← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18274

تيسير الوصول إلى منهاج الأصول

ابن إمام الكاملية

Полный текст (2 009 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

والعقد بما دون ذلك، وهو الأصح. وعلم منه أنه لو لم يكن إلا مجتهد واحد لم يحتج به، إذ أقل ما يصدق به اتفاق أهل الحل والعقد اثنان، وهو ما اختاره في جمع الجوامع. وقال أبو إسحاق: إنه -أي -الواحد حجة. وعزاه الصفي الهندي لأكثرين. وقال بعضهم: لا خلاف في أنه ليس بإجماع. وعلم منه أن التابعي المجتهد في وقت الصحابة معتبر معهم، وهو كذلك على الأصح.

стр. 1332

وقوله: من أمة محمد ﷺ -أخرج به اتفاق الأمم السالفة، فليس بإجماع. وقوله: على أمر من الأمور يعم الإثبات والنفي، والأحكام الشرعية: كحل البيع، واللغوية: ككون الفاء للتعقيب، والعقلية: كحدث العالم، والدنيوية: كالآراء والحروب، وتدبير الرعية، وهو الأصح. ولقصد التعميم، أردف المصنف الأمر بالأمور.

стр. 1333

فإن الأمر المجموع على الأوامر مختص بالقول، بخلاف المجموع على أمور. وهذا، وإن كان مجازًا في الحد، لكنه جائز عند فهم المراد كما نص عليه الغزالي في مقدمة المستصفي. والمراد باجتماع أمة محمد ﷺ في عصر كما سبق وذلك سابق إلى فهم المتشرعة من الحديث مع المحافظة على لفظ الحديث. والمراد بقولنا: "في عصر" في زمان، قل أو كثر. ثم إنه قد اختلف في أنه: هل يشترط في الإجماع وانعقاده حجة، انقراض عصر المجمعين؟ فمن اشتراط ذلك: لا يكفي عنده الاتفاق في عصر، بل يجب استمراره ما بقى من المجمعين أحد. فيزيد في الحد "إلى انقراض العصر".

стр. 1334

ومن يشترط عدم سبق الخلاف في الإجماع يزيد "ما لم يسبقه خلاف مجتهد". ولا شك أن هذا الحد الذي ذكره المصنف منطبق على اتفاق أهل الحل والعقد في حياة النبي ﷺ -بدونه، (مع أنه لا ينعقد في حياته ﷺ -كما نبه عليه المصنف في النسخ. فيكون المراد هنا، ما لم يكن في حياته ﷺ واعلم أن البحث في الإجماع يقع في ثلاثة أمور:

стр. 1335

- في حجيته. - وأنواعه. - وشرائطه. فلذا جعل الكلام فيه ثلاثة أبواب لبيان الأمور الثلاثة، وبدأ بالكلام، على كونه حجة؛ لأن الاحتجاج به، متوقف على بيان إمكانه، والإطلاع عليه: فلذا قدم الكلام فيهما، فقال: وفيه ثلاثة أبواب. الأول في بيان كونه حجة وفيه مسائل:

стр. 1336

الأولى قيل: إنه محال لأن إجماع الجمع الغفير، والخلق الكثير، على حكم واحد، مع اختلاف قرائحهم، وآرائهم ممتنع عادة كاجتماع الناس في وقت واحد، على مأكول واحد. وأجيب بالفرق بينهما: بأن الدواعي مختلفة، ثمة. يعني

стр. 1337

هناك، أي في المأكول الواحد، لاختلافهم في الشهوة والمزاج والطبع؛ فلذلك يمتنع اجتماعهم عليه. بخلاف الحكم، فإنه تابع للدليل، فلا يمتنع اجتماعهم عليه؛ لوجود دليل قاطع أو ظاهر. وقيل: الإجماع ممكن، ولكن يتعذر الوقوف عليه، لانتشارهم، أي المجمعين شرقًا وغربًا، وجواز خفاء واحد منهم، بأن يكون أسيرًا، أو محبوسًا، أو منقطعًا عن الناس. وجواز خموله بحيث لا يعرف أحد أنه مجتهد فلا يذكر لنزول رتبته، وجواز كذبه، فيفتي على خلاف معتقده، خوفًا من سلطان جائر، أو مجتهد ذي منصب أفتى بخلاف رأيه. أو جواز رجوعه عن فتواه قبل فتوى الآخر.

