغُرست بساتين كما قال النبي ﷺ . وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم أيضًا في صلاة المسافرين باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، وأخرجه أبو داود في الصلاة باب الجمع بين الصلاتين [١٠٥٦] و ١٢٠٨]، والترمذي في الصلاة باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين [٥٥٣ و ٥٥٤]، والنسائي في مواقيت الصلاة باب الوقت الَّذي يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر [٥٨٧]، واين ماجة في إقامة الصلاة باب الجمع بين الصلاتين في السفر [١٠٥٦]، ومالك في الموطأ في قصر الصلاة في السفر ولم يخرج غير مسلم ومالك إلَّا الجمع بين الصلاتين ولم يذكروا القصة بطولها وذكرها مالك ومسلم. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث أنس بحديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨٠٦ - (٢٢٥٣) (حَدَّثَنَا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) الحارثي المدني البصري، ثقة، من (٩) (حَدَّثَنَا سليمان بن بلال) التميمي مولاهم المدني، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٣) بابا (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة بن أبي حسن المازني، ثقة، من (٦) روى عنه في (٩) أبواب (عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي) المدني، ثقة، من (٤) روى

стр. 9605

عَنْ أَبِي حُمَيدٍ. قَال: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَأَتَينَا وَادِيَ الْقُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لامْرَأَةٍ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اخْرُصُوهَا" فَخَرَصْنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشرَةَ أَوسُقٍ. وَقَال: "أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيكِ، إِنْ شَاءَ اللهُ" وَانْطَلَقْنَا. حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَتَهُبُّ عَلَيكُمُ اللَّيلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، ــ عنه في (٣) أبواب (عن أبي حميد) الأنصاري الساعدي المدني الصحابي المشهور ﵁، قيل: اسمه عبد الرحمن بن سعد، وقيل: المنذر بن سعد بن المنذر، روى عنه في أربعة أبواب (٤) وهذا السند من خماسياته (قال) أبو حميد (خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة في (غزوة تبوك فأتينا) أي جئنا في ذلك السفر (وادي القرى) وهي مدينة قديمة بين مدينة رسول الله ﷺ والشام فمررنا حين وصلنا إليها (على حديقة) وبستان (لامرأة) قال الحافظ: لم أقف على اسمها في شيء من الطرق (فقال رسول الله ﷺ لمن عنده من الصحابة: (أخرصوها) بضم الراء وكسرها من بابي ضرب ونصر والضم أشهر أي احزروا وخمِّنوا كم يجيء ويخرج من ثمرها رطبًا وتمرًا، قال النووي: فيه استحباب امتحان العالم أصحابه واختبار المعلم تلميذه بمثل هذا التمرين ولعله ﷺ فعل ذلك تمرينًا لهم على الخرص الَّذي يحتاج إليه المسلمون عند أخذ الصدقات وأمر المرأة بإحصاء الخارج منها ليتبين صحة الخرص وخطاه، قال أبو حميد (فخرصناها) أي فخمناها معاشر الحاضرين مع رسول الله ﷺ وقذر كل منا ثمرها بحسب ظنه (وخرصها) أي خرص وخمّن وقدّر (رسول الله ﷺ ثمرها (عشرة أوسق) جمع وسق، قال في النهاية: الوسق ستون صاعًا وهو ثلاثمائة وعشرون رطلًا عند أهل الحجاز وأربعمائة وثمانون رطلأ عند أهل العراق (وقال) رسول الله ﷺ للمرأة: (أحصيها) أي أحصي ثمر هذه الحديقة واضبطي عدد أوسقها (حتَّى نرجع إليك أن شاء الله) تعالى فتخبرينا عددها ليتبين لنا صحة خرصنا وخطاه (وانطلقنا) أي ذهبنا من وادي القرى (حتَّى قدمنا تبوك فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: (ستهب) وتعصف (عليكم) هذه (الليلة) المستقبلة (ريح شديدة) العصف

стр. 9606

فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ. فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالهُ" فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَة. فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَي طَيًئٍ، ــ والهبوب حتَّى تأخذ من قام فيها (فلا يقم فيها أحد منكم) من مرقده احتراسًا من أخذها وتحفظًا من ضررها، وفي رواية لابن إسحاق في المغازي (ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلَّا ومعه صاحب له) وفيه شفقة النبي ﷺ على الأمة وجواز تعليم التدابير الوقائية وأخذ الاحتياطات اللازمة عندما يخشى الضرر (فمن كان له بعير) أي جمل (فليشد عقاله) أي فليقو عقاله وربطه لئلا يتحرك، قال أبو حميد: (فهبت) وعصفت (ريح شديدة) تلك الليلة التي أخبر عنها الرسول ﷺ (فقام رجل) من المسلمين لم أقف على من ذكر اسمه (فحملته) أي حملت (الريح) ذلك الرجل (حتَّى ألقته) ورمته (بجبل طيء) أي على أحد جبلين لطيء هما مشهوران يقال لأحدهما: (لَجَأ) بفتح اللام والجيم وبالهمز آخره والآخر يقال له: (سلمى) بفتح السين وسكون اللام وبالقصر، وطيء على وزن سيد هو أبو قبيلة من اليمن، قال صاحب التحرير: وطيء يُهمز ولا يُهمز لغتان اهـ نووي. وهي القبيلة المعروفة كانت مقيمة بين جبلين أحدهما أَجَا والآخر سلمى سُميا باسم رجل وامرأة كانت لهما قصة في ذلك الموضع ذكرها العيني في عمدة القاري [٤/ ٤١٦] عن أسماء البلدان للكلبي وحاصلها أن أجا قد هرب بعشيقته سلمى وجاء إلى هذين الجبلين وأقام بهما فجاء إخوة سلمى في طلبها فأخذوا سلمى ونزعوا عينها ووضعوها على الجبل وكُتف أجأ ووضع على الجبل فسُمي بهما الجبلان فسُميت بلاد طيء بجبل طيء، وفي رواية لابن إسحاق في المغازي (فَفَعَل الناسُ ما أمرهم به إلَّا رجلَين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج آخر في طلب بعير له فأما الَّذي ذهب لحاجته فإنه خُنق على مذهبه، وأما الَّذي ذهب لطلب بعيره فاحتملته الريح حتَّى طرحته بجبل طيء فأُخبر رسول الله ﷺ فقال: "ألم أنهكم أن يخرج الرجل إلَّا ومعه صَاحِبٌ له" ثم دعا على الَّذي أصيب على مذهبه فشُفي، وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله ﷺ حين قدم من تبوك) كذا في فتح الباري [٣/ ٣٤٥] قال القرطبي: (قوله ﷺ : اخرصوها) فيه دليل على جواز الخرص إذا احتيج إليه وأنه طريق معتبر شرعًا وخروج ثمرة هذه الحديقة على مقدار ما خرصه رسول الله ﷺ دليل على صحة حدسه وقوة إدراكه وإصابته وجه الصواب فيما كان يحاوله.

