← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا. وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحْمْنَ فِيهَا. قَال: فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ. أَنا آخِذ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ. هَلُمَّ عَنِ النَّارِ. هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيهَا". ٥٨١٦ - (٢٢٥٨) (١٣) حدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ــ همام بن منبه للأعرج (فلما أضاءت) وأنارت النار (ما حولها) أي ما في جانبها من الظلام (جعل) أي شرع (الفراش وهذه الدواب) أي الحشرات كالذباب والنحل والبعوض والصرّار والضفادع، وهو من ذكر العام بعد الخاص لإفادة التعميم (التي) تقع (في النار) عادة وصلة الموصول محذوفة كما هي ثابتة في بعض النسخ، وجملة قوله: (يقعن فيها) خبر لجعل التي هي من أفعال الشروع أي فلما أضاءت النار الموقدة جعل الفراش وهذه الدواب الساقطة في النار عادة أي شرعت يقعن ويسقطن فيها أي في النار الموقدة للرجل (وجعل) أي شرع الرجل الموقد للنار (يحجزهن) ويمنعهن من الوقوع في النار (ويغلبنه) أي ويغلبن تلك الدواب الرجل الحاجز لهن من الوقوع في النار لكثرتها (فيقتحمن) أي فيسقطن (فيها) أي في النار الموقدة للرجل (قال) رسول الله ﷺ : (فذلكم) المذكور من الرجل الموقد للنار والدواب التي يقعن فيها (مثلي ومثلكم) أي شبهي وشبهكم أي أنا مثل الرجل الحاجز للدواب عن الوقوع في النار وأنتم مثل الدواب التي تقع في النار لأني (أنا آخذ بحجزكم) أي أنا ممسك بمعاقد أزركم مانعًا لكم (عن) الوقوع والسقوط في (النار) قائلًا لكم (هلم) إفي عباد الله أي أقبلوا إليَّ (عن) السقوط في (النار) وقوله: ثانيًا (هلم عن النار) توكيد لفظي للأول (فتغلبوني) أي تمتنعون من حجزي لكم عن النار وتغلبونني في الامتناع حالة كونكم (تقحّمون) وتسقطون (فيها) أي في النار، قال الأبي: شبه رسول الله ﷺ تساقط العصاة في نار الآخرة لجهلهم عاقبة شهواتهم بتساقط الفراش في نار الدنيا بجهله وعدم تمييزه لما يقصد إليه اهـ. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي موسى بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨١٦ - (٢٢٥٨) (١٣) (حدثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي، صدوق، من (١٠) روى عنه في (١١) بابا (حَدَّثَنَا) عبد الرحمن (بن مهدي) بن حسان

стр. 9627

حَدَّثَنَا سَلِيمٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرٍ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا. وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا. وَأنا آخِذٌ بِحُجَزِكمْ عَنِ النَّارِ. وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي" ــ الأزدي البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٤) بابا (حَدَّثَنَا سليم) بفتح السين وكسر اللام مكبرًا ابن حيان بمهملة وتحتانية الهذلي البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٤) وروى المؤلف عنه في (٦) أبواب، وليس في الصحيحين من اسمه سليم مكبرًا إلَّا هذا ومن عداه مصغر (عن سعيد بن ميناء) بكسر الميم ومد النون مولى البختري بن أبي ذُباب بوزن غراب أبي الوليد المكي أو المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٥) أبواب (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه وهذا السند من خماسياته (قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : مثلي ومثلكم) أي صفتي وصفتكم أيها الناس (كمثل رجل أوقد نارًا) في الليالي المظلمة للانتفاع بها (فجعل) أي شرع (الجنادب) جمع جندب بكسر الجيم وفتح الدال وجندب بضم الجيم وفتح الدال وجندب بضم الجيم والدال والجنادب هو الصرار الَّذي يشبه الجراد، وقال أبو حاتم: الجندب على خلقة الجراد له أربعة أجنحة كالجراد وأصغر منها يطير ويصر بالليل -أي يصيح - صرًا شديدًا كذا في شرح النووي (والفراش) قال الفراء: هو غوغاء الجراد وصغارها التي تنفرش وتتراكب، وقال غيره: هو الطير الَّذي يتساقط في النار وفي السراج (قلت): وهذا أشبه بما في الحديث (يقعن) أي يتساقطن (فيها) أي في تلك النار الموقدة (وهو) أي والحال أن صاحب النار (يذبّهن) أي يمنع تلك الجنادب والفراش (عنها) أي عن الوقوع والتساقط في النار (وأنا آخد) أي ممسك (بحجزكم) أي بمعاقد أزركم لأمنعكم (عن) التساقط في (النار) والحجز جمع حجزة وهي معقد الإزار والسراويل المسمى بالحقو ويقال: تحاجز القوم إذا أخذ بعضهم بحجز بعض وإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه (وأنتم تفلّتون) بفتح التاء والفاء واللام المشددة من باب تفعل الخماسي أصله تتفلّتون بتاءين تاء المضارعة وتاء المطاوعة أسقطوا إحداهما لتوالي الأمثال، ورُوي (تُفلِتون) بضم التاء وسكون الفاء وكسر اللام من أفلت الرباعي كأكرم وكلاهما صحيح يقال: أفلت مني وتفلت إذا نازعك طلبًا للغلبة والهرب ثم غلب وهرب أي تخرجون (من يدي) بقوة وغلبة وتقعون في النار، وفي رواية

стр. 9628

٥٨١٧ - (٢٢٥٩) (١٤) حدَّثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَال: "مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنبِيَاءِ كمَثَلِ رَجُل بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، فَجَعَلَ الناسُ يُطِيفُونَ بِهِ. يَقُولُونَ: مَا رَأَينَا بُنْيَانًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا. إلا هَذِهِ اللَّبِنَةَ، فَكُنْتُ أَنَا تِلْكَ اللَّبِنَةَ" ــ (تقحّمون) والتقحم هو التهجم على الشيء من غير ترو ولا تبصر وهذا مثل لاجتهاد نبينا ﷺ في نجاتنا وحرصه على تخليصنا من الهلكات التي بين أيدينا ولجهلنا بقدر ذلك وغلبة شهواتنا علينا وظفر عدونا اللعين بنا حتَّى صرنا أحقر من الفراش والجنادب وأذل من الطين اللازب. وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٥٨١٧ - (٢٢٥٩) (١٤) (حَدَّثَنَا عمرو بن محمد) بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي (حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي الأعور (عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (عن النبي ﷺ قال: مثلي ومثل الأنبياء) من قبلي أي صفتي وصفتهم (كمثل) بناء (رجل) ولبنة باقية منه (بنى) ذلك الرجل (بنيانًا) أي بناء من الدار مثلًا (فأحسنه) أي فأحسن ذلك الرجل - بنائه - أي بناء ذلك البنيان بتحسين وضع لبناته بعضها على بعض (وأجمله) أي أجمل ذلك البناء وزينه بتطيينه وتجصيصه (فجعل الناسه) أي شرعوا (يطيفون به) أي يطوفون ويدورون بذلك البناء لينظروا حسنه ويتعجبوا من تجميله، وهو من أطاف بمعنى طاف الثلاثي، حالة كونهم (يقولون) أي يقول بعضهم لبعض: (ما رأينا بنيانًا) أي بناء (أحسن) وضعًا وأساسًا (من هذا) البناء (إلا هذه اللبنة) أي إلَّا ما بقي منه من فرجه موضع هذه اللبنة الباقية، قال رسول الله ﷺ : (فكنت أنا تلك اللبنة) الباقية من البناء فختم الله بي بناء دار النبوة وجعلني آخرَ لِبَنَاتِهَا فكنتُ خاتمَ النبيين فلا نبي بعدي.

стр. 9629

٥٨١٨ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بن رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَال: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَال أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : "مَثَلِي ــ قوله: (مثلي ومثل الأنبياء) قال القسطلاني: إن التشبيه هنا ليس من باب تشبيه المفرد بالمفرد بل هو تشبيه تمثيلي فيؤخذ وصف من جميع أحوال المشبه ويثبه بمثله من أحوال المشبه به فيقال شبه الأنبياء وما بعثوا به من الهدى والعلم وإرشاد الناس إلى مكارم الأخلاق بقصر أسس قواعده ورفع بنيانه وبقي منه موضع لبنة فنبينا ﷺ بُعث لتتميم مكارم الأخلاق كأنه هو تلك اللبنة التي بها إصلاح ما بقي من الدار اهـ واللبنة بفتح اللام وكسر الباء هي القطعة من الطين تُعجن وتُيبس وتُعد للبناء، وتُسمى لبنة ما لم تُحرق وإن أُحرقت فهي أجرة، وقال القرطبي: اللبنة الطوبة التي يُبنى بها وفيها لغتان إحداهما: فتح اللام وكسر الباء وتُجمع على لبن غير أنك تسقط التاء من الجمع نظير نبقة ونبق والثانية: كسر اللام وسكون الباء وتُجمع على لبن بكسر اللام وفتح الباء كسدرة وسدر، ومقصود هذا المثل أن يبين أن الله تعالى ختم به النبيين والمرسلين وتمم به ما سبق في علمه إظهاره من مكارم الأخلاق وشرائع الرسل فبه كمل النظام وهو ختم الأنبياء والرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣٩٨]، والبخاري في الأنبياء باب خاتم النبيين ﷺ [٣٥٣٤]، والترمذي في الأمثال باب ما جاء في مثل النبي ﷺ [٢٨٦٢]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٥٨١٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) روى عنه في (١١) بابا (حَدَّثَنَا عبد الرزاق) بن همام الحميري اليماني، ثقة، من (٩) (حَدَّثَنَا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من (٧) (عن همام بن منبه) اليماني (قال) همام: (هذا ما حدَّثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر) همام (أحاديث) كثيرة (منها) قال رسول الله ﷺ : كذا وكذا (وقال أبو القاسم ﷺ : وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة همام للأعرج (مثلي

стр. 9630

وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنَى بُيُوتًا فأَحْسَنَهَا وَأَجْمَلَهَا وَكمَلَهَا، إلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاويةٍ مِنْ زَوَايَاهَا. فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيُعْجِبُهُمُ الْبُنْيَانُ فَيَقُولُونَ: أَلَّا وَضَعْتَ هَهُنَا لَبِنَةً! فَيَتِمَّ بُنْيَانُك" فَقَال مُحَمَّدٌ ﷺ : "فَكُنْتُ أَنَا اللَّبِنَةَ". ٥٨١٩ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبُ وَقُتَيبَةُ وابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَن أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، ــ ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى) من باب افتعل الخماسي فهو بمعنى الثلاثي أي كمثل رجل بنى (بيوتًا) جمع بيت أي دورًا (فأحسنها) أي أحسن وضع أساسها وقواعدها (وأجملها) أي زيَّنها بتطيينها وتلبيسها (وأكملها) أي أكمل بنيانها بتركيب جميع لبناتها ووضعها في موضعها (إلا موضع لبنة) أي إلَّا فرجة يسدها وضع لبنة واحدة فيها كائنًا ذلك الموضع المنفرج (من زاوية من زواياها) أي من ركن من أركان تلك البيوت (فجعل) أي شرع (الناس يطوفون) ويدورون بتلك البيوت لينظروا إلى محاسنها (و) الحال أنَّه (يعجبهم البنيان) أي يورثهم العجب حُسن بنائها (فيقولون) لصاحبها (ألا) بتشديد اللام للتحضيض أي هلا (وضعت) أيها الباني (ها هنا) أي في هذا الموضع المنفرج (لبنة فيتم بنيانك) بالنصب بعد الفاء السببية الواقعة في جواب التحضيض أي هلا يكن منك وضع لبنة واحدة في هذا الموضع فتمام بنيانك (فقال محمدصلى الله عليه وسلم: فكنت أنا) تلك (اللبنة) السادة للموضع المنفرج الَّذي حصل به نقص البنيان فكنت الدرة اليتيمة من عقد الرسالة وخاتم بنيانها. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٥٨١٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة) بن سعيد الثقفي البلخي (و) علي (بن حجر) السعدي المروزي (قالوا: حَدَّثَنَا إسماعيل يعنون ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم مولى ابن عمر المدني (عن أبي صالح السمان) المدني ذكوان

