Полный текст (2 009 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
الأصح لحصول العلم بدون ذلك.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: لا يكفي خبر الأربعة الصادقين في إفادة العلم، وإلا، أي: لو أفاد خبر الأربعة في إفادة العلم لأفاد قول كل أربعة صادقين.
إذ حكم المتماثلات سواء، فلا يجب تزكية شهود الزنا، لحصول العلم بالصدق أو الكذب.
إذ عند الصدق لا يحتاج إلى التزكية، وعند الكذب لا يزكون أيضًا.
فثبت أنه لو أفادت الأربعة العلم لم يجب تزكية الشهود، وتزكيتهم واجبة قطعًا فبطل الأول.
стр. 1192
وتوقف القاضي في الخمسة، أي تردد، لاحتمال أنها لا تفيد العلم، إذ لو أفادته لأفاد قول كل خمسة.
ويلزم من ذلك أن لا يجب تزكيتها إذا شهدت بالزنا بعين ما تقدم.
ويحتمل أن يفيد العلم والتزكية، لاحتمال كذب واحد، فيبقى أصل الحجة بخلاف الأربعة، فإنه إذا كذب واحد منهم لم يبق نصاب شهادة الزنا.
ورد قول القاضي بعدم الاكتفاء بالأربعة: بأن حصول العلم بفعل الله -تعالى -عند القاضي والأشاعرة، فلا يجب الأطراد، لجواز أن يخلق الله -تعالى -العلم بقول أربعة دون أربعة.
стр. 1193
ورد أيضًا: بالفرق بين الرواية والشهادة.
فإن الأربعة في الرواية زائدة على القدر المشروط، بخلاف الأربعة في الشهادة، فلا يلزم من ترتب العلم على الأول ترتبه على الثاني.
وأيضًا الشهادة تقتضي شرعًا خاصًا، فلا يبعد فيها الاتفاق على المشهود عليه لعداوة بخلاف الرواية.
والحاصل: أن أمر الشهادة أضيق، وبالاحتياط أجدر.
وعزى بعض المتأخرين عدم الاكتفاء بأربعة للشافعية.
стр. 1194
وشرط -أي شرط قوم -أن أقل عدد الجمع الذي يفيد خبره العلم اثنا عشر، كنقباء موسى -عليه السلاة والسلام -المذكورين في قوله تعالى: ﴿وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا﴾.
بعثوا كما قال أهل التفسير للكنعانيين، طليعة لبني إسرائيل المأمورين بجهادهم ليخبروهم بحالهم.
فكونهم على هذا العدد ليس إلا لأنه أقل ما يفيد العلم المطلوب في مثل ذلك.
(وقيل: الشرط عشرون، في أقل ما يكون) لقوله تعالى:
стр. 1195
﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾.
فيتوقف بعث عشرين لمائتين على إخبارهم بصبرهم فكونهم على هذا العدد ليس إلا لأنه أقل مما يفيد العلم المطلوب في مثل ذلك.
وقيل: أقل ما يكون أربعون (لقوله تعالى): ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ وكانوا أربعين.
فإخبار الله تعالى عنهم بأنهم كافؤا (رسول الله) ﷺ ، يستدعى إخبارهم عن أنفسهم بذلك ليطمئن قلبه.
فكونهم على هذا العدد ليس إلا، لأنه أقل ما يفيد العلم المطلوب في مثل ذلك.
стр. 1196
وقيل: أقله سبعون، لقوله تعالى: ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا﴾ للاعتذار إلى الله تعالى من عبادة العجل، ولسماعهم كلامه تعالى ليخبروا قومهم.
وقيل: أقله ثلاثمائة وبضعة عشر، عدد أهل غزوة بدر، لأن الغزوة تواترت عنهم.
والبضع -بكسر الباء -وقد تفتح: ما بين الثلاث إلى التسع.
وعبارة إمام الحرمين وغيره: "ثلاثة عشر".
