← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 9906–9945 · переход к 9911.

стр. 9906

قَال إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَال سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ [الكهف: ٦٦ - ٦٩] ــ الشرعية والقضاء بظاهرها وكان علم الخضر علم بعض الغيب ومعرفة البواطن اهـ من الحدائق، فأجاب الخضر لموسى إلى ما سأله بما يقتضي أن ذلك ممكن لولا المانع الذي من جهتك وهو عدم صبرك ف (قال) جازمًا في قضيته لما علمه من حاله (إنك) يا موسى (لن تستطيع معي صبرًا) أي لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي لأن الظواهر التي هي علمك لا توافق ذلك فإني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمكه لا أعلمه أنا، ثم أكد ذلك مشيرًا إلى علة عدم الاستطاعة فقال: (وكيف تصبر) يا موسى وتسكت (على ما لم تحط به خبرًا) أي علمًا، وخبرًا تمييز محول عن الفاعل أي لم يحط به خبرك أي علمك أو منصوب على أنه مصدر معنوي لتحط لأن قوله لم تحط معناه لم تخبر فكأنه قال لم تخبره خبرًا وإليه أشار مجاهد، والخبر بضم الخاء وسكون الباء العلم بالشيء والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها وبما يحتاج إلى الاختبار منها، والاستفهام فيه إنكاري بمعنى النفي أي لا تصبر على ذلك أي وكيف تصبر وأنت نبي على ما أقول من أمور ظواهرها منكرة وبواطنها مجهولة، والرجل الصالح العالم لا يتمالك أن يصبر إذا رأى ذلك بل يبادر بالإنكار اهـ من الحدائق (قال) موسى للخضر: (ستجدني إن شاء الله) تعالى صبري معك (صابرًا) معك ملتزمًا طاعتك (و) ستجدني (لا أعصي لك أمرًا) أي لا أخالف أمرًا لك تأمرني به غير مخالف لظاهر أمر الله وشرعه. فجملة قوله: (لا أعصي) معطوفة على (صابرًا) فيكون التقييد بقوله: (إن شاء الله) شاملًا للصبر ونفي المعصية كما أشرنا إليه في الحل أي ستجدني صابرًا وغير عاص أي لا أخالفك في شيء ولا أترك أمرك فيما أمرتني به اهـ من الحداثة، وقوله: (إن شاء الله) تفويض أمره إلى الله تعالى في الصبر وجزم بنفي المعصية وإنما كان منه ذلك لأن الصبر أمر مستقبل ولا يدري كيف يكون حاله فيه، ونفي المعصية معزوم عليه حاصل في الحال فالاستثناء فيه ينافي العزم عليه والله تعالى أعلم اهـ من المفهم، ويمكن أن يفرق بينهما بأن الصبر ليس مكتسبًا لنا بخلاف فعل المعصية وتركها فإن ذلك كله مكتسب لنا اهـ من المفهم، وفي الحدائق وتعليق الوعد بالمشيئة إما طلبًا لتوفيقه في الصبر ومعونته أو تيمنًا أو علمًا منه بشدة الأمر وصعوبته فإن الصبر من مثله عند مشاهدة الفساد شديد جدًا لا يكون إلا بتأييد الله تعالى، وقبل: إنما استثنى لأنه لم يكن على ثقة فيما التزم من الصبر وهذه عادة الصالحين اهـ منه.

стр. 9907

قَال لَهُ الخضِرُ: ﴿قَال فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠]. قَال: نَعَم. فَانطَلَقَ الخضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البحرِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَة، فَكَلَّمَاهُم أَن يَحْمِلُوهُمَا، فَعَرَفُوا الخضِرَ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيرِ نَولٍ ــ (قال له الخضر) لموسى: (فإن اتبعتني) أي فإن صحبتني لأخذ العلم وهو إذن له في الاتباع، والفاء لتفريع الشرطية على ما مر من التزامه للصبر والطاعة (فلا تسألني عن شيء) تشاهده من أفعالي وتنكره مني في نفسك أي لا تفاتحني بالسؤال عن حكمته فضلًا عن المناقشة والاعتراض (حتى أحدث) وأخبر (لك منه) أي من حكمة ذلك الشيء الذي فعلته (ذكرًا) أي إخبارًا أي حتى ابتدئ لك ببيانه، وفيه إيذان بأن كل ما صدر منه فله حكمة وغاية حميدة ألبتة، وهذا من آداب المتعلم مع العالم والتابع مع المتبوع، وهذه الجمل المعنوية (قال): و (قال) مستأنفة استئنافًا بيانيًا لأنها جوابات عن سؤالات مقدرة كل واحدة ينشأ السؤال عنها مما قبلها اهـ من الحدائق، قال القرطبي: هذا من الخضر تأديب وإرشاد لما يقتضي دوام الصحبة ووعد بأنه يعرفه بأسرار مايراه من العجائب فلو صبر ودأب لرأى العجب لكنه أكثر من الاعتراض فتعين الفراق والإعراض اهـ من المفهم، والمعنى: قال له الخضر: إن سرت معي فلا تفاتحني في شيء أنكرته علي حتى ابتدئ بذكره فأبين له وجه صوابه فإني لا أقدم على شيء إلا وهو صواب جائز في نفس الأمر وإن كان ظاهره غير ذلك فقبل موسى شرطه رعاية لأدب المتعلم مع العالم اهـ من الحدائق (قال) موسى للخضر: (نعم) لا أسألك عن شيء فعلته حتى تخبرني عنه ذكرًا فتوافقا على ذلك الشرط فانطلقا، والفاء في قوله: (فانطلق) للإفصاح لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إذا عرفت ما شرط الخضر على موسى وقبول موسى ذلك الشرط وأردت بيان ما فعلا بعد ذلك فأقول لك: انطلق (الخضر وموسى) أي ذهبا بعد اتفاقهما حالة كونهما (يمشيان) بأرجلهما (على ساحل البحر) وجانبه طلبًا للسفينة ليركباها، وأما يوشع فقد صرفه موسى إلى بني إسرائيل أوكان معهما، وإنما لم يذكر في الآية لأنه تابع لموسى فاكتفى بذلك المتبوع من ذكر التابع اهـ منه (فمرت بهما سفينة فكلماهم) أي كلم الخضر وموسى أهل السفينة وسألاهم (أن يحملوهما) ويركبوهما على السفينة (فعرفوا الخضر فحملوهما) أي أركبوهما (بغير نول) أي بغير أجرة، والنول

стр. 9908

فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِن أَنوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ. فَقَال لَهُ مُوسَى: قَوم حَمَلُونَا بِغَيرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِم فَخَرَفتَهَا لِتُغرِقَ أَهْلَهَا. ﴿جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا (٧١) قَال أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ــ والنوال: العطاء اهـ نووي (فـ) لما ركبا (عمد الخضر) أي قصد (إلى) نزع (لوح) أي إلى قلع لوح (من ألواح السفينة فنزعه) أي قلع ذلك اللوح من السفينة أي ثقبها الخضر وشقها لما بلغوا اللج أي معظم الماء حيث أخذ فأسًا فقلع بغتة أي على غفلة من القوم من ألواحها لوحين مما يلي الماء فجعل موسى يسد الخرق بثيابه وأخذ الخضر قدحًا من زجاج ورقع به خرق السفينة أي سده بخرقة، رُوي أنه لما خرق السفينة لم يدخلها الماء (فقال له) أي للخضر (موسى) ﵉ هم (قوم حملونا بغير نول) أي بغير أجر، قال القرطبي: وفيه قبول الرجل الصالح ما يكرمه به من يعتقد فيه صلاحًا ما لم يتسبب هو بإظهار صلاحه لذلك فيكون قد أكل دينه وذلك محرم وربا اهـ مفهم (عمدت) أي قصدت (إلى سفينتهم فخرقتها لتنرق أهلها) أي لتهلك ركابها بالماء فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها وهم قد أحسنوابنا حيث حملونا بغير أجرة وليس هذا جزاءهم، فاللام لام العاقبة، وقيل: لام العلة اهـ من الحدائق، والله ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا﴾ أي والله لقد أتيت وفعلت يا خضر شيئًا عجيبًا عظيمًا شديدًا على القوم، قال في القاموس: أمر إمر منكر عجيب، يقال: أمر الأمر إذا كبر، والأمر الاسم منه، وقال أبو عبيدة: الإمر الداهية العظيمة ﴿قَال﴾ الخضر لموسى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ﴾ الاستفهام فيه للتقرير أي قد قلت لك ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أي لا تقدر صبرًا معي فيما ترى مما أفعل وهو تذكير لما قاله أولًا متضمن للإنكار على عدم الوفاء بوعده، وفي رواية الربيع بن أنس عند ابن أبي حاتم إن موسى لما رأى ذلك امتلأ غضبًا وشد ثيابه وقال: أردت إهلاكهم ستعلم أنك أول هالك، فقال له يوشع: ألا تذكر العهد، فأقبل عليه الخضر فقال: ألم أقل لك، فأدرك موسى الحلم فـ (قال) موسى للخضر: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ وإن الخضر لما خلصوا قال لصاحب السفينة: إنما أردت الخير فحمدوا رأيه وأصلحها الله على يديه ذكره الحافظ في الفتح، والمعنى أي لا تؤاخذني بنسياني وصيتك بعدم السؤال من حكمة الأفعال قبل البيان فإنه لا مؤاخذة على الناس فما مصدرية، ويحتمل كونها موصولة أي لا تؤاخذني بالذي نسيته وهو قول الخضر: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ

стр. 9909

وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾ [الكهف: ٧١ - ٧٣]، ثُم خَرَجَا مِنَ السفِينَةِ، فَبَينَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى الساحِلِ إِذَا غُلام يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ. فَأخَذَ الْخَضِرُ بِرَأسِهِ، فَاقتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ. فَقَال مُوسَى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً ــ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ أي لا تكلفني يا خضر ولا تحملني ﴿مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ أي ما لا أقدر عليه من التحفظ عن النسيان حيث وقع، والمعنى قال موسى للخضر: لا تؤاخذني بما غفلت عن التسليم لك وترك الإنكار عليك ولا تكلفني مشفة ولا تضيق على أمري ولا تعسر علي متابعتك بل يسرها بالإغضاء وترك المناقشة فإني أريد صحبتك ولا سبيل لي إليها إلا بذلك (ثم خرجا) أي خرج الخضر وموسى (من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل) أي على ساحل البحر وجانبه، فكلمة بينما هي بين زيدت فيها ما فلزمت الإضافة إلى الجملة كما مر بسط الكلام فيها في أوائل كتاب الإيمان، جملة (إذا غلام يلعب مع الغلمان) جوابها، وإذا فجائية رابطة لجوابها؛ والمعنى فبينما أوقات مشيهما على الساحل فاجأهما غلام يلعب مع الغلمان، قال القرطبي: الغلام من الرجال من لم يبلغ وتقابله الجارية في النساء، قال الكلبي: اسم هذا الغلام شمعون، وقال الضحاك: حيسون، وقال وهب: اسم أبيه سلاس واسم أمه رُحمى، وقال ابن عباس: كان شابًّا يقطع الطريق فلعل هذا القول لم يصح عن ابن عباس، بل الصحيح عنه أنه كان لم يبلغ (فأخذ) هـ (الخضر) من بينهم وهم عشر صبيان يلعبون بين قريتين وكان وضيء الوجه (برأسه فاقتلعه) الخضر (بيده) أي قلع رأسه من جسده بيده (فقتله) الخضر أي فقتله بذبحه مضطجعًا بالسكين أو بفتل عنقه، وقال الحافظ ابن حجر: يجمع بين الروايتين بأنه ذبحه ثم اقتلع رأسه، وقيل معنى قتله أشار باصابعه الثلاث الإبهام والسبابة والوسطى وقلع رأسه كما قال رسول الله ﷺ : "ثم خرجا من السفينة فبينما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب من الغلمان فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله" كذا في الصحيحين برواية أبي بن كعب ﵁ ولكن لم يبين القرآن كيف قتله؛ أحز رأسه أم ضرب رأسه بالجدار أم بطريق آخر؟ وعلينا أن لا نهتم بذلك إذ لو علم الله فيه خيرًا لنا لذكره ولكن بينته السنة كما ذكرنا آنفًا (فقال موسى) للخضر: (أقتلت) يا خضر؟ والاستفهام فيه للتوبيخ المضمن للإنكار أي هل قتلت يا خضر (نفسًا زاكية) أي طاهرة من الذنوب لأنها صغيرة لم تبلغ

