← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18269

سلسلة القصص - المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (522 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

رد المرأة على الهاتف السؤال ما حكم إذا ردت المرأة على الهاتف وأجابت عن سؤال؟ الجواب: إذا لم يكن خضوع بالقول وكان للحاجة، فلا بأس.

стр. 72

زيارة العديل لمنزل عديله السؤال ما هي آداب زيارة العديل لمنزل عديله؟ الجواب المقصود بالعديل هنا عند الناس هو: زوج أخت الزوجة، فيقولون: هذان عديلان، أو هؤلاء عدلاء، أي: أزواج لأخوات، فإذا زارها في بيتها، أولاً لا يجوز الخلوة بالمرأة وهي أخت زوجته، لأنها ليست من المحارم، وليست من المحرمات عليه على التأبيد، فإذاً لا يجوز الخلوة بها، ولا النظر إليها ولا الاختلاط بها.

стр. 73

البسملة في أوائل السور السؤال إنسان بدأ السورة، ولكن لم يسم ما حكم ذلك؟ الجواب قراءته صحيحة، والسنة أن يسمي من أول السورة.

стр. 74

استقبال القبلة عند قراءة القرآن السؤال ما حكم استقبال القبلة عند قراءة القرآن؟ الجواب ليس واجباً، فلو قرأ إلى غير القبلة فقراءته صحيحة. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 75

قصة الثلاثة العظماء الذين أخرجهم الجوع لقد كان النبي ﷺ وأصحابه في شظف من العيش، وشدة من المعاناة ومما يدل على ذلك: قصة خروجه ﷺ مع أبي بكر وعمر من شدة الجوع، حتى استضافهم أبو الهيثم بن التَّيْهان. هذا الحديث هو ما تكلم عنه الشيخ حفظه الله، فقد ذكر فوائد عظيمة مستفادة من هذا الحديث، ثم تكلم عن الضيافة وآدابها وما يتعلق بها؛ مذكراً بموقف إبراهيم ﵇ مع أضيافه.

стр. 76

حديث خروج النبي ﷺ وأبي بكر وعمر واستضافة أبي الهيثم لهم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فحديثنا في هذه الليلة -أيها الإخوة- عن الثلاثة العظماء الذين أخرجهم الجوع: نبي، وصدِّيق، وشهيد وكان ذلك في الصدر الأول من هذه الأمة المرحومة المكرمة بهذا النبي العظيم. روى هذه القصة الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى- في هذا الحديث الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ قال: (خرج النبي ﷺ في ساعةٍ لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر فقال: ما جاء بك يا أبا بكر؟ فقال: خرجت ألقى رسول الله ﷺ وأنظر في وجهه والتسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر، فقال: ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : وأنا قد وجدت بعض ذلك، فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التَّيْهان الأنصاري، وكان رجلاً كثير النخل والشاء، ولم يكن له خدم، فلم يجدوه، فقالوا لامرأته: أين صاحبكِ؟ فقالت: انطلق يستعذب لنا الماء، فلم يلبث أن جاء أبو الهيثم بقِربة يزعبها، فوضعها، ثم جاء يلتزم النبي ﷺ ويُفَدِّيه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطه، ثم انطلق إلى نخلةٍ، فجاء بقِنْوٍ فوضعه، فقال النبي ﷺ : أفلا تنقَّيتَ لنا من رُطَبه؟ فقال: يا رسول الله! إني أردتُ أن تختاروا، أو قال: تخيروا من رُطَبه وبُسْره، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء، فقال رسول الله ﷺ : هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة؛ ظل بارد، ورُطَب طيب، وماء بارد. فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاماً، فقال النبي ﷺ : لا تذبحن ذات دَرٍّ، قال: فذبح لهم عَناقاً أو جَدْياً، فأتاهم بها، فأكلوا، فقال النبي ﷺ : هل لك خادمٌ؟ قال: لا، قال: فإذا أتانا سبي فائتنا، فأُتي النبي ﷺ برأسَين ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، فقال النبي ﷺ : اختر منهما. فقال: يا نبي الله! اختر لي. فقال النبي ﷺ : إن المستشار مؤتمَن، خذ هذا، فإني رأيته يصلي، واستوصِ به معروفاً، فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته، فأخبرها بقول رسول الله ﷺ ، فقالت امرأته: ما أنت ببالغٍ ما قال فيه النبي ﷺ إلا أن تعتقه، قال: فهو عتيق، قال: فقال النبي ﷺ : إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالاًَ، ومن يوقَ بطانة السوء فقد وُقِي) قال أبو عيسى الترمذي ﵀: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 77

شرح بعض ألفاظ الحديث هذا الحديث يقول فيه أبو بكر الصديق ﵁: (خرجت ألقى رسول الله ﷺ ، وأنظر في وجهه، والتسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر، فقال النبي ﷺ : ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع يا رسول الله). وفي رواية مسلم: (خرج رسول الله ﷺ ذات يومٍ أو ليلةٍ فإذا هو بـ أبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟) الساعة غير المعتادة التي لا يخرج فيها الناس عادة. (قالا: الجوع يا رسول الله! قال: وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما) وهذا فيه بيان ما كان عليه النبي ﷺ وكبار أصحابه من التقلُّل من الدنيا، وما ابتُلوا به من الجوع وضيق العيش في أوقات (فقال لهم: فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم الأنصاري): وأبو الهيثم ﵁، اسمه: مالك بن التَّيْهان أو ابن التَّيِّهان. قال أبو هريرة: (وكان رجلاً كثير النخل والشاء -والشاء هي الغنم، جمع شاةٍ- ولم يكن له خدم، فما وجدوه، فقالوا لامرأته: أين صاحبكِ؟) وفي رواية مسلم: (فلما رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلاً! فقال لها رسول الله ﷺ : أين فلان؟ فقالت: خرج يستعذب لنا الماء): أي: يطلب لنا الماء العذب الذي لا ملوحة فيه. (ثم بعد ذلك جاء أبو الهيثم رضي الله تعالى عنه بقربةٍ يزعبها) ومعنى (يزعبها) أي: إنه احتملها وهي ممتلئة، يتدافع بها ويحملها لثِقَلِها. فلما رأى النبيَّ ﷺ هشَّ له غاية الهشاشة، والتزمه وعانقه وضمَّه إلى نفسه، ثم انطلق بهؤلاء الثلاثة الضيوف الكرام إلى حديقته، الروضة ذات الشجر، فجاء بقِنْوٍ وهو: العِذْق من الرُطَب، فجاءهم بعِذْق فيه بُسْر وتَمْر ورُطَب، ولما جاء به وضعه بين أيديهم (فقال ﵊: أفلا تنقَّيت لنا من رُطَبه؟ -أي: اخترتَ لنا من الرُطَب- فقال أبو الهيثم: إني أردتُ أن تختاروا أو تخيروا من رُطَبه وبُسْره) وثمر النخلة عندما يطْلُع يكون طَلْعاً، ثم بعد ذلك يصبح بَلَحاً، ثم بعد ذلك يصبح بُسْراً، ثم بعد ذلك يصبح رُطَباً. (ولما أكل النبي ﷺ قال: هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة) وفي رواية مسلم: (فلما أن شبعوا وروَوا قال رسول الله ﷺ لـ أبي بكر وعمر: والذين نفسي بيده لتسألُنَّ عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم!). ولما أراد الرجل أن يذبح لهم شاةً قال النبي ﷺ : (لا تذبحنَّ ذات دَرٍّ) أي: ذات لبن، وفي رواية مسلم: (إياك والحلوب، فذَبَح لهم عَناقاً -وهي الأنثى من أولاد المَعْز- أو جَدْياً -وهو الذكر من أولاد المَعْز- وقدَّمه إليهم، ثم قال له النبي ﷺ : هل لك خادم؟ -لأن هذا المال يحتاج إلى من يخدمه- قال: لا، فقال: فإذا أتانا سبي -أي: مِن أسارى المشركين- فائتنا، فجيء للنبي ﵊ برأسين من العبيد، وجاء أبو الهيثم، فقال ﵊: اختر منهما -اختر واحداً منهما- فقال: اختر لي يا رسول الله! فقال النبي ﷺ -توطئةً وتمهيداً قبل الاختيار-: إن المستشار مؤتمَن) أي: إن الذي يُطلَب منه الرأي وتطلب منه النصيحة لا بد أن يؤدي الأمانة، ولا يجوز له أن يخون المستشير بأن يكتم ما فيه مصلحة له. فأشار ﵊ إلى واحدٍ منهما وقال: (خذ هذا، فإني رأيته يصلي) ظهر على هذا الأسير آثار الصلاح، وكان يصلي، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فأعطاه هذا الرجل، وقال له: استوصِ به معروفاً أي: اصنع به معروفاً، وأحسن إليه. ثم إن النبي ﷺ لما أعطاه هذا العبد، رجع إلى بيته فقال لامرأته: (إن النبي ﵊ أوصاني بأن أستوصي به خيراً. فقالت المرأة: ما أنت ببالغٍ ما قال فيه النبي ﷺ إلا أن تعتقه -أي: أحسن شيء تستوصي به خيراً أن تعتقه- فقال الرجل: هو عتيق) متى ما تلفظ الإنسان بالعتق وقع العتق. فقال النبي ﵊ على إثر ذلك: (إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفةً إلا وله بطانتان) والبطانة: هم خاصة الرجل الذين يعرفون أسراره لثقته بهم، شبَّههم ببطانة الثوب؛ لأن البطانة مما يلي الجسد من الداخل، فشبه الخاصة -المجلس الخاص للإنسان، أصحاب سره وأهل ثقته- شبههم بالبطانة مِن قُرْبِهم للرجل ومِن علمهم بباطنه وحقيقة أمره وأسراره، هؤلاء هم البطانة. قال: (إن الله لم يبعث نبياً إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف -وهو ما عرفه الشرع وحكم بحسنه- وتنهاه عن المنكر -وهو ما أنكره الشرع ونهى عن فعله- وبطانة لا تألوه خبالاً) أي: لا تقصِّر في إفساد أمره، كقوله تعالى: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران:١١٨] يأمرونه بالشر، ويسعون في إفساده. (ومن يوقَ بطانة السوء فقد وُقِي). هل النبي ﵊ وهو نبي له بطانتان؟ قيل: إن المراد بالبطانتين في حق النبي: الملَك، والشيطان، وشيطان النبي ﵊ قد أَسْلَمَ، أعانه الله عليه فدخل في الإسلام، وقيل: أَسْلَمُ، أي: أَسْلَمُ مِن شره، فما من نبي ولا غيره من الخلفاء إلا وله بطانتان. وقال ﵊: (من ولِي منكم عملاً فأراد الله به خيراً جعل له وزيراً صالحاً، إن نسي ذكَّره، وإن ذكَر أعانه) ولو أن الإنسان لم يوجد له بطانة من الشر، فإن نفسه أمارة بالسوء (ومن يُوقَ بطانة السوء فقد وُقِي) الذي يَمنعه الله من بطانة السوء ويعصمه الله من بطانة السوء فقد وُقِي الشر كله.