وزاد أهل السير: وأربعة عشر، وخمسة عشر، وستة عشر،
стр. 1197
وثمانية عشر، وتسعة عشر.
قال العراقي: ولا تنافي بين قول إمام الحرمين: إنهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، وبين ما في كثير من كتب الحديث.
إنهم ثلاثمائة رجل وخمسة رجال؛ لأن النبي ﷺ -أدخل ثمانية من المؤمنين الذين لم يحضروها في عدادهم.
وأجرى عليهم حكمهم، فكملوا بذلك ثلاثمائة وثلاثة عشر، والحاضرون ثلاثمائة وخمسة رجال فقط.
стр. 1198
والكل ضعيف أي اشتراط الأقل على كل الأقوال؛ لأنها تقييدات بلا دليل.
وما ذكروه على تقدير صحتها يجوز أن تكون تلك من خواص المعدودين، لا من الأعداد.
فالحق أنه غير منحصر في عدد مخصوص، بل يختلف، وضابطه -كما تقدم -ما حصل العلم.
لأنا نقطع بحصول العلم بما ذكرنا من المتواترات من غير علم بعدد مخصوص، لا قبل حصول العلم كما يقتضيه رأي من يقول: إنه نظري، ولا بعده على رأينا، ولا سبيل إلى العلم به عادة؛ لأنه يتقوى الاعتقاد بتدريج، كما يحصل كمال العقل بتدريج خفي، والقوة البشرية قاصرة عن ضبط ذلك.
ثم الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب إن أخبروا عن عيان أي عن مشاهدة.
стр. 1199
وأخرج به المدرك ببقية الحواس الخمس فذاك أي: تم به التواتر بشروطه، وإلا أي: وإن لم يخبروا عن عيان، بأن كانوا طبقات، فلم يخبروا عن عيان، بأن كانوا طبقات، فلم يخبروا عن عيان إلا الطبقة الأولى منهم، فيشترط ذلك أي: كونهم جميعًا يمتنع تواطؤهم على الكذب في كل الطبقات ليفيد خبرهم العلم، بخلاف ما إذا لم يكونوا كذلك في غير الطبقة الأولى، فلا يفيد خبرهم العلم.
ومن هذا تبين أن المتواتر في الطبقة الأولى، قد يكون آحادًا فيما قبلها.
وحمل بعضهم عليه: القراءات الشاذة.
وقوله: "عن عيان" غير واف -فإنه بكسر العين -هي الرؤية قاله
стр. 1200
الجوهري.
والخبر قد لا يكون مستندًا إليها، ولعله قصد بالعيان: اليقين المستند للحواس.
الرابعة
إذا كثرة الأخبار في الوقائع، واختلفت فيها، لكن كل واحد منها يشتمل على معنى مشترك بينها، بجهة التضمن أو الالتزام، حصل العلم بالقدر المشترك.
ويسمى المتواتر من جهة المعنى، كما مر.
مثلًا: لو أخبر واحد بأن حاتمًا أعطي دينارًا، وآخر أنه أعطي
стр. 1201
جملًا، وهلم جرًّا حتى يبلغ المخبرون عدد التواتر، فيقطع بأنه تواتر القدر المشترك لوجوده في الكل، أي في كل خبر من هذه الأخبار.
والقدر المشترك هنا هو الجود، لأنه لما كان إفادة ما ينبغي لا لغرض، فهو جزء من كل إعطاء مخصوص متواتر.
وهذا بالنظر إلى الظاهر، وإلا فالجود صفة في النفس هي مبدأ تلك الإفادة.
واعلم: أنه لا شيء من الوقائع بانفرادها يدل على السخاوة.
بمعنى حصول العلم بها منها، بل القدر المشترك من الجزئيات، هو السخاوة وهو متواتر.
لا بمعنى أن شيئًا من الوقائع الخبرية معلوم الصدق قطعًا.
كيف وهو آحاد.
стр. 1202
بل بمعنى أن العلم القطعي بالقدر المشترك يحصل من سماعها بطريق العادة.