стр. 9910

بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا (٧٤) قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٤ - ٧٥]؟ قَال: وَهذِهِ أَشَدُّ مِنَ الأُولَى. ﴿قَال إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ــ الحنث أي الإثم والذنب وهو قول الأكثرين ﴿بِغَيرِ﴾ مقابلة ﴿نَفْسٍ﴾ أخرى قتلتها هذه النفس المقتولة لك أي بغير قتلها نفسًا محرمة يعني لم تقتل نفسًا فيقتص منها، وخص هذا من بين مبيحات القتل كالكفر بعد الإيمان والزنا بعد الإحصان لأنه أقرب إلى الوقوع بالنظر إلى حال الغلام اهـ من الحدائق، وفي قراءة (زكية) بإسقاط الألف وتشديد الياء وهي بمعناها لكنها أبلغ من زاكية لأن فعيلًا المحول عن فاعل يدل على المبالغة، وعن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا" متفق عليه وهذا لفظ مسلم. والله ﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾ وفعلت يا خضر ﴿شَيئًا نُكْرًا﴾ أي شيئًا منكرًا أنكر من الأول لأن ذلك كان خرقًا يُمكن تداركه بالسد وهذا لا سبيل إلى تداركه؛ والمعنى أي والله لقد فعلت شيئًا تنكره العقول وتنفر منه النفوس وإنما قال هنا: ﴿نُكْرًا﴾ وقال هناك: (إمرًا) لأن قتل الغلام أقبح من خرق السفينة لأن ذلك لم يكن إهلاكًا لنفس إذ ربما لا يحصل الغرق وفي هذا إتلاف النفس قطعًا فكان أنكر اهـ من الحدائق (قال) الخضر لموسى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ يا موسى، والهمزة فيه للاستفهام التقريري المضمن للتوبيخ لموسى على ترك الوصية، زاد هنا لفظة ﴿لَكَ﴾ على سابقه لتشديد العتاب على رفض الوصية لأنه قد نقض العهد مرتين. قال القرطبي: ذكر ﴿لَكَ﴾ في هذه المرة ولم يذكرها في المرة الأولى مقابلة له على قلة احترامه في هذه المرة فإن مقابلته بـ ﴿لَكَ﴾ مع كاف خطاب المفرد يُشعر بقلة احترامه والله أعلم اهـ من المفهم. ﴿إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَال﴾ النبي ﷺ : (وهذه) المقالة الثانية يعني قوله: ألم أقل لك (أشد) أي أوكد (من) المقالة (الأولى) يعني ألم أقل بلا زيادة لك، في العتاب بزيادة لفظة ﴿لَكَ﴾ في هذه دون الأولى حين تكرر منه الاشمئزاز والاستكبار مع عدم الارعواء بالتذكير أول مرة، قال البغوي: رُوي أن يوشع كان يقول لموسى: اذكر العهد الذي أنت عليه، وفي البخاري قال: لا يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر حتى يقص علينا من أمرهما" ﴿قَال﴾ موسى للخضر: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا﴾ أي بعد هذه المرة أو بعد هذه النفس المقتولة ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾

стр. 9911

قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَال لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا (٧٧)﴾ [الكهف: ٧٦ - ٧٧]، يَقُولُ مَائِلٌ، قَال الْخَضِرُ بِيَدِهِ هكَذَا، فَأقَامَهُ، ــ ولا ترافقني أي لا تجعلني صاحبًا لك ولا تكن مرافقًا معي بل أبعدني عنك وإن سألت صحبتك، نهاه عن مصاحبته مع حرصه على التعليم لظهور عذره ولذا قال: ﴿قَدْ بَلَغْتَ﴾ ووجدت ﴿مِنْ لَدُنِّي﴾ أي من قبلي ﴿عُذْرًا﴾ أي سببًا تعتذر به في فراقي وطردي حيث خالفتك مرة بعد أخرى أي قد كنت عندي معذورًا في فراقي، وهذا كلام نادم أشد الندم قد اضطره الحال إلى الاعتراف وسلوك سبيل الإنصاف، والعذر بضمتين وسكون الذال في الأصل تحري الإنسان ما يمحو به ذنوبه بان يقول لم أفعل أو فعلت لأجل كذا أو فعلت فلا أعود، وهذا الثالث هو التوبة فكل توبة عذر بلا عكس، والاعتذار عبارة عن محو أثر الذنب اهـ من الحدائق ﴿فَانْطَلَقَا﴾ أي فانطلق الخضر وموسى ﵉ بعد المرتين الأوليين بعدما شرطا ذلك (حتى إذا أتيا) ووصلا (أهل قرية) لئام أي بخلاء، قال قتادة: القرية أيلة أو أنطاكية، وقيل برقة، وقيل قرية من قرى أذربيجان، وقيل قرية من قرى الروم أي وصلاهم بعد الغروب في ليلة باردة (استطعما أهلها) أي طلبا من أهلها أن يطعموهما ضيافة، قيل: لم يسألاهم ولكن نزولهما عندهم كالسؤال منهم، ووضع الظاهر موضع المضمر لزيادة التأكيد أو لكراهة اجتماع الضميرين في هذه الكلمة أو لزيادة التشنيع على أهل القرية بإظهارهم (نأبوا) أي فأبى أهل القرية وامتنعوا ﴿أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ أي أن يطعموهما ﴿فَوَجَدَا﴾ أي فوجد الخضر وموسى ﵉ ﴿فِيهَا﴾ أي في تلك القرية ﴿جِدَارًا﴾ أي حائطًا مائلًا ﴿يُرِيدُ﴾ أي يوشك أن ينقض أي أن يسقط فمسحه الخضر بيده (فأقامه) أي أقام الخضر الجدار بالإشارة بيده فاستقام أو هدمه ثم بناه، وفسر الراوي قوله: (يريد أن ينقض) بقوله: (يقول): أي يريد الله سبحانه أي يعني الله بقوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ هو (مائل) أي ذلك الجدار مائل قريب إلى السقوط، فـ ﴿قَال﴾ الخضر) أي أشار الخضر إليه (بيده هكذا فأقامه) أي أثبته، قال القرطبي: الجدار الحائط، وينقض يسقط، ووصفه بالإرادة مجاز مستعمل لأن الجدار ليس له حقيقة الإرادة ومعناه قرب إلى الانقضاض وهو السقوط، وقد فسره في الحديث بقوله: (يقول مائل) فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن وهو مذهب الجمهور، ومما يدل على

стр. 9912

قَال لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَينَاهُم فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا، لَو شِئتَ لَتَخِذتَ عَلَيهِ أجْرًا ــ استعمال ذلك المجاز وشهرته قول الشاعر: يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل وقال آخر: إن دهرًا يلف شملي بسلمى ... لزمان يهم بالإحسان وقال آخر: في مهمه فلقت به هاماتنا ... فلق الفؤوس إذا أردن نصولا والنصول هنا: الثبوت في الأرض من قولهم نصل السهم إذا ثبت في الرمية فشبه وقع السيوف على رؤوسهم بوقع الفؤوس في الأرض الشديدة فإن الفأس يقع فيها ويثبت ولا يكاد بخرج، والمجاز موجود في القرآن والسنة كما هو موجود في كلام العرب لأنهما عربيان وقد استوفينا مباحث هذه المسألة في الأصول اهـ من المفهم. وقوله: (قال الخضر) أي أشار إلى الجدار (بيده هكذا) أي إلى الاستقرار وعدم السقوط (فأقامه) أي فأثبته ومنعه من السقوط ففيه تعبير عن الفعل بالقول وهو شائع اهـ نووي، وقوله: (قال بيده هكذا فأقامه) يعني به أشار إليه بيده فقام، فيه دليل على كرامات الأولياء وكذلك كل ما وُصف من أحوال الخضر في هذا الحديث وكلها أمور خارق للعادة هذا إذ تنزلنا على أنه ولي لا نبي، وقد اختلف فيه أئمة أهل السنة والظاهر من مساق القصة واستقراء أحواله مع قوله: (وما فعلته عن أمري) أنه نبي يوحى إليه بالتكليف والأحكام كما أوحي إلى الأنبياء غيره غير أنه ليس برسول وهذا هو القول الراجح فيه لأن خير الأمور أوسطها اهـ من المفهم. (قال له): أي للخضر (موسى) هم (قوم أتيناهم فلم يضيفونا ولم يطعمونا) الطعام ﴿لَوْ شِئْتَ﴾ يا خضر ﴿لَاتَّخَذْتَ﴾ بوزن علمت أي لأخذت هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرون ويعقوب وقراءة غيرهم ﴿لَاتَّخَذْتَ﴾ وهما لغتان بمعنى واحد من الأخذ وهذه المقالة صدرت من موسى سؤالًا على سبيل العرض وهو الطلب برفق ولين لا على سبيل الاعتراض ﴿عَلَيهِ﴾ أي على عملك هذا الذي هو إقامة الجدار بالإشارة ﴿أَجْرًا﴾ أي أجرة

стр. 9913

قَال: ﴿قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا (٧٨)﴾ [الكهف: ٧٨]. قَال رَسُولُ الله ﷺ : "يَرحَمُ الله مُوسَى، لَوَدِدتُ أنهُ كَانَ صَبَرَ حَتى يُقَصَّ عَلَينَا مِن أَخبَارِهِمَا". قَال: وَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "كَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا". قَال: "وَجَاءَ عُصفُور حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، ثم نَقَرَ فِي الْبَحرِ. فَقَال ــ حتى تشتري بها طعامًا أي كان ينبغي لك أن تأخذ منهم أجرًا على عملك لتقصيرهم فينا مع حاجتنا وليس لنا في إصلاح الجدار فائدة فهو من فضول العمل فـ (قال) الخضر لموسى: (هذا) الوقت (فراق بيني وبينك) أي وقت الفراق بيني وبينك أو هذا الاعتراض الثالث منك سبب الفراق الموعود بقولك: (فلا تصاحبني) ﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ أي سأخبرك والسين للتأكيد لعدم تراخي التنبئة ﴿بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾ أي بعاقبة ومآل ما لم تقدر يا موسى صبرًا عليه من الأفعال الثلاثة التي صدرت مني وهي: خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، ومالمها خلاص السفينة من اليد الغاصبة، وخلاص أبوي الغلام من شره مع الفوز ببدل حسن، واستخراج اليتيمين الكنز، وذكر الثعلبي أن الخضر قال لموسى: أتلومني على خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، ونسيت نفسك حين ألقيت في البحر، وحين قتلت القبطي، وحين سقيت أغنام ابنتي شعيبًا احتسابًا ذكره الحافظ في فتح الباري، قال أبي بن كعب بالسند السابق (قال رسول الله ﷺ : يرحم الله موسى) ويسامح له عن استعجاله والله (لوددت) وأحببت (أنه كان صبر) على ما فعله الخضر (حتى) يتعلم منه علومًا كثيرة عجيبة فـ (بقص) بالبناء للمجهول أي فيقص الله سبحانه (علينا) في كتابه (من أخبارهما) قصصًا كثيرة عجيبة (قال) أبي بن كعب أيضًا (وقال رسول الله ﷺ : كانت) المعارضة (الأولى من موسى نسيانًا) لعل مراده أن اعتراض موسى على الخضر ﵉ في خرق السفينة كان نسيانًا لما تعاهد عليه من قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ وأما اعتراضه الثاني على قتل الغلام فلم يكن نسيانًا للعهد بل حينما رأى الخضر يرتكب القتل لم يتمالك نفسه وأنكر عليه، وأما الثالث فكان مشورة (قال) رسول الله ﷺ : (وجاء عصفور) من الطير (حتى وقع) وقام (على حرف السفينة) وطرفها (ثم نقر) العصفور أي أدخل منقاره (في) ماء (البحر) ليشرب من مائه (فقال له) أي لموسى:

стр. 9914

لَهُ الْخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلمِ الله إِلا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ" ــ (الخضر ما نقص علمي وعلمك) يا موسى (من علم الله) سبحانه (إلا مثل ما نقص) أي إلا قدر ما نقص (هذا العصفور) بمنقاره (من) ماء (البحر) فكان علمنا كالهباء المنثور بالنسبة إلى علم الله تعالى، ولفظ النقص ليس على ظاهره لأن علم الله تعالى لا يدخله النقص وإنما هو تمثيل للتقريب إلى الأفهام والمراد أن علم المخلوقات بالنسبة إلى علم الله تعالى شيء لا يعتد به، وقد وقع في رواية ابن جريج ما هو صريح في هذا المعنى ولفظه عند البخاري في التفسير (والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر) والروايات يُفسر بعضها بعضًا وهذا التوجيه هو الظاهر المتبادر من غير تكلف فلا حاجة إلى التوجيهات الأخرى التي تكلف بها الشراح وذكرها الأبي والحافظ في كتاب العلم من الفتح. قوله: (يرحم الله موسى لو صبر) قال الأبي: لا يقال القطع إنما كان من الخضر فكيف يقال من موسى لو صبر وإنما القياس أن يقال ذلك في الخضر لأنا نقول إن موسى هو المشروط عليه الصبر ولم يتفق له التمادي عليه اهـ وقال أيضًا: (قوله: ما نقص علمي وعلمك) .. إلخ من المعلوم أن نقر العصفور ينقص من البحر وإن لم يظهر النقص لعظم ماء البحر وحينئذٍ يشكل التشبيه لأنه يقتضي أن النقص يعرض لعلم الله سبحانه وذلك مستحيل فيتعين التأويل، قال القاضي وتأويله أن يكون المراد بالعلم هنا المعلوم وأنه على سبيل التمثيل والتقريب للأفهام فالمعنى ما نسبة معلومي ومعلومك إلى معلومات الله تعالى إلا كنسبة ما نقصه العصفور إلى ماء البحر ولفظ النقص مجاز اهـ وقال النووي: هذا على التقريب للأفهام وإلا فنسبة علمهما أقل وأحقر اهـ، وقال القرطبي: والمراد من التمثيل نفي الأثر والنسبة، والمعنى أن معلومي ومعلومك لا نسبة له إلى معلومات الله تعالى كما أن الذي أخذ العصفور لا أثر له بالنسبة إلى ماء البحر. (قلت): يعني لا أثر لنسبة تظهر وإلا فلما أخذ نسبة في نفس الأمر، والأولى أن يقال إنه على وجه التقريب للأفهام لأن التشبيه إنما يكون بين أمرين متناهيين وما نقص العصفور وماء البحر متناهيان ومعلومات الله تعالى غير متناهية فلا تعقل النسبة إليها، قال القرطبي: أيضًا أو يكون ذلك بالنسبة إلينا أي ما نقص معلومنا مما جهلناه من معلومات

