← Адаб

Адаб · id 18270

بحوث ومقالات في اللغة والأدب وتقويم النصوص (مقالات محمد أجمل الإصلاحي)

محمد أجمل الإصلاحي

Полный текст (486 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المؤلف، وهو من أواخر القرن الرابع إلى أوائل القرن السادس. فإذا افترضنا أنه في أواخر القرن الرابع، فإنه لم يدرك علماءه الذين نقل عنهم، إذ لم يصرح بسماعه عن أحد منهم، وقد توفّي آخرهم في سنة ٣٩٩ هـ. ومن ثم نرجح أن مؤلف الكتاب من القرن الخامس الهجري. وقد ارتأى الدكتور إحسان النص أنه "عاش في حقبة تمتد من أواخر القرن الرابع الهجري حتى منتصف القرن الخامس الهجري" واستدل على ذلك بأمرين: الأول أنه "لم يذكر أنه أخذ عن أي مصنف بعد ابن خالويه المتوفّى ٣٧٠ هـ"، وهو خطأ قد سبق تصحيحه. والثاني أنه "قد وجد في القرنين الخامس والسادس علماء صنفوا في موضوع خلق الإنسان، وأشهرهم ابن سيده علي بن إسماعيل المتوفي سنة ٤٥٨ هـ، وكتابه المخصص أوسع مصدر لبحث خلق الإنسان، فلو أن المؤلف عاش بعد زمنه لكان من المحتم أن يأخذ ... ولا سيما إذا كان المؤلف أندلسيًا حسبما استظهر المحقق، ولهذا أراه توفي قبل أن يؤلف ابن سيده كتابه المخصص" (ص ٢٣١) أولًا: لا دليل على كون المؤلف أندلسيًا، وأما ما استظهر به محقق الكتاب على ذلك أعني الجمل الدعائية التي جاءت في فاتحة الكتاب، وظنّها "سمة أندلسية خاصة" فهو أسلوب قديم معروف في كتب أهل المشرق. انظر مثلًا: كتاب الحيوان وكتاب البخلاء للجاحظ (٢٥٥ هـ) وكتاب من اسمه عمرو من الشعراء لابن الجراح (٢٩٦ هـ) والزهرة لمحمد بن داوود الأصبهاني (٢٩٧ هـ) وحروف المعاني للزجاجي (٣٤٠ هـ) والموازنة للآمدي (٣٧٠ هـ) والخصائص، وسر صناعة الإعراب لابن جني (٣٩٢ هـ). ثانيًا: ليس من المحتم أن يأخذ المؤلف عن ابن سيده، ولو كان أندلسيًا عاش بعده. فهذا ابن سيده نفسه عاش حتمًا بعد ابن السيّد المتوفى سنة ٣٨٢ هـ، وكلاهما أندلسي، وكان ابن السيّد إمامًا في اللغة والعربية، وقد

стр. 142

صنف كتابًا سماه "العالم" في اللغة يقول فيه ابن حزم، وهو يذكر أهم كتب اللغة التي ألفت في الأندلس: "ومنها كتاب أحمد بن أبان بن سيد في اللغة المعروف بكتاب العالم، نحو مئة سفر على الأجناس، في غاية الإيعاب، بدأ بالفلك وختم بالذرة" (١). فكتاب العالم من نمط كتاب المخصص، ولكن لم يشر ابن سيده في المخصص إلى كتاب العالم، فضلًا عن النقل منه (٢). وهذا ثابت بن أبي ثابت وراق أبي عبيد (٢٢٤ هـ) من علماء القرن الثالث الهجري، وكتابه من أحسن الكتب المؤلفة في خلق الإنسان، وعاش بدون شك قبل أبي محمد، ولكن لا نرى له أثرًا في كتابه، بينما هو من أكبر مصادر ابن سيده في كتاب خلق الإنسان من المخصص. وكتاب المخصص الذي ألفه ابن سيده قبل كتاب المحكم، لم يكن حظه من الاشتهار والانتشار كحظ المحكم. فلم يقف عليه القفطي المتوفى سنة ٦٢٤ هـ - وهو من هو في الشغف بالكتب واقتنائها - فإنه لما ترجم لان سيده في إنباه الرواة أثنى على كتاب المحكم ثناءً بالغًا، وذكر أنه "في وقف التاج البندهي بدمشق في رباط الصوفية". فلم يذكر كتاب المخصص بل اكتفى بقوله: "وله غير ذلك من الكتب الأدبية". ثم نقل عن ابن بشكوال أن من تواليفه "كتاب المحكم في اللغة وكتاب المخصص وكتاب ... " (٣) كأنه زاد ذلك فيما بعد لما وقف على كتاب الصلة. وكذلك السيوطي المتوفى في سنة ٩١١ هـ لم يشر إلى كتاب المخصص في ترجمة ابن سيده في بغية الوعاة (٤) ولا ذكره في كتاب

стр. 143

المزهر، ولا استفاد منه في كتابه في خلق الإنسان. وما لنا نذهب بعيدًا، فنحن في زمننا هذا - زمن الطباعة والحاسوب والناسوخ - لا نعلم أحيانًا عن بعض الكتب أنه قد نشر في بلد من بلادنا المجاورة، وإذا علمنا بنشره تعذر علينا الحصول عليه! وأقرب دليل على ذلك أن كتب خلق الإنسان التي تحدث عنها الدكتور إحسان النص في مقاله أربعة كتب ليس منها كتاب السيوطي "غاية الإحسان في خلق الإنسان"، مع أنه نشر في القاهرة سنة ١٩٩١ م أي قبل سبع سنوات من نشر مقاله في مجلة المجمع! فلو وقف عليه ما أغفله، لما يمتاز به من غزارة المادة والاعتماد على مصادر لم يصلنا بعضها. ومحقق كتاب السيوطي يذكر أبا محمد من المؤلفين في خلق الإنسان، ويحيل في ذلك على نشرة أخبار التراث العربي عدد نوفمبر وديسمبر ١٩٨٥ م، ولا يعلم أن كتاب أبي محمد طبع في الكويت سنة ١٩٨٦ م، أي قبل إصداره كتاب السيوطي بخمس سنوات! (٦) المؤلف ونسبة (الشيرازي) كتاب خلق الإنسان في نسخة داماد زاده يبتدئ في ٧٧/ظ، بعدما تنتهي رسائل الصغاني في ٧٧/و، فكتب بعض القرّاء بعد نهايتها العبارة الأتية: "كتاب خلق الإنسان في اللغة تأليف أبي محمد الحسن بن أحمد بن عبد الرحمن ﵁" وهذا يوافق ما جاء في آخر الكتاب ولكنه زاد فيما بعد لفظة "الكامل" بعد كلمة "الإنسان"، كما زاد نسبة "الشيرازي" قبل "رضي .... " وكتب الكلمتين فوق السطر. فهل كان ذلك اجتهادًا من الكاتب، أو اطلع على نسخة أخرى من الكتاب سمي فيها بكتاب "خلق الإنسان الكامل في اللغة"، كما أضيفت فيها إلى اسم المؤلف نسبة "الشيرازي"؟ يقول المحقق في تعليقه على هذه العبارة (ص ١٤): "ولابد أن هذا

стр. 144

القارئ حين أضاف هذه النسبة كان يعرف المؤلف، ويعلم أنه شيرازي، ومع أن ذلك لا يفيد كثيرًا في كشف الغموض الذي يكتنف اسم المؤلف فإنه ضيّق - إلى حد ما - دائرة الغموض بهذه النسبة". قلت: إن نسبة "الشيرازي" - إذا ثبتت - تثير سؤالًا، بل تجعلنا أمام توافق غريب في الأسماء، وكأننا عثرنا على شخصية المؤلف، فإن والده في ضوء العبارة السابقة: أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي، وهو يوافق تمامًا اسم إمام مشهور في علم الحديث توفي في أوائل القرن الخامس، ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال: "الإمام الحافظ المجوّد أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن موسى الشيرازي، مصنف كتاب الألقاب سماعنا. سمع أبا بحر محمد بن الحسن البربهاري وأبا بكر القطيعي وعلي بن أحمد المصيصي وأبا القاسم الطبراني ... قال الحافظ شيرويه الديلمي: كان ثقة صادقًا حافظًا، يحسن هذا الشأن جيدًا جدًا، فخرج من عندنا يعني همذان سنة أربع وأربعمائة إلى شيراز، وأخبرت أنه مات بها سنة إحدى عشرة وأربعمائة، كذا قال، وأما أبو القاسم بن مندة، فقال: توفّي في شوال سنة سبع وأربعمائة، فهذا أشبه. قلت: كان من فرسان الحديث، واسع الرحلة ... " (١). ولكن لم يذكر في ترجمته أن له ابنًا يسمى الحسن، وذلك يجعلنا نتردد في قبول زيادة "الشيرازي" إذا كانت اجتهادًا من الكاتب، وخاصة لأنها لم ترد في الأصل، إلا أن زمنه يوافق زمن مؤلف كتاب خلق الإنسان. (٧) ترتيب الكتاب على حروف المعجم كتاب خلق الإنسان لأبي محمد مرتّب على حروف المعجم، يقول في