стр. 78

من فوائد الحديث هذا الحديث فيه فوائد:-

стр. 79

جواز الإخبار بالألم إذا لم يكن على سبيل التشكي الفائدة الأولى: أن الإنسان يجوز له أن يخبر بما ناله من ألم، إذا لم يكن ذلك على سبيل التشكِّي وعدم الرضى، بل للتسلية والتصبير فقد قال أبو بكر: أخرجني الجوع. وقال عمر: أخرجني الجوع، وقال النبي ﷺ : (ما أخرجني إلا هذا، أو إني أجد بعض هذا أو وأنا قد وجدت بعض ذلك) كل واحد أخبر الآخَرَين بما ناله من الجوع. ففيه جواز أن يشتكي الإنسان لصاحبه، وأن يخبر الإنسان بما عنده من الألم؛ من مرض، أو جوع، أو فقر، إذا لم يكن على سبيل التسخط على القضاء والقدر، وإذا لم يكن على سبيل شكاية الخالق إلى المخلوق، إذا لم يكن على سبيل التضجر والتبرم من قضاء الله وقدره، وإذا لم يكن على سبيل الشحاذة، فإذا كان كل واحد يخبر أصحابه أو صاحبه بظرفه لعلَّه يساعده في رأي، أو لعله يسليه، أو يعطيه كلمة طيبة؛ فهذا لا بأس به. إذاً شكوى الأخ لإخوانه مما لقيه من صعوبة، أو بلاء، أو فقر، أو ألم، أو مرض يكون على حالَين: الحالة الأولى: أن يخبرهم بذلك لكي يُسَلُّوه ويصبروه، فهذا لا بأس به، وهو من باب التواصي. الحالة الثانية: إذا كان على سبيل التشكِّي والتبرُّم والتضجُّر من قضاء الله وقدره، والشكاية للمخلوقين، وإذلال النفس، والطلب، ومد اليد؛ فهذا مذموم.

стр. 80

زهد النبي ﷺ وأصحابه الفائدة الثانية: ما كان عليه النبي ﷺ من الزهد في الدنيا هو ووزيراه: أبو بكر، وعمر هؤلاء أعظم الناس على الإطلاق في ذلك الوقت، والنبي ﵊ أعظم الناس في كل وقت، ومع ذلك ما عندهم شيء، الإمام الأعظم ووزيراه ما عندهم في بيوتهم شيء، هذا شيء عجيب! إنه فعلاً يستدعي الانتباه والوقوف قائد الأمة وإمام الأمة ما عنده شيء في بيته، ووزيره الأول أبو بكر الصديق ما عنده شيء في بيته، والوزير الثاني عمر بن الخطاب ما عنده شيء في بيته، كلهم خرجوا من بيوتهم في ساعة لا يخرج الناس في مثلها، ما الذي أخرجهم؟! إنه الجوع. إذاً: فيه ما كان عليه النبي ﷺ وكبار أصحابه من التقلُّل من الدنيا، وما ابتُلوا به من الجوع وضيق العيش.

стр. 81

الإتيان إلى الإخوان عند الحاجة إليهم الفائدة الثالثة: أن الإنسان إذا اشتكى من مثل هذا فلا بأس أن يأتي إلى صاحبٍ له ليس بينه وبينه حرج أو كُلفة، فيطعم عنده فمِن الأخوة أنه إذا جاع أتى أخاً له ليس بينه وبين كُلفة ولا حرج ولا رسميات -كما يقولون- فيطعَم عنده، وهذا يسميه العلماء: الإدلال على الأخ أو على الصاحب، ما دام أن بينه وبينه مَعَزَّة كبيرة، وأخوَّة عالية، وصاحبه لا يتضجر إذا أتاه، ولا يثقل عليه، فإنه لا بأس بأن يأتي إليه. وكفى شرفاً بـ أبي الهيثم بن التَّيْهان أن يكون ضيفه النبي ﷺ . الفائدة الرابعة: أن الإنسان إذا ذهب إلى شخصٍ لطعامٍ، وكان يعلم أن هذا الشخص لا يتحرج من إتيان آخرين، فإنه لا بأس أن يصطحبهم فلو دعاك شخص وكان معك واحد أو اثنان أو أكثر، وأنت تعلم أن الذي دعاك لا يمانِع ولا يتحرج ولا يثقل عليه، ولا يتضجر من أن تصطحب معك بعض أصحابك إلى هذه الدعوة، فإنه لا يعتبر شيئاً مذموماً أن تأخذهم معك، مادام أنك تعلم رضاه، وأنه لا يثقل عليه، ولا يُحرج، وأن عنده ما يكفي الجميع، فلا حرج من أن تذهب بهم إليه. وأما إذا ذهب الإنسان ومعه شخص ولا يدري هل يأذن صاحب البيت أو لا يأذن، فإنه يستأذن لهذا الشخص، فيقول: يا فلان يا صاحب الدار! أنا مدعوٌّ عندك، ومعي واحد لم يُدْعَ، هل تسمح له فيدخل أو ينصرف فيرجع؟ فإذا أذِنَ صاحب البيت بدون إحراج، فإنه لا بأس أن يدخل هذا الشخص ولو لم يُدْعَ.