стр. 9607

وَجَاءَ رَسُولُ ابْنِ الْعَلْمَاءِ، صَاحِبِ أَيلَةَ، إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِكِتَابٍ، وَأَهْدى ــ ولا يعارض هذا بحديث تأبير النخل فإن الله تعالى قد أجرى عادة ثابتة متكررة في تأبير النخل لم يعلمها النبي ﷺ فقال: "ما أرى هذا يغني شيئًا، يعني التابير وصدق فإن الله تعالى هو الَّذي يمسك الثمرة ويطيبها إذا شاء لا التأبير ولا غيره بخلاف الوصول إلى المقادير بالخرص فإن الغالب فيه من الممارسين له التقريب لا التحقيق وقد أخبر النبي ﷺ بمقدار ذلك على التحقيق فوجد ما أخبر فإن كان هذا منه على حدس وتخمين كان دليلًا على أنَّه قد خص من ذلك بشيء لم يصل إليه غيره وإن كان ذلك بالوحي كان ذلك من شواهد نبوته ﷺ . وقوله: (ستهب عليكم ريح شديدة) هذا من المعجزات الغيبية وهي من الكثرة بحيث لا تحصى يحصل بمجموعها العلم القطعي بأن النبي ﷺ كان يعلم كثيرًا من علم الغيب الَّذي لا يعلمه إلَّا الله أو من ارتضاه من الرسل فاطلعه الله عليه والنبي ﷺ قد أطلعه الله عليه فهو رسول من أفضل الرسل. وقوله: (فلا يقم فيها أحد ومن كان له بعير فليشد عقاله) دليل على الأخذ بالحزم والحذر في النفوس والأموال ومن أهمل شيئًا من الأسباب المعتادة زاعمًا أنَّه متوكل فقد غلط فإن التوكل لا يناقض التحرز بل حقيقته لا تتم إلَّا لمن جمع بين الاجتهاد في العمل على سنة الله وبين التفويض إلى الله تعالى كما فعل رسول الله ﷺ اهـ من المفهم. (وجاء رسول ابن العَلْمَاء) بفتح العين المهملة وسكون اللام والمد وهو تأنيث الأعلم وهو المشقوق الشفة العليا والأفلح هو المشقوق الشفة السفلى (صاحب أيلة) بالجر صفة لابن العلماء وقوله صاحب أيلة يعني به مَلِكهَا، وأيلةُ بلد معروف بالشام وإِلَيهِ تُنْسَبُ عَقَبَةُ أَيلَةَ وهي بفتح الهمزة وسكون الياء بلدة قديمة على ساحل البحر وجاء في مغازي ابن إسحاق ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه يُوحَنّا بن رَوْبةَ صاحبُ أيلة فصَالحَ رسول الله ﷺ وأعطاه الجزيةَ، قال الحافظ: فاستفيد من ذلك اسمه واسم أبيه فلعل العَلْمَاء اسمُ أمه ولقَبها ويوحنّا بضم التحتانية وفتح المهملة وتشديد النون، ورُوْبة بضم الراء وسكون الواو أي جاء ذلك الرسول (إلى رسول الله ﷺ بكتاب) أي برسالة من ابن العلماء (وأهدى) ابن العلماء

стр. 9608

لَهُ بَغْلَةً بَيضَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَهْدَى لَهُ بُرْدًا، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَرْأَةَ عَن حَدِيقَتِهَا "كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟ " فَقَالت: عَشْرَةَ أَوْسُقٍ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي مُسْرِعٌ. فَمَنْ شَاءَ مِنْكُنم فَلْيُسْرِعْ مَعِيَ. وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ" فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ. فَقَال "هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ. وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ" ــ (له) ﷺ (بنلة بيضاء فكتب إليه) أي إلى ابن العلماء (رسول الله ﷺ وأهدى) رسول الله ﷺ (له) أي لابن العلماء (بُردًا) أي كِسَاءً مخططًا. قوله: (وأهدى له بغلة بيضاء) هذه البغلة قَبِلهَا النبي ﷺ وبقيت عنده زمانًا طويلًا ولم تكن له بغلة غيرها وكانت تسمى الدُلدُل، وفيه دليل على قبول هدية الكتابي وأما إهداؤه البُرد فمكافأة ومواصلة واستئلاف ليدخل في دين الإسلام وكان النبي ﷺ لم يحضره شيء في ذلك الوقت إلَّا ذلك البرد والله أعلم اهـ من المفهم. قال أبو حميد: (ثم) بعدما أقمنا تبوك مدة قليلة (أقبلنا) أي رجعنا منه وأقبلنا إلى المدينة (حتَّى تدمنا وادي القرى) ووصلنا إليه (فسأل رسول الله ﷺ المرأة) صاحبةَ الحديقة (عن) ثمر (حديقتها) فقال لها: (كم بلغ ثمرها فقالت) المرأة: بلغ ثمرها (عشرة أوسق) قدر ما خرص به النبي ﷺ وأخبر به أولًا (فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: (إني مسرع) ومستعجل إلى المدينة (فمن شاء منكم) الإسراع والاستعجال معي (فليُسرع معي) إليها وليستعجل (ومن شاء) أن يتأخر ويستريح (فليمكث) ها هنا حتَّى يستريح، قال أبو حميد: (فخرجنا) مع رسول الله ﷺ من وادي القرى وذهبنا إلى جهة المدينة (حتَّى أشرفنا) وطلعنا (على المدينة فقال) رسول الله ﷺ : (هذه) البلدة مشيرًا إلى المدينة (طابة) أي بلدة طيبة بطيب سكانها بالإيمان، وطابة اسم لا ينصرف للعلمية والتأنيث اللفظي؛ ومعناها الطيبة وسماها رسول الله ﷺ بهذا الاسم وكان اسمها أولًا يثرب باسم أول من سكنها رجل من العمالقة (وهذا) الجَبلُ (أُحدٌ هو) جَبَلٌ (يحبنا) أي يحبنا أهلُه وهم الأنصارُ (ونُحبه) أي نُحِب نحن أهلَه وهم الأنصار، والحاصل أن بعضَهم أوَّلُوه

стр. 9609

ثُمَّ قَال: "إِنَّ خَيرَ دُورِ الأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ. ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ. ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. ثُمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ ــ بأهلِ الجبل ومجاورِيه وهم الأنصارُ فإنهم كانوا يحبون رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ كان يحبهم، وحمله آخرون على حقيقته ولا مانع من أن يحب جبلٌ رسول الله ﷺ فإنه رحمة للعالمين بما فيها من الشجر والحجر، وقد مر قريبًا في أوائل الباب أن حجرًا كان يسلِّم على رسول الله ﷺ (ثم قال) رسول الله ﷺ : (أن خير) وأفضل (دور) وبطون (الأنصار دار) وبطن (بني النجار) وإنما فضّل بني النجار لسبقهم إلى الإسلام وآثارهم الجميلة في الدين اهـ نووي يعني أن أسرتهم أفضل مرتبة من البيوت الأخرى للأنصار وبنو النجار هم أخوال جد رسول الله ﷺ لأن والدة عبد المطلب منهم وعليهم نزل رسول الله ﷺ لما قدم المدينة فلهم مزية على غيرهم، والنجار لقب لتيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، قيل: سُمي النجار لأنه اختتن بقدُّوم، وقيل: بل نجر وجه رجل بالقدوم فسُمي النجار كذا ذكر العيني في العمدة [٤/ ٤١٧] (ثم دار بني عبد الأشهل) هم من الأوس وعبد الأشهل هو ابن جشم بن الحارث بن الخزرج الأصغر ابن عمرو وهو النبيت بن مالك بن الأوس، والأوس هو أحد جذمي الأنصار لأنهم جذمان الأوس والخزرج وهما أخوان وأمهما قيلة بنت الأرقم كما في العمدة، وبنو عبد الأشهل هم رهط سعد بن معاذ ﵁ وذكرت فضيلتهم في حديث الباب بعد فضيلة بني النجار، ووقع في رواية لأبي هريرة تقديم بني عبد الأشهل علي بني النجار لكن رجح الحافظ في الفتح [٧/ ١١٦] حديث الباب وأن بني النجار مقدمون علي بني عبد الأشهل (ثم دار بني عبد الحارث بن الخزرج) كذا وقع للعذري والفارسي وهو وهم، والصواب ثم دار بني الحارث بن الخزرج بإسقاط لفظ عبد (ثم دار بني ساعدة) هم من الخزرج وهم رهط سعد بن عبادة، قال القرطبي: والحديث يدل على جواز تفضيل بعض المعينين على بعض من غير الأنبياء، وإن سمع ذلك المفضول، وقد تقدم القول في تفضيل الأنبياء (والدور) جمع دار وهو في الأصل المحلة والمنزل وعبّر به هنا عن القبائل وهذا نحو قوله: (أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة أي في القبائل والمحلات، وفيه أيضًا ما يدل على جواز المدح إذا قصد به الإخبار بالحق ودعت إلى

