Полный текст (11 982 стр.). Показаны 9696–9735 · переход к 9701.
стр. 9696
عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا.
٥٨٦٥ - (٢٢٨٧) (٤٢) حدثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ. سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله قَال: مَا سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ شَيئًا قَطُّ فَقَال: لَا
ــ
ذكوان التميمي العنبري مولاهم أبو عبيدة البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (٨) أبواب (عن أبي التيّاح) الضبعي بضم المعجمة وفتح الموحدة يزيد بن حميد البصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (٧) أبواب، وقال في التقريب: ثقة ثبت، مشهور بكنيته (عن أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة أبي التياح وإسحاق بن عبيد الله (قال) أنس: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلقًا) بضمتين.
ثم استدل المؤلف -رحمه الله تعالى- على الجزء الخامس من الترجمة بحديث جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - فقال:
٥٨٦٥ - (٢٢٨٧) (٤٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمَّد بن بكير بن شابور (الناقد) البغدادي (قالا: حدثنا سفيان بن عيينة) الأعور الكوفي ثم المكي (عن) محمَّد (بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير مصغرًا القرشي التيمي أبي عبد الله المدني، ثقة فاضل، من (٣) روى عنه في (١١) بابا (سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني ﵁. وهذا السند من رباعياته (قال) جابر: (ما سُئل رسول الله ﷺ شيئًا) من متاع الدنيا وحطامها (قط) أي في زمن من الأزمان الماضية في عمره (فقال: لا) أعطيك، قال في نسيم الرياض: معناه أنه ﷺ إذا أتاه مستحق يطلب عطاءه لا يخيبه ولا يقول له لا قط بدليل قوله حتى إذا لم يجد شيئًا اقترض له أو قال له اثتني غدًا أو نحوه وهذا هو الذي عناه حسان ﵁ بقوله:
ما قال لا قط إلا في تشهده ... لولا التشهد لم تسمع له لا لا
وهو باعتبار الغالب فإن النادر كالمعدوم فهو مبالغة معروفة مألوفة اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الأدب باب حُسن الخُلق والسخاء وما يُكره من البخل [٦٠٣٤].
стр. 9697
٥٨٦٦ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا الأَشجَعِي. ح وحَدَّثَنِي محمدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحْمَنِ، (يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ)، كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ. قَال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ. مِثْلَهُ، سَوَاءً.
٥٨٦٧ - (٢٢٨٨) (٤٣) وحدَّثنا عَاصِمُ بْنُ النضْرِ التَّيمِيُّ
ــ
واستشكل هذا الحديث بعضهم بما ورد في القرآن الكريم من قوله: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيهِ﴾ [التوبة: ٩٢] وبما رُوي أنه ﷺ قال للأشعريين: "والله لا أحملكم" كما مر في الأيمان والنذور وقد تكلف البعض في الإجابة عن هذا الإشكال بتوجيهات لا تبدو سائغة والذي يظهر في الجواب عنه أن يقال إن حديث جابر هذا جايى على وفق كلام الناس بتنزيل البعض منزلة الكل، والحاصل أنه ﷺ كان لا يرد سائلًا بدون عذر وليس المراد أنه لم ينطق كلمة لا قط في حالة العذر والعُسر والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- في حديث جابر ﵁ فقال:
٥٨٦٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو كريب) محمَّد بن العلاء (حدثنا) عبيد الله بن عبد الرحمن (الأشجعي) أبو عبد الرحمن الكوفي نزيل بغداد، ثقة، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (ح وحدثني محمَّد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن يعني ابن مهدي) بن حسان الأزدي البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٤) بابا (كلاهما) أي كل من الأشجعي وابن مهدي رويا (عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي (عن محمَّد بن المنكدر) التيمي المدني (قال) ابن المنكدر: (سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني - رضي الله تعالى عنهما - (يقول): هذا الحديث. وهذان السندان من خماسياته، غرضه بسوقهما بيان متابعة سفيان الثوري لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن محمَّد بن المنكدر وساق سفيان الثوري (مثله) أي مثل حديث سفيان بن عيينة حالة كون حديث المتابع والمتابع (سواء) أي متساويين لفظًا ومعنى وأتى بسواء تأكيدًا لمعنى المماثلة ولذلك لم يأت بالاستثناء كعادته والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف -رحمه الله تعالى- لحديث جابر بحديث أنس - رضي الله تعالى عنهما - فقال:
٥٨٦٧ - (٢٢٨٨) (٤٣) (وحدثنا عاصم بن النضر) بن المنتشر الأحول (التيمي) أبو
стр. 9698
حَدَّثَنَا خَالِدٌ، (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ)، حَدَّثَنَا حُمَيدٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أبِيهِ، قَال: مَا سُئِل رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الإِسْلامِ شَيئًا إلا أَعْطَاهُ. قَال: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَينَ جَبَلَينِ. فَرَجَعَ إلى قَوْمِهِ، فَقَال: يَا قَوْمِ، أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ
ــ
عمرو البصري، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا خالد يعني ابن الحارث) بن عبيد بن سليم الهجيمي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (حدثنا حميد) بن أبي الحميد تير مولى طلحة الطلحات أبو عبيدة الطويل البصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٤) بابا (عن موسى بن أنس) بن مالك الأنصاري البصري قاضيها، ثقة، من (٤) روى عنه في (٣) أبواب (عن أبيه) أنس بن مالك ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أنس: (ما سُئل رسول الله ﷺ على الإِسلام) متعلق بالإعطاء الآتي (شيئًا) مفعول ثان لسئل أي ما سئل رسول الله ﷺ شيئًا من متاع الدنيا (إلا أعطاه) أي إلا أعطى ذلك الشيء استئلافًا على الإِسلام واستئناسًا وتقوية عليه إن دخل في الإِسلام وضعف إيمانه واستجلابًا إلى الإِسلام وترغيبًا فيه إن لم يدخل فيه بأن كان من أشراف قومه وبإعطائه يدخل هو وقومه في الإِسلام (قال) أنس: (فجاءه) ﷺ (رجل) من المشركين، قال في نسيم الرياض: ذلك الرجل هو صفوان بن أمية الجمحي القرشي الآتي ذكره فيما بعد، له صحبة، وكنيته أبو وهب أسلم بعد يوم الفتح وشهد حنينًا والطائف وهو مشرك فلما أعطاه رسول الله ﷺ من الفيء ما ذكر قال: أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي فأسلم اهـ منه.
(فأعطاه) أي فأعطى رسول الله ﷺ ذلك الرجل (غنمًا) كثيرة لكثرتها تكاد أن تملأ ما (بين جبلين) وكان ذلك العطاء من غنائم حنين، قال الأبي: وفي هذا وفيما بعده إعطاء المؤلفة ولا خلاف في إعطاء المؤلفة المسلمين، وإنما اختلف فيما يُعطون منه فقيل: يُعطون من بيت المال ومن الزكاة، وقيل من بيت المال فقط، وأما مؤلفة الكفار فلا يُعطون من الزكاة، واختلف هل يُعطون من بيت المال والأصح عند المالكية لا يُعطون أصلًا لأن الله تعالى قد أعز الإِسلام فلا حاجة إلى الترغيب فيه بالمال اهـ (فرجع) ذلك الرجل (إلى قومه) المشركين (فقال) لهم: (يا قوم أسلموا) أي ادخلوا في الإِسلام وآمنوا بمحمد (فإن محمدًا يعطي عطاء) من (لا يخشى) ولا يخاف (الفاقة)
стр. 9699
٥٨٦٨ - (٠٠) (٠٠) - حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حمّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ؛ أَن رَجُلًا سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ غَنَمًا بَينَ جَبَلَينِ، فَأَعْطَاهُ إِياهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَال: أَي قَوْمِ، أَسْلِمُوا، فَوَاللهِ إِن مُحمدا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ.
فَقَال أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ
ــ
والفقر لثقته بالله وتوكله عليه يُعطي جميع ما عنده فلا يبقي لنفسه شيئًا يدخَّر لها، قال الأبي: لم يأمرهم بالإِسلام رغبة في الإعطاء بل لظهور دليل صدقه ﷺ عنده لأن إدعاء النبوة مع جزيل العطاء يدل على وثوقه ﷺ بمن أرسله لأن الله تعالى هو الغني الذي لا يُعجزه شيء اهـ ويؤيد ما ذكره الأبي الرجل لا يخشى الفاقة يعني أن النبي ﷺ لا يخشى الفاقة لكمال ثقته بالله تعالى ومثل هذه الثقة لا يكاد يحصل لغير نبي وكذلك يؤيده ما سيأتي من قوله: (أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي).
وهذا الحديث انفرد به الإِمام مسلم -رحمه الله تعالى- عن أصحاب الأمهات.
ثم ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
٥٨٦٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٩) بابا (عن حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (عن ثابت) بن أسلم البناني (عن أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة ثابت لموسى بن أنس (أن رجلًا) من المشركين هو صفوان بن أمية كما مر آنفًا (سأل النبي ﷺ غنمًا) يملأ (بين جبلين) قال القرطبي: يعني غنمًا ملء ما بين جبلين كانا هنالك وكان هذا والله أعلم يوم حنين لكثرة ما كان هنالك من غنائم الإبل والبقر والغنم والذراري ولأن هذا الذي أُعطي هذا القدر كان من المؤلفة قلوبهم ألا ترى أنه رجع إلى قومه فدعاهم إلى الإِسلام لأجل العطاء اهـ من المفهم (فأعطاه) أي فأعطى رسول الله ﷺ ذلك الرجل (إياه) أي غنمًا بين جبلين (فأتى قومه) المشركين (فقال) لهم: (أي قوم) أي يا قوم وأي حرف نداء القريب (أسلموا) أي ادخلوا في الإِسلام (فوالله إن محمدًا ليعطي عطاءً) كثيرًا (ما يخاف) أي لا يخاف آخذه بعده (الفقر) أو ما يخاف محمَّد الفقر (فقال أنس) بالسند السابق: (إن كان الرجل) إن مخففة
стр. 9700
لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إلا الدُّنْيَا. فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الإِسْلامُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيهَا.
٥٨٦٩ - (٢٢٨٩) (٤٤) وحدَّثني أبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
ــ
اسمها ضمير الشأن محذوف أي إن الشأن والحال كان الرجل من المشرك (ليسلم) أي ليدخل في الإِسلام ظاهرًا والحال أنه (ما يريد) بإسلامه (إلا) نيل (الدنيا) وإصابتها (فما بسلم) ذلك الرجل للدنيا (حتى يكون الإِسلام) متمكنًا في قلبه منشرحًا في صدره ويكون الإِسلام (أحب إليه) أي عنده (من الدنيا) أي من نيل ملك الأرض (وما عليها) أي وما على الأرض من نعيمها وزخرفها، قال النووي: قوله: (إن كان الرجل ليسلم حتى يكون) إن مخففة من الثقيلة بدليل ذكر اللام الفارقة بعدها في قوله: ليسلم، قوله: (فما يسلم حتى يكون الإِسلام) معناه فما يلبث بعد إسلامه إلا يسيرًا حتى يكون الإِسلام أحب إليه والمراد أنه يُظهر الإِسلام أولًا للدنيا لا بقصد صحيح بقلبه ثم من بركة النبي ﷺ ونور الإِسلام لم يلبث إلا قليله حتى ينشرح صدره بحقيقة الإيمان ويمكن من قلبه فيكون حينئذٍ أحب إليه من الدنيا وما فيها اهـ نووي.
وقال القرطبي: ومقصود أنس من هذا الأثر أن الرجل كان يدخل في دين الإِسلام رغبة في كثرة العطاء فلا يزال يُعطى حتى ينشرح صدره للإسلام ويستقر فيه ويتنور بأنواره حتى يكون الإِسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها كما صرح بذلك صفوان بن أمية حيث قال: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وأنه لأبغض الناس إليّ فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ وهكذا اتفق لمعظم المؤلفة قلوبهم اهـ من المفهم.
قوله: (فما يسلم حتى يكون الإِسلام) إلخ هكذا (يُسلم) في معظم النسخ، وفي بعضها (فما يمسي) وكلاهما صحيح يعني ما يلبث إلا يسيرًا حتى يكون الإِسلام أحب.