стр. 145

ذلك محقق الكتاب: "إن تصنيف الكتب على حروف المعجم على النحو الذي اتبعه المؤلف هنا لا نجد له أثرًا في القرون الأولى من الهجرة حتى القرنين الثالث والرابع، ولعل أول بادرة لهذا النمط من التأليف نجدها في كتب أبي محمد الأعرابي المعروف بالأسود العندجاني (كان يعيش سنة ٤٢٨ هـ) الذي اهتم بوجه خاص بترتيب مصنفاته على حروف المعجم، لعل كتابنا هذا - وهو شبيه في ترتيبه بكتب أبي محمد الأعرابي - قد ألف في عصره أو قريبًا منه" (المقدمة ص ١٦). والدكتور إحسان النص أيضًا أشار إلى ذلك، وهو يتحدث عن منهج الكتاب، فقال: "وهذا النهج جديد في بابه، فمصنفات خلق الإنسان السابقة كانت تجعل لكل عضو بابًا مستقلًا، فجاء كتاب المؤلف مغايرًا لما سبقه، وكان معجمًا مرتبًا على الحروف في أسماء أعضاء الإنسان، وتلك ميزة لهذا الكتاب" (٢٣٢). وأشار الدكتور أيضًا إلى الغندجاني فقال: "وقد جرى المؤلف على نهج الغندجاني في ترتيب أبواب كتابه على الحروف، وهي الطريقة التي اتبعها الغندجاني في مصنفاته ... ". وهنا عدة مآخذ على كلامهما: أولًا: لا يصح أن ترتيب الكتب على حروف المعجم لم يعرف إلى القرن الرابع، فقد سبق كراع النمل المتوفي سنة ٣١٠ هـ المتقدمين والمتأخرين، إذ وضع معجمًا كاملًا - وهو المجرد - رتبه على حروف المعجم، وجعل الحرف الأول بابًا والثاني فصلًا مع الاعتداد بالزوائد (١). ولعل الأصل الذي اختصر منه

стр. 146

المجرد - وهو المنضد - أيضًا كان على هذا الترتيب (١). ثانيًا: إذا نظرنا في الكتب المؤلفة في خلق الإنسان فقط، فإن كتاب أبي جعفر محمد بن حبيب مرتبٌ على حروف المعجم، وقد توفّي سنة ٢٤٥ هـ (٢). ثالثًا: لم ينشر من كتب الغندجاني إلا ثلاثة كتب: كتاب فرحة الأديب، وكتاب إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري في تفسير معاني أبيات الحماسة، وكتاب أسماء خيل العرب وأنسابها وذكر فرسانها، وهذا الكتاب الأخير هو الذي رتبه الغندجاني على حروف المعجم. فقول المحقق إن الغندجاني اهتم بوجه خاص بترتيب مصنّفاته على حروف المعجم، وكذلك قول الدكتور إحسان النص: "وهي الطريقة التي اتّبعها الغندجاني في مصنفاته" ينقصه الدقة في التعبير، فإن كلامهما يوحي بأن للغندجاني عدة مصنفات عني بترتيبها على حروف المعجم. والجدير بالذكر أن لأبي منصور عبد الله بن سعيد الخوافي اللغوي كتابًا في خلق الإنسان. وذكر في ترجمته أنه مرتب على حروف المعجم، وقد توفي الخوافي سنة ٣٨٠ هـ، فهو أقدم من أبي محمد (٣). ذكر الدكتور إحسان النص أنه قد تبادر إلى خاطره في أول الأمر أن يكون مؤلف الكتاب "هو الأسود الغندجاني الحسن بن أحمد المتوفى سنة ٤٢٨ هـ .... ". لم تذكر المصادر أن الغندجاني توفّي سنة ٤٢٨ هـ، وإنما قال ياقوت "قرأت في بعض تصانيفه أنه صنف في شهور سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وقرئ

стр. 147

عليه في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة" (١). ومن هنا كتب الدكتور أحمد خان في عبارته التي نقلناها آنفًا "كان يعيش سنة ٤٢٨". أما محقق كتب الغندجاني، فكتب على مؤلفاته الثلاثة أنه كان حيًا سنة ٤٣٠ هـ، اعتمادًا على ما جاء في أول كتاب إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري ... أنه عمله للمجلس العادلي العالي نوّره الله في شهور سنة ثلاثين وأربعمائة. وقد نبّهت من قبل في مقالي "إصلاح الإصلاح" في نقد نشرة الدكتور محمد علي سلطاني للكتاب الأخير على أن في كتاب إنباه الرواة (٤: ١٧٤ - ١٧٥) ترجمة للغندجاني، ذكر فيها القفطي أنه توفّي بالغندجان سنة ٤٣٦ هـ (٢). (٨) قصة بيع الجمهرة بين القالي والفالي من مميزات مخطوطة كتاب خلق الإنسان أن بعض العلماء قابلها بأصل المؤلف، ثم علق في مواضع عديدة منها بالرجوع إلى مصادر أخرى نحو كتاب المجرد لكراع النمل ومختصر العين، وجمهرة اللغة. ومن تعليقاته على لكلمة (العضاض) في الورقة ١٢٠/و: "وفي الجمهرة لابن دريد، ونقلته [من] خط أبي علي القالي ﵀: الغضاض .... ". أشار محقق الكتاب إلى هذه الحاشية وقال: "ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن نذكر أن النسخة التي كانت أمامه من الجمهرة كانت نسخة المؤلف، وعليها خط أبي علي القالي ... ومن الطريف أن هذه النسخة هي النسخة نفسها التي باعها أبو علي القالي - حين اشتدت الحاجة به - بأربعين مثقالًا، وكتب عليها الأبيات، وتمام الخبر في المزهر للسيوطي" (المقدمة ص ٣١). ليس في كلام المحشي ما يدلّ على أن نسخة الجمهرة التي نقل منها كانت

стр. 148

بخط المؤلف، ولكن غلبت على المحقق حكاية المزهر، وهي كما أوردها السيوطي: "وقال بعضهم: كان لأبي علي القالي نسخة من الجمهرة بخط مؤلفها، وكان قد أعطي بها ثلاثمائة مثقال، فأبى، فاشتدت به الحاجة، فباعها بأربعين مثقالًا، وكتب عليها هذه الأبيات: أنست بها عشرين عامًا وبعتها ... وقد طال وجدي بعدها وحنيني وما كان ظني أنني سأبيعها ... ولو خلّدتني في السجون ديوني ولكن لعجز وافتقار وصبية ... صغار، عليهم تستهل شؤوني فقلت ولم أملك سوابق عبرتي ... مقالة مكوي الفؤاد حزين وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من رب بهن ضنين قال: فأرسلها الذي اشتراها وأرسل معها أربعين دينارًا أخرى. وجدت هذه الحكاية مكتوبة بخط القاضي مجد الدين الفيروزابادي صاحب القاموس على ظهر نسخة من العباب للصغاني، ونقل من خطه تلميذه أبو حامد محمد بن الضياء الحنفي، ونقلتها من خطه" (١). هذه الحكاية التي أسندها الفيروزابادي إلى شخص مجهول، قد وقع فيها عدة أخطاء أهمها أن الذي باع نسخته من الجمهرة، وكتب هذه الأبيات التي ضمنها بيتًا قديمًا - وهو البيت الأخير - هو أبو الحسن علي بن أحمد الفالي (بالفاء) المتوفى سنة ٤٤٨ هـ، لا أبو علي القالي (بالقاف) المتوفى سنة ٣٥٦ هـ. أطبقت على ذلك كتب التاريخ والتراجم، ولم يشذ عنها إلا هذه الرواية المدخولة (٢).

стр. 149

ولعل أول من نبه على هذا الغلط العلامة عبد العزيز الميمني ﵀، إذ قال في شرحه لذيل أمالي القالي وصلة ذيله، وهو الجزء الثالث من سمط اللآلي: "وغلط المتأخرون"، فظنوا الفالي (بالفاء المنقوطة بنقطة واحدة) صاحبنا أبا علي ... " (١). وجاز هذا التصحيف على الأستاذ أحمد أمين في كتابه ظهر الإسلام (١: ١١٧)، فنبه عليه الأستاذ مصطفى جواد في مقدمة كتاب تكملة إكمال الإكمال لابن الصابوني (٢). وقد بسطت في موضع آخر ترجمة أبي الحسن الفالي، مع تحرير قصة بيع نسخته من الجمهرة، وتتبع القصص التي تمثل أصحابها بالبيت القديم الذي ضمنه الفالي (٣). * * *

стр. 150

قصة بيع الجمهرة الدريدية صاحبها أبو الحسن الفالي، لا أبو علي القالي (١) لقد فرحت أيّما فرح لمّا بلغني أن ملحق التراث سيعاود صدوره، بعد فترة امتدّت، فشقّت عليّ أنا وأمثالي ممن اتخذوه - منذ أن عرفوه - أنيسهم وجليسهم، يترقبون موعده، ويستبشرون بقدومه، ويستمتعون بما يحمله إليهم من ضروب المعرفة، وطرائف المنظوم والمنثور، وأخبار المخطوط والمنشور. فكم نزهةٍ فيك للناظرين ... وكم راحةٍ فيك للأنفس ثم فوجئنا ذات يوم بأن اختفى هذا الجليس، فلم يزرنا كعهده كل خميس، فأشفقنا عليه من حدثٍ نابه، أو مكروه أصابه، فدعونا له بالسلامة، وقلنا جميعًا: "لا أوحش الله من مؤنس". ثم تمادى غيابه، وانقطعت أخباره، فخامرتنا الشكوك، وساورتنا الهموم، وذهبت بنا الظنون كل مذهب، ولم يبق لنا سوى "التعلل بالتذكار والأمل". وأخيرًا، بعد حول مجرَّم، انجلت الغمرة، وعاد المنتظر، وحلّ بصحيفة البلاد، ولقي منها "أهلًا بأهل وجيرانًا بجيران" فالحمد لله الذي جمع شملنا به، بعدما برّح الشوق، وطال الانتظار، فمرحبًا به من زائر لا يمل: تحية مشتاق وتسليم وامق ... وتجديد عهد من مقيم على عهد * * *