стр. 9610

وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيرٌ" فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ. فَقَال أَبُو أُسَيدٍ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ خَيَّرَ دُورَ الأَنْصَارِ، فَجَعَلَنَا آخِرًا، فَأدْرَكَ سَعْدٌ رَسُول اللهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللهِ، خَيَّرْتَ دُورَ الأَنْصَارِ فَجَعَلْتَنَا آخِرًا. فَقَال: "أَوَلَيسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْخِيَارِ" ــ ذلك حاجة وأمنت الفتنة على الممدوح (وفي كل دور) وقبائل (الأنصار خير) أي فضل ومرتبة وإن كان أخيرًا في التخيير، قال أبو حميد راوي الحديث (فلحقنا) معاشرَ الحاضرين عند النبي ﷺ (سعدُ بن عبادة) بن دُلَيم بن حارثة بن حرام بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري سيد الخزرج يكنى أبا ثابت وأبا قيس وأمه عمرة بنت مسعود لها صحبة وماتت في زمن النبي ﷺ سنة خمس وشهد سعد العقبة وكان أحد النقباء اهـ من الإصابة [٢/ ٣٠] (فقال أبو أسيد) مالك بن ربيعة بن البَدَن بفتح الموحدة والمهملة بعدها نون الأنصاري الخزرجي الساعدي (ألم تر) يا سعد أي ألم تعلم (أن رسول الله ﷺ خيّر) اليوم أي فاضل (دور الأنصار) وبطونهم أي فضل بعضهم على بعض (فجعلنا) معاشر بني ساعدة (آخرًا) أي آخر الأنصار في الفضل (فأدرك) أي لحق (سعد) بن عبادة (رسول الله ﷺ فقال) له سعد: (يا رسول الله خيّرت) اليوم (دور الأنصار) وبطونهم بعضهم على بعض (فجعَلْتنَا آخرًا) أي فجعَلْتَ بني ساعدة آخر الأنصار في الفضل وصيَّرتهم مفضولين لغيرهم، والظاهر أنَّه لم يقل هذا الكلام على سبيل الإنكار والاعتراض وإنما قاله على سبيل التثبت والتيقن (فقال) له رسول الله ﷺ : (أ) تقول ذلك (وليس بحسبكم) أي بكافيكم في الفضل (أن تكونوا من الخيار) أي من بعض المختارين وإن لم تكونوا أفضلهم بل كافيكم ذلك، ويروى (من الأخيار) وكلاهما صحيح. وفي الحديث دليل على جواز المنافسة في الخير والدين والثواب كما قال سعد: يا رسول الله خيّرت دور الأنصار فجعلتنا آخرًا طلب أن يلحقهم بالطبقة الأولى فأجابه بأن قال: "أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار" وإنما يعني بذلك أن تفضيلهم إنما هو بحسب سبقهم إلى الإسلام وظهور آثارهم فيه وتلك الأمور وقعت في الوجود مُرتبةَ على حسب ما شاء الله تعالى في الأزل وإذا كان كذلك لم يتقدم متأخر منهم على منزلته كما

стр. 9611

٥٨٠٧ - (٠٠) (٠٠) حدَّثناه أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. ح وَحدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: "وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيرٌ" وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ. وَزَادَ في حَدِيثِ وُهَيبِ: فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبَحْرِهِمْ. وَلَمْ يَذْكُرْ ــ لا يتأخر متقدم منهم عن مرتبته إذ تلك مراتب معلومة على قِسَم مقسومة وقد سبق لسعادتهم القضاء ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤]. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ٤٢٤]، والبخاري في مواضع كثيرة منها باب فضل دور الأنصار [٣٧٩١]، وأبو داود في الخزرج والإمارة باب إحياء الموات [٣٠٧٩]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي حميد ﵁ فقال: ٥٨٠٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا عفان) بن مسلم بن عبد الله الأنصاري أبو عثمان الصفار البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي المروزي (أخبرنا المغيرة بن سلمة المخزومي) أبو هشام البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (قالا) أي قال كل من عفان والمغيرة بن سلمة (حَدَّثَنَا وهيب) بن خالد بن عجلان الباهلي أبو بكر البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٣) بابا (حَدَّثَنَا عمرو بن يحيى) بن عمارة المازني المدني، ثقة، من (٦) روى عنه في (٩) أبواب. وهذان السندان من سداسياته، غرضه بسوقهما بيان متابعة وهيب بن خالد لسليمان بن هلال في الرواية عن عمرو بن يحيى، وساق وهيب (بهذا الإسناد) يعني عن عباس بن سهل عن أبي حميد (إلى قوله وفي كل دور الأنصار خير ولم يذكر) وهيب (ما بعده) أي ما بعد قوله وفي كل دور الأنصار خير (من قصة) لحوق (سعد بن عبادة) رسول الله ﷺ ، وقوله له ما ذكر (وزاد) أي كل من مغيرة بن سلمة وعفان بن مسلم ولو قال: (وزادا) بألف التثنية لكان أوضح (في حديث وهيب) وروايته لفظة (فكتب له) أي لابن العَلْمَاء (رسول الله ﷺ ببحرهم) أي بولاية بلدهم وقراهم (ولم يذكر) كل من الرَاوَيين ولو قال ولم يذكرا بألف

стр. 9612

في حَدِيثِ وُهَيبٍ: فَكَتَبَ إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ٥٨٠٨ - (٢٢٥٤) (٩) حدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ، مُحَمدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيادٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ، (يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ)، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ــ التثنية لكان أوفق (في حديث وهيب) لفظة (فكتب إليه رسول الله ﷺ وأهدى له بُردًا. وهذا بيان لمحل المخالفة بين سليمان بن بلال وبين وهيب بن خالد. وقوله: (فكتب له رسول الله ﷺ متعلق بقصَة مَلِكِ أَيلَةَ الَّذي جاءه ﷺ رسولُهُ بوادِي القُرى، والمراد بالبحر البلد وأهل العرب ربما يستعمِلُون كلمة البحر والبحرة بمعنى البلد والقرية أو المراد بأهلِ بحرهم لأنهم كانوا سكانًا بساحل البحر أي أقره عليهم بما التزموه من الجزية وقيل: البحرة الأرض كان ﷺ أقطع هذا المَلِكَ من بلادِه قطَائعَ وفوَّض إليه حُكومتَها، وقد ذكر ابن إسحاق هذا الكتاب الَّذي كتَبَه مَلِكُ أيلةَ وهو بَعْد البسملة "هذه أمنة من الله ومن محمد النبي رسول الله ليوحنا بن روبة وأهل أيلة سُفُنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمةُ الله ومحمد النبي" وساق الكتاب اهـ من العمدة [٤/ ٤١٦] وفتح الباري [٣/ ٣٤٦]. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة أعني توكلَه ﷺ بحديث جابر ﵁ فقال: ٥٨٠٨ - (٢٢٥٤) (٩) (حَدَّثَنَا عبد بن حميد) بن نصر الكسي (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام اليماني الحميري (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (عن الزهري عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته (ح وحدثني أبو عمران محمد بن جعفر بن زياد) البغدادي الوركاني بفتحتين نسبة إلى وركان نسبة إلى محلة أو قرية تسمى وركان، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (واللفظ) الآتي (له) أي لمحمد بن جعفر (أخبرنا إبراهيم يعني ابن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (عن) محمد بن مسلم (الزهري عن سنان بن أبي سنان) يزيد بن أبي مية (الدؤلي) المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٢) (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني ﵁.

стр. 9613

قَال: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَزْوَةً قِبَل نَجْدٍ. فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ في وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ. فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ. فَعَلَّقَ سَيفَهُ بِغُصْنٍ مِن أَغْصَانِهَا. قَال: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ. قَال: فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ، ــ وهذا السند من خماسياته (قال) جابر: (غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قبل نجد) أي ناحية نجد، وسيأتي في رواية يحيى بن أبي كثير صراحة أنها كانت غزوة ذات الرقاع، والنجد المرتفع من الأرض لأنها ارتفعت عن البحر والغور المنخفض منها هذا أصلها ثم قد صارا بحكم العرف اسمين لجهتين مخصوصتين معروفتين، وصحيح الرواية ومشهورها (نجد) ووقع للعذري (أحد) اهـ من المفهم (فأدركنا) بفتح الكاف على أن الضمير مفعول به مقدم على الفاعل (رسول الله ﷺ بالرفع على الفاعلية وعليه فيكونون قد تقدموا عليه ﷺ إلى الوادي لمصلحة من مصالحهم ككونهم طليعة أو صيانة للنبي ﷺ مما يخشى عليه وغير ذلك، ويحتمل أن يضبط بسكون الكاف على أن الضمير فاعل رسول الله بالنصب على أنَّه مفعول فيكون فيه ما يدل على شجاعة رسول الله ﷺ ويكون كنحو ما اتفق له لما وقع الفزع بالمدينة فركب فرسًا فسبقهم فاستبرأ الخبر ثم رجع فلقي أصحابه خروجًا فقال لهم: "لم تراعوا" متفق عليه اهـ من المفهم. (في واد كثير العضاه) بكسر العين كل شجر من أشجار البوادي عظيم ذو شوك، وقيل هو العظيم من السمر مطلقًا، وقيل شجر أم غيلان (فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة) كثيرة الظلال (فعلَّق) رسولُ الله ﷺ (سيفه بغصن من أغصانها قال: وتفرق الناس) أي الأصحاب أي صاروا متفرقين (في الوادي) حالة كونهم (يستظلون بالشجر) أي يقصدون الاستظلال بالشجر، فيه جواز افتراق العسكر في النزول إذا أمنوا على أنفسهم وكأنهم قد أجهدهم التعب والحر فقالوا -أي ناموا نومة القيلولة- مستظلين بالشجر، وفي رواية للزهري عند البخاري في المغازي (فنمنا نومة فإذا رسول الله ﷺ يدعونا فجئنا فإذا عنده أعرابي جالس) (قال فقال) لنا (رسول الله ﷺ : إن رجلًا أتاني وأنا نائم) وذكر البخاري من طريق مسدد أن اسمه