стр. 1338

ولأجل هذه الاحتمالات قال الإمام أحمد (رضي الله تعالى عنه): "من ادعى الإجماع فهو كاذب". وأجيب بأنه لا تعذر للوقوف على الإجماع، في أيام الصحابة -رضي الله تعالى عنهم -لاندفاع هذه الاحتمالات إذ ذاك. فإنهم أي: أهل الحل والعقد من الصحابة (رضي الله تعالى عنهم) كانوا محصورين قليلين، ومن خرج منهم إلى البلاد كان معروفًا في موضعه، فلم تتعذر معرفتهم، ومع ذلك كانوا مشهورين ورعين، وقوة دينهم تمنعهم عن الفتوى على خلاف معتقدهم، وكانوا محتاطين في الفتوى لا يرجعون عن فتواهم قبل فتوى الآخر، ولو وقع منهم رجوع لاشتهر.

стр. 1339

ولما كان هذا في غاية الوضوح لم يذكره المصنف واقتصر على ما يخفي. وفي الشرح بيان عدد الصحابة. واعلم أن هذا الجواب لا ينفي مذهب أهل الظاهر فإنهم قالوا: يختص الإجماع بالصحابة. والصحيح أنه لا يختص لصدق مجتهدي الأمة في عصر بغيرهم.

стр. 1340

فالأحسن في الجواب: أنه تشكيك في مصادمة الضرورة فإنا نعلم قطعًا من الصحابة والتابعين الإجماع على تقديم الدليل القاطع على المظنون، وما ذلك إلا بثبوته عنهم، وبنقله إلينا ففسد ما استدلوا به. الثانية أنه أي: الإجماع حجة يجب العمل به، خلافًا للنظام المعتزلي. والشيعة -بكسر الشين -وهم كل من قال بتفضيل علي ﵁ وكرم الله وجهه -بعده إلى يمونا هذا والخوارج، فإنه وإن نقل عنهم

стр. 1341

ما يقتضي الموافقة، فعند التحقيق هم مخالفون. أما النظام: فلأنه لم يفسر الإجماع باتفاق المجتهدين، بل قال: هو كل قول يحتج به. وأما الشيعة: فإنهم يقولون: الإجماع حجة، لكونه مشتملاً على قول الإمام المعصوم، فقوله هو الحجة فقط، لا الإجماع. وأما الخوارج: فنقل عنهم: أن إجماع الصحابة حجة قبل حدوث الفرقة، وأما بعدها فالحجة في إجماع طائفتهم لا غير؛ لأن العبرة بقول المؤمنين، ولا مؤمن عندهم، إلا من كان على مذهبهم. وكلام المصنف: يوهم أن النظام يسلم إمكان الإجماع، ويمنع

стр. 1342

حجيته. ونقل ابن برهان، وابن الحاجب عنه أنه محال. لنا: على كون الإجماع حجة وجوه: الأول: أنه -تعالى -جمع بين مشاقة الرسول وإتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، حيث قال: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم﴾ الآية. فتكون متابعة غير سبيل المؤمنين محرمة؛ إذ لا يجمع بين الحرام والمباح

стр. 1343

في الوعيد كالكفر وأكل الخبز. وإذا حرم إتباع غير سبيلهم، فيجب إتباع سبيلهم، إذ لا مخرج عنهما؛ لأن حرمة إتباع غير سبيلهم، وإن كانت أعم من وجوب إتباع سبيلهم بحسب المفهوم، لكن لا مخرج بحسب الوجود من إتباع غير سبيلهم، وإتباع سبيلهم، إذ ترك إتباع سبيلهم، إتباع سبيل غيرهم. لأن معنى السبيل هنا: ما يختاره الإنسان لنفسه من قول، أو فعل، أو اعتقاد. فيجب إتباع المؤمنين الذين هم أهل الإجماع. فإن هذا معنى إتباع سبيلهم الذي هو الإجماع.