стр. 9631

عَنْ أَبِي هُرَيرَة، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاويَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ! قَال: فَأَنَا اللَّبِنَةُ. وَأنا خَاتَمُ النَّبِيينَ". ٥٨١٠ - (٢٢٦٠) (١٥) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَثَلِي وَمَثَلُ ــ الزيات القيسي، ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي صالح للأعرج ووهب بن منبه (أن رسول الله ﷺ قال: مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله) بسد خلله وفرجه (إلا موضع) يسع لوضع البنة) واحدة كائنًا ذلك الموضع (من زاوية) أي من ركن كائن (من زواياه) أي من أركانه الأربعة (فجعل) أي شرع (الناس يطوفون به) أي بذلك البناء (و) الحال أنهم يَتعَجَّبُون له أي لذلك البناء أي من حسنه وجماله (وبقولون هلا وضعت) بالبناء للمجهول (هذه اللبنة) فتَسدَّ هذا الانفراجَ ولتكمل هذا النقصان القليل (قال: فأنا اللبنة وأنا) أيها الناس تلك اللبنة المكملة للبناء ولذلك كُنْتُ (خاتم النبيين) وآخِرَهم شبحًا وبعثًا وأولَهم قدرًا ومنزلة، آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة، وكونُه ﷺ خاتمَ النبيين لا نبي بعده ثابت بنصوص قطعية متواترة لا شبهة فيها وعقيدة ثبتت من الدين بالضرورة يكفر جاحدها بالإجماع. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨١٠ - (٢٢٦٠) (١٥) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو غريب قالا: حَدَّثَنَا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح) السمان (عن أبي سعيد) الخدري سعد بن مالك رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي سعيد لأبي هريرة فتكون المتابعة بمعنى الشاهد أو بيان متابعة الأعمش لعبد الله بن دينار، ولكنها متابعة ناقصة لأن شيخ شيخهما مختلف لأنه في الأول أبو هريرة، وفي الثاني: أبو سعيد، وإن كان المتن واحدًا (قال) أبو سعيد (قال رسول الله ﷺ : مثلي ومثل

стр. 9632

النَّبِيِّينَ". فَذَكَرَ نَحْوَهُ. ٥٨١١ - (٢٢٦١) (١٦) حدَّثَنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنبِيَاءِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَتمَّهَا وَأَكْمَلَهَا إلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ. فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا، وَيَقُولُونَ: لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ! " قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَأَنَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ، جِئْتُ فَخَتَمْتُ الأَنْبِيَاءَ" ــ النبيين فذكر) أبو سعيد إنحوه) أي نحو حديث أبي هريرة، فهذه متابعة بمعنى الشاهد لأنها استشهاد لحديث أبي هريرة بحديث أبي سعيد أو متابعة في السند واستشهاد في المتن ومثل هذا قليل في كلامه. وحديث أبي سعيد هذا انفرد به الإمام مسلم عن أصحاب الأمهات الخمس. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨١١ - (٢٢٦١) (١٦) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا عفان) بن مسلم الصفَّار الأنصاري البصري، ثقة، من (١٠) (حَدَّثَنَا سليم) مكبرًا (بن حيان) الهذلي البصري، ثقة، من (٧) (حَدَّثَنَا سعيد بن ميناء) المكي أو المدني، ثقة، من (٣) (عن جابر) بن عبد الله ﵁ وهذا السند من خماسياته (عن النبي ﷺ قال: مثلي ومثل الأنبياء) قبلي (كمثل رجل بنى دارًا فأتمها) أي فأتم بناء جدرانها وسقوفها (وأكملها) بوضع جميع لبناتها (إلا موضع لبنة) أي إلَّا موضعًا يسد بوضع لبنة (فجعل النَّاس يدخلونها ويتعجبون منها) أي من حسنها وجمالها (ويقولون: لولا موضع) سد (اللبنة) موجود ما أحسنها وأجملها، وموضع بالرفع على أنَّه مبتدأ خبره محذوف أي لولا موضع يوهم النقص موجود لكان بناء الدار كاملًا كما في قوله: لولا زيد لكان كذا أي لولا زيد موجود لكان كذا، فلولا حرف امتناع لوجود، ويحتمل أن تكون لولا تحضيضية بمعنى هلا لا امتناعية وفعله محذوف تقديره لولا ترك موضع اللبنة أي هلا تركه أي لولا سوى موضع اللبنة أي هلا سواه اهـ عيني بزيادة (قال رسول الله ﷺ : فأنا موضع اللبنة جئت) وبُعثت بعدهم فسددت موضعها من بنيان النبوة وبيتها (فختمت الأنبياء) أي فكنت خاتمهم وآخرهم شبحًا وبعثًا وإن كنت أولهم منزلة وفضلًا وسيد ولد آدم.

стр. 9633

٥٨١٢ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا سَلِيمٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَال بَدَلَ - أَتَمَّهَا - أَحْسَنَهَا. ٥٨١٣ - (٢٢٦٢) (١٧) قَال مُسْلِمٌ: وَحُدِّثْتُ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. وَمِمَّنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنِي بُرَيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، ــ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٣٦١]، والبخاري في الأنبياء باب خاتم النبيين [٣٥٣٤]، والترمذي في الأمثال باب ما جاء في مثل النبي ﷺ [٢٨٦]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر رضي الله تعالى عنه فقال: ٥٨١٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه محمد بن حاتم) بن ميمون البغدادي، ثقة، من (١١) (حَدَّثَنَا) عبد الرحمن (بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري، ثقة، من (٩) (حَدَّثَنَا سليم) بن حيان الهذلي البصري (بهذا الإسناد) يعني عن سعيد بن ميناء عن جابر، غرضه بيان متابعة ابن مهدي لعفان بن مسلم، وساق ابن مهدي (مثله) أي مثل حديث عفان (و) لكن (قال) ابن مهدي: (بدل) قول عفان فـ (أتمها) لفظة فـ (أحسنها) والله أعلم. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الرابع من الترجمة بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه فقال: ٥٨١٣ - (٢٢٦٢) (١٧) (قال) الإمام (مسلم) رحمه الله تعالى: (وحدثت عن أبي أسامة) حماد بن أسامة (وممن روى) لي (ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري) الطبري أبو إسحاق البغدادي الحافظ صاحب المسند، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٢) بابين (حَدَّثَنَا أبو أسامة: حدثني بريد بن عبد الله) بن أبي بردة أبو بردة الصغير الكوفي (عن) جده (أبي بردة) عامر بن أبي موسى، ثقة، من (٢) (عن أبي موسى) الأشعري ﵁. وهذا السند من خماسياته (عن النبي ﷺ قال: إن الله إذا أراد رحمة أمة) أي بقاء أمة (من عباده) وحياتها وسلامتها (قبض نبيها) وأماته (قبلها) أي

стр. 9634

فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَينَ يَدَيهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ، عَذَبَهَا، وَنَبِيُّهَا حَيٌّ، فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَينَهُ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أَمْرَهُ" ــ قبل إهلاكها (فجعله) أي فجعل ذلك النبي (لها) أي للأمة (فرطًا) بفتحتين بمعنى الفارط والفارط المتقدم من الرفقة إلى الماء ليهيء لهم أسباب السقي من الدلاء والرشا والحياض يريد أنَّه شفيع متقدم لهم (وسلفًا) أي سابقًا (بين يديها) أي قدامها إلى الآخرة فهو بمعنى مطلق السابق لهم سواء هيأ لهم المصالح أم لا فعطفه على فرطا من عطف العام على الخاص للتأكيد أو من عطف المرادف، قال القرطبي: وإنما كان موت النبي ﷺ قبل أمته رحمة لهم لأن الموجب لبقائهم بعده إيمانهم به واتباعهم لشريعته ثم إنهم يصابون بموته فتعظم أجورهم بذلك إذ لا مصيبة أعظم من فقد الأنبياء فلا أجر أعظم من أجر من أصيب بذلك ثم يحصل لهم أجر التمسك بشريعته بعده فتتضاعف الأجور فتعظم الرحمة ولهذا قال ﷺ : "حياتي لكم رحمة ومماتي لكم رحمة" اهـ من المفهم ذكره الزبيدي في الإتحاف [٩/ ١٧٦ و ١٧٧]، وابن حجر في المطالب العالية [٣٨٥٣]، وابن عدي في الكامل [٣/ ٩٤٥] وأما إذا أهلكها قبله فذلك لا يكون إلَّا لأنهم لم يؤمنوا به وخالفوه وعصوا أمره فإذا استمروا على ذلك من عصيانهم وتمردهم أبغضهم نبيهم فربما دعا عليهم فأجاب الله دعوته فأهلكهم فأقر عينه فيهم كما فعل بقوم نوح وغيره من الأنبياء اهـ من المفهم، كما قال النبي ﷺ في هذا الحديث: (وإذا أراد) الله تعالى (هلكة أمة) من الأمم وعذابها (عذبها) بنوع من عقوباته (و) الحال أن (نبيها حي) فيهم (فأهلكها وهو) أي والحال أن نبيهم (ينظر) إلى عذابها النازل بهم (فأقر) أي أبرد (عينه) أي عين النبي (بهلكتها) وأراحه من فسادهم وشركهم (حين كذبوه) فيما جاءهم به من عند الله تعالى (وعصوا أمره) فيما أمرهم به أي خالفوه في أوامرهم ونواهيه فأهلكهم بسبب عصيانهم لنصره عليهم، ومعنى فأقر عينه فرحه وبلغه أمنيته وذلك أن المبشر الضاحك يخرج من عينه ماء بارد يقر اهـ دهني. وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم لم يروه غيره. قال القرطبي: وحديث أبي موسى هو من الأربعة عشر حديثًا المنقطعة الواقعة في كتاب مسلم لأنه قال في أول سنده حدثت عن أبي أسامة وممن روى عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حَدَّثَنَا أبو أسامة ثم ذكر السند متصلًا إلى أبي موسى رضي الله عنه

стр. 9635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اهـ من المفهم. وقال المازري: إن هذا الحديث من الأحاديث المنقطعة في صحيح مسلم لأنه قال: حدثت عن أبي أسامة لكن قال النووي: ليس هذا حقيقة انقطاع وإنما هو رواية عن مجهول، وقد وقع في بعض النسخ المعتمدة قال الجلودي: حَدَّثَنَا محمد بن المسيب الأرعياني، قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعيد الجوهري بهذا الحديث عن أبي أسامة بإسناده فاتصل إسناده اهـ. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث ثمانية: الأول: حديث أبي موسى الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الثرجمة، والثاني: حديث أبي موسى الأشعري الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والثالث: حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والرابع: حديث جابر ذكره للاستشهاد به ثانيًا، والخامس: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والسادس: حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستشهاد به لحديث أبي هريرة مع ذكر المتابعة في سنده، والسابع: حديث جابر الثاني ذكره للاستشهاد به ثانيًا وذكر فيه متابعة واحدة، والثامن: حديث أبي موسى الأخير ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة والله أعلم. * * *

стр. 9636

٦٨٩ - (٣) باب إثبات حوض نبينا محمد ﷺ وبيان قدره وصفته وكيزانه ٥٨١٤ - (٢٢٦٣) (١٨) حدَّثني أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زَائِدَةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيرٍ. قَال: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ" ــ ٦٨٩ - (٣) باب إثبات حوض نبينا محمد ﷺ وبيان قدره وصفته وكيزانه ٥٨١٤ - (٢٢٦٣) (١٨) (حدثني أحمد بن عبد الله بن يونس) بن عبد الله بن قيس التميمي اليربوعي أبو عبد الله الكوفي، ثقة متقن، من كبار (١٠) ت سنة (٢٢٧) وله (٩٤) سنة، روى عنه في (٦) أبواب (حَدَّثَنَا زائدة) بن قدامة الثقفي أبوالصلت بفتح الصاد وسكون اللام الكوفي، ثقة ثبت صاحب سُنة، من (٧) ت سنة (١٦٥) روى عنه في (١٠) أبواب، وليس في (م) من اسمه زائدة إلَّا هذا الثقة (حَدَّثَنَا عبد الملك بن عمير) الفرسي اللخمي أبو عمر القبطي الكوفي، ثقة فقيه مختلط مدلس، من (٣) مات سنة (١٣٦) وقد جاوز (١٠٠) سنة، روى عنه في (١٥) بابا (قال) عبد الملك: (سمعت جندبًا) أي جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي العلقي بفتحتين نسبة إلى علقة بن عبقر بن أنمار بطن من بجيلة أبا عبد الله الكوفي ثم البصري ثم المصري، الصحابي المشهور ﵁، روى عنه في (٤) أبواب. وهذا السند من رباعياته أي سمعت جندبًا حالة كونه (يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: أنا فرطكم) أي فارطكم وسابقكم إلى الآخرة منتظركم (على الحوض) أي على حوضي لأسقيكم منه، قال أهل اللغة: الفرط والفارط هو الَّذي يتقدم الواردين ليُصلح لهم الحياض والدلاء والكويات ونحوها من أمور الاستقاء، فمعنى فرطكم على الحوض سابقكم إليه كالمهيئ له اهـ نووي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في الرقاق باب في الحوض [٦٥٨٩] والحوض في اللغة مجتمع الماء يقال: استحوض الماء إذا اجتمع ويجمع على أحواض وحياض وشرعًا ماء أبيض من اللبن وأحلى من السكر ينصب عليه ميزابان من الجنّة من شرب منه لا يظما أبدًا ترد عليه أمة الإجابة فيسقيهم النبي ﷺ يوم القيامة.