ثم استشهد المؤلف -رحمه الله تعالى- لحديث جابر ثانيًا بمرسل ابن شهاب إلى قوله مائة ثم مائة ثم أسنده من طريق ابن المسيب عن صفوان وبهذا الطريق آخرجه الترمذي في الزكاة [٦٦٦] فقال:
٥٨٦٩ - (٢٢٨٩) (٤٤) (وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح) الأموي المصري (أخبرنا عبد الله بن وهب) بن مسلم المصري (أخبرني يونس) بن يزيد (عن ابن
стр. 9701
شِهَابٍ. قَال: غَزَا رَسُولُ الله ﷺ غَزْوَةَ الْفَتْحِ، فَتْحِ مَكَّةَ. ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَاقْتَتَلُوا بِحُنَينٍ. فَنَصَرَ الله دِينَهُ وَالْمُسْلِمِينَ. وَأَعْطَى رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَئِذٍ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ مِائَةَ مِنَ النَّعَمِ، ثُمَّ مِائَةً، ثُمَّ مِائَةً.
قَال ابْنُ شِهَابِ: حَدَّثني سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ صَفْوَانَ قَال: وَاللهِ، لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ الله ﷺ مَا أَعْطَانِي، وَإنهُ لأَبْغَضُ النَّاسِ إِليَّ. فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنهُ لأَحَبَّ الناسِ إِليَّ
ــ
شهاب) الزهريّ (قال) الزهريّ: (غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح فتح مكة) بدل مما قبله أو عطف بيان (ثم) بعد ما فرغ من غزوة الفتح (خرج رسول الله ﷺ بمن معه) أي مع من معه (من المسلمين) والطلقاء إلى حنين (فاقتتلوا) مع المشركين (بحنين) واد بين مكة والطائف (فنصر الله دينه والمسلمين وأعطى رسول الله ﷺ يومئذٍ) أي يوم غزوة حنين من غنائم حنين (صفوان بن أمية مالة من النعم) أي من الإبل (ثم) ثانيًا (مائة ثم) ثالثًا (مائة) من الإبل فكمل له ثلاثمائة، وهو صفوان بن أمية بن خلف بن وهب الجمحي وإن أحد العشرة الذين انتهى إليه الشرف في الجاهلية وأبوه أمية بن خلف قُتل ببدر كافرًا وأن صفوان هرب يوم فتح مكة وأسلمت امرأته ناجية بنت الوليد بن المغيرة وأحضر له ابن عمه عمير بن وهب أمانًا من النبي ﷺ فحضر وشهد حنينًا والطائف وهو مشرك واستعار منه النبي ﷺ سلاحًا وأعطاه يوم حنين من الغنائم فأكثر حتى قال صفوان: (أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي) فأسلم ورد عليه النبي ﷺ امرأته ناجية ونزل صفوان على العباس بالمدينة ثم أذن له النبي ﷺ بالرجوع إلى مكة فأقام بها حتى مات بها مقتل عثمان ﵁، وقال الزبير: جاء نعي عثمان حين سُوِّي على صفوان اهـ من الإصابة [٢/ ١٨١] (وقال ابن شهاب) بالسند السابق واصلًا ما أرسله أولًا كما أشرنا إليه أولًا (حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني) من الغنائم (وإنه) ﷺ (لأبغض الناس إلى) أي أشد الناس بغضًا عندي (فما برح) أي فما زال رسول الله ﷺ (يعطيني) مرة بعد مرة (حتى إنه) ﷺ (لأحب الناس إلى)
стр. 9702
٥٩٧٧ - (٦٠) حدثنا عَمْروٌ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ. وَعَنْ عَمْرِو، عَنْ محمد بْنِ عَلِيٍّ،
ــ
أي لأشد الناس حبًّا عندي، قال علي القاري في شرح الشفاء: وذلك لعلمه ﷺ أن دواءه من دار الكفر ذلك المنتج إسلامه إذ الطبيب الماهر يعالج بما يناسب الداء، وقد رأى أن داء المؤلفة حب المال والأنعام فداواهم بأكرم الأنعام حتى عوفوا من نقمة الكفر بنعمة الإِسلام اهـ وهذا الإعطاء وأمثاله أوضح دليل على عظيم سخائه ﷺ وغزارة جوده اهـ، وفي قوله: (فما برح يعطيني) إلخ إعطاء الكفار من الغنائم لتأليف قلوبهم على الإِسلام وهو إنما يجوز إذا دعت إليه حاجة المسلمين والمراد من المؤلفة قلوبهم في آية الصدقة قوم حديثو عهد بالإِسلام يُعطون لتقويتهم على الإِسلام أو ليرغب نظراؤهم في الإِسلام ولم يثبت في شيء من الروايات أن النبي ﷺ أعطى الكفار من الزكاة لتأليف قلوبهم هذا ما عليه المحققون اهـ تكملة. قال القاضي عياض: وفي قوله: (فما برح يعطيني) الاستئلاف للدين والخير والأخذ بالتي هي أحسن وكان الإعطاء للمؤلفة قلوبهم أولًا مشروعًا وأنه أحد الأصناف في مصرف الصدقة واختلف هل هو بأن إلى الآن إذا احتيج إليه أم لا؟ اهـ الأبي.
ثم استشهد المؤلف -رحمه الله تعالى- لحديث جابر الأول بحديث آخر له ﵁ فقال:
٥٨٧٠ - (٢٢٩٠) (٤٥) (حدثنا عمرو) بن محمَّد بن بكير (الناقد) البغدادي (حدثنا سفيان بن عيينة عن) محمَّد (بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير مصغرًا القرشي التيمي أبي عبد الله المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (١١) بابا (أنه سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني - رضي الله تعالى عنهما -. وهذا السند من رباعياته (ح وحدثنا إسحاق) بن إبراهيم الحنظلي المروزي (أخبرنا سفيان) بن عيينة (عن) محمَّد (بن المنكدر عن جابر) بن عبد الله. وهذا السند من رباعياته أيضًا، وقوله: (وعن عمرو) بن دينار الجمحي المكي معطوف على قوله عن ابن المنكدر، وتقدير الكلام حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن سفيان عن عمرو بن دينار (عن محمَّد) الباقر (بن علي) زين العابدين بن
стр. 9703
عَنْ جَابِرٍ. أَحَدُهُمَا يَزِيدُ عَلَى الآخَرِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أبي عُمَرَ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، قَال: قَال سُفْيَانُ: سَمِعْتُ مُحَمدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله. قَال سُفْيَانُ: وَسَمِعْتُ أَيضًا عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ يحدث، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيُّ. قَال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله. وَزَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَينِ
ــ
الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين الهاشمي المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (٦) أبواب (عن جابر) بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما -. وهذا السند من خماسياته، قال سفيان بن عيينة (أحدهما) أي أحد الراويين لي يعني ابن المنكدر وعمرو بن دينار أي قال سفيان: سمعته عن ابن المنكدر وعن عمرو بن دينار حالة كون أحدهما (يزيد على الآخر) فيما روياه لي (ح وحدثنا) محمَّد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (واللفظ) الآتي (له) أي لابن أبي عمر (قال) ابن أبي عمر (قال) لنا (سفيان) بن عيينة (سمعت محمَّد بن المنكدر يقول: سمعت جابر بن عبد الله) - رضي الله تعالى عنهما -. وهذا السند أيضًا من رباعياته، قال ابن أبي عمر (قال) لنا (سفيان): سمعت هذا الحديث عن ابن المنكدر (وسمعت أيضًا) أي سمعت ابن المنكدر (عمرو بن دينار يحدّث) هذا الحديث (عن محمَّد) الباقر (بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ (قال) محمَّد الباقر: (سمعت جابر بن عبد الله) - رضي الله تعالى- عنهما. وهذا السند أيضًا من خماسياته، قال سفيان بن عيينة روى لي هذا الحديث ابن المنكدر وعمرو بن دينار (و) قد (زاد أحدهما) أي أحد الراويين لي (على الآخر) فيما روياه لي، والحاصل أن سند المؤلف من طريق عمرو الناقد من رباعياته فقط ومن طريق إسحاق وابن أبي عمر تارة يكون رباعيًّا يعني إذا كان من طريق ابن المنكدر وتارة يكون خماسيًا يعني إذا كان من طريق عمرو بن دينار فالحاصل أن للمؤلف في هذا الحديث خمسة أسانيد ثلاثة منها من رباعياته، واثنان من خماسياته فليتدبر (قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : لو قد جاءنا مال البحرين) وكان رسول الله ﷺ صالح مجوس البحرين على الجزية سنة تسع وبعث أبا عبيدة بن الجراح ﵁ لأخذ الجزية فجاء بمال كثير فقسمه النبي ﷺ بين الصحابة كما هو مصرح في حديث عمرو بن عوف عند البخاري في أول الجزية رقم [٣١٥٨]
стр. 9704
لَقَدْ أَعْطَيتُكَ هَكَذَا وَهَكذَا وَهَكَذَا" وَقَال بِيَدَيهِ جَمِيعًا، فَقُبِضَ النَّبيُّ ﷺ قَبْلَ أَن يَجِيءَ مَالُ الْبَحْرَينِ. فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بَعْدَهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى النبِي ﷺ عِدَةٌ، أَوْ دَينٌ فَلْيَأْتِ، فَقُمْتُ فَقُلْتُ: إِن النبي ﷺ قَال: "لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَينِ أَعْطَيتُكَ هَكَذَا وَهَكذَا وَهَكَذَا" فَحَثَى أَبُو بَكْرٍ مَرَّةً، ثُمَّ قَال لِي: عُدَّهَا، فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ. فَقَال: خُذ مِثْلَيهَا
ــ
وبعد ذلك ومحمد جابرًا ﵁ بإعطاءه من جزية البحرين في السنة القادمة (لقد أعطيتك) يا جابر من ذلك المال (هكذا وهكذا وهكذا، وقال) النبي ﷺ عند قوله هكذا (بيديه) أي أشار بكفيه (جميعًا) أي مجموعتين مضمومتين أي أعطيتك ما يملأ الكفين المجموعتين من الدرهم الذي يجيء من البحرين (فقُبض) أي تُوفي (النبي ﷺ قبل أن يجيء) ويأتي (مال البحرين) في السنة العاشرة (فقدم) ذلك المال (على أبي بكر) الصديق ﵁ في خلافته (بعده) أي بعد ما تُوفي رسول الله ﷺ (فأمر) أبو بكر (مناديًا) ينادي في الناس (فنادى) ذلك المنادي بقوله: (من كانت له على النبي ﷺ عدة) أي ومحمد بالعطاء من عنده (أو) كان له (دين) على النبي ﷺ (فليأت) أي فليجيء إلينا نوفي له ذلك الوعد ونقضي له دينه، قال جابر: (فقمت) من بين الناس (فقلت) لأبي بكر: (إن النبي ﷺ قال) لي في حياته: (لو قد جاءنا مال البحرين أعطيتك) منه (هكذا وهكذا وهكذا) ثلاث مرات مشيرًا بكفيه أي نعطي لك ما يملأ الكفين ثلاث مرات (فحثى) أي حفن (أبو بكر) من الدراهم التي أتت بكفيه (مرة) واحدة ففيه إنجاز العدة، قال الشافعي والجمهور: إنجازها والوفاء بها مستحب لا واجب، وأوجبه الحسن وبعض المالكية اهـ نووي، وفي الموطأ فحفن له ثلاث حفنات، قال الزرقاني: الحفنة ما يملأ الكفين والمراد أنه حفن له حفنة وقال: عدها فوجدها خمسمائة فقال له: خذ مثليها (ثم قال لي) أبو بكر: (عدّها) أي احسب عدد هذه الحفنة، قال جابر: (فعددتها) أي حسبت عدد تلك الحفنة (فإذا هي) أي تلك الحفنة (خمسمائة) درهم أي ففاجأني كونها خمسمائة (فقال) لي أبو بكر: (خذ مثليها) أي مثلي هذه الحفنة وضعفيها معها فيكون المجموع ألفًا وخمسمائة لأن له ثلاث حثيات، وفي البخاري فحثى له ثلاثًا، وفي رواية فحثى له حثية؛ والمراد بالحثية: الحفنة على ما قال الهروي أي بمعنى وإن كان
стр. 9705
٥٨٧١ - (٠٠) (٠٠) حدثنا محمد بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيمُونٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ محمد بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله. قَال: وَأَخْبَرَنِي محمد بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله. قَال: لَمَّا مَاتَ النَّبيُّ ﷺ ، جَاءَ أَبَا بَكْرٍ مَالٌ مِنْ قِبَلِ الْعَلاءِ بْنِ الْحَضرَمِيِّ. فَقَال أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَينٌ، أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ، فَلْيَأْتِنَا، بِنَحْو حَدِيثِ ابْنِ عُيَينَةَ
ــ
المعروف لغة أن الحثية ملء كف واحدة قال الإسماعيلي: لما كان وعده ﷺ لا يجوز أن يخلف نزلوا وعده منزلة الضمان في الصحة فرقا بينه وبين غيره ممن يجوز أن يفي وأن لا يفي وأشار غير واحد إلى أن ذلك من خصائصه ﷺ اهـ باختصار.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٣٠٧] والبخاري في أبواب كثيرة منها في الجزية باب ما أقطع النبي ﷺ من البحرين وما وعد من البحرين [٣١٦٤].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
٥٨٧١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمَّد بن حاتم بن ميمون) السمين البغدادي، صدوق، من (١٠) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا محمَّد بن بكر) الأزدي البرسني أبو عثمان البصري، صدوق، من (٩) روى عنه في (٥) أبواب (أخبرنا ابن جريج) الأموي المكي، ثقة، من (٦) (أخبرني عمرو بن دينار) الجمحي المكي (عن محمَّد بن علي) بن الحسين (عن جابر بن عبد الله) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة ابن جريج لسفيان بن عيينة (قال) ابن جريج بالسند السابق: أخبرني عمرو بن دينار (وأخبرني) أيضًا (محمَّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله) ﵁ فهو معطوف على قوله: أخبرني عمرو بن دينار. وهذا السند من خماسياته (قال) جابر: (لما مات النبي ﷺ جاء مال) من البحرين (من قبل العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر) الصديق أي نادى في الناس (من كان له على النبي ﷺ دين أو كانت له قبله) أي من جهته ﷺ (عدة) أو وعد بالعطاء (فليأتنا) نقضي له دينه ونفي له وعده، وساق ابن جريج (بنحو حديث ابن عيينة) أي بقريبه لفظًا ومعنى.