стр. 9915

قَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ: وَكَانَ يَقْرَأ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا. وَكَانَ يَقرَأُ: وَأَما الْغُلامُ فَكَانَ كَافِرًا. ٦٠١٠ - (٠٠) (٠٠) حدثني مُحَمدُ بْنُ عَبْدِ الأَعلَى القَيسِي. حَدَّثَنَا الْمُعتَمِرُ بْنُ سُلَيمَانَ ــ الله تعالى إلا كما نقص هذا العصفور من ماء البحر في التقدير والقلة، وقد جاء ما أشرنا إليه من التمثيل في البخاري قال: (ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ العصفور بمنقاره من البحر) فأوقع العلم موقع المعلوم والمصدر يقع موقع المفعول ومنه قولهم هذا درهم ضرب الأمير أي مضروبه اهـ من الأبي. (قال سعيد بن جبير) الوالبي الكوفي بالسند السابق (وكان) أبي بن كعب ﵁ (يقرأ وكان أمامهم) بدل وراءهم (ملك يأخذ كل سفينة صالحة) بزيادة لفظة صالحة ﴿غَصْبًا﴾ أي بغير حق وهذه قراءة شاذة، ولعلها تفسيرية فإن الإدراجات التفسيرية ربما يسمى قراءآت شاذة، واللفظ الواقع في القرآن الكريم ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ وقد ذكر ابن جريج في روايته عند البخاري أن اسم ذلك الملك هُدَدَ بن بُدَد، وجاء في تفسير مقاتل أن اسمه منولة بن الجلندي بن سعيد الأزدي وهو أول من أظهر الفساد في البحر كما بيناه في الحدائق تحت قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيدِي النَّاسِ﴾ والله أعلم (وكان) أبي بن كعب أيضًا (يقرأ وأما الغلام فكان كافرًا) بزيادة لفظة كافرًا وهذه قراءة شاذة أيضًا، ولا يجوز تسميتها قرآنًا وهي أيضًا قراءة تفسيرية والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ١١٧]، والبخاري في مواضع عديدة منها في التفسير باب فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما .. إلخ [٤٧٢٦]، وأبو داود في السنة باب القدر [٤٧٠٥ إلى ٤٧٠٧]، والترمذي في التفسير باب ومن سورة الكهف [٣١٤٩ و ٣١٥٠]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي بن كعب ﵁ فقال: ٦٠١٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثني محمد بن عبد الأعلى القيسي) أبو عبد الله الصنعاني ثم البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا المعتمر بن سليمان) بن

стр. 9916

التيمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ أَبِي إِسحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ قَال: قِيلَ لابنِ عَبَّاسٍ: إِن نَوفًا يَزْعُمُ أَن مُوسَى الذِي ذَهَبَ يَلْتَمِسُ العِلْمَ لَيسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَال: أَسَمِعْتَهُ يَا سَعِيدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَال: كَذَبَ نَوْف. حدَّثنا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنهُ بَينَمَا مُوسَى، ــ طرخان (التيمي) أبو محمد البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (عن أبيه) سليمان بن طرخان التيمي أبي المعتمر البصري، ثقة، من (٤) روى عنه في (١٣) بابا (عن رقبة) بفتحات بن مصقلة العبدي الكوفي، ثقة، من (٦) روى عن أبي إسحاق السبيعي في ذكر موسى والخضر والقدر، ونافع في القدر، ويروي عنه (خ م دت س) وسليمان التيمي ومحمد بن فضيل وأبو عوانة وابن عيينة، قال أحمد: شيخ ثقة من الثقات مأمون، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال العجلي: ثقة، وكان مفوهًا يعد من رجالات العرب، وقال الدارقطني: ثقة إلا أنه كان له دعابة ومزاح، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة مأمون، وكان يمزح، من السادسة، وليس في مسلم من اسمه رقبة إلا هذا الثقة (عن أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله الكوفي، ثقة، من (٣) (عن سعيد بن جبير) الوالبي الكوفي، ثقة، من (٣) (قال) سعيد: (قيل لابن عباس) ﵄، والقائل له هو نفس سعيد بن جبير كما هو مصرح في الرواية الأولى ولكنه أبهم هنا (إن نوفًا) بن فضالة الحميري البكالي الشامي ابن امرأة كعب الأحبار (يزعم) أي يقول قولًا بلا دليل (أن موسى الذي ذهب) مع الخضر (يلتمس) أي يطلب (العلم) أي تعلم العلم منه (ليس بموسى) بن عمران الذي أرسل إلى (بني إسرائيل) بل هو موسى بن ميشا بن أفراثيم بن يوسف ﵇ (قال) ابن عباس: (أسمعته) أي هل سمعت نوفًا يقول ذلك (يا سعيد) قال سعيد: (قلت) لابن عباس: (نعم) سمعته يقول ذلك (قاال) ابن عباس: (كذب نوف) بن فضالة فيما يقول: وذلك لأنه (حدثنا أبي بن كعب) بن قيس بن عبيد الأنصاري الخزرجي أبو المنذر المدني، سيد القراء، كاتب الوحي، وكان ربعة نحيفًا أبيض الرأس واللحية لا يخضب الصحابي المشهور ﵁، روى عنه في (٥) أبواب. وهذا السند من ثمانياته، وفيه رواية صحابي عن صحابي وتابعي عن تابعي، غرضه بيان متابعة أبي إسحاق لعمرو بن دينار (قال) أبي بن كعب: (سمعت رسول الله ﷺ يقول إنه) أي إن الشأن والحال (بينما موسى) بن

стр. 9917

عَلَيهِ السلامُ، فِي قَوْمِهِ يُذَكِّرُهُمْ بِأيامِ الله. وَأَيامُ الله نَعْمَاؤُهُ وَبَلاؤُهُ. إِذ قَال: مَا أَعْلَمُ فِي الأَرْضِ رَجُلًا خَيرًا أَوْ أَعْلَمَ مِني. قَال: فَأوْحَى الله إِلَيهِ. إِني أَعلَمُ بِالْخَيرِ مِنْهُ. أَوْ عِنْدَ مَن هُوَ. إِنَّ فِي الأَرْضِ رَجُلا هُوَ أَعْلَمُ مِنكَ ــ عمران (﵇) قائم (في قومه) بني إسرائيل، حالة كونه (يذكرهم) ويعظهم (بأيام الله) تعالى التي كانت لهم وعليهم أي يأمرهم بالشكر على نعمه وبالصبر على نقمه، وفسر الراوي أيام الله بقوله: (وأيام الله) هي (نعماوه) وإحساناته التي كانت لهم كالمن والسلوى وإنجاءهم من استبعاد فرعون وقومه (وبلاؤه) التي ابتلاهم كاستبعاد القبطين لهم وذبح أبناءهم، وكلمة إذ في قوله: (إذ قال) موسى فجائية رابطة لجواب بينما المحذوف كما دلت عليه الرواية السابقة، والتقدير بينما أوقات تذكير موسى قومه بأيام الله إذ سئل موسى من أفضل أهل الأرض ومن أعلمهم؟ فـ (قال) موسى في جواب سؤال السائل أي فاجأه سؤال سائل من قومه فأجابه بقوله: (ما أعلم) أنا بصيغة المضارع المسند إلى المكلم أي مما أعلم في زماني هذا (في) أرجاء (الأرض) ونواحيها (رجلًا خيرًا) مني أي أفضل مني منزلة عند الله (أو) قال موسى: لا أعلم في الأرض رجلًا (أعلم مني) والشك من الراوي فيما قاله النبي ﷺ أو ممن دونه، وفي أغلب النسخ كنسخة الأبي والسنوسي والنسخة الطويلة المصرية (ما أعلم في الأرض رجلًا خيرًا وأعلم مني) بلا شك، قال الأبي في هذا الطريق: (إذ قال ما أعلم في الأرض) .. إلخ بلا ذكر سؤال سائل له وفي الطريق الأول (سئل أي الناس أعلم قال: أنا) فترد هذه الرواية المطلقة عن ذكر السؤال فيها إلى تلك المقيدة بذكر السؤال فيها كما قدرناه في حلنا على القاعدة الأصولية من رد المطلق إلى المقيد، وتقدم أن العتاب في تلك السابقة إنما وقع من حيث أنه لم يقيد نفي الأعلم ولم يقل في علمي لأن المخبر عن الشيء بمقتضى علمه وظنه ليس بكاذب ولكن حملت تلك الرواية السابقة المطلقة على ما في هذه لأن هذه قيدت بذلك لقوله هنا ما أعلم في الأرض .. إلخ اهـ حيث نفى الأعلم بالنسبة إلى ظنه وعلمه (قال) رسول الله ﷺ : (فأوحى الله) سبحانه (إليه) أي إلى موسى حين قال ذلك الجواب (إني أعلم بـ) الرجل (الخير) والأفضل (منه) أي من موسى يعني قال الله تعالى: إني أعلم بمن هو خير منه أي من موسى ﵇ (أو) قال الله: إني أعلم (عند من هو) أي الخير أو العلم، وأو هنا للشك من الراوي والتقدير أو قال الله تعالى: إني أعلم عند من هو؟ أي العلم الأكثر من علم موسى أو الخير الأكثر من خير موسى، ثم قال الله تعالى: (إن في الأرض رجلًا هو أعلم) أي أكثر علمًا (منك) يا

стр. 9918

قَال: يَا رَب، فَدُلنِي عَلَيهِ. قَال: فَقِيلَ لَهُ: تزَوَّدْ حُوتًا مَالِحًا، فَإنهُ حَيثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ. قَال: فَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ حَتى انْتَهَيَا إِلَى الصخْرَةِ، فَعُمِّيَ عَلَيهِ. فَانطَلَقَ وَتَرَكَ فَتَاهُ فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الماءِ. فَجَعَلَ لَا يَلتَئِمُ عَلَيهِ. صَارَ مِثلَ الْكُوَّةِ ــ موسى (قال) موسى: (يا رب فدلني عليه) أي على ذلك الأعلم مني أي دلني على طريق الوصول إليه (قال) رسول الله ﷺ : (فقيل له) أي لموسى من جهة الله تعالى (تزود حوتًا مالحًا) أي خذ حوتًا مالحًا زادًا لك لسفرك إليه والحوت المالح هو المقلي بالملح، قال الأبي: وهذا نص في أن الحوت إنما أخذ للتزود وتقدم قول من قال إنما أخذه ليكون دليلًا على لقاء الخضر وكان الزاد غيره اهـ من الأبي (فإنه) أي فإن ذلك الأعلم (حيث تفقد الحوت) أي في المكان الذي فقدت فيه الحوت (قال) رسول الله ﷺ : (فانطلق هو) أي ذهب موسى (وفتاه) يوشع بن نون لطلب ذلك الأعلم (حتى انتهيا) ووصلا (إلى الصخرة) التي عند ملتقى البحرين (فعُمي عليه) الأمر أي أشكل والتبس عليه أي على موسى الأمر أي أمر ذلك الأعلم وموضعه، قال النووي: قوله: (فعُمي عليه) وقع في بعض الأصول بفتح العين المهملة وكسر الميم المخففة وفتح الياء على صيغة المعلوم، وفي بعضها بضم العين وتشديد الميم المكسورة على صيغة المبني للمجهول والمعنى واحد، وفي بعضها بالغين المعجمة (فـ) لما عُمي وغمي عليه أمر ذلك الأعلم واختفى عنه موضع فلم يجده عند ملتقى البحرين (انطلق) وذهب وحده لطلبه والبحث عنه (وترك فتاه) مع الحوت عند الصخرة (فاضطرب الحوت) أي تحرك وانسل من المكتل ودخل (في الماء فجعل) الماء (لا يلتئم) ولا يجتمع (عليه) أي على الحوت ولا يرجع إلى مسلكه بل (صار) مسلكه ومدخله في الماء (كالكوة) أي (مثل الكوة) والطاق لا يرجع إليه الماء وهي بفتح الكاف وضمها مع تشديد الواو فيهما الطاق ولعل مراد الراوي هنا أن موسى ﵇ عمي عليه الطريق فانطلق وحده وفارق فتاه وهذا مخالف لما سبق من أن موسى ﵇ قد نام في ظل الصخرة ولعل تفرقهما وقع بعد استيقاظهما لفترة يسيرة، وقول الراوي هنا: (وترك فتاه واضطرب الحوت في الماء) يدل بظاهره أن اضطراب الحوت وقع في حال تفرقهما ولكن الروايات الأخرى الصحيحة تدل على أنه وقع في حالة نوم موسى، والظاهر أنه قد وقع في هذه