стр. 9637

٥٨١٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْير. جَمِيعًا عَنْ مِسْعَرٍ. ح وَحدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بن مُعاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. قَالا: ــ وقد روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في هذا الباب أحاديث كثيرة لإثبات حوض النبي ﷺ وبيان صفاته وقدره وهذه الأحاديث حجة على من أنكر ثبوت الحوض من الخوارج والمعتزلة وقد ذكر المحدثون أن ثبوت حوض النبي ﷺ متواتر، فقد ذكر القرطبي رحمه الله تعالى في المفهم أنَّه روى ذلك عن النبي ﷺ من الصحابة ما ينيف على الثلاثين؛ منهم في الصحيحين ما ينيف على العشرين، وقد ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى خمسة وعشرين من الصحابة الذين رووا أحاديث الحوض وزاد عليهم النووي ثلاثة، وقد ذكر الحافظ في فتح الباري [١١/ ٤٦٨ و ٤٦٩] أسماءهم وأسماء الذين أخرجوا أحاديثهم ثم قال: زدت عليهم أجمعين قدر ما ذكروه سواء فزادت العدة على خمسين ولكثير من هؤلاء الصحابة في ذلك زيادة على الحديث الواحد كأبي هريرة وأنس بن مالك وابن عباس وأبي سعيد وعبد الله بن عمرو وأحاديثهم بعضها في مطلق ذكر الحوض وفي صفته بعضها وفيمن يرد عليه بعضها وفيمن يدفع عنه بعضهم وبلغني أن بعض المتأخرين وصلها إلى ثمانين صحابيًّا. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جندب ﵁ فقال: ٥٨١٥ - (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من (٩) (ح وحدثنا أبو غريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي (حَدَّثَنَا) محمد (بن بشر) بن الفرافصة العبدي الكوفي، ثقة، من (٩) (جميعًا) أي كل من وكيع وابن بشر رويا (عن مسعر) بن كدام بن ظهير بن عبيدة الهلالي أبي سلمة الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٩) أبواب ت (١٥٣) وليس في مسلم من اسمه مسعر إلَّا هذا الثقة (ح وحدثنا عبيد الله بن معاذ) بن معاذ العنبري البصري ثقة، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (حَدَّثَنَا أبي) معاذ بن معاذ بن حسان التميمي العنبري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١١) بابا (ح وحدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (حَدَّثَنَا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم أبو عبد الله المدني ربيب شعبة، ثقة، من (٩) (تالا): أي قال معاذ بن معاذ

стр. 9638

حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ، عَنْ جُنْدَبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. ٥٨١٦ - (٢٢٦٤) (١٩) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ)، عَنْ أَبِي حَازِمٍ. قَال: سَمِعْتُ سَهْلًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ. مَنْ وَرَدَ شَرِبَ. وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ؛ أَبَدًا ــ ومحمد بن جعفر (حَدَّثَنَا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي أبو بسطام البصري، ثقة إمام أئمة الجرح والتعديل، من (٧) روى عنه في (٣٠) بابا (كلاهما) أي كل من مسعر وشعبة رويا (عن عبد الملك بن عمير عن جندب) بن عبد الله ﵁ (عن النبي ﷺ وساقا (بمثله) أي ساق مسعر بن كدام وشعبة بن الحجاح بمثله أي بمثل حديث زائد بن قدامة، غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة مسعر وشعبة لزائدة بن قدامة في رواية هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث جندب بحديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨١٦ - (٢٢٦٤) (١٩) (حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد حَدَّثَنَا يعقوب يعني ابن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله (القاري) نسبة إلى قارة قبيلة من العرب المدني، ثقة، من (٨) روى عنه في (٨) أبواب (عن أبي حازم) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٢) بابا (قال) أبو حازم: (سمعت سهلًا) بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبا العباس المدني، الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، له ولأبيه صحبة، له (١٨٨) حديثًا كما مر، قال أبو نعيم: مات سنة (٩١) له (١٥٠) سنة، روى عنه في (٥) أبواب. وغذا السند من رباعياته حالة كون سهل (يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: أنا فرطكم) أي سابقكم منتظرًا لكم (على الحوض) المصرّح باسمه وصفته وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي واليقين التواتري (من ورد) هـ (شرب) منه يعني أن الممنوع من شربه إنما هو من لم يرد عليه من الذين ذبُّوا عنه، وأما من ورد فإنه يشرب منه (ومن شرب) منه (لم يظمأ) أي لم يعطش (أبدًا) أي مدة حياته الأبدية التي لا موت

стр. 9639

وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي. ثُمَّ يُحَالُ بَينِي وَبَينَهُمْ". قَال أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَ النَّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشِ وَأَنَا أُحدَّثُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ. فَقَال: هَكذَا سَمِعْتَ سَهْلًا يَقُولُ؟ قَال: فَقُلْتُ: نَعَمْ ــ بعدها من الظمأ وهو مهموز ومقصور كما ورد به في القرآن وهو العطش يقال: ظمئ من باب فرح يظمأ ظمأ فهو ظمآن وهم ظماء بالمد كعطش يعطش عطشًا فهو عطشان وهم عطاش، قال القاضي: ظاهر هذا الحديث أن الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة فهذا هو الَّذي لا يظمأ بعده اهـ نووي. يعني أنَّه لا يتحمل بعد ذلك أذى العطش وعناءه أما الشهوة إلى الشراب التي تُورث لذة في الشرب فالظاهر أنها غير منتفية من أهل الجنّة والله أعلم، وقيل: إنه لا يشرب منه إلَّا من لا يدخل النار لكن قال القاضي عياض: ظاهر الحديث أن الأمة كلها تشرب منه إلَّا من ارتد ثم من يدخل النار بعد الشرب فيحتمل أنَّه لا يُعذّب فيها بالعطش بل بغيره وهذا كما قيل: إن الأمة كلها تأخذ كتبها بأيمانها ثمّ يعاقب الله تعالى من شاء منهم، وقيل: إنما يأخذ كتابه بيمينه الناجون (و) الله الَّذي لا إله غيره (ليردن) أي لياتين (عليّ) على الحوض (أقوام أعرفهم) في الدنيا بأسمائهم وذواتهم (ويعرفوني) هم حاصله أن رجالًا من أمته ﷺ يحاولون الورود على الحوض فيُمنعون من ذلك فيعرفهم رسول الله ﷺ ويريد أن يدعوهم إلى الحوض ويسمح لهم بالشرب منه ولكن يقال له عند ذلك إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك من الأعمال السيئة فيتبرأ منهم رسول الله ﷺ قائلًا لهم "سحقًا سحقًا" أي بعدًا وطردًا (ثم) بعدما وردوا علي (يُحال) ويُحجر (بيني وبينهم، قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش) زيد بن الصامت الأنصاري الزرقي، ثقة، من (٤) روى عنه في (٣) أبواب (وأنا أحدِّثهم هذا الحديث فقال) لي النعمان: (هكذا سمعت) يا أبا حازم (سهلًا) بن سعد (يقول قال) أبو حازم: (فقلت): لِلنُّعْمَانِ (نعم) سمعت سهلًا يقول هكذا. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الرقاق باب في الحوض [٦٥٨٣]، وفي الفتن باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ﴾ [٧٠٥٠].

стр. 9640

٥٨١٧ - (٢٢٦٥) (٢٠) قَال: وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فَيَقُولُ: "إِنَّهُمْ مِنِّي. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي" ــ ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث جندب بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨١٧ - (٢٢٦٥) (٢٠) (قال) النعمان بن أبي عياش بالسند السابق أعني سند أبي حازم (وأنا أشهد) وأقسم (على أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك والله (لسمعته) أي لسمعت أبا سعيد (يزيد) على حديث سهل الَّذي منه لفظة (فيقول) النبي ﷺ : ثم يحال بيني وبينهم فأقول للملائكة: لا تدفعوهم ولا تطردوهم (إنهم) أي إن هؤلاء الذين طردتموهم (مني) أي من أمتي (فيقال) لي من الله أو من جهة الملائكة لا تقل يا محمد إنهم مني فـ (إنك) يا محمد (لا تدري) ولا تعلم (ما عملوا) وأحدثوا (بعدك) أي بعد وفاتك من الارتداد والتبديل، قال النبي ﷺ : (فأقول) للملائكة: اطردوهم (سحقًا سحقًا) أي بُعدًا بُعدًا عن رحمة الله وعن الحوض (لمن بدل) وغيّر وارتد عن ديني (بعدي) أي بعد وفاتي فإنهم ليسوا مني، وقوله: (سحقًا سحقًا) بضم السين وسكون الحاء منصوب على المفعولية المطلقة بعامل محذوف وجوبًا لنيابته عنه أي سحقه الله سحقًا وأبعدهم بعدًا، والتكرار فيه للتأكيد، والسحيق البعيد كما في التنزيل، واختلف العلماء في هؤلاء من هم؛ فقال بعضهم: إنهم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقاتلهم أبو بكر، وقال بعضهم: إنهم المنافقون الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: هم أصحاب الكبائر والبدع الذين ماتوا على الإسلام وإنما يُمنعون من الحوض أولًا عقوبة لهم ثم يُرحمون والصحيح منها القول الأول والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أعني حديث أبي سعيد البخاري كما في تحفة الأشراف. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث سهل بن سعد وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما فقال:

стр. 9641

٥٨١٨ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا هَارُونُ بن سَعِيدٍ الأَيلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَن سَهْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يَعْقُوبَ. ٥٨١٩ - (٢٢٦٦) (٢١) وحدَّثنا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضِّبِّيُّ. حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ، ــ ٥٨١٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا هارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي (الأيلي) نزيل مصر، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (حَدَّثَنَا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٣) بابا (أخبرني أسامة) بن زيد الليثي مولاهم المدني، صدوق، من (٧) روى عنه في (٨) أبواب (عن أبي حازم عن سهل) بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنهما (عن النبي ﷺ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أسامة بن زيد ليعقوب بن عبد الرحمن، وقوله: (وعن النعمان بن أبي عياش) معطوف على قوله عن أبي حازم أي حَدَّثَنَا هارون عن ابن وهب عن أسامة عن النعمان بن أبي عياش (عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ وساق أسامة بن زيد بالسندين (بمثل حديث بعقوب) بن عبد الرحمن عن أبي حازم وعن النعمان بن أبي عياش. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨١٩ - (٢٢٦٦) (٢١) (وحدثنا داود بن عمرو) بن زهير بن عمرو بن جميل بالجيم المفتوحة، وقيل بالحاء المهملة المضمومة (الضِبِّيُّ) بكسر المعجمة المُسَيِّبِيُّ أبو سليمان البغدادي مات ببغداد في ربيع الأول سنة - (٢٢٨) ثمان وعشرين ومائتين، روى عن نافع بن عمر في دلائل النبوة وحماد بن زيد وأبي معشر، ويروي عنه (م) حديثين و (ث) والفضل بن سهل وابن ناجية والبغوي، قال ابن قانع: ثقة ثبت، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: منكر الحديث، وقال في التقريب: ثقة، من (١٠) (حَدَّثَنَا نافع بن عمر) بن عبد الله بن جميل (الجمحي) المكي، قال أحمد: ثقة ثبت صحيح الكتاب، وقال ابن