стр. 9706
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: (هكذا وهكذا بيديه جميعًا) قال القرطبي: هذا يدل على سخاوة نفس النبي ﷺ بالمال وأنه ما كان لنفسه به تعلق فإنه كان لا يعده بعدد ولا يقدّره بمقدار لا عند أخذه ولا عند بذله وهذا منه ﷺ كان وعدًا لجابر ﵁ وكان المعلوم من خلقه الوفاء بالوعد ولذلك نفذه له أبو بكر ﵁ بعد موت النبي ﷺ وهكذا كان خُلق أبي بكر وخُلق الخلفاء الأربعة ﵃ ألا ترى أن أبا بكر كيف نفذ عدة رسول الله ﷺ لجابر يقول جابر ثم إنه دفعها له على نحو ما قال من غير تقدير وأخبارهم في ذلك معروفة وأحوالهم موصوفة وكفى بذلك (ما سار مسير المثل) الذي لم يزل يجري على قول علي ﵁ (يا صفراء ويا بيضاء غُزي غيري) اهـ من المفهم.
قوله: (من قبل العلاء بن الحضرمي) هو صحابي جليل وتجهه رسول الله ﷺ بعد قسمة الغنائم بالجعرانة إلى المنذر بن ساوى عامل البحرين يدعوه إلى الإِسلام فأسلم وصالح مجوس تلك البلاد على الجزية ثم صار عاملًا لرسول الله ﷺ وأبوه الحضرمي اسمه زهرمز كان عبدًا فارسيًا سرقه رجل من حضرموت ثم اشتراه رجل فقدم به إلى مكة فأعتقه وكان رجلًا صناعًا أقام بمكة ووُلد له أولاد نجباء وتزوج أبو سفيان ابنته الصعبة وبما أن مولاه وإن من حضرموت سُمي حضرميًا حتى غلب على اسمه وأسلم العلاء بن الحضرمي قديمًا، ومات في خلافة عمر - رضي الله تعالى عنهما اهـ من فتح الباري [٦/ ٢٦٢].
قوله: (من كانت له عدة على النبي ﷺ أو دين فليأتنا) وقد وقع مثل ذلك لأبي جحيفة ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ أبيض قد شاب وكان الحسن بن علي يشبهه وأمر لنا بثلاثة عشر قلوصًا فذهبنا نقبضها فأتانا موته فلم يعطونا شيئًا فلما قام أبو بكر قال: من كانت له عدة عند رسول الله ﷺ فليجيء فقمت إليه فأخبرته فأمر لنا بها، أخرجه الترمذي في الأدب باب ما جاء في العدة [٢٨٢٦]، وقال: حديث حسن.
وقال بعض العلماء: إن وعده ﷺ لا يجوز إخلافه فنُزل منزلة الضمان، وقيل: إنما فعله أبو بكر على سبيل التطوع ولم يكن يلزمه قضاء ذلك، وقال
стр. 9707
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن بطال: لما كان النبي ﷺ أولى الناس بمكارم الأخلاق أدى أبو بكر مواعيده عنه ولم يسأل جابرًا البينة على ما ادعاه لأنه لم يدَّع شيئًا في ذمة النبي ﷺ وإنما ادعى شيئًا من بيت المال وذلك موكول إلى اجتهاد الإِمام اهـ فتح الباري [٥/ ٢٩ و ٦/ ٢٤٢].
وقد وقع في رواية للبخاري في فرض الخمس (فأتيت أبا بكر فسألت فلم يعطني، ثم أتيته فلم يعطني، ثم أتيته الثالثة فقلت: سألتك فلم تعطني، ثم سألتك فلم تعطني، ثم سألتك فلم تعطني، فإما أن تعطيني واما أن تبخل عني؟ قال: قلت: تبخل على ما منعتك من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك) قال الحافظ: وإنما أخر أبو بكر إعطاء جابر إما لأمر أهم من ذلك أو خشية أن يحمل ذلك على الحرص على الطلب أو لئلا يكثر الطالبون لمثل ذلك ولم يرد به المنع على الإطلاق اهـ.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث تسعة: الأول: حديث سعد بن أبي وقاص ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني: حديث أنس بن مالك ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثالث: حديث ابن عباس ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع: حديث أنس الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الرابع من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والخامس: حديث أنس ذكره للاستشهاد به وذكر فيه متابعة واحدة، والسادس: حديث جابر ذكره للاستدلال به على الجزء الخامس من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والسابع: حديث أنس الرابع ذكره للاستشهاد به وذكر فيه متابعة واحدة، والثامن: مرسل ابن شهاب ذكره للاستشهاد، والتاسع: حديث جابر الثاني ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة.
***
стр. 9708
٦٩١ - (٥) باب رحمته ﷺ للصبيان والعيال، وكثرة حيائه، وتبسمه، وأمر سواق مطايا النساء بالرفق بهن، وتبرك الناس به ﷺ
٥٩٧٩ - (٦٢) حدثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ وَشَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. كِلاهُمَا عَنْ سُلَيمَانَ، (وَاللَّفْظُ لِشَيبَانَ)، حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ. حَدَّثَنَا ثَابِتْ البُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "وُلِدَ لِيَ اللَّيلَةَ غُلامٌ. فَسَمَّيتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ" ثُمّ دَفَعَهُ إلى أُمَّ سَيفٍ، امْرَأَةِ قَينٍ يُقَالُ لَهُ: أَبُو سَيفٍ
ــ
٦٩١ - (٥) باب رحمته ﷺ للصبيان والعيال، وكثرة حيائه، وتبسمه، وأمر سواق مطايا النساء بالرفق بهن، وتبرك الناس به ﷺ
٥٨٧٢ - (٢٢٩١) (٤٦) (حدثنا هداب بن خالد) ويقال له: هدبة بن خالد بن الأسود بن هدبة القيسي البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٤) أبواب (وشيبان بن فروخ) الحبطي الأُبَليُّ، صدوق، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب كلاهما) رويا (عن سليمان) بن المغيرة (واللفظ لشيبان) قال شيبان (حدثنا سليمان بن المغيرة) القيسي مولاهم البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا ثابت) بن أسلم بن موسى (البناني) البصري، ثقة، من (٤) روى عنه في (١٣) بابا (عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من رباعياته (قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ لي الله عليه وسلم: وُلد لي الليلة) البارحة (غلام) أي وّلد ذكر (فسميته باسم أبي) وجدي الأعلى (إبراهيم) الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام، قال أنس: (ثم دفعه) أي دفع النبي ﷺ ذلك الغلام (إلى أم سيف امرأة قين) بفتح القاف وسكون الياء أي زوجة حداد (يقال له) أي لذلك القين (أبو سيف).
قوله ﷺ : (وُلد لي الليلة غلام) قال العيني: مجموع أولاد النبي ﷺ ثمانية القاسم وبه يكنى والطاهر والطيب، ويقال: إن الطاهر هو الطيب، وإبراهيم وزينب زوجة ابن أبي العاص، ورقية وأم كلثوم زوجا عثمان بن عفان، وفاطمة زوجة علي بن أبي طالب، وجميع أولاده من خديجة الكبرى رضي الله تعالى عنهم أجمعين إلا إبراهيم رضي الله تعالى عنه فإنه من مارية القبطية اهـ.
قوله: (فسميته باسم أبي إبراهيم) فيه جواز التسمية بأسماء الأنبياء ﵈. قوله: (إلى أم سيف) اسمها خولة بنت المنذر الأنصارية واسم زوجها البراء بن أوس كذا
стр. 9709
فَانطَلَقَ يَأْتِيهِ وَاتَّبَعْتُهُ. فَانتَهَينَا إلى أَبِي سَيفٍ وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ. قَدِ امْتَلأَ الْبَيتُ دُخَانًا. فَأسْرعْتُ المَشْيَ بَينَ يَدَي رَسُولِ الله ﷺ . فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَيفٍ، أَمْسِكْ، جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ . فَأَمْسَكَ. فَدَعَا النبي ﷺ بِالصَّبِيِّ. فضَمَّهُ إِلَيهِ. وَقَال مَا شَاءَ الله أن يَقُولَ
ــ
في الأبي. قوله أيضًا (ثم دفعه إلى أم سيف) ووقع عند ابن سعد في الطبقات عن عبد الله بن صعصعة بسند فيه الواقدي (لما وُلد إبراهيم تنافست نساء الأنصار أيتهن ترضعه فدفعه رسول الله ﷺ إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد بن لبيد من بني عدي بن النجار، وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد من بني عدي بن النجار أيضًا) وجمع القاضي عياض بين الروايتين بأن أبا سيف كنية البراء بن أوس زوجته خوله بنت المنذر تكنى بأم بردة، وقد أطلق عليها أم سيف في رواية الصحيح ذكره الحافظ في فتح الباري [٣/ ١٧٣]، ثم قال: وما جمع به غير مستبعد إلا أنه لم يأت عن أحد من الأئمة التصريح بأن البراء بن أوس يكنى أبا سيف ولا أن أبا سيف يُسمى البراء بن أوس، وجمع الحافظ في الإصابة [٤/ ٩٩] بطريق آخر فقال: فإن كان ما رواه ثابتًا احتمل أن تكون أم بردة أرضعته ثم تحول إلى أم سيف وإلا فالذي في الصحيح هو المعتمد اهـ منه.