стр. 9919

قَال: فَقَال فَتَاهُ: أَلا أَلْحَقُ نَبِيَّ الله فَأخبِرَهُ؟ قَال: فَنُسيَ، فَلَما تَجَاوَزَا قَال لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]. قَال: وَلَمْ يُصِبهُم نَصَبٌ حَتَّى تَجَاوَزَا. قَال: فَتَذَكَّرَ قَال ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف: ٦٤ - ٦٥]. فَأَرَاهُ مَكَانَ الْحُوتِ. قَال: ههُنَا وُصِفَ لِي. قَال: فَذَهَبَ يَلتَمِسُ فَإِذَا هُوَ بِالخضِرِ مُسَجًّى ثَوْبا، مُسْتَلْقِيًا عَلَى الْقَفَا، أَوْ قَال: عَلَى حَلاوَةِ الْقَفَا ــ الرواية تقديم وتأخير في بيان بعض الواقعات (قال) رسول الله ﷺ : (فقال فتاه: ألا) حرف عرض أي ألا (ألحق نبي الله) موسى (فأخبره) بفقدان الحوت (قال) رسول الله ﷺ : (فنسي) الفتى إخبار فقدان الحوت بموسى فانطلقا ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ الصخرة ﴿قَال﴾ موسى ﴿لِفَتَاهُ﴾ يوشع بن نون: ﴿آتِنَا﴾ أي أعطنا وقرب لنا ﴿غَدَاءَنَا﴾ ما يؤكل في أوائل النهار، والله ﴿لَقَدْ لَقِينَا﴾ أي قاسينا وذقنا ﴿مِنْ سَفَرِنَاهَذَا نَصَبًا﴾ أي تعبًا ومشقة ﴿قَال﴾ رسول الله ﷺ : (ولم يصبهم نصب) ولا تعب (حتى تجاوزا) الصخرة ﴿قَال﴾ رسول الله ﷺ : (فتذكر) الفتى شأن الحوت وفقدانه فـ ﴿قَال﴾ الفتى لموسى: ﴿أَرَأَيتَ﴾ أي أخبرني يا موسى ﴿إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ ونزلنا عندها ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ لك وأخبره (و) قد ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ ومسلكه ﴿فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ أي مسلكًا عجيبًا يُتعجب منه بعدم انطباق الماء عليه ﴿قَال﴾ موسى لفتاه (ذلك) أي فقدان الحوت علامة وجدان ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ ـه ونطلبه من الرجل الأعلم ﴿فَارْتَدَّا﴾ أي ارتد موسى وفتاه ورجعا ﴿عَلَى آثَارِهِمَا﴾ أي على أعقابهما وقصا أي تتبعا لآثار طريقهما ﴿قَصَصًا﴾ أي تتبعا (فأراه) أي فأرى الفتى لموسى (مكان الحوت) ومسلكه في البحر (قال) موسى: (ها هنا) أي هذا المكان الذي قلت لي إنه مكان الحوت هو الذي (وصف) وذكر (لي) من الله سبحانه بأن الرجل الأعلم فيه يعني تحت الصخرة (قال) رسول الله ﷺ : (فذهب) موسى (يلتمس) ويطلب الخضر ويبحث عنه (فإذا هو) أي موسى راء (بالخضر) حالة كونه (مسجى) أي مغطى (ثوبًا) أي بثوب (مستلقيًا) أي مضطجعًا (على القفا) أي على ظهر ومؤخر رأسه أي مباشرًا بظهره وقفاه الأرض مستقبلًا بوجهه السماء كهيئة الميت (أو قال) النبي ﷺ مستلقيًا (على حلاوة القفا) والشك من الراوي أو ممن

стр. 9920

قَال: السَّلامُ عَلَيكُمْ، فَكَشَفَ الثوبَ عَنْ وَجْهِهِ قَال: وَعَلَيكُمُ السَّلامُ. مَنْ أَنتَ؟ قَال: أَنَا مُوسَى. قَال: وَمَنْ مُوسَى؟ قَال: مُوسَى بَنِي إِسرَائِيلَ. قَال: مَجِيءٌ مَا جَاءَ بِكَ؟ ــ دونه أي على وسط القفا لم يمل عنه يمينًا ولا شمالًا، قال النووي: "حلاوة القفا هي وسط القفا والقفا مؤخر الرأس ومعناه لم يمل على أحد جانبيه وهي بضم الحاء وفتحها وكسرها أفصحها الضم .. إلخ اهـ نووي، ويقال فيه أيضًا حلاواء بفتح الحاء والمد في آخره، وحلاوى بضم الحاء والقصر، وحكى أبو عبيد حلواء بالمد أيضًا، وفيه جواز النوم والاستلقاء كذلك بل استحبه بعضهم للتفكر في الملكوت، وفي بعض روايات البخاري أنه وجده على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجي بثوب وكبد البحر وسطه وكبد كل شيء وسطه، والطنفسة بساط صغير كالنمرقة يقال: بضم الطاء والفاء وبكسرهما وبكسر الطاء وفتح الفاء من الأبي. قال القرطبي (قوله: حلاوة القفا) يعني بها والله أعلم أن هذه الضجعة مما تستحل لأنها ضجعة استراحة فكأنه أو حلاوة ضجعة القفا وكان هذه الضجعة من الخضر كانت بعد تعب عبادة وآثر هذه الضجعة لما فيها من تردد البصر في المخلوقات ورؤية عجائب السماوات فكان الخضر في هذه الضجعة متفرغ عن الخليقة مملوء لاح بما لاح له من الحق والحقيقة، ولذلك لما سلم عليه موسى ﵇ كشف الثوب عن وجهه وقال: وعليك السلام من أنت؟ اهـ من المفهم فـ (قال) موسى للخضر: (السلام عليكم فكشف) الخضر (الثوب عن وجهه) فـ (قال) الخضر: (وعليكم السلام، من أنت؟ ) فـ (قال) موسى: (أنا موسى) فـ (قال) الخضر: (ومن موسى؟ ) فـ (قال) موسى أنا (موسى بني إسرائيل) فـ (قال) الخضر لموسى: (مجيء) عظيم بالرفع منونًا وبلا تنوين مبتدأ وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه بصفة محذوفة و (ما) زائدة للتوكيد، وجملة (جاء بك) خبر المبتدأ أي مجيء عظيم جاء به، والجملة الاسمية مقول قال، قال القاضي عياض: ضبطناه عن أبي بحر بضم الهمزة بدون تنوين، وما حينئذٍ للاستفهام، والمعنى مجيء أي شيء جاء بك أي جئت لماذا؟ وعن غيره منونًا وهو أظهر أي مجيء لأمر عظيم جاء بك وقد تجيء ما للتهويل والتعظيم، ومنه قولهم لأمر ما تدرعت الدروع وجاء بك خبر لهذا المبتدأ اهـ من الأبي، قال القرطبي: قوله: (مجيء ما جاء بك) ضبطه ابن ماهان بالهمز والتنوين وعلى هذا

стр. 9921

قَال: جِئتُ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشدًا. قَال: ﴿قَال إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾ [الكهف: ٦٨]، شَيءٌ أُمِرْتُ بِهِ أَن أَفعَلَهُ إِذَا رَأَيتَهُ لَمْ تَصْبِرْ. قَال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَال فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ ــ تكون (ما) نكرة تامة صفة لمجيء مسوغة للابتداء به وهي التي تكون للتهويل والتفخيم والتعظيم كقولهم لأمر ما تسوّد من تسوّد، ولأمر ما تدرعت الدروع فيكون معناه مجيء عظيم وأمر مهم حملك على أن تركت ما كنت عليه من أمر بني إسرائيل واقتحمت الأسفار وقطع المفاوز والقفار، وقد زاد فيه بعض الرواة أن الخضر قال له: (وعليك السلام أنى بأرضنا يا نبي بني إسرائيل أما كان لك فيهم شغل؟ قال: بلى، ولكني أُمرت أن أصحبك مستفيدًا منك) فأجاب بجواب المتعلم المسترشد بين يدي العالم المرشد ملازمًا للأدب والحرمة ومعظمًا لمن شرفه الله بالعلم وأعلى رسمه، فـ (قال: جئتـ) ـك (لتعلمني مما علمت رشدًا) قرأه الجماعة بضم الراء وسكون الشين، وقرأه يعقوب وأبو عمرو بالفتح فيهما، وهما لغتان، ويقال: رشد بالفتح يرشد رشدًا بالضم ورشد بالكسر يرشد رشدًا بالفتح من باب فرح، ومعنى الرشد الاستقامة في الأمور وإصابة وجه السداد، والصواب فيها وضده الغي وهو منصوب عن المصدر ويكون في موضع الحال، ويصح أن يكون مفعولًا لأجله، وفيه من الفقه التذلل والتواضع للعالم وبين يديه واستئذانه في سؤاله والمبالغة في احترامه وإعظامه ومن لم يفعل هكذا فليس على سنة الأنبياء ولا على هديهم كما قال نبينا ﷺ : "ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه" رواه أحمد [٥/ ٣٢٣]، والحاكم في المستدرك [١/ ١٢٢] وصححه ووافقه الذهبي اهـ من المفهم (قال) الخضر: (انك لن تستطيع معي صبرًا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا) وذلك الذي لا تصبر عليه هو (شيء أُمرت به) أي بفعله من جهة الله، وجملة قوله: (أن أفعله) بدل من ضمير به (إذا رأيته) أي إذا رأيت ذلك الشيء (لم تصبر عليه) لمخالفته الشرع الظاهر الذي أنت عليه (قال) موسى: (ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرًا، قال) الخضر: (فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها) الخضر،

стр. 9922

[الكهف: ٦٩ - ٧١]. قَال: انْتَحَى عَلَيهَا. قَال لَهُ مُوسَى، ﵇: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا (٧١) قَال أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾ [الكهف: ٧١ - ٧٢ - ٧٣]، فَانْطَلَقَا حَتى إِذَا لَقِيَا غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ. قَال: فَانْطَلَقَ إِلَى أَحَدِهِمْ بَادِيَ الرَّأيِ فَقَتَلَهُ، فَذُعِرَ عِنْدَهَا مُوسَى، ﵇، ذَعْرَةَ مُنْكَرَةً. ﴿قَال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً ــ (قال) النبي ﷺ أو الراوي في تفسير خرقها (انتحى) أي اعتمد الخضر واستند (عليها) أي على السفينة بثقل جسمه وقصد خرقها، والانتحاء في الأصل اعتماد الإبل في سيرها على أيسرها كما في القاموس، ولعل المراد أن الخضر ﵇ اعتمد على لوح من ألواح السفينة باحد جانبيه لينفصل عنها بثقل جسمه والله أعلم (قال له موسى ﵇: أخرقتها لتنرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا) أي ضعيف الحجة، يقال رجل إمر أي ضعيف الرأي ذاهبه يحتاج إلى أن يؤمر، قال مجاهد: منكرًا، وقال مقاتل: عجبًا، وقال الأخفش: يقال أمر أمره يأمر أمرًا إذا اشتد، والاسم: الإمر بكسر الهمزة قال الراجز: لقد لقي الأقران مني نكرًا ... داهية دهياء إذا إمرًا وفيه من الفقه العمل بالمصالح إذا تحقق وجهها، وجواز إصلاح كل المال بفساد بعضه (قال) الخضر لموسى: (ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا، قال) موسى: (لا تؤاخذني بما نسيت) أي بنسياني وسهوي عهدك، فما مصدرية في تأويل المصدر مع فعلها (ولا ترهقني من أمري عسرًا) أي لا تكلفني ما لا أقدر عليه من التحفظ عن السهو (فانطلقا حتى إذا لقيا غلمانًا يلعبون) بين القريتين (قال) النبي ﷺ : (فانطلق) الخضر (إلى أحدهم) وقوله: (بادي الرأي) ظرف لقوله: (فقتله) أي ذهب إلى أحدهم مسارعًا فقتله بادي الرأي أي في أول الأمر من غير تفكر ولا تأمل ولا تحقق رأي، وبادي يجوز فيه الهمز وتركه والمعنى عند الهمز أول الرأي وعند تركه ظاهر الرأي أي انطلق إليه مسارعًا إلى قتله من غير فكر (فذُعر) على صيغة المبني للمفعول أي فزع (عندها) أي عند تلك الفعلة التي هي قتله الغلام أي فزع (موسى ﵇) عند تلك القتلة (ذعرة منكرة) أي فزعًا شديدًا ودهش دهشًا شديدًا وعند ذلك لم يتمالك موسى أي بادر بالإنكار تاركًا للاعتذار، فـ (قال: أقتلت) يا خضر (نفسًا زاكية) أي طاهرة من الذنب

стр. 9923

بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا﴾. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عِندَ هَذَا المَكَانِ "رَحْمَةُ اللهِ عَلَينَا وَعَلَى مُوسَى، لَولا أنهُ عَجَّلَ لَرَأَى العَجَبَ. وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ. ﴿قَال إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ــ (بغير) مقابلة (نفس) قتلتها تلك المقتولة هذه قراءة العامة وقرأ الكوفيون وابن عامر (زكية) بغير ألف وتشديد الياء، قال ثعلب: الزكية أبلغ، قال أبو عبيد: الزكية في الدين والزاكية في البدن، قال الكسائي: هما بمعنى واحد كقاسية وقسية، وقال ابن عباس: مسلمة، وقال أبو عمر: الزاكية التي لم تذنب قط والزكية التي أذنبت ثم تابت، وقال ابن جبير: يريد على الظاهر، وقوله: (بغير نفس) يعني لم تقتل نفسًا فتستحق القتل قصاصًا اهـ من المفهم، والله (لقد جئت) وفعلت يا خضر (شيئًا نكرًا) أي منكرًا فاحشًا أشد الفحش (فقال رسول الله ﷺ عند) ما وصل (هذا المكان) من القصة (رحمة الله علينا وعلى موسى) ﵇، قال النووي: فيه استحباب ابتداء الإنسان بنفسه في الدعاء وشبهه من أمور الآخرة، وأما أمور الدنيا فالأدب فيها الإيثار وتقديم غيره على نفسه اهـ (لولا أنه) أي أن موسى (عجّل) الإنكار على الخضر، فلولا حرف امتناع لوجود، وجملة عجل خبر أن، وجملة أن في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء لأن لولا تلازم المبتدأ والخبر محذوف وجوبًا لقيام جواب لولا مقامه، وجملة قوله: الرأى) موسى (العجب) من أمور الخضر، جواب لولا، واللام رابطة لجواب لولا، والتقدير لولا تعجيل موسى الإنكار على الخضر المستلزم للفراق بينهما موجود لرأى موسى من شؤون الخضر الأمور العجيبة والأفعال الغريبة، وجملة لولا من شرطها وجوابها مقول لقال (ولكنه) أي ولكن موسى (أخذته) وهيجته على الإنكار (من صاحبه) يعني الخضر (ذمامة) بفتح الذال المعجمة، الجار والمجرور في قوله من صاحبه صفة لذمامة مقدمة عليه أي ولكن موسى هيجته على الإنكار ذمامة واقعة من صاحبه أي مخالفة لظاهر الشرع واقعة من الخضر بقتل النفس الزكية والذمامة الاستحياء من كثرة مخالفته للشرع، وقيل: ملامة على ترك إنكار المنكر على صاحبه، والأول أظهر وأشهر، وذكر عياض في بعضهم أن الذمامة هنا من الذمام جمع ذمة وهو ما كان شارطه عليه من الفراق (قال) موسى للخضر: إن سألتك عن شيء) مما فعلته (بعدها) أي بعد هذه الفعلة يعني قتل الغلام (فلا تصاحبني) أي فلا تتركني صاحبًا لك بل فارقني، قال القرطبي:

стр. 9924

قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦]، وَلَوْ صَبَرَ لَرَأى العَجَبَ -قَال: وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنَ الأَنْبِيَاءِ بَدَأ بِنَفْسِهِ "رَحمَةُ اللهِ عَلَينَا وَعَلَى أَخِي كَذَا، رَحْمَةُ اللهِ عَلَينَا"- فَانْطَلَقَا حَتى إِذَا أتَيَا أَهْلَ قَريَةٍ لِئَامًا فَطَافَا فِي الْمَجَالِسِ فَاسْتَطعَمَا أَهْلَهَا، ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَال لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ ــ هذا القول أبرزه من موسى إستحياؤه من كثرة المخالفة للشرع وتهديده لنفسه عند معاودتها للاعتراض عليه بالمفارقة اهـ من المفهم (قد بلفت) وحصلت (من لدني) أي من جهتي (عذرًا) أي سببًا تعتذر به في فراقي، قال رسول الله ﷺ : (ولو صبر) موسى على مخالفته الشرع وترك الإنكار عليه (لرأى) من شؤون الخضر وأفعاله الغريبة (العجب) أي الأمور العجيبة التي يتعجب منها كل من رآها أو سمعها (قال) أبي بن كعب ﵁: (وكان) رسول الله ﷺ (إذا ذكر أحدًا من الأنبياء) بالرحمة والدعاء (بدأ بنفسه) الشريفة فيقول: (رحمة الله علينا وعلى أخي كذا) أي فلان فكذا اسم مبهم يكنى به عن الأسماء في محل الجر بدل من أخي، بدل كل من كل مبني على السكون لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا نظر إلى أصله وإلا فهو محكي مجرور بكسرة مقدرة للحكاية، وقوله ثانيًا: (رحمة الله علينا) توكيد لفظي للأول (فانطلقا) أي انطلق الخضر وموسى ﵉ بعد قتل الغلام يتماشيان (حتى (ذا أتيا أهل قرية لئامًا) صفة لأهل، جمع لئيم ككريم وكرام، واللئيم هو من كان دنيء النسب خسيس الحسب، والفاء في قوله: (فطافا) زائدة في جواب إذا أي طاف الخضر وموسى ﵉ (في المجالس) أي في مجالسهم ومحافلهم طلبًا للضيافة والإطعام أي طافا ودارا وجالا عليهم في مجالسهم (فاستطعما) معطوف على طافا أي طلبا الإطعام من (أهلها) أي من أهل تلك القرية فابوا أي أبي وامتنع أهلها من (أن يضيفوهما) أي من أن يعطوا لهما حق الضيافة، ذكر بعض العلماء أن إضافة المسافرين كان واجبًا في شرعهم فلما تركوا هذا الوجب استحقوا الملامة، وذهب آخرون إلى أن الإطعام لمان لم يكن واجبًا عليهم فإن قرى الضيف من مكارم الأخلاق لا يمنعه إلا اللئام، ولهذا وصفهم باللؤم والله أعلم اهـ من التكملة. (فوجدا) أي فوجد الخضر وموسى ﵉ (فيها) أي في تلك القرية (جدارًا يريد أن ينقض) أي يوشك أن يسقط لتقادم زمانه (فأقامه) أي فأقام الخضر ذلك الجدار ونصبه بالإشارة إليه بيده (قال) موسى للخضر: (لو شئت لاتخدت عليه

стр. 9925

أَجْرًا (٧٧) قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ﴾ [الكهف: ٧٧ - ٧٨] وَأَخَذَ بِثَوْبِهِ. قَال: ﴿بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٨ - ٧٩]. إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَإِذَا جَاءَ الذِي يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنْخَرِقَةً فَتَجَاوَزَهَا فَأَصْلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ. وَأَمَّا الْغُلامُ فَطُبعَ يَوْمَ طُبعَ كَافِرًا. وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيهِ. فَلَوْ أَنهُ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ــ أجرًا، قال) الخضر لموسى: (هذا) الوقت وقت يحصل فيه (فراق بيني وبينك، وأخذ) الخضر (بثوبه) لمفارقة موسى أو المعنى وأخذ الخضر بثوب موسى ليبين له ما أشكل عليه قبل مناجزة الفرات، و (قال) لموسى: (سأنبئك بتأوبل ما لم تستطع عليه صبرًا، أما السفينة) التي خرقتها (فكانت لمساكين يعملون في البحر) اقرأ (إلى آخر الآية) يعني قوله فأردت أن أعيبها، قال القرطبي: القراءة المتواترة بتخفيف السين جمع مسكين سموا بذلك شفقة عليهم، وقرأها ابن عباس بتشديدها جمع مساكٍ سموا بذلك لإمساكهم السفينة وملازمتهم لها، قيل: كانوا عشرة خمسة يعملون في البحر وخمسة زمناء (فإذا جاء) الملك (الذي يسخرها) أي يسخر السفينة ويغصبها ويأخذها والمراد بالذي يسخرها الملك الذي كان يغصب السفن من ملاكها، وقوله: (جاء الذي يسخرها) من التسخير وهو جعل الشيء مطيعًا له ومنقادًا ومذللًا يقال: سخر فلانًا إذا ذلله وكذلك تكليف شخص على عمل بلا أجرة يسمى تسخيرًا يقال: سخره إذا كلفه عملًا بلا أجرة، والمراد بالتسخير هنا الأخذ والضبط بلا بدل والله أعلم اهـ دهني (وجدها منخرتة) أي مخروقة غير صحيحة (فتجاوزها) أي فيجاوزها ويمر عليها بلا أخذ لها بكونها غير صالحة (فـ) إذا جاوزها ومر عليها (فأصلحوها) بلفظ الماضي أي أصلح أهل السفينة السفينة (بـ) سد خرقها بـ (خشبة) ولوحة وانتفعوا بها (وأما الغلام) الذي قتلته (فطُبع) أي خُلق قلبه (يوم طُبع) أي يوم خُلق جسمه (كافرًا) أي على صفة قلب كافر من القسوة والجهل وحب الفساد (وكان أبواه قد عطفا) وأشفقا (عليه) وأحباه (فلو أنه أدرك) وبلغ (أرهقهما) أي كلفهما (طغيانًا وكفرًا) أي حملهما على الطغيان والكفر وألحقهما بهما والمراد بالطغيان هنا الزيادة في الضلال والتمرد فيه، قوله: (وكان أبواه قد عطفا عليه) أي أحباه وأقبلا عليه بشفقتهما وحنوّهما فخاف الخضر لما أعلمه الله تعالى بمآل حاله أنه إن عاش لهما حتى يكبر ويثقل بنفسه جبلهما بحكم محبتهما له أن يطيعاه ويوافقا على ما يصدر منه من

стр. 9926

﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَينِ يَتِيمَينِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ﴾ [الكهف: ٨١ - ٨٢]. إِلَى آخِرِ الآيَةِ ــ الكفر والفساد فيكفران بذلك، وقوله: (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه) أي ولدًا خيرًا لهمما من هذا الغلام (زكاة) أي نماء وصلاحا ودينا ونصبه على التمييز (وأقرب) أي وأوصل (رحمًا) بضم الراء وسكون الحاء بمعنى رحيما بفتح الراء وكسر الحاء، فالمراد بالزكاة هنا معناها اللغوي هو الطهارة والمقصود بها الإسلام أو صلاح الأعمال، وبالرحم الرحمة لوالديه، وبزهما، وقيل: المراد أنهما يرحمانه، وذكر الحافظ في الفتح عن الأصمعي أن الرحم بكسر الحاء القرابة وبسكونها الفرج وبضمها الرحمة، وذكر بعض العلماء أنه أبدلهما الله بنتًا صالحة، قال القرطبي: وحُكي عن ابن عباس أنهما رُزقا جارية ولدت نبيًّا، وقيل: كان من نسلها سبعون نبيًّا، وأخرج النسائي من طريق أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أبدلهما جارية فولدت نبيًّا من الأنبياء، وذكر السدي أن اسم هذا النبي شمعون واسم أمه حنة، أخرجه ابن أبي حاتم وعند ابن مردويه من حديث أبي بن كعب أنها ولدت غلامًا يعني أبدلهما الله تعالى غلامًا ولكن إسناده ضعيف اهـ فتح الباري [٨/ ٤٢١] قال القرطبي: ويفيد هذا الحديث تهوين المصائب بفقد الأولاد وإن كانوا قطعًا من الأكباد، ومن سلّم للقضاء سفرت عاقبته عن اليد البيضاء اهـ (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة) اسمهما أصرم وأصيرم، وقد تقدم أن اليتم في الناس من قبل فقد الأب وفي غيرهم من الحيوان من قبل الأم اهـ من المفهم (وكان تحته) أي تحت ذلك الجدار (كنز لهما) وظاهر الكنز أنه مال مكنوز أي مجموع، وقال ابن جبير: كان ذلك الكنز صُحف العلم، وقال ابن عباس: كان لوحًا من ذهب مكتوبًا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟ عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب؟ عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح؟ عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل؟ عجبت لمن يعرف بالدنيا وتقليبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله (وكان أبوهما صالحًا) قال أهل التفسير: إنه كان جدهما السابع وكان يسمى كاسحًا ففيه ما يدل على أن الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بعدوا عنه، وقد روي أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة من ذويه وعلى هذا يدل قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾ [الأعراف / ١٩٦] اقرأ (إلى آخر الآية) يعني قوله. إلخ (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما) أي قوتهما وهو

стр. 9927

٦٠١١ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا عَبْدُ اللهِ بن عَبْدِ الرحْمَنِ الدَّارِمِي. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُوسَى. كِلاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أبِي إِسْحَاقَ، بِإسْنَادِ التَّيمِيِّ، عَنْ أبِي إِسْحَاقَ، نَحوَ حَدِيثِهِ. ٦٠١٢ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا عَمرو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، ــ ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقد أضاف الخضر قضية استخراج كنز الغلامين إلى الله وأضاف عيب السفينة إلى نفسه تنبيهًا على التأدب في إطلاق الكلمات على الله تعالى فيضاف إليه ما يستحسن ويطلق عليه ولا يضاف ما يستقبح منها إليه تعالى اهـ من المفهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي بن كعب ﵁ فقال: ٦٠١١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي) السمرقندي (أخبرنا محمد بن يوسف) بن واقد الضبي الفريابي نسبة إلى فرياب مدينة ببلاد ترك، ثقة، من (٩) روى عنه في (٦) أبواب (ح وحدثنا عبد بن حميد) الكسي، ثقة، من (١١) (أخبرنا عبيد الله بن موسى) العبسي الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب كلاهما) أي كل من محمد وعبيد الله رويا (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (٨) أبواب (عن) جده (أبي إسحاق) السبيعي، ثقة، من (٣) أي روى إسرائيل عن جده (بإسناد) سليمان (التيمي عن أبي إسحاق) يعني عن رقبة، غرضه بيان متابعة إسرائيل لسليمان التيمي في الرواية عن رقبة بن مصقلة عن أبي إسحاق، وساق إسرائيل (نحو حديثه) أي نحو حديث سليمان التيمي والله أعلم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي بن كعب ﵁ فقال: ٦٠١٢ - ٦٠١٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو) بن دينار الجمحي المكي (عن سعيد بن جبير) الوالبي الكوفي

стр. 9928

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعبٍ؛ أن النَّبِيّ ﷺ قَرَأَ: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾. ٦١١٨ - (١٧٤) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاس؛ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، ﵇. فَقَال ابْنُ عَبَّاس: هُوَ الْخَضِرُ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَي بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ. فَدَعَاهُ ــ (عن ابن عباس عن أبي بن كعب) ﵁ (أن النبي ﷺ قرأ لتخذت عليه أجرًا) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة عمرو بن دينار لأبي إسحاق السبيعي. وقوله: (لتخذت) على وزن سمعت من باب فعل المكسور المتعدي وهو لغة في اتخذت. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أبي بن كعب ﵁ فقال: ٦٠١٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي المصري (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) القرشي المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأموي الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري المدني (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود) الهذلي المدني، ثقة، من (٣) (عن عبد الله بن عباس) ﵄ (أنه) أي أن ابن عباس (تمارى) وتنازع (هو) أي ابن عباس، وأتى بالضمير تأكيدًا لضمير الفاعل ليعطف عليه قوله: (والحرّ) بضم الحاء وتشديد الراء (بن قيس بن حصن الفزاري) ابن أخي عيينة بن حصن ذكره ابن السكن في الصحابة له ذكر في بعض الأحاديث، وفي الصحيح أنه كان ممن يدنيهم عمر ﵁ اهـ من الإصابة وفتح الباري، أي تماريا وتجادلا (في صاحب موسى) بن عمران (﵇) هل ذلك الصاحب هو الخضر أم غيره (فقال ابن عباس هو) أي صاحب موسى هو (الخضر، فمر بهما) أي على ابن عباس والحر بن قيس (أبي بن كعب الأنصاري) المدني ﵁. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة عبيد الله بن عبد الله لسعيد بن جبير (فدعاه) أي فدعا أبي بن كعب (ابن