стр. 82

استخدام المال في طاعة الله الفائدة الخامسة: أن الإنسان إذا كان غنياً فإنه يستخدم غِناه في طاعة الله؛ فيُكْرِم أهل العلم، ويُكْرِم الصالحين، ويفرح إذا قدم عليه الضيوف الصالحون. ولذلك فرح أبو الهيثم بقدوم النبي ﵊، وقام يعتنقه، وقال: مَن أكرم أضيافاً مني؟! لا أحد اليوم أكرم أضيافاً منه؛ محمد ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، مَن بقي أكرم أضيافاً من هؤلاء؟! من هو أكرم من هؤلاء؟! لا يوجد، ولذلك كان فرحه عظيماً. فيُسَر المؤمن ويفرح إذا قدم إلى بيته أحد الصالحين أو العلماء، وهذا من علامات الإيمان، أن الإنسان يُسَر ويفرح بقدوم أهل الْخَير إلى بيته، وبالذات إذا جاءوا من غير دعوة، إنها مفاجأة سارة جداً، أن يقْدُم أهل الْخَير إلى بيته.

стр. 83

جواز الكلام مع المرأة الأجنبية إذا لم يكن هناك فتنة الفائدة السادسة: جواز الكلام مع المرأة الأجنبية بدون فتنة إذا كان بغير فتنة، ولا محذور شرعي، فإنه لا بأس على الإنسان أن يتكلم مع المرأة الأجنبية. فالنبي ﷺ لما جاء إلى هذا الرجل قال للمرأة: (أين صاحبكِ؟) والصاحب هو الزوج، وما هو الدليل على أن الزوج يسمى صاحباً والزوجة تسمى صاحبة؟ قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ [المعارج:١٢] إذاً: الزوجة تسمى صاحبة، والزوج صاحبها؛ لأن بينهما مصاحَبة، فهو يصاحبها في هذه الحياة بالعشرة الزوجية. فقال: (أين صاحبكِ؟ فقالت: انطلق يستعذب لنا الماء، فرحَّبَت بهم وتركتهم يدخلون).

стр. 84

يجوز للمرأة أن تُدخِل بيت زوجها من أذن لها في ذلك الفائدة السابعة: أنه يجوز للمرأة أن تُدْخِل إلى بيت زوجها مَن كانت تعلم يقيناً أن زوجها لا يمانع في دخوله، أما إذا كان زوجها منعها من إدخال فلان من الناس فلا يجوز لها أن تدخله، وفي الحديث: (ولا تأذن في بيته إلا بإذنه) كما أخبر النبي ﷺ ، لا تُدخل أحداً إلى البيت، لا جارَةً، ولا قريبةً، ولا بعيدةً، ولا رجلاً، ولا رجالاً لا تدخل أحداً إلا بإذنه، فإن كانت تعلم أنه يأذن أدخلَتْه.

стр. 85

حرمة الخلوة بالأجنبية الفائدة الثامنة: حرمة الخلوة بالأجنبية فإن النبي ﷺ لما جاء جاء ومعه أبو بكر وعمر، هؤلاء جماعة من الصالحين، لا يُخشى من دخولهم إلى البيت، لكن لو كانوا فَسَقَة فربما يتعاونون على المرأة. ولذلك ينبغي الحذر الشديد من إدخال الأجنبي أو الأجانب إلى البيت، إلا إذا كانوا أناساً صالحين، والزوجة تعرف يقيناً أن الرجل لا مانع لديه من دخولهم، وكانوا صالحين، فهنالك يدخلون، أما أن يدخل واحد فقط فلا يجوز أن يخلو بالمرأة ولو كان من أصلح الصالحين. وقول عائشة ﵂: [ولا والله ما مست يد النبي ﷺ يد امرأة قط، ما بايَعَهن إلا كلاماً] أي: مِن بعيد، وما مَسَّتْهُنَّ يدُه، مع أنه النبي ﵊ ولم تمس يدُه في بيعة يد امرأة، ومع وجود الحاجة لمس اليد في البيعة؛ لأن المبايِع يضع كفَّه في يد المبايَع، ويعاهده بالله أن يفعل كذا وكذا ولا يفعل كذا وكذا، فمع الحاجة لوضع اليد في البيعة إلا أن النبي ﵊ ما بايع النساء مصافحةً، إنما بايعهن كلاماً، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ﴾ [الممتحنة:١٢] إلى آخر الآية، قال فيها: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٢]. فالمبايعة كانت بالكلام، وعائشة تقول: [ولا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط]. إذاً: لا خلوة، لا مع صالح ولا مع غير صالح، ولا مصافحة؛ لا من صالح ولا من غير صالح، المصافحة حرام. أما دخول البيت فيكون بإذن الزوج، أو من كانت تعلم يقيناً أن الزوج لا يمانع في دخولهم، وكانوا صالحين، لا يُخشى منهم؛ لأن الفاجر إذا دخل: أولاً: قد يُفضي دخوله إلى حرام مع المرأة. ثانياً: قد يسرق من البيت. ثالثاً: قد يضع فيه سحراً، أو يضع فيه شيئاً، وكم من الناس ابتُلوا في بيوتهم من جراء دخول أناس فَجَرَة فَسَقَة لا يؤمَنُون إلى البيوت! وقد يطَّلعون على أسرار في البيوت وأشياء؛ ولذلك لا يُدخل الإنسان بيتَه إلا من يثق به، خصوصاً في هذا الزمن، الذي يجب أن يتحرى الإنسان في دخول بيته أكثر من أي زمن آخر، لأن الفتن فيه عمَّت، وكثرت فيه المحرمات والفُحش والفسوق والعصيان، فيجب الحذر التام من إدخال الأشخاص إلى البيوت.

стр. 86

إكرام الضيف بما تيسر قبل قدوم الطعام الفائدة التاسعة: أن مِن أدب الضيافة: استحباب المبادَرة إلى إكرام الضيف بما تيسر ريثما ينضج الطعام فإذا جاءك ضيف مفاجئ، وأنت لم تستعد بطبخ وليمة ولا ذبيحة ولا شيء، فالسنة ما فعله هذا الصحابي، أولاً: أتى لهم بعِذْق تَمْرٍ ورُطَبٍ وبُسْرٍ، يأكلون منه؛ لتسكين جوعتهم في البداية؛ ريثما يصنع لهم طعاماً. وبعضهم استدل به على تقديم الفاكهة على الخبز واللحم، وأن الله يقول أيضاً: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢٠ - ٢١] فقدَّم الفاكهة على الطعام؛ لكن الصحيح أنه ليس في هذه الآية ما يدل على ذلك، هذا كلام عن نعيم أهل الجنة، ونعيم أهل الجنة يختلف بطبيعته عن أهل الدنيا، والفاكهة سواء وُضِعت قبل الطعام أو بعد الطعام حسب مصلحة الناس، وما تعود عليه الناس، فلا بأس بذلك. وربما بعض الناس لو وضعت له فواكه وأشياء في البداية لقال لك: هاتِ الدسم، هاتِ الخلاصة، هاتِ الشيء المهم، أتريد أن تشغلنا بالأشياء الجانبية؟! فإذاً: الناس على ما تعودوا، ويكون إكرام الناس على ما تعودوا عليه؛ لكن الإنسان قد يفاجأ بضيف، فماذا يقدم له لتسكين جوعته؟ يقدم له ما يقدمه الناس في الغالب، مثلاً: تَمْراً وقهوةً، ريثما يأتوا بالطعام. فـ أبو الهيثم بن التَّيْهان ﵁ لما فوجئ بهؤلاء الضيوف الكرام قدَّم لهم -أولاً- هذا الرُطَب والتَمْر ريثما يذبح لَهُم ويطبخ لَهُم.