(فانطلق) ﷺ من المدينة إلى العوالي حالة كونه يريد أن (يأتيه) ويزوره ولعله ﷺ اطلع على أنه مريض فأتاه ليستكشف عن حاله (واتبعته) ﷺ أي صحبته في زيارته (فانتهينا) أي وصلنا أنا والنبي ﷺ (إلى) بيت (أبي سيف وهو) أي والحال أن أبا سيف (ينفخ) أي يشغل (بكيره) أي بمنفاخه الذي ينفخ به النار و (قد امتلأ البيت دخانًا) أي بخارًا (فأسرعت المشي) أي جريت وسعيت (بين يدي رسول الله ﷺ أي قدامه (فقلت) لأبي سيف: (يا أبا سيف أمسك) غيرك عن التشغيل والنفخ به في النار فإنه (جاء رسول الله ﷺ إلى بيتك لزيارة ولده (فأمسك) أبو سيف غيره عن التشغيل (فدعا النبي ﷺ بالصبي) أي طلب إحضاره إليه فأخذه (فضمه) أي ضم الصبي (إليه) أي إلى صدره (وقال) النبي ﷺ : (ما شاء الله أن يقول) ـه من كلام يدل على حزنه وشفقته، قال ثابت البناني:
стр. 9710
فَقَال أَنَسٌ: لَقَدْ رَأَيتُهُ وَهُوَ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَينَ يدي رَسُولِ الله ﷺ . فَدَمَعَتْ عَينَا رَسُولِ الله ﷺ . فَقَال: "تَدْمَعُ الْعَينُ وَيحْزَنُ القَلبُ، وَلَا نَقُولُ إلا مَا يَرْضَى رَبُّنَا. وَاللهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحزُونُونَ"
ــ
(فقال) لنا (أنس): والله (لقد رأيته) أي لقد رأيت الصبي (وهو) أي والحال أن الصبي (يكيد) أي يجود (بنفسه) أي بروحه للملك، ومعناه ولقد رأيته (بين يدي رسول الله ﷺ وقدامه والحال أنه في حالة نزع روحه وقبضها، قال الأبي: معناه يسوق أي في النَّزْعِ، وقال ابن السراج: يكيد من الكيد وهو القيء يقال منه كاد يكيد شبه تقَلُّع نَفَسِه في الصدر وتردُّدَه في الحلقوم عند الموت بالقيء؛ والمعنى وهو يقيء بروحه، وقيل هو من كيد الغراب، وهو نعيقه (فدمعت) أي سالت (عينا رسول الله ﷺ بالدموع وهو ماء مالح يخرج من العين عند الحزن أو الرمد (فقال) رسول الله ﷺ : (تدمع العين) أي تسيل عيننا بالدموع (ويحزن القلب) أي يتوجع قلبنا بفراقك (ولا نقول) بألسنتنا (إلا ما يرضى) ويحب (ربنا) من الشكر له على ما أعطى والحمد له على ما أخذ (والله) أي أقسمت لك (يا إبراهيم) بالذي نفسي ونفسك بيده (إنابـ) فراقـ (ـك لمحزونون) أي لمتأسفون وموجعون بحرارة الحزن وأم الفراق، قال النووي: قوله تدمع العين .. إلخ فيه دليل على جواز البكاء على المريض والحزن به وعلى أن البكاء الذي لا يملكه الإنسان ليس منافيًا للصبر، وحقيقة الصبر ما بيّنه رسول الله ﷺ بقوله: "ولا نقول إلا ما يرضى ربنا" وحاصل الصبر التفويض والاعتقاد بأن ما قضاه الله تعالى هو الحق الموافق للحكمة والكف عن التكلم بكلمة تنبيء عن الاعتراض على قضاء الله وقدره وإلى هذا أشار النبي ﷺ بقوله في حديث ابن عمر عند البخاري في الجائز [١٣٠٤] "إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بِحزن القلب ولكن يُعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم" بل هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما المذموم الندب والنياحة والويل والثبور ونحو ذلك من القول الباطل اهـ نووي مع زيادة وفي قوله: (يا إبراهيم) دليل على جواز استعمال صيغة النداء في الغائب أو الميت باعتبار كونه حاضرًا في الذهن.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الجنائز [١٣٠٣] , وأبو داود في الجنائز باب البكاء على الميت [٣١٢٦].
стр. 9711
٥٨٧٣ - (٢٢٩٢) (٤٧) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيرٍ، (وَاللَّفْظُ لِزُهَيرٍ)، قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ)، عَنْ أَيوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: مَا رَأَيتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ من رَسُولِ الله ﷺ . قَال: كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ في عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ. فَيَدْخُلُ الْبَيتَ وإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ. وَكَانَ ظِئرُهُ قَينًا. فَيَأخُذُه فَيُقَبِّلُهُ،
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث آخر له ﵁ فقال:
٥٨٧٣ - (٢٢٩٢) (٤٧) (حدثنا زهير بن حرب ومحمد بن عبد الله بن نمير واللفظ لزهير قالا: حدثنا إسماعيل وهو ابن عليه عن أيوب) السختياني (عن عمرو بن سعيد) القرشي مولاهم ويقال له الثقفي أبو سعيد البصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (٦) أبواب (عن أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أنس: إما رأيت أحدًا) من الناس كان أرحم بالعيال) أي أكثر رحمة للعيال أي للذراري والنساء، والعيال كل من تعوله وتنفق عليه (من رسول الله ﷺ قال) أنس وذلك لأنه (كان إبراهيم) ولد رسول الله ﷺ (مسترضعًا) أي مرتضعًا (له) ﷺ (في عوالي المدينة) وهي القرى التي بقرب المدينة (فكان) ﷺ (ينطلق) ويذهب إليه لزيارته (ونحن) معاشر الأصحاب (معه) ﷺ (فيدخل) رسول الله ﷺ (البيت) الذي فيه إبراهيم (وانه) أي والحال إن ذلك البيت (ليُذخن) ويبخر بكير الحداد بضم الياء وتشديد الدال وفتح الخاء على صيغة المبني للمفعول من ادخن من باب افتعل أصله ادتخن قلبت تاء الافتعال دالًا فأدغمت الدال في الدال ليكون مملوءًا بالدخان لأن أبا سيف ظئره كان حدادًا وكان ينفخ الكبير، وفي بعض النسخ بفتح الياء وتشديد الدال وكسر الخاء، ثم بين سببه بقوله .. إلخ (وكان ظئره) أي ظئر إبراهيم وزوج مرضعته (قينًا) أي حدادًا، والظئر زوج المرضعة وتُسمى المرضعة أيضًا ظئرًا قاله ابن قرقول، وقال ابن الجوزي الظئر المرضعة ولما كان زوجها تكفّله سُمي ظئرًا اهـ عيني (فيأخده) أي فيأخذ النبي ﷺ إبراهيم من مرضعته (فيُقبِّله) بتشديد الموحدة المكسورة من التقبيل أي يقبله بفمه شفقة عليه ورحمة
стр. 9712
ثُمَّ يَرْجِعُ.
قَال عَمْرٌو: فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَال رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي. وَإِنَّهُ مَاتَ في الثَّدْيِ وَإِن لَهُ لَظِئْرَينِ تُكَمِّلانِ رَضَاعَهُ في الْجَنَّةِ".
٥٨٧٤ - (٢٢٩٣) (٤٨) حدَّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيرٍ، عَنْ
ــ
له (ثم يرجعـ) ـه أي يرده إلى مرضعته (قال عمرو) بن سعيد: قال لنا أنس: (فلما توفي) ومات (إبراهيم) رضي الله تعالى عنه (قال رسول الله ﷺ : إن إبراهيم ابني) وولدي وثمرة فؤادي، وهذا القول أخرجه منه فرط الشفقة والرحمة والحزن اهـ من المفهم (وإنه) أي وإن إبراهيم (مات في) سن ارتضاع (الثدي) أي مات في سن الرضاع قبل تمامه يعني حولين أو المعنى مات في حال تغذية بلبن الثدي اهـ نووي (وإن له) أي لإبراهيم (لظئرين) أي لمرضعتين تثنية ظئرة، والظئر هي المرضعة ولد غيرها وزوجها ظئر لذلك الرضيع فلفظة ظئر تقع على الأنثى والذكر اهـ نووي (تكملان) له أي تتمان له (رضاعه) أي بقية تمام رضاعه (في الجنة) أي بقية السنتين فإنه تمام الرضاعة بنص القرآن، قال الأبي: قال صاحب التحرير دخوله الجنة هو متصل بموته بظاهر هذا الحديث، قال النووي: توفي وله ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر فتُرضعانه بقية السنتين فيدخل الجنة متصلًا بموته نجيتم فيها رضاعه كرامة له ولأبيه ﷺ اهـ، ولا اختلاف في أن إبراهيم وُلد في ذي الحجة سنة ثمان، وجزم الواقدي بأنه مات يوم الثلاثاء لعشر خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر، وقال ابن حزم: مات قبل النبي ﷺ بثلاثة أشهر اهـ فتح الباري [٣/ ١٧٤].
وهذا الحديث انفرد به الإِمام مسلم رحمه الله تعالى بهذا السياق.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أنس الأول بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما فقال:
٥٨٧٤ - (٢٢٩٣) (٤٨) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو غريب قالا: حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي مولاهم الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٧) بابا (و) عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٧) بابا (عن
стр. 9713
هِشام، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائشَةَ. قَالت: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ . فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَم. فَقَالُوا: لَكِنَّا، واللهِ مَا نُقَبِّلُ. فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "وَأَمْلِكُ إن كَانَ الله نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحمَةَ".
وَقَال ابْنُ نُمَيرٍ: "من قَلْبِكَ الرَّحمَةَ"
ــ
هشام) بن عروة الأسدي، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٦) بابا (عن أبيه) عروة بن الزبير المدني، ثقة، من (٢) روى عنه في (٢٠) بابا (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته (قالت) عائشة: (قدم ناس من الأعراب) أي من سكان البوادي (على رسول الله ﷺ يمكن أن يكون في أولئك الناس الأقرع بن حابس الآتي ذكره في الحديث التالي، وقد ذكر الأصفهاني في الأغاني مثل هذه القصة لقيس بن عاصم التميمي، ووقع مثل ذلك لعيينة بن حصن فيما أخرجه أبو يعلى في مسنده برجال ثقات قال الحافظ في الفتح [١٠/ ٤٣٠] بعد ما ذكر هذه الروايات يحتمل أن يكون وقع ذلك لجميعهم، فقد وقع في رواية قدم ناس من الأعراب (فقالوا) لرسول الله ﷺ حين قتل بعض أولاد بناته وهو الحسن بن علي كما هو مصرح في الحديث الآتي (أتقبَّلون) أي هل تقبّلون (صبيانكم) أي أولادكم يا معشر قريش (فقالوا): أي فقال الحاضرون عند النبي ﷺ من الأصحاب (نعم) نقتل أولادنا شفقة عليهم (فقالوا): أي فقال أولئك الأعراب (لكنا) نحن (والله ما نقبل) أولادنا (فقال رسول الله ﷺ لأولئك الأعراب (وأملك) وفي رواية البخاري (أو أملك) بإثبات همزة الاستفهام فحُذفت همزة الاستفهام في رواية مسلم لعلمها من السياق أي أأملك وأقدر على جعل الرحمة في قلوبكم (إن كان الله) سبحانه (نزع) وأخذ (منكم) أي من قلوبكم (الرحمة) والاستفهام هنا للإنكار أي لا أقدر أن أجعل الرحمة في قلوبكم بعد أن نزعها الله من قلوبكم (وقال) عبد الله (بن نمير) في روايته (من قلبك الرحمة) بكاف خطاب المفرد نظرًا إلى المحاور مع النبي ﷺ .
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الأدب باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته [٥٩٩٨] وابن ماجه في الآداب باب برّ الوالد والإحسان إلى البنات [٣٧٠٩].
قوله: (وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة) قال القرطبي: كذا وقع هذا اللفظ
стр. 9714
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
محذوف همزة الاستفهام وهي مرادة تقديره أو أملك وكذا جاء هذا اللفظ في البخاري بإثباتها وهو الأحسن لقلة حذف همزة الاستفهام و (أن) مفتوحة الهمزة وهي مع الفعل في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا به لأملك ولكنه على حذف مضاف تقديره أو أملك لكم دفع كون الله نزع الرحمة من قلوبكم بتحصيل الرحمة فيها أي لا أقدر على تحصيلها في قلوبكم وقد أبعد من كسرها ولم تصح رواية الكسر ومعنى الكلام نفى قدرته على الإتيان بما نزع الله من قلوبهم من الرحمة.
والرحمة في حقنا هي رقة وحنو يجده الإنسان في نفسه عند مشاهدة مبتلى أو ضعيف أو صغير يحمله على الإحسان إليه واللطف والرفق والسعي في كشف ما به وقد جعل الله هذه الرحمة في الحيوان كله عاقله وغير عاقله فيها تعطف الحيوانات على نوعها وأولادها فتحنو عليها وتلطف بها في حال ضعفها وصغرها، وحكمة هذه الرحمة تسخير القوى للضعيف والكبير للصغير حتى ينحفظ نوعه وتتم مصلحته وذلك تدبير اللطيف الخبير وهذه الرحمة التي جعلها الله في القلوب في هذه الدار وتحصل عنها هذه المصلحة العظيمة هي رحمة واحدة من مائة رحمة ادخرها الله تعالى ليوم القيامة فيرحم بها عباده المؤمنين وقت أهوالها وشدائدها حتى يخلصهم منها ويدخلهم في جنته وكرامته.