стр. 9614

فَأَخَذَ السَّيفَ فَاسْتَيقَظتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، فَلَمْ أَشْعُر إلا وَالسَّيفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ. فَقَال لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَال: قُلْتُ: اللهُ، ثُمَّ قَال فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَال: قُلْتُ: اللهُ. قَال فَشَامَ السَّيفَ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ" ــ غورث بن الحارث، ووقع عند الواقدي في سبب هذه القصة أن اسم الأعرابي دعثور وأنه أسلم لكن ظاهر كلامه أنهما قصتان في غزوتين والله أعلم اهـ فتح الباري [٧/ ٤٢٨]، وقوله: (فأخذ السيف) معطوف على أتاني أي فأخذ الرجل سيفي (فاستيقظت) من نومي (وهو) أي والحال أن الرجل (قائم على رأسي فلم أشعر) أي فلم أعلم الرجل (إلا والسيف صلتًا في يده) أي فلم أشعر إلَّا والحال أن السيف كائن في يده حالة كون السيف صلتًا بفتح الصاد وبضمها، وذكر القتبي أنها تكسر في لغة أي مصلتًا مسلولًا مجردًا من غمده وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان في ذلك الوقت لا يحرسه أحد من الناس بخلاف ما كان عليه في أول أمره فإنه كان يُحرس حتَّى أنزل الله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فقال لمن كان يحرسه: "اذهبوا فإن الله قد عصمني من الناس" رواه الترمذي وقال: غريب، فمن ذلك الوقت لم يحرسه أحد منهم ثقة منه بوعد الله وتوكلًا عليه، وفيه جواز نوم المسافر إذا أمن على نفسه، وأما مع الخوف فالواجب التحرز والحذر اهـ من المفهم. (فقال لي) الرجل معطوف على أخذ أي فقال بعد أن أخذ السيف (من يمنعك مني) أي من يحفظك مني؟ أي من قتلي، وهذا استفهام مشرب بالنفي كأنه قال لا مانع ولا حافظ لك مني لأنك وحيد عن عسكرك فلم يبال النبي ﷺ بقوله ولا عرج عليه ثقة منه بوعد الله وتوكلًا عليه وعلمًا منه بأنه ليس في الوجود فعل إلَّا لله تعالى فإنه أعلم الناس بالله تعالى وأشدهم له خشية، فأجابه بقوله: (الله) ثانية وثالثة كما (قال) ﷺ : (قلت) له: (الله) يحفظني منك (ثم قال) الرجل (في) المرة (الثانية من يمنعك مني؟ قال) النبي ﷺ : (قلت) له: (الله) يحفظني منك (قال) النبي ﷺ : (فشام) الرجل (السيف) أي غمده ورده في غمده وغلافه (فها) أي انتبهوا (هو) أي الرجل الَّذي فعل بي ما ذُكر (ذا) أي هذا الحاضر الَّذي هو (جالس) معي وهذا من أعظم الخوارق للعادة فإنه عدو متمكن بيده سيف شاهر وموت حاضر ولا حال تغيرت ولا روعة حصلت، هذا محال في العادات فوقوعه من أبلغ

стр. 9615

ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ــ الكرامات ومع اقتران التحدي به يكون من أوضح المعجزات اهـ قرطبي في المفهم. ومعنى قوله ﷺ : (فها هو ذا جالس) أن النبي ﷺ نبه على ذلك الرجل وأخبر عنه وأشار إليه فكأنه قال: تنبهوا لهذا الرجل إذ مُنع مما هم به واستسلم لما يفعل فيه ثم تلافاه النبي ﷺ بعفوه وحلمه وعاد عليه بعوائده الكريمة وصفحه (ثم) بعدما فعل الرجل ما فعل (لم يَعْرِضْ) مِن باب ضرب أي لم يتعرض (له رسول الله ﷺ ولم يطلبه بالتشفي منه ولم يعامله على سيئته، وفي هذا عظيم رحمته ﷺ وشفقته على العباد واستئلاف قلوب الكفار وترك الانتقام ممن أراده بسوء. ثم إن رواية الشيخين لا تذكر إلَّا أن الأعرابي أغمد سيفه ولم يتعرض له رسول الله ﷺ ولكن وقع في رواية لابن إسحاق بعد قوله ﷺ الله فدفع جبريل في صدره فوقع السيف فأخذه النبي ﷺ وقال: "من يمنعك أنت مني؟ " قال: لا أحد، قال: "قم فاذهب لشأنك" فلما ولى قال: أنت خير مني، ووقع فيها أيضًا أن الرجل أسلم بعد، ذكره الحافظ في الفتح [٧/ ٤٢٧ و ٤٢٨]. وهناك رواية أخرى ذكرها ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق من طريق عمرو بن عبيد عن الحسن عن جابر أن رجلًا من بني محارب يقال له غورث قال لقومه من غطفان ومحارب (ألا أقتل لكم محمدًا قالوا: بلى، وكيف تقتله؟ قال: أفتك به، قال: فأقبل إلى رسول الله ﷺ وهو جالس وسيف رسول الله ﷺ في حجره فقال: يا محمد انظر إلى سيفك هذا؟ قال: "نعم" وكان محلى بفضة فيما قال ابن هشام، قال: فأخذه فاستله ثم جعل يهزه ويهم فَكَبَتَهُ اللهُ، ثم قال: يا محمد أما تخافني؟ قال: "لا وما أخاف منك! " قال: أما تخافني وفي يدي السيف؟ قال: "لا، يمنعني الله منك" ثم عمد إلى سيف رسول الله ﷺ فرده عليه. لكن مدار هذه الرواية على عمرو بن عبيد وقد ذكر السهلي في الروض الأنف [٣/ ٢٥٥] أنَّه متفق على وهن حديثه وترك الرواية عنه لما اشتهر من بدعته وسوء نحلته ولا شك أن ما رواه الشيخان هو الأصح. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٣١١]، والبخاري في أبواب

стр. 9616

٥٨٠٩ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ إِسْحَاقَ. قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيٌ. حَدَّثَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ وَأَبُو سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَخْبَرَهُمَا؛ أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدِ. فَلَمَّا قَفَلَ النَّبِيُّ ﷺ قَفَلَ مَعَهُ. فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ يَوْمًا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَمَعْمَرٍ ــ كثيرة منها في باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة [٢٩١٠]، والنسائي في صلاة الخوف [١٥٤٥ إلى ١٥٤٧]، وابن ماجة في باب ما في صلاة الخوف [١٢٥٢]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال: ٥٨٠٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن مهران (الدارمي) السمرقندي، ثقة متقن، من (١١) روى عنه في (١٤) بابا (وأبو بكر) محمد (بن إسحاق) الصاغاني الخراساني الأصل البغدادي، ثقة، من (١١) روى عنه في (٨) كلاهما (قالا: أخبرنا أبو اليمان) الحكم بن نافع القضاعي البهراني الحمصي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (أخبرنا شعيب) بن أبي حمزة دينار أبو بشر الحمصي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٥) أبواب (عن الزهري حدثني سنان بن أبي سنان الدولي وأبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أن جابر بن عبد الله الأنصاري) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة شعيب بن أبي حمزة لإبراهيم بن سعد ومعمر (وكان) جابر (من أصحاب النبي ﷺ أي ممن يلازم النبي ﷺ سفرًا وحضرًا من الصحابة (أخبرهما) أي أخبر لسنان وأبي سلمة (أنَّه) أي أن جابرًا (غزا مع النبي ﷺ فزوة) تسمى بذات الرقاع كما هو مصرح به في الرواية التالية (قبل نجد) أي جهة نجد (فلما قفل) ورجع (النبي ﷺ من تلك الغزوة (قفل) ورجع جابر (معه) ﷺ (فأدركتهم) أي أخذتهم (القائلة) أي القيلولة (يومًا) من الأيام في الطريق (ثم ذكر) شعيب بن أبي حمزة (نحو حديث إبراهيم بن سعد ومعمر). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر ﵁ فقال:

стр. 9617

٥٨١٠ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكرِ بن أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَفانُ. حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَن جَابِر. قَال: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بذَاتِ الرِّقَاعِ. بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ. وَلَم يَذْكُرْ: ثُمَّ لَم يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ــ ٥٨١٠ - (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا عفان) بن مسلم الصفار البصري (حَدَّثَنَا أبان بن يزيد) العطار البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٨) أبواب (حَدَّثَنَا يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٧) بابا (عن الزهري) غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة يحيى بن أبي كثير لمن روى عن الزهري (و) لكن (لم يذكر) يحيى بن أبي كثير في روايته لفظة (ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ . وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث تسعة: الأول: حديث واثلة بن الأسقع ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني: حديث جابر بن سمرة ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والثالث: حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة، والربع: حديث أنس ذكره للاستدلال به على الجزء الرابع من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والخامس: حديث جابر الأول ذكره للاستشهاد، والسادس: حديث جابر الثاني ذكره للاستشهاد، والسابع: حديث معاذ بن جبل ذكره للاستشهاد، والثامن: حديث أبي حميد الساعدي ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والتاسع: حديث جابر الأخير ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعتين والله أعلم. ***

стр. 9618

٦٨٨ - (٢) باب بيان مثل ما بعث به النبي ﷺ من الهدى والعلم وشفقته على أمته وذكر كونه خاتم النبيين وذكر إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها ٥٨١١ - (٢٢٥٥) (١٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، (وَاللَّفْظُ لأَبِي عَامِرٍ)، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ ــ ٦٨٨ - (٢) باب بيان مثل ما بعث به النبي ﷺ من الهدى والعلم وشفقته على أمته وذكر كونه خاتم النبيين وذكر إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها ٥٨١١ - (٢٢٥٥) (١٠) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو عامر) عبد الله بن براد (الأشعري) الكوفي، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (ومحمد بن العلاء) بن غريب أبو غريب (واللفظ) الآتي (لأبي عامر قالوا): أي قال كل من الثلاثة: (حَدَّثَنَا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من (٩) (عن بريد) بن عبد الله بن أبي بردة أبو بردة الصغير الكوفي، ثقة، من (٦) (عن) جده (أبي بردة) الكبير عامر بن أبي موسى، ثقة، من (٢) (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون (عن النبي ﷺ قال) النبي ﷺ لأبي موسى: (أن مثل) وصفة (ما بعثني الله به في كونه أمرًا مشتركًا بين الناس فانتفع به بعضهم وحُرم منه الآخرون، والمثل هنا بفتحتين بمعنى الصفة العجيبة لا بمعنى المثل السائر، حالة كونه (من الهدى) والشريعة (والعلم) أي والفقه في الدين، وقال القسطلاني: هي الدلالة الموصلة إلى المقصود والعلم المراد به هنا الأدلة الشرعية (كمثل غيث) أي مطر أي كصفة مطر (أصاب أرضًا) أي نزل بجميع نواحي الأرض لم يخص بعضها عن بعض (فكانت منها) بيان مقدم أي فكانت (طائفة) أي قطعة (طيبة) أي منبتة منها أي من الأرض (قبلت الماء) أي شربت الماء أي ماء المطر وانتفعت به في نفسها. وقوله:

стр. 9619

فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ. وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ. فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ. فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةَ مِنهَا أُخْرَى. إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلأً. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ ــ (قبلت) لم يختلف رواة مسلم فيه في كونه بالباء الموحدة وهو الصواب وفي رواية البخاري (قيلت) بالياء المشددة بدل الموحدة، قال الأصيلي: وهو تصحيف لا معنى له (فأنبتت) تلك الطائفة التي قبلت الماء وشربت (الكلأ) بالهمز بلا مد، يقال للنبات الرطب واليابس كليهما (والعشب الكثير) والعشب بضم العين وسكون الشين المعجمة فهو بمعنى النبات الرطب فقط، وذكره بعد الكلأ من ذكر الخاص بعد العام للاهتمام به (وكان منها) بيان مقدم أيضًا أي وكان (أجادب) منها جمع جدب بفتحتين وهي الأرض الصلبة التي لا ينضب ولا يدخل فيها الماء ولا تشربه ولكن يجتمع عليها الماء كالبركة والمستنقع، قال الأصمعي: الأجادب من الأرض ما لا ينبت الكلأ ومعناه أنها جردة بارزة لا يسترها شيء أي وكانت أجادب منها (أمسكت) الماء وجمعته على ظهرها (فنفع الله) تعالى (بها) أي بالماء الَّذي جمعته على ظهرها (الناس فشربوا منها) أي من مائها بأنفسهم (وسقوا) به زرعهم (ورعوا) به أي بعشبه دوابهم، وهذا مثل الطائفة الثانية يعني الَّذي فقه الدين وعلم غيره ولم يعمل به إلَّا الفرائض (وأصاب) ذلك المطر (منها) طائفة (أخرى) أي غير الأوليين أي وأصاب طائفة أخرى منها (إنما هي) أي تِلْكَ الأخرى (قيعان) بكسر القاف وسكون الياء جمع قاع؛ وهي الأرض المستوية الملساء التي لا تنبت ولا تجمع ماء يعني لا يستقر عليها الماء لاستوائه وملاسته فلم تنتفع بالماء لعدم دخول الماء فيها ولم تنفع غيرها لعدم جمعها الماء فينتفع به غيرها كما قاله في الحديث (لا تمسك ماء) فتنتفع به (ولا تنبت كلا) فتنفع غيرها، وهذا مثل الطائفة الثالثة التي بلغها الشرع فلم تؤمن به ولم تقبل (فذلك) المذكور من طوائف الأرض الثلاثة أمثال من بعثت إليهم بهذا الدين: الأولى منها وهي الأرض الطيبة التي قبلت الماء وأنبتت الكلأ (مثل من فقه) وعلم (في دين الله) أي صار فقيهًا فيه (ونفعه) الله تعالى (بـ) العمل بـ (ما بعثني الله به) ونفع غيره بتعليمه إياه (فـ) الثانية منها وهي الأجادب التي أمسكت الماء فنفع الله بها الناس مثل من (عَلِمَ) وفقه في دين الله (وعلّم) غيره فانتفع به الناس ولم

стр. 9620

وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ" ــ ينتفع هو به بالعمل بنواقله وآدابه إلَّا الفرائض (و) الثالثة منها وهي القيعان التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ (مثل من لم يرفع بذلك) أي بما بعثني الله به (رأسًا) له من الأرض أي لم يستمع إليه بإذنه ولم يبال به (ولم يقبل) بقلبه (هدى الله الَّذي) جئت و (أُرسلت به) يعني لم يستمع ولم يصغ إليه بإذنه الَّذي في الرأس ولم يصدقه بقلبه، فذكر في الحديث الأقسام الثلاثة من الناس ضمنًا كما ذكر الأقسام الثلاثة من الأرض صريحًا، وقال القرطبي: قوله: (فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني الله به فعَلِم وعلّم) هذا مثل الطائفة الأولى من الأرض. وقوله: (ومثل من لم يقبل هدى الله الَّذي أُرسلت به) مثل الطائفة الثالثة من الأرض وسكت عن مثل الطائفة الثانية من الأرض إما لأنها قد دخلت في الأولى بوجه لأنها قد حصل منها نفع في الدين وإما لأنه قد أخبر بالأهم فالأهم وهما الطائفتان المتقابلتان العليا والسفلى وترك الوسطى التي بينهما لفهمها من أقسام المشبه به المذكورة أولًا اهـ من المفهم. وقال في المبارق: قوله ﵇ من فقه إلى قوله فعلم وعلّم مثل الطائفة الأولى من الأرض، وقوله: من لم يرفع بذلك رأسًا مثل الطائفة الثانية، وقوله: ولم يقبل هدى الله الَّذي أُرسلت به مثل الطائفة الثالثة بتقدير ومثل من لم يقبل هدى الله. وقال الكرماني: قوله ونفعه صلة موصول محذوف معطوف على الموصول الأول فيكون الحديث هكذا: فذلك مثل من فقه في دين الله ومثل من نفعه الله .. إلخ فحينئذٍ تكون الأقسام الثلاثة من الأمة المذكورة إلَّا أنها غير مرتبة لأن من فقه في دين الله مثل للثاني ومن نفعه الله به فعلم وعلّم هو الأول ومن لم يرفع به .. إلخ هو الثالث، ومنهم من بيّن الأقسام الثلاثة من الأرض والأمة كالنووي إلَّا أنَّه لم يبتن أي جملة من جمل الحديث مثال لأي قسم من أقسام المشبه والله أعلم. قال القرطبي: ومقصود هذا الحديث ضرب مثل لما جاء به النبي ﷺ من العلم والدين ولمن جاءهم بذلك فشبَّه ما جاء به بالمطر العام الَّذي يأتي الناس في حال إشرافهم على الهلاك يحييهم ويغيثهم، ثم شبّه السامعين له بالأرض المختلفة فمنهم العالم العامل المعلّم فهذا بمنزلة الأرض الطيبة شربت الماء فانتفعت به في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها، ومنهم الجامع المعلّم الحافظ له المستغرق لزمانه في جمعه ووعيه غير أنَّه لم يتفرغ للعمل بنوافله ولا ليتفقه فيما جمع لكنه أداه لغيره كما سمعه فهذا بمنزلة