تنبيه:
جرًّا- منون- وانتصب على المصدر، أي جروا جرًّا، أو على الحال أو على التمييز.
ومعنى هلم جرًّا: سيروا وتمهلوا في سيركم.
ثم استعمل فيما حصل عليه الدوام من الأعمال.
* * *
стр. 1203
الفصل الثاني: فيما علم كذبه من الأخبار بالنظر إلى أمور خارجة عنه
وهو قسمان: وزاد الإمام قسمًا ثالثًا:
وهو: ما نقل عنه، ﷺ ، بعد استقرار الأخبار.
ثم فتش عنه، فلم يوجد في بطون الصحف، ولا في صدور الرواة.
واستشكل: بأن عدم الوجدان يفيد الظن دون القطع.
стр. 1204
قلت: فلعل المصنف تركه لذا، والله أعلم.
الأول: ما علم خلافه: إما ضرورة، مثل قول القائل: النقيضان يجتمعان.
أو استدلالًا: كالخبر المخالف لما علم صدقة من خبر الله- تعالى- نحو قول الفلسفي: العالم قديم، فهذا مقطوع بكذبه.
الثاني: ما لو صح، أي الخبر الذي لو صح لتوفرت الدواعي على نقله، إما لغرابته: كسقوط الخطيب عن المنبر يوم الجمعة.
أو لتعلقه: بأصل من أصول الدين، كالنص على إمامة علي -
стр. 1205
رضي الله عنه- فعدم تواتره يدل على عدم صحته لمخالفته للعادة.
فإنا نجد من أنفسنا العلم بكذبه قطعًا.
ولولا أن هذا الأصل مذكور في العقول لما قطعنا بكذب من ادعى أن بين مكة والمدينة أكبر منهما.
ولما علمنا نفيها، لكنا نعلم النفي قطعًا، ولا مستند لهذا العلم إلا عدم النقل المتواتر.
وإليه أشار بقوله: «كما يعلم أن لا بلد بين مكة والمدينة أكبر منهما، إذ لو كان لنقل».
стр. 1206
وادعت الشيعة: «أنا لا نقطع بكذبه» لتجويز العقل صدقه.
وقالوا: إن النص دل على إمامة علي- كرم الله وجهه- نحو: «أنت الخليفة من بعدي». ولم يتواتر، كما لم يتواتر غيره من الأمور
стр. 1207
المهمة؛ لأن الحوامل المقدرة على كتمان الأخبار كثيرة لا يمكن ضبطها فكيف الجزم بعدمها.
стр. 1208
ومع جوازها لا يحصل الجزم.
فمن ذلك الإقامة فإنه تعم به البلوى، وتمس الحاجة إليها، ونقل آحادًا إفرادها وتثنيتها.
стр. 1209
وقراءة التسمية في الصلاة وتركها.
وكذلك معجزات الرسول- ﷺ كانشقاق القمر، وتسبيح الحصى في يده، ومشي الشجر ونحوها. فلم ينقل متواترًا بل آحادًا.
قلنا: الأولان: وهما الإقامة والتسمية من الفروع.
стр. 1210
ولا كفر ولا بدعة في مخالفتهما، وإن كان المخالف فيهما مخطئًا. فليست مما ذكرنا، لعدم توفر الدواعي على نقلها، بخلاف الإمامة، فإنها من أصول الدين، ومخالفتها فتنة وبدعة. وهنا تحقيق في الشرح.
وأما تلك المعجزات: فلقلة المشاهدين عدم التواتر، وهي غير محل النزاع، مع أنا لا نسلم أنها مما تتوفر الدواعي على نقلها، فإنها إنما تنقل لتستمر بين الناس، وقد استغنى عنها وعن استمرارها بالقرآن العظيم، الباقي على وجه كل زمان، الدائر على كل لسان في كل مكان.
стр. 1211
بخلاف ما يذكر في إمامة علي- ﵁ فإنه لا يعرف، ولو كان لما خفي على الصحابة الذين بايعوا أبا بكر.