وإذا تقرر هذا فمن خلق الله تعالى في قلبه هذه الرحمة الحاملة على الرفق وكشف ضر المبتلى فقد رحمه الله تعالى بذلك في الحال وجعل ذلك علامة على رحمته إياه في المآل ومن سلب الله ذلك المعنى منه وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغلظ ولم يلطف بضعيفٍ ولا أَشْفقَ على مُبْتَلَى فقد أشقاه في الحال وجعل ذلك علمًا على شقوته في الحال نعوذ من ذلك، ولذلك قال النبي ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن" رواه أبو داود [٤٩٤١] , والترمذي [١٩٢٥] وقال: "لا يرحم الله من عباده إلا الرحماء" متفق عليه رواه البخاري [٦٦٥٥] , ومسلم [٩٢٣] وقال: "لا تُنزع الرحمة إلا من شقي" رواه أبو داود [٤٩٤٢] , والترمذي [١٩٢٤] وقال: "من لا يرحم لا يُرحم" انظر تخريجه في التلخيص برقم [٢٩٣٧].
وأما الرحمة في حقه تعالى فهي صفة ثابتة لله تعالى نثبتها ونعتقدها لا نمثلها ولا نكيفها ولا نعطلها أثرها الأنعام على عباده والإحسان إليهم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
стр. 9715
٥٨٧٥ - (٢٢٩٤) (٤٩) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أبي عُمَرَ. جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَال عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن الأَقرَعَ بْنَ حَابِسٍ
ــ
وفي هذه الأحاديث ما يدل على جواز تقبيل الصغير على جهة الرحمة والشفقة وكراهة الامتناع من ذلك على جهة الأنفة وهذه القُبلة هي على الفم ويكره مثل ذلك في الكبار إذ لم يكن ذلك معروفًا في الصدر الأول ولا يدل على شفقته فأما تقبيل الرأس فإكرام عند من جرت عادتهم بذلك كالأب والأم، وأما تقبيل اليد فكرهه مالك ورآه من باب الكبر وإذا كان مكروهًا في اليد كان أحرى في الرجل، وقد أجاز تقبيل اليد والرِجل بعض الناس مستدلًا بأن اليهود قبَّلوا يد رسول الله ﷺ ورجليه حين سألوه عن مسائل فأخبرهم بها رواه ابن ماجه [٣٧٠٥]، ولا حجة في ذلك لأن النبي ﷺ قد نزّهه الله عن الكبر وأمن ذلك عليه وليس كذلك غيره ولأن ذلك أظهر من اليهود تعظيمه واعتقادهم صدقه فأقرهم على ذلك ليتبين للحاضرين بإذلالهم أنفسهم له ما عندهم من معرفتهم بصدقه وأن كفرهم بذلك عناد وجحد ولو فهمت الصحابة ﵃ جواز تقبيل يده ورجله لكانوا أول سابق إلى ذلك فيفعلون به ذلك دائمًا وفي كل وقت كما كانوا يتبركون ببزاقه ونخامته ويدلكون بذلك وجوههم ويتطيّبون بعرقه ويقتتلون على وضوءه ولم يرو قط عن واحد منهم بطريق صحيح أنه قتل يدًا ولا رِجلًا فصح ما قلناه والله ولي التوفيق اهـ من المفهم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أنس الأول بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فقال:
٥٨٧٥ - (٢٢٩٤) (٤٩) (وحدثني عمرو) بن محمَّد بن بكير (الناقد) البغدادي (و) محمَّد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (جميعًا) أي كلاهما رويا (عن سفيان) بن عيينة (قال عمرو: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهريّ عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته (أن الأقرع بن حابس) التميمي المجاشعي الدارمي سُمي الأقرع لقرع كان في رأسه وكان حكمًا في الجاهلية، قال ابن إسحاق: وقد على النبي ﷺ وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف وهو من المؤلفة قلوبهم وقد حسُن إسلامه، وشهد مع خالد اليمامة وحرب
стр. 9716
أَبْصَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُ الحَسَنَ. فَقَال: إِنَّ لِي عَشَرَةَ مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ. فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّهُ مَن لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ".
٥٨٧٦ - (٠٠) (٠٠) حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. حَدَّثَني أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثلِهِ
ــ
العراق، ومع شرحبيل دومة الجندل، وكان شريفًا في الجاهلية والإِسلام سار بجيش إلى خراسان فأُصيب بجوزجان في خلافة عثمان، وقيل: استشهد باليرموك مع عشرة من بنيه اهـ من الإصابة [١/ ٧٣] (أبصر) ورأى (النبي ﷺ حالة كون النبي ﷺ (يُقبّل) بفمه (الحسن) بن علي بن أبي طالب ابن فاطمة ﵃ (فقال) الأقرع متعجبًا من النبي ﷺ (إن لي عشرة ومن الولد) المذكور إما قبلت واحدًا منهم) قط (فقال) له (رسول الله ﷺ متعجبًا: (إنه) أي إن الشأن والحال (من لا يرحم) غيره في الدنيا بالبناء للفاعل (لا يُرحم) بالبناء للمجهول أي لا يرحم في الآخرة بالرفع والجزم في الفعلين الرفع على أن من موصولة، والجزم على أن من شرطية كذا في العيني، قال النووي: قال العلماء: هذا عام يتناول رحمة الأطفال وغيرهم اهـ يعني من لا يرحم الخلق من مؤمن وكافر وبهائم مملوكة وغيرها كأن يتعاهدهم بالإطعام والسقي والتخفيف في الحمل وترك التعدي بالضرب في الدنيا لا يُرحم أي في الآخرة والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في الأدب باب رحمة الولد [٥٩٩٧] , وأبو داود في الأدب باب في قبلة الرجل ولده [٥٢١٨] , والترمذي في البر والصلة باب في رحمة الولد [١٩١١].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٥٨٧٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبد بن حميد) بن نصر الكسي، ثقة، من (١١) (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة، من (٩) (أخبرنا معمر بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من (٧) (عن الزهريّ حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة معمر لسفيان بن عيينة (عن النبي ﷺ وساق معمر (بمثله) أي بمثل حديث ابن عيينة.
стр. 9717
٥٨٧٧ - (٢٢٩٥) (٥٠) حدثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشرَمٍ. قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا أبُو كُرَيب، محمد بْنُ الْعَلاءِ. حَدَّثَنَا أبُو مُعَاويةَ. ح وَحَدَّثَنَا أبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ. حَدَّثَنَا حَفْصٌ، (يَعْنِي ابنَ غِيَاثِ)، كُلُّهمْ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيدِ بْنِ وَهْب وَأَبِي ظِبْيَانَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله. قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمُهُ الله "
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث أنس الأول بحديث جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما فقال:
٥٨٧٧ - (٢٢٩٥) (٥٠) (حدثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (كلاهما عن جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم) بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال المروزي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٨) أبواب (قالا: أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٧) بابا (ح وحدثنا أبو كريب محمَّد بن العلاء) الهمداني الكوفي (حدثنا أبو معاوية) محمَّد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من (٩) (ح وحدثنا أبو سعيد الأشج) عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي الكوفي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا حفص يعني ابن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٤) بابا (كلهم) أي كل هؤلاء الأربعة المذكورين من جرير وعيسى وأبي معاوية وحفص بن غياث رووا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٣) بابا (عن زيد بن وهب) الجهني الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) روى عنه في (٨) أبواب (وأبي ظبيان) حصين بن جندب بن عمرو بن الحارث الجنبي بفتح الجيم وسكون النون، نسبة إلى جنب قبيلة من قبائل اليمن الكوفي، ثقة، من (٢) روى عنه في (٢) (عن جرير بن عبد الله) البجلي الأحمسي الكوفي رضي الله تعالى عنه. وهذه الأسانيد الأربعة كلها من خماسياته (قال) جرير: (قال رسول الله ﷺ : من لا يرحم الناس) صغارهم وكبارهم وكذا كل الحيوانات (لا يرحمه الله في الآخرة جزاءً على عمله. وهذا الحديث بمعنى حديث أبي هريرة المذكور قبله.
стр. 9718
٥٩٨٥ - (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وكيعٌ وَعَبدُ الله بْنُ نُمَيرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ النبِي ﷺ ، ح وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شَيبَةَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ النبِي ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الأَعْمَشِ
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ٣٦٢] , والبخاري أخرجه في الأدب باب رحمة الناس والبهائم [٦٠١٣] وفي التوحبد باب قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] [٢٣٧٦] , والترمذي في البر والصلة باب في رحمة المسلمين [١٩٢٢].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جرير رضي الله تعالى عنه فقال:
٥٨٧٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع وعبد الله بن نمير عن إسماعيل) بن أبي خالد سعيد البجلي الأحمسي الكوفي، ثقة، من (٤) روى عنه في (٨) أبواب (عن قيس) بن أبي حازم عوف بن عبد الحارث البجلي الأحمسي الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) روى عنه في (١٠) أبواب (عن جرير) بن عبد الله ﵁ (عن النبي ﷺ ) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة قيس بن أبي حازم لزيد بن وهب وأبي ظبيان (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة و) محمَّد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (وأحمد بن عبدة) بن موسى الضبي البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٨) أبواب (قالوا: حدثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بن دينار الجمحي المكي (عن نافع بن جبير) بن مطعم النوفلي المدني، ثقة، من (٢) روى عنه في (١٠) أبواب (عن جرير) بن عبد الله رضي الله تعالى عنه (عن النبي ﷺ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عمرو بن دينار لسليمان بن الأعمش، ولكنها متابعة ناقصة، وساق عمرو (بمثل حديث الأعمش) عن زيد بن وهب، ولو قال المؤلف بمثل حديث زيد بن وهب لكانت المتابعة تامة واضحة فحينئذٍ غرضه بيان متابعة نافع بن جبير لزيد بن وهب نظير ما قبله والله أعلم.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
стр. 9719
٥٨٧٩ - (٢٢٩٦) (٥١) حدّثني عُبَيدُ الله بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ عَبْدَ الله بْنَ أَبِي عُتْبَةَ يحدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي، ح وحدّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ. قَال زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَال: سَمِعتُ عَبدَ الله بْنَ أبي عُتْبَةَ يَقُولُ: سَمِعتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَشَدَّ حَيَاءَ مِنَ الْعَذْرَاءِ في خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيئًا عَرَفنَاهُ في وَجْهِهِ
ــ
٥٨٧٩ - (٢٢٩٦) (٥١) (حدثني عبيد الله بن معاذ) بن معاذ العنبري البصري (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان التميمي العنبري أبو المثنى البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (حدثنا شعبة عن قتادة سمع عبد الله بن أبي عتبة) الأنصاري مولاهم مولى أنس بن مالك البصري، روى عن أبي سعيد الخدري في المناقب، وعن مولاه أنس وعائشة، ويروي عنه (خ م ق) وقتادة في المناقب وثابت وحميد، قال البزار: ثقة مشهور، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة، أي سمعت عبد الله حالة كونه (يحدّث عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته (ح وحدثنا زهير بن حرب ومحمد بن المثنى وأحمد بن سنان) بنونين بن أسد بن حبان بكسر المهملة ثم موحدة القطان الواسطي، ثقة، من (١١) روى عنه في بابين الصلاة والفضائل (قال زهير: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٤) بابا (عن شعبة عن قتادة قال: سمعت عبد الله بن أبي عتبة يقول: سمعت أبا سعيد الخدري) ﵁. وهذا السند من سداسياته أيضًا حالة كونه (يقول: كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها) أي في سترها، والعذراء هي الجارية البكر والخدر ستر يُجعل للبكر في جنب البيت، قال في الشفاء: فالحياء رقة تعتري وجه الإنسان عند فعل ما يتوقع كراهته أو ما يكون تركه خيرًا من فعله اهـ (وكان إذا كره شيئًا عرفناه في وجهه) أي لا يتكلم به لحيائه بل يتغير وجهه فنفهم نحن كراهته وهذا إذا لم تقتض حاجة التبليغ إلى التكلم أما إذا اقتضت ذلك فكان ربما يتكلم بأسلوب حكيم، وفيه فضيلة الحياء وهو من شعب الإيمان وهو خير كله ولا يأتي إلا بخير وهو محثوث عليه ما لم ينته إلى الضعف والنخو اهـ نووي؛ والمراد أنه لا يتكلم إذا لم يكن ذلك في
стр. 9720
٥٨٨٠ - (٢٢٩٧) (٥٢) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. قَالا: حَدَّثَنَا جَريرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ. قَال: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو حِينَ قَدِمَ مُعَاويةُ إِلَى الْكُوفَةِ. فَذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَال: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا
ــ
حدود الله تعالى وحقوقه فلا يؤاخذ أحدًا بما يكره كذا في نسيم الرياض.