стр. 87

السؤال يوم القيامة عن المباحات الفائدة العاشرة: أن الإنسان سيُسأل يوم القيامة عن المباحات وهذه هي المشكلة الكبيرة؛ لأننا إذا كان سنسأل عن المباحات فما بالك بغيرها؟! والنبي ﷺ فسَّر الآية بهذا الشيء الواقعي الذي حصل: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨] فقال لهم: (ظلٌ بارد، وماءٌ بارد، وفاكهة، ولحم ((لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)) [التكاثر:٨]) فهذا هو الذي يُسأل عنه يوم القيامة. والقضية -يا إخوان- أنه كم مرة حصل للنبي ﵊ ظلٌ بارد، وماء باردٌ، وفاكهة، ولحم، في وجبة واحدة؟! قليلٌ جداً، هذه إحدى المرات النادرة في حياته التي حصلت له، أما نحن -والحمد لله- كل يوم تقريباً عندنا ظل، وماء بارد، وفواكه، ولحم، إذا لم يكن دجاج فسمك أو لحم أحمر أو غيره. الصحابة حصل لهم هذا الأمر مرة واحدة -التي نقلت إلينا- وحصل لهم مرات أخرى، ربما وجد في بعض الأحاديث أنهم أكلوا؛ لكنها قليلة، والأكثر أنهم ما عندهم كل يوم لحم وفاكهة، لذلك قالت عائشة: (كان يمر الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال -ثلاثة أهلة في شهرين- وما يوقد في بيوت النبي ﷺ نار) لا يوجد طبخ، ولا يوجد غيره؛ لأنه ليس هناك شيء يُطبخ.

стр. 88

تجنب التكليف على المضيف الفائدة الحادية عشرة: أن الإنسان يتجنب تكليف المضيف بما يشق عليه فقد قال النبي ﷺ : (لا تذبحن ذات دَرٍّ) أي: ذات لبن، خَلِّها واتركها لِلَّبن؛ لتستفيد منها في الحَلْب، اذبح شاةً ليست ذات لبن، دع الحلوب ليستفاد منها، واذبح شيئاً آخر، فيرشد المضيف إلى أن ينتقي له ما لا يضر بمصلحته، أو ما لا يحرمه من الانتفاع به.

стр. 89

مكافأة من أحسن إليك الفائدة الثانية عشرة: مكافأة من أحسن إليك فإن النبي ﷺ لما طعم عنده سأله وقال له: (هل لك خادم؟ قال: لا. قال: فإذا أتانا سبيٌ فائتنا) ولما أتاه سبيٌ أعطاه، وكافأه بعبدٍ على هذه الوجبة.

стр. 90

أخذ الرأي من الصلحاء والعقلاء الفائدة الثالثة عشرة: أن الإنسان يأخذ رأي الصلحاء والعقلاء في اختيار الأشياء لأن النبي ﷺ لما أُحْضِر له الرأسان وأتاه أبو الهيثم قال ﵊: (اختر منهما. فقال: يا نبي الله! اختر لي) أي: أنت أبصر مني وأخبر، وأخير مني وأنصح لي، وأعلم بمصلحة نفسي من نفسي، فاختر لي. فيأخذ الإنسان رأي الصلحاء والعقلاء في اختيار الأشياء، مع أنها أشياء دنيوية، قد تكون سيارة، وقد تكون امرأة، وقد يكون بيتاً، وقد تكون سلعة، وقد تكون غير ذلك.

стр. 91

المستشار مؤتمن الفائدة الرابعة عشرة: أن المستشار مؤتمَن، وأن الإنسان إذا طُلب منه نصيحة فلا بد أن يأتي بها لأن النبي ﵊ قال في حقوق الإخوة: (وإذا استنصحك فانصح له) فهذا أمر يدل على الوجوب، أي: لا بد أن تبذل له الوسع في نصحه، وتجتهد، ولا تختر له اعتباطياً وعشوائياً، وإنما يجب أن تفكر وتجتهد وتبذل الوسع في الدلالة على الخير، لتخبره: هل هذا أفضل له أم ذاك؟ وهذه مسألة تحتاج إلى تحرٍ ونظر وتفكير، وليس شيئاً عشوائياً، ما دام أنه استشارك لا بد أن تبذل له الرأي مجاناً (وإذا استنصحك فانصح له) هذا يدل على وجوب إعطاء النصيحة للأخ المسلم من قبل أخيه المسلم وجوباً شرعياً. وما هي الأشياء التي تجعل المستشار يؤدي النصيحة بشكل سليم؟ أولاً: أن يعرف ظرف المستشير وما حوله وحاله وإمكاناته. ثانياً: أن يفكر وينظر في المسألة. ثالثاً: أن يستشعر بأن القضية أمانة. رابعاً: لا تكون الإشارة هذه صحيحة إلا إذا كان لم يكتم شيئاً من المصلحة، لا أن يقول: هذا أعطاني فكرة، أنا الآن أدله على أي شيء وأسبقه إليه، كما يفعل بعض الناس، يقول: أنا أوصله إلى أي شيء استثماري، قد لا يكون مفيداً أو فائدته بسيطة، وأنا أسبقه إليها، وبعض الناس من خيانتهم في الإشارة إذا جاء واحدٌ وقال له: أنا عندي صفقة مع فلان كذا ومع فلان كذا، فيقول له: لا، خذ هذه، ويدله على الأقل، ثم يذهب هو ويأخذ تلك ويسبقه إليها هذه من الخيانة. إذاً: من خيانة المستشار أن يكتم المصلحة، ومن خيانة المستشار ألا يُعْمِل الجهد في الرأي، بل يعطي رأياً اعتباطياً عشوائياً. فالمستشار مؤتمَن، أي: أنه يجب عليه أن يتوخَّى الأمانة في إخبار المستشير.

стр. 92

خطورة البطانة وأهميتها الفائدة الخامسة عشرة: خطورة البطانة وأهميتها المرأة هذه لما كانت نِعْم البطانة لزوجها أشارت عليه بأن يعتق العبد، فقال النبي ﷺ لما عرف ذلك: (إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالاً، ومن يُوْقَ بطانة السوء فقد وُقِي). إذاً: بطانة الشخص من الأهمية والخطورة بمكان؛ لأنهم: أولاً: يعرفون أسرار الإنسان. ثانياً: لأن العادة والغالب أنه يتأثر بهم، ويمشي على حسب إشارتهم وقولهم، ويعمل برأيهم؛ فإذا كانوا بطانة خير كانت الأشياء التي يعملها الشخص في الغالب خيراً؛ لأن البطانة يشيرون عليه بالخير، وإذا كانوا أهل سوء فهو يتأثر بهم؛ لأنهم ندماؤه وجلساؤه وأهل ثقته وخاصته والمقربون إليه، فإذا دلوه على شر فإنه سيفعل الشر في الغالب (ومن وُقِي بطانة الشر فقد وُقِي). الفائدة السادسة عشرة: أن الإنسان لا يكاد يسلم من بطانة سوء إما صديق سوء، أو قريب سوء، أو زوجة سوء، أو سكرتير سوء، لا يسلم من بطانة سوء، ولذلك قال: (إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة إلا وله بطانتان) الشخص العظيم صاحب القدر الكبير إلا وله بطانتان، وإذا لم يوجد إنس فالشيطان والنفس الأمارة بالسوء. الفائدة السابعة عشرة: أن السعيد من وُقِي بطانة السوء، وأنه يجب على الإنسان أن ينقِّي بطانته، فينخلهم نخلاً، وينظر في هؤلاء المقربين إليه جلسائه، أصدقائه، ندمائه، أصحاب سره، وأهل ثقته، مَن منهم الصالح فيحتفظ به، ويشتريه ويضعه على رأسه، ومَن منهم صاحب السوء فيتخلص منه ويستغني عنه ويبيعه، لأنه لا خير للإنسان في الاحتفاظ ببطانة السوء، ولا يكاد يوجد فينا واحد إلا وهو محتك بأشخاص سيئين وأشخاص طيبين، لكن قد يكون عند الواحد -مثلاً- الطيبون أكثر، وعند الآخر السيئون أكثر؛ لكن لا يخلو أن يكون لك تعرض بوجه من الوجوه إلى شخص سيئ، فينبغي نبذه وتركه وهجره ومقاطعته ومنابذته والاستغناء عنه. الفائدة الثامنة عشرة: أن بعض الناس غرضهم الإفساد ماذا يعني (لا يألونه خبالاً) أي: أنَّهم لا يقصِّرون في إفساده، يبذلون المحاولات الشديدة في إفساده، قال ﵊: (وبطانة لا تألوه خبالاً) أي: أن هذه البطانة ليس تأثيرها عليه تأثيراً عشوائياً وبفعل وجودهم فقط، وإنما هم يخططون لإفساده، (لا يألون) أي: يجتهدون، ولا يتركون وسيلة لإفساده إلا سلكوها، وهذا يدل على وجود تعمد وتخطيط، وعلى وجود تواطؤ منهم. ولذلك فإن هذه المسألة في غاية الخطورة، فهناك أناس نذروا أنفسهم للشر، يندسون للإفساد، ويعملون، ويشتغلون ليلاً ونهاراً، مكر الليل والنهار.