وهنا تحقيقات حسنة مع فوائد في الأصل.
مسألة
بعض ما نسب إلى الرسول ﷺ كذب لقوله- ﷺ : «سيكذب علي».
فإن كان قال ذلك فلا بد من وقوعه، وإلا ففيه كذب عليه. وفيه نظر مبين في الأصل.
стр. 1212
وأيضًا: لأن منها أي من الأخبار المنسوبة له- ﷺ ما لا يحتمل التأويل.
وهو معارض للدليل العقلي فيمتنع صدوره عنه- ﷺ لعصمته عن قول الباطل.
وحديث: «سيكذب علي».
قال الزركشي: لا يعرف بهذا اللفظ، ولعله مروي بالمعنى مما رواه مسلم مرفوعًا: «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا
стр. 1213
يضلونكم».
وسببه، أي سبب وقوع الكذب، نسيان الراوي، بأن سمع خبرًا وطال عهده به، فنسي، فزاد أو نقص، أو عزاه للنبي- ﷺ وليس من كلامه.
أو غير معناه أو غلطه، بأن أراد أن ينطق بلفظ، فسبق لسانه إلى غيره ولم يشعر.
أو كان يرى جواز النقل بالمعنى، فأبدل مكان اللفظ المسموع، لفظًا آخر لا يطابقه، ظانًا المطابقة.
أو افتراء الملاحدة، أي الزنادقة، وغيرهم من الكفار، فإنهم وضعوا أحاديث تخالف المعقول لتنفير العقلاء عن شريعته المطهرة.
أو وضع الحديث للترغيب والترهيب، أو للارتزاق والاحتراف، أو
стр. 1214
والاحتساب وطلب الأجر أو الانتصار لآرائهم.
* * *
стр. 1215
الفصل الثالث: فيما ظن صدقه من الأخبار وهو خبر العدل الواحد .
واحترز «بالعدل» عن الفاسق والمجهول.
و«بالواحد» عن المتواتر، واحدًا كان راويه، أو أكثر، أفاد
стр. 1216
العلم بالقرائن المنفصلة أم لا.
والنظر فيه، أي في هذا الفصل منحصر في طرفين.
الأول: في وجوب العمل به.
стр. 1217
وقد دل عليه السمع وبه قال الأكثرون.
وقال ابن سريج والقفال وأبو الحسين البصري: دل عليه العقل أيضًا مع السمع.
وأنكر قوم: وجوب العمل بخبر الواحد.
ثم اختلفوا:
فقالت طائفة: لأنه لم يثبت على الوجوب دليل، ولو ثبت لأوجبناه وقالت أخرى: إنما لم يجب؛ لأن الدليل قام على عدم الوجوب.
ثم اختلف هؤلاء في الدليل المانع له، هل هو شرعي أو عقلي؟
وإليه أشار بقوله: «لعدم الدليل أو للدليل على عدمه شرعًا أو عقلًا».
стр. 1218
وأحاله آخرون، فقالوا: ورود العمل بخبر الواحد مستحيل عقلًا.
واتفقوا كلهم على الوجوب، أي: وجوب العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية، كإخبار طبيب أو غيره بمضرة، شيء، ونحو ذلك من الآراء والحروب. وعبارة جمع الجوامع كالمصنف.
لكن عبارة المحصول: واتفقوا على الجواز.
وهنا مذاهب أخرى في الأصل.
لنا: على وجوب العمل بخبر الواحد وجوه ثلاثة:
стр. 1219
الأول: أنه تعالى أوجب الحذر أي الاحتراز. عن الشيء، بإنذار طائفة من الفرقة بقوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾.
والإنذار: الخبر المخوف.
ويلزم منه وجوب العمل بخبر الواحد.
أما كونه تعالى أوجب الحذر، فلأن «لعل» للوجوب لتعذر
стр. 1220
حملها على حقيقة الترجي في حق الله- تعالى.