стр. 9929

ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَال: يَا أبَا الطفَيلِ، هَلُمُّ إِلَينَا، فَإِني قَدْ تَمَاريتُ أنا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَهَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأنهُ. فَقَال أُبَيُّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "بَينَمَا مُوسَى فِي ملإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. إِذ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَال مُوسَى: لَا. فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: بَلْ عَبْدُنَا الْخَضِرُ. قَال: فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ. فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الْحُوتَ آيةَ. وَقِيلَ لَهُ: إِذَا افْتَقَدتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، ــ عباس، فقال) ابن عباس لأبي بن كعب: (يا أبا الطفيل) كنية أبي بن كعب (هلم) أي تعال (إلينا فإني قد تماريت) وتنازعت (أنا وصاحبي هذا) يعني الحر بن قيس (في صاحب موسى الذي سأل) موسى ربه (السبيل) أي الطريق الموصلة له (إلى لقيه) أي إلى لقاء ذلك الصاحب (فهل سمعت) يا أبا الطفيل (رسول الله ﷺ يذكر شأنه) أي شأن ذلك الصاحب وقصته مع موسى (فقال أبي) بن كعب: نعم (سمعت رسول الله ﷺ بقول بينما موسى) بن عمران (في ملأ) أي في جماعة (من بني إسرائيل إذ جاءه) أي جاء موسى (رجل) منهم (فقال) الرجل (له) أي لموسى (هل تعلم) يا موسى (أحدًا) من الناس (أعلم) أي أكثر علمًا (منك؟ قال موسى: لا) أي لا أعلم أحدًا أعلم مني، وهذا نفي لعلمه لا نفي الأعلم (فأوحى الله) تعالى (إلى موسى، بل عبدنا الخضر) أعلم منك (قال) رسول الله ﷺ : (فسأل موسى) ربه (السبيل) أي الطريق الموصلة (إلى لقيه) أي إلى لقاء ذلك العبد الأعلم، وهو مصدر بمعنى اللقاء نظير عصى عصيا أصله لقوى على وزن دخول فاعل فصار لقيًا أي إلى لقائه ووصوله إليه (فجعل الله) سبحانه (له) أي لموسى (الحوت) أي فقدان الحوت المملح (آية) أي علامة على موضع الخضر، وجملة قوله: (وقيل له) أي لموسى من جهة الله معطوفة على جملة جعل عطف تفسير أي وقيل لموسى بالوحي (إذا افتقدت الحوت) وافتعل هنا بمعنى الثلاثي أي إذا فقدت الحوت الذي أخذته زادًا (فارجع) إلى ورائك (فإنك ستلقاه) أي تلقى الخضر وتراه في الموضع الذي فقدت فيه الحوت (فسار موسى) مع فتاه بعدما ناما عند الصخرة في ساحل البحر قدر (ما شاء الله أن يسير) هو من الزمن والمسافة أي سارا بعدما رقدا عند الصخرة بقية يومهما وليلتهما (ثم) بعدما أصبحا من

стр. 9930

فَسَارَ مُوسَى مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسِيرَ. ثُم قَال لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا. فَقَال فَتَى مُوسَى، حِينَ سَأَلَهُ الغَدَاءَ: ﴿أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]. فَقَال مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]. فَوَجَدَا خَضِرًا. فَكَانَ مِنْ شَأنِهِمَا مَا قَصَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ". إلَّا أن يُونُسَ قَال: فَكَانَ يَتَّبعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي الْبَحْرِ ــ تلك الليلة (قال لفتاه) يوشع بن نون: (آتنا غداءنا) لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا (فقال فتى موسى) لموسى (حين سأله) موسى (الغداء أرأيت) أي أخبرني (إذ أوينا إلى الصخرة) أي حين نزلنا عند الصخرة ورقدنا هناك (فإني نسيت الحوت) هناك (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره فقال موسى لفتاه ذلك) أي فقدان الحوت بسبب نسيانك (ما كنا نبغي) ونطلب في سفرنا هذا أي علامة على موضع الرجل الأعلم الذي كنا نطلبه في سفرنا هذا (فارتدا) على رجعا (على آثارهما) وأعقابهما وقصا أي تتبعا آثارهما (قصصًا) أي تتبعا حتى وصلا إلى الصخرة (فوجدا خضرًا) عند الصخرة (فكان من شأنهما) أي من شأن موسى والخضر أي حصل من أمرهما (ما قص الله) سبحانه وأخبر لنا (في كتابه) الكريم من قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ تَأْويلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾ (إلا أن يونس) بن يزيد (قال) أي زاد في روايته بعد قوله: (فارتدا على آثارهما قصصًا) أي زاد لفظة (فكان) موسى (يتبع) أي يطلب (أثر الحوت) ومسلكه (في البحر) وينظر إليه عجبًا منه والله أعلم. وذكر الحافظ في الفتح [٨/ ٤٢٢] بعض فوائد مستنبطة من هذا الحديث، منها استحباب الحرص على زيادة العلم والرحلة فيه ولقاء المشايخ وتجشم المشاق في ذلك والاستعانة في ذلك بالأتباع واستخدام الحر وطواعية الخادم لمخدومه وعذر الناس وقبول الهبة من غير مسلم، وأما من استدل به على جواز دفع أغلظ الضرر بأخفها فمقيد بما لا يعارض منصوص الشرع فلا يجوز الإقدام على قتل النفس ممن يتوقع منه أن يقتل أنفسًا كثيرة قبل أن يقدم على ذلك وإنما فعل ذلك الخضر لإطلاع الله تعالى إياه على ذلك، وفي القصة جواز الإخبار عن التعب وما يلحق بالمرء من مرض أو ألم بشرط أن لا يكون سخطًا من المقدور، ومنها أن المتوجه إلى ربه يُعان فلا يسرع إليه النصب

стр. 9931

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والجوع، وفيها حسن الأدب مع الله وأن لا يضاف إليه وما يستهجن ذكره وإن كان الكل بتقديره وخلقه لقول الخضر عن السفينة فأردت أن أعيبها، وقال عن الجدار فأراد ربك والله أعلم. ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث أبي بن كعب ذكره للاستدلال به على الترجمة وذكر فيه أربع متابعات والله أعلم. وصلت في هذا الكتاب إلى هنا قبيل المغرب في تاريخ ٦/ ٧ / ١٤٢٧ هـ.

стр. 9932

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٤ - أبواب فضائل أصحاب رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنهم أجمعين ــ أبواب فضائل أصحاب رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنهم أجمعين والفضائل جمع فضل، والفضل المزية والدرجة والمنقبة، ويجمع أيضًا على فواضل، وفرق بين الفضائل والفواضل بأن الفضائل المنقبة القاصرة على صاحبها كالحلم والوقار والسكينة والتواضع والخشوع والخضوع، والفواضل المنقبة المتعدية إلى الغير كالعلم والكرم، وقيل بالعكس، وقيل: هما بمعنى واحد اهـ مرشد ذوي الحجا والحاجة على سنن ابن ماجه نقلًا عن سليمان البجيرمي. والأصحاب جمع صاحب بمعنى الصحابي، والصحابي من اجتمع به ﷺ مؤمنًا به في حال حياته وإن لم يره أو لم يرو عنه اجتماعًا متعارفًا، وهو الاجتماع في الأرض بالجسد، ويعرف كونه صحابيًّا بالتواتر كأبي بكر وعمر ﵄ أو بالاستفاضة أو بقول صحابي غيره إنه صحابي أو بقوله عن نفسه إنه صحابي إذا كان عدلًا، والصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين عدول لظاهر الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به بإجماعه اهـ منه. قال المازري: أمسك فرقة من المسلمين عن التفضيل بينهم، وقالت: هم كالأصابع في الكف لا يتعرض لتفضيل بعضهم على بعض، وقال غير هؤلاء بالتفضيل ففضلت الخطابية عمر ﵁، وفضلت الرواندية العباس ﵁، وفضلت الشيعة عليًّا ﵁، وفضلت أهل السنة أبا بكر ﵁، قال القرطبي: لم يختلف السلف والخلف في أن أفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ولا عبرة بقول أهل التشيع والبدع. اهـ من المرشد. * * *

стр. 9933

٦٩٩ - (١٣) الأول منها باب فضل أبي بكر الصديق ﵁ ــ ٦٩٩ - (١٣) الأول منها باب فضل أبي بكر الصديق ﵁ واسمه عبد الله بن عثمان أبي قحافة بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي يجتمع نسبه مع نسب رسول الله ﷺ في مرة بن كعب، وسماه رسول الله ﷺ بالصديق، رواه عنه علي بن أبي طالب ﵁ وسماه بذلك لكثرة تصديقه، ويسمى بالعتيق وفي تسميته بذلك ثلاث أقوال: أحدها: أن النبي ﷺ قال: "من أراد أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر" روته عائشة، رواه الطبراني في الكبير (١٠) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد [٩/ ٤١] رواه أبو يعلى، وفيه صالح بن موسى الطلحي وهو ضعيف. والثاني: أنه سمته به أمه قاله موسى بن طلحة. والثالث: أنه سمي به لجمال وجهه قاله الليث بن سعد، وقال ابن قتيبة: لقبه النبي ﷺ بذلك لجمال وجهه. وهو أول من أسلم من الرجال، وقد أسلم على يديه من العشرة المشهود لهم بالجنة خمسة عثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهم أجمعين. رفيق سيد المرسلين في هجرته وخليفته بعد وفاته ﷺ شهد المشاهد، وكان من أفضل الصحابة، قال الإمام الحافظ أبو الفرج الجوزي: جملة ما حفظ له من الحديث عن رسول الله ﷺ مائة واثنان وأربعون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ثمانية عشر (١٨) حديثًا، اتفقا على ستة، وانفرد (خ) بأحد عشر، و (م) بحديث، وكان أبيض أشقر لطيفًا مسترق الوركين، قال النبي ﷺ : "سدوا كل خوخة إلا خوخة أبي بكر" وقال عمر: أبو بكر خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، مات في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة لثمان خلون منها (١٣) وله ثلاث وستون سنة (٦٣) ودفن بالحجرة النبوية، روى عنه أبو هريرة في الإيمان والحج، وعائشة في الجهاد، والبراء بن عازب في الأشربة، وابنه عبد الرحمن في الأطعمة، وأنس بن مالك في الفضائل، وعائذ بن عمرو وعبد الله بن عمر وعمر وعلي و (ع) وخلق، وترجمته في تاريخ الشام في مجلد ونصف فلتراجعه إن شئت.

стр. 9934

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال القرطبي: ومن المعلوم القطعي واليقين الضروري أنه حفظ من حديث رسول الله ﷺ ما لم يحفظ أحد من الصحابة وحصل له من العلم ما لم يحصل لأحد منهم لأنه كان الخليل المباطن، والصفي الملازم، لم يفارقه سفرًا ولا حضرًا ولا ليلًا ولا نهارًا ولا شدة ولا رخاء، وإنما لم يتفرغ للحديث ولا للراوية لأنه اشتغل بالأهم فالأهم، ولأن غيره قد قام عنه في الرواية بالمهم. وإذا تقرر ذلك فاعلم أن الفضائل جمع فضيلة كرغائب جمع رغيبة وكبائر جمع كبيرة مثلًا، وأصلها الخصلة الجميلة التي بها يحصل للإنسان شرف وعلو قدر ومنزلة، ثم ذلك الشرف وذلك الفضل إما عند الخلق وإما عند الخالق، فأما الأول فلا يلتفت إليه إن لم يوصل إلى الشرف المعتبر عند الخالق، فإذًا الشرف المعتبر والفضل المطلوب على التحقيق إنما هو الذي هو شرف عند الله تعالى. وإذا تقرر هذا فإذا قلنا إن أحدًا من الصحابة ﵃ فاضل فمعناه أن له منزلة شريفة عند الله تعالى وهذا لا يتوصل إليه بالعقل قطعًا، ولا بد أن يرجع ذلك إلى النقل، والنقل إنما يتلقى من الرسول ﷺ فإذا أخبرنا الرسول ﷺ بشيء من ذلك تلقيناه بالقبول، فإن وإن قطعيًّا حصل لنا العلم بذلك، وإن لم يكن قطعيًّا كان ذلك كسبيل المجتهدات، وإذا لم يكن لنا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالخبر فلا يقطع أحد بأن من صدرت منه أفعال دينية أو خصال محمودة بأن ذلك قد بلغه عند الله منزلة الفضل والشرف فإن ذلك أمر غيب والأعمال بالخواتيم والخاتمة مجهولة والوقوف على المجهول مجهول، لكنا إذا رأينا من أعانه الله تعالى على الخير ويسر له أسباب الخير رجونا له حصول تلك المنزلة عند الله تعالى تمسكًا بقوله ﷺ : "إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله في الخير ووفقه لعمل صالح" رواه أحمد [٤/ ١٣٥] والترمذي [٢١٤٢]. وبما جاء في الشريعة من ذلك ومن كان كذلك فالظن أنه لا يخيب ولا يقطع على المغيب، وإذا تقرر هذا فالمقطوع بفضله وأفضليته بعد رسول الله ﷺ عند أهل السنة وهو الذي يقطع به من الكتاب والسنة أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ولم يختلف في ذلك أحد من أئمة السلف ولا الخلف ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع ولا