стр. 93

توافق مشاعر بعض الصالحين وأحوالهم وفي هذا الحديث: أن بعض الصالحين قد تتوافق مشاعرهم، وتتوافق أحوالهم مع بعض فمما يثير الانتباه أن هؤلاء جاعوا معاً وخرجوا معاً بدون توافق، كل واحد خرج من بيته، ثم اتضح في النهاية أن أسباب الخروج واحدة عند الجميع بدون توافق، فتجد أن الناس القريبين من بعض أو الأصدقاء والخلان -أحياناً- تتواطأ مشاعرهم على شيء واحد.

стр. 94

أهمية الخادم المصلي وفيه كذلك: أهمية الخادم المصلي أهمية أن يكون الخادم من المصلين؛ لأن النبي ﷺ لما اختار له واحداً منهم اختار بناءً على الصلاة، وقال: (خذ هذا، فإني رأيته يصلي) فلو عُرض على أحد خادمة تصلي وخادمة لا تصلي، أو سائق يصلي وسائق لا يصلي، أو موظف يصلي وموظف لا يصلي، فعليه أن يختار الذي يصلي، لأن الغالب أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر نعم، قد يوجد كافر عنده أمانة، ومسلم مصلّ لكنه خائن، لكن الأكثر والأغلب أن المصلي أكثر أمانة من غيره، وعلى الأقل هناك بينه وبين الله صلة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]. إذاً: يؤخذ من الحديث: انتقاء المصلين في الأعمال. ولا يعني هذا أنك لا تنظر إلى الصفات الأخرى، وتقول: المهم أنه مصلٍّ؛ سواء كان غبياً أو لا يفهم، بل عليك أن تنظر إلى الصفات الأخرى ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] فالأمانة من ضمنها الصلاة؛ لأن الصلاة أمانة وعبادة، والأمانات كثيرة: أمانة بين العبد وربه، وأمانة بين العبد والعبد، والقوي، أي: الخبير، القادر. إذاً: الإنسان يعتمد المصلي كأساس، ويبحث -أيضاً- عن الصفات الجيدة في المصلين.

стр. 95

الضيافة وما يتعلق بها هذا الحديث -أيها الإخوة- قد اشتمل على مسألة الضيافة وما يتعلق بها، ولعلنا نشير إشارات سريعة إلى بعض الأشياء المتعلقة بالضيافة.

стр. 96

إكرام الضيف من آداب الإسلام أما مسألة الضيافة فإن إكرام الضيف من آداب الإسلام ويقول النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه). وضيافة المسلم المسافر المجتاز واجبة على النازل به مجاناً يوماً وليلة فإذا كنتَ في طريق مسافرين، وكان عندك مزرعة أو بيت ونزل عليك مسلم، فإنه يجب عليك أن تبذل له ضيافة يوم وليلة مجاناً على قدر الكفاية، وهذا الحق الذي يمكن أن يطالب به عند القاضي، يذهب إلى قاضي البلد ويقول: نزلت عند فلان في طريق السفر وهو قادر، فأبى أن يضيفني، والقاضي يرغمه شرعاً على ضيافته. فالمسألة إذاً واجبة، ويأخذ القاضي من صاحب المكان مالاً بقدر الضيافة ولو بغير إذنه ويعطيه للضيف.

стр. 97

الضيافة ثلاثة أيام ويسن أن يكرمه يوماً وليلة أخرى ثانية وثالثة فالواجب الأُولى، والثانية والثالثة مستحبة، والسنة ثلاثة أيام الأفضل المستحب ثلاثة أيام، وبعد الثلاثة الأيام من حقه أن يسرِّحَه، ولا يجوز الإثقال على الإنسان بأن يمكث عنده الضيف أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) جائزته يومٌ وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة. ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه فلا يجوز للضيف أن يقيم عند صاحب البيت بعد ثلاثة أيام من غير استدعاء من صاحب البيت وإذن منه ورغبة، أما أن يجلس عنده حتى يحرجه فلا، فإن الناس -مثلاً- يسكنون مكة والمدينة، فيأتي أناس من الخارج، ويجلسون عندهم أسبوعاً أو عشرة أيام أو شهراً، ضيف ثقيل دم، ولذلك فإن هذا المكث حرام؛ لأنه فيه إحراجاً؛ إلا إذا كان الإنسان طيبة نفسه بالضيف، ويأنس به، ويرغب أن يجلس عنده، أما أن يأتي ويجلس ويضع عنده أولاده وأهله فهذا فيه حرجٌ وضيق، ولذلك فإنه لا يجوز له أن يفعل ذلك. وكذلك فإن الإنسان يكرم من نزل عليه حتى علف الدابة، وكل ما يحتاجه الضيف على حسب القدرة والطاقة.

стр. 98

آداب متفرقة في الضيافة وينبغي للمضيف أن يخرج مع ضيفه إلى باب الدار قال ابن عباس ﵁: [من السنة إذا دعوتَ أحداً إلى منزلك أن تَخرج معه حتى يَخرج، وهذا من مكارم الأخلاق]. وكذلك السنة للضيف: ألا يقعد في صدر المجلس إلا إذا أذن صاحب البيت؛ لأن صاحب البيت أحق بصدر مجلسه وصدر دابته من غيره. وكذلك فإن الضيف إذا جلس في مكان فلا يجلس في المكان الذي يرى فيه الباب، ويرى ما وراء الباب إذا انفتح، وما وراء الستارة؛ حتى لا يطَّلع على عورات صاحب البيت. وقد حدثت قصة لطيفة بين أبي عبيد القاسم بن سلام ﵀ والإمام أحمد. أبو عبيد القاسم بن سلام من كبار أئمة اللغة، والإمام أحمد معروفٌ مَن هو. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: زرت الإمام أحمد، فلما دخلتُ قام فاعتنقني وأجلسني في صدر مجلسه، فقلت: أليس يُقال: صاحب البيت أو المجلس أحقُّ بصدر بيته أو مجلسه؟ قال: نعم، يَقعُد ويُقعِد مَن يريد إذا كان هذا حقه فآثرَ به آخر فإن له الحق أن يُجلسه. قال: قلتُ في نفسي: خذ يا أبا عبيد فائدة أبو عبيد كان يظن أن صاحب البيت فقط هو الذي يجلس في صدر البيت، والإمام أحمد أجلسه في صدر البيت، ولما سأله أبو عبيد قال: صاحب البيت أَولى؛ لكن إذا هو آثَر الضيف بصدر المجلس فإنه يَجلس. قال: قلت في نفسي: خذ يا أبا عبيد فائدة، ثم قلت -يقول أبو عبيد للإمام أحمد -: لو كنتُ آتيك على قدر ما تستحق لأتيتك كل يوم أي: أنت يا إمام أحمد يستحق الواحد أن يأتيك كل يوم، لما يوجد عندك من الفائدة، وأنه يجب أن نقدرك. فقال: لا تقل ذلك، فإن لي إخواناً ما ألقاهم كل سنة إلا مرة، أنا أوثق في مودتهم ممن ألقى كل يوم يقول: هناك أناس بيني وبينهم علاقات ما ألقاهم في السنة إلا مرة أعز عليَّ من أناس أراهم كل يوم، فالمسألة ليست بكثرة الترداد إنما بالمنازل التي في القلوب. قال: قلت: هذه أخرى يا أبا عبيد -الفائدة الثانية- فلما أردتُ القيام قام معي، فقلت: لا تفعل يا أبا عبد الله! فقال: قال الشعبي: مِن تمام زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار، وتأخذ برِكابه. قلت: يا أبا عبد الله! مَنْ عَنِ الشعبي؟ قال: ابن أبي زائدة عن مجالد عن الشعبي قلت: هذه ثالثة يا أبا عبيد أي: هذه الفائدة الثالثة. وهكذا كان السلف رحمهم الله تعالى يتعلمون، يذهب بعضهم إلى بعض من أجل أن يتعلموا الفوائد.