стр. 9642

عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ. قَال: قَال عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ. وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ. وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ ــ سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال في التقريب: ثقة ثبت، من كبار (٧) مات سنة (١٦٩) روى عنه في (٢) بابين في الأحكام والفضائل (عن) عبد الله بن عبيد الله (بن أبي مليكة) زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي أبي بكر المكي، ثقة، من (٣) روى عنه في (٢٠) بابا (قال) ابن أبي مليكة: (قال عبد الله بن عمرو بن العاه) بن وائل القرشي السهمي أحد السابقين إلى الإسلام وأحد العبادلة الفقهاء رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من رباعياته (قال رسول الله ﷺ : سعة (حوضي) قدر مسافة (مسيرة شهر وزواياه) أي أركانه وجوانبه الأربعة (سواء) أي مستويات. قال العلماء: معناه طوله كعرضه كما قال في حديث أبي ذر الآتي عرضه مثل طوله اهـ نووي؛ يعني أركانه معتدلة أي أن ما بين الأركان متساوٍ فهو معتدل التربيع اهـ مفهم. قال القاضي عياض: الزوايا الأركان فهو مربع مستوي الأضلاع لأن تساوي الزوايا تدل على تساوي الأضلاع، قال بعضهم: وهذا يدل على معرفته ﷺ بسائر العلوم لأن هذا من علم الهندسة والتكسير والحساب وهو كما قال في الآخر طوله وعرضه سواء اهـ. قال الأبي: الزوايا هي الكائن بين خطين قام أحدهما على الآخر تنقسم إلى محدبة ومنفرجة قيل وكون زواياه سواء لا يدل على تساوي الأضلاع لولا قوله في الآخر طوله كعرضه وعلى ذلك فمسيرة الشهر لكل واحد من طوله وعرضه اهـ أبي. (وماؤه) وماء حوضي (أبيض) أي أشد بياضًا (من الورق) بكسر الراء أي من الفضة ووقع في رواية سعيد بن أبي مريم عند البخاري أبيض من اللبن وكلاهما متقاربان لأن المقصود بيان شدة بياضه، ثم قال المازري: مقتضى كلام النحاة أن يقال أشد بياضًا لأن اسم التفضيلى كفعل التعجب لا يُصاغ مما يدل على الألوان أو العيب كسود وحمر وبيض وعور ولا من الفعل الَّذي وصفه على وزن أفعل كسود أو أسود وعور فهو أعور إلَّا أن يقال هنا جاء على الشذوذ والقياس أن يقال هو أشد بياضًا من الورق، وقال الحافظ في الفتح [١١/ ٤٧٢] ويحتمل أن يكون ما هنا من تصرف الرواة فقد وقع في رواية أبي ذر عند مسلم بلفظ أشد بياضًا من اللبن، وكذا لابن مسعود عند أحمد، وكذا

стр. 9643

وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ. وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَا يَظمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا. ٥٨٢٠ - (٢٢٦٧) (٢٢) قَال: وَقَالتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ: ــ لأبي أمامة عند ابن أبي عاصم اهـ (وريحه أطيب من المسك) وسيأتي في حديث أبي ذر وثوبان (وأحلى من العسل) وجاء في حديث ابن عمر عند الترمذي (وماؤه أشد بردًا من الثلج) هذا ملخص ما في فتح الباري (وكيزانه كنجوم السماء) كثرة، والكيزان بكسر الكاف جمع الكوز بضم الكاف والمراد بيان كثرة عددها، قال النووي: والمختار الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره وأنها أكثر عددًا من نجوم السماء ولا مانع عقليًا ولا شرعيًّا يمنع من ذلك ولا يعد كذبًا لأنه من قول الصادق المصدوق (فمن شرب منه فلا يظمأ بعده) أي بعد شربه (أبدًا) أي لم يعطش آخر ما عليه، وقد وقع هذا التعبير في صحيح مسلم برقم [٢٣٠٥] والمعنى حينئذِ لا يظمأ ما دام في الموقف للحساب اهـ من هامش المفهم، وظاهر هذا وغيره من الأحاديث أن الورود على هذا الحوض والشرب منه إنما يكون بعد النجاة من النار وأهوال القيامة لأن الوصول إلى ذلك المحل الشريف والشرب منه والوصول إلى موضع يكون فيه النبي ﷺ ولا يُمنع منه من أعظم الإكرام وأجل الأنعام ومن انتهى إلى مثل هذا كيف يُعاد إلى حساب أو يذوق بعد ذلك تنكيل خزي وعذاب فالقول بذلك أوهى من السراب اهـ من المفهم. ولو أخر المؤلف هذا الحديث إلى أواخر الباب إلى موضع يذكر فيه أحاديث وردت في بيان قدره وصفاته لكان أنسب وأوضح. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في الرقاق باب في الحوض برقم [٦٥٧٩]. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث جندب بحديث أسماء ﵄ فقال: ٥٨٢٠ - (٢٢٦٧) (٢٢) (قال) ابن أبي مليكة بالسند السابق في حديث ابن عمرو فالحديث موصول سنده وقوله: (وقالت أسماء بنت أبي بكر) الصديق رضي الله تعالى عنهما معطوف على قوله: (قال عبد الله بن عمرو) فسند هذا الحديث أيضًا من رباعياته

стр. 9644

قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُم. وَسَيُؤْخَذُ أُنَاسٌ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي. فَيُقَالُ: أَمَا شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟ وَاللهِ مَا بَرِحُوا بَعْدَكَ يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ". قَال: فَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيكَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ أَنْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا ــ (قال رسول الله ﷺ : إني) واقف (على الحوض حتَّى أنظر) أي لكي أنظر (من يرد عليّ منكم) على الحوض (وسيؤخذ) ويدفع ويرد (أناس) من أمتي من (دوني) قبل الوصول إليَّ أي تدفعه الملائكة (فأقول يا رب) هؤلاء (مني) أي من أهل ديني (ومن أمتي) أي ومن أتباعي فينبغي أن يسمح لهم بالورود على الحوض (فيقال) لي: (أما شعرت) وعلمت يا محمد (ما عملوا) وأحدثوا (بعدك) أي بعد وفاتك (والله) نقسم لك يا محمد (ما برحوا) أي ما زال هؤلاء الذين دفعناهم عن الحوض (بعدك) أي بعد وفاتك وفراقك أي ما زالوا (يرجعون) بعدك عن دينهم الَّذي تركتهم عليه (على أعقابهم) أي على أدبارهم مرتدين فهم ليسوا من أمتك (قال) نافع بن عمر بالسند السابق (فكان) عبد الله (بن أبي مليكة يقول) بعدما حَدَّثَنَا هذا الحديث (اللهم إنا نعوذ) ونلوذ (بك) ونلتجئ إليك من (أن نرجع) ونرتد (على أعقابنا) وأدبارنا ونكفر بك وبنبيك محمد ﷺ (أو) قال ابن أبي مليكة: اللهم إنا نعوذ بك من (أن نفتن) بالشرك والمعاصي (عن ديننا) الَّذي ارتضيته لنا دين الإسلام، والشك فيما قاله ابن أبي مليكة من نافع ابن عمر. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في الرقاق برقم [٦٥٩٣] من طريق سعيد بن أبي مريم عن نافع بن عمر قال: حدثني ابن أبي مليكة عن أسماء، وأخرجه أيضًا في الفتن باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ برقم [٧٥٤١]، من طريق علي بن عبد الله حَدَّثَنَا بشر بن اليسري حَدَّثَنَا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال: قالت أسماء إلخ فذكر الحديث والله أعلم. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث حندب بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:

стр. 9645

٥٨٢١ - (٢٢٦٨) (٢٣) وحدَّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سُلَيمٍ، عَنِ ابْنِ خُثَيمٍ، عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُبَيدِ اللهِ بنِ أَبِي مُلَيكَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، وَهُوَ بَينَ ظَهْرَانَي أَصحَابِهِ: "إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ. أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَى مِنْكُمْ. فَوَاللهِ لَيُقْتَطَعَنَّ دُوني ــ ٥٨٢١ - (٢٢٦٨) (٢٣) (وحدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (حَدَّثَنَا يحيى بن سليم) مصغرًا القرشي مولاهم الخراز بمعجمة ثم مهملة ثم زاي آخره الحذاء أبو محمد الطائفي المكي، وإنما قيل له الطائفي لأنه كان يختلف إليها، روى عن عبد الله بن عثمان بن خشيم في الفضائل، وإسماعيل بن أمية وإسماعيل بن كثير وابن جريج والثوري وعمران القصير وجماعة، ويروي عنه (ع) وابن أبي عمر ووكيع والشافعي وابن المبارك وأبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق وغيرهم، قال ابن معين وابن سعد: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ صالح محله الصدق، ولم يكن بالحافظ يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ليس به بأس وهو منكر الحديث عن عبد الله بن عمرو، وقال في التقريب: صدوق سيئ الحفظ، من التاسعة، مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة بمكة، وله في البخاري فرد حديث (عن) عبد الله بن عثمان (بن خثم) بالمعجمة والمثلثة مصغرًا القاري من القارة حلفاء بني زهرة أبي عثمان المكي، روى عن ابن أبي مليكة في دلائل النبوة، وصفية بنت شيبة وأبي الطفيل، ويروي عنه (م عم) ويحيى بن سليم والسفيانان وبشر بن المفضل، وثقه ابن معين والعجلي وابن سعد، وقال في التقريب: صدوق، من الخامسة، مات سنة (١٣٢) اثنتين وثلاثين ومائة (عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة) زهير بن جدعان التيمي المكي، ثقة، من (٣) (أنَّه) أي أن ابن أبي مليكة (سمع عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته (تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو) أي والحال أنَّه ﷺ جالس (بين ظهراني أصحابه) أي وسطهم ولفظ ظهراني بصيغة التثنية مقحم أو لتأكيد معنى بين (إني) واقف (على الحوض) يوم القيامة، حالة كوني (أنتظر) وأرقب (من يرد) ويأتي (علي منكم) أيتها الأمة (فوالله) أي فأقسم لكم بالإله الَّذي لا إله غيره (ليقتطعن) بالبناء للمجهول أي ليدفعن ويمنعن (دوني) وقبل الوصول إلى حوضي أي في أدنى مكان مني اهـ مبارق

стр. 9646

رِجَالٌ. فَلأقُولَنَّ: أَي رَبِّ، مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي. فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ. مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ". ٥٨٢٢ - (٢٢٦٩) (٢٤) وحدَّثني يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، (وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ)، أَنَّ بُكَيرًا حدَّثَهُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاس الْهَاشِمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ رَافِعٍ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهَا قَالتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ يَذْكُرُونَ الْحَوْضَ. وَلَمْ أَسْمَعْ ذلِكَ ــ (رجال) أعرفهم ويعرفوني كما في الرواية الأخرى (فـ) والله (لأقولن أي رب) أي يا رب هؤلاء الرجال المدفوعون عني (مني) أي من أهل ديني (ومن أمتي) أي ومن أتباعي (فيقول) الله (إنك) يا محمد (لا تدري) ولا تعلم (ما عملوا بعدك) أي بعد وفاتك لأنهم (ما زالوا يرجعون على أعقابهم) أي على أدبارهم وهو عبارة عن ارتدادهم أعم من أن يكون من الأعمال الصالحة إلى السيئة أو من الإسلام إلى الكفر اهـ مبارق. ولم يشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحد من أصحاب الأمهات الخمس. ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث جندب بحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨٢٢ - (٢٢٦٩) (٢٤) (وحدثني يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة بن حفص (الصدفي) أبو موسى المصري، ثقة، من (١٥) روى عنه في (٤) أبواب (أخبرنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقة، من (٩) (أخبرني عمرو وهو ابن الحارث) بن يعقوب الأنصاري المصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٣) بابا (أن بكيرًا) بن عبد الله بن الأشج المخزومي المدني ثم المصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٣) بابا (حدَّثه) أي حدَّث لعمرو بن الحارث (عن القاسم بن عباس) بن محمد بن معتب بمثناة بن أبي لهب (الهاشمي) أبي العباس المدني، ثقة، من (٦) روى عنه في (٢) بابين الصوم ودلائل النبوة (عن عبد الله بن رافع) المخزومي مولاهم (مولى أم سلمة) ثقة، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (عن أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية (زوج النبي ﷺ رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سباعياته (أنها) أي أن أم سلمة (قالت: كنت أسمع الناس) كثيرًا (يذكرون الحوض) فيما بينهم (ولم أسمع) أنا (ذلك)