стр. 1344

قيل: اعتراضًا على الدليل: أنه -تعالى -رتب الوعيد على الكل، يعني: على المجموع المركب من مشاقة الرسول - ﷺ . ومخالفة سبيل المؤمنين؛ للعطف بالواو التي هي للجمع المطلق. وحينئذ لا يلزم حرمة مخالفة سبيل المؤمنين، إذ لا يلزم من حرمة المجموع حرمة كل واحد من أجزائه، كجمع الأختين دون كل واحدة. قلنا: بل الوعيد مرتب على كل واحد من المشاقة ومخالفة سبيلهم، وإلا لغي ذكر المخالفة، أي لو لم يكن الوعيد مرتبًا على كل واحد منهما، للزم أن يكون ذكر مخالفة سبيل المؤمنين لغوًا، لأن

стр. 1345

المشتاقة وحدها مستقلة. في اقتضاء ترتيب الوعيد عليها، واللغو في كلام الله -تعالى- محال. قيل عليه: سلمنا أن الوعيد مرتب على كل واحد منهما، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون مخالفة سبيل المؤمنين حرامًا مطلقًا؛ لأنها معطوفة على المشاقة، والمشاقة مشروطة بتبيين الهدى، فتكون المخالفة أيضًا مشروطة بذلك، إذ الشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف، لأن الأصل: اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات، والهدى عام لاقترانه باللام، فتكون متابعة غير سبيل المؤمنين حرامًا، إذا تبين جميع أنواع الهدى، ومن جملة الهدى الدليل الذي أجمعوا عليه، أي سند الإجماع وإذا تبين ذلك استغنى به عن الإجماع، فلا يبقى للتمسك بالإجماع فائدة لثبوت الحكم بذلك الدليل لا بالإجماع فلا يكون الإجماع حجة.

стр. 1346

قلنا: لا نسلم أن (كل ما) هو شرط في المعطوف عليه يكون شرطًا في المعطوف، بل العطف إنما يقتضي التشريك في مقتضى العامل، إعرابًا ومدلولًا لا في كل الوجوه. وإن سلم أنه شرط لم يضر ذلك. لأن المراد (من الهدى: دليل التوحيد والنبوة) وذلك كان مبينًا في زمنه، ﷺ . ولا يصح حمل الهدى على دلائل المسائل الفرعية؛ لأنه حينئذ لم تكن مشاقة الرسول - ﷺ - حرامًا. لأن جميع دلائل المسائل الفرعية (لم تكن) مبينًا في زمانه -صلى

стр. 1347

الله عليه وسلم- فيكون الشرط في حرمة المشاقة التوحيد دون دليل مسائل الفرع، (فتكون حرمة اتباع سبيل غير المؤمنين مشروطة بذلك) وقد تبين ذلك، فيكون الإجماع حجة. قيل: سلمنا أن إتباع غير سبيل المؤمنين حرام، لكن لفظ «غير»، و «سبيل» مفردان، والمفرد لا عموم له. فالآية لا توجب تحريم كل ما غاير سبيل المؤمنين، بل بعضه، فلا يلزم كون الإجماع حجة، لجواز أن يكون المراد بذلك البعض هو الكفر، وتكذيب الرسول ﷺ ويدل له، أن الآية نزلت في رجل ارتد فعلم أن المراد منها المنع من الكفر.