стр. 151

وطلع علينا العدد الأول من الملحق بمقالات وتعقيبات وأخبار كلها ممتعة ومفيدة، ومنها كلمة لطيفة بقلم الدكتور عبد الكريم بن صنيتان العمري بعنوان "الكتاب"، جعلها تمهيدًا لكلمات تالية، يريد أن يقدم فيها تعريفًا لكتاب من كتب التراث الحديث النشر. وقد بيّن الدكتور العمري في مقاله أهمية الكتاب وقيمته، ونقل بهذا الصدد عن جلال الدين السيوطي أنه "كان لأبي علي القالي نسخة من (الجمهرة) بخط مؤلفها، وكان قد أعطي بها ثلاثمائة مثقال، فأبى، فاشتدت به الحاجة، فباعها بأربعين مثقالًا، وكتب عليها هذه الأبيات: أنست بها عشرين عامًا وبعتها ... وقد طال وجدي بعدها وحنيني وما كان ظنّي أنني سأبيعها ... ولو خلّدتني في السجون ديوني ولكن لعجزٍ وافتقارٍ وصبيةٍ ... صغارٍ، عليهم تستهلّ شؤوني فقلت ولم أملك سوابق عبرتي ... مقالة مكويّ الفؤاد حزين وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من ربٍّ بهن ضنين قال: فأرسلها الذي اشتراها وأرسل معها أربعين دينارًا أخرى". أورد السيوطي ﵀ هذه الحكاية في كتابه المزهر (١: ٩٥) وبدايتها فيه: "وقال بعضهم: كان لأبي علي القالي .... " وعقب عليها بقوله: "وجدت هذه الحكاية مكتوبة بخط القاضي مجد الدين الفيروزابادي صاحب القاموس، على ظهر نسخة من العباب للصغاني، ونقلها من خطه تلميذه أو حامد محمد ابن الضياء الحنفي، ونقلتها من خطه". وبيّنٌ من سياقه السيوطي لهذه الحكاية أن سندها ينتهي إلى شخص مجهول، فإن الفيروزابادي نسبها إلى "بعضهم"، ولم يفصح عن اسمه، والسيوطي برّأ ذمّته بإثبات أنه نقلها من خط أبي حامد الذي نقل من خط المجد.

стр. 152

وقد وقع الغلط في هذه الحكاية من عدة وجوه، أهمها أن الذي باع نسخته من الجمهرة، وكتب هذه الأبيات التي ضمّتها بيتًا سائرًا قديمًا، وهو البيت الخامس، هو أبو الحسن علي بن أحمد الفالي - بالفاء - المتوفى سنة ٤٤٨ هـ لا أبو علي القالي - بالقاف - المتوفى سنة ٣٥٦ هـ. أجمعت على ذلك كتب التاريخ والتراجم، ولم يشذّ عنها إلى حكاية الفيروزابادي هذه المجهولة الإسناد. ولعلّ أول من نبّه على هذا الغلط العلامة عبد العزيز الميمني ﵀، فقال في شرحه لذيل أمالي القالي وصلة ذيله، وهو الجزء الثالث من سمط اللآلي (٣: ٨٩): "وغلط المتأخّرون، فظنّوا الفالي (بالفاء المنقوطة بنقطة واحدة) صاحبنا أبا علي ... " وقد فرغ الميمني من شرحه هذا في شوال ١٣٤٩ = ٤ مارس ١٩٣١ م، وطبعته لجنة التأليف والترجمة والنشر في القاهرة عام ١٣٥٤ هـ = ١٩٣٦ م. والظاهر أن الميمني أشار بكلمة المتأخرين إلى الفيروزابادي وأبي حامد والسيوطي. ولكن كتاب المزهر أكثر تداولًا من سمط اللآلي، ثم لا فرق بين القالي والفالي إلا نقطة واحدة، والقالي (بالقاف) أشهر من الفالي (بالفاء). أما إذا اقترن ذكر أولهما بجمهرة ابن دريد، وهو تلميذ ابن دريد، فلن يشك من لم يعرف القصة أن المذكور هو القالي (بالقاف). بل إذا رأى أن الكلمة منقوطة بنقطة واحدة، لم يتردد في تصحيحها بزيادة نقطة أخرى تيقنًا منه بأن الأولى مصحفة، خاصة إذا لم يذكر معها الاسم أو الكنية. فدواعي التصحيف والخلط متوافرة في هذه القصة. فليس عجبًا أن تنسب القصة إلى القالي، . ولا يبقى بعد ذلك إلا أن يضيف الناقلون إليها حواشي وأصباغًا، لتزويقها واستكمال جوانبها ومضاعفة أثرها. وقد جاز هذا التصحيف على الأستاذ أحمد أمين فقال في كتابه ظهر

стр. 153

الإسلام (١: ١١٧): "وهذا أبو علي (القالي) البغدادي ضاقت به الحال قبل أن يرحل إلى الأندلس، حتى اضطر أن يبيع بعض كتبه، وهي أعزّ شيء عنده، فباع نسخت من كتاب "الجمهرة"، وكان كلفًا بها، فاشتراها الشريف المرتضى، فوجد عليها بخط أبي علي: أنست بها ... الأبيات". ونبّه على خطئه الأستاذ مصطفى جواد في مقدمته لكتاب ابن الصابوني (تكملة إكمال الإكمال) الذي نشره سنة ١٩٥٧ م، فقال: "وقد تصحفت على هذا العالم الفاضل "الفالي" فصار "القالي". ولما وقر في ذهنه أنه "القالي" أضاف إليه "البغدادي"، وزخرف الحكاية بقوله "قبل أن يرحل إلى الأندلس". ولم يحل في ذلك على كتاب من كتب الأدب ولا من كتب التاريخ. ولو علم أن صاحب القصة والأبيات هو "الفالي" ما وهم ذلك الوهم المستعظم على مثله، المستغرب وجوده في كتابه، ولو درى أنه "أبو الحسن" لا "أبو علي" لتريث في الإقدام عليه" (ص ٩). ويبدو أن الأستاذ أحمد أمين قرأ الحكاية في المزهر، وليس فيها ذكر المشتري، ثم قرأها في كتاب الفلاكة والمفلوكون الذي تصحف فيه الفالي إلى القالي (بالقاف) وذكر فيه المشتري أيضًا وهو الشريف المرتضى في هذه الرواية - وهي ضعيفة عندنا - فنسج أحمد أمين حكايته على ذلك المنوال، ولم يفطن لكنية البائع المذكورة في كتاب الفلاكة "بخط بائعها أبي الحسن القالي المذكور" أو عدّها خطأ لما قرأه في المزهر، فلم يعبأ بها. ولكن الذي فاته حقًا "أن أبا علي القالي توفي سنة ٣٥٦، وأن الشريف المرتضى ولد سنة ٣٥٥، فالمرتضى كان رضيعًا يوم مات أبو علي" (مقدمة مصطفى جواد ص ١١) فأنّى لهذه الصفقة أن تتم! . وممن اغترّ بما ورد في كتاب المزهر، الدكتور أحمد خان محقق كتاب خلق الإنسان في اللغة لأبي محمد الحسن بن أحمد بن عبد الرحمن، ومراجعه

стр. 154

الأستاذ مصطفى حجازي. وقد نشر الكتاب معهد المخطوطات العربية في الكويت سنة ١٤٠٧ هـ. فقد رأى الدكتور أحمد في بعض حواشي نسخته كلامًا لأحد العلماء جاء فيه: "في الجمهرة لابن دريد، ونقلت من خط أبي علي القالي" فتذكر ما قرأه في المزهر، فقال: "ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن أذكر أن النسخة التي كانت أمامه من الجمهرة كانت نسخة المؤلف، وعليها خط أبي علي القالي ... ومن الطريف أن هذه النسخة هي النسخة نفسها التي باعها أبو علي القالي - حين اشتدت الحاجة به - بأربعين مثقالًا، وكتب عليها الأبيات، وتمام الخبر في المزهر للسيوطي". مع أن كلام المحشي لا يدلّ على أن نسخته من الجمهرة كانت نسخة المؤلف، ولكن غلبت عليه حكاية المزهر: "كان لأبي علي القالي نسخة من الجمهرة بخط مؤلفها" وهو غلط آخر في هذه الحكاية، فلم يرو أن ابن دريد كتب نسخة من الكتاب بخطه، وإنما أملاه إملاء من حفظه، كما قال نفسه: "وإنما أملينا هذا الكتاب ارتجالًا لا عن نسخة ولا تخليد في كتاب قبله، فمن نظر فيه فليخاصم نفسه بذلك، فيعذر إن كان فيه تقصير أو تكرير إن شاء الله" (ط بعلبكي ص ١٠٨٥)، وقال في آخر الكتاب: "فإن كنا أغفلنا من ذلك شيئًا لم ينكر علينا إغفاله لأنا أملينا حفظًا، والشذوذ مع الإملاء لا يدفع" (ص ١٣٣٩). وإنما سقت ذلك كله ليعلم الدكتور عبد الكريم بن صنيتان العمري أنه في اعتماده على كتاب الزهر لم يكن بأول سارٍ غرّه القمر. وقد دفعني إلى التنبيه على الغلط الواقع فيه أن القصة مؤثرة، والأبيات رائقة، والملحق سيار، والكاتب أستاذ، والمزهر كتاب مشهور، والموقف نفسه يحصل كثيرًا في حياة العلماء والأدباء، فيذكّرهم قصة الفالي الذي باع في آخر حياته في بغداد نسخته من جمهرة اللغة فرارًا من فقره وإضاقته، فيتمثلون بأبياته المحزنة التي ضمنها بيتًا قديمًا قاله - أو تمثّل به - أعرابي دفعته فاقته إلى بيع ناقته. فكم من عالم ومحقق في بغداد نفسها بلغنا في السنوات الماضية أنه اضطر في مخصمته إلى

стр. 155

أن يبيع ذخائر مكتبته، فما أشبه الليلة بالبارحة! فإذا كانت دواعي التصحيف قد اجتمعت في نسب الفالي في هذه القصة، فإن نشرها على هذا الوجه في ملحق التراث قد هيأ للغلط الواقع فيها كل أسباب الشيوع والسيرورة والاستحكام. ومن ثم عنيت بتحرير ترجمة أبي الحسن الفالي، وتمحيص قصة بيعه نسخته من الجمهرة، وتتبع القصة التي تمثّل أصحابها بالبيت القديم الذي ضمّنه. وأسرد أولًا مصادر ترجمة الفالي مرتّبةً حسب وفيات مؤلّفيها. أولًا: مصادر ترجمة الفالي (١) الخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ). - تاريخ بغداد ١١: ٣٣٤ (دار الكتاب العربي بيروت). (٢) ابن ماكولا (٤٧٥ هـ). - الإكمال ٧: ١٣٤ (تصحيح نايف العباس، بيروت ١٩٧٦). (٣) أبو سعد السمعاني (٥٦٢ هـ). - الأنساب ٤: ٣٤٢ (دار الجنان، بيروت ١٤٠٨ هـ). (٤) أبو الفرج ابن الجوزي (٥٩٧ هـ). - المنتظم ٨: ١٧٤ (ط حيدراباد). (٥) ياقوت الحموي (٦٢٦ هـ). - معجم الأدباء ٤: ١٦٤٦ (ط إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٩٣ م). - معجم البلدان (فالة) ٤: ٢٣٢ (دار إحياء التراث العربي، بيروت). (٦) ابن نقطة (٦٢٩ هـ).