стр. 9647

مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَلَمَّا كَانَ يَوْمًا مِن ذَلِكَ. وَالْجَارِيةُ تَمْشُطُنِي. فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَيُّهَا النَّاسُ" فَقُلْتُ لِلْجَارَيةِ: اسْتَأْخِرِي عَنِّي. قَالتْ: إِنَّمَا دَعَا الرِّجَال وَلَمْ يَدْعُ النِّسَاءَ. فَقُلْتُ: إِنِّي مِنَ النَّاسِ ــ أي ذكر الحوض (من رسول الله ﷺ قط (فلما كان) رسول الله ﷺ (يومًا) أي في يوم كان (من ذلك) اليوم الَّذي كان نوبتي من رسول الله ﷺ (والجارية) أي والحال أن جاريتي وأمتي (تمشطني) من باب نصر أي تسرّح لي شعري، والجملة الإسمية حال مقدمة على صاحبها وهو تاء المتكلم من سمعت، والفاء في قوله: (فسمعت) زائدة في جواب لما أي فلما كان رسول الله ﷺ في يوم من أيام نوبتي سمعت (رسول الله ﷺ يقول) على المنبر كما في الرواية الآتية والحال أن الجارية تُسرّح لي شعري (أيها الناس فقلت للجارية: استأخري) أي تأخري (عني) واتركي مشط شعري لأستمع قول رسول الله ﷺ ، وإنما أمرت الجارية بالكف عن الامتشاط لكي يمكن لها الإصغاء إلى خطاب رسول الله ﷺ (قالت) الجارية: (إنما دعا) رسول الله ﷺ ونادى (الرجال) بقوله أيها الناس (ولم يدع) لم يناد (النساء) لأن لفظ الناس إنما يُطلق على الرجال فقط (فقلت) للجارية: (إني من الناس) الذين ناداهم رسول الله ﷺ لأن لفظ الناس يُطلق على النساء كما يُطلق على الرجال فليس خاصًّا بالرجال، قال النووي: لم يختلف في دخول النساء في الخطاب بالناس وإنما اختلف في دخولهن في خطاب المذكور ومذهبنا عدم دخولهن في خطاب المذكور، قال الأبي: وذلك كالخطاب بالمسلمين والمؤمنين، والمختار عدم دخولهن في خطاب المذكور بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إذ لو دخلن لم يحسن العطف ولا يحتج على عدم الدخول بقول الجارية إذ ليست من أهل اللسان العربي اهـ أبي. وفي قول أم سلمة: (إني من الناس) دلالة على كمال عقل أم سلمة رضي الله تعالى عنها ووفور علمها وفرط اشتياقها إلى استماع كلام رسول الله ﷺ وحب مطاوعتها لأمر النبي ﷺ فإن قوله أيها الناس متضمن للأمر

стр. 9648

فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لَكُمْ فَرَطٌ عَلَى الْحَوْضِ. فَإِيَّايَ لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ فَيُذَبُّ عَنِّي كَمَا يُذَبُّ الْبَعِيرُ الضَّالُّ. فَأَقُولُ: فِيمَ هَذَا؟ فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا" ــ بالاستماع وكانت تعرف أم سلمة أنَّه كلما خاطب القرآن أو رسول الله ﷺ بهذه الصيغة فإن النساء يدخلن في الخطاب كما يدخل الرجال فبادرت إلى مطاوعة الأمر والاستماع إلى قوله ﷺ وإنما قالت أم سلمة: إني من الناس لأن الناس اسم جنس مأخوذ من النسيان كما قال الشاعر: وما سُمي الإنسان إلَّا لنسيه ... وما القلب إلَّا أنَّه يتقلب (فقال رسول الله ﷺ : إني لكم) أيتها الأمة المحمدية (فرط) أي كالفارط المهيئ للقافلة مصالحهم على الماء منتظرًا لكم (على الحوض) وقوله: (فإياي) مفعول مقدم لقوله: (لا يأتين أحدكم) لإفادة الحصر، والمعنى إني فرط لكم على الحوض فلا يأتين أحدكم إياي عند الحوض (فيذب) أي فيدفع (عني) بالرفع على الاستئناف أي فهو يذب ويدفع عني، وبالنصب بأن مضمرة على جعل الفاء عاطفة سببية على جملة النهي، والتقدير لا يكن إتيان أحدكم إياي فذبه عني، والكاف في قوله: (كما يذب) ويطرد (البعير الضال) أي الغريب الَّذي ليس معه صاحبه، وما مصدرية أي فيذب أحدكم ذبًا كذب البعير الضال عن الماء لئلا يشرب مع الإبل التي معها صاحبها، وقوله: (فأقول): أنا على الوجهين معطوف على قوله: (فيذب عني) فأقول أنا للملائكة بسبب ذبه وطرده (فيم هذا) الذب والدفع للواردين على لشرب الحوض فإنهم من أمتي، ولفظ في سببية وم اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل الجر بفي بكسرة مقدرة على الألف المحذوفة فرقًا بينها وبين ما الموصولة، والجار والمجرور خبر مقدم، واسم الإشارة مبتدأ مؤخر أي هذا الدفع والذب للواردين علي باي سبب فإنهم مني (فيقال) لي من جهة الله أو من جهة الملائكة في جواب استفهامي لا تستغرب يا محمد هذا الذب والطرد لهم فـ (إنك لا تدري) ولا تعلم (ما أحدثوا) وابتدعوا (بعدك) أي بعد وفاتك لأنهم ارتدوا عن دينك ورجعوا على أعقابهم (فأقول) عندئذٍ: سحقهم الله (سحقًا) وبُعدًا وطردهم من رحمته طردًا. حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها هذا انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى أيضًا عن أصحاب الأمهات الخمس.

стр. 9649

٥٨٢٣ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ وَأَبُو بَكرِ بن نَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، (وَهُوَ عَبْدُ المَلِكِ بن عَمْرٍو)، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بن رَافِعٍ. قَال: كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تُحدِّثُ؛ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ، عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهِيَ تَمْتَشِطُ: "أَيُّهَا النَّاسُ" فَقَالت لِمَاشِطَتِهَا: كُفِّي رَأْسِي، بِنَحو حَدِيثِ بُكَيرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ ــ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها فقال: ٥٨٢٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو معن الرقاشي) زيد بن يزيد الثقفي البصري، ثقة، من (١١) روى عنه في (٦) أبواب (وأبو بكر) محمد بن أحمد (بن نافع) العبدي البصري، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي إمام حافظ، ثقة، من (١١) روى عنه في (١٢) بابا (قالوا) أي قال كل من الثلاثة (حَدَّثَنَا أبو عامر وهو عبد الملك بن عمرو) القيسي العقدي بفتح المهملة والقاف البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٩) أبواب (حَدَّثَنَا أفلح بن سعيد) الأنصاري المدني أبو محمد القبائي بضم القاف نسبة إلى قباء موضع معروف بالمدينة، وبه المسجد الَّذي أسس على التقوى كما قيل، روى عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة في دلائل النبوة وصفة النار، ومحمد بن كعب وجماعة، ويروي عنه (م س) وأبو عامر العقدي وابن المبارك، وثقه ابن معين، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: شيخ صالح الحديث، وقال ابن حبان؛ يروي عن الثقات الموضوعات لا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه، وقال في التقريب: صدوق، مات سنة (١٥٦) ست وخمسين ومائة، من السابعة (حَدَّثَنَا عبد الله بن رافع) المخزومي مولاهم مولى أبي سلمة المدني، ثقة، من (٣) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أفلح بن سعيد القاسم بن عباس (قال) عبد الله بن رافع: كانت أم سلمة تحدّث أنها سمعت النبي ﷺ يقول على المنبر وهي) أي والحال أنها (تمتشط) أي تُسرّح شعرها بواسطة الجارية أي سمعته ﷺ يقول: (أيها الناس فقالت لماشطتها: كفي رأسي) أي اجمعي شعر رأسي وضمي بعضه إلى بعض واربطيه لي لئلا ينتشر فيشوشني عن استماع قول رسول الله ﷺ وساق أفلح بن سعيد (بنحو حديث القاسم بن عباس) وفي أغلب النسخ

стр. 9650

٥٨٢٤ - (٢٢٧٠) (٢٥) حدَّثَنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيرِ، عَن عُفبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ. فَقَال: "إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنا شَهِيدٌ عَلَيكُمْ، ــ (بنحو حديث بكير عن القاسم بن عباس) وهو تحريف من النساخ لأن بكيرًا لم يرو عن محمد بن رافع بل عن القاسم بن عباس فالقاسم ليس مذكورًا في هذا السند. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى سادسًا لحديث جندب بن عبد الله بحديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨٢٤ - (٢٢٧٠) (٢٥) (حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد حَدَّثَنَا ليث) بن سعد الفهمي المصري (عن يزيد بن أبي حبيب) سويد مولى شريك بن الطفيل الأزدي المصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (١١) بابا (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله الحميري اليزني المصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (٩) أبواب (عن عقبة بن عامر) الجهني الصحابي المشهور ﵁، روى عنه في (٣) أبواب. وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ خرج يومًا) إلى البقيع (فصلى) أي دعا (على أهل أحد) أي لأهل أحد وشهداءه (صلاته على الميت) أي دعاء كدعائه للميت يعني دعا لهم بدعاء الموتى وكأنه ﷺ كان قد استقبل القبلة ودعا لهم واستغفر لهم وهذا كما فعل حيث أمره الله تعالى أن يستغفر لأهل البقيع فقام عليهم ليلًا واستغفر لهم ثم انصرف كما تقدم في الجنائز اهـ من المفهم، قال المازري: أي دعا لهم بمثل دعاء الميت لا يُحتج به للصلاة على الشهيد إذ لم يكن هذا عند قتلهم ودفنهم، وتقدم الكلام عليه في الجنائز، قال الأبي: أُخذ منه الصلاة على الشهيد وهو قول قيل، والجواب بأن المراد بالصلاة الدعاء خلاف الظاهر لأن الصلاة على الميت حقيقة شرعية فيُحمل عليها اهـ (ثم) بعدما دعا لهم (انصرف) أي رجع (إلى المنبر فقال) لمن عنده: (إني فرط) أي سابق مهيئ (لكم) أي لمصالحكم على الحوض (وأنا شهيد عليكم) أشهد عليكم بأعمالكم فكأنه باق معهم بل يبقى بعدهم حتَّى يشهد بأعمال آخرهم لأن أعمالهم تعرض عليه كل يوم الإثنين كما في الحديث الآخر، وفي حديث ابن مسعود عند البزار بإسناد جيد رفعه "حياتي خير لكم ووفاتي خير لكم تُعرض عليَّ أعمالكم فما رأيت من خير

