Полный текст (607 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فإنما إخباره عن الجثة بحرف الجر الداخل على ظرف الزمان, لأنه وصفه, فبعد عن الظرفية, وصارت فيه فائدة زائدة. ويجوز: زيد في الدار, لأنها مكان, وزيد جثة ويجوز: قيامك في اليوم, وذهابك إلى السوق, وهذا كله ظاهر.
وأما تقديم خبر المبتدأ عليه ففيه تفصيل, وأبو الفتح أطلق فيه, فنقول: لا يخلو خبر المبتدأ من أن يكون مفردًا أو جملة, فإن كان مفردًا: لم يخل من أن يكون معرفة أو نكرة, فإن كان معرفة: كان المبتدأ معرفة, لأن الخبر لا يكون معرفة والمبتدأة نكرة, وحينئذ لا يجوز تقديمه على المبتدأ, فإذا قلت: «زيد أخوك» لم يجز أن تقول: «أخوك زيد» معتقدا أنه خبر مبتدأ, مقدم لأنه صالح لأن يبتدأ به من أجل التعريف ولو جعلته خبرًا لانقلب المعنى, وقد أشرت إلى ذلك, فإن أمن اللبس جاز التقديم كقول الشاعر:
٢٧ - بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
/ فالمعنى: بنو أبنائنا وبناتنا, لأن المعنى على جعل بني بينهم كبنيهم وتمام البيت ٢٤/ب يدل عليه.
وإن كان نكرة وكان المبتدأ معرفة: جاز تقديمه عليه, فيجوز في قولك: «زيد غلام رجل» أن تقول: «غلام رجل زيد» لأنه قد علم أنه لا يبتدأ بالنكرة مع وجود المعرفة ومن كلامهم: تميمي أنا, ومشنؤ من يشنؤوك وقال الهذلي:
٢٨ - فتى ما ابن الأغر إذا شتونا ... وحب الزاد في شهري قماح
стр. 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وإن كان المبتدأ والخبر نكرتين كقولك: إلام رجل أفضل منك, فينبغي أن لا يجوز التقديم: لأن كل واحد منهما صالح أن يبتدأ به لاختصاصه.
وإن كان الخبر جملة, فإن كانت اسمية جاز تقديمها عند البصريين كقولك: أبوه منطلق زيد, وكذلك الفعلية, إذا كان العائد على المبتدأ ضميرا منصوبًا كقولك: ضربته عمرو, وكذلك إذا كان العائد ضمير تثنية أو جمع, كقوله تعالى: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ في أحد الأقوال. فإن كان العائد ضميرا مفردا: كقولك: «زيد قام» لم يجز التقديم, لأنك لو قلت: قام زيد, لصار فاعلا.
والظرف وحرف الجر والمشتق عند أكثر البصريين يكون خبرا مقدمًا, كقولك: خلفك زيد, وفي الدار عمرو, وقائم عبد الله. وذهب الكوفيون إلى أن هذه الأسماء في هذه المواضع كلها مرفوعة بما تقدم عليها, ووافقهم أبو الحسن الأخفش ويبطل مذهبهم أنا نقول: «إن خلفك زيدا» «وإن في الدار عمراً» والعامل لا يدخل على العامل, وأما قولنا: «قائم عبد الله» فلا يجوز أن يرتفع عبد الله بقائم, لأنه لم يعتمد, وقول أبي الفتح: (وفيهما ضمير) يؤكد أنهما خبران مقدمان, لأنهما لو رفعا ما بعدهما لم يكن فيهما ضمير.
стр. 108
قال ابن جني: واعلم أن المبتدأ قد يحذف تارة, ويحذف الخبر أخرى, وذلك إذا كان في الكلام / دليل على المحذوف, فإذا قال لك القائل: من عندك؟ ٩/أقلت: زيد, أي: عندي زيد, فحذفت عندي وهو الخبر. وإذا قال لك: كيف أنت؟ قلت: صالح, أي: أنا صالح, فحذفت «أنا» وهو المبتدأ. قال الله سبحانه جل من قائل: ﴿طاعة وقول معروف﴾ أي: طاعة وقول معروف أمثل من غيرهما, وإن شئت كان التقدير: أمرنا طاعة وقول معروف, قال الشاعر:
فقالت: على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
ــ
قال ابن الخباز: وحذف / المبتدأ على ثلاثة أقسام: ممتنع: وهو ما ليس في ٢٥/أالكلام دليل عليه فلا تقول: ذاهب, وأنت تريد عمرو, لأنه لا دليل عليه. وواجب: وهو في قولهم: «لا سواء» وتأويله عندهم: هذان لا سواء, والتعويل في ذلك على الاستعمال. وجائز: وهو أن يجري له ذكر فيجوز حذفه كقولك: «صالح» لمن قال: كيف أنت؟ لأن جري ذكره في السؤال مغن عن جرى ذكره في الجواب, ولو قلت: أنا صالح لكان إثباته توكيدًا.
وحذف الخبر ثلاثة أقسام: ممتنع: وهو ما لا دليل عليه كقولك: زيد وأنت تريد: ذاهب, وواجبك وذلك مع الظرفين وحرف الجرز قال أبو علي الفارسي: «إظهار العامل في الظرف شريعة منسوخة» وجائز: وهو ما في الكلام دليل عليه كقولك: زيد, لمن قال: من عندك؟ ولو قلتك زيد عندي لكان توكيدًا. وأما قوله تعالى: ﴿طاعة وقول معروف﴾ فمحمول على حذف الخبر وحذف المبتدأ, فإن حذفت الخبر كان التقدير: طاعة وقول معروف أمثل من غيرهما, وأمثل بمعنى أجود وأصلح, قال امرؤ القيس:
٢٩ - ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
стр. 109
باب: (الفاعل)
قال ابن جني: اعلم أن الفاعل عند أهل العربية كل اسم ذكرته بعد فعل, وأسندته, ونسبت ذلك الفعل إلى ذلك الاسم. وهو مرفوع بفعله, وحقيقة رفعه بإسناد الفعل إليه, والواجب وغير الواجب في ذلك سواء, تقول في الواجب: قام زيد, وفي غير الواجب: ما قام زيد, وهل يقوم زيد. واعلم أن الفعل لابد له من الفاعل.
ــ
= وحمله على حذف الخبر أحسن, لأن الاتساع في الخبر أكثر من الاتساع في المبتدأ وإن حذفت المبتدأ كان التقدير: أمرنا طاعة.
وأما البيت الذي أنشده وهو قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
٣٠ - فقالت على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
فلم يستشهد به على الحذف, وإنما استشهد به على صحة تقدير «أمرنا» في الآية والإخبار عنه بطاعة, والجار في قوله: «على اسم الله» متعلق بمحذوف, أي: أفعل ذلك على اسم الله.
وطاعة بمعنى مطاع, وكذلك في الآية, أي: أمرك مطاع, كما يقال: هذا ٢٥/ب الثوب نسج/ اليمن, أي: منسوج اليمن.
(باب الفاعل)
قال ابن الخباز: (اعلم أن الفاعل عند أهل العربية كل اسم ذكرته بعد فعل) , وإنما قال: (عند أهل العربية) لأن غيرهم يخالفهم في معناه, فمذهب الفلاسفة: أن الفاعل عبارة عن المؤثر كالنار التي تؤثر الإحراق وغير ذلك. ومذهب علماء الكلام: أن الفاعل عبارة عن المؤثر القادر الذي يصح منه الفعل والترك, ومذهب اللغويين: أن الفاعل عبارة عن الذي يوجد الفعل, وهو عند النحويين: كل اسم أسند إليه فعل حقيقي غير معير الصيغة أو شبهه مقدما عليه أبدا, وفي هذا الحد احترازات نحن نبينها
стр. 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= الأول: كونه اسما, وإنما لزم ذلك, لأنه مخبر عنه والفعل والحرف غير مخبر عنهما فلا يكونان فاعلين.
الثاني: حقيقي, وذلك احتراز من كان وأخواتها, لأنها أفعال غير حقيقة, فالمرفوع منها مشبه بالفاعل.
الثالث: قولنا: «غير مغير الصيغة» احتراز من الفعل المبني للمفعول به كقولنا: ضرب زيد.
ويريد بشبهه الأسماء العاملة ما خلا أسماء المفعولين: لأن المرفوع بها مفعول غير مسمى الفاعل, وذلك اسم الفاعل, والصفة, والمصدر, واسم الفعل كقولك: مررت برجل قائم أبوه, وزيد حسن وجهه, وسرني ذهاب أخوك, وشتان ما زيد وعمرو.
والرابع: قولنا: مقدم عليه أبدًا, وذلك احترازًا من مثل قولنا: زيد قام, فإن الفاعل لا يقدم على الفعل, وسنذكر علته.
ويلزم من وجوب تقديم الفعل على الفاعل أن لا يكون الفاعل شرطًا ولا استفهامًا: لأنهما لا يعمل فيهما ما قبلهما, وإذا عرفت حد الفاعل فلا فرق بين الواجب وغيره, تقول في الواجب: /قام زيد, وفي غير الواجب: ما قام زيد, ٢٦/أوهل يقوم زيد, وليقيم زيد, والواجب الخبر الثابت.
وقوله: (وحقيقة رفعه بإسناد الفعل إليه) فيه نظر, لأن الفاعل لم يرتفع بنفس الإسناد, وإنما ارتفع بالمسند, والإسناد شرط في وجود الرفع, وإنما جعلنا المسند هو الرافع, لأن الفعل هو المقتضي للفاعل فكان هو العامل فيه.