стр. 156

- تكملة الإكمال ٣: ٤٣٩ (جامعة أم القرى، ١٤١٠ هـ). (٧) عز الدين ابن الأثير (٦٣٠ هـ). - الكامل ٦: ٢٩٤ (مؤسسة الناشر العربي، بيروت ١٤١٤ هـ). - اللباب ٢: ٤٠٩ (دار صادر ١٤٠٠ هـ). (٨) ابن خلكان (٦٨١ هـ). - وفيات الأعيان ٣: ٣١٦ (ط إحسان عباس). (٩) الذهبي (٧٤٨ هـ). - تاريخ الإسلام، وفيات ٤٤٨ هـ (ط عمر تدمري بيروت ١٤١٤ هـ). - سير أعلام النبلاء ١٨: ٥٤ (ط مؤسسة الرسالة). - العبر ٣: ٢١٦ (ط الكويت). - المشتبه: ٤٩٦ (ط البجاوي، القاهرة ١٩٦٢ م). (١٠) اليافعي (٧٦٨ هـ). - مرآة الجنان ٣: ٦٧ (ط حيدر آباد). (١١) ابن كثير (٧٧٤ هـ). - البداية والنهاية ١٢: ٧٦ (دار الحديث، القاهرة ١٤١٤ هـ). (١٢) الفيروزابادي (٨١٧ هـ). - القاموس (فيل) ط مؤسسة الرسالة. (١٣) الدلجي (٨٣٨ هـ). - الفلاكة والمفلوكون: ١٤٨ (بغداد ١٣٨٥ هـ). (١٤) ابن ناصر الدين (٨٤٢ هـ). - توضيح المشتبه ٧: ٣١ (ط مؤسسة الرسالة). (١٥) ابن حجر (٨٥٢ هـ).

стр. 157

- تبصير المنتبه بتحرير المشتبه: ٧٨٧ (ط البجاوي). (١٦) ابن تغري بردي (٨٧٤ هـ). - النجوم الزاهرة ٥: ٦٠ (ط مصورة عن ط دار الكتب). (١٧) ابن العماد الحنبلي (١٠٨٩ هـ). - شذرات الذهب ٢: ٢٧٨ (دار الكتب العلمية بيروت). (١٨) المرتضى الزبيدي (١٢٠٥ هـ). - تاج العروس (فيل) ٨: ٦٩ (ط الخيرية). (١٩) إسماعيل باشا البغدادي (١٣٣٩ هـ). - هدية العارفين: ٦٨٨ (المثني). ثانيًا: ترجمة أبي الحسن الفالي أقدم من ترجم للفالي هو تلميذه الخطيب البغدادي، وعليه عوّل من جاء بعده، فلا نجد عند غيره إلا إضافات يسيرة جدًا، إلا شعر الفالي، فقد وصل إلينا بعضه برواية تلميذ آخر له وهو يحيى بن علي الخطيب التبريزي (٥٠٢ هـ) ونقل بعضه ياقوت عن كتاب المذيل للسمعاني وعن ابن عساكر (٥٧١ هـ). وسأورد هنا نص ترجمته من تاريخ بغداد مقسّمًا إلى فقرات ومقدّمًا كلام الخطيب، ثم أعلق عليه بالرجوع إلى المصادر الأخرى مضيفًا إليه أو منبهًا على ما وقع فيه من وهم أو غلط. (١) اسمه ونسبه ومولده: قال الخطيب: "علي بن أحمد بن علي بن سلّك، أبو الحسن المؤدب المعروف بالفالي، من بلدة تسمى فالة قريبة من إيذج".

стр. 158

- في مرآة الجنان: اسم والده "محمد" وهو خطأ. في معجم الأدباء حذف اسم جده، فقال: "علي بن أحمد بن سلّك". - في تاج العروس (فيل) وهدية العارفين: "سليمان" وهو تحريف "سلّك". - وقفت في ضبط "سلّك" على خمسة وجوه: ١ - (سلَّك) ضبطه ابن نقطة "بفتح السين المهملة وتشديد اللام وآخره كاف" وقال: "نقلته من خط ابن مرزوق الزعفراني [ت ٥١٧ هـ] مجودًا". ولم ينص ابن نقطة على حركة اللام، ولعله يعني فتحها، كما ضطبه ابن خلكان: "بفتح السين المهملة وتشديد اللام وفتحها وبعدها كاف. هكذا وجدته مقيدًا". ٢ - (سلك) قال ابن خلكان: "ورأيت في موضع آخر بكسر السين وسكون اللام". ٣ - (سلِّك) بفتح السين المهملة وتشديد اللام مكسورة. كذا ضبطه الذهبي بخطه في المشتبه. قال ابن ناصر الدين: "والمعروف فتح اللام، وبها قيده ابن خلكان". ٤ - (سلِّك) قال ابن ناصر الدين: "ووجدته بخط مبارك بن حمدان ابن المرحل بكسر اللام كما ضبطه المصنف (يعني الذهبي) لكن بكسر أوله". ٥ - (سلك) "بفتح المهملة وسكون اللام قبل الكاف)، كذا ضبطه الحافظ ابن حجر في تبصير المنتبه. وقد أحال في ترجمة الفالي على ابن نقطة، وكأنه اعتمد عليه في الضبط أيضًا، لكن ابن نقطة - كما سبق - قد نصّ على تشديد اللام. - كنية الفالي في هدية العارفين وكحالة: "أبو الحسين" تحريف.

стр. 159

- في مطبوعة الفلاكة والمفلوكون: "القالي" بالقاف تصحيف. أما شذرات الذهب فصاحبه هو الذي صحف وأكد تصحيفه بأن نسبه إلى (قالي قلا من ديار بكر)، وقد نبّه على ذلك محقق سير أعلام النبلاء. وخوفًا من وقوع التصحيف فيه نبّه أكثر من ترجم له على أنه بالفاء، وبعضهم يزيد على ذلك، فيقول ياقوت - مثلًا - في معجم الأدباء: "الفالي بالفاء، وليس بأبي علي القالي بالقاف". ومن هنا ترجمت له كتب المشتبه نحو الإكمال لابن ماكولا، والمشتبه للذهبي، وتوضيحه لابن ناصر الدين. - في مطبوعة البداية والنهاية بعد الفالي: "صاحب الأمالي"، وهو غلط من قارئ أقحم هذه العبارة أو ناسخ أسقط شيئًا من كلام المؤلف كتبه للتنبيه على أنه غير القالي صاحب الأمالي، فإني أستبعد أن تلتبس ترجمة صاحب الأمالي على مثل ابن كثير، وهو الذي قد ترجم له في المجلد السابق (١١: ٢١٢)، ووصفه بصاحب الأمالي، ثم قال: "وصنّف الأمالي، وهو مشهور". فلا أرى أن ابن كثير وهم في ترجمة أبي الحسن، كما ذهب إليه محققًا سير أعلام النبلاء وتكملة الإكمال. - نقل السمعاني عن الخطيب البغدادي أنه قال في فالة: "أظنها من بلاد فارس". ولا يوجد هذا النص في ترجمة الفالي في مطبوعة كتاب الخطيب. وقال ياقوت في معجم البلدان: "بلدة قريبة من إيذج من بلاد خوزستان". وقال ابن خلكان: "وهي بلدة بخوزستان". ومن هنا زاد الذهبي في ترجمة أبي الحسين بعد الفالي "الخوزستاني". وقد أجمعوا على أن بلدة الفالي التي هي قريبة من إيذج بخوزستان اسمها (فالة) بالهاء في آخرها، إلا صاحب القاموس فإنه ذكر مدينة (فال) من فارس ثم قال: "ود بخوزستان منه أبو الحسن علي بن أحمد الأديب، أو هو فالة بزيادة هاء". ولم أعرف مرجع تردده، والصواب الذي لا شك فيه أنه من فالة، وقد صرح بذلك في أول أرجوزة له:

стр. 160

قال علي مذ أتى من فاله ... قصيدة واضحة المقاله وأما ما وقع في مطبوعة تاريخ الذهبي "وفال بليدة قريبة من إيذج" فأرجح أنه تحريف، فإن نشرة تدمري للتاريخ نشرة سقيمة، وقد وجدت في ترجمة الفالي وحدها ثلاثة أخطاء. وخوزستان إقليم في جنوب إيران كان يسمى إلى عهد قريب "عربستان" ثم أعيدت إليه تسميته القديمة في عهد الشاه، وقاعدته الأهواز. أما إيذج فيسمى الآن "مال أمير". (٢) الفالي في البصرة وشيوخه بها قال الخطيب: "أقام بالبصرة مدة طويلة، وسمع بها من أبي عمر بن عبد الواحد الهاشمي، وابن خربان النهاوندي، وأبي الحسن بن النجار، وشيوخ ذلك الوقت". وذكر ابن ماكولا من شيوخه الهاشمي والنهاوندي ثم قال: "وحدّث بشيء يسير" يعني في البصرة. وإليكم نبذة عن الشيوخ الثلاثة الذين ذكرهم الخطيب وهم: ١ - الإمام الفقيه المعمر مسند العراق القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر ابن عبد الواحد الهاشمي البصري (٣٢٢ - ٤١٤ هـ) (١). - في معجم الأدباء: (عمر بن عبد الواحد)، وفي كتاب ابن خلكان: (أبو عمرو)، وكلاهما تحريف. ٢ - القاضي أبو عبد الله بن إسحاق بن خربان البصري، وأصله من نهاوند. توفّي في البصرة في حدود ٤١٠ هـ (٢).