стр. 9651

وَإِنِّي، وَاللهِ، لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِيَ الآنَ، وَإِنِّي قَد أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَزضِ، أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ. وَإِنِّي، وَاللهِ، مَا أَخَافُ عَلَيكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلكِنْ أَخَافُ عَلَيكُمْ أَنْ تَتَنَافَسُوا فِيهَا" ــ حمدت الله تعالى عليه وما رأيت من شر استغفرت الله تعالى لكم" كذا في القسطلاني اهـ دهني (وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن) قال العيني: هو على ظاهره وكأنه كشف له عنه في تلك الحالة، وقال النووي: هذا تصريح بأن الحوض حوض حقيقي على ظاهره وأنه مخلوق موجود اليوم، وفيه جواز الحلف من غير استحلاف لتفخيم الشيء وتوكيده اهـ (واني قد أُعطيت) ومُلكت من جهة الله تعالى (مفاتيح خزائن الأرض) كلها، قال النووي: هكذا في جميع النسخ مفاتيح بالياء، قال القاضي: ورُوي مفاتح بحذفها فمن أثبتها فهو جمع مفتاح ومن حذفها فجمع مفتح وهما لغتان فيه، وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله ﷺ فإن معناه الإخبار بأن أمته تملك خزائن الأرض وزخارفها وقد وقع ذلك وأنها لا ترتد جملة وقد عصمها الله تعالى من ذلك وأنها تتنافس في الدنيا وقد وقع ذلك اهـ عند افتتاح كنوز كسرى وقيصر، قال القرطبي: معناه أي بُشر بفتح البلاد وإظهار الدين وإعلاء كلمة المسلمين وتمليكه جميع ما كان في أيدي ملوكها من الصفراء والبيضاء والنفائش والذخائر فقد ملكه الله ديارهم ورقابهم وأراضيهم وأموالهم كل ذلك وفاء بمضمون قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] اهـ من المفهم (أو) قال: (مفاتيح الأرض) بلا ذكر لفظ خزائن، والشك من الراوي أو ممن دونه (واني والله ما أخاف عليكم) أيتها الأمة (أن تشركوا) بالله شيئًا جملة (بعدي) أي بعد وفاتي (ولكن أخاف عليكم أن) تُبسط عليكم الدنيا فـ (تتنافسوا) وترغبوا (فيها) أي في الدنيا وتعرضوا عن دينكم خدمة لها يعني أن الأمة المحمدية على صاحبها أفضل الصلوات والصلات وأزكى التحيات لن ترتد عن الإسلام جملة، وأما ارتداد بعض الآحاد أو الجماعات فلا ينافيه هذا الخبر، وذكر الأبي احتمالًا آخر وهو أن يكون الخبر متعلقًا بالمخاطب في ذلك الوقت فقط، وقوله: (أن تتنافسوا فيها) أي في خزائن الأرض أو في الدنيا فإنها ربما يُضمر لها بدون ذكر. والحاصل أن النبي ﷺ حذر الأمة عن التنافس في الدنيا لأنه أكثر ما يسبب بين الناس التباغض والتحاسد ويورث العداوة والشحناء ويجرهم إلى فساد

стр. 9652

٥٨٢٥ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا وَهبٌ، (يَعْنِي ابْنَ جَرِيرٍ)، حَدَّثَنَا أَبِي. قَال: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبُ يُحدَّثُ، عَن يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبٍ، ــ الأخلاق والأعمال ولم يُحرّم رسول الله ﷺ أخذ الكنوز والاستمتاع بها لأن المال الحاصل بالوجه الحلال من جملة نعم الله تعالى ولكنه حذّر من الانهماك في طلب الأموال الَّذي ربما يؤدي إلى طلبها من غير وجهها والى التحاسد فيما بين المسلمين فالممنوع هو الانهماك في حبها وطلبها من طرق محظورة لا الحصول عليها بطرق شرعية وبما أن الإكثار من المال ربما يؤدي إلى هذه المفاسد فالاقتصار على قدر الحاجة أولى والله أعلم. ونقل عياض في المدارك عن يحيى بن يحيى أنَّه قال: طلب الدنيا من وجهها من الزهد فيها وفي الحديث: "نعم مطية المؤمن هي عليها يبلغ الخبر وبها ينجو من الشر" اهـ أبي. قوله: (خزائن الأرض) قال في نسيم الرياض: الخزائن جمع خزينة أو خزانة وهي ما يُدّخر فيه المال والأمور النفيسة لتحفظها والمراد ما في الأرض من الكنوز والأموال فإما أن يكون رأى في رؤيا نومه ملك الرؤيا وضع في يده مفاتيح حقيقة، وقال له هذه مفاتيح خزائن الأرض أرسلها الله إليك، ورؤيا الأنبياء وحي تقع بعينها تارة ويُعبّر بما يحكيها أخرى، وظاهر تعبيره أن أمته تملك الأرض ويجبى لهم أموالها إلخ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ١٤٩]، والبخاري في مواضع كثيرة منها باب ما يُحذر من زهرة الدنيا والتنافى فيها [٦٤٢٦]، وأبو داود [٣٢٢٣]، والنسائي [٤/ ٦١]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عقبة بن عامر ﵁ فقال: ٥٨٢٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى حَدَّثَنَا وهب يعني ابن جرير) بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو العباس البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (حَدَّثَنَا أبي) جرير بن حازم أبو النضر البصري، ثقة، من (٦) روى عنه في (١٩) بابا (قال) جرير: (سمعت يحيى بن أيوب) الغافقي بمعجمة ثم فاء بعد الألف ثم قاف أبا العباس المصري، صدوق، من (١٧) روى عنه في (٧) أبواب، حالة كون يحيى (يحدّث عن بزبد بن أبي حببب) سويد الأزدي المصري عالمها، ثقة، من (٥)

стр. 9653

عَنْ مَرْثَدٍ، عَنْ عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ. قَال: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ. ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَر كَالْمُوَدِّع لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ. فَقَال: "إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَإِنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَينَ أَيلَةَ إِلَى الْجُحْفَةِ، ــ روى عنه في (١١) بابا (عن مرثد) بن عبد الله اليزني المصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (٩) أبواب (عن عقبة بن عامر) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة يحيى بن أيوب لليث بن سعد (قال) عقبة بن عامر: (صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد) وشهداءه أي دعا لهم دعاء الميت (ثم) رجع إلى المسجد و (صعد المنبر كالمودّع للأحياء والأموات) قال النووي: معناه خرج إلى قتلى أحد ودعا لهم دعاء موح ثم دخل المدينة فصعد المنبر فخطب الأحياء خطبة مودِّع اهـ كما قال النواس بن سمعان قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودّع؟ وفيه معنى المعجزة اهـ. قال الحافظ في الفتح [٧/ ٣٤٩] وتوديع الأحياء ظاهر لأن سياقه يُشعر بأن ذلك كان في آخر حياته ﷺ ، وأما توديع الأموات فيُحتمل أن يكون الصحابي أراد بذلك انقطاع زيارته الأموات بجسده لأنه بعد موته وإن كان حيًّا فهي حياة أخروية لا تشبه حياة الدنيا والله أعلم. ويحتمل أن يكون المراد بتوديع الأموات ما أشار إليه في حديث عائشة من الاستغفار لأهل البقيع (فقال) معطوف على صعد المنبر (إني فرطكم) ومنتظركم (على الحوض و (إن عرضه) بفتح العين وسكون الراء أي وإن سعته، وأما العرض بضم العين وسكون الراء فهو أحد الأبعاض الثلاثة الطول والعرض والعمق في مساحة الشيء كما يذكره الفقهاء في باب القلتين من الماء نقلًا عن كتب المساحة فالطول هناك الامتداد المفروض أولًا والعُرض المفروض ثانيًا والعمق ثالثًا راجع كتبهم أي قدر سعته من كل الجهات (كما بين أيلة) أي مثل مسافة ما بين أيلة وما يليها (إلى الجحفة) أي لو كان في الدنيا يكون قدر ذلك قدره بذلك تقريبًا إلى أفهام المخاطبين كأنهم يعرفون مسافة ما بينهما. قال النووي: (وأيلة) مدينة معروفة في طرف الشام على ساحل البحر متوسطة بين مدينة الرسول ﷺ ودمشق مصر بينها وبين المدينة نحو خمس عشرة مرحلة وبينها وبين دمشق نحو ثنتي عشرة مرحلة وبينها وبين مصر نحو ثمان مراحل، قال

стр. 9654

إِنِّي لَسْتُ أَخشَى عَلَيكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيكُمُ الدُّنْيَا أَن تَنَافَسُوا فِيهَا، وَتَقْتَتِلُوا، فَتَهْلِكُوا، كمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ". قَال عُقْبَةُ: فَكَانَتْ آخِرَ مَا رَأَيتُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ ــ الحازمي: قيل هي آخر الحجاز وأول الشام (والجحفة) هي بنحو سبع مراحل من المدينة بينها وبين مكة اهـ. قال القرطبي: وقد اختلفت الألفاظ الدالة على مقدار الحوض كما هو مبين في الروايات المذكورة في مسلم وقد ظن بعض القاصرين أن ذلك اضطراب في الحديث يوجب ضعفه فلا يكون حجة في إثبات الحوض وليس كذلك وإنما تحدَّث النبي ﷺ بحديث الحوض مرات عديدة وذوفيها تلك الألفاظ المختلفة إشعارًا بأن ذلك تقدير لا تحقيق وكلها تفيد أنَّه كبير متسع متباعد الجوانب والزوايا ولعل سبب ذكره للجهات المختلفة في تقدير الحوض أن ذلك إنما كان بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها والله أعلم، وهذا الجواب في الجمع بينها أوضح وأولى مما ذكره الحافظ في الفتح. (إني لست أخشى) وأخاف (عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخشى عليكم الدنيا) أي فتنتها، وقوله: (أن تنافسوا فيها) بدل اشتمال من الدنيا (وتقتتلوا) عليها (فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم) من الأمم السابقة (قال عقبة) بن عامر بالسند السابق (فكانت) رؤيتي تلك (آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر) أي آخر رؤيتي إياه على المنبر، وما مصدرية في قوله آخر ما رأيت والله أعلم. قال القرطبي: قوله: (إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي) يعني أنَّه أمن على جملة أصحابه أن يبدّلوا دين الإسلام بدين الشرك ولا يلزم من ذلك أن لا يقع ذلك من آحاد منهم فإن الخبر عن الجملة لا يلزم صدقه على كل واحد من آحادها دائمًا لأنه من باب الكل لا من الكلية كيف لا؟ وهو الَّذي أخبر بأن منهم من يرتد بعد موته ﷺ كما جاء نصًّا في غير ما موضع من أحاديث الحوض وغيرها، وقد ظهر في الوجود ردة كثير ممن صحب النبي ﷺ وصلى معه وجاهد ثم كفر بعد موته، وقد تقدم قول ابن إسحاق وحكايته أنَّه لم يبق بعد موت النبي ﷺ مسجد من مساجد المسلمين إلَّا كان في أهله ردة إلَّا ما كان من ثلاثة مساجد وقتال أبي

стр. 9655

٥٨٢٦ - (٢٢٧١) (٢٦) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ وَابْنُ نُمَيرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ. وَلأُنَازِعَنَّ أَقْوَامًا ثُمَّ ــ بكر ﵁ لأهل الردة معلوم متواتر وإذا كان كذلك فيتعين حمل هذا الحديث على ما ذكرناه. ويحتمل أن يكون هذا خبرًا عن خصوص أصحابه الذين أعلمه الله تعالى بمآل حالهم وأنهم لا في الون على هدي الإسلام وشرعه إلى أن يلقوا الله ورسوله على هديه إذ قد شهد رسول الله ﷺ لكثير منهم بذلك وشوهدت استقامة أحوالهم حتَّى توفاهم الله تعالى عليه. ويحتمل أن يحمل هذا الخبر على جميع الأمة فيكون معناه الإخبار عن دوام الدين واتصال ظهوره إلى قيام الساعة وأنه لا ينقطع بغلبة الشرك على جميع أهله ولا بارتدادهم كما شهد بذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة، والأول أظهر من الحديث اهـ من المفهم. قوله: (ولكني أخشى أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا) هذا الَّذي توقعه النبي ﷺ هو الَّذي وقع بعده فعمت الفتن وعظمت المحن ولم ينج منها إلَّا من عُصم ولا يزال الهرج إلى يوم القيامة فنسأل الله تعالى عاقبة خير وسلامة اهـ منه. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى سابعًا لحديث جندب بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨٢٦ - (٢٢٧١) (٢٦) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو غريب و) محمد بن عبد الله (بن نمير قالوا: حَدَّثَنَا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق) بن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) روى عنه في (٩) أبواب، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله (١٠٠) مائة سنة (عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون (قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : أنا فرطكم على الحوض ولأنازعن أقوامًا) أي ولأدافعن وأخاصمن الملائكة عن أقوام ذبتهم الملائكة عن الحوض أي أنازع فيهم وأحتج لهم في المسامحة بورود الحوض ولكني أكون مغلوبًا بعد ذلك كما قال (ثم) بعد