стр. 9621

٥٨١٢ - (٢٢٥٦) (١١) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأشعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيبٍ، (وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيبٍ)، قَالا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ. فَقَال: يَا قَوْمِ، إِنِّي رَأَيتُ الْجَيشَ بِعَينَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ ــ الأرض الصلبة التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس بذلك الماء فيشربون ويسقون، ومنهم من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الَّذي أُرسلت به ولم يؤمن به وكفر فهذا مثل الأرض القيعان التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ اهـ من المفهم باختصار وزيادة. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ٣٩٩]، والبخاري في العلم باب فضل من عَلِم وعلّم [٩٧]. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أبي موسى الأشعري ﵁ فقال: ٥٨١٢ - (٢٢٥٦) (١١) (حَدَّثَنَا عبد الله بن برّاد) بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى (الأشعري) أبو عامر الكوفي، صدوق، من (١٠) (وأبو غريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي (واللفظ لأبي غريب قالا: حَدَّثَنَا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد) بن عبد الله بن أبي بردة (عن أبي بردة عن أبي موسى) الأشعري ﵁ (عن النبي ﷺ وهذا السند من خماسياته، وهو نفس السند الَّذي في الحديث قبله (قال) النبي ﷺ : (إن مثلي) وصفتي (ومثل) أي صفة (ما بعثني الله به) من الهدى والشريعة (كمثل رجل أتى قومه فقال) لهم: (يا قوم إني رأيت الجيش) أي جيش عدوكم (بعيني) هاتين. قال القرطبي: وهذا ضرب مثل لحاله في الإنذار ولأحوال السامعين لإنذاره فإنه أنذرهم بما علمه من عقاب الله وبما يتخوف عليهم من فجاته فمن صدَّقه نجا ومن أعرض عنه هلك وهذا بخلاف المثل في الحديث الأول فإن ذلك بالنسبة إلى تحصيل العلم والانتفاع به صمالى الإعراض عنه فهما مثلان مختلفان اهـ من المفهم. (وإني أنا) توكيد لياء المتكلم أو ضمير فصل (النذير) أي المنذر المخوِّف لكم عما يهلككم من عذاب الله تعالى إن عصيتموني (العريان) أي المخلص في إنذاركم لا يغشكم ولا يكذب فيما يقول لكم والنصيح المخلص في نصيحته لكم والكلام على التشبيه البليغ

стр. 9622

الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ. وَمَثَلُ مَنْ عَصَاني وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ" ــ أي أنا لكم كالنذير العريان لقومه من عدوهم قيل: كان أصله أن رجلًا معينًا سلبه العدو فانفلت منهم فأنذر قومه عريانًا، وقيل: كان الرجل من العرب إذا رأى ما يوجب إنذاره قومه تجرد من ثيابه وأشار إليهم بها ليعلمهم بما دهمهم وهذا أشبه وأليق بمقصود الحديث اهـ من المفهم. أي دماني أنا المنذر لكم المخلص في إنذاره (فـ) إن قبلتم إنذاري فـ (النجاء) بالمد بلا تكرار منصوب على الإغراء جوازًا لعدم التكرار ولو تكرر لوجب نصبه على الإغراء لقيام التكرار مقام العامل المحذوف أي فاطلبوا النجاة والسلامة لأنفسكم قبل هجوم العدو لكم (فأطاعه) أي قبل قوله وتحذيره (طائفة من قومه) أي جماعة منهم (فأدلجوا) أي ساروا من أول الليل إدلاجًا، من أدلج الرباعي كأكرم إكرامًا، والاسم الدلج والدلجة تفتح الدال فيهما وهو ظلام أول الليل ويقال: أدلج يدلج إدلاجًا بالتشديد من باب افتعل الخماسي والاسم الدلجة بضم الدال وهو آخر الليل (فانطلقوا) أي ذهبوا ومشوا (على مهلتهم) بضم الميم أي على راحتهم وهينتهم بلا إسراع ولا استعجال (وكذبت طائفة منهم) إنذار نذيرهم (فأصبحوا مكانهم) أي دخلوا وقت الصباح في مكانهم بلا تحرك (فصبَّحهم الجيش) أي أغار عليهم في الصباح جيش العدو (فأهلكهم) أي قتلهم (واجتاحهم) أي استأصلهم وأعدمهم بالكلية صغارًا وكبارًا رجالًا ونساءً وأخذ أموالهم، أصله من جاح يجوح بوزن قال: والاسم الجائحة (فذلك) المذكور من الطائفتين (مثل من أطاعني) وقبلني فيما أقول (واتبع) أي وامتثل (ما جئت به) من الهدى والشريعة وهذا مثل الطائفة الأولى (ومثل من عصاني) وخالفني فيما أمرتهم به (وكذب ما جئت به من الحق) والشريعة. وفيه إشارة إلى أن مطلق العصيان غير مستأصل بل العصيان مع التكذيب بالحق كذا في المبارق وهذا مثل الطائفة الثانية. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في الرقاق باب الانتهاء من المعاصي [٦٤٨٢] وفي الاعتصام بالكتاب والسنة باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ [٧٢٨٣]. قوله: (وإني أنا النذير العريان) قال النووي: قال العلماء: أصله أن الرجل إذا أراد

стр. 9623

٥٨١٣ - (٢٢٥٧) (١٢) وَحَدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ، ــ إنذار قومه وإعلامهم بما يوجب المخافة نزع ثوبه وأشار به إليهم إذا كان بعيدًا منهم ليخبرهم بما دهمهم وأكثر ما يفعل هذا ربيئة القوم وهو طليعتهم ورقيبهم قالوا: وإنما يفعل ذلك لأنه أبيَن للناظر وأغرب وأشنع منظرًا فهو بلغ في استحثاثهم في التأهب للعدو. أما سبب هذه العادة الجارية فقد ذكروا فيها وجوهًا فمنها ما ذكره أبو بشر الآمدي أن زَنْبَر بن عمرو الخثعمي كان ناكحًا في آل زبيد فأرادوا أن يغزوا قومه وخشوا أن ينذر بهم فحرسه أربعة أنفار فصادف منهم غرة فقذف ثيابه وعدا وكان من أشد الناس عدوًا فأنذر قومه، وقال غيره: الأصل فيه أن رجلًا لقي جيشًا فسلبوه وأسروه فانفلت إلى قومه فقال: إني رأيت الجيش فسلبوني فرأوه عريانًا فتحققوا صدقه لأنهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه في النصيحة ولا جرت عادته بالتعري فقطعوا بصدقه لهذه القرائن. فضرب النبي ﷺ لنفسه ولما جاء به مثلًا بذلك لما أبداه من الخوارق والمعجزات الدالة على القطع بصدقه تقريبًا لإفهام المخاطبين بما يألفونه ويعرفونه ويؤيده ما أخرجه الرامهرمزي في الأمثال وهو عند أحمد أيضًا بسند جيد من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: خرج النبي ﷺ ذات يوم فنادى ثلاث مرات "أيها الناس مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوًا أن يأتيهم فبعثوا رجلًا يترايا لهم فبينما هم كذلك إذ أبصر العدو فأقبل ليُنذر قومه فخشي أن يدركه العدو قبل أن يُنذر قومه فأهوى بثوبه أيها الناس أُتيتم" ثلاث مرات. ذكره الحافظ في فتح الباري [١١/ ٣١٧]. وقوله: (فالنجاء) بفتح النون ونصب الهمزة على الإغراء، ووقع في رواية البخاري فالنجاء النجاء مرتين أي: اطلبوا النجاء، والنجاء بمعنى النجاة والتخلص من الشر اهـ تكملة. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي موسى بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨١٣ - (٢٢٥٧) (١٢) (وحدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل بن طريف الثقفي البلخي (حَدَّثَنَا المغيرة بن عبد الرحمن) بن عبد الله بن خالد بن حزام (القرشي) الأسدي