стр. 9935

٦٠١٤ - (٢٣٦٠) (١١٥) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْب وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. (قَال عَبْدُ اللهِ: أَخبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) حَبَّانُ بْنُ هِلالٍ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا ثَابِت. حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَن أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ــ أهل البدع فإنهم بين مكفر تضرب رقبته وبين مفسق لا تقبل كلمته وتدحض حجته. وقد اختلف أئمة أهل السنة في علي وعثمان رضي الله تعالى عنهما فالجمهور منهم على تقديم عثمان، وقد روي عن مالك أنه توقف في ذلك، وروي عنه أنه رجع إلى ما عليه الجمهور وهو الأصح إن شاء الله تعالى، وهذه المسألة اجتهادية لا قطعية ومستندها الكلي أن هؤلاء الأربعة هم الذين اختارهم الله تعالى لخلافة نبيه ولإقامة دينه فمراتبهم عنده تعالى بحسب ترتيبهم في الخلافة إلى ما ينضاف إلى ذلك بما يشهد لكل واحد منهم من شهادات النبي ﷺ له بذلك تأصيلًا وتفصيلًا على ما يأتي إن شاء الله تعالى، وهذا الباب بحر لا يدرك قعره ولا ينزف غمره، وفيما ذكرناه كفاية والله الموفق للهداية اهـ من المفهم. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة بحديث أبي بكر الصديق ﵁ فقال: ٦٠١٤ - (٢٣٦٠) (١١٥) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٢٠) بابا (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي، نسبة إلى كس مدينة فيما وراء النهر، ثقة، من (١١) روى عنه في (١٢) بابا (وعبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن مهران (الدارمي) أبو محمد السمرقندي، ثقة متقن، من (١١) روى عنه في (١٤) بابا (قال عبد الله) بن عبد الرحمن: (أخبرنا وقال الآخران: حدثنا حبان بن هلال) الباهلي أبو حبيب البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (حدثنا همام) بن يحيى بن دينار الأزدي العوذي أبو عبد الله البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٢) بابا (حدثنا ثابت) بن أسلم بن موسى البناني مولاهم أبو محمد البصري، ثقة، من (٤) روى عنه في (١٣) بابا (حدثنا أنس بن مالك) الأنصاري الخزري أبو حمزة البصري ﵁ (أن أبا بكر الصديق) العتيق عبد الله بن أبي قحافة عثمان التيمي المدني ﵁، وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن فيه رواية صحابي عن

стр. 9936

حَدَّثَهُ قَال: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشرِكِينَ عَلَى رُؤُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ. فَقُلتُ: ــ صحابي (حدثه) أي حدث أبو بكر لأنس (قال) أبو بكر: (نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن) أي أنا والنبي ﷺ (في الغار) أي في غار ثور، والألف واللام في الغار للعهد الذهني كما هو مقرر في علم النحو، وضابط هذه اللام ما عهد مصحوبها ذهنًا لا ذكرًا أي في غار جبل الثور عند هجرة النبي الكريم ﷺ إلى المدينة المنورة، وهذا الغار صخرة على رأس الجبل وهي مجوفة خاوية ليس لها منفذ إلى الداخل إلا في أسفلها بحيث يمكن للرجل أن يدخلها مضطجعًا على بطنه فلما دخلها رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ وجاء بعض أهل مكة في طلبهما أبصر أبو بكر ﵁ أقدامهم من ذلك المنفذ الذي هو في أسفل الصخرة فلم يستطع أن يبصر غير الأقدام لكون المنفذ في أسفل الصخرة. وحاصل هذه القصة أن المشركين اجتمعوا لقتل رسول الله ﷺ فبيتوه في داره فأمر عليًّا فرقد على فراشه وقال له: لن يضروك فخرج عليهم رسول الله ﷺ وهم على بابه فأخذ الله أبصارهم عنه، ولم يروه ووضع على رأس كل واحد منهم ترابا وانصرف عنهم خارجا إلى غار ثور، فاختفى فيه فاقاموا كذلك حتى أخبرهم مخبر أنه قد خرج عليهم وأنه وضع على رؤوسهم التراب فمدوا أيديهم إلى رؤوسهم فوجدوا التراب فدخلوا الدار فوجدوا عليًّا على الفراش فلم يتعرضوا له، ثم خرجوا في كل وجه يطلبون النبي ﷺ ويقتصون أثره بقائف (والقائف من يعرف الآثار ويتتبعها، ومن يعرف النسب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود) كان معروفًا عندهم إلى أن وصلوا إلى الغار فوجدوه قد نسجت عليه العنكبوت من حينه وفرخت فيه الحمام بقدرة الله تعالى، فلما رأوا ذلك قالوا: إن هذا الغار ما دخله أحد، ثم إنهم صعدوا على أعلى الغار فحينئذٍ رأى أبو بكر أقدامهم فقال بلسان مقاله مفصحًا عن ضعف حاله لو نظر أحدهم إلى قدميه أبصرنا فأجابه من تدلى فدنا بما يذهب عنه الخوف والضنى بقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة / ٤٠] أي بالحفظ والسلامة والصون والكرامة، ثم إن النبي ﷺ أقام في الغار ثلاثة أيام حتى تجهز، ومنه هاجر إلى المدينة، وكل ذلك من النبي ﷺ ثقة بوعد الله تعالى وتوكل، ودليل على خصوصية أبي بكر من الخلة وملازمة الصحبة في أوقات الشدة بما يسبق

стр. 9937

يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَن أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيهِ. فَقَال: "يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَينِ اللهُ ثَالِثُهُمَا" ــ إليه اهـ من المفهم. قال أبو بكر: (فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال) رسول الله ﷺ : (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) قال الحافظ في الفتح [٧/ ١١] (قوله لو أن أحدهم نظر) إلخ فيه مجيء الشرطية للاستقبال خلافًا للأكثر واستدل من جوزه بمجيء الفعل المضارع بعدها في نحو قوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ وعلى هذا يكون قاله حالة وقوفهم على الغار، وعلى قول الأكثر يكون قاله بعد مضيهم شكرًا لله تعالى على صيانتهما منهم. [قلت]: ويؤيد الاحتمال الأول أن النبي ﷺ قال لأبي بكر تسلية لخاطره: لا تحزن إن الله معنا. وهذا يدل على أن أبا بكر ﵁ كان في حالة الخوف حينئذٍ، ولو كان قاله بعد زوال الخوف لم يكن لهذا الجواب معنى. قوله: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما) قال النووي: معنى ثالثهما أي بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد؛ فالمراد ناصرهما ومعينهما وإلا فالله ثالث كل اثنين بعلمه، وفيه عظيم توكل النبي ﷺ حتى في هذا المقام، وفيه فضيلة لأبي بكر ﵁ وهي من أجل مناقبه، والفضيلة من أوجه منها هذا اللفظ، ومنها بذله نفسه ومفارقته أهله وماله إلخ اهـ نووي. قال الحافظ: وفي الحديث منقبة ظاهرة لأبي بكر، وفيه أن باب الغار كان ضيقًا فقد جاء في السير للواقدي: أن رجلًا كشف عن فرجه وجلس يبول فقال أبو بكر: قد رآنا يا رسول الله، فقال: "لو رآنا لم يكشف عن فرجه" اهـ[قلت]: والمذهب الصحيح أن يقال في تفسير معية الله مع عباده هي صفة ثابتة لله تعالى نثبتها ونعتقدها لا نكفيها ولا نمثلها ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٤] والبخاري في مواضع كثيرة منها في فضائل الصحابة باب مناقب المهاجرين وفضلهم [٣٦٥٣] والترمذي في التفسير سورة التوبة [٣٠٩٦]. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي بكر بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:

стр. 9938

٦٠١٥ - (٢٣٦١) (١١٦) حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا مَعْنٌ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضرِ، عَنْ عُبَيدِ بْنِ حُنَينٍ، عَن أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَال: "عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللهُ بَينَ أَنْ يُؤتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَينَ مَا عِنْدَهُ. فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ". فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ. وبَكَى. فَقَال: فَدَينَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. قَال: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرُ. وَكَانَ أَبُو بَكرِ أَعْلَمَنَا بِهِ ــ ٦٠١٥ - (٢٣٦١) (١١٦) (حدثنا عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد) بن برمك البرمكي أبو محمد البصري ثم البغدادي، ثقة، من (١١) روى عنه في (٥) أبواب (حدثنا معن) بن عيسى بن يحيى الأشجعي مولاهم أبو يحيى المدني القزاز، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٠) أبواب (حدثنا مالك) بن أنس الأصبحي المدني (عن أبي النضر) سالم بن أبي أمية التيمي مولاهم المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (٩) أبواب (عن عبيد بن حنين) بالتصغير فيهما أبي عبد الله المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٢) الطلاق والفضائل (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري الخدري ﵁، وهذا السند من سداسياته (أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر) في مرض موته (فقال عبد) من عباد الله تعالى (خيره الله) سبحانه (بين أن يؤتيه) ويعطيه (زهرة الدنيا) ونعيمها وأعراضها وزخارفها، شبهها بزهر الروض بجامع الحسن في كل (وبين ما عنده) تعالى من نعيم الآخرة (فاختار) ذلك العبد (ما عنده) تعالى من نعيم الآخرة، وإنما قال ﷺ : إن عبدًا وأبهمه ليختبر فهم أهل المعرفة ونباهة أصحاب الحذق (فبكى أبو بكر) ﵁ (وبكى) كرر الفعل لإفادة كثرة البكاء وطول مدته، . والمعنى بكى كثيرًا، ثم بكى، وزاد في رواية سالم أبي النضر عند البخاري في فضائل الصحابة (فعجب لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خير) وفي رواية عبيد بن حنين عنده في الصلاة فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ إن يكن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله (فقال) أبو بكر: (فديناك) من كل مكروه (بآبائنا وأمهاتنا) أي جعلناهم فداء لك من كل مكروه (قال) أبو سعيد الخدري: (فكان رسول الله صلى: الله عليه وسلم) هو العبد (المخير) بين ما ذكر (وكان أبو بكر أعلمنا به) أي بالعبد المخير، وعلم أن النبي ﷺ هو العبد المخير فبكى

стр. 9939

وَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن أَمَنَّ النَّاسِ عَلَي فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكرٍ، ــ حزنًا على فراقه وانقطاع الوحي وغيره من الخير دائمًا. (وقال رسول الله ﷺ : إن أمن الناس) وزاد البخاري في رواية عبيد بن حنين قبله (يا أبا بكر لا تبك) وأمن اسم تفضيل من المن بمعنى العطاء لا من المنة التي تحبط العمل (علي) بمعنى لأجل، وفي قوله: (في ماله وصحبته) بمعنى اللام أي إن أكثر الناس بذلًا لنفسه وماله لأجلي (أبو بكر) حيث فارق أهله وماله وجعل نفسه وقاية لي اهـ من المرقاة. قال القرطبي: (قوله ﷺ عبد خيره الله تعالى) إلخ هذا قول فيه إبهام قصد به النبي ﷺ اختبار أفهام أصحابه وكيفية تعلق قلوبهم به فظهر أن أبا بكر كان عنده من ذلك ما لم يكن عند أحد منهم، ولما فهم من ذلك ما لم يفهموا بادر بقوله: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، ولذلك قالوا: فكان أبو بكر أعلمنا، وهذا يدل من أبي بكر ﵁ على أن قلبه ممتلئ من محبة رسول الله ﷺ ومستغرق عنه وشديد الاعتناء بأموره كلها من أقواله وأحواله بحيث لا يشاركه أحد منهم في ذلك، ولما علم النبي ﷺ ذلك منه وصدر منه في ذلك الوقت الفهم عنه اختص بالخصوصية العظمى التي لم يظفر بمثلها بَشَرِيٌّ في الأولى ولا في الآخرة فقال: "إن من أمنِّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا" فقد تضمن هذا الكلام أن لأبي بكر من الفضائل والحقوق ما لا يشاركه فيها مخلوق، ووزن أفعل تفضيل من المنة بمعنى الامتنان أي أن أكثر الناس منة علي، ومعناه أن أبا بكر ﵁ له من الحقوق ما لو كانت لغيره لامتنَّ بها وذلك أنه ﵁ بادر النبي ﷺ بالتصديق والناس كلهم مكذبون، وبنفقة الأموال العظيمة والناس يبخلون، وبالملازمة والمصاحبة والناس ينفرون، وهو مع ذلك بانشراح صدره ورسوخ علمه يعلم أن لله ولرسوله الفضل والإحسان والمنة والامتنان، لكن النبي ﷺ بكرم خلقه وجميل معاشرته اعترف بالفضل لمن صدر عنه وشكر الصنيعة لمن وجدت منه عملًا بشكر المنعم ليسن وليعلم، وهذا مثل ما جرى له يوم حنين مع الأنصار جث جمعهم فذكرهم بما له عليهم من المنن، ثم اعترف لهم بما