стр. 9656

لأُغْلَبَنَّ عَلَيهِمْ. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أَصْحَابِي، أَصْحَابِي. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ". ٥٨٢٧ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثناه عُثمَانُ بن أَبِي شَيبَةَ وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَن جَرِيرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذكُرْ "أَصْحَابِي، أَصْحَابِي" ــ منازعتي عنهم (لأغلبن) أنا بالبناء للمجهول (عليهم) أي على منازعتي لهم ومخاصمتي مع الملائكة لأجلهم أي لغلبتني الملائكة في المخاصمة بإقامة الحجة علي، وقوله: (فأقول): أنا في المخاصمة لهم تفسير للمنازعة معطوف على قوله لأنازعن أبي فأقول: (يا رب) هؤلاء المطرودون عن الحوض هم (أصحابي أصحابي) وأتباعي (فيقال) لي في إقامة الحجة علي هذا راجع إلى الغلبة (أنك) يا محمد (لا تدري) ولا تعلم (ما أحدثوا) وابتدعوا (بعدك) أي بعد وفاتك فإنهم ارتدوا عن الأعمال الصالحة أو عن الإسلام. والأصحاب جمع صاحب بمعنى الصحابي، قال الأبي: والصحابي عند المحدثين وبعض الأصوليين من رآه وهو مسلم، ويعرف كونه صحابيأ بالتواتر كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم أجمعين، وبالاستفاضة وبقول صحابي غيره أنَّه صحابي وبقوله على نفسه إني صحابي إذا كان عدلًا والصحابة كلهم عدول ﵃ مطلقًا بظاهر الكتاب والسنة وإجماع من يُعتد بإجماعه وهم في الفضل متفاوتون على ما سيأتي في بابهم إن شاء الله تعالى اهـ منه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الرقاق باب في الحوض [٦٥٧٥]، وفي الفتن [٧٠٤٩]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن مسعود ﵁ فقال: ٥٨٢٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه عثمان بن أبي شيبة) أخو أبي بكر أكبر منه بسنتين العبسي الكوفي (وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (عن جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (عن الأعمش بهذا الإسناد) يعني عن شقيق عن عبد الله، غرضه بيان متابعة جرير لأبي معاوية (و) لكن (لم يذكر) جرير لفظة (أصحابي أصحابي).

стр. 9657

٥٨٢٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عُثمَانُ بن أَبِي شَيبَةَ وَإِسْحَاقُ بن إِبْرَاهِيمَ. كِلَاهُمَا عَن جَرِيرٍ. ح وَحدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. جَمِيعًا عَنْ مُغِيرَةَ، عَن أَبِي وَائِلٍ، عَن عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . بِنَحْو حَدِيثِ الأَعْمَشِ. وَفِي حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَن مُغِيرَةَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ. ٥٨٢٩ - (٢٢٧٢) (٢٧) وحدَّثناه سَعِيدُ بن عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ، أَخبَرَنَا عَبْثَرُ. ح وَحدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بن أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ، كِلَاهُمَا عَن حُصَينٍ، عَن أَبِي وَائِلٍ، عَن حُذَيفَةَ، ــ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن مسعود ﵁ فقال: ٥٨٢٨ - (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن جرير) بن عبد الحميد (ح وحدثنا ابن المثنى حَدَّثَنَا محمد بن جعفر) المعروف بغندر (حَدَّثَنَا شعبة جميعًا) أي كل من جرير وشعبة رويا (عن مغيرة) بن مقسم الضبي الكوفي، ثقة، من (٦) روى عنه في (٨) أبواب (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي (عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه (عن النبي ﷺ غرضه بيان متابعة مغيرة بن مقسم للأعمش، وساق مغيرة (بنحو حديث الأعمش و) لكن (في حديث شعبة) وروايته (عن منيرة) لفظة (سمعت أبا وائل). ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثامنًا لحديث جندب بحديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨٢٩ - (٢٢٧٢) (٢٧) (وحدثناه) أي حَدَّثَنَا لفظ هذا الحديث السابق لا حديث ابن مسعود لأن الحديث الآتي لحذيفة بن اليمان ﵁ (سعيد بن عمرو) بن سهل الكندي (الأشعثي) أبو عثمان الكوفي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٥) أبواب (أخبرنا عبثر) بن القاسم الزبيدي أبو زبيد الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (٨) أبواب (ح وحدثنا أبو بكر ابن أبي ضيبة حَدَّثَنَا) محمد (بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي، صدوق، من (٩) روى عنه في (٢٠) بابا (كلاهما) أي كل من عبثر وابن فضيل رويا (عن حصين) بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٠) أبواب (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي (عن حديفة) بن اليمان رضي الله عنه

стр. 9658

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، نَحْوَ حَدِيثِ الأَعْمَشِ وَمُغِيرَةَ. ٥٨٣٠ - (٢٢٧٣) (٢٨) حدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَزِيعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَن مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ حَارِثَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "حَوْضُهُ مَا بَينَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ" ــ (عن النبي ﷺ وساق حصين بن عبد الرحمن عن أبي وائل (نحو حديث الأعمش ومغيرة) غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة حصين للأعمش ومغيرة، ولكنها متابعة في الشاهد وهي نادرة في كلامه وحديث حذيفة هذا لم أره في البخاري، وقد مر حديثه في الحوض عند المؤلف في الطهارة وبسياق مخالف لسياق حديث ابن مسعود راجع له في باب استحباب إطالة الغرة من صحيح مسلم، وأخرجه ابن ماجة أيضًا في الزهد في باب ذكر الحوض [٤٣٥٧]. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص الَّذي استدل به على الجزء الثاني من الترجمة بحديث حارثة بن وهب الخزاعي ﵃ ولو أخر حديث عبد الله بن عمرو إلى هنا لكان أنسب فقال: ٥٨٣٠ - (٢٧٣ ٢) (٢٨) (حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع) بفتح الموحدة وكسر الزاي أبو عبد الله البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٥) أبواب (حَدَّثَنَا) محمد (بن) إبراهيم (أبي عدي) السلمي مولاهم أبو عمرو البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (عن شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي أبي بسطام البصري، ثقة إمام، من (٧) روى عنه في (٣٠) بابا (عن معبد بن خالد) بن مرير بمهملتين مصغرًا الجدلي نسبة إلى جديلة قيس الكوفي القاص، ثقة، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (عن حارثة) بن وهب الخزاعي الكوفي الصحابي المشهور ﵁، روى عنه في (٣) أبواب، وليس في مسلم من اسمه حارثة إلَّا هذا الصحابي الجليل. وهذا السند من خماسياته (أنَّه) أي أن حارثة بن وهب (سمع النبي ﷺ قال) أي حالة كون النبي ﷺ يقول: (حوضه) أي سعة حوضه ﷺ قدر مسافة (ما بين صنعاء) اليمن (و) بين (المدينة) المنورة. وقال الأبي: صنعاء من بلاد اليمن وبالشام صنعاء أخرى لكن المراد بها هنا صنعاء اليمن وقد جاء في الآخر ما بين أيلة وصنعاء اليمن قاله القاضي اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في الرقاق باب في

стр. 9659

فَقَال لَهُ الْمُسْتَوْرِدُ: ألَمْ تَسْمَعْهُ قَال: "الأَوَانِي"؟ قَال: لَا. فَقَال الْمُسْتَوْرِدُ: "تُرَى فِيهِ الآنِيَةُ مِثْلَ الْكَواكِبِ". ٥٨٣١ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني إِبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ. حدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، ــ الحوض [٦٥٩١] (فقال له) أي لحارثة بن وهب (المستورد) بضم الميم وسكون السين وفتح التاء وسكون الواو وكسر الراء وهو ابن شداد بن عمرو القرشي الفهري الكوفي، صحابي بن صحابي، شهد فتح مصر وسكن الكوفة، ومات بالإسكندرية سنة (٤٥) خمس وأربعين ﵁، له سبعة أحاديث، انفرد له (م) بحديثين، روى عن أبيه وعن النبي ﷺ ، ويروي عنه المؤلف في (٤) أبواب، وأبو عبد الرحمن الحبلي وجبير بن نفير وقيس بن أبي حازم ووقاص بن ربيعة وعبد الكريم بن الحارث وغيرهم. أي فقال المستورد لحارثة: (ألم تسمعه) بهمزة الاستفهام التقريري أي ألم تسمع يا حارثة رسول الله ﷺ (قال) أي ذكر (الأواني) أي أواني الحوض التي يُشرب بها الحوض أي ذكرها مع ذكر الحوض حين سمعت حديث الحوض منه والأواني جمع آنية، والانية جمع إناء وهي جمع الجمع لكونها على صيغة منتهى الجموع (قال) الحارثة للمستورد: (لا) أي لم أسمعه ذكر الأواني بل إنما سمعت منه ﷺ ذكر الحوض فقط (فقال المستورد) للحارثة: أنا سمعت رسول الله ﷺ يذكر الحوض كما ذكرته ويقول أيضًا: (تُرى) بالبناء للمفعول وهي بصرية أي ترى (فيه) أي في الحوض أي ترى (الآنية) في حافتي الحوض حالة كونها (مثل الكواكب) أي مثل النجوم في الكثرة. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث المستورد هذا البخاري وليس به في البخاري إلَّا هذا الحديث كذا في فتح الباري [١١/ ٤٧٥]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث حارثة بن وهب ﵁ فقال: ٥٨٣١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني إبراهيم بن محمد بن عرعرة) بمهملات السامي بمهملة نسبة إلى سامة بن لؤي بن غالب القرشي أبو إسحاق البغدادي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (حَدَّثَنَا حرمي بن عمارة) بن أبي حفصة نابت، ويقال: ثابت

стр. 9660

حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَعْبَدِ بنِ خَالِدٍ؛ أَنهُ سَمِعَ حَارِثَةَ بنَ وَهْبٍ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، وَذَكَرَ الْحَوْضَ. بمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذكُرْ قَوْلَ الْمُسْتَوْرِدِ وَقَوْلَهُ. ٥٨٣٢ - (٢٢٧٤) (٢٩) حدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، (وَهُوَ ابْنُ زَيدٍ)، حَدَّثَنَا أيوبُ، عَن نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضًا، مَا بَينَ نَاحِيَتَيهِ كَمَا بَينَ جَرْبَا وَأَذْرُحَ" ــ العتكي مولاهم، أبو روح البصري، صدوق، من (٩) روى عنه في (٣) أبواب (حَدَّثَنَا شعبة) بن الحجاج (عن معبد بن خالد) بن مرير الجدلي الكوفي (أنَّه سمع حارثة بن وهب الخزاعي) ﵁ (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول): وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة حرمي بن عمارة لابن أبي عدي (وذكر) حرمي بن عمارة (الحوض) وساق حرمي في ذكر الحوض (بمثله) أي بمثل ما ذكر ابن أبي عدي في الحوض يعني قوله: "حوضه ما بين صنعاء والمدينة" (و) لكن (لم يذكر) حرمي بن عمارة في روايته (قول المستورد) أي سؤال المستورد لحارثة بقوله: ألم تسمعه قال الأواني: (و) لم يذكر أيضًا حرمي بن عمارة (قوله) أي قول حارثة بن وهب وجوابه للمستورد بقوله: (لا) أي لم أصمعه ﷺ يذكر الأواني. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص بحديث عبد الله ابن عمرو ﵃ فقال: ٥٨٣٢ - (٢٢٧٤) (٢٩) (حَدَّثَنَا أبو الربيع الزهراني) سليمان بن داود البصري (وأبو كامل الجحدري) فضيل بن حسين البصري (قالا: حَدَّثَنَا حماد وهو ابن زيد) بن درهم الأزدي البصري، ثقة، من (٨) (حَدَّثَنَا أيوب) بن أبي تميمة كيسان العنزي البصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٧) بابا (عن نافع) العدوي مولاهم مولى أبي عمر المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٢) بابا (عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته (قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : إن أمامكم) أي قدامكم في الآخرة (حوضًا) لي (ما بين ناحيتيه) أي قدر بُعد ما بين جانبيه أي طرفيه طولًا وعرضًا (كما) أي كقدر بعد ما (بين جربا وأذرح) قال القرطبي: قوله بين جربا