стр. 9624

عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا. فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ" ــ الحزامي المدني، ثقة، من (٧) روى عنه في (٦) أبواب (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (٩) أبواب (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم أبي داود المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون إلَّا قتيبة بن سعيد (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ : إنما مثلي) وصفتي (ومثل أمتي) أي صفتهم (كمثل رجل استوقد نارًا) أي أوقد نارًا، فالسين والتاء زائدتان أي كمثل رجل أوقد نارًا في ظلام الليل (فَجَعلت الدواب) أي الحشرات التي أَعْيُنُها ضعيفة كالنحل والبعوض وصرار الليل والضفادع، وقوله: (والفراش) من ذو الخاص بعد العام لأنه أسرع وقوعًا في النار لأنها تظن ضوء النار ضوء الصباح، والفراش بفتح الفاء اسم لنوع من حشرات الطير له أجنحة أكبر من جثته وأنواعه مختلفة في الكبر والصغر وكذا أجنحته وهي التي تحب النور والنار فتفع فيها، شبّه رسول الله ﷺ بها الناسَ الذين يحبون الشهواتِ التي تأخذ بهم إلى النار أي شرعت حشرات الطير والهوام (يقعن) ويسقطن (فيه) أي في ضوء النار ولهبها لظنها أنها ضوء الصباح لضعف بصرها (فأنا آخذ) قال النووي: رُوي بوجهين أحدهما: اسم فاعل بكسر الخاء وتنوين الذال، والثاني: فهو مضارع بضم الخاء والذال بلا تنوين والأول أشهر، وكلاهما صحيح؛ أي أنا ممسك (بحجزكم) بضم الحاء وفتح الجيم وقيل بضمها بعدها زاي معجمة جمع حجزة وهي معقد الإزار ومن السراويل موضع التكة (وأنتم تقحّمون) بفتحات أصله تتقحمون فحُذفت إحدى التاءين من تقحم من باب تفعل الخماسي أي تدخلون (فيه) أي في سبب النار أي والحال أنكم تريدون أن تقحموا وتسقطوا وتدخلوا وتقدموا في النار أي في الشرك الَّذي يؤديكم إلى النار، والتقحم هو الإقدام والوقوع في الأمور التي تضر من غير تثبت وتبين وذكر الضمير العائد إلى النار في الموضعين إشارة إلى أن النار تذكر وتؤنث كما يدل على ذلك ما سيأتي في الرواية الآتية حيث أنثه فيها أو ذكره في الموضع الأول بمعنى الضوء وفي الثاني بمعنى العذاب.

стр. 9625

٥٨١٤ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثناه عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالا: حدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ٥٨١٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَال: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ، عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، ــ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في الأنبياء باب ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [٣٤٢٦] وفي الرقاق في باب الانتهاء من المعاصي [٦٤٨٣]، والترمذي في الأمثال باب ما جاء في مثل ابن آدم وأجله وأمله [٢٨٢٤]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٥٨١٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (و) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (قالا: حَدَّثَنَا سفيان) بن عيينة (عن أبي الزناد بهذا الإسناد) يعني عن الأعرج عن أبي هريرة (نحوه) أي نحو ما حدَّث المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد، غرضه بيان متابعة سفيان لمغيرة بن عبد الرحمن. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٥٨١٥ - (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حَدَّثَنَا عبد الرزاق) بن همام (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (عن همام بن منبه) بن كامل بن سيج اليماني (قال) همام: (هذا) الحديث الَّذي أمليه عليكم من هذه الصحيفة (ما حدَّثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر) همام (أحاديث) كثيرة (منها) أي من تلك الأحاديث، قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : كذا وكذا (وقال رسول الله ﷺ مثلي) أي صفتي كمثل) أي كصفة (رجل استوقد نارًا) أي يُوقد نارًا لينتفع بها. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة

стр. 9626

فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا. وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحْمْنَ فِيهَا. قَال: فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ. أَنا آخِذ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ. هَلُمَّ عَنِ النَّارِ. هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيهَا". ٥٨١٦ - (٢٢٥٨) (١٣) حدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ــ همام بن منبه للأعرج (فلما أضاءت) وأنارت النار (ما حولها) أي ما في جانبها من الظلام (جعل) أي شرع (الفراش وهذه الدواب) أي الحشرات كالذباب والنحل والبعوض والصرّار والضفادع، وهو من ذكر العام بعد الخاص لإفادة التعميم (التي) تقع (في النار) عادة وصلة الموصول محذوفة كما هي ثابتة في بعض النسخ، وجملة قوله: (يقعن فيها) خبر لجعل التي هي من أفعال الشروع أي فلما أضاءت النار الموقدة جعل الفراش وهذه الدواب الساقطة في النار عادة أي شرعت يقعن ويسقطن فيها أي في النار الموقدة للرجل (وجعل) أي شرع الرجل الموقد للنار (يحجزهن) ويمنعهن من الوقوع في النار (ويغلبنه) أي ويغلبن تلك الدواب الرجل الحاجز لهن من الوقوع في النار لكثرتها (فيقتحمن) أي فيسقطن (فيها) أي في النار الموقدة للرجل (قال) رسول الله ﷺ : (فذلكم) المذكور من الرجل الموقد للنار والدواب التي يقعن فيها (مثلي ومثلكم) أي شبهي وشبهكم أي أنا مثل الرجل الحاجز للدواب عن الوقوع في النار وأنتم مثل الدواب التي تقع في النار لأني (أنا آخذ بحجزكم) أي أنا ممسك بمعاقد أزركم مانعًا لكم (عن) الوقوع والسقوط في (النار) قائلًا لكم (هلم) إفي عباد الله أي أقبلوا إليَّ (عن) السقوط في (النار) وقوله: ثانيًا (هلم عن النار) توكيد لفظي للأول (فتغلبوني) أي تمتنعون من حجزي لكم عن النار وتغلبونني في الامتناع حالة كونكم (تقحّمون) وتسقطون (فيها) أي في النار، قال الأبي: شبه رسول الله ﷺ تساقط العصاة في نار الآخرة لجهلهم عاقبة شهواتهم بتساقط الفراش في نار الدنيا بجهله وعدم تمييزه لما يقصد إليه اهـ. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي موسى بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨١٦ - (٢٢٥٨) (١٣) (حدثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي، صدوق، من (١٠) روى عنه في (١١) بابا (حَدَّثَنَا) عبد الرحمن (بن مهدي) بن حسان