стр. 1348

قلنا: بل يقتضي تحريم كل ما غاير سبيلهم؛ لأن اسم الجنس وإن كان مفردًا، لكنه إذا أضيف، أفاد العموم لجواز الاستثناء منه. لأن القائل إذا قال: من دخل غير داري ضربته، فهم منه العموم، بدليل صحة الاستثناء لكل واحد من الدور المغايرة لداره، ويصح أن يقال: إلا السبيل الفلاني، وإذا صح الاستثناء منه يكون عامًا، لأن جواز الاستثناء معيار العموم كما مر. وأما نزول الآية في رجل ارتد، فلا يمنع العموم، لما عملت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وهنا نظر مبين في الأصل. قيل: سلمنا: أن الآية تقتضي حرمة كل ما يغاير سبيل المؤمنين.

стр. 1349

لكن المراد من السبيل: دليل أهل الإجماع، لا حكم الإجماع. لأن السبيل لغة: الطريق الذي يمشي فيه. ولما تعذرت إرادته هنا تعين الحمل على المجاز. والمجاز: إما قول أهل الإجماع، أو دليله الذي لأجله أجمعوا، وحمله على الثاني أولى لقوة العلاقة بينه وبين الطريق، إذ كل منهما موصل إلى المقصد. فالآية دالة على حرمة مخالفة الاستدلال، بدليل الإجماع لا على حرمة مخالفة الإجماع، فلا يكون الإجماع حجة. قلنا: حينئذ يكون المخالفة المشاقة؛ لأن الدليل الذي

стр. 1350

أجمعوا عليه، إما: الكتاب أو السنة أو القياس، فيكون داخلًا في مشاقة الرسول. أما الكتاب والسنة فواضح، وأما القياس فراجح إلى دليله الذي هو الكتاب أو السنة، فيلزم التكرار والأصل عدمه. وإذا أريد نفس الإجماع لا يلزم ذلك. هذا إذا كانت عبارة المتن ما تقدم، وهو كذلك، في كثير من النسخ، وهو جواب الإمام الرازي. لكن سيأتي هذا في كلام المصنف جوابًا عن سؤال آخر، لكن على تقدير آخر. فإن كانت عبارة المتن كما هو في بعض النسخ.

стр. 1351

قلنا: حمله على الإجماع أولى لعمومه، كان معناه أن السبيل أيضًا: يطلق على الإجماع؛ لأن أهل اللغة يطلقون السبيل على كل ما يختاره الإنسان لنفسه من قول أو فعل. ومنه قوله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي﴾ وإذا كان كذلك فحمله على الإجماع أولى، لعموم فائدته. فإن الإجماع يعمل به المجتهد والمقلد، ودليل الإجماع لا يعمل به سوى المجتهد. وهذا جواب صاحب الحاصل، وهو أحسن من الأول. قيل: لا نسلم أنه يجب إتباع سبيل المؤمنين في كل شيء، بل يجب إتباعهم فيما صاروا به مؤمنين، ويدل عليه أنها نزلت في

стр. 1352

مرتد. ولأنه إذا قيل: لا تتبع غير سبيل الصالحين فهم منه المنع من ترك الأسباب التي صاروا بها صالحين، دون غيرها كالأكل والشرب. قلنا: حينئذ تكون المخالفة المشاقة؛ لأنه لا معنى لمشاقة الرسول إلا ترك الإيمان. وسمي بذلك لأنه في شق، أي: في جانب، والرسول في جانب آخر، فلو حمل على هذا لزم التكرار كما مر. قيل: سلمنا تحريم إتباع غير سبيل المؤمنين، لكن لا نسلم وجوب إتباع سبيلهم، وإنما يلزم لو لم يكن بينهما واسطة (وهنا واسطة) وهي بترك الإتباع رأسًا أي بالكلية، فلا يتبع سبيلهم ولا غير سبيلهم.