وذهب قوم إلى أن رافعه الفاعلية وهذا باطل لثلاثة أوجه: الأول: أنه يرتفع في النفي ولا فاعلية. والثاني: تقول: رخص السعر, وانقض الجدار, ومات زيد ولا فاعلية. والثالث: أن اسم كان مرتفع بها بلا خلاف, وهي فعل غير حقيقي
стр. 111
قال ابن جني: ولا يجوز تقديم الفاعل على الفعل. فإن لم يكن مظهرًا بعده, ٩/ب فهو مضمر فيه / لا محالة, تقول: زيد قام, فزيد مرفوع بالابتداء, وفي قام ضمير زيد, وهو مرفوع بفعله. فإن خلا الفعل من ضمير لم تأت فيه بعلامة تثنية ولا جمع, لأنه لا ضمير فيه تقول: قام زيد, وقام الزيدون كله بلفظ واحد في قام. فإن كان فيه ضمير جئت فيه بعلامة التثنية والجمع تقول: الزيدان قاما, والزيديون قاموا فالألف في قاما علامة التثنية والضمير والواو في قاموا علامة الجمع والضمير.
ــ
= فلا يقصر باع الفعل الحقيقي عنها, ولا فرق بين المضارع والماضي والأمر في اقتضاء الفاعل وعملها فيه كقولك: قام زيد, ويذهب عمرو واجلس.
وليس للفعل بد من الفاعل لوجهين: أحدهما: أن الفعل حديث, والحديث عن غير محدث عنه معدوم الفائدة. والثاني: أنك لو ذكرت الفعل بغير فاعل لكان مفردًا, والمخاطب لا يستفيد من المفرد شيئًا لأنه يساويك في معرفة معناه.
قال ابن الخباز: وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل, فلا تقول: زيد ضرب معتقدًا أنه فاعل مقدم, واحتجوا في ذلك بثلاثة أوجه: الأول: أن الفاعل كالجزء من الفعل وجزء الشيء لا يقدم عليه. والثاني: أن الفاعل يلزم ذكره فجيء به بعد الفعل إشعارًا باللزوم. والثالث: أن الفاعل لو ذكر قبل الفعل لم يشعر اللفظ بأنه فاعل.
٢٦/ب ... وذهب الكوفيون إلى جواز تقديمه, فمما احتجوا به / قول الراجز:
٣١ - لسن بأنياب ولا حقائق ... ولا ضعاف مخهن زاهق
أراد زاهق مخهن, واحتجوا بقول الشاعر:
стр. 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ٣٢ - ولابد من وجناء تشري براكبٍ ... إلى ابن الجلاح سيرها الليل قاصد
أراد: قاصد سيرها الليل, والجواب: عن البيت الأول: أن مخهن بدل من الضمير في ضعاف. وعن البيت الثاني: أن قاصدًا صفة لراكب.
وقوله: (لا محالة) كقوله: (لابد) وهي في الأصل مصدر حال يحول أي: لا تحول عن ذلك, وأما قوله: (زيد قام) فزيد فيه مبتدأ, وفاعل في المعنى, أما الأول فلأن العوامل تدخل عليه كقولك: إن زيدًا قام وظننت زيدًا قام. وأما الثاني: فلأن في قام ضميرًا يعود عليه وهو هو في المعنى, وإنما استكن في قام ضمير لوجهين: أحدهما: أن زيدًا لا يجوز أن يكون فاعلًا, ولابد للفعل من فاعل.
والثاني: أنك تقول في التثنية والجمع الزيدان قاما, والزيدون قاموا, فبروزه في التثنية والجمع دليل على استكنانه في الواحد. وإنما أكنوه, لإحاطة العلم بأن الفعل لا يخلو من الفاعل الواحد, وإنما برزوه في التثنية والجمع, لأنه يجوز أن يخلو منهما. وإذا كان الفاعل مفردًا مذكرًا لم يؤت في الفعل بعلامة كقولك: قام زيد, لأن الإفراد والتذكير أصلان فلا يحتاجان إلى دليل. وإن كان مثنى أو مجموعًا كقولك: قام أخواك, وقام الزيدون, فاللغة الشائعة الفصيحة إخلاؤه من العلامة, لأن وجود التثنية والجمع في الفاعل مغن عن إلحاقهما الفعل, وفي التنزيل: ﴿وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله﴾ وقال بعض العرب: قاما أخواك, وقاموا / إخوتك, وقمن جواريك, وفي ذلك ثلاثة أقوال: ٢٧/أأحدها: أن المضمرات ملحقات وما بعدها بدل منها. والثاني: أن المظهرات مبتدآت, والأفعال أخبار مقدمات. والثالث: أن الألف والواو والنون أدلة على التثنية والجمع كالتاء في قامت هند.
وأما قوله تعالى: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ ففي الذين أقوال كثيرة, فقيل: =
стр. 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= بدل من الناس, وقيل: بدل من الضمير في حسابهم, وقيل: يدل من هم. وقيل: بدل من معرضون, وقيل: بدل من الضمير فيه, وقيل: بدل من الضمير في يأتيهم, وقيل: بدل من الضمير في ربهم. [و] قيل: بدل من الضمير في استمعوه. وقيل: بدل من هم. وقيل: بدل من الواو في يلعبون. وقيل: بدل من الهاء والميم في قلوبهم. وقيل: بدل من الواو في أسروا. وقيل: فاعل النجوى. وقيل: فاعل أسروا. وقيل: مبتدأ, أسروا خبره. وقيل: خبر مبتدأ محذوف.
فإن أسندت الفعل إلى ضمير المثنى والمجموع كقولك: الزيدان قاما والزيدون قاموا, والهندان قامتا, والهندات قمن, وجب إبراز الضمير لما ذكرنا. ومذهب سيبويه أن الألف والواو والنون أسماء مرتفعات بأفعالها, وحجته: أنها حلت محل المظهرات فكانت أسماء, ألا ترى أن الأصل: الزيدان قام الزيدان: والزيدون قام الزيدون؟ كقوله تعالى: ﴿الحاقة﴾ , ﴿ما الحاقة﴾ و ﴿القارعة﴾ , ﴿ما القارعة﴾ فالألف حالة محل الزيدان, والواو حالة محل الزيدون. ومذهب أبي الحسن أنها أدلة على تثنية الضمير المستكن وجمعه, وحجته أنه ضمير غائب فكان مستكنًا قياسًا على ضمير الواحد.
стр. 114
قال ابن جني: فإن كان الفاعل مؤنثًا جئت في الفعل بعلامة التأنيث, تقول: قامت هند, وقعدت جمل, فالتاء علامة التأنيث, فإن كان التأنيث غير حقيقي كنت في إلحاق العلامة وتركها مخيرًا, تقول, حسنت دارك, واضطرمت نارك, وإن شئت حسن واضطرم, إلا أن إلحاقها أحسن من حذفها, فإن فصلت بين الفعل والفاعل ازداد ترك العلامة حسنًا, تقول: حسن اليوم دارك, واضطرم الليلة نارك, وقد يجوز مع الفصل تذكير الفعل مع التأنيث الحقيقي قال الشاعر:
إن أمرأ غره منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا المغرور
/ ولم يقل: غرته, ولك في كل جماعة تذكير فعلها وتأنيثه, تقول: قام الرجال, ١٠/أوقامت الرجال, وقام النساء, فمن ذكر أراد الجمع, ومن أنث أراد الجماعة.
ــ
قال ابن الخباز: وإن كان الفاعل مؤنثًا لم يخل من أن يكون حقيقيًا أو غير حقيقي, والمذكر كذلك أيضًا حقيقي وغير حقيقي / فالمذكر الحقيقي: ما كان يازائه ٢٧/ب أنثى من الحيوان كالرجل والحمار والجمل والحمل. والمذكر غير الحقيقي: ما لم يكن حيوانًا كحجر وثوب. والمؤنث الحقيقي: ما كان يازائه مذكر من الحيوان كالمرأة, والأتان, والناقة, والرحل والحقيقي أقوى, لأنه خلقى, فإن كان الفاعل مؤنثًا حقيقيًا وجب إلحاق التاء بالفعل الماضي المسند إليه, كقولك: قامت هند وقعدت جمل. وإن كان الفعل مضارعًا وجب مجيء التاء في أوله, كقولك: تقوم هند وتقعد جمل, وأصل إلحاق التاء إرادة الدلالة على تأنيث الفاعل, وعلة وجوبها: كون التأنيث حقيقًا غير زائل. وسألت شيخنا ﵀ فقلت له: هلا اكتفوا بتأنيث الفاعل؟ فقال: هذا لا يستقيم, لأن المذكر قد يسمى بالمؤنث. قال الشاعر:
٢٣ - تجاوزت هندًا رغبة عن قالته ... إلى مالك أغشو إلى ذكر مالك =
стр. 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= والمؤنث قد يسمى بالمذكر كجعفر, أنشد المبرد في الكامل:
٣٤ - يا جعفر يا جعفر يا جعفر ... إن أك دحداحًا فأتت أقصر
ومثناه بمنزلة مفرده, تقول: قامت الهندان وقعدت الزينبان, لأن صيغة المفرد باقية, فإن كان المؤنث غير حقيقي: لم يخل من أن يفصل بينه وبين الفعل أولًا, فإن لم يفصل بينهما فإلحاق العلامة أحسن كقولك: حسنت دارك, واضطرمت نارك, وذلك لأن علامة التأنيث فيه مقدره فروعي لفظه, والدار والنار مؤنثتان, ومن كلامهم: هذه الدار ونعمت البلد, وفي التنزيل: ﴿النار وعدها الله الذين كفروا﴾ فإن فصل بينهما حسن ترك العلامة كقولك: حسن اليوم دارك, لأن ٢٨/أتاء التأنيث ألحقت بالفعل لما بينه / وبين الفاعل من الجزئية, والفصل يضعف هذه الجزئية وإلحاق العلامة أحسن, لأن الفصل لا يزيل التأنيث.
فإن أسندت الفعل إلى مضمر المؤنث غير الحقيقي, وجب إلحاق العلامة كقولك: الأرض أعشبت, لأن اتصال الفعل بالمضمر أشد (من) اتصاله بالمظهر, وأما ما أنشده أبو علي ﵀:
٣٥ - تجوب بنا الفلاة إلى سعيد ... إذا ما الشاة في الأرطاة قالا
فإنما طرح العلامة, لأنه عنى بالشاة الثور الوحشي. وقال ابن القابلة:
ويجوز للشاعر طرح التاء من الفعل المسند إلى المؤنث الحقيقي إذا فصل بينهما, =
стр. 116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وذلك محمول على الضرورة لإقامة الوزن. وأما ما أنشده أبو الفتح ﵀, وهو:
٣٦ - إن امرأ غره منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
فلا حجة فيه, لأنه يجوز أن يريد بواحدة خصلة أو فعلة.