стр. 161

- جده (خربان) بالخاء المعجمة، نص عليه ابن ماكولا (٢: ٤٣٧) وغيره. وقد تصحفت في ترجمته في تاريخ بغداد إلى (حرمان) بالحاء المهملة والميم، وفي معجم البلدان إلى (جربان) بالجيم مكان الخاء المعجمة. وكان في مخطوطة معجم السفر للسِّلفي (خربان) على الصواب، فغيره المحقق اعتمادًا على مطبوعة البلدان (١). - روى الفالي عن شيخه النهاوندي هذا الكتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" عن مؤلفه القاضي ابن خلاد الرامهرمزي (نحو ٣٦٠) (٢). ٣ - الإمام المقرئ المعمر أبو الحسن محمد بن جعفر التميمي النحوي المعروف بابن النجار، من أهل الكوفة، قدم بغداد وحدث بها، توفّي بالكوفة سنة ٤٠٢ هـ (٣). - في ترجمة الفالي في تاريخ بغداد، والأنساب، وكتاب ابن خلكان: (النجاد) بالدال، وهو تحريف، والصواب بالراء كما في ترجمته في تاريخ بغداد. ونص على ذلك ابن ماكولا (٧: ٣٣٣) والسمعاني في ترجمته (٥: ٤٥٨). (٣) الفالي في بغداد قال الخطيب: "وقدم بغداد، فاستوطنها، وحدّث بها. كتبت عنه شيئًا يسيرًا، وكان ثقة" وقال ابن ماكولا: "وكان يسمع ببغداد إلى أن مات". (٤) وفاته قال الخطيب: "مات في ليلة الجمعة الثامن من ذي القعدة سنة ثمان

стр. 162

وأربعين وأربعمائة، ودفن في ويوم الجمعة في مقبرة جامع المنصور". وهنا انتهت ترجمة الفالي من تاريخ بغداد. وفي معجم المؤلفين: "توفي في ذي الحجة" وهو خطأ. (٥) تلامذته كان الفالي مؤدبًا ومحدثًا، فمن الطبيعي أن يكثر المتخرجون عليه والآخذون عنه، ولكن لا نعرف إلا ثلاثة منهم: ١ - أولهم الخطيب البغدادي، فقد صرّح بنفسه - كما مرّ بأنه كتب عنه شيئًا يسيرًا. ولكن لم يشر إلى مضمون مروياته عنه، ومن ثم شوّقني قول الذهبي وحده في سير أعلام النبلاء: "روى عنه الخطيب في تاريخه". ولكن سرعان ما أخذني اليأس، حينما رجعت إلى كتاب "موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد" للدكتور أكرم ضياء العمري، وقد تتبع مرويات الخطيب في تاريخه من شيوخه المكثرين والمقلين وأحصاها إحصاء، فلم أر فيها ذكرًا لأبي الحسن الفالي. فلعلّ الذهبي ﵀ تسامح في النقل من بعض مصادره نحو كتاب ابن خلكان الذي فيه: "روى عنه الخطيب في تاريخه وأبو الحسن ابن الطيوري وطائفة". وسترى تسامحًا آخر له في ترجمة الفالي في السير. أما في تاريخ الإسلام فكان معتمده في ترجمة الفالي تاريخ بغداد، فكان قريبًا من الصواب إذ قال: "قال الخطيب: كتبت عنه". ٢ - ذكر السمعاني وغيره من تلامذة الفالي بعد الخطيب أبا الحسين المبارك بن عبد الجبار البغدادي الصيرفي ابن الطيوري (٥٠٠ هـ). وترجم له الذهبي في السير بـ" الشيخ الإمام المحدث المفيد بقية النقلة المكثرين" (١)، وكان صديقًا لابن ماكولًا (٢). وهو الذي روى كتاب المحدث الفاصل

стр. 163

للرامهرمزي عن الفالي (١). وقال تلميذه أبو طاهر السلفي الذي أكثر الرواية عنه: "حصّل ما لم يحصّله أحد من كتب التفاسير والقراءات واللغة والمسانيد والتواريخ والعلل والأبيات والشعر، كلها مسموعة" (٢). وفي مطبوعة تاريخ الذهبي في ترجمة الفالي: "ورواه عنه - يعني كتاب المحدث الفاصل - الجلال بن عبد الجبار الصيري" وفيه تحريفان: (الجلال) تحريف (المبارك) و (الصيري) تحريف (الصيرفي). ٣ - ومن تلامذة الفالي يحيى بن علي الخطيب التبريزي الأديب المشهور (٤٢١ - ٥٠٢ هـ)، وقد وصل إلينا بعض شعر الفالي من روايته. (٦) مؤلفاته لم يذكر أحد ممن ترجم له كتابًا من تأليفه، غير أن صاحب كشف الظنون ذكر "كتاب الاستقامة للشيخ أبي الحسن بن علي المؤدب" (١٣٨٩) ثم جاء إسماعيل باشا البغدادي فذكر في ذيله على الكشف "كتاب الاستقامة لأبي الحسين (كذا) علي بن أحمد بن علي بن سليمان (كذا) الفالي المحدث المتوفى سنة ٤٤٨ هـ" (٣) وقد نقل كحالة كل ذلك مع تحريفاته من الذيل والهدية (٤). (٧) ثقافته ١ - كان الفالي مؤدبًا، ذكر ذلك تلميذه البغدادي وغيره كابن ماكولا، والسمعاني، وابن الجوزي، وقد اشتهر بذلك فصار صفة لازمة له. ومن هنا لما نعته صاحب القاموس بـ"الأديب" استدرك عليه الزبيدي قائلًا: "كذا في النسخ والصواب: المؤدب". والحق أن ما في القاموس لا غبار عليه، فقد كان الفالي

стр. 164

مؤدبًا وأديبًا، وقد سبق الفيروزاباديَّ إلى الاقتصار على وصفه بـ" الأديب: ابن خلكان (الفالي الأديب). وانظر ما يأتي في الرقم ٣. ٢ - وكان محدثًا، وثقه الخطيب وغيره. ٣ - لم يذكر الخطيب البغدادي صلة الفالي بالأدب والشعر ولا نقل شيئًا من شعره. وأول من وصفه بأنه "كان أديبًا شاعرًا فاضلًا" هو السمعاني، ثم نقل ابن الجوزي بعض شعره عن تلميذه التبريزي، وقال ياقوت: "له معرفة بالأدب والشعر ... وكان يقول الشعر ... ". وقال ابن الأثير في الكامل: "روى الحديث والأدب" وقال صاحب النجوم الزاهرة: " ... كان محدثًا شاعرًا أديبًا فصيحًا". ٤ - نعته الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال: "الإمام النحوي ... الشاعر ... له نظم جيد وفضائل". قلت: قد تفرّد الذهبي هنا بوصفه بـ"النحوي". فلم يشر أحد إلى تبريز الفالي في النحو، ولا ترجمت له كتب طبقات النحاة. وإني لفي شك من هذه الكلمة (النحوي) فإن الذهبي التزم وصف الفالي بـ (المؤدب) في سائر كتبه الثلاثة وهي التاريخ والعبر والمشتبه، ولم يغفله إلا في السير. أفليس غريبًا أن يغفل في السير ما درج على التنويه به أكثر كتب التاريخ والتراجم منذ عهد الخطيب البغدادي، وقد التزمه هو في سائر كتبه، ثم يأتي في السير بوصف جديد لم يذكره أحد قبله ولا بعده؟ ومن ثم لا أستبعد أن تكون كلمة (النحوي) تحريفًا لكلمة (المؤدب) في مطبوعة السير أو مخطوطه. (٨) شعره أول كتاب ورد فيه شعر الفالي - من المصادر التي بين أيدينا - هو كتاب المنتظم لابن الجوزي (٥٩٧ هـ)، فقد نقل بسنده المتصل إلى الفالي ثلاث مقطوعات له. وقد أشار ياقوت إلى أن له أرجوزة في عدد آي القرآن أولها:

стр. 165

قال علي مذ أتى من فاله ... قصيدة واضحة المقاله ثم نقل من كتاب المذيل للسمعاني أربعة أبيات صادية، كما نقل عن ابن عساكر (٥٧١ هـ) بيتين قافيتين بعد حذف إسناد كل من المصدرين. ولعل السيوطي (٩١١ هـ) وقف على الأرجوزة، فذكرها في كتابه "الإتقان في علوم القرآن" (١) فقال: "نظم علي بن محمد (كذا، والصواب: أحمد) الفالي أرجوزة في القرائن والأخوات، ضمنها السور التي اتفقت في عدة الآي كالفاتحة والماعون، وكالرحمن والأنفال، وكيوسف والكهف والأنبياء". والظاهر مما نقله السيوطي أن الفالي اعتمد في أرجوزته على العدد البصري، فإن عدد الآيات في كلِّ من سورتي الرحمن والأنفال ست وسبعون آية في العدد البصري، بينما تشتمل سورة الرحمن حسب العدد الكوفي المأخوذ به في مصاحفنا الآن على ثمان وسبعين آية، وسورة الأنفال على خمس وسبعين آية (٢). أما المقطوعات الثلاث التي نقلها ابن الجوزي بسنده، فقد ضمن الشاعر كلا منها بيتًا من الأبيات السائرة، وبلغ فيها الغاية في التضمين، ومن ثم غلبت هذه المقطوعات على سائر شعره، فتناقلها الناس في ترجمته. أما سند ابن الجوزي فقال قبل المقطوعة الأولى: "أنشدنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أنشدنا أبو زكريا التبريزي، قال: أنشدني أبو الحسن الفالي من لفظه لنفسه". هذا السند قوي جدًا. فإن شيخ ابن الجوزي محمد بن ناصر هو الإمام المحدث الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر السلامي البغدادي، كان ثقة ثبتًا

стр. 166

ضابطًا، وكان من أئمة اللغة، ولد سنة ٤٦٧ هـ وتوفي سنة ٥٥٠ هـ (١). وقد تخرّج عليه ابن الجوزي. وشيخ أبي الفضل هو الخطيب التبريزي (٥٠٢ هـ) من أئمة اللغة والأدب، قرأ عليه الأدب، وكان ثقة في علمه (٢). فرجال السند كلهم ثقات من غير خلاف، ثم كل تلميذ كان قوي لصلة بشيخه. وقد أكد التبريزي أن الفالي أنشده "من لفظه لنفسه". ومن هنا تظهر أهمية ترجمة الفالي في كتاب المنتظم فإن سائر الكتب التي نقلت شعر الفالي أغفلت سندها. ١ - أما المقطوعة الأولى فهي: لما تبدّلت المجالس أوجهًا ... غير الذين عهدت من علمائها ورأيتها محفوفةً بسوى الألي ... كانوا ولاة صدورها وفنائها أنشدت بيتًا سائرًا متقدّمًا ... والعين قد شرقت بجاري مائها (أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها) وقد ذكر الأبيات ياقوت في معجم الأدباء بعد قوله: "قال أبو زكريا يحيى ابن علي التبريزي: أنشدنا أبو الحسن الفالي لنفسه"، فلم يشر ياقوت إلى مصدره. وفي البيت الأول في معجمه (المنازل) مكان (المجالس). أما ابن كثير فالظاهر أنه نقلها في البداية والنهاية عن المتنظم بعد حذف سندها. ٢ - المقطوعة الثانية، وقبلها في السياق نفسه: "وأنشد لنفسه": تصدّر للتدريس كلُّ مهوّس ... بليد يسمّى بالفقيه المدرّس فحق لأهل العلم أن يتمثّلوا ... ببيت قديم شاع في كل مجلس

стр. 167

(لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كلُّ مفلس) وقد أوردها ياقوت في معجم الأدباء قبل المقطوعة الأولى، وقال: "وكان يقول الشعر، ومنه ... " كأنها من غير رواية التبريزي عن الفالي. والأبيات في الكامل، والبداية والنهاية، وتاريخ الذهبي (وفيه "استامها" في البيت الثالث). وقد وردت هذه الأبيات في معجم الأدباء أيضًا في ترجمة شخص آخر وهو أبو علي الآمدي اللغوي الشاعر الأديب المتوفى ٤٩٩ هـ (ص ١٠٦٣) وهو غلط بلا ريب. وقد وقع في ترجمة الآمدي خطأ آخر نبّه عليه الدكتور إحسان عباس، وهو أنه ذكر تاريخ وفاته سنة ٤٤٤ هـ. وقد أوردها السيوطي أيضًا في بغية الوعاة (١) في ترجمة الآمدي التي بدأها بـ"القفطي" كأنه ينقلها من إنباه الرواة، ولكنه نقلها - على علاتها - من معجم الأدباء. أما المقطوعة الثالثة فهي التي جاءت في قصة بيع الجمهرة. فنذكرها في الفقرة الآتية: ثالثًا: قصة بيع الجمهرة ذكر ابن الجوزي في السياق نفسه: "قال أبو زكريا: وجدت بخط الفالي لنفسه، وكان قد باع الجمهرة لابن دريد، فندم بعد ذلك، أنست بها عشرين حولًا ... " الأبيات. الظاهر من السياق أن هذه القصة أيضًا مما سمعه ابن الجوزي من شيخه الحافظ محمد بن ناصر السلامي الذي رواها عن أبي زكريا. ومما يبعث على الأسف أن الراوي عني هنا بالأبيات أكثر من عنايته بالقصة فلا سمى المشتري، ولا أشار إلى أهمية النسخة وثمنها، وهل اطلع المشتري على أبيات البائع؟ وإن اطلع فكيف؟ ثم يشتاق المرء إلى معرفة موقف المشتري بعد الاطلاع على هذه

стр. 168

الأبيات التي تفيض حزنًا. الحق أن الحافظ ابن الجوزي لو نقل القصة كاملة بسنده هذا عن التبريزي لقطع خطيبه قول كل خطيب! أما الذي أفادنا بالقصة كاملة فهو ياقوت الحموي (٥٧٤ - ٦٢٦ هـ) في كتابه معجم الأدباء. وقد اعتمد ياقوت في ترجمة الفالي على ثلاثة مصادر: تاريخ بغداد الذي يخلو من شعر الفالي، وابن عساكر - ولم يذكر كتابه - وكتاب المذيل للسمعاني، وقد نقل من المصدرين الأخيرين بعض شعر الفالي كما تقدم، ولكن قصة بيع الجمهرة وما قال فيها الفالي من الأبيات أوردها ياقوت مسندة إلى الخطيب التبريزي من غير أن يصرح بالمصدر الذي نقلها منه. فقال: "وحدث أبو زكريا التبريزي قال: رأيت نسخة بكتاب الجمهرة لابن دريد، باعها أبو الحسن الفالي بخمسة دنانير من القاضي أبي بكر ابن بديل التبريزي، وحملها إلى تبريز، فنسخت أنا منها نسخة، فوجدت في بعض المجلدات رقعة بخط الفالي فيها، أنست بها ... (الأبيات) فأريت القاضي أبا بكر الرقعة والأبيات، فتوجع، وقال: لو رأيتها قبل هذا لرددتها عليه، وكان الفالي قد مات". لم أجد ترجمة القاضي أبي بكر في المصادر التي بين يديّ، ولعله ابن القاضي أبي الحسين بديل بن علي التبريزي، الفقيه الشافعي، من تلامذة أبي إسحاق الشيرازي (٤٧٦ هـ) (١). القصة في هذه الرواية تامة متناسقة، وسياقها لا يدلّ على أن التفاصيل الدقيقة التي ذكرت فيها قصد منها زخرفة الحكاية، فهو خالٍ من المبالغة والتكلف. ولكن ابن خلكان (٦٠٨ - ٦٨١ هـ) أورد القصة في ترجمة الشريف المرتضى (٣٥٥ - ٤٣٦) عن الخطيب التبريزي نفسه على نحو آخر، فقال: "وحكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي أن أبا الحسن

стр. 169

علي بن أحمد بن علي بن سلّك الفالي الأديب كانت له نسخة بكتاب الجمهرة لابن دريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها، فباعها واشتراها الشريف المرتضى أبو القاسم المذكور بستين دينارًا وتصفحها فوجد بها أبياتًا بخط بائعها أبي الحسن الفالي وهي ... " وذكر الأبيات. وقال المحقق الدكتور إحسان عباس في الهامش: "زاد بعده في المطبوعة: (فأرجع النسخة إليه وترك له الدنانير رحمه الله تعالى) ولم يرد هذا في أصل المؤلف أو في سائر المخطوطات". فهذه الرواية مختلفة عن رواية ياقوت من عدة وجوه: منها أن المشتري فيها الشريف المرتضى لا القاضي ابن بديل التبريزي، وأن ثمن الكتاب فيها ستون دينارًا لا خمسة دنانير، وأن موقف المشتري بعد اطلاعه على الأبيات لم يذكر هنا، فزيد في المطبوعة كما أشار المحقق. ولكن أهم من ذلك كله أن الخطيب التبريزي في رواية ابن خلكان مجرد ناقل لا صلة له بأصل القصة، أما في رواية ياقوت فهو راوي القصة وشاهدها، بل موصول بكل جزء من أجزائها بوشائح قوية: فبائع النسخة شيخه، والمشتري بلديّه، وهو الذي استعارها منه لينسخ منها نسخة لنفسه، وهو الذي عثر في أثناء النسخ في بعض مجلداته على ورقة فيها أبيات الفالي بخطه، فذهب بها إلى المشتري، وأطلعه عليها، فتألم لأن الفالي قد مات ٤٤٨ هـ. ومن المستغرب أن ياقوتًا وابن خلكان كليهما أسندا روايتهما إلى الخطيب التبريزي، فلا بدّ من فساد إحدى الروايتين لاستحالة الجمع بينهما. فإذا رجعنا إلى ابن الجوزي الذي نقل بسنده المتصل قول الخطيب: "وجدت بخط الفالي لنفسه وكان قد باع الجمهرة لابن دريد ... " تأكدت لنا صحة رواية ياقوت، والحق أنه لا فرق بين رواية ابن الجوزي ورواية ياقوت إلا أن الأولى مجملة لأن اهتمام الراوي كان منصبًا على رواية الشعر فحسب، فألمح إلى القصة دون استقصاء.

стр. 170

ومما يوهن رواية ابن خلكان أن الشريف المرتضى مات سنة ٤٣٨ هـ وكان الخطيب آنذاك ابن ١٥ سنة، ولم تذكر المصادر أنه قرأ على المرتضى أو حضر مجلسه، فإن صحت هذه الرواية - وهي غير صحيحة إن شاء الله - فسندها منقطع بين الخطيب والشريف. هذا على أن ابن خلكان لم يذكر أصلًا سنده إلى التبريزي مما زاد حكايته وهنًا على وهن. ولا يشفع لها نقل الذهبي (٧٤٨ هـ) إياها في السير، فلعله اعتمد فيها على ابن خلكان - وكتابه من مصادره - مع اقتضابها وحذف البيت الرابع من أبياتها (فقلت ولم أملك ... ) مما أخل بنظامها، فإن حذفه جعل البيت الخامس للفالي، وإنما هو بيت قديم ضمّنه. وقد ذكر شهاب الدين الدلجي (٨٣٨ هـ) أيضًا أن الذي اشترى الجمهرة هو الشريف المرتضى، ولعل مصدره أيضًا كتاب ابن خلكان، فإنه اعتمد عليه وعلى الذهبي في كثير من تراجم كتابه. رابعًا: البيت المضمن والقصص التي تمثل أصحابها به أ) القصص البيت الخامس من أبيات القصة بيت قديم ضمنه الفالي كما سبق، وكان بيتًا سائرًا مشهورًا، فهناك عدة قصص تمثل أصحابها به، أذكر هنا ما وقفت عليه منها: (١) القصة الأولى - وهي أقدمها - ما رواه الزبير بن بكار (٢٥٦ هـ) بسنده في ترجمة حمزة بن عبد الله بن الزبير فقال: "ابتاع حمزة بن عبد الله جملًا من أعرابي بخمسين دينارًا، فنقده ثمنه، فجعل الأعرابي ينظر إلى جمله ويقول:

стр. 171

قد تنزع الحاجات يا أم مالك ... كرائم من رب بهن ضنين فقال حمزة: خذ جملك، والدنانير لك، فانصرف بجمله وبالدنانير" (١). ونقل القصة عن الزبير ياقوت في معجم الأدباء في ترجمة الفالي. وكان حمزة من أجواد العرب، وتوفّي - كما قال الزبير - في حياة عبد الملك بن مروان (٨٦ هـ). (٢) القصة الثانية - وهي قريبة العهد من الأولى - رواها ابن قتيبة (٢٧٦ هـ) بدون سند في كتابه عيون الأخبار (٢)، فقال: "باع أعرابي ناقة له من مالك بن أسماء، فلما صار الثمن في يده نظر إليها، فذرفت عيناه ثم قال: وقد تنزع الحاجات يا أم معمر ... كرائم من رب بهن ضنين فقال له مالك: خذ ناقتك، وقد سوّغتك الثمن". المشتري في هذه القصة مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري. كان هو وأبوه من أشراف أهل الكوفة، ولاّه الحجاج أصفهان وخوارزم، وكان متزوجًا بأخته هند بنت أسماء. وتوفّي نحو ١٠٠ هـ (٣). ويلاحظ أن في رواية البيت هنا (أم معمر) مكان (أم مالك) ولعل ذلك راجع إلى فطنة الأعرابي المذكور وحضور بديهته، فإنه لما رأى أن مشتري ناقته اسمه مالك، وهو يسمع ما يترنم به، استقبح أن يقول: "يا أم مالك" فاستبدل به

стр. 172

اسمًا بدا له مما يناسب وزن الشعر وهو (معمر). (٣) روى أبو علي القالي (٢٨٨ - ٣٥٦ هـ) في ذيل أماليه (٣: ١٩٠): "قال التيمي: أنشدنا أبو مسلمة الكلابي، وقد باع جاريته نبأ من عثمان بن سحيم (في المطبوعة بالجيم ونبّه الميمني على تصحيفه) التاجر. فقال له بعض أصحابه: بعت نبأ! فقال: وقد تخرج الحاجات ... البيت، فبلغ أبا مصعب، فاشتراها، وردّها على أبي مسلمة". لعل التيمي راوي القصة هو الشاعر أبو محمد عبد الله بن أيوب التيمي مولاهم، فإنها من جملة الحكايات التي رواها القالي بسنده عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي (٢٣٥ هـ) والتيمي المذكور كان صديقًا لإبراهيم وابنه إسحاق، ونديمًا لهما، ثم اتصل بالبرامكة ومدحهم، واتصل بيزيد من مزيد الشيباني فلم يزل منقطعًا إليه حتى مات يزيد (١) وكانت وفاة يزيد في سنة ١٨٥ هـ (٢). فهذه القصة من قصص القرن الثاني الهجري. (٤) القصة الرابعة نقلها ابن عبد ربه (٢٤٦ - ٣٢٦ هـ) في العقد الفريد (٣: ٤٦٨ ط أحمد أمين) وقد أخرتها مع تقدم صاحب العقد على أبي علي، لأنه لا أسندها ولا ذكر البائع أو المشتري حتى يعرف زمنها. وهي: "قيل لأعرابي، وقد أدخل ناقته في السوق ليبيعها: صف لنا ناقتك. قال: ما طلبت عليها قطّ إلا أدركت، وما طلبت إلا فتُّ. قيل له: فلم تبيعها؟ قال: لقول الشاعر: وقد تخرج الحاجات ... " البيت. وفيه "أم عامر"، ولعله تحريف. (٥) وقد ذكر الراغب الأصفهاني (٤١٢ هـ) فقال: "دخل أعرابي بفرس يبيعه، فقيل له: صف فرسك، فقال: ما طلبت عليه

стр. 173

قط إلا لحقت، ولا سبقت، فقيل له: فلم تبيعه؟ فقال: وقد تخرج ... " البيت (١). وأرى أن القصتين واحدة، وإنما ذكر الراوي هنا الفرس بدلًا من الناقة. ثم في نص المحاضرات كما في المطبوعة سقط، فلا معنى لقوله (ولا سبقت)، ويمكن تصحيحه في ضوء نص العقد، فيكون الصواب: "ما طلبت عليه قط إلا لحقت، ولا طلبت إلا سبقت". ولعل كلمة "السوق" أيضًا سقطت في أول القصة أي "دخل أعرابي السوق بفرسه". ب) قائل البيت وصلته مثل هذا البيت السائر الذي أعجب به الناس، وكثر التمثّل به إلى أن ضمنه أبو الحسن الفالي مقطوعته الرائعة قد يشتاق الإنسان إلى معرفة قائله وهل قبله أو بعده أبيات أخر؟ أما القائل فالظاهر أنه مجهول، وكل من أنشده في القصص المذكورة إنما تمثّل به، إلا القصة الأولى، فقد يكون الأعرابي المذكور فيها قائل البيت، ولكن يصعب القطع بذلك. وقد ذكر الدكتور إحسان عباس أن في مخطوطة كوبريلي من معجم الأدباء حاشية تقول "إن البيت للمجنون وأن الأعرابي تمثّل به أيضًا" يعني في هذه القصة. لكن لم أجد هذا البيت في ديوان مجنون ليلى الذي جمعه الأستاذ عبد الستار أحمد فراج (ط مكتبة مصر ١٩٧٩). أما ما ذهب إليه الأستاذ عبد المعين الملوحي في نشرته لمجموعة المعاني (٢) أنه لأبي مسلمة الكلابي نقلًا عن ذيل الأمالي فذلك غير صحيح، فإن قصة حمزة بن عبد الله بن الزبير أقدم من قصة الكلابي، وقد نبّه الميمني رحمه

стр. 174

الله في شرح الذيل على أن البيت ليس له. أما صلة البيت، فإن المصدر الوحيد الذي ذكر بيتًا آخر بعده هو كتاب مجموعة المعاني، فأنشد: ولولا الذي يأتي على النفس خاليًا ... من الهمّ لم يسلس لهن قريني خامسًا: تخريج مقطوعة الفالي وتقييد رواياتها قبل أن أختم كلمتي هذه أعود إلى مقطوعة الفالي، وأثبتها مع تخريجها وتقييد رواياتها المختلفة، وقد جاء أكثرها مفرقًا من قبل، فأحببت أن أجمعها هنا تيسيرًا وتقريبًا: أنست بها عشرين حولًا وبعتها ... فقد طال وجدي بعدها وحنيني وما كان ظنّي أنني سأبيعها ... ولو خلّدتني في السجون ديوني ولكن لعجزٍ وافتقارٍ وصبيةٍ ... صغارٍ عليهم تستهلّ شؤوني فقلت ولم أملك سوابق عبرتي ... مقالة مكويِّ الفؤاد حزين (وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من ربٍّ بهن ضنين) أ) التخريج وردت المقطوعة في المصادر الآتية: المنتظم، معجم الأدباء، وفيات الأعيان، سير أعلام النبلاء (غير البيت الرابع)، الفلاكة والمفلوكون، المزهر وزد عليها للبيت الخامس وحده: جمهرة نسب قريش وأخبارها، وعيون الأخبار، وذيل الأمالي، والعقد، ومحاضرات الأدباء، ومجموعة المعاني.

стр. 175

ب) الروايات وإليكم الروايات المختلفة حسب ترتيب الأبيات. البيت الأول: - في المزهر: عشرين عامًا. - في معجم الأدباء: فقد طال شوقي البيت الثالث: - في المنتظم: تستهل جفوني. البيت الرابع: - في الفلاكة: عبرة. - في معجم الأدباء: مشوي الفؤاد. البيت الخامس - في جمهرة نسب قريش: قد تنزع (بالخرم). وفي عيون الأخبار ومجموعة المعاني: وقد تنزع. وفي المنتظم: لقد تخرج. - في عيون الأخبار: أم معمر، وفي العقد: أم عامر. - في المنتظم: ذخائر (مكان كرائم)، وفي الفلاكة: ودائع.