стр. 9627

حَدَّثَنَا سَلِيمٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرٍ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا. وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا. وَأنا آخِذٌ بِحُجَزِكمْ عَنِ النَّارِ. وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي" ــ الأزدي البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٤) بابا (حَدَّثَنَا سليم) بفتح السين وكسر اللام مكبرًا ابن حيان بمهملة وتحتانية الهذلي البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٤) وروى المؤلف عنه في (٦) أبواب، وليس في الصحيحين من اسمه سليم مكبرًا إلَّا هذا ومن عداه مصغر (عن سعيد بن ميناء) بكسر الميم ومد النون مولى البختري بن أبي ذُباب بوزن غراب أبي الوليد المكي أو المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٥) أبواب (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه وهذا السند من خماسياته (قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : مثلي ومثلكم) أي صفتي وصفتكم أيها الناس (كمثل رجل أوقد نارًا) في الليالي المظلمة للانتفاع بها (فجعل) أي شرع (الجنادب) جمع جندب بكسر الجيم وفتح الدال وجندب بضم الجيم وفتح الدال وجندب بضم الجيم والدال والجنادب هو الصرار الَّذي يشبه الجراد، وقال أبو حاتم: الجندب على خلقة الجراد له أربعة أجنحة كالجراد وأصغر منها يطير ويصر بالليل -أي يصيح - صرًا شديدًا كذا في شرح النووي (والفراش) قال الفراء: هو غوغاء الجراد وصغارها التي تنفرش وتتراكب، وقال غيره: هو الطير الَّذي يتساقط في النار وفي السراج (قلت): وهذا أشبه بما في الحديث (يقعن) أي يتساقطن (فيها) أي في تلك النار الموقدة (وهو) أي والحال أن صاحب النار (يذبّهن) أي يمنع تلك الجنادب والفراش (عنها) أي عن الوقوع والتساقط في النار (وأنا آخد) أي ممسك (بحجزكم) أي بمعاقد أزركم لأمنعكم (عن) التساقط في (النار) والحجز جمع حجزة وهي معقد الإزار والسراويل المسمى بالحقو ويقال: تحاجز القوم إذا أخذ بعضهم بحجز بعض وإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه (وأنتم تفلّتون) بفتح التاء والفاء واللام المشددة من باب تفعل الخماسي أصله تتفلّتون بتاءين تاء المضارعة وتاء المطاوعة أسقطوا إحداهما لتوالي الأمثال، ورُوي (تُفلِتون) بضم التاء وسكون الفاء وكسر اللام من أفلت الرباعي كأكرم وكلاهما صحيح يقال: أفلت مني وتفلت إذا نازعك طلبًا للغلبة والهرب ثم غلب وهرب أي تخرجون (من يدي) بقوة وغلبة وتقعون في النار، وفي رواية

стр. 9628

٥٨١٧ - (٢٢٥٩) (١٤) حدَّثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَال: "مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنبِيَاءِ كمَثَلِ رَجُل بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، فَجَعَلَ الناسُ يُطِيفُونَ بِهِ. يَقُولُونَ: مَا رَأَينَا بُنْيَانًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا. إلا هَذِهِ اللَّبِنَةَ، فَكُنْتُ أَنَا تِلْكَ اللَّبِنَةَ" ــ (تقحّمون) والتقحم هو التهجم على الشيء من غير ترو ولا تبصر وهذا مثل لاجتهاد نبينا ﷺ في نجاتنا وحرصه على تخليصنا من الهلكات التي بين أيدينا ولجهلنا بقدر ذلك وغلبة شهواتنا علينا وظفر عدونا اللعين بنا حتَّى صرنا أحقر من الفراش والجنادب وأذل من الطين اللازب. وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٥٨١٧ - (٢٢٥٩) (١٤) (حَدَّثَنَا عمرو بن محمد) بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي (حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي الأعور (عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (عن النبي ﷺ قال: مثلي ومثل الأنبياء) من قبلي أي صفتي وصفتهم (كمثل) بناء (رجل) ولبنة باقية منه (بنى) ذلك الرجل (بنيانًا) أي بناء من الدار مثلًا (فأحسنه) أي فأحسن ذلك الرجل - بنائه - أي بناء ذلك البنيان بتحسين وضع لبناته بعضها على بعض (وأجمله) أي أجمل ذلك البناء وزينه بتطيينه وتجصيصه (فجعل الناسه) أي شرعوا (يطيفون به) أي يطوفون ويدورون بذلك البناء لينظروا حسنه ويتعجبوا من تجميله، وهو من أطاف بمعنى طاف الثلاثي، حالة كونهم (يقولون) أي يقول بعضهم لبعض: (ما رأينا بنيانًا) أي بناء (أحسن) وضعًا وأساسًا (من هذا) البناء (إلا هذه اللبنة) أي إلَّا ما بقي منه من فرجه موضع هذه اللبنة الباقية، قال رسول الله ﷺ : (فكنت أنا تلك اللبنة) الباقية من البناء فختم الله بي بناء دار النبوة وجعلني آخرَ لِبَنَاتِهَا فكنتُ خاتمَ النبيين فلا نبي بعدي.

стр. 9629

٥٨١٨ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بن رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَال: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَال أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : "مَثَلِي ــ قوله: (مثلي ومثل الأنبياء) قال القسطلاني: إن التشبيه هنا ليس من باب تشبيه المفرد بالمفرد بل هو تشبيه تمثيلي فيؤخذ وصف من جميع أحوال المشبه ويثبه بمثله من أحوال المشبه به فيقال شبه الأنبياء وما بعثوا به من الهدى والعلم وإرشاد الناس إلى مكارم الأخلاق بقصر أسس قواعده ورفع بنيانه وبقي منه موضع لبنة فنبينا ﷺ بُعث لتتميم مكارم الأخلاق كأنه هو تلك اللبنة التي بها إصلاح ما بقي من الدار اهـ واللبنة بفتح اللام وكسر الباء هي القطعة من الطين تُعجن وتُيبس وتُعد للبناء، وتُسمى لبنة ما لم تُحرق وإن أُحرقت فهي أجرة، وقال القرطبي: اللبنة الطوبة التي يُبنى بها وفيها لغتان إحداهما: فتح اللام وكسر الباء وتُجمع على لبن غير أنك تسقط التاء من الجمع نظير نبقة ونبق والثانية: كسر اللام وسكون الباء وتُجمع على لبن بكسر اللام وفتح الباء كسدرة وسدر، ومقصود هذا المثل أن يبين أن الله تعالى ختم به النبيين والمرسلين وتمم به ما سبق في علمه إظهاره من مكارم الأخلاق وشرائع الرسل فبه كمل النظام وهو ختم الأنبياء والرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣٩٨]، والبخاري في الأنبياء باب خاتم النبيين ﷺ [٣٥٣٤]، والترمذي في الأمثال باب ما جاء في مثل النبي ﷺ [٢٨٦٢]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٥٨١٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) روى عنه في (١١) بابا (حَدَّثَنَا عبد الرزاق) بن همام الحميري اليماني، ثقة، من (٩) (حَدَّثَنَا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من (٧) (عن همام بن منبه) اليماني (قال) همام: (هذا ما حدَّثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر) همام (أحاديث) كثيرة (منها) قال رسول الله ﷺ : كذا وكذا (وقال أبو القاسم ﷺ : وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة همام للأعرج (مثلي

стр. 9630

وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنَى بُيُوتًا فأَحْسَنَهَا وَأَجْمَلَهَا وَكمَلَهَا، إلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاويةٍ مِنْ زَوَايَاهَا. فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيُعْجِبُهُمُ الْبُنْيَانُ فَيَقُولُونَ: أَلَّا وَضَعْتَ هَهُنَا لَبِنَةً! فَيَتِمَّ بُنْيَانُك" فَقَال مُحَمَّدٌ ﷺ : "فَكُنْتُ أَنَا اللَّبِنَةَ". ٥٨١٩ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبُ وَقُتَيبَةُ وابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَن أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، ــ ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى) من باب افتعل الخماسي فهو بمعنى الثلاثي أي كمثل رجل بنى (بيوتًا) جمع بيت أي دورًا (فأحسنها) أي أحسن وضع أساسها وقواعدها (وأجملها) أي زيَّنها بتطيينها وتلبيسها (وأكملها) أي أكمل بنيانها بتركيب جميع لبناتها ووضعها في موضعها (إلا موضع لبنة) أي إلَّا فرجة يسدها وضع لبنة واحدة فيها كائنًا ذلك الموضع المنفرج (من زاوية من زواياها) أي من ركن من أركان تلك البيوت (فجعل) أي شرع (الناس يطوفون) ويدورون بتلك البيوت لينظروا إلى محاسنها (و) الحال أنَّه (يعجبهم البنيان) أي يورثهم العجب حُسن بنائها (فيقولون) لصاحبها (ألا) بتشديد اللام للتحضيض أي هلا (وضعت) أيها الباني (ها هنا) أي في هذا الموضع المنفرج (لبنة فيتم بنيانك) بالنصب بعد الفاء السببية الواقعة في جواب التحضيض أي هلا يكن منك وضع لبنة واحدة في هذا الموضع فتمام بنيانك (فقال محمدصلى الله عليه وسلم: فكنت أنا) تلك (اللبنة) السادة للموضع المنفرج الَّذي حصل به نقص البنيان فكنت الدرة اليتيمة من عقد الرسالة وخاتم بنيانها. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٥٨١٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة) بن سعيد الثقفي البلخي (و) علي (بن حجر) السعدي المروزي (قالوا: حَدَّثَنَا إسماعيل يعنون ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم مولى ابن عمر المدني (عن أبي صالح السمان) المدني ذكوان
следующие страницы →