والجيد ما أنشده أبو علي, وهو قول جرير:
٣٧ - لقد ولد الأخيطل أم سوء ... على قمع استها صلب وشام
وأما الفعل المسند إلى الجماعة ففيه مسائل تبنيه: المسألة الأولى: جمع التصحيح بالواو والنون لا يؤنث فعله كقولك: قام الزيدون, لأن لفظ المذكر الحقيقي باق.
وذهب ابن بابشاذ إلى جوازه حملًا على أنه جماعة. ويجوز تأنيث فعل. بنين, قال النابغة:
٣٨ - قالت بنو عامر, خالوا بني أسد ... يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام
وعلة جوازه أن بنين مبني على واحد غير مستعمل.
المسألة الثانية: جمع التأنيث بالألف والتاء, إن كان للمؤنث كالهندات, جاز إلحاق / العلامة وتركها. فالتذكير نظر إلى أنه جمع, والتأنيث نظر إلى أنه جماعة. ٢٨/ب وإن كان للمذكر كالطلحات فهو كذلك, فالتذكير (نظر) إلى أن وجدانه =
стр. 117
باب: (المفعول الذي جعل الفعل حديثا عنه وهو ما لم يسم فاعله)
قال ابن جني: اعلم أن المفعول في هذا الباب يرتفع من حيث يرتفع الفاعل, لأن الفعل قبل كل واحد منهم حديث عنه ومسند إليه, وذلك قولك: ضرب زيد, وشتم بكر, فإن كان الفعل يتعدى إلى مفعولين أقمت الأول منهما مقام الفاعل, فرفعته وتركت الثاني منصوبًا بحاله, تقول: أعطيت زيدًا درهمًا, فإن لم تسم الفاعل قلت: أعطي زيد درهمًا, فإن كان يتعدى إلى ثلاثة مفعولين أقمت الأول منهما مقام الفاعل ونصبت المفعولين بعده, تقول: أعلم الله زيدًا عمرًا خير الناس, فإن لم تسم الفاعل قلت: أعلم زيد عمرًا خير الناس, فإن لم يكن ١٠/ب الفعل متعديًا, لم يجز ألا تذكر الفعل, لئلا يكون / الفعل حديثًا عن غير محدث عنه, وذلك نحو: قام زيد وقعد عمرو, ولا تقول: قيم, ولا قعد لما ذكرت لك.
ــ
= مذكر, والتأنيث نظر إلى أن فيه الألف والتاء.
والمسألة الثالثة: جمع التكسير للمذكر والمؤنث من ذوي العلم وغيرهم كزيود وهنود وثياب وجفان. يجوز إلحاق العلامة بفعله وحذفها, قال أبو علي: «لأن هذه الجموع كما يعبر عنها بالجماعة, فقد يعبر عنها بالجمع والجميع».
(باب المفعول الذي جعل الفعل
حديثا عنه وهو ما لم يسم فاعله)
قال ابن الخباز: الأصل في المجيء بهذا المفعول الاختصار, لأن الفعل والمفعول أقل منهما ومن الفاعل وتناط بذلك أغراض أخر. منها: الجهل به: كقولك: سرق المتاع. ومنها التعظيم: كقولك: قطع اللص ولا يذكر الأمير, ومنها التحقير: (كقولك) شتم الأمير. ومنها العلم به: كقولك: أنزل المطر. ومنها إيثار غرض السامع: لأنه ربما لم يشته ذكر الفاعل أما حبا له وإما بغضه. وهذا المفعول مرفوع, لأنه لما حذف الفاعل أعرب إعرابه لئلا يخلو الكلام من المرفوع. ومن =
стр. 118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= قال: إن الفعل رافع الفاعل قال هنا: إن الفعل رافع المفعول, لأنه أسند إليهما وجعل حديثًا عنهما. ومن قال: إن الرافع الفاعلية لم يطرد قوله ها هنا, لأنه لا فاعلية. ولابد في هذا الباب من ثلاثة أشياء, الأول: حذف الفاعل لأجل الأغراض التي ذكرناها. الثاني: رفع المفعول لما ذكرناه. الثالث: تغيير صيغة / الفعل ولا ٢٩/أيخلو من أن يكون ماضيًا أو مضارعًا, فإن كان ماضيًا ضم أوله وكسر ما قبل آخره كقولك: ضرب وشتم. أما ضرب الأول: فهو جبر للوهن الحادث بحذف الفاعل, وأما كسر ما قبل آخره: فللفرق بينه وبين المضارع, وسنذكر علة التخصيص فإن المضارع بفتح ما قبل آخره.
وإن كان مضارعًا ضم أوله وفتح ما قبل آخره: كقولك: يضرب. وإنما فتح ما قبل آخره: لأن في الضم ثقلًا, وفي الكسر التباسًا بالفعل المسمى بالفاعل نحو يكرم. ولا يكون ما لم يسم فاعله أمرًا إلا مع اللام: كقولك: لتعن بحاجتي ولتزة علينا يا رجل, ويتعلق بالفعل الذي لم يسم فاعله مباحث من علم التصريف, لولا أني بنيت كتابي على الاختصار لذكرتها.
ولا يخلو الفعل في هذا الباب من أن يكون متعديًا أو غير متعد, والمتعدي ما نصب المفعول به كقولك: ضربت زيدًا, وهو ثلاثة أقسام: الأول: ما ينصب مفعولا واحدًا: كقولك: ضربت زيدًا وشتمت عمرًا فإذا بنيته للمفعول به حذفت الفاعل ورفعت المفعول, فقلت: ضرب زيد وشتم [عمرو] وفي التنزيل: ﴿كتب عليكم القصاص﴾ و ﴿كتب عليكم الصيام﴾ فهذا مفعول به في المعنى فاعل في اللفظ, أما الأول: فلأن الفعل لا ينصب غيره. وأما الثاني: فلأنه مرفوع يستغنى به الكلام.
الثاني: ما ينصب مفعولين, وهو قسمان: أحدهما: ما ينصب مفعولين ثانيهما غير الأول في المعنى, كقولك: أعطيت زيدًا درهمًا وكسوت بكرًا ثوبًا, فإذا بنيته =
стр. 119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٩/ب = للمفعول به رفعت الأول وتركت / الثاني منصوبًا كقولك: أعطي زيد درهمًا, لأن الفعل لا يكون له فاعلان, ويجوز أن تقلب, فتقيم الدرهم مقام الفاعل فتقول: أعطي الدرهم زيدًا, لأن اللبس مأمون. ومن كلامهم: «عرضت الناقة على الحوض» فإن قلت: فما ناصب الثاني؟ قلت: فيه خلاف مبني على الخلاف في ناصبه قبل ترك تسمية الفاعل, فمن قال في قولك: أعطيت زيدًا درهمًا: إن ناصب درهم هو أعطيت فهو ناصبه هاهنا, ومن قال: إن ناصبه فعل محذوف فكذلك يقول ها هنا.
الثاني: ما ينصب مفعولين ثانيهما هو الأول في المعنى: كقولك: ظننت زيدًا قائمًا فإذا بنيته للمفعول رفعت زيدًا ونصبت قائمًا, فقلت: ظن زيد قائمًا, ويجوز أن تقلب فتقول: ظن قائم زيدًا, لأن اللبس مأمون أيضًا. وأما قوله : ﴿فلم تظلم نفس شيئًا﴾ فشيء فيه مصدر, وهو من وضع العام موضع الخاص, أي: فلا تظلم نفس ظلما.
الثالث: ما ينصب ثلاثة مفعولين: وذلك نحو قولك: أعلم الله زيدًا عمرًا خير الناس, فها هنا لا يجوز أن تقيم مقام الفاعل إلا المفعول الأول فتقول: أعلم زيد عمروًا خير الناس, ولو أقمت الثاني أو الثالث لصار في الكلام ليس, فلو قلت: أعلم عمرو زيدًا خير الناس, لصار عمرو هو المعلم بأن زيدًا خير الناس. ولو قلت: أعلم خير الناس زيدًا عمرًا, لصار خير الناس معلمًا بأن زيدًا مثل عمرو. فإن أمن اللبس جاز العكس. تقول: أعلمت يعقوب يوسف أحسن الإخوة, فإن لم تسم الفاعل جاز أن تقيم الأول / أو الثاني أو الثالث, لأن اللبس مأمون, وأمر التمثيل ظاهر ٣٠٠/أوأما غير المتعدي: فنحو قام وقعد وجلس وذهب, وغير المتعدي ما لم ينصب المفعول به. فإذا قلت: قام زيد وقعد عمرو, لم يجز أن تبنيه للمفعول به, لأنك إذا حذفت الفاعل [و] لم يكن في اللفظ مفعول به تقيمه مقامه خلا الفعل من المرفوع, فلذلك لم تقل: فيم ولا قعد. وأجازه قوم على إضمار المصدر, أي: قيم القيام وقعد القعود, لأن الفعل يدل على المصدر, ولذلك إذا =
стр. 120
قال ابن جني: فإن اتصل حرف جر, أو ظرف, أو مصدر, جاز أن تقيم كل واحد منهما مقام الفاعل, تقول: سرت بزيد فرسخين يومين سيرًا شديدًا, فإن أقمت الباء وما عملت فيه مقام الفاعل قلت: سير بزيد فرسخين يومين سيرًا شديدًا, فالياء وما عملت فيه في موضع رفع, فإن أقمت الفرسخين مقام الفاعل, قلت: سير بزيد فرسخان يومين سيرًا شديدًا, فإن أقمت اليومين مقام الفاعل, قلت: سير بزيد فرسخين يومان سيرًا شديدًا, فإن أقمت المصدر مقام الفاعل, قلت: سير بزيد فرسخين يومين سير شديد, ترفع الذي تقيمه مقام الفاعل بفعله لا غير, فإن كان هناك مفعول به صحيح لم تقم مقام الفاعل غيره, تقول: ضربت زيدًا يوم الجمعة ضربًا شديدًا, فإن لم تسم الفاعل, قلت: ضرب زيد يوم الجمعة ضربًا شديدًا ترفع, زيدًا في هذه المسألة لا غير.