فحملت على أقرب المجازات، لأن الترجي وإن لم يكن طلبًا، بل توقعًا، لكن لا يفهم منه في حق الله تعالى إلا الطلب إطلاقًا للملزوم، وإرادة اللازم.
لأن المترجي طالب (لما يرجوه.
فالطلب من لوازم المترجي، فالله تعالى طالب) للحذر.
ويعرف هذا من جواب المصنف للشبهة الآتية؛ فلذا لم يذكره هنا.
وأما أن الأمر للوجوب فظاهر مما تقدم فلذا لم يذكره.
أو يفهم ذلك من إيجاب الحذر بإنذار طائفة، والطائفة من كل فرقة لا تكون أهل التواتر.
وذلك لأن الفرقة اسم ثلاثة فصاعدًا.
فالطائفة منها: واحد أو اثنان.
стр. 1221
وبالجملة: فلا يلزم أن يبلغ حد التواتر وهو المراد بالآحاد، فقد أوجب الحذر بقول الآحاد.
قيل: اعتراضًا على هذا الدليل: لعل للترجي لا للوجوب.
قلنا: تعذر الحمل على الترجي، فيحمل على الإيجاب لمشاركته في التوقع. وقد تقدم.
قيل أيضًا: الإنذار: هو الفتوى، لا الخبر المخوف، والفتوى يقبل فيها خبر الواحد، إذ هو اللائق بالفقه.
لأن الفقيه إنما يحتاج إليه في الفتوى.
стр. 1222
قلنا: يلزم تخصيص الإنذار بالفتوى مع أنها عامة فيها وفي الرواية، وتخصيص القوم بغير المجتهدين من المقلدين؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهدًا في فتواه، بخلاف ما إذا حمل الإنذار على الرواية، أو على ما هو أعم فإنه ينتفي التخصيصات.
أما الأول: وهو الفتوى فواضح، ولذا لم يذكره.
وأما الثاني: فلأن الرواية ينتفع بها المجتهد وغيره من المقلدين.
فالمجتهد في الأحكام، والمقلد في الانزجار، وحصول الثواب في نقلها لغيره وغير ذلك.
قيل أيضًا: لو كان المراد بالفرقة ثلاثة، فيلزم أن يخرج من كل ثلاثة واحد لأن «لولا» للتحضيض.
стр. 1223
تقديره هلا، وليس كذلك إجماعًا.
قلنا: خص النص فيه.
بيانه: أن النص عام في أن يخرج من كل ثلاثة واحد، وقبول خبر الواحد، ووجوب العمل به.
لكن خص بالنسبة إلى أن يخرج من كل ثلاثة واحد بالإجماع، لئلا تتعطل معايش الناس، وبقي على عمومه، في الإنذار ووجوب العمل به.
وهذا الدليل إنما يتم إذا رجعنا الضمير في «ليتفقهوا» و «لينذروا» للنافرين الذاهبين وهو أحد قولي المفسرين.
وأما إذا رجعناه للمقيمين الملازمين للنبي- ﷺ كما هو القول الآخر.
قال العراقي: وهو الصحيح، فلا يتم وهنا تحقيقات في
стр. 1224
الأصل.
الدليل الثاني على أنه يجب العمل بخبر الواحد: أنه لو لم يقبل خبر الواحد لما علل بالفسق، وذلك لأن خبر الواحد على هذا التقدير، يقتضي عدم القبول لذاته.
وهو كونه خبر واحد، فيمتنع تعليل عدم قبوله بغيره.
لأن ما بالذات لا يكون بالغير، إذ لو كان معللًا بالغير،
стр. 1225
لاقتضى حصوله به، مع كونه حاصلًا قبل ذلك أيضًا لكونه معللًا بالذات وهو محال. والثاني: وهو امتناع تعليله بالفسق باطل، لقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ إذ علل رده بالفسق، فعلل عدم قبول قول الفاسقين بالتبيين؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب بالفاء يدل على العلية.
فيكون التبيين معللًا بالفسق.