стр. 176

إصلاح الإصلاح (١) (دراسة نقدية حول تحقيق كتاب "إصلاح ما غلط فيه النمري في معاني أبيات الحماسة" للغندجاني) لقد سررت كثيرًا، يوم جاءتني نسخة من كتاب "إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري مما فسّره من أبيات الحماسة" لأبي محمد الأعرابي الأسود الغندجاني تحقيق الدكتور محمد علي سلطاني، لشغفٍ قديمٍ بحماسة أبي تمام منذ أن عرفناها وقرأنا معظمها أيام الطلب، وكانت مقررة علينا، مما جعلني حريصًا على اقتناء ما ينشر عنها من كتب ودراسات؛ ولما تحويه كتب أبي محمد إلى خفة محملها من علم غزير وفوائد عزيزة من الشعر والأخبار والأنساب. وقد أحسن القفطي في وصفها إذ قال: "ولعمري، إن كتبه من فواكه الكتب، وإنها لنعم الممتع لأهل الرغبة والطلب" (٢). لقد سررت كثيرًا، وراقني مظهره طباعة وإخراجًا، ولم أشكّ في طيب مخبره ضبطًا وتعليقًا وتخريجًا. وذلك لأن ناشره معهد المخطوطات العربية بالكويت، والقائمون عليه موصوفون بالجدّ والإخلاص في البحث عن كنوز التراث العربي الإسلامي، والحفاظ عليه، والاهتمام به، والحرص على إخراج المفيد منه على مستوى عال من التحقيق. ويشهد بذلك ما قام به المعهد من

стр. 177

أعمال جليلة في زمن قصير من عمره قضاه بالكويت. ونسأل الله سبحانه أن يرفع دعائم هذا الصرح العلمي الشامخ، ويحميه من عوادي الزمان، وطوارق الحدثان، وغوائل السياسة الفتّانة القتّالة. ثم لأن تحقيق الكتاب قد تمّ على يدي باحث فاضل أصبح اسمه مقرونًا باسم مؤلفه، بعدما عرف بفضل عناية بآثاره، فأخرج له كتابين من قبل، وهما "فرحة الأديب" و"أسماء خيل العرب وأنسابها وذكر فرسانها"، بالإضافة إلى قيامه بنشر نصوص تراثية أخرى، وإشرافه على الرسائل العلمية. وليس بمستنكر بعد ذلك أن المعهد لم يعن بمراجعة الكتاب قبل نشره. فالكتاب صغير، والمحقق معروف، ثم بآثار صاحبه خبير. فلم يكن في حسباني يومئذ أن يريبني من هذا الكتاب اللطيف الطريف ما رابني، وأن يشغلني منه ما شغلني فيما بعد. وقد يؤتى الحذر من مأمنه! فبينما كنت أتصفّح الكتاب ذات يوم عنّت لي هنات، لم أر بها بأسًا. فكلنا خطّاء ولا يضير عملًا أن يكون فيه نقص أو قصور، فذلك من طبيعة العمل البشري لا محالة. ومضيت أقرأ، فوجدت المحقق الفاضل يعزو إلى شرح الحماسة للخطيب التبريزي كلامًا أنكرته، فلما رجعت إلى الشرح المذكور لم أجده فيه، وزاد عجبي، ففزعت إلى فهرس المراجع، فإذا بالمحقق الكريم يعدّ تعليقة الرافعي على الحماسة طبعة من طبعات شرح التبريزيّ ثم بدأت من أول الكتاب أقرؤه برويّة وإنعام نظر، وأتتبع تعليقات المحقق الكريم، فوقفت له على ما وقفت من الأغاليط والتخاليط، والخروج بعض الأحيان - وذلك الخطب الجلل - على ما يقتضيه صريح العقل من أوائل أصول التحقيق. وعندئذ صحّ عزمي على تقويم ما اعوجّ من أمر هذا الكتاب القيم، وقد حفزني إلى التجرّد له عدة أمور: أولها صدور الكتاب من معهد المخطوطات، وله ماله من مكانة جليلة في نفسي ونفس كل غيور على التراث العربي الإسلامي. والثاني كون محقق الكتاب أستاذًا جامعيًا يرجى منه أن يكون قدوة

стр. 178

لتلامذته في استقامة منهج البحث والدقة والتثبت، فإن حاد مثله عن الجادّة، فإن من يعتزّ بإشرافه عليه وتوجيهه له أحرى بأن يحيد عنها، وأخيرًا حقّ هذا التراث علينا أن تتظافر جهودنا جميعًا على تنقيته من الشوائب، وتقديمه إلى الدارسين بصورة أقرب ما تكون من الصحة والكمال. وذلك في سبيل خدمة هذا اللسان العربي الذي اختاره الله سبحانه لكتابه العزيز. وأخذت أعلّق ما يبدو لي على هوامش نسختي، ولكن لم يكن عندي شيء من النسختين اللتين اعتمد عليهما المحقق في تحقيق الكتاب، فخشيت، إذا بنيت كلامي كله على تذوّق وقياس ومراجعة المصادر الأخرى فحسب، أن أخطو على دحض وأمضي على غرر؛ فسعيت للحصول عليهما. وهما نسختان: إحداهما قديمة وهي الأصل، والأخرى حديثة منقولة عن الأولى. فحصلت على صورة من النسخة الحديثة في صيف العام الماضي، وقد زوّدني بها مشكورًا الأستاذ الدكتور حمزة بن حسين الفعر مدير معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، فعارضت المطبوع عليها، ودوّنت ملاحظاتي. وتابعت جهدي للحصول على صورة من الأصل، فبقي ما كتبته مسودة حولًا كريتًا، إلى أن ظفرت بالنسخة المذكورة في صيف هذا العام ١٤٠٨ هـ. وجزى الله خير الجزاء الدكتور عبد الله الرحيم عسيلان الأستاذ في كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، الذي تكرّم، فأعارني نسخته المصورة، ثم سمح لي بتصوير نسخة منها، فطوّقني منة كبيرة لا تفي بها هذه الكلمات. ملاحظات عامّة أريد أن أسجّل أولًا ملاحظات عامة معدودة، تتعلق بمقدمة المحقق الفاضل، ومنهجه في تحقيق النص والتعليق عليه، وتكون بمنزلة التراجم للملاحظات الخاصة التي تليها.

стр. 179

(١) ترجمة المؤلف تحدث المحقق في مقدمته عن موضوع الكتاب وعنوانه، وديوان الحماسة وميزاته، وترجم للنمري، وأشار إلى مصادر كتابه "تفسير معاني أبيات الحماسة"، ثم تكلّم على نقدات الغندجاني ومنهجه فيها، وختمها بوصف نسختي الكتاب، ومنهجه في تحقيق النص. أما مؤلف الكتاب فقد سبق أن درس المحقق "حياته ومؤلفاته ومنهجه في ردوده والدوافع الكامنة وراء ذلك ... " في مقدمة أول كتاب أخرجه من كتبه، وهو "فرحة الأديب" الذي صدر في دمشق سنة ١٤٠٠ هـ أي قبل خمس سنوات من صدور "إصلاح ما غلط فيه النمري"، مما أغناه عن تكراره في هذا الكتاب، وكتاب "أسماء خيل العرب وأنسابها وذكر فرسانها" الذي نشره سنة ١٤٠٢ هـ. وذلك يدل على أن المحقق الفاضل لم يعثر في المصادر خلال هذه السنوات الخمس على خبر جديد يكشف عن جانب مجهول من جوانب حياة الغندجاني. (أ) أول ما أريد أن أشير إليه بهذا الصدد أنّ في الجزء الرابع من إنباه الرواة للقفطي (٤: ١٧٤ - ١٧٥) ترجمة للغندجاني لم يطلع عليها المحقق. والجديد المهم الذي تضيفه هذه الترجمة إلى ما ورد في المصادر الأخرى من معلومات قليلة هو تحديد سنة وفاته. يقول القفطي: "وقيل لي، أو طالعت - الشك منّي - إنه توفي بالغندجان في سنة ستّ وثلاثين وأربعمائة". هذا الجزء الرابع من الإنباه قد صدر سنة ١٣٩٣ هـ. وليس غريبًا أن يفوت الدكتور سلطاني في بحثه عن ترجمة الغندجاني الرجوع إلى هذا المصدر، ولو أنه قد قضى على صدوره نحو سبع سنوات حينما أخرج فرحة الأديب، وخمس سنوات أخرى لما نشر كتاب "إصلاح ما غلط فيه النمري" فلم يقف على تاريخ وفاة المؤلف، وظلّ يثبت على غلاف كلّ من الكتب الثلاثة أنه "كان حيًّا سنة ٤٣٠ هـ" أخذًا من الورقة الأولى لمخطوطة الكتاب الأخير، وهي

стр. 180

سنة تأليفه. ثم ليس غريبًا أن يرجع في ترجمة النمري التي أوردها في مقدمة هذا الكتاب "إصلاح ما غلط فيه النمري" إلى كتاب الإنباه، ولا يخطر بباله أن ينظر في فهارس الكتاب، لعله يجد ذكرًا للغندجاني أو شيخه أبي الندى. ولكنّ الغريب حقًا أنه رجع إلى كتاب "حماسة أبي تمام وشروحها" للدكتور عبد الله عبد الرحيم عسيلان، وأحال في المقدمة بصدد تعداد شروح الحماسة على ص ٦٢ وما بعدها منه، وهو الفصل الذي عنوانه "ثبت شروح الحماسة"، ويليه دراسة الشروح الموجودة، وأول شرح درسه الدكتور عسيلان هو "معاني أبيات الحماسة" للنمري. وبعدما فصّل القول في خصائص هذا الشرح (ص ٦٨ - ٧٨) ناقش كتاب الغندجاني هذا في الرد على النمري (٧٩ - ٨٣) واستهلّ الكلام بترجمة للغندجاني، صرّح فيها بأنه "توفّي بالغندجان سنة ستّ وثلاثين وأربعمائة"، وأشار في الهامش إلى مصادر ترجمته، وأولها: "إنباه الرواة"! فهل رجع الدكتور سلطاني إلى هذا الكتاب في تعداد شروح الحماسة، ولم يطّلع على هذا الفصل القيم الذي يليه في دراسة شرح النمري وردّ الغندجاني عليه، وهو الذي ينبغي أن يعنيه في هذا الكتاب قبل الفصول الأخرى كلها (١)؟ (ب) وفي هذا الجزء الرابع من الإنباه (ص ١٨٧) ترجمة لأبي الندى شيخ الغندجاني أيضًا وهي مع اختصارها مفيدة. وقد ذكر القفطي من تلاميذه أبي الندى، علي بن الحارث البياري صاحب "شرح الحماسة" و"كتاب صنعة
следующие страницы →