ــ
= ذكر الفعل جاز إضمار المصدر والإشارة إليه, فمن الإضمار قوله تعالى: ﴿ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانًا كبيرًا﴾ أي: فما يزيدهم التخويف. ومن الإشارة قوله تعالى: ﴿قال لا يأتكما طعام ترزقانه إلا نبأنكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي﴾ أي: ذلكما التنبيء, والصواب عندي في هذه المسألة أن يكون أصل الكلام مع الفاعل: قامه زيد وقعده عمرو بإضمار المصدرين, فلما بنيا للمفعول صار البارز المنصوب مستكنًا مرفوعًا.
قال ابن الخباز: واعلم أن الفعل غير المتعدى يتعدي إلى المصدر, وإلى ظرفي الزمان والمكان, وإلى الاسم بحرف الجر, كقولك: سرت بزيد فرسخين يومين سيرًا شديدًا, فإذا تعدى إلى أحد هذه الأِشياء أو إلى جميعها, جاز بناؤه لما لم يسم فاعله, لأن معك ما تقيمه مقام الفاعل, فإن أقمت حرف الجر مقام الفاعل: قلت: سير بزيد فرسخين يومين سيرًا شديدًا, فالباء وما عملت فيه في موضع رفع, والدليل على ذلك وجهان: / أحدهما: أن تقديمه لا يجوز فلا تقول: بزيد سير. والثاني: أنك لو ٣٠/ب عطفت عليه اسمًا لجاز رفعه, كقولك: سير بزيد وعمرو. ومن أبيات الكتاب:
٣٩ - جئنا بمثل بني بدر لقومهم ... أو مثل أسره منظور بن سيار =
стр. 121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= هكذا أنشد بنصب مثل, لأن قوله: «بمثل بني بدر» في موضع نصب. وإن أقمت الفرسخين مقام الفاعل, قلت: سير بزيد فرسخان يومين سيرًا شديدًا. وحكم طرف المكان الذي يقع في هذا الباب أن يكون متصرفًا, فلو كان مكان الفرسخين عندك لم ترفعه, لأنه لا يتصرف - وإن أقمت اليومين مقام الفاعل, قلت: سير بزيد فرسخين يومان سيرًا شديدًا. وحكم ظرف الزمان التصرف أيضًا, فلما كان مكان اليومين سحر لم يجز رفعه, لأنه لا يتصرف, وروى سيبويه عنهم: «صيد عليه يومان, وولد له ستون عامًا». وإن أقمت المصدر مقام الفاعل قلت: سير بزيد فرسخين يومين سير شديد.
وحكم المصدر الواقع في هذا الباب أن يكون موصوفًا كهذه المسألة أو محدودًا كقولك: ضرب بالسوط ضربة, أو معدودًا: كقولك: سير عليه سيران, لتكون فيه فائدة, وضعف أبو علي قولهم: «سير به سير» , لأنه لا يزيد على ما يفهم من الفعل.
وأي هذه الأشياء أقمت مقام الفاعل كانت البواقي منصوبة, لأن الفعل لا يكون له فاعلان, وقال قوم: الأولى بالإقامة حرف الجر, لأنه مفعول به في المعنى وقال قوم: الأولى بالإقامة غيره, لأن الإعراب يستبين فيه.
٣١/أوالفعل المتعدى يتعدي إلى هذه الأشياء الأربعة /, لأنه أقوى من غير المتعدي كقولك: ضربت بالسوط اليوم خلفك ضربًا شديدًا وحكمها في الإقامة مقام الفاعل معه كحكمها مع «سرت» في ذلك, فإن ذكرت المفعول به معها كقولك: ضربت زيدًا بالسوط اليوم خلفك ضربًا شديدًا. فجمهور النحويين يذهبون إلى أن الأولى بالإقامة مقام الفاعل المفعول به, فتقول: ضربت زيد بالسوط [اليوم]
стр. 122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= خلفك ضربًا شديدًا, كما قال تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص﴾ و ﴿كتب عليكم الصيام﴾ وذلك لثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن الفعل يعمل في المفعول به بغير واسطة كما يعمل في الفاعل بغير واسطة. الوجه الثاني: أن المفعول به يكون فاعلًا في المعنى, والفاعل يكون مفعولًا به في المعنى كقولك: ضارب زيد عمرًا فكل واحد منهما ضارب ومضروب. الوجه الثالث: أنه قد جاءت عنهم أفعال كثيرة هجر فاعلها, ولم يستغن فيها بغير المفعول به فجرى عندهم مجرى الفاعل كقولك: عنيت بحاجتك وسل وركم وجن وورد وحم. وفي سيبويه منه باب. وفي الباب الرابع من الفصيح منه كلمة صالحة.
وذهب قوم إلى أنه يجوز إقامة المصدر مقام الفاعل إذا كان في اللفظ مفعول به, واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وكذلك ننجي المؤمنين﴾ أي: نجي النجاء, وبقراءة أبي جعفر ﴿ليجزى قومًا بما كانوا يكسبون﴾ [أي] ليجزي الجزاء قومًا. ويقول جرير:
٤٠ - لقد ولدت فقيرة جرو كلب ... فسب بذلك الجرو الكلابا
والذي احتجو به مخرج على غير ما فهموه, أما قوله: ﴿ننجي المؤمنين﴾ /٣١/ب فلو كان كما قالوا لكان فعلًا ماضيًا قد أسكنت ياؤه من غير الضرورة, وذلك إنما يجيء في الشعر, وهو محمول على أن الأصل: ننجي, فأبدل من النون الثانية =
стр. 123
باب: (المشبه بالفاعل في اللفظ)
قال ابن جني: وهو على ضربين: اسم كان (وخبر إن).
ــ
= جيم كما قالوا في إنجاص وإنجانة: إجاص وإجانه, ذكرهما ابن أسد في الإفصاح. وأما قوله: ﴿ليجزى قومًا﴾ ففي يجزى ضمير الغفران الذي دل عليه يغفر, وذلك ليس مصدر يجزى, والنزاع إنما وقع في مصدر الفعل المبني للمفعول.
وأما قول جرير, فمن رواه:
٤١ - ولو ولدت فقيرة جرو كلب ... لسب ..........
فيجوز أن يكون «سب» محكيًا بقول هو جواب «لو» , أي: لقلنا: سب أو لقيل: سب, ويكون سب فعل أمر, وحذف القول كثير في كلامهم, فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فأما الذين أسودت وجوههم أكفرتم﴾ أي: فيقال لهم: أكفرتم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا﴾ أي: فيقولون. قال أبو علي: ولو قلت: ضرب زيد الضرب, لم يستقم أن ترفع الضرب وتنصب زيدًا, لأن الضرب مصدر, وليس مفعول به كالدرهم, وذلك لما ذكرناه من الفرق بين المفعول به وغيره بالأوجه الثلاثة.
(المشبه بالفاعل في اللفظ وهو اسم (كان وخبر إن)
قال ابن الخباز: إنما كان هذان القسمان مشبهين بالفاعل, ولم يكونا فاعلين, لأن كان وأخواتها ليست بأفعال حقيقية. وإن وأخواتها حروف, فلذلك كان المرفوع بهما مشبهًا بالفاعل: وقوله: (في اللفظ) متعلق بالمشبه. أي: أن لفظه لفظ الفاعل, وليس معناه معناه, وحال اسم كان وخبر إن كحال ما لم يسم فاعله ٣٢/أ, في أن / لفظه لفظ الفاعل, وهو في المعنى غير فاعل.
стр. 124
باب: (كان وأخواتها)
قال ابن جني: وهو كان وصار وأمسى وأصبح وظل وبات وأضحى, وما دام, وما زال, وما انفك, وما فتئ, وما برح, وليس, وما تصرف منهن, وما كان في معناهن مما يدل على الزمان المجرد من الحدث, فهذه الأفعال كلها تدخل على المبتدأ والخبر فترفع المبتدأ ويصير اسمها, وتنصب الخبر ويصير خبرها, واسمها مشبه بالفاعل, وخبرها مشبه بالمفعول تقول: كان زيد قائمًا, وصار محمد كاتبًا, وأصبح الأمير مسرورًا, وظل جعفر جالسًا, وبات أخوك لاهيًا, وما دام سعيد كريمًا, وما زال أبوك عاقلًا, وما أنفك قاسم مقيمًا, وما فتئ عمرو جاهلًا, وليس الرجل حاضرًا. وكذلك ما تصرف منها, تقول: يكون أخوك. منطلقًا, وليصبحن الحديث شائعًا.
ــ
(باب كان وأخواتها)
قال ابن الخباز: إنما قدم باب كان, لأنها أفعال, وهي أقوى من إن وأخواتها في العمل, لأن تلك حروف. والدليل على أنهن أفعال حسن علامات الأفعال فيها تقول: قد كان وسيكون, وسوف يكون ولم يكن, وتصرف منها المضارع والأمر واسم الفاعل, كقولك: أصبح يصبح, وأصبح, مصبح, وعبر الزجاجي عنها بالحروف, وذلك يجوز, لأن الحرف في الأصل قطعة من الشيء, وهذه طائفة من الكلم.
وإنما بدأ بكان لأنها أعم الأفعال, لأن كل شيء داخل تحت الكون, وإنما عملت هذه الأفعال, لأنها أشبهت الأفعال الحقيقية بالفعلية. وتسمى هذه الأفعال ناقصة, لأنها لا تستغنى بالمرفوع. وفائدة دخولها على الجملة (أنها) تضمنها =
стр. 125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= معانيها التي تدل عليها, فكان لمضي مضمون الجملة وصار للانتقال, وأصبح لاقتران المضمون بالصباح وأمسى لاقترانه بالمساء, وأضحى لاقترانه بالضحى, وظل لاقترانه بالنهار, وبات لاقترانه بالليل. وما دام للتأبيد, وما زال وما برح وما فتئ وما أنفك لاستمرار وجود الخبر بالمبتدأ. وليس: لنفي مضموم الجملة في الحال. تقول: كان زيد قائمًا, فزيد مرفوع بكان موجبة كانت أو غير موجبة كقولك: ما كان زيد قائمًا.