والتبيين: هو ظهور طلب صدق الخبر.
فيكون الخبر لذاته مقبولًا، وعدم قبوله موقوف على عدم ظهور صدقه، فإذا انتفى الفسق الذي هو علة التبيين، بقي كون الخبر الواحد مقبولًا لذاته وهو المطلوب.
стр. 1226
الدليل الثالث (على أنه يجب العمل بخبر الواحد).
القياس على الفتوى، والشهادة، والجامع ظهور المصلحة أو دفع المفسدة.
قيل: الفتوى والشهادة يقتضيان شرعًا، أي حكمًا خاصًّا في حق شخص واحد، وهو المستفتي والمشهود له.
والرواية بخلافه، فإنها تقتضي حكمًا عامًّا في حق الكل، ولا يلزم من تجويز قبول خبر الواحد في حق شخص معين يخطئ أو يصيب تجويزه في حق الكل، فإن خطره وضرره أعظم من الواحد.
ورد هذا الفرق بأصل الفتوى فإن اتباع الظن، لا يختص بمسألة ولا بشخص.
стр. 1227
وأيضًا: فإفتاء المفتي لا يختص بذلك المستفتي، بل يعم كل من وقع له مثل واقعته.
قيل: دليلًا لمنع العمل بخبر الواحد: أنه لو جاز العمل بخبر الواحد واتباع الظن، لجاز اتباع الأنبياء الذين يدعون النبوة من غير معجزة، بل بمجرد كونه عدلًا.
ولجاز الاعتقاد في معرفة الله- تعالى- وصفاته بالظن، قياسًا على الرواية، وأنه غير جائز بل لا بد من اليقين اتفاقًا.
قلنا: ما الجامع بين الإلهيات والنبوات، وبين خبر الواحد، فإن أبدوا جامعًا، مثل دفع ضرر المظنون.
فرقنا بأن الخطأ في الإلهيات والنبوات كفر وبدعة، بخلاف
стр. 1228
الفروع.
قيل أيضًا: لو كان خبر الواحد مقبولًا، لكان العمل بالظن واجبًا في ثبوت الحكم الشرعي، واللازم باطل، فالملزوم مثله.
أما الملازمة: فلأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن.
وأما بطلان اللازم، فلأن حكم الشرع يتبع المصلحة على معنى أنه يستلزمها.
فإن الاستقراء: دل على أن أحكامه تتبع لمصالح العباد تفضلًا وإحسانًا، والظن الحاصل من خبر الواحد لا يجعل ما ليس بمصلحة مصلحة؛ لأن الظن يخطئ ويصيب. فلا يعول عليه.
قلنا: ما ذكرتم من الدليل على عدم اعتبار الظن، منقوض بالفتوى، والأمور الدنيوية، فإن من قال: هذا والطعام مسموم وجب قبوله، والاحتراز عنه مع أنه يفيد الظن، والإجماع حاصل على اعتبار الظن فيها.
стр. 1229
الطرف الثاني في شرائط العمل به أي بخبر الواحد، وهو إما في
стр. 1230
المخبر: باسم الفاعل وهو الراوي.
أو المخبر عنه: وهو مدلول الخبر، أو الخبر نفسه وهو اللفظ.
أما الأول: فصفات تغلب على الظن أن المخبر صادق.
هذا ضابطها الإجمالي: وهي خمس عند التفصيل- على رأيه.
الأول: التكليف، فلا يقبل المجنون، لأنه لا يمكن الاحتراز عن الخلل سواء أطبق جنونه أو تقطع وأثر في زمن إفاقته.
وكذا الصبي غير المميز قطعًا، وكذا المميز عند الجمهور.
فإن غير المكلف لا يمنعه خشية الله- تعالى- أن يكذب لعلمه بأنه غير مكلف، فلا يحرم عليه الكذب، فلا إثم عليه فيه، فلا مانع من إقدامه عليه، فلا يحصل ظن صدقه، وهو الموجب للعمل.
следующие страницы →