وقال بعضهم: الحياء هو انقباض النفس خشبة ارتكاب ما يُكره أعم من أن يكون شرعيًّا أو عقليًا أو عرفيًا ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث أبله. وقال بعضهم: إن كان أي الحياء في محرم فهو واجب وإن كان في مكروه فهو مندوب دهان كان في مباح فهو العرفي وهو المراد بقوله: الحياء لا يأتي إلا بخير ويجمع كل ذلك أن المباح إنما هو ما يقع على وفق الشرع إثباتًا ونفيًا، وقد تقدم بسط الكلام على الحياء في كتاب الإيمان باب بيان عدد شعب الإيمان فراجعه إن شئت.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٧١]، والبخاري في المناقب [٣٥٦٢]، وفي الأدب [٦١٠٢] وباب الحياء [٦١١٩]، وابن ماجه في الزهد باب الحياء [٤٢٣٣].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي سعيد الخدري بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما فقال:
٥٨٨٠ - (٢٢٩٧) (٥٢) (حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا: حدثنا جرير) بن عبد الحميد (عن الأعمش عن شقيق) بن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) (عن مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) روى عنه في (١١) بابا (قال: دخلنا على عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته (حين قدم معاوية) بن أبي سفيان من الشام (إلى الكوفة) وعبد الله بن عمرو مع معاوية (فدكر) عبد الله بن عمرو (رسول الله ﷺ أي أخلاقه وفضائله (فقال) عبد الله بن عمرو في ذكر أخلاقه ﷺ (لم يكن) رسول الله ﷺ (فاحشًا) أي ذا فحش في كلامه. وهذا يدل على كثرة حيائه وشدة صفائه، وأصل الفحش هو الخروج عن الحد المشروع، والفواحش عند العرب القبائح (ولا متفحشًا) أي متكلفًا بفعل الفحش. وقال الحافظ في
стр. 9721
وَقَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسنَكُمْ أَخلاقًا".
قَال عُثْمَانُ: حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاويَةَ إِلَى الْكُوفَةِ
ــ
الفتح [٦/ ٥٧٥] (فاحشًا) أي ناطقًا بالفحش وهو الزيادة على الحد في الكلام السيء والمتفحش المتكلّف لذلك أي لم يكن له الفحش خُلُقًا وطبيعة ولا مكتسبًا له اهـ قال الهروي: الفاحش ذو الفحش خِلقة، والمتفحش هو الذي يتكلّف الفحش ويتعمده لإفساد حاله وقد يكون المتفحش الذي يأتي الفاحشة ويفعلها اهـ (وقال) عبد الله بن عمرو: (قال رسول الله ﷺ : إن من خياركم) وأفاضلكم (أحاسنكم أخلاقًا) وسجايا وطبائع، وفيه الحث على حُسن الخُلق وبيان فضيلة صاحبه وهو صفة أنبياء الله تعالى وأوليائه، قال الحسن البصري: حقيقة حُسن الخُلق بذل المعروف وكف الأذى وطلاقة الوجه اهـ نووي (قال عثمان) بن أبي شيبة في روايته (حين قدم) عبد الله (مع معاوية) من الشام (إلى الكوفة).
وعبارة القرطبي هنا: و (الفاحش) هو المجبول على الفحش وهو الجفاء في الأقوال والأفعال، والمتفحش هو المتعاطي لذلك والمستعمل له وقد برأ الله تعالى نبيه ﷺ عن جميع ذلك ونزّهه فإنه كان رحيمًا رفيقًا لطيفًا سمحًا (سهلًا) متواضعًا طلقًا برًا وصولًا محبوبًا لا تقتحمه عين ولا تمجه نفس ولا يصدر عنه شيء يُكره ﷺ وشرّف وكرّم، وقوله: (إن من خياركم أحاسنكم أخلاقًا) هو جمع أحسن على وزن أفعل التي للتفضيل وهي إن قرنت بـ (من) كانت للمذكر والمؤنث والجمع بلفظ واحد وإن لم تقترن بـ (من) وعرّفتها بالألف واللام ذكرت وأنَّثْتَ وثنَّيتَ وجمعت، وإذا أضيفت ساغ فيها الأمران كما جاء هنا أحاسنكم وكما قال تعالى: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣] وقد قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] وقد روي هذا الحديث "أحسنكم" بالإفراد، والأخلاق جمع خُلق وهي عبارة عن أوصاف الإنسان التي يُعامل بها غيره ويخالطه، وهي منقسمة إلى محمود ومذموم فالمحمود منها صفات الأنبياء والأولياء والفضلاء كالصبر عند المكاره، والحلم عند الجفاء، وتحمّل الأذى والإحسان إلى الناس والتودد لهم، والمسارعة في حوائجهم والرحمة والشفقة واللطف في المجادلة والتثبت في الأمور ومجانبة المفاسد والشرور، وعلى الجملة فاعتدالها أن تكون مع غيرك على نفسك فتنصف منها ولا تنتصف لها؛
стр. 9722
٥٨٨١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ. حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، (يَعْنِي الأَحْمَرَ)، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٥٨٨٢ - (٢٢٩٨) (٥٣) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيثَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ. قَال: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
ــ
فتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، والمذموم منها نقيض ذلك كله اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ١٦١]، والبخاري في مواضع كثيرة منها في المناقب باب صفة النبي ﷺ [٣٥٥٩]، والترمذي في البر والصلة باب ما جاء في الفحش والتفحش [١٩٧٥].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٥٨٨١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع ح وحدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (ح وحدثنا أبو سعيد الأشج) عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي الكوفي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا أبو خالد يعني الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، صدوق، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (كلهم) أي كل من هؤلاء الأربعة المذكورين من أبي معاوية ووكيع وعبد الله بن نمير وأبي خالد الأحمر رووا (عن الأعمش بهذا الإسناد) يعني عن شقيق، عن مسروق، عن عبد الله، غرضه بيان متابعة هؤلاء الأربعة لجرير بن عبد الحميد، وساقوا أي ساق هؤلاء الأربعة (مثله) أي مثل ما روى جرير عن الأعمش.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة بحديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما فقال:
٥٨٨٢ - (٢٢٩٨) (٥٣) (حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا أبو خيثمة) زهير بن معاوية الجعفي الكوفي (عن سماك بن حرب) بن أوس الذهلي الكوفي، صدوق، من (٤) روى عنه في (١٤) بابا (قال) سماك: (قلت لجابر بن سمرة) بن جنادة السوائي الكوفي، الصحابي بن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، روى عنه في (٦) أبواب، وهذا السند من رباعياته (أكنت) أي هل كنت يا جابر (تجالس) وتلازم (رسول الله صلى الله
стр. 9723
عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ قَال: نَعَمْ، كَثِيرًا. كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاة الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ. وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِليَّةِ. فَيَضْحَكُونَ. ويتَبَسَّمُ ﷺ
ــ
عليه وسلم قال) جابر: (نعم) جالسته (كثيرًا) من الزمن فإن شئت أن أخبر لك من آدابه فأقول لك (كان) ﷺ (لا يقوم) ولا يمشي (من مصلاه) أي من مكان صلاته (الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس) وتشرق ويصح أن يكون كثيرًا ظرفًا لكان تقديره كان كثيرًا من الزمن لا يقوم من مصلاه أي كان في أغلب الأوقات لا يقوم حتى تطلع الشمس .. إلخ (فإذا طلعت) الشمس وأشرقت (قام) من مصلاه ومشى إلى منزله أو إلى حاجته، وفيه استحباب الذكر بعد الصبح وملازمة مجلسها ما لم يكن عذر، قال القاضي: هذه سنة كان السلف وأهل العلم يفعلونها ويقتصرون في ذلك الوقت على الذكر والدعاء حتى تطلع الشمس اهـ نووي (وكانوا) أي وكان أصحابه ﷺ (يتحدثون) جنبه (فيأخذون) أي فيشرعون ويذكرون في محادثتهم (في أمر الجاهلية) أي في أمورهم وشؤونهم التي مرت عليهم في الجاهلية يعني قبل الإسلام أو يذكرون أمور أهل الجاهلية والأمم السابقة (فيضحكون) من تلك الأمور التي ذكروها إن كانت مما يضحك منه (ويتبسم) رسول الله ﷺ إذا ذكروا من تلك الأمور وضحكوا، والضحك انكشار الشفتين عن الأسنان واللثات مع إظهار الصوت بلا رفع فإن كان فيه رفع فيُسمى قهقهة والتبسم انكشار الشفة عن الأسنان بلا إظهار صوت أصلًا.
ففيه جواز الحديث بأخبار الجاهلية وغيرها من الأمم وجواز المباح من الكلام وجواز الضحك، وأن التبسمَ هو المستحسنُ منه اللائقُ بأهلِ الفضلِ والسَّمتِ وهو كان أكثر ضحكه في عامة أوقاته ﷺ ويكره الإكثار من الضحك لأنه يُميت القلب كما قال لقمان، وهو من خُلق أهل البطالة والسّفه اهـ من إكمال المعلم، وهو في أهل المراتب والعلم أقبح والله أعلم نووي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في الصلاة باب صلاة الضحى [١٢٩٤]، والترمذي في الصلاة باب ذكر ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس [٥٨٥]، والنسائي في السهو باب قعود الإمام في مصلاه بعد
стр. 9724
٥٨٨٣ - (٢٢٩٩) (٥٤) حدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلٍ. جَمِيعًا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيدٍ. قَال أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَغُلامٌ أَسْوَدُ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ يَحْدُو. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيدَكَ، سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ"
ــ
التسليم [١٣٥٧ و ١٣٥٨]، وقد سبق للمؤلف أيضًا ذكره في المساجد باب فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الرابع من الترجمة بحديث أنس ﵁ فقال:
٥٨٨٣ - (٢٢٩٩) (٥٤) (حدثنا أبو الربيع العتكي) الزهراني سليمان بن داود البصري (وحامد بن عمر) بن حفص بن عمر بن أبي بكرة الثقفي البكراوي البصري، قاضي كرمان ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (وقتيبة بن سعيد وأبو كامل) الجحدري فضيل بن حسين البصري (جميعًا) أي كل من الأربعة رووا (عن حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري (قال أبو الربيع: حدثنا حماد) بصيغة السماع (حدثنا أيوب) بن أبي تميمة السختياني العنزي البصري (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي البصري (عن أنس) بن مالك ﵁. وهذ! السند من خماسياته (قال) أنس: (كان رسول الله ﷺ في بعض أسفاره) هذه السفرة هي حجة الوداع كما رأيته أنا في مسند أحمد اهـ تنبيه المعلم، الجار والمجرور خبر لكان (وغلام) مبتدأ سوغ الابتداء بالنكرة وصفه بقوله: (أسود يقال له) أي يسمى (أنجشة) والجملة صفة ثانية للمبتدأ (يحدو) ويمدح الإبل لتسرع في سيرها، والجملة الفعلية خبر المبتدأ قال البلاذري: وكان الغلام حبشيًّا حسن الصوت يكنى أبا مارية، ووقع عند الطبراني أنه كان من المخنثين كما في الإصابة [١/ ٨١] وقوله: (يحدو) من الحداء الذي ينشده السائق لحث الإبل على السير (فقال له) أي لذلك الغلام (رسول الله ﷺ يا أنجشة رويدك) اسم فعل أمر بمعنى أرود و (سوقًا بالقوارير) مفعول به لاسم الفعل، والكاف حرف خطاب لا ضمير أي ارفق والطف وخفّف سوقًا بالقوارير أي خفف سوقك الإبل بالنساء المشبهة بالقوارير في سرعة التأثر والانكسار إليهن إذا أسرعت الإبل
стр. 9725
٥٨٨٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو كَامِلٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوهِ.