стр. 99

إبراهيم ﵇ وأدب الضيافة وقد ضرب إبراهيم الخليل صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم المثل العظيم في إكرام الضيف، فقد جاءه ضيف، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [الذاريات:٢٤ - ٢٨]. هذه الآيات اشتملت على آداب الضيافة مِن قبل إبراهيم الخليل ﵇؛ فتعالَوا بنا نُنْهِي هذا الموضوع باستعراض بعض الفوائد في الضيافة التي حصلت من إبراهيم الخليل ﵇:- أولاً: أنه قرَّب الطعام إليهم، ولم يأمرهم أن يتقدموا إلى الطعام وهذا واضح من قوله تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ [الذاريات:٢٧] حتى يكفيهم مئونة الإتيان إلى الطعام، وهو من مزيد التكريم، أن تقدم الطعام للضيف؛ لكن مع كثرة الأطعمة التي نضعها اليوم، يمكن أن يجلس الواحد نصف ساعة وهو يقدم الأطعمة إلى الضيف، ولذلك لو أنه جهَّز السُّفْرَة ثم قربهم إليها، فلا بأس بذلك. ثانياً: من آداب الضيافة: السرعة في الإتيان بالطعام أخذناه من قوله تعالى: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] (فَجَاءَ) بحرف الفاء، ولم يقل: ثم جاء، ولكن (فجاء). ثالثاً: إحضار الطعام بدون إعلامهم أو بدون استئذانهم لئلا يُحرَجوا وبعض الناس يقول: هل نأتي لكم بغداء؟! معنى ذلك أنه لا يريد أن يأتي لهم بشيء؛ لأنه لو كان صادقاً لأتى بالغداء قبل أن يستأذنهم أو يستأمرهم، وهكذا فعل إبراهيم الخليل؛ فإن الله تعالى قال عنه: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [الذاريات:٢٦] و (راغَ) أي: ذهب خفيةً لئلا يحرجهم، وما أحسوا به لما ذهب من الباب، فانسل خفيةً وأتاهم بالطعام. رابعاً: اختيار أحسن الطعام قال تعالى: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] والآية الثانية: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩] والحنيذ هو اللحم المشوي على الرضخ، والرضخ هي الحجارة المحمَّاة، وهو ألذ الطعام وأصحُّه، فاللحم المشوي على الحجارة المحماة أصح شيء، وهو في القمة واسأل به خبيراً! وليس ذلك أنا، فإني لم أشوِ على الحجارة أبداً، لكن المقصود أنك تسأل الذين يشوُون على الحجارة، ويقال: إن طعام الكبراء من هذا النوع، أكثره على الحجارة المحمَّاة، فهو جيد من ناحية الصحة، ومن ناحية اللذة والنضج على الحجارة. سادساً: أسلوب العرض جميل قال تعالى: ﴿قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧] لما قربه إليهم ما مدوا أيديهم ﴿قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧] أسلوب في غاية اللطف. سابعاً: حُسن الاستقبال فإبراهيم كان بابه مفتوحاً ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ [الذاريات:٢٥] والكريم دائماً بابه مفتوح. ثامناً: أنهم لَمَّا قالوا له: سَلاماً، قَالَ: سَلامٌ سلاماً: جملة فعلية، وسلامٌ: جملة اسمية. سلاماً: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره نسلم سلاماً. سلامٌ: خبر ﴿سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥] فهي جملة اسمية، والجملة الاسمية تفيد استقرار المعنى وثباته أكثر مما تفيده الجملة الفعلية ﴿فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات:٢٥]. قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]. تاسعاً: لم يسألهم عن أسمائهم، إنما أشعرهم بأن قال: ﴿سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥] أي: أهلاً بالضيوف الذين لا أعرفهم، فهو يرحب بمن يعرف وبمن لا يعرف، وهذا من كرمه ﷺ ، فهو الذي يكرم الجميع، فقد جاء بعجلٍ حنيذ لأناس لا يعرفهم، وهذا من إكرام أبي الأنبياء ﵇. عاشراً: أن الإنسان يراقب أحوال الضيف حتى يأتيه أو يعينه على المقصود قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود:٧٠] وفي الآية الأخرى: ﴿قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧] فإن الإنسان يراعي أحوال الضيف: ماذا ينقصه؟ ربما ينقصه ماء، ربما ينقصه شيء؛ والآن بعض الناس يضعون السفرة ويمشون، ولا يدري عن الضيوف ماذا ينقصهم، وماذا يحتاجون، فتفقُّد أحوال الضيوف على المائدة من إكرام الضيوف. الحادي عشر: المبالغة ذَبَح لهم عجلاً، لم يذبح لهم ثوراً، أو جاموساً قاسي اللحم، إنما ذبح العجل الذي هو صغار البقر، وهذا يكون لحمه طرياً طيباً. الثاني عشر: من إكرام الضيف أن الإنسان يحادثه:- يحادث ضيفه؛ ليحصل الاستئناس، ولذلك رخص النبي ﷺ في السمر للمصلي والمسافر والذي عنده ضيف، لا بأس أن يسمر معه الإنسان في الليل، وإلا فإن الأصل أن بعد العشاء نوم، فإن النبي ﷺ كره السهر، إلا لمصلٍّ، أو مسافر، أو صاحب ضيف يسمر معه ويحادثه. والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 100

وليمة أهل الخندق غزوة الخندق حولت مجرى الأحداث بين قريش والإسلام، ففي هذه الغزوة من الدروس والعبر الشيء الكثير، وفي هذه المحاضرة نقف مع درس من دروسها في حفر الخندق، وما لاقاه المسلمون من الشدة، ومعجزات النبي ﷺ في تكثير الطعام، وتبشيره لأصحابه بالفتح.

стр. 101

روايات حديث تكثير الطعام في الخندق الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فنذكر في هذه الليلة إن شاء الله تعالى حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه؛ في عمل من أعمال الصحابة مع نبيهم ﷺ وهم جياع، نرقق قلوبنا بسيرتهم معه، ونتأمل كيف عانوا ما عانوا لنصرة الدين، وكيف ذاقوا ألم الجوع وصبروا عليه ابتغاء وجه الله الكريم، وكذلك ما حصل من معجزاته ﵊ في تكثير الطعام، الذي رآه الصحابة أمامهم فزاد إيمانهم.

стр. 102

رواية البخاري لقصة طعام الخندق إنها قصة جابر التي يرويها ﵁ يقول: (إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كديةٌ شديدة، فجاءوا النبي ﷺ فقالوا هذه كديةٌ عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب فعاد كثيباً أُهِيل، فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت. فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي ﷺ شيئاً ما كان في ذلك صبر، أفعندك شيءٌ؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي ﷺ والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأكافي قد كادت أن تنضج، فقلت: طعيمٌ لي؛ فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: كم هو؟ فذكرت له. قال: كثير طيب! قال: قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي فقال: قوموا. فقام المهجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك! جاء النبي ﷺ ، والمهاجرون والأنصار معه، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم. فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا، فجعل يقسم الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذوا منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية قال: كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة) هذا الحديث قد رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب المغازي.