стр. 1353

قلنا: الترك غير سبيلهم، ومر تحقيقه. قيل: سلمنا وجوب الإتباع (لكنه لا يجب) في كل الأمور، لأنه لا يجب إتباعهم في فعل المباح إذا أجمعوا عليه وإلا لكان المباح واجبًا. فالواجب حينئذ إتباع بعض سبيلهم، وإذا لم يجب إتباع سبيلهم في الكل لم يلزم إتباعهم فيما أجمعوا عليه، لجواز أن يكون المراد هو الإيمان أو غيره مما هو متفق عليه، فلا يكون الإجماع حجة. قلنا: إتباع سبيل المؤمنين، كإتباع الرسول (عليه الصلاة

стр. 1354

والسلام) فيفعله كما يفعله، إن كان مباحًا فمباح، أو واجبًا فواجب، أو مندوبًا فمندوب ويجب علينا اعتقاده كما يعتقده. أو يقرر هكذا: قيام الدليل على وجوب إتباعهم في كل الأمور، كقيام الدليل على وجوب إتباع النبي ﷺ فيها. فكما أن المباح قد أخرج من عموم التأسي لدليل، ولم يقدح في الدلالة على الباقي، فكذلك الإجماع، فيبقى واجب الإتباع في غيره، وفيه نظر. قيل: المجمعون أثبتوا الحكم المجمع عليه بالدليل الذي أجمعوا لأجله. وإثبات الحكم بذلك الدليل من جملة سبيلهم، فإن وجب علينا إثبات

стр. 1355

ذلك بإجماعهم لا بالدليل، كان ذلك إتباعًا لغير سبيلهم ولا يجوزونه. وإن وجب إثباته (بالدليل، فيلزم أن لا يكون الإجماع نفسه دليلًا مستقلًا وهو خلاف المدعى. وأيضًا: فأنتم لا تقولون بوجوب إثباته). قلنا: خص النص وهو قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول﴾ الآية. فيه أي في وجوب الاستدلال بذلك الدليل. وهذه الصورة قد خصت بالاتفاق، لأن الحكم ثبت بإجماعهم. وإذا ثبت فلا يحتاج إلى دليل آخر. قيل: سلمنا جميع ما قلتم، لكن الآية تدل على وجوب اتباع

стр. 1356

سبيل كل المؤمنين الموجودين إلى يوم القيامة. لأنه جمع محلي باللام فيفيد العموم، لكن إتباع سبيل كل المؤمنين محال، فلا يكون واجبًا، وإلا يلزم وقوع التكليف بالمحال، ولا يكون إجماع أهل كل عصر حجة لأنهم بعض المؤمنين. قلنا: ليس المراد من لفظ المؤمنين كل الموجودين إلى يوم القيامة، بل المراد كل المؤمنين الموجودين في كل عصر؛ لأن المقصود من حجية الإجماع العمل به، لأن الله -تعالى- علق العقاب على مخالفتهم زجرًا عنها وترغيبًا في الأخذ بقولهم. فعملنا أن المقصود هو العمل، ولا عمل في القيامة. (فإن قيل: غايتته الظهور والتمسك بالظاهر، إنما يثبت بالإجماع، ولولاه لوجب العمل بالدلائل المانعة من إتباع الظن، فيكون إثباتًا للإجماع بما لا يثبت حجيته إلا به فيصير دورًا. والجواب: أن الإجماع الذي ثبتت حجيته بالظواهر، إنما هو بعض

стр. 1357

أنواع الإجماع، وهو ما لم يبلغ المجمعون فيه عدد التواتر. وحجية الظواهر إنما ثبتت بنوع آخر منه يبلغ المجمعون فيه عدد التواتر، والنوع المتوقف حجيته على الظواهر غير النوع المتوقف عليه حجية الظواهر. واعلم أن التمسك بالظواهر فيما يثبت به أصل كلي كمسألة المصنف هل يصح فيه خلاف؟ قال الأبهري: والحق أنه يصح، لأن السلف أثبتوا حجية الإجماع والقياس بالظواهر من غير نكير منهم. انتهى وأيضًا: لأن المقصود منه العمل بالأحكام المستفادة منه، وفي مثله يكفي الظن. وقيل: لا يصح لأنه من العلميات).