стр. 9940

وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أَبا بَكْرٍ خَلِيلًا. وَلكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلامِ. لَا تُبْقَيَن فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ" ــ لهم من الفضل الجميل الحسن، وقد تقدم ذلك في الزكاة، وقد ذكر الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه عليها ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد كما نفعني مال أبي بكر" رواه الترمذي [٣٦٦١] وذكر الحديث وقال: هو حسن غريب اهـ من المفهم. (ولو كنت متخذًا) من الناس (خليلًا لاتخدت) منهم (أبا بكر خليلًا) وقوله: (متخذًا) اسم فاعل من اتخذ الخماسي من باب افتعل وهو فعل يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف الجر، ويكون بمعنى اختار واصطفى كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ إلخ وقد سكت هنا عن أحد مفعوليها وهو الذي دخل عليه حرف الجر كما قدرناه في حلنا ومحل بسط الكلام في علم النحو قال ابن فرشته: الأوجه هنا أن يقال إنه من الخلة وهي الصداقة المتخللة في قلب المحب الداعية إلى إطلاع المحبوب على سره؛ يعني لو جاز لي أن أتخذ صديقًا من الخلق يقف على سري لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن لا يطلع على سري إلا الله، ووجه تخصيصه بذلك أن أبا بكر كان أقرب سرًّا من سر رسول الله ﷺ لما روي أنه ﷺ قال: "إن أبا بكر لم يفضل عليكم بصوم ولا صلاة ولكن بشيء كتب في قلبه" (ولكن أخوة الإسلام) والدين باقية مستمرة بيننا فهي كافية فالخبر محذوف كما قدرناه (لا تبقين) بصيغة المبني للمجهول نهيًا مؤكدًا مشددًا، وفي نسخة بفتح أوله، والمعنى لا تتركن (في) هذا (المسجد خوخة) إلا سدت (إلا خوخة أبي بكر) الصديق ﵁، والخوخة بفتح الخاء وهو الباب الصغير بين البيتين أو الدارين ونحوه، وكان الناس قد فتحوا من بيوتهم خوخات إلى المسجد النبوي ليسهل عليهم دخول المسجد كلما شاؤوا فأراد رسول الله ﷺ أن تسد هذه الخوخات كلها إلا خوخة أبي بكر الصديق ﵁، وقد ذكر الحافظ في الفتح أن ذلك كان في آخر حياة النبي ﷺ وذكر جماعة من العلماء أن ذلك كان إشارة لاستخلاف أبي بكر ﵁.

стр. 9941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد أشكل على بعض الناس أن دار أبي بكر الصديق كانت بسنح كما جاء في قصه وفاة النبي ﷺ وهذا الحديث يدل على أن داره كانت ملاصقة للمسجد النبوي. والجواب عنه أنه كان له منزلان ومنزلة بالسنح كان لأصهاره من الأنصار، وقد ذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة أن دار أبي بكر الملاصقة للمسجد لم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض من وفد عليه فباعها فاشترتها منه حفصة أم المؤمنين بأربعة آلاف درهم فلم تزل بيدها إلى أن أرادوا توسيع المسجد في خلافة عثمان ﵁ فطلبوها منها ليوسعوا بها المسجد فامتنعت وقالت: كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيل لها: نعطيك دارًا أوسع منها، ونجعل لك طريقًا مثلها فسلمت ورضيت اهـ فتح الباري [٧/ ١٤]. قال القرطبي: ومعنى هذا الحديث أن أبا بكر ﵁ كان قد تأهل لأن يتخذه النبي ﷺ خليلًا لولا المانع الذي منع النبي ﷺ وهو أنه لما امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته حتى كأنه مزجت أجزاء قلبه بذلك لم يتسع قلبه لخليل آخر يكون كذلك فيه، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا ومن لم ينته إلى ذلك ممن تعلق القلب به فهو حبيب، ولذلك أثبت لأبي بكر وعائشة ﵄ أنهما أحب الناس إليه ونفى عنهما الخلة، وعلى هذا فالخلة فوق المحبة، وقد اختلف أرباب القلوب في ذلك فذهب الجمهور إلى أن الخلة أعلى تمسكًا بما ذكرناه وهو متمسك قوي ظاهر، وذهب أبو بكر بن فورك- وهو محمد بن الحسن بن فورك الشافعي الواعظ- إلى أن المحبة أعلى، واستدل على ذلك بأن الاسم الخاص بمحمد ﷺ الحبيب، وبإبراهيم الخليل، ودرجة نبينا ﷺ أوفع، فالمحبة أرفع اهـ من المفهم. قوله: (ولكن أخوة الإسلام) وفي رواية (لكنه أخي وصاحبي وقد اتخذ الله صاحبكم -يعني نفسه- خليلًا) والخلة في اللغة المودة البالغة، وقيل أصل الخلة انقطاع إلى خليله بحيث لا يسع قلبه غيره، ومعنى الحديث أن حب الله تعالى لم يدع في قلبه موضعًا لخلة غيره، ولو كان هناك مجال لأن يكون أحد خليله ﷺ لكان

стр. 9942

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبا بكر ﵁، ولكنه ﷺ لم يتخذ خليلًا، فسمى أبا بكر أخًا له وصاحبًا. وقد يعارض هذا الحديث ما روي عن أبي بن كعب قال: إن أحدث عهدي بنبيكم قبل موته بخمس دخلت عليه وهو يقول: "إنه لم يكن نبي إلا وقد اتخذ من أمته خليلًا، وإن خليلي أبو بكر، ألا وإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا". أخرجه أبو الحسن الحربي في فوائده، وذكره الحافظ في الفتح [٧/ ٢٣] ثم قال: وهذا يعارضه ما في رواية جندب عند مسلم أنه سمع النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بخمس: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل" وسيأتي مثله من طريق أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود أيضًا فإن ثبت حديث أبي أمكن أن يجمع بينهما بأنه لما برئ من ذلك تواضعًا لربه وإعظامًا له أذن الله تعالى له فيه من ذلك اليوم لما رأى تشوفه إليه وإكرامًا لأبي بكر بذلك فلا يتنافى الخبران، وأشار إلى ذلك المحب الطبري، وقد روي من حديث أبي أمامة نحو حديث أبي بن كعب دون التقيد بالخمس أخرجه الواحدي في تفسيره، والخبران واهيان. وأما ما روي عن أبي هريرة وأبي ذر ﵄ عند رواية عدة أحاديث "أخبرني خليلي" و"أوصاني خليلي" فإما أنهما أطلقا لفظ الخليل بمعنى الحبيب، هاما أنهما أرادا أن النبي ﷺ خليل لهما دون أن يكونا خليلين له ﷺ لأن كل مسلم يجوز له أن يتخذ النبي ﷺ خليلًا له بحيث لا يدع في قلبه مجالًا لخلة غيره وذلك لأن محبة الرسول ﷺ عين محبة الله ﵎، ولا يقال مثل ذلك إذا اتخذ رسول الله ﷺ خليلًا غير الله والله أعلم. قال القرطبي: (قوله: لا تبقين في المسجد خوخة) إلخ الخوخة بفتح المعجمتين بينهما واو ساكنة باب صغير بين مسكنين، وكان أصحاب النبي ﷺ فتحوا بين مساكنهم وبين المسجد خوخات اغتنامًا لملازمة المسجد وللكون فيه مع النبي ﷺ إذ كان فيه غالبًا إلا أنه لما كان ذلك يؤدي إلى اتخاذ المسجد طريقًا أمر النبي ﷺ بسد كل خوخة كانت هنالك واستثنى خوخة أبي بكر

стр. 9943

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﵁ إكرامًا له وخصوصية له لأنهما كانا لا يفترقان غالبًا، وقد استدل بهذا الحديث على صحة إمامته واستخلافه للصلاة وعلى خلافته بعده. وقد وردت عدة أحاديث في الأمر بسد الأبواب كلها إلا باب علي ﵁ منها حديث سعد بن أبي وقاص قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي. أخرجه أحمد والنسائي بإسناد قوي، ومنها حديث زيد بن أرقم: كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول الله ﷺ : "سدوا هذه الأبواب إلا باب علي" أخرجه أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات، وأخرج أحمد والنسائي مثله عن ابن عباس، والطبراني عن جابر بن سمرة، وأحمد عن ابن عمر، والنسائي عن العلاء بن عرار، عن ابن عمر، وسرد الحافظ هذه الأحاديث في الفتح [٧/ ١٥] ثم قال: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، وكل طريق منها صالح للاحتجاج به فضلًا عن مجموعها فتعارض هذه الأحاديث حديث الباب إلا أنه يمكن الجمع بينهما، وقد أشار البزار في مسنده إلى الجمع بين القصتين بأن باب علي كان إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته باب غيره فلذلك لم يؤمر بسده ويؤيد ذلك ما أخرجه إسماعيل القاضي في أحكام القرآن من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب أن النبي ﷺ لم يأذن لأحد أن يمر في المسجد وهو جنب إلا لعلي بن أبي طالب لأن بيته كان في المسجد، ومحصل الجمع أن الأمر بسد الأبواب وقع مرتين ففي الأول استثنى علي بن أبي طالب لما ذكر، وفي الأخرى استثنى أبو بكر ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما في قصة علي على الباب الحقيقي، وما في قصة أبي بكر على الباب المجازي، والمراد به الخوخة كما صرح به في بعض طرقه وكأنهم لما أمروا بسد الأبواب سدوها وأحدثوا خوخًا يستقربون الدخول إلى المسجد منها فأمروا بعد ذلك بسدها، فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين، وبها جمع بين الحديثين المذكورين أبو جعفر الطحاوي في مشكل الآثار. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١٨] والبخاري في الصلاة باب الخوخة والممر في المسجد [٤٦٦] وفي مواضع أخر، والترمذي في المناقب باب مناقب أبي بكر الصديق ﵁ [٣٦٩٥].

стр. 9944

٦٠١٦ - (٠٠) (٠٠) حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا فُلَيحُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَن سَالِمٍ، أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُبَيدِ بْنِ حُنَينٍ وَبُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَال: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ يَوْمًا، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ. ٦٠١٧ - (٢٣٦٢) (١١٧) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشارٍ الْعَبدِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ. قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي الْهُذَيلِ ــ ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد ﵁ فقال: ٦٥١٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا سعيد بن منصور) بن شعبة الخراساني، نزيل مكة، ثقة، من (١٥) روى عنه في (١٥) بابا (حدثنا فليح) مصغرًا (بن سليمان) بن أبي المغيرة الخزاعي المدني، صدوق، من (٧) روى عنه في (٤) أبواب (عن سالم) بن أبي أمية (أبي النضر) التيمي المدني، ثقة، من (٥) (عن عبيد بن حنين) المدني، ثقة، من (٣) (وبسر بن سعيد) مولى ابن الحضرمي المدني، ثقة، من (٢) روى عنه في (٨) أبواب كلاهما رويا عن (عن أبي سعيد الخدري) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة فليح لمالك بن أنس (قال) أبو سعيد: (خطب رسول الله ﷺ الناس يومًا) أي ذكرهم ووعظهم، وساق فليح بن سليمان (بمثل حديثه) أي بمثل حديث مالك بن أنس. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي بكر الصديق بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما فقال: ٦٠١٧ - (٢٣٦٢) (١١٧) (حدثنا محمد بن بشار العبدي) البصري (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري (عن إسماعيل بن رجاء) بن ربيعة الزبيدي مصغرًا مولاهم أبي إسحاق الكوفي، ثقة، من (٥) روى عنه في (٣) أبواب (قال) إسماعيل: (سمعت عبد الله بن أبي الهذيل) العبدي أبا المغيرة الكوفي، روى عن أبي الأحوص في الفضائل وعمر وعلي وأبي بن كعب، ويروي عنه (م ت س) وإسماعيل بن رجاء وواصل بن حبان وأشعث بن أبي الشعثاء سليم، قال العجلي: تابعي ثقة وكان عثمانيًّا، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في

стр. 9945

يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي الأَحْوَص، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُود يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَال: "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لاتخَذْتُ أَبا بَكْرٍ خَلِيلًا. وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي. وَقَدِ اتَّخَذَ اللهُ، ، صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا". ٦٠١٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّي وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى). قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ ؛ أنَّهُ قَال: "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي أَحَدًا خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أَبا بَكْرٍ" ــ الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الثانية، مات في ولاية خالد القسري على العراق (يحدث عن أبي الأحوص) عوف بن مالك بن نضلة الجشمي الكوفي، ثقة، من (٣) روى عنه في (٥) أبواب (قال) أبو الأحوص: (سمعت عبد الله بن مسعود) الهذلي الكوفي الصحابي المشهور ﵁، وهذا السند من سباعياته (يحدث) عن عبد الله (عن النبي ﷺ أنه قال: لو كنت متخذًا خليلًا) من الناس (لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكنه) أي لكن أبا بكر (أخي) في الإسلام (وصاحبي) في الغار (وقد اتخذ الله) تعالى صاحبكم) يريد نفسه (خليلًا) فلا تجتمع خلة الخالق وخلة المخلوق. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٣٧٧] والترمذي [٣٦٥٥] وابن ماجه [٩٣]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن مسعود ﵁ فقال: ٦٠١٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى و) محمد (بن بشار واللفظ لابن المثنى، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله الكوفي (عن أبي الأحوص) عوف بن مالك الكوفي (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (عن النبي ﷺ وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة أبي إسحاق لعبد الله بن أبي الهذيل (أنه) ﷺ (قال: لو كنت متخذًا من أمتي أحدًا خليلًا لاتخذت أبا بكر) خليلًا. قال القاضي عياض: الخليل هو الصاحب الواد الذي يفتقر إليه ويعتمد في الأمور
следующие страницы →