стр. 103

رواية الإمام مسلم لقصة طعام الخندق وكذلك رواه الإمام مسلم ﵀ ، ولفظ الإمام مسلم في صحيحه: عن جابر بن عبد الله: (لما حفر الخندق، رأيت برسول الله ﷺ خمصة) أي: رأيته ظاهر البطن من الجوع (فانكفأت إلى امرأتي) يعني رجعت إلى زوجتي (فقلت لها: هل عندك شيءٌ؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصاً شديداً، فأخرجت لي جراباً فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن) -البهيمة: الصغيرة من أولاد الضأن تطلق على الذكر والأنثى كالشاة من أولاد المعز، والداجن: ما ألف البيوت. (قال: فذبحتها وطَحنَتْ، فَفَرغَتْ إلى فراغي، فقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله ﷺ فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه، قال: فجئته فساررته فقلت: يا رسول الله، إنا قد ذبحنا بهيمةً لنا وطحنا صاعاً من شعير كان عندنا، فتعال أنت في نفر من أصحابك، فصاح رسول الله ﷺ وقال: يا أهل الخندق! إن جابراً قد صنع لكم سوراً -وهو الطعام الذي يدعى إليه، وهي لفظة فارسية- فحيهلا بكم، وقال رسول الله ﷺ : لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينتكم حتى أجيء، وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت لما رأت العدد الكبير: بك وبك) أي أنها ذمته قال الشراح: أو: بك تلحق الفضيحة ويتعلق الذم، أو جرى هذا بسبب سوء نظرك، وبرأيك، وأنك تسببت في جلب الفضيحة بأن جئت بعدد كبير وليس عندنا إلا هذا الشيء لا يكفيهم (فقلت: قد فعلت الذي قلته لي، وأخبرت النبي ﷺ سراً) قال جابر: (وجاء النبي ﷺ فأخرجت له عجينتنا فبصق فيها وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك، ثم قال: ادعي خابزةً فلتخبز معك ثم قال: واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها) أي اغرفي المرق في قدح. يقول جابر ﵁: (وهم ألف! فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا -يعني شبعوا وانصرفوا- وإن عجينتنا وإن برمتنا لتغط كما هي).

стр. 104

شرح الحديث والجمع بين الروايات أما بالنسبة لحديث البخاري ﵀ والذي يقول فيه جابر ﵁: إنا يوم الخندق نحفر، فمعروف أن الصحابة رضوان الله عليهم حفروا الخندق في غداة باردة في الشتاء، ولم يكن لهم عبيد يعملون فكانوا يعملون بأنفسهم، ومعروف أن المنطقة التي حفر فيها الخندق -وهي موجودة إلى الآن- صخرية شديدة الصخور، وعرة، صلبة، حتى أنهم لما أرادوا أن يمهدوا شارعاً ويحفروا فيها تكسرت الآلات واستسلم المقاول، وجاءوا بمقاول آخر فحفر شهراً كاملاً إلى أن عبدوا الطريق، والصحابة حفروه في أسبوع بدون آلات مثل هذه الآلات الموجودة الآن، وحفروا بأيديهم في البرد الشديد، وحفروا هذا الخندق عمقاً وعرضاً حوالي ستة آلاف متر. يقول جابر: فعرضت كديةٌ، وهي القطعة الشديدة الصلبة من الأرض لم يستطيعوا قطعها وأعجزتهم، فلجئوا إلى رسول الله ﷺ . وفي رواية: جئت إلى رسول الله ﷺ فقلت: هذه كدية قد عرضت في الخندق، فقال النبي ﷺ : رشوها بالماء، فرشوها، ثم قال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر من الجوع، أصابهم جهدٌ شديدٌ حتى ربط رسول الله ﷺ على بطنه حجراً من الجوع. كانوا يأتون بحجارة رقاق صفائح على قدر البطن تشد على الأمعاء فائدتها ثلاثة أشياء: أولاً: أن الإنسان من الجوع ينحني ظهره فإذا شدوا عليه الحجارة اعتدل الظهر. ثانياً: أن هذه الحجارة تبرد حرارة الجوع، والجوع له حرارة، فهذه الحجارة ببرودتها تطفئ شيئاً من حرارة الجوع، أو تمتص من حرارة الجوع التي بالبطن فتجعل الإنسان أصبر وأقدر على المقاومة. ثالثاً: أن شدها على البطن والأمعاء يجعل الطعام قليل التحلل، فلا يتحلل منه كما لو لم تكن مربوطة. شد النبي ﵊ على بطنه حجراً وكان بإمكانه أن يكون أعظم ملوك الأرض، وعنده مفاتيح خزائن الأرض. قال جابر: ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، أي: لا نطعم شيئاً ولا نقدر عليه، لما عرضت هذه الحجر، كان الناس جياعاً يعملون بأيديهم في حفر صخور صلبة في البرد، والمطلوب إنجاز المهمة بسرعة قبل أن يأتي كفار قريش ومن معهم من العرب، فلما وصلوا إلى هذه الصخرة الصلبة التي أعيتهم، استدعوا النبي ﵊ فقال: رشوا عليه الماء، ونزل ﵊ وبطنه معصوب بالحجر، فأخذ المعول أو المسحاة فضرب هذه الصخرة. وفي رواية: فسمى ثلاثاً ثم ضرب، وفي روايةٍ لما ضربها قال: باسم الله وبه بدينا -يعني بدأنا- ولو عبدنا غيره شقينا، فحبذا رباً وحب دينا -حب: من ألفاظ حبذا، لما ضرب النبي ﷺ الصخرة، قال الراوي: فعاد كثيباً أهيل، أي: تحولت الصخرة إلى رمل يسيل ولا يتماسك، فصارت الصخرة الصماء الصلبة رملاً ناعماً يسيل، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً﴾ [المزمل:١٤] أي: تحول الجبال إلى رمل سائل.

стр. 105

تفصيل ضرب صخرة الخندق عند أحمد والنسائي جاء تفصيل هذه الضربة عند الإمام أحمد والنسائي بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب قال: (لما أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق؛ عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، وفي رواية: تكسرت معاولهم عليها، فاشتكينا ذلك إلى النبي ﷺ ، فجاء فأخذ المعول فقال: باسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلثها وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة). إنها من غنائم المسلمين وفتوحاتهم، والنبي ﷺ يقول هذا الكلام في وقتٍ الحصارُ فيه آتٍ، والعرب قد اجتمعت على حربه ﷺ ، واليهود من خلفه قد نقضوا العهد، والمنافقون يرجفون في المدينة. ضرب الصخرة بيده الشريفة ﷺ وقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة. (ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر فقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض -وهذا هو إيوان كسرى- ثم ضرب الثالثة وقال: باسم الله! فقطع بقية الحجر وقال: أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة) وفي رواية أنه لما قال ذلك فرح المسلمون واستبشروا وكان كلما كبر كبروا بتكبيره فرحاً واستبشاراً. فجاء جابر إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله! ائذن لي إلى البيت، جاء تفصيل ذلك في رواية ابن عباس: احتفر رسول الله ﷺ الخندق هو وأصحابه وقد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع، فلما رأى ذلك النبي ﷺ قال: (هل دللتم على رجل يطعمنا أكلةً) قال رجل: ٌ نعم. وهذا كأنه جابر ﵁ ولذلك استأذن رسول الله ليذهب إلى أهله، فذهب إلى امرأته وهي سهيلة بنت مسعود الأنصاري ﵂ وسألها عما يوجد عندها فقالت: عندي شعير، في رواية: أنه صاع من شعير فقط، وله بهيمةٌ داجن، فذبحت وطحنت وصنعت خبزاً وقوله في الحديث: والعجين قد انكسر، أي: رطب وتمكن منه الخمير، لأنه يحتاج إلى تخمر حتى يخبز، والبرمة بين الأثاث هي الحجارة التي توضع عليها القدر، وتكون في العادة ثلاثة أحجار، وهي أمكن لئلا يميل القدر ولا يسقط. ثم أتى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله طُعيمٌ لي -وطعيم تصغير طعام، يعني أنه قليل- فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، وفي رواية: فقم أنت ونفر معك، وفي رواية: أن جابراً قال: كنت أريد أن ينصرف رسول الله ﷺ وحده فقط، لكنه ﵊ فاجأه بقوله: (قوموا) فقام المهاجرون وتبعهم الأنصار ومن معهم.