стр. 9661

٥٨٣٣ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا زُهَيرُ بن حَربٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَعُبَيدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، (وَهُوَ الْقَطانُ)، عَن عُبَيدِ اللهِ. أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضًا كَمَا بَينَ جَرْبَا وَأَذْرُحَ". وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ المُثَنَّى "حَوْضِي" ــ صحيح الرواية فيه بفتح الجيم وسكون الراء والمد، وقد وقع عند بعض رواة البخاري جربا بالقصر وهو خطأ (وأذرح) بفتح الهمزة وذال معجمة ساكنة وراء مضمومة وحاء مهملة وهو الصواب، ووقع في رواية العذري بالجيم وهو خطأ وقد فسرهما الراوي قريبًا في الصحيح بأنهما قريتان من قرى الثام بينهما مسيرة ثلاثة أيام وقال ابن وضاح: في أذرح إنها فلسطين وهذا يدل على صحة ما قلناه من أنَّه ﷺ كان يقدّر الحوض لكل طائفة بما كانت تعرف من مسافات مواضعها فيقول: هذا لأهل الشام ويقول لأهل اليمن من صنعاء إلى عدن وتارة أخرى يقذره بالزمان فيقول: مسيرة شهر كما مر في حديث عبد الله بن عمرو اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢١]، والبخاري في الرقاق باب في الحوض [٦٥٧٧]، وأبو داود في السنة باب في الحوض [٤٧٤٥]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨٣٣ - (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا زهير بن حرب ومحمد بن المثنى وعبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري مولاهم أبو قدامة النيسابوري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٨) أبواب: (قالوا) أي قال كل من الثلاثة: (حَدَّثَنَا يحيى) بن سعيد بن فروخ التميمي البصري (وهو القطان) ثقة، من (٩) (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم العدوي المدني، ثقة، من (٥) قال: (أخبرني نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عبيد الله بن عمر لأيوب السختياني (قال) النبي ﷺ : (إن إمامكم) أي قدامكم أيتها الأمة (حوضًا) لي (كما بين جربا وأذرح وفي رواية ابن المثنى حوضي) بإضافته إلى ياء المتكلم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:

стр. 9662

٥٨٣٤ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بن أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثلَهُ. وَزَادَ: قَال عُبَيدُ اللهِ: فَسَأَلْتُهُ فَقَال: قَرْيَتَينِ بِالشَّأمِ، بَينَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بِشْرٍ: ثَلاثَةِ أَيَّامٍ. ٥٨٣٥ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني سُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بن مَيسَرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ــ ٥٨٣٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي (حَدَّثَنَا أبي) عبد الله بن نمير، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٧) بابا (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا محمد بن بشر) بن الفرافصة العبدي الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب، كلاهما (قالا): أي كل من عبد الله بن نمير ومحمد بن بشر قالا: (حَدَّثَنَا عبيد الله) بن عمر بن حفص، غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعتهما ليحيى القطان (بهذا الإسناد) يعني عن نافع عن ابن عمر وساقا (مثله) أي مثل ما روى يحيى القطان عن عبيد الله (و) لكن (زادا) أي زاد عبد الله بن نمير ومحمد بن بشر على يحيى القطان لفظة (قال) لنا (عبيد الله) بن عمر (فسألته) أي فسألت نافعًا عن معنى ما بين جربا وأذرح (فقال) لي نافع: يعني النبي ﷺ بجربا وأذرح (قريتين بالشام بينهما مسيرة) أي مسافة سير (ثلاث ليال، وفي حديث ابن بشر) وروايته بينهما مسيرة (ثلاثة أيام) والمعنى واحد، وفي أغلب النسخ (وزاد) بلا ألف التثنية أي زاد الراوي الَّذي هو هما. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨٣٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل أبو محمد الحدثاني، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (حَدَّثَنَا حفص بن ميسرة) العقيلي مصغرًا نسبة إلى عقيل بن كعب أبو عمر الصنعاني ثم العسقلاني، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٠) أبواب (عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي مولاهم أبي محمد المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٠) أبواب (عن نافع عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما

стр. 9663

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيدِ اللهِ. ٥٨٣٦ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضًا كَمَا بَينَ جَرْبَا وَأَذْرُحَ، فِيهِ أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ وَرَدَهُ فَشَرِبَ مِنْهُ، لَمْ يَظمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا" ــ (عن النبي ﷺ بمثل حديث عبيد الله) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة موسى بن عقبة لعبيد الله بن عمر في الرواية عن نافع. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٥٨٣٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب) بن مسلم المصري (حدثني عمر بن محمد) بن زيد بن عبد الله بن عمر العمري المدني، ثقة، من (٦) روى عنه في (١٠) أبواب (عن نافع عن عبد الله) بن عمر رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عمر بن محمد لمن روى عن نافع (أن رسول الله ﷺ قال: إن أمامكم) في الآخرة (حوضًا) لي واسعًا بُعد مسافته (كـ) بُعد (ما بين جربا وأذرح فيه) أي في ذلك الحوض أي على جوانبه (أباريق) وكيزان كثرتها (كـ) كثرة (نجوم السماء من ورده) أي من ورد ذلك الحوض (فشرب منه لم يظمأ) أي لم يعطش (بعدها) أي بعد تلك الشربة (أبدًا) أي آخر ما عليه من الحياة ولفظ أبدًا كلمة موضوعة لاستغراق ما يستقبل من الزمان ضد قط ومثله عوض، قال القرطبي: له ﷺ حوضان أحدهما في الموقف قبل الصراط، والثاني في الجنّة، وكلاهما يسمى كوثرًا، والكوثر في كلامهم الخير الكثير، ثم الصحيح أن الحوض قبل الميزان لأن الناس يخرجون عطاشًا من قبورهم فيُقدم الحوض قبل الميزان وكذا حياض الأنبياء في الموقف. (قلت) وفي الجامع "أن لكل نبي حوضًا وإنهم يتباهون أيهم أكثر وارده وإني أرجو أن أكون أكثرهم وارده" رواه الترمذي عن سمرة اهـ مرقاة، قوله: (من ورده فشرب منه) إلخ يعني أن الممنوع من شربه إنما هو من لم يرد عليه من الذين ذيدوا عنه، وأما من ورد فإنه يشرب منه قوله: (لم يظمأ) أي لم يعطش، وظاهر الحديث أن الأمة كلها تشرب منه إلَّا من ارتد ثم من يدخل منهم النار

стр. 9664

٥٨٣٧ - (٢٢٧٥) (٣٠) وحدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وإِسْحَاقُ بن إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ -وَاللَّفظُ لابْنِ أَبِي شَيبَةَ- (قَال إِسحَاقُ: أَخبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ العَمِّيُّ، عَن أَبِي عِفرَانَ الجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَن أَبِي ذَرٍّ، قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ؟ قَال: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَواكِبِهَا، أَلا فِي اللَّيلَةِ الْمُظلِمَة الْمُصْحِيَةِ، ــ بعد فيحتمل أن لا يُعذب فيها بالعطش بل بغيره، وقيل: لا يشرب منه إلَّا من قُدِّر له السلامة من النار اهـ من سنوسي. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث عبد الله بن عمرو بحديث أبي ذر ﵃ فقال: ٥٨٣٧ - (٢٢٧٥) (٣٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (و) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني (المكي واللفظ لابن أبي شيبة قال إسحاق: أخبرنا وقال الآخران: حَدَّثَنَا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي) أبو عبد الله البصري، ثقة حافظ، من كبار (٩) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبي عمران الجوني) عبد الملك بن حبيب الأزدي أو الكندي البصري، مشهور بكنيته، والجوني بفتح الجيم نسبة إلى جون بن عوف بطن من الأزد كما في اللباب، ثقة، من (٤) روى عنه في (١٣) بابا (عن عبد الله بن الصامت) الغفاري البصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (٥) (عن أبي ذر) الغفاري جندب بن جنادة المدني الربذي، الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أبو ذر: (قلت: يا رسول الله ما آنية الحوض) أي كم الآنية التي يُشرب بها عن الحوض فما هو هنا سؤال عن القدر لا عن الحقيقة بدليل الجواب بقوله: (قال) لي رسول الله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده) المقدسة (لآنيته) أي لآنية الحوض وكاساته التي يُشرب بها منه (كثر من عدد نجوم السماء) الصغار منها (وكواكبها) الكبار منها كالسبعة السيارة (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف استفتاح وتنبيه أي انتبه واستمع ما أزيد لك في الكلام مما لا بد منه أي أكثر من نجوم السماء النيرة (في الليلة المظلمة) أي ذات الظلام التي لا قمر فيها لأن وجود القمر يستر كثيرًا من النجوم خصوصًا في الليالي المقمرة (المصحية) أي

стр. 9665

آنِيَةُ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيهِ، يَشْخُبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ، عَرْضُهُ مِثلُ طُولِهِ، مَا بَينَ عَمَّانَ إِلَى أَيلَةَ. مَاؤُهُ ــ الخالية من السحاب والضباب لأن وجودهما يستر كل النجوم حتَّى القمر إذا عما السماء وغطاها (آنية الجنّة) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي أي آنية الحوض التي يُشرب بها منه هي آنية الجنّة ويصحبه رفعه على أنَّه مبتدأ أول، والخبر الجملة التي بعدها، وبالنصب على أنَّه مفعول لفعل تقديره أعني بها أي بآنية الحوض التي هي أكثر من نجوم السماء آنية الجنّة (من شرب منها) أي من تلك الآنية (لم يظمأ) أي لم يعطش (آخر ما عليه) من الحياة وهو بمعنى أبدًا المذكور في الرواية الأخرى لأن أهل الجنّة لا يموتون ولا يُخرجون منها أبدًا (يشخب) بضم الخاء المعجمة من الباب الأول كنصر أو بفتحها من الباب الثالث كذهب من الشخب وهو السيلان وأصله ما يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمرة وعصرة لضرع الثاة أي يسيل وينصب (فيه) أي في الحوض (ميزابان من الجنّة) تثنية ميزاب وهو ما ينصب منه ماء المطر مثلًا من السطح لئلا يضره كميزاب الكعبة والميزاب المثعب بالمثلثة وهو فارسي معرب، قال الجوهري: وقد عُرِّب بالهمز وربما لم يُهمز يُجمع على مآزب إذا همزته وميازيب إذا لم يُهمز من وزب الشيء يزب وزوبًا من باب وعد إذا سال وانصب من فوق (من شرب منه) أي من الحوض (لم يظمأ) أي لم يعطش عطشًا يضره (عرضه) أي سعته عرضًا وهو الامتداد المفروض ثانيًا وهو أقصر الامتدادين في العادة (مثل طوله) أي مثل سعته طولًا وهو الامتداد المفروض أولًا وهو أطولهما في العادة، والحوض المخالف للعادة عرضه كطوله في السعة كما يعلم ذلك كله من مباحث فن المساحة لأن الجسم عندهم ما يقبل الانقسام في الأبعاض الثلاثة الطول والعرض والعمق بضم أوائلها، وقوله: (ما بين عمَّان) وحواليها (إلى أيلة) خبر ثان لعرضه إذا رفعنا مثل وخبر له إذا نصبناه أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو أي قدر مسافته ما بين عثمان وأيلة (وعمَّان) ضبطه القاضي عياض بفتح العين وتشديد الميم وهو عثمان البلقاء عاصمة الأردن اليوم ولكن جزم الحافظ في الفتح بأنه عُمان بضم العين وتخفيف الميم وهو البلد المعروف بالخليج العربي اليوم الَّذي هو عَاصِمَتُهُ مُسْقَطُ وبذلك جزم البكري، ويظهر أنَّه الأصح لكون مسافة ما بين أيلة وعمان البلقاء قريبة بخلاف المسافة التي بينها وبين عثمان المسقط وأيلة بلدة معروفة على ساحل بحر الشام (ماؤه)
следующие страницы →