стр. 1358

الدليل الثاني على أن الإجماع حجة: قول تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾. فقد عدلهم -تعالى- لأن معنى وسطًا: عدولًا، إذ وسط كل شيء أعدله. وعلل ذلك أيضًا: بقوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ والشاهد لا بد وأن يكون عدلًا. وهذا التعديل الحاصل لأمة محمد ﷺ وإن لزم منه تعديل كل فرد منها، لكون نفي التعديل عن واحد مستلزم لنفيه عن المجموع، لكنه ليس المراد تعديلهم فيما ينفرد به كل واحد منهم، لأنا نعلم بالضرورة خلافه، فتعين أن يكون تعديلهم فيما يجمعون عليه، فتجب عصمتهم عن الخطأ قولًا وفعلًا، صغيرة وكبيرة لأن الله -تعالى- يعلم السر والعلانية، فلا يعدلهم مع ارتكاب المنهيات المؤثرة في

стр. 1359

العدالة، وإذا ثبتت عصمتهم، وجب أن يكون قولهم وفعلهم حجة وهو المطلوب. وهذا بخلاف تعديلنا، فإنه لا يوجب العصمة عن الخطأ لعدم اطلاعنا على الخفايا. قيل عليه: العدالة -لكونها فعل الواجبات واجتناب المحرمات- فعل العبد، والوسط -لكونه مجعولًا له -تعالى- بقوله تعالى: ﴿جعلناكم أمة وسطا﴾ - فعل الله تعالى، فلا تكون العدالة عبارة عن الوسط، فلا يكون جعلهم وسطًا عبارة (عن تعديلهم)، إذ المعدل لا يجعل العدل عدلًا بل يخبر عن حاله. قلنا: الكل فعل الله -تعالى- على مذهبنا، يعني كون

стр. 1360

العدالة فعل العبد لا ينافي كونها وسطًا؛ إذ فعل العبد فعل الله -تعالى- مخلوق له -تعالى- كما هو مذهب أهل السنة، فقد برهن عليه في الكلام. فكما أن الوسط مجعول له، فكذلك العدالة فعل له. قيل: سلمنا أنهم عدول، لكنهم عدول وقت أداء الشهادة للآية والعدالة معتبرة في الشاهد وقت الشهادة لا قبله، فتكون الأمة عدولًا يوم القيامة لا في الدنيا. فلا يكون قوله حجة. قلنا: حينئذ لا مزية لهم، أي: لأمة محمد ﷺ على غيرهم في هذه الفضيلة التي خصهم الله -تعالى- بها، فإن

стр. 1361

الكل، أي: كل الأمم تكون كذلك أي: عدول في الآخرة، لكن المزية حاصلة؛ لأن الله -تعالى- إنما وصفهم بالعدالة لتعظيمهم وتمييزهم عن سائر الأمم فتعين حمله على الدنيا، وفيه نظر. فالأحسن أن يجاب: بأن العدالة لا تتحقق إلا مع التكليف، ولا تكليف في الآخرة. الدليل الثالث على أن الإجماع حجة: قال النبي ﷺ «لا تجتمع أمتي على خطأ» رواه أبو داود، وسكت عليه لكن بلفظ: «وأن لا تجتمعوا على ضلالة»

стр. 1362

ونظائره من قوله ﷺ . كما روي عنه ﷺ : «لا يجمع الله أمتي» أو قال: «هذه الأمة على الضلالة أبدًا» رواه الحاكم في المستدرك «عليكم بالسواد الأعظم».

стр. 1363

رواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان. «ومن أثنيتم عليه خيرًا أوجبت له الجنة» رواه مسلم.