стр. 106

فضل سهيلة بنت مسعود وموقفها من قصة الطعام وذهب جابر إلى امرأته يقول: ويحك! جاء رسول الله ﷺ بالمهاجرين والأنصار. المرأة لعلها أولاً قالت: بك وبك، ثم استدركت فقالت: هل سألك عن الطعام؟ قال: نعم، وفي رواية قال جابر: فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله ، أي: من هذا العدد الكبير من الناس وليس عندي ما أطعمهم، وقلت: جاء الخلق على صاع من شعير وعناق، فدخلت على امرأتي أقول: افتضحت! جاءك رسول الله ﷺ بالخندق أجمعين فقالت: هل كان سألك عن طعامك؟ فقلت: نعم. فقالت: الله ورسوله أعلم. فكشف عني غماً شديداً كلامُ المرأة. ظنت أنه لم يعلمه فخاصمته، وقالت: بك وبك، فلما أعلمها سكن ما عندها، ثم تحولت القضية إلى إيمان فقالت: الله ورسوله أعلم، وهذا يدل على وفور عقلها، وكمال فهمها ﵂، هذه سهيلة بنت مسعود الأنصاري نسأل الله أن يحشرنا معها. هذه المرأة وقع لها قصة أخرى مع جابر، أي قصة التمر، وهي أن جابراً أوصاها لما زاره رسول الله ﷺ أن لا تكلمه (كان على جابر دين عظيم تركه أبوه، وزاره النبي ﵊ لحل مشكلة هذا الدين، وقد أوصى جابر زوجته أن إذا جاءنا النبي ﵊ فلا تكلميه ولا تتحدثي معه، فلما أراد رسول الله ﷺ الانصراف نادته المرأة: يا رسول الله! صل علي وعلى زوجي -أي: ادع لي ولزوجي- قال: صلى الله عليك وعلى زوجك، فعاتبها جابر لأنه قال لها لا تتكلمي فتكلمت، فقالت له: أكنت تظن أن الله يورد رسوله بيتي ثم يخرج ولا أسأله الدعاء) أخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن. المهم أن جابراً رجع إليه فبين له، فأتاه فقال: يا رسول الله! إنما هي عناق وصاع شعير قال: (فارجع فلا تحركن شيئاً من التنور ولا من القدر حتى آتيها، واستعر صحافاً) كما في رواية. ولما جاء النبي ﷺ والصحابة معه أمرهم بالدخول وقال: (ولا تضاغطوا) يعني لا تزدحموا وادخلوا برفق، ثم أخرج العجين، وتفل فيه ﷺ ، ودعا بالبركة، ثم إلى البرمة كذلك ودعا بالبركة وجعل يخمر البرمة أي: يغطيها، ثم ينزع اللحم من البرمة، وأمر الخابزة أن تأتي لتخبز، وأمر بالغرف، وأقعدهم عشرةً عشرةً، فأكلوا عشرة عشرة. قال جابر: وبقيت بقية فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وفي رواية: فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعون، ويعود التنور والقدر أملأ مما كانا أي: أكثر امتلاءٍ مما كانت قبل أن يأكل منها ألف رجل، وقال ﵊ في ختام القصة للمرأة: كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة، قالت: فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع.

стр. 107

من فوائد قصة تكثير الطعام في الخندق

стр. 108

خصائص النبي ومعجزاته وهذه القصة العظيمة تعتبر من معجزاته ﷺ ، ومعجزاته ﷺ كثيرة، كما أن خصائصه ﷺ كثيرة، وكان ﵊ قد كثر الله له الطعام، وكذلك الشراب من اللبن وغيره، وكذلك نبع الماء من بين أصابعه ﷺ , وكان الصحابة يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل بين يديه ﷺ ، وكان حجر يسلم عليه بـ مكة، وانشق القمر له ﷺ . وكذلك فإنه ﷺ قد حصل له من المعجزات في هذه القصة في مسألة فلق الصخرة، وأنه رأى اليمن والشام والعراق قد فتحت عليه. هذه القصة فيها أيضاً علمان من أعلام النبوة؛ تكثير الطعام القليل، وعلمه ﷺ أن الطعام الذي يكفي في العادة خمسة أنفس أو نحوهم سيكثر ويكفي ألفاً، فدعا ألف رجل قبل أن يصل؛ مع إنه يعلم أنه صاع من شعير وبهيمة، وكذلك آمن الصحابة بين يديه وهم يرون هذه المعجزات. وقد جمع المعجزات عدد من العلماء منهم: القفال الشاشي في الدلائل، وصاحبه أبو عبد الله القديمي وكذلك أبو بكر البيهقي، قال النووي ﵀: وأحسنها كتاب البيهقي وهو دلائل النبوة مطبوع في مجلدات، وهذه القصة فيها نصر الصحابة للدين، وقيامهم بحفر هذا الخندق. وكذلك في هذه القصة أن الأمل لا يفقد بالمؤمن؛ حتى مع الحصار وقوة الأعداء، فإنه ﵊ كان يوقن بنصر الله عزوجل، وأن الله سيتم هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه.

стр. 109

جواز المسارة في جماعة كذلك في هذا الحديث جواز المسارة بالحاجة بحضرة الجماعة؛ لأن جابراً جاء فأسر إلى النبي ﷺ ، والنهي إنما جاء عن تناجي اثنين دون الثالث؛ لأن ذلك يحزنه؛ فإنهما إذا تناجيا دونه شعر بالغربة والوحشة، أو أنهما يريدان به شراً، أو أنه أقل مستوى من أن يسمع الكلام ونحو ذلك، لكن لو كانوا جماعة فجاء رجل فسر إلى رجل في وسط الجماعة فهذا لا بأس به. ويعتبر من التناجي أن يتكلما بلغة لا يفهمها الثالث إذا كان معهما في المجلس وحده، فإنه يعتبر أيضاً تناجياً محرماً.

стр. 110

من آداب الضيافة اختيار الزوجة الصالحة وكذلك في هذا الحديث أنه يجوز للإنسان أن يدعو إلى بيت من دعاه أناساً إذا كان يعلم أن صاحب البيت يرضى، وهذا يفهم من عنوان الحديث من صحيح مسلم: (من دعا معه أشخاصاً وهو يعلم أن صاحب البيت راضٍ) لكن إذا كان لا يعلم أهو راضٍ أم لا، فلا بد أن يستأذن من صاحب البيت، فإذا جاء إلى البيت فطرق الباب فليقل: معي فلان أيدخل أو يرجع؟ وأما إذا كان يعلم أنه لا يأذن فإنه لا يأتي به أصلاً. فإذاً إما أن يعلم إذن صاحب البيت فيأتي بالأشخاص، أو يعلم أن صاحب البيت لا يرضى فلا يأتي بهم، أو لا يعلم هل هو راضٍ أو لا، فإذا أتى بأحد معه استأذن له قبل أن يدخل. وكذلك في هذا الحديث: أن المرأة تعين زوجها على أمر الله ورسوله، وأن هذه المرأة الصالحة سهيلة بنت مسعود ﵂ سألت زوجها: هل سألك عن الطعام؟ ثم قالت مستسلمة: الله ورسوله أعلم، وهذا من إيمانها، وهذا الذي قال جابر بسببه أنه قد كشف عنه الغم الذي كان به، فالمرأة الصالحة يكون كلامها سبباً في كشف الغم عن زوجها إذا اغتم. وكذلك في هذا الحديث بركة ريقه ﵊. وفي هذا الحديث الدعاء بالبركة وأنه يكون سبباً في كفاية الطعام القليل للعدد الكثير. وكذلك في هذا الحديث أنه ينبغي الرفق عند صاحب الوليمة وعدم التضاغط، وكذلك فيه التحلق عشرة عشرة إذا كان المكان ضيقاً، يأكل مجموعة ويمشون، ثم تأتي مجموعة يأكلون وينصرفون، وتأتي مجموعة ثالثة يأكلون وينصرفون، فيجعلون على نوبات كما حصل في حديث جابر هذا، فإنهم جاءوا عشرة عشرة فأكلوا وانصرفوا.
следующие страницы →