ولا يجوز تقديمه عليها كما لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل. فإن قلت: زيد كان قائمًا, فهو مبتدأ, وفي كان ضمير, ولابد من الإتيان بالخبر, وذلك لأن ٣٢/ب الاسمين في الأصل مبتدأ وخبر, ولابد لأحدهما من الآخر, ولا يجوز أن / يكون قائمًا مفعولًا به, لأن ذلك يجوز حذفه, وهذا لا يجوز حذفه, ولأنه يلزم من تثنية المرفوع وجمعه تثنيته وجمعه, وذلك لا لزم في المفعول به. ولا يجوز أن يكون حالًا, لأنه يقع معرفة كقولك: كان زيد أباك, والحال لا يكون إلا نكرة.
وكان وأخواتها متصرفات إلا فعلين, وهما: ليس, وما دام, فامتناع ليس من التصرف, لأن الغرض من المضارع حاصل منها, ألا ترى أنك إذا قلت: «أزورك ما دمت مقيمًا» فإنما تشترط اتصال الزيارة ودوامها, وموضع «ما دمت» نصب على أنه ظرف زمان والعامل فيه «أزورك» فالماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل فوضى في رفع الأول ونصب الثاني كقولك: يكون أخوك منطلقًا, وأصبح الأمير سائرًا, وعبد الله كائن مقيمًا.
ويسمى المرفوع اسم كان, لأنه اسم عملت فيه فأضيف إليها للملابسة, ويسمى المنصوب خبر كان, لهذه العلة. ومن ظن الأمر غير ذلك فقد أخطأ. وقوله: (على الزمان المجرد من الحدث) يعني به أن كان وأخواتها لا مصادر له, لأنهم أجروها مجرى الحروف, وألزموا مرفوعها المنصوب, ومثل هذا لا يكون في الفعل الحقيقي. والخبر عوض عن المصدر.
стр. 126
قال ابن جني: فإذا اجتمع في الكلام معرفة ونكرة جعلت اسم كان المعرفة وخبرها النكرة تقول: كان عمرو كريمًا, ولا يجوز كان كريم عمرًا إلا في ضرورة الشعر, قال القطامي:
ففي قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا
فجعل موقفًا وهو نكرة اسمها والوداع - وهو معرفة - خبرها. فإن كانا جميعًا معرفتين / كنت فيهما مخيرًا أيهما شئت جعلته اسم كان, وجعلت ١١/ب الآخر الخبر تقول: كان زيد أخاك, وإن شئت كان أخوك زيدًا.
ــ
= وقوله: (وما كان في معناهن) قد جاءت ستة أفعال أجرتها العرب مجرى كان في رفع الاسم ونصب الخبر, وهي بمعنى صار, وهي: آض, وعاد, وغدا, وراح, وجاءت, وقعدت, قال الله : ﴿فتقعد مذمومًا مخذولا﴾ أي: تصير. وقالت الخوارج لابن عباس: «ما جاءت حاجتك» تقديره: أية حاجة صارت حاجتك.
/ وقال المرقش الأكبر: ... ٣٣/أ
٤٢ - فاض به جذلان ينقص رأسه ... كما آض بالنهب الكمي المحالس
وقال ربيعة بن مقروم الصبي:
٤٣ - فدارت رحانا بفرسانهم ... فعادوا - كأن لم يكونوا - رميما
فرميما خبر عادوا, ويكونوا تامة, والمعنى عليه.
قال ابن الخباز: وحال الاسم والخبر في التقسيم إلى المعرفة والنكرة في هذا =
стр. 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= الباب كحالهما في باب المبتدأ والخبر, فالأعدل أن يكون الاسم معرفة والخبر نكرة كقولك: كان عمرو كريمًا, وقد يجيء في الشعر للاضطرار الاسم نكرة والخبر معرفة, والمقصود منه إقامة القافية كقول القطامي, وهو شاعر من تغلب يسمى عمير بن شييم, قال الجوهري: هو القطامي بالضم. فأما الصقر فيقال له: قطامي وقطامي. وقال:
٤٤ - قفي قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا
أراد: ضباعة فرخم, والألف للإطلاق, «وموقف» اسم «كان» وهو نكرة. والوداع خبرها وهو معرفة, ولو أعطاه حقه في الكلام لنسب «موقفًا» ورفع «الوداع» ولكنه نكب عن ذلك, لأنه عيب في القافية شديد القبح, وهو اجتماع الرفع والنصب في قصيدة وهذه القصيدة منصوبة وبعد هذا البيت:
٤٥ - ففي فأفدي أسيرك إن قومي ... وقومك لا أرى لهم اجتماعا
وقيل: لا حجة لابن جني في هذا البيت من وجوه: أحدها: أن «موقفًا» نكرة موصوفة.
وتعريف الوداع جنسي وذلك قريب من المعرفة, وهذا قريب من النكرة.
٣٣/ب الثاني: أن كان تامة / وموقفًا فاعل, والوداع منصوب بموقف, لأنه مصدر.
الثالث: أن الوداع يجوز أن يكون منصوبًا بقفى, أي: قفى الوداع.
والمعرفتان: كقولنا: كان زيد أخاك, ويجوز كان أخوك زيدًا, وقد ذكرت الفرق بين الكلامين في باب خبر المبتدأ, قال الله عز وجلك ﴿فما كان جواب قومه إلا أن
стр. 128
قال ابن جني: ويجوز تقديم أخبار كان وأخواتها على أسمائها وعليها أنفسها تقول: كان قائمًا زيد, وقائمًا كان زيد, وكذلك ليس قائمًا زيد, وقائمًا ليس زيد. وتكون كان دالة على الحدث فتسعفني عن الخبر المنصوب. تقول: قد كان زيد أي: قد حدث وخلق كما تقول: أنا مذ كنت صديقك, أي: أنا صديقك مذ كنت وخلقت. قال الشاعر:
إذا كان الشتاء فأدفئوني ... فإن الشيخ يهدمه الشتاء
أي: إذا حدث الشتاء ووقع, وكذلك أمسى زيد, وأصبح عمرو كقولك: أمسينا وأصبحنا, وقد يضمر فيها اسمها, وهو ضمير الشأن والحديث, فتقع الجمل بعدها أخبارًا عنها تقول: كان زيد قائم, أي: كان الشأن والحديث زيد قائم. قال الشاعر:
إذا مت كان الناس صنفان شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع
أي: كان الشأن, والحديث: الناس صنفان.
ــ
= قالوا﴾ يقرأ برفع الجواب ونصبه.
والنكرتان إن كانتا خاليتين من التخصيص أو أحدها لم يجز, فال تقول: كان إنسان حليمًا. قال سيبويه: لأن المخاطب لا يستنكر أن يكون في الدنيا إنسان هكذا. فإن وصفت النكرة كقولك: كان رجل عالم خيرًا منك, وما كان رجل (عجول) مصيبًا, أو كانت النكرة عامة كمسألتي الكتاب: ما كان أحد مثلك, وما كان أحد مجترئًا عليك جاز, لأن فيه فائدة.
قال ابن الخباز: ويجوز تقديم أخبار كان وأخواتها على أسمائها لأنها أخبار, والأخبار مشبهات بالمفعول, فكما يجوز تقديم [المفعول] على الفاعل يجوز تقديم الخبر على الاسم قال الله تعالى: ﴿أكان للناس عجبًا أن أوحينا﴾ وقال:
стр. 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾.
وقوله: (وعليها أنفسها) غير مستقيم, لأنه لا يجوز تقديم الخبر على العامل في هذا الباب مطلقًا, وفيه تفصيل.
أما كان وصار وأصبح وأمسى وأضحى وظل وبات, فيجوز تقديم أخبارها عليها: قال الله تعالى: ﴿كذلك كنتم من قبل﴾ وقال: ﴿وأنفسهم كانوا يظلمون﴾ لأنها أفعال متصرفات واجبة, وأما ما زال, وما برح, وما فتئ, وما انفك: فمذهب البصريين أنه لا يجوز تقديم أخبارها عليها فلا تقول: قائمًا ما زال زيد. لأن في أوائلها «ما» النافية, وما في حيزها لا يتقدمها. ومذهب الكوفيين جواز التقديم, لأن معاني هذه الأفعال النفي قبل دخول «ما» فلما ٣٤/أدخلت «ما» قلبت المعنى إيجابًا / فصار ما زال زيد قائمًا بمنزلة كان زيد قائمًا, وثم يقدم الخبر فكذلك هنا.
وأما «ما دام» فلا يجوز تقديم خبرها عليها, فلا تقول: أزورك مقيمًا ما دام زيد لأن «ما» في أولها مصدرية, وصلة المصدر لا تقدم عليه. وأما ليس فالمتقدمون من البصريين يجيزون تقديم خبرها عليها فيقولون: قائمًا ليس زيد واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفًا عنهم﴾ والمتأخرون من البصريين والكوفيين يمنعون تقديم الخبر عليها, واحتجوا بأنها فعل غير متصرف جرى مجرى الحرف.