стр. 1364

فإنها أي: هذه الأحاديث: وإن لم يتواتر آحادها لكن المشترك بينهما، وهو عصمة الأمة عن الخطأ متواتر. وهذا الدليل ساقط في كثير من النسخ. وقال الإمام: دعوى التواتر المعنوي فيها بعيد. وهو مبين في الأصل مع دليل قوي. تنبيه: حاصل الأدلة التي قالها المصنف إنما يحسن الاستدلال بها إذا

стр. 1365

قلنا: إن الإجماع ظني مطلقًا. وهو الصحيح عند الإمام الرازي والآمدي. والأكثر على أنه قطعي. واختار في جمع الجوامع: أنه عن اتفق المعتبرون على أنه إجماع فهو قطعي، وإن كان مختلفًا فيه كالسكوتي، وما ندر مخالفه فظن، عند القائل به، وخرق الإجماع حرام. والشيعة عولوا عليه، أي: على الإجماع، لاشتماله على قول الإمام المعصوم، إذ عندهم أن زمان التكليف لا يخلو عن إمام يأمر الناس بالطاعات، ويردعهم عن المعاصي، ولا بد، أن يكون معصومًا،

стр. 1366

وإلا لافتقر إلى إمام آخر، ويتسلسل، وإذا كان معصومًا كان الإجماع حجة، لاشتماله على قوله كما مر، لأنه رأس الأمة، ورئيسها لا لكونه إجماعًا. وجوابه: أن ذلك مبني على وجوب مراعاة المصالح ولا يجب، وإن سلمناه، فالردع إنما يحصل بنصب إمام ظاهر قاهر. وهو يجوزون أن يكون خفيًا خاملًا، ويجوزون عليه الكذب أيضًا خوفًا وتقية. وذلك كله ينافي المطلوب. ولما كان هذا البحث محله علم الكلام لم يذكروا جواله؛ لأنه ذكره في المطالع. المسألة الثالثة قال مالك ﵁: إجماع أهل المدينة حجة.

стр. 1367

ولم يقيده المصنف بالصحابة (رضي الله تعالى عنهم) والتابعين. وقيده له ابن الحاجب. فقيل: قول مالك -رضي الله تعالى عنه- محمول على أن روايتهم مقدمة على رواية غيرهم. وقيل: محمول على حجية إجماعهم في المنقولات المستمرة كالأذان والإقامة، والصاع، والمد دون غيرهما، وبه قال القرافي. وقال ابن دقيق العيد: إنه أقرب. والصحيح عند ابن الحاجب هو التعميم، أي: القول بكونه حجة مطلقًا.

стр. 1368

وضعفه ابن دقيق العيد في شرح العمدة جدًا. والأكثر على أنه ليس بحجة. وقال مالك (رضي الله تعالى عنه) بحجيته، لقوله ﵊: «إن المدينة لتنفي خبثها». والباطل خبث، فيكون منفيًا عن أهلها. وهو ضعيف أي: الاستدلال بالحديث، لا الحديث نفسه، فإنه متفق عليه. لكن بلفظ: «إن المدينة كالكير تنفي خبثها».

стр. 1369

ووجه الضعف أن الحديث يحمل على أنها في نفسها فاضلة مباركة لما علم من جود الباطل فيها كالمعاصي. وأيضًا فلا دلالة على انتفاء الخطأ عما اتفق عليه أهلها بخصوصها. ولا نسلم أن الخطأ خبث؛ لأن الخطأ معفو عنه والخبث منهي عنه. وحمله ابن عبد البر والقاضي عياض: على حياته ﷺ فلم يخرج عنه إلا من لا خير فيه. قال النووي: وليس بظاهر، وبيانه في الأصل.

стр. 1370

الرابعة قالت الشيعة: إجماع العترة حجة، لقوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾ فنفى الرجس عن أهل البيت، والخطأ رجس، فيكون منفيًا عنهم، وإذا كان الخطأ منفيًا عنهم، كان بإجماعهم حجة، وهم: علي وفاطمة، وابناهما:
следующие страницы →