٥٨٨٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ
ــ
فسقطن منها لأنهن ضعاف الجسم ربما ينكسرن إذا سقطن من الإبل بإسراعها، أو منصوبة بنزع الخافض أي خفّف في سوقك بالقوارير، وقال الراغب: رويدًا من أرود يرود كأمهل يمهل وزنًا ومعنى من الرود وهو التردد في طلب الشيء برفق، وقال الرامهرمزي: رويدًا تصغير رود فعل الرائد، ولم يُستعمل رود بمعنى المهلة إلا مصغرًا، والقوارير جمع قارورة وهي الزجاجة سُميت بذلك لاستقرار الشراب فيها، وأراد بها رسول الله ﷺ النساء وهي كناية لطيفة لأن المرأة تشابه الزجاجة في رقتها ولطافتها وضعف بنيتها يعني بالقوارير ضعفة النساء شبههنّ بالقوارير لسرعة تأثرهن ولعدم تجلّدهن فخاف عليهن من حث السير وسرعته سقوط بعضهن أو تألمهن بكثرة الحركة والاضطرابِ الذي يكون عن السرعة والاستعجال، وقيل: إنه خاف عليهن الفتنة، وحُسن الحدو طيبه كما قال سليمان بن عبد الملك: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه رقية الزنا، فإن كنتم ولا بد فاعليه فجنبوه النساء.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع كثيرة منها باب المعاريض مندوحة من الكذب [٦٢٠٩ و ٦٢١٠ و ٦٢١١].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٥٨٨٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو الربيع العتكي وحامد بن عمر وأبو كامل قالوا: حدثنا حماد) بن زيد (عن ثابت) بن أسلم البناني (عن أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة ثابت لأبي قلابة وساق ثابت (بنحوه) أي بنحو حديث أبي قلابة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٥٨٨٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (كلاهما) رويا (عن) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري المعروف بـ (ابن علية) اسم أمه، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٥)
стр. 9726
قَال زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ أَنَس؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى عَلَى أَزْوَاجِهِ، وَسَوَّاقٌ يَسُوقُ بِهِنَّ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ. فَقَال: "وَيحَكَ يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيدًا سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ".
قَال: قَال أَبُو قِلابَةَ: تَكَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيهِ
ــ
بابا (قال زهير: حدثنا إسماعيل) بصيغة السماع، قال إسماعيل: (حدثنا أيوب) السختياني (عن أبي قلابة عن أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة إسماعيل لحماد بن زيد (أن النبي ﷺ أتى) أي مر (على أزواجه) رضي الله تعالى عنهن في بعض أسفاره (وسوّاق) مبتدأ وسوّغ الابتداء بالنكرة قصد الإبهام، وجملة قوله: (يسوق بهن) النوق خبر المبتدأ أو الجملة الفعلية صفة للمبتدأ وهي المسوغة للابتداء، والخبر جملة قوله: (يقال له أنجشة) أو جملة القول حال من فاعل يسوق أو الكلام على التقديم والتأخير فتكون جملة القول صفة لسواق فهي المسوغة كما تدل على هذا الوجه الرواية الأولى، والتقدير وسواق يقال له: أنجشة يسوق بهن النوق، وجملة قوله: (فقال) له رسول الله ﷺ : معطوفة على جملة قوله أتى أي مر على أزواجه، والحال أنه يسوق بهن النوق سواق يقال: أنجشة فقال للسواق: (ويحك يا أنجشة) أي ألزمك الله الرحمة والسلامة وحفظك من كل مكروه (رويدًا) أي أرود وأمهل (سوقك) النوق (بالقوارير) إروادًا وإمهالًا والطف وارفق في سوقك بالنوق ولا تستعجل فيه وتأن فيه لأنها حاملة بالنساء المشبهة بالقوارير في إنكسارهن وتألمهن بأقل عثرة وزلة من النوق، قال ابن علية: (قال) لنا أيوب: (قال أبو قلابة) عن أنس: (تكلم رسول الله ﷺ عند نهيه السواق عن الاستعجال (بكلمة لو تكلم بها بعضكم) الآن (لعبتموها) أي لعيبتموا تلك الكلمة (عليه) أي على ذلك البعض المتكلم بها لكونها من كلمة يُستقبح التصريح بها.
وقال الكرماني: (فإن قلت): هذه استعارة لطيفة بليغة فلم تُعاب (قلت): لعله نظر إلى أن شروط الاستعارة أن يكون وجه الشبه جليًّا وليس بين القارورة والمرأة وجه التشبيه من حيث ذاتهما ظاهر، لكن الحق أنه كلام في غاية الحسن والسلامة عن العيوب ولا يلزم في الاستعارة أن يكون وجه الشبه جليًّا من حيث ذاتهما بل يكفي الجلاء الحاصل من القرائن الجاعلة للوجه جليًّا ظاهرًا كما في المبحث، ويحتمل أن يكون قصد
стр. 9727
٥٩٩٣ - (٧٢) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ، عَنْ سُلَيمَانَ التَّيمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ. حَدَّثَنَا التَّيمِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: كَانَتْ أُمُّ سُلَيمٍ مَعَ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ . وَهُنَّ يَسُوقُ بِهِنَّ سَوَّاقٌ. فَقَال نَبِيُّ اللهِ ﷺ : "أَي أَنْجَشَةُ، رُوَيدًا سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ"
ــ
أبي قلابة أن هذه الاستعارة تحسن من مثل رسول الله ﷺ في البلاغة ولو صدرت ممن لا بلاغة له لعبتموها وهذا هو الائق بمنصب أبي قلابة والله أعلم اهـ. وقال الأبي: تلك الكلمة هي قوله رويدك سوقك بالقوارير، وفي الآخر لا تكسر القوارير وهن ضعفة النساء، واختلف العلماء في المراد بتسميتهن قوارير على قولين أصحهما أن معناه أن أنجشة كان حسن الصوت وكان يحدو بهن وينشد شيئًا من القريض والرجز وما فيه تشبيب فلم يأمن أن يفتنهن ويقع في قلوبهن حداؤه فأمره بالكف عن ذلك، ومن أمثالهم المشهورة (الغناء رقية الزنا) والقول الثاني أن المراد به الرفق في السير لأن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واستلذته فأزعجت الراكب وأتعبته فنهاه عن ذلك لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة ويخاف ضررهن وسقوطهن اهـ نووي باختصار.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٥٨٨٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) بن بكير التميمي النيسابوري (أخبرنا يزيد بن زريع) مصغرًا التيمي العيشي أبو معاوية البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (عن سليمان) بن طرخان (التيمي) أبي المعتمر البصري، ثقة، من (٤) روى عنه في (١٣) بابا (عن أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة سليمان لأبي قلابة (ح وحدثنا أبو كامل) الجحدري فضيل بن حسين البصري (حدثنا يزيد) بن زريع التيمي العيشي (حدثنا) سليمان (التيمي عن أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة أبي كامل ليحيى بن يحيى (قال) أنس: (كانت) والدتي (أم سليم مع نساء النبي ﷺ في بعض أسفاره (وهن) أي نساء النبي ﷺ (يسوق بهن) الإبل (سواق) فحدا الإبل فأسرعت في السير (فقال نبي الله ﷺ للسواق (أي أنجشة) أي يا أنجشة (رويدًا) أي أرود رويدًا أو أمهل إمهالًا (سوقك) النوق (بالقوارير) أي بالنساء المشبهة بالقارورة.
стр. 9728
٥٨٨٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ. حَدَّثَنِي هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ. قَال: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَادٍ حَسَنُ الصَّوْتِ. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رُوَيدًا يَا أَنْجَشَةُ، لَا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ" يَعْنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ.
٥٨٨٨ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه ابْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَلَمْ يَذْكُرْ: حَادٍ حَسَنُ الصَّوْتِ
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٥٨٨٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا) محمد (بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا عبد الصمد) بن عبد الوارث العنبري البصري (حدثنا همام) بن يحيى بن دينار العوذي، مولاهم مولى عوذ بن سود بن الحجر بن عمران أبو عبد الله البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٢) بابا (حدثنا قتادة) بن دعامة السدوسي البصري (عن أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة قتادة لأبي قلابة (قال) أنس: (كان لرسول الله ﷺ سواق (حاد) أي مادح للإبل لتنشط في السير (حسن الصوت) فحدا الإبل وعليها أزواج النبي ﷺ (فقال له): أي لذلك الحادي (رسول الله ﷺ رويدًا) أي أرود إروادًا في سوق الإبل وارفق بها إرفاقًا (يا أنجشة لا تكسر القوارير) قال أنس: (يعني) النبي ﷺ بالقوارير (ضعفة النساء).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث أنس ﵁ فقال:
٥٨٨٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه) محمد (ابن بشار) العبدي البصري (حدثنا أبو داود) الطيالسي سليمان بن داود بن الجارود البصري (حدثنا هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي (عن قتادة عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ غرضه بيان متابعة هشام لهمام (و) لكن (لم يذكر) هشام في روايته (حاد حسن الصوت) بل قال: كان لرسول الله ﷺ غلام يقال له أنجشة.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الخامس من الترجمة بحديث آخر لأنس ﵁ فقال:
стр. 9729
٥٨٨٩ - (٢٣٠٠) (٥٥) حدَّثنا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي النَّضْرِ. قَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، (يَعْنِي هَاشِمَ بْنَ الْقَاسِمِ)، حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ الْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ. فَمَا يُؤْتَى بإِنَاءٍ إِلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا. فَرُبَّمَا جَاؤُوهُ فِي الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ فَيَغْمِسُ يَدَهُ فِيهَا
ــ
٥٨٨٩ - (٢٣٠٠) (٥٥) (حدثنا مجاهد بن موسى) بن فروخ الخوارزمي أبو علي الختلي البغدادي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٢) النكاح والمناقب (وأبو بكر) محمد (بن النضر بن أبي النضر) هاشم بن القاسم البغدادي، ثقة، من (١١) روى عنه في (٧) أبواب (وهارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي المعروف بِالحَمَّال بالمهملة، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (جميعًا) أي كل من الثلاثة رووا (عن أبي النضر) هاشم بن القاسم لكن (قال أبو بكر: حدثنا أبو النضر) بصيغة السماع (يعني) أبو بكر بأبي النضر (هاشم بن القاسم) بن مسلم بن مقسم الليثي مولاهم البغدادي، الحافظ مشهور بكنيته، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (حدثنا سليمان بن المغيرة) القيسي مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٩) (عن ثابت) البناني (عن أنس بن مالك) الأنصاري ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أنس: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة) أي صلاة الصبح (جاء خدم) أهل (المدينة) جمع خادم يطلق على الذكر والأنثى أي جاؤوا إلى النبي ﷺ (بآنيتهم) جمع إناء كالقدح والإبريق والكأس والطست التي (فيها الماء فما يؤتى) النبي ﷺ بالبناء للمفعول (بإناء) من تلك الأواني (إلا غمس) وأدخل (يده) الشريفة (فيها) أي في تلك الأواني أي في ماءها (فربما جاؤوه) أي فكثيرًا ما جاء خدم أهل المدينة النبي ﷺ (في الغداة الباردة) أي في البكرة ذات البرد الشديد بالأواني التي فيها المياه الباردة (فيغمس) أي فيدخل (يده) الشريفة (فيها) أي في تلك الأواني المشتملة على المياه الباردة وفاءً لهم لطلباتهم فلا يمنعه البرد الشديد من إدخال يده فيها يعني أن النبي ﷺ لم يكن يمنعه البرد من تحقيقه آمال أصحابه فكان يتحمل العناء والتعب بنفسه لقضاء حوائجهم وإنما كانوا يفعلون ذلك تبركًا بما لمسه النبي صلى
стр. 9730
٥٨٩٠ - (٢٣٠١) (٥٦) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا أَبُو النَّضرِ. حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ. قَال: لَقَدْ رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالْحَلَّاقُ يَحْلِقُهُ. وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ. فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلَّا فِي يَدِ رَجُلٍ
ــ
الله عليه وسلم وأدخل يده المباركة فيه، وفيه حسن خلقه ﷺ ومشاركته الجميع وإجابته دعوة الصغير والكبير كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ قال النووي: في هذه الأحاديث بيان بروزه ﷺ للناس وقربه منهم ليصل أهل الحقوق إلى حقوقهم ويرشد مسترشدهم ليشاهدوا أفعاله وحركاته فيقتدى بها وهكذا ينبغي لولاة الأمور.
وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن أصحاب الأمهات لكن شاركه أحمد في مسنده [٣/ ١٣٧].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث آخر له ﵁ فقال:
٥٨٩٠ - (٢٣٠١) (٥٦) (حدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) روى عنه في (١١) بابا (حدثنا أبو النضر) هاشم بن القاسم (حدثنا سليمان) بن المغيرة (عن ثابت) بن أسلم (عن أنس) ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أنس: والله (لقد رأيت رسول الله ﷺ والحلاق) أي والحال أن صاحب الحلق فهو صيغة نسب كتمار وبقال وبزاز (يحلقه) أي يحلق شعر رسول الله ﷺ (و) قد (أطاف) وأحاط (به) أي بالحلاق أو بالنبي ﷺ (أصحابه) ﵃ لأخذ شعره تبركًا به (فما يريدون) أي فيما يُحبون (أن تقع) وتسقط (شعرة) من شعره ﷺ من رأسه (إلا في يد رجل) منهم أي إلا وقوعها في يد رجل منهم لا على الأرض. وفي الحديث دليل ظاهر على التبرك بشعر رسول الله ﷺ وقد ثبت أنه ﷺ قسم شعراته بين أصحابه وما ذلك إلا لأجل التبرك به، وفي الحديث دليل على طهارة شعر الإنسان، وهذا الحديث انفرد به المؤلف عن أصحاب الأمهات لكن أخرجه أحمد في مسنده [٣/ ١٣٧].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أنس بحديث آخر له ﵁ فقال:
стр. 9731
٥٨٩١ - (٢٣٠٢) (٥٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيءٌ. فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي إِلَيكَ حَاجَةً. فَقَال: "يَا أُمَّ فُلانٍ، انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ" فَخَلا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ. حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا
ــ
٥٨٩١ - (٢٣٠٢) (٥٧) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٩) بابا (عن حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (عن ثابت) بن أسلم (عن أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن امرأة) من الصحابيات تسمى أم زفر وهي ماشطة خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها كذا في النسيم (كان في عقلها شيء) من النقص (فقالت: يا رسول الله: إن لي إليك حاجة) أي خفية عن الناس (فقال) لها رسول الله ﷺ : (يا أم فلان) أي يا أم زفر (انظري) أي اختاري (أي السكك) أي أي الزقاق (شئت) أي أردت فعيّني لي (حتى أقضي) وأتمم لك فيها (حاجتك) فعينت له زقاقًا من الأزقة (فخلا معها) أي وقف معها (في بعض الطرق) أي في طريق مسلوك للناس ليقضي حاجتها ويفتيها في الخلوة (حتى فرغت من حاجتها) واستفتائها ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية فإن هذا كان في ممر الناس ومشاهدتهم إياه وإياها لكن لا يسمعون كلامها لأن مسألتها مما لا يظهره والله أعلم اهـ نووي. وفي الحديث من كمال تواضعه ﷺ ما لا يخفى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٩٨]، والبخاري أخرجه في رقم [٦٠٧٢]، وأبو داود [٤٨١٩]، والترمذي [٣٢٤] في الشمائل، وابن ماجه [٤١٧٧].
قال القرطبي: وموافقة النبي ﷺ لمن يطلب منه غمس يده في الماء وللجارية التي كلمته في الطريق دليل على كمال حُسن خُلقه وتواضعه وإسعاف منه لمن طلب منه ما يجوز طلبه وإن شق ذلك عليه ويحصل لهم أجر على نياتهم وبركة في أطعمتهم وقضاء حاجاتهم وقد كانت الأمة تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت من المدينة وهذا كمال لا يعرفه إلا الذي خصه به والله أعلم اهـ من المفهم.
جملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث اثنا عشر: الأول: حديث أنس
стр. 9732
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني: حديث أنس الثاني ذكره للاستشهاد به للأول، والثالث: حديث عائشة ذكره للاستشهاد به، والرابع: حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد أيضًا وذكر فيه متابعة واحدة، والخامس: حديث جرير بن عبد الله ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والسادس: حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والسابع: حديث عبد الله بن عمرو ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثامن: حديث جابر بن سمرة ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة، والتاسع: حديث أنس الثالث ذكره للاستدلال به على الجزء الرابع من الترجمة وذكر فيه خمس متابعات، والعاشر: حديث أنس الرابع ذكره للاستدلال به على الجزء الخامس من الترجمة، والحادي عشر: حديث أنس الخامس ذكره للاستشهاد، والثاني عشر: حديث أنس السادس ذكره للاستشهاد والله أعلم.
***
стр. 9733
٦٩٢ - (٦) باب بعداه ﷺ من الإثم واختياره أيسر الأمور وانتقامه لله تعالى وطيب رائحته ولين مسه وطيب عرقه والتبرك به وعرقه حين يأتيه الوحي وبيان كيفية إتيانه
٥٩٩٩ - (٧٧) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيهِ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهَا قَالتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَينَ أَمْرَينِ إِلَّا أَخَذَ أَيسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا. فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ
ــ
٦٩٢ - (٦) باب بعداه ﷺ من الإثم واختياره أيسر الأمور وانتقامه لله تعالى وطيب رائحته ولين مسه وطيب عرقه والتبرك به وعرقه حين يأتيه الوحي وبيان كيفية إتيانه
٥٨٩٢ - (٢٣٠٣) (٥٨) (حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس) الإمام في الفروع الأصبحي المدني، ثقة ثبت، إمام حجة، من (٧) روى عنه في (١٧) بابا (فيما قرئ عليه) فهو بمنزلة أخبرنا (ح وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال) يحيى بن يحيى: (قرأت على مالك) بن أنس فهو بمعنى أخبرني مالك حالة كونه راويًا لي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (٢٣) بابا (عن عروة بن الزبير) الأسدي المدني، ثقة، من (٢) روى عنه في (٢٠) بابا (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها (زوج النبي ﷺ وهذا السند من خماسياته (أنها قالت: ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين) الظاهر التخيير في أمور الدنيا يعني أنه كلما خَيّره أحد من الناس بين أمرين أو وقع له التردد بين أمرين (إلا أخذ) واختار (أيسرهما) وأسهلهما عليه، قال القرطبي: نعني أنه ﷺ كان إذا خيره أحد في شيئين يجوز له فعل كل واحد منهما أو عُرضت عليه مصلحتان مال إلى الأيسر منهما وترك الأثقل أخذًا بالسهولة لنفسه وتعليمًا لأمته (ما لم يكن) ذلك الأيسر (إثمًا فإن كان) الأيسر (إثمًا كان) ﷺ (أبعد الناس منه) أي من ذلك الأيسر الذي كان إثمًا أي ترك ذلك الأيسر الذي كان إثمًا وأخذ الآخر وإن كان هو الأثقل، قوله: (إلا أخذ أيسرهما) فيه الأخذ بالأيسر وترك التكلف، ثم التخيير يحتمل
стр. 9734
وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ، إِلَّا أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ
ــ
أنه من الله تعالى في عقوبتين أو فيما بينه وبين الكفار في القتل أو أخذ الجزية أو فيما يخيّره فيه المنافقون من الموادعة والمحاربة أو في حق أمته من الشدة في العبادة أو القصد فيختار في كل هذا الأخذ بالأيسر اهـ (ع)، قال الأبي: (قلت): التخيير بين أمرين هو أعم من كونهما فيما يرجع إليه أو يرجع إلى غيره فإن كان الأول فهو يرجع إلى حُسن خُلقه ﷺ وإن كان الثاني فهو من باب الرفق كما لو أمره الله تعالى بتخيير رجل في التكفير بالعتق أو بالصوم فإنه يختار له الصوم وقد يرجع الأول إلى الرفق أيضًا كما لو خيّره إنسان بين أن يقبل منه هدية كثيرة أو شيئًا أقل فإنه يختار الأقل اهـ منه.
وإنما اختار أيسرهما لأن ذلك أوفق بالعبدية والتواضع لله تعالى لأن من يرجح الأصعب والأشق باختياره فكأنه يدّعي لنفسه الشجاعة والجلادة وذلك مخالف لمقتضى العبدية والتواضع وأيضًا ففي اختيار الأصعب إيقاع للنفس في أمور ربما لا يطيقها الإنسان وهذا مخالف لحقوق النفس والله أعلم اهـ. قوله: (ما لم يكن) ذلك الأيسر (إثمًا) قال القاضي عياض: إن كان التخيير من الله تعالى فالاستثناء منقطع لأن الله تعالى لا يُخيّر في إثم وكذلك من الأمة وإن كان من المنافق فالاستثناء على وجهه اهـ (وما انتقم) وعاقب (رسول الله ﷺ أحدًا (لنفسه) أي من أجل نفسه ومن أجل تسكين عواطف الانتقام فقط فلا يرد عليه ما أمر به من قتل عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن خطل فإنه إنما كان عقوبة لانتهاكهم وارتكابهم حرمات الله تعالى أي ما حرمه الله تعالى من الشرك وإيذاء النبي ﷺ كما قالت: (إلا أن تُنتهك) وتُرتكب (حرمة الله) أي ما حرمه الله وكذلك اقتصاصه ممن لدّه في مرض وفاته إنما كان تأديبًا لهم وصيانة لأنفسهم من عقوبة الله المحتملة بسبب تأذي النبي ﷺ . قال القرطبي: وقولها: (ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك) .. إلخ تعني أنه كان يصبر على جهل من جهل عليه ويتحمل جفاءه ويصفح عمن آذاه في خاصة نفسه كصفحه عمن قال: يا محمد اعدل، فإن هذه قسمة ما أُريد بها وجه الله تعالى وما عدلت منذ اليوم، وكصفحه عن الذي جبذ رداءه عليه حتى شقه وأثّر
стр. 9735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في عنقه فإن قيل: فأذاه انتهاك حرمة من حرم الله تعالى فكيف يترك الانتقام لله تعالى فيها، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة / ٦١] فالجواب أنه ﷺ ترك الانتقام ممن آذاه استئلافًا وتركًا لما يُنفّر عن الدخول في دينه كما قال ﷺ : "لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" كما سبق تخريجه، وقد قال مالك: كان رسول الله ﷺ يعفو عمن شتمه مشيرًا إلى ما ذكرنا وإذا تقرر هذا فمراد عائشة رضي الله تعالى عنها بقولها: (إلا أن تنتهك حرمة الله) الحرمة التي لا ترجع لحق النبي ﷺ كحرمة الله وحرمة محارمه فإنه كان يقيم حدود الله على من انتهك شيئًا منها ولا يعفو عنها كما قال في حديث السارقة "لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها" متفق عليه، لكن ينبغي أن يُفهم أن صفحه عمن آذاه كان مخصوصًا به وبزمانه لما ذكرناه وأما بعد ذلك فلا يُعفى عنه بوجه، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على أن من سب النبي ﷺ كفر واختلفوا هل حكمه حكم المرتد؟ فيستتاب أو حكم الزنديق لا يستتاب؟ وهل قتله للكفر أو للحد؟ فجمهورهم على أن حكمه حكم الزنديق لا تقبل توبته وهو مشهور مذهب مالك وقول الشافعي وأحمد وإسحاق ورأوا أن قتله للحد ولا ترفعه التوبة لكن تنفعه عند الله تعالى ولا يسقط حد القتل عنه، وقال أبو حنيفة والثوري: هي كفر وردة وتُقبل توبته إذا تاب وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك.
واختلفوا في الذمي إذا سبه بغير الوجه الذي به كفر فعامة العلماء على أنه يُقتل لحق النبي ﷺ وأبو حنيفة والثوري والكوفيون لا يرون قتله، قالوا: ما هو عليه من الكفر أشد، واختلف أهل المدينة وأصحاب مالك في قتله إذا سبه بالوجه الذي به كفر من تكذيبه وجحد نبوته، والأصح الأشهر قتله واختلفوا في إسلام الكافر بعد سبه هل يسقط ذلك القتل عنه أم لا؟ والأشهر عندنا سقوطه لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله، وحكى أبو محمد بن نصر في درء القتل عنه بالإسلام روايتين اهـ.
ويستفاد من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ترغيب الحكام وولاة الأمور في الصفح عمن جهل عليهم وجفاهم والصبر على أذاهم كما كان النبي ﷺ يفعل وأن الحاكم لا يحكم لنفسه، وقد أجمع العلماء على أن القاضي لا يحكم لنفسه
следующие страницы →