واعلم أن لكان موضعًا آخر تكون فيه دالة على الحدث وتستغني بالمرفوع, تقول «كان الأمر» أي: وجد, وهذه ذات مصدر تقول: كان الأمر كونًا, وفي التنزيل: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ وقراءة عثمان بن عفان بالنصب, ومن =
стр. 130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ذلك قولهم: «أنا مذ كنت صديقك» أنا مبتدأ, وصديقك خبره, ومن نصبه فقد أخطأ لبقاء المبتدأ بلا خبر, والبيت الذي أنشده للربيع بن ضبع الفزاري وهو:
٤٦ - إذا كان الشتاء فأدفئوني ... فإن الشيخ يهدمه الشتاء
وبعده:
٤٧ - فإما حين يذهب كل فر ... فسربال خفيف أو رداء
فإذا قلت في التامة: كان زيد قائمًا, فانتصابه على الحال, وكذلك أمسى وأصبح تستعملان تامتين أيضًا, فتستغنيان بالفاعل, قال الله تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ أي: تدخلون في المساء والصباح, وهما ذواتا مصدرين قال الشاعر: / ... ٣٤/ب
٤٨ - كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء
واعلم أنهم يقدمون على الجملة ضميرًا يعود إلى غير مذكور يسميه البصريون ضمير شأن ويسميه الكوفيون مجهولًا, فتعليل الأول أنه كناية عن الأمر والحديث. وهما شأن ويسميه الكوفيون مجهولًا, فتعليل الأول أنه كناية عن الأمر والحديث. وهما الشأن بمعنى, وتعليل الثاني أنه يعود إلى غير مذكور, وذلك قولك: هو زيد قائم, فهو مبتدأ أول, وزيد مبتدأ ثان, وقائم خبر زيد, وهما خبر هو, وموضع الجملة الرفع, فإذا دخل على هذا الكلام كان انتقل ضمير الشأن من البروز إلى الاستكنان, ومن الانفصال إلى الاتصال وصار موضع الجملة التي بعده نصبًا, لأنها خبر كان, ولا تغيرها كان, لأنها (لا) تؤثر في لفظ الجملة بل في موضعها, كقولك: كان زيد قائم, والبيت الذي أنشده للعجير السلولي من أبيات الكتاب.
٤٩ - إذا مت كان الناس صنفان شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع =
стр. 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وتوهم الزمخشري أن كان المستكن فيها ضمير الشأن قسم من أقسامها, وليس الأمر كذلك, لأن كان وأخواتها يدخلن على الجملة التي صدرها ضمير الشأن: قال هشام أخو ذي الرمة:
٥٠ - هي الشفاء لدئي لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء الداء مبذول
ولا يجوز تقديم الخبر على كان في هذا الموضع, لأنها مفسرة لضمير الشأن, وكذلك قبل دخول كان لا تقدم على «هو» لهذه العلة. ويجوز تأنيث هذا الضمير إذا كان في الكلام مؤنث. قال الله تعالى: ﴿فإنها لا تعمي الأبصار﴾ ويسمى ضمير القصة. وأجاز أبو سعيد إضمارها مع المذكر, فتقول: كانت عمرو ذاهب.
٣٥/أفالتأنيث / للقصة, وأصل الكلام قبل دخول كان هي عمرو ذاهب, أي: القصة هذا.
стр. 132
قال ابن جني: وقد تزاد كان مؤكدة للكلام, فلا تحتاج إلى خبر منصوب تقول: مررت برجل كان قائم, أي مررت برجل قائم, وكان زائدة / لا اسم ١٢/ألها ولا خبر تقولك زيد كان قائم. قال الشاعر:
سراة بنى أبي بكر تسامى ... على كان المسومة العراب
أراد على المسومة العراب, وألغى كان. وأخبار كان وأخواتها كأخبار المبتدأ من المفرد والجملة والظرف, تقول في المفرد: كان زيد قائمًا, وفي الجملة: كان زيد وجهة حسن. وفي الظرف: كان زيد في الدار.
ــ
قال ابن الخباز: ولكان موضع آخر تكون فيه زائدة, ولزيادتها شرطان: أحدهما: أن تكون ماضية فلا تزاد مضارعة. والثاني: أن تكون متوسطة أو متأخرة, فلا تزاد متقدمة تقول: زيد كان قائم, وزيد قائم كان, ومررت برجل كان قائم, ومررت برجل قائم كان. وعند ابن السراج أنه ليس في كلام العرب زائد, لأنه تكلم لغير فائدة, وما جاء من ذلك حمله على التوكيد وهو أمر مطلوب بدليل أنهم وضعوا له ألفاظًا تخضه وستذكر في بابها.
واختلف النحويون في معنى زيادة كان, فذهب أبو علي الفارسي إلى أن زيادتها عبارة عن دخولها في الكلام مجردة من الفاعل, وحجته أنا لو جعلنا لها فاعلًا لكانت معه جملة, والجملة لا تزاد. وذهب أبو سعيد السيرافي إلى أن معنى زيادتها عدم اختلال الكلام بسقوطها, ولابد لها من الفاعل عنده, لأنها فعل, وكلا القولين حسن موافق لأصول كلام العرب, وأنشد أبو الفتح في زيادتها:
٥١ - سراة بني أبي بكر تسامى ... على كان المسومة العراب
стр. 133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= السراة جمع سري وهم السادة, وقوله: «تسامى» أراد تنسامى. وهذا البيت يقوي قول أبي علي, لأنها زيدت بين الجار والمجرور, فلو كان لها فاعل لكثر الفصل بينهما, والأصل عدمه, وجميع ما وقع خبرًا عن المبتدأ يخبر به عن كان وأخواتها. وجملة الأمر أن أحكام الخبر ها هنا أحكام الخبر ثم, إلا في أشياء, ونحن نفرع مسائله ليبين منها القوي والضعيف, والجائز والممتنع تقول: كان زيد منطلقًا, فتخبر بالمفرد المشتق, وكان زيد أخاك, فتخبر بالمفرد غير المشتق.
ويجوز في باب كان: كان أخاك زيد, فقدم الخبر المعرفة. وإن كان لا يجوز ٣٥/ب تقديمه ثم, والفرق بينهما / أن إعراب الاسمين هناك متفق, فلو قدم الخبر لالتبس بالمبتدأ, وإعراب الاسمين ها هنا مختلف فإذا قدم الخبر لم يلتبس. ويقبح أن تقول: كان زيد قام أبوه, لأن كان تدل على مضي مضمون الجملة وكون الخبر فعلًا ماضيًا يغني عنها, فإن جئت بقد حسن, لأنها تقربه من الحال.
قال الأعشى:
٥٢ - فأصبحت قد ودعت ما كان قد مضى ... وقبلي قد مات ابن ساسان ومورق
وتقول: كان زيد أبوه منطلق, وموضع الجملة النصب, لأنها حلت محل المفرد المنصوب, ولا يجوز: كان زيد يذهب عمرو لخلو الجملة من العائد, ويجوز: كان البر الكر بستين, لتقدير العائد, ويجوزك كان زيد خلفك, ولا يجوز: كان زيد يوم الجمعة فإن جعلت كان تامة جاز, ويجوز: كان قيامك خلف زيد, وكان جلوسك يوم الجمعة, وكان زيد من الكرام, ويجوز: كان خلفك زيد وكان قائمًا زيد وقد ذكر, وإذا قال: كيف كنت؟ فالجيد أن تقول: صالحًا بالنصب, لأن خبرها في السؤال في موضع نصب؟ ويجوز أن تقول: صالح. وإذا قلت: =
стр. 134
قال ابن جني: وتزاد الباء في خبر ليس مؤكدًا فتقول: ليس زيد بقائم, أي: ليس زيد قائمًا, وليس محمد بمنطلق, أي: ليس محمد منطلقًا, وتشبه «ما» بليس في لغة أهل الحجاز, فيقولون: ما زيد قائمًا, وما عمرو جالسًا, وأما بنو تميم فيجرونها مجرى «هل, وبل» ولا يعملونها, فيقولون: ما زيد قائم. فإن قدمت الخبر, أو نقضت النفي بإلا, لم يجز فيه إلا الرفع تقول: ما قائم زيد, وما زيد إلا قائم, فترفع في اللغتين جميعًا.
ــ
= كان زيد وجهه حسن, جاز أن ترفع وجهه مبتدأ وبدلًا, فإن كان مبتدأ رفعت حسنًا, وإن كان بدلًا نصبته, وعلى الوجهين قول عبدة بن الطبيب:
٥٣ - وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
يروى «هلك واحد» بالرفع والنصب.
ويجوز زيادة الباء في خبر ليس, كقولك: ليس زيد بقائم, قال الشاعر:
٥٤ - ولست بهياب لمن يهابني ... ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا
قال ابن الخباز: وموضع الباء وما بعدها النصب, لأنها لو سقطت لكان منصوبًا, ولو عطفت عليه اسمًا, لجاز جره حملًا على اللفظ / ونصبه حملًا على ٣٦/أالموضع, تقول: ليس زيد بجبان ولا بخيل, ولا بخيلًا, وأنشد سيبويه لعقبة الأسدي:
٥٥ - معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وإنما زيدت الباء دون غيرها, لأن معناها الإلصاق, وإنما زيدت في الخبر, لأنه مشبه بالمفعول, وهي تزاد معه كقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ وأما «ما» =
стр. 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= النافية للحال فحكمها أن لا تعمل, لأنها حرف يلي الأسماء والأفعال كقولك: ما قام زيد وما زيد قائم, فجرى مجرى حرفي الاستفهام, ألا تراك تقول: هل قمت, وهل أنت قائم؟ وإهمالها لغة بني تميم, قال سيبويه: ويقرأون: (ما هذا بشر) إلا من درى كيف هي في المصحف؟ ومن لغة بني تميم قول جحيش الهمداني:
٥٦ - أرى الطير تخبرني أنني ... جحيش وأن أبي حرشف
وأنى لهمدان في عزها ... وما أن جاف ولا أهيف
وقول جرير: وهو تميمي ثم يربوعي - أنشده الزجاج في المعاني:
٥٧ - أتيما تجعلون إلى ندا ... وما تيم لذي حسب نديد
وأما أهل الحجاز فتعمل عندهم عمل ليس, لأنها أشبهتها من وجهين:
أحدهما: أنها تنفي ما في الحال. والثاني: أنها تدخل على المبتدأ والخبر, فيقولون: ما عبد الله ذاهبًا, كم يقولون: ليس عبد الله ذاهبًا, وفي التنزيل: ﴿ما هذا بشر﴾ ﴿ما هن أمهاتهم﴾ وأنشد أبو عثمان سعيد بن هارون الإشنانداني في كتاب المعاني:
стр. 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ٥٨ - وأنا النذير بحرة مسودة ... تصل الجيوش إليكم أقوادها
أبناؤها متكنفون أباهم ... حنقوا الصدور وما هم أولادها
ويجوز: ما زيد بجبان ولا بخل بجر بخيل ونصبه كما جاز في / ليس, والمعنى ٣٦/ب لا يختلف, وتقول: ما أنت كزيد ولا شبيه به, فتجر شبيهًا وتنصبه, والمعنى مختلف.
