← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18274

تيسير الوصول إلى منهاج الأصول

ابن إمام الكاملية

Полный текст (2 009 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

قيل: ما ذكرتم من العمل بالقياس إنما كان جائزًا في حياة النبي ﷺ قبل استقراء الشرع، ونزول قوله تعالى: - ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ لأنه لم تكن النصوص (إذ ذاك وافية