ويبطل عمل «ما» بأمرين: أحدهما: دخول إلا في الخبر. وتقول: ما زيد إلا قائم, وفي التنزيل: ﴿وما أمرنا إلا واحدة﴾ وذلك لأن إلا قلبت الكلام إيجابًا فزال النفي الذي أشبهت به «ما» ليس, فأما قول الشاعر:
٥٩ - وما الدهر إلا منجنونًا بأهله ... وما طالب الحاجات إلا معذبًا
فإنه نصبهما مصدرين.
الثاني: تقديم الخبر, كقولك: ما قائم زيد, وذلك لأن «ما» حرف, وليس للحرف من التصرف ما للفعل, فأما قول الفرزدق:
٦٠ - فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
ففيه أربعة أوجه: أحدها: أن مثلهم مبني كقوله تعالى: ﴿لقد تقطع بينكم﴾
والثاني: أنه صفة نكرة تقدم عليها فنصب على الحال والخبر محذوف.
والثالث: أنه على لغة أهل الحجاز, والفرزدق غلط بتقديم الخبر.
والرابع: أن مثلهم ظرف فكأنه قال: وإذ ما إزاءهم بشرُ. وهذا قول الكوفيين.
стр. 137
باب: (إن وأخواتها)
قال ابن جني: وهي إن, وأن, وكأن, ولكن, وليت, ولعل, فهذه الحروف كلها تدخل على المبتدأ والخبر, فتنصب المبتدأ ويصير اسمها, وترفع ١٢/ب الخبر ويصير خبرها. واسمها / مشبه بالمفعول, وخبرها مشبه بالفاعل تقول: إن زيدًا قائم, وبلغني أن عمرًا منطلق, وكأن أباك الأسد, وما قام زيد لكن جعفرًا قائم, وليت أباك قادم, ولعل أخاك واقف, ومعاني هذه الحروف مختلفة. فمعنى إن وأن جميعًا التحقيق, ومعنى كأن التشبيه, ومعنى لكن الاستدراك, ومعنى ليت التمني, ومعنى لعل التوقع والرجاء. وأخبار إن وأخواتها كأخبار المبتدأ من المفرد والجملة والظرف.
ــ
(باب إن وأخواتها)
قال ابن الخباز: وهي: إن, وأن [وكأن] ولكن, وليت, ولعل. اعلم أن الحروف العاملة أربعة أقسام: جار كحروف الجر, وجازم كحروف الجزم, وناصب كحروف النداء, وناصب رافع وهي ثمانية أحرف. هذه الستة, «وما» المشبهة بليس و «لا» المشبهة بإن.
وإنما أعملت إن وأخواتها, لأنها أشبهت الأفعال من أربعة أوجه: الأول: أنها مختصة بالأسماء كالأفعال. الثاني: أنها تدخل على المبتدأ والخبر ككان وظننت ٣٧/أوأخواتهما. الثالث: أنها مبنيات على الفتح كالأفعال الماضية / الرابع: أن نون الوقاية تتصل كقولك: إنني كما تقول: ضربني, وهذا الوجه ذكره جماعة وهو فاسد, لأن اتصال نون الوقاية بها لم يكن إلا عند اتصالها بياء المتكلم, وذلك لم يحصل لها إلا بعد الشبه بالفعل, لأنها عاملة في الياء النصب, وليست كذلك =
стр. 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= الأوجه التي ذكرناها فإنها تعقد مع إن غير داخلة على الأسماء. وإنما عملت في المبتدأ والخبر, لأنها لا تدخل إلا عليهما فلا تعمل إلا فيهما. وإنما عملت الرفع والنصب, لأنها أشبهت الفعل وهو يعمل الرفع والنصب, وإذا ثبت أنها مشبهة بالفعل فاسمها مشبه بالمفعول, لأنه نصبه عامل مشبه بالفعل. وخبرها مشبه بالفاعل, لأنه رفعه عامل مشبه بالفعل. ويسمى المنصوب اسم إن والمرفوع خبر إن, لأنهما معمولاها فأضيفا إليها للملابسة.
فإن قلت: فهلا نصبتهما؟
قلت: إن غير فعل, ولو نصبتهما لخلا الكلام من المرفوع.
فإن قلت: فهلا رفعتهما؟
قلت: لو رفعتهما لزادت على الفعل بشيء لا يكون فيه, وذلك أن الفعل لا يكون له فاعلان, فكيف يكون لإن مشبهان بالفاعل؟
فإن قلت: فلم قدم المنصوب على المرفوع؟
قلت: لوجهين: أحدهما: أن الخبر قد يكون مضمرًا, فلو قدم لاتصل بإن وتغيرت صيغتها تقول: إن الكرام أنتم, فلو قدم المرفوع لقلت: [إن] أنتم الكرام.
والثاني: [أن] «إن» حرف, وهي أضعف من الفعل, فأعطيت أضعف أحواله وهو لزوم تقديم المنصوب, لأن الأصل في الفعل تقديم المرفوع.
واختلف النحويون في رفع خبر إن, فذهب البصريون إلى أنه مرتفع بها وحجتهم من وجهين: أحدهما: أن إن تقتضي الاسمين فتعمل فيهما, والثاني: أن رافع الخبر عند البصريين قبل دخول إن قد زال بدخولها. وذهب الكوفيون / إلى ٣٧/ب أنه [مرفوع] باسم إن, وبنوه على مسألة وذلك أنهم قالوا: في قولنا: زيد قائم إن قائمًا مرفوع بزيد, وزيدًا مرفوع بقائم. فإذا قلت: إن زيدًا قائم, فرافع قائم =
стр. 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= باقٍ. وإبطال هذا الاحتجاج بأنا نلزمهم رفع «زيد» لوجود «قائم» ونمنع جواز دخول إن, لأن عاملًا لا يدخل على عاملو واستغرق الستة بالتمثيل كما فعل في باب كان. وفي ذكر ذلك إطالة, ومثال واحد يكفي أو مثالان.
وينبغي أن تعرف معاني هذه الأحرف لتعلم ما تؤثره في الجملة. أما إن وأن فمعناهما التوكيد, وسيأتي ذكر الفرق بينهما: تقول: زيد قائم فإذا قلت: إن زيدًا قائم صار كذكر الجملة مرتين كأنك قلت: زيد قائم زيد قائم. وأما «كأن» فمعناها التشبيه تقول: كأن زيدًا الأسد, فتشبه زيدًا بالأسد في الشجاعة, وهي مركبة من كاف التشبيه وإن المكسورة فالأصل: إن زيدًا كالأسد, فقدمت الكاف ليبنى الكلام على التشبيه, وفتحت همزة إن, لأن الحرف قد صار مركبًا فخفف بالفتح. ومعنى لكن الاستدراك, وحقها أن تتوسط بين جملتين: إحداهما: موجبة, والأخرى: منفية بشرط توارد النفي والإيجاب على حكم واحد, تقول: لم يقم زيد لكن عمرًا قام, وقام زيد لكن عمرًا لم يقم, ولا يجوز قام زيد لكن عمرًا لم يأكل, لأن القيام وعدم الأكل غير متنافيين. وذهب البصريون إلى أنها مفردة, لأن الإفراد هو الأصل. وذهب الكوفيون إلى أنها مركبة من «لا» و «الكاف» و «إن» فطرحت الهمزة وكسرت الكاف, وهذا تحكم يعسر إقامة دليله.
وأما «ليت» فمعناها التمني, وأما «لعل» فمعناها التوقع, وذلك إما لمرجو ٣٨/أكقولك: لعل زيدًا يكرمنا. وإما لمخوف كقوله: لعل الأمير / يشتمك.
فإن قلت: فما الفرق بين التمني والرجاء؟
قلتك الفرق بينهما: أن التمني يكون للممكن والممتنع, تقول في الممكن: ليت زيدًا يقدم, وفي الممتنع: ﴿ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا﴾ ولذلك يكون التمني في الماضي كقولك: ليت زيدًا قام, ورد الماضي محال. أما الرجاء =
стр. 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فلا يكون إلا للممكن].
فإن قلت: فقد حكى الله تعالى عن فرعون قوله: ﴿لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى﴾ وهذا محال.
قلت: الجواب من وجهين: أحدهما: لا نسلم أنه محال وبيانه أن الرقى في السماء ممكن ولكن الناس مصدفون عنه, والثاني: سلمنا أنه محال, وفرعون قال ذلك معتقدًا أنه ممكن. وجميع ما أخبر به عن المبتدأ يكون خبرًا عن إن وأخواتها تقول: إن زيدًا قائم, وإن زيدًا أخوك, وإن زيدًا قام أبوه, ولا يجوز: إن زيدًا قام عمرو, ويجوز إن السمن منوان بدرهم, وإن زيدًا خلفك. ولا يجوز: إن زيدًا يوم الجمعة وعلل ذلك كله بينة.
ويجوز حذف خبر إن إذا دل الدليل عليه, كما يجوز حذف خبر المبتدأ كذلك. يقول القائل: هل لكم أحد إن الناس عليكم؟ فنقول: إن زيدًا وإن عمرًا تريد. إن لنا. قال الفرزدق:
٦١ - فلو كنت ضبيًا عرفت قرابتى ... ولكن زنجيا غليظ المشافر
أراد لا يعرف قرابتي, ويروى ولكن زنجي على حذف الاسم أي: ولكنك زنجي.
стр. 141
قال ابن جني: ولا يجوز تقديم أخبارها على أسمائها إلا أن يكون الخبر ظرفًا, أو حرف جر, تقول: إن في الدار زيدًا, ولعل عندك عمرًا.
وتدخل اللام المفتوحة في خبر إن المكسورة دون سائر أخواتها زائدة مؤكدة تقول: إن زيدًا لقائم, ولو قلت: ليت زيدًا لقائم أو نحو ذلك, لم يجز.
وتكسر إن في كل موضع لو طرحتها منه كان ما بعدها مرفوعًا بالابتداء تقول: إن أخاك قائم فتكسر إن, لأنك لو طرحتها من هناك لقلتك أخوك قائم. وتفتح إن في كل موضع لو طرحتها منه وما عملت فيه لصلح في موضع الجميع ذاك. ومعنى الكلام معنى المصدر تقول: بلغني أن زيدًا قائم فتفتح أن لأنك لو ١٣/أطرحتها وما عملت فيه لقلت: بلغني / ذاك ومعنى الكلام بلغني قيام زيد.
ــ
قال ابن الخباز: ولا يجوز تقديم أخبارها على أسمائها فلا تقول: إن قائم زيدًا للوجهين الذين ذكرناهما. فإن كان الخبر ظرفًا أو حرف جر كقولك: إن زيدًا في الدار, ولعل عمرًا عندك, جاز ت قديمه على الاسم تقول: إن في الدار زيدًا, ولعل عندك عمرًا, وإنما جاز ذلك, لأنهما ليسا بالخبرين في ٣٨/ب الحقيقة. / ألا ترى أن الخبر هو الاستقرار المقدر؟ وها هنا لطيفة, اعلم أن مستقرًا لا يقدر قبل الاسم لئلا يقدم الخبر الحقيقي عليه, ولكنك تقدره بعده فتقول: تقديره: إن في الدار زيدًا مستقر. وللعرب اتساع في الظروف وحروف الجر كفصلهم بين المضاف والمضاف إليه.
وتدخل اللام المفتوحة, اعلم أن هذه اللام لام توكيد, وتسمى لام الابتداء لدخولها على المبتدأ والخبر كقوله تعالى: ﴿لأنتم أشد رهبة﴾ وكقول الأعشى:
٦٢ - ولأنت أحيا من مخذرة ... عذراء تسكن جانب الخدر
فإذا قلت: لزيد قائم, فهي للتوكيد مثل إن, فإذا دخلت إن على هذا الكلام لم يجز وقوعها قبل اللام, لأنه لا يبقى لها سبيل على العمل, ولا يجوز إيقاعها بعدها =
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= لئلا يجمع بين حرفين متفقين في المعنى, ففصل بينهما فجعلت إن مع أحد الجزأين واللام مع الآخر.
وتدخل اللام مع إن على ثلاثة أشياء: الأول: دخولها على الخبر, وذلك جائز كقوله تعالى: ﴿إن الله لغفور رحيم﴾ والفعل المضارع بمنزلة الاسم الصريح كقوله تعالى: ﴿وإن ربك ليحكم بينهم﴾ لأنه مضارع للاسم فهو بمنزلته, وكذلك الجملة الاسمية كقوله تعالى: ﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ فإن كان الفعل ماضيًا, لم يجز دخولها فلا تقول: إن زيدًا لقام, لأنه بعيد من الاسم, وفعل الأمر أولى بامتناعها من الماضي.
الثاني: أن تدخل على اسم إن, وذلك إذا فصل بينهما بظرف أو حرف جر تقول: إن عندك لعمرًا, وفي التنزيل: ﴿إن في ذلك لآية﴾.
الثالث: أن تدخل على معمول خبر إن إذا تقدم عليه كقولك: إن زيدًا لطعامك آكل. وفي التنزيل: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم / يعمهون﴾ ولا يجوز إن ٣٩/أزيدًا آكل لطعامك, لأنها دخلت على شيء خارج عن الجملة, وإنما لم تدخل مع غير إن, لأنهما مشتركان في التوكيد والتحقيق, فلذلك تلقى بهما القسم كقولك: أحلف إن زيدًا قائم, وأقسمت لزيد أفضل من عمرو.
وأما فرقه بين إن وأن: فاعلم أنهما يتفقان عملًا وتركيبًا ومعنى, ويختلفان صيغة وموضعًا, ما اتفاقهما في العمل: فإنهما ينصبان الاسم ويرفعان الخبر, وأما اتفاقهما في التركيب: فلأن كل واحدة منها من همزة ونونين. وأما اتفاقهما في المعنى: فلأنهما يؤكدان الجملة. وأما اختلافهما في الصيغة: فلأن أول إحداهما مكسور وأول الأخرى مفتوح, وذلك للفرق.
وإنما خصوا بالفتح المصدرية: لأنها واسمها وخبرها في موضع اسم مفرد. وأما =
стр. 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= اختلافهما في الموضع: فلأن إن المكسورة وما بعدها في موضع الجملة, وأن المفتوحة وما بعدها في موضع المفردز
وجملة الأمر أن المواضع ثلاثة: الأول: موضع لا تقع فيه إلا المكسورة, وذلك خمسة أقسام: الأول: الابتداء كقوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ الثاني: وقوع اللام في الخبر كقوله تعالى: ﴿أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور * إن ربهم بهم يومئذ لخبير﴾.
الثالث: ما بعد القول كقوله تعالى: ﴿قال رب إني وهن العظم مني﴾ الرابع: جواب اليمين كقوله تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ الخامس: أن تكون صلة للذي وأخواتها كقوله تعالى: ﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة﴾ , وعلة ذلك كله أنك لو طرحت إن من هذه المواضع كلها لكان ما بعدها مرفوعًا بالابتداء وصح وقوع المبتدأ والخبر حيث وقعت ٣٩/ب/ ألا ترى أنك إذا قلت «جاءني الذي إن أباه خير منك» صح أن تطرحها فتقول: «جاءني الذي أبوه منك».
الثاني: موضع لا تقع فيه إلا المفتوحة: وهو كل موضع لا يقع فيه إلا الاسم المفرد مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا تقول: بلغني أن زيدًا قائم, فأن وما بعدها في موضع رفع, لأنها فاعل, وتسمى مصدرية, لأنها ومعمولها في معنى المصدر كأنك قلتك بلغني قيام زيد, وتقول: عرفت أن عمرًا جالس فتفتحها, لأنها في موضع المفعول أي: عرفت جلوس عمرو وتقول: عجبت من أنك منطلق فتفتحها, لأنها في موضع المجرور, أي: عجبت من انطلاقك, ومن كسرها بعد شيء من ذلك فقد لحن.
وقوله: (لصلح في موضع الجميع ذاك) يعني هذا الاسم, لأنه يصح أن يقول: بلغني ذاك, وعرفت ذاك, وعجبت من ذاك, وإنما اختاره, لأنه اسم إشارة إلى =
стр. 144
قال ابن جني: وتكون إن بمعنى «نعم» فلا تقتضي اسمًا ولا خبرًا. قال الشاعر:
بكر العوازل في الصبوح ... يلمنني وألومهنة
ويقلن شيبٌ قد علاك ... وقد كبرت فقلت إنه
أي: نعم هو كذلك, والهاء لبيان الحركة وليست باسم, فإن عطفت على اسم إن ولكن بعد خبرهما, جاز لك النصب على اللفظ, والرفع على موضع الابتداء. تقول: إن زيدًا لقائم وعمرًا, وإن شئت وعمرو, وكذلك لكن جعفرًا منطلق وبشرًا, وإن شئت قلت: وبشر, ولا يجوز العطف على معنى الابتداء مع بقية أخواتهما لزوال معنى الابتداء وتشبه «لا» بإن.
ــ
= الواحد المذكر من ذوي العلم وغيرهم, والمصادر تصح الإشارة به إليها.
الثالث: ما يحتمل المكسورة والمفتوحة كقولك: عندي أنك شجاع وأنك شاعر, فيجوز في إن الثانية الكسر والفتح, وليس في الأولى الفتح, لأنها في موضع المبتدأ.
أي عندي شجاعتك, فإذا كسرت الثانية جعلت المعطوف جملة مستقلة. وإذا فتحتها عطفتها على الأولى فكانت في موضع المفرد, وقرأت القراء: ﴿وإن الله مع المؤمنين﴾ بالكسر والفتح, فالكسر على الابتداء, وهو عطف جملة على جملة. والفتح على حذف اللام والتعلق بفعل محذوف, أي: ولأن الله مع المؤمنين فتح عليكم.
قال ابن الخباز: وتكون «إن» بمعنى «نعم» فتكون حرف تصديق مثلها, فلا تقتضي اسمًا ولا خبرًا, وفي حديث ابن الزبير الأسدي أنه قال / لعبد الله بن الزبير: = ٤٠/أ
стр. 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= «لعن الله ناقة حملتني إليك» فقال له ابن الزبير: «إن وراكبتها».
وقال عبد الله بن قيس الرقيات:
٦٣ - بكر العواذل في الصبوح ... يلمنني وألومهنه
ويقلن شيب قد علاك ... وقد كبرت فقلت إنه
ويروى:
بكرت على عواذلي ... يلحينني وألومهنه
الصبوح: شرب الغداة, ويليحننى: يلمنني. والهاء في «إنه» تحتمل وجهين أحدهما: أن تكون للسكت, وهي الهاء التي يجاء بها في الوقف على المبنى الذي حركته لازمة ولم تكن لمضارعة المتمكن كقولك: إنه وهوه وهيه, أنشد أبو زكريا.
٦٤ - إيه جاراتك تلك الموصية ... قائلة لا تسقني بحبليه
لو كنت حبلًا لسقيتها بيته ... أو قاصرًا أوصلته بثوبيه
ويجوز أن تكون الهاء ضمير الشيب والخبر محذوف, تقديره: إن الشيب علانى ومثله في حذف الخبر قول الأخطل:
٦٥ - خلا أن حيا من قريش تفضلوا ... على الناس أو أن المكارم نهشلا
أراد: أو أن المكارم نهشلا تفضلوا. فإن عطفت على [اسم] إن بعد خبرها كقولك: إن زيدًا قائم وعمرًا, جاز لك نصب المعطوف ورفعه, والنصب بالعطف على اسم «إن» , قال رؤبة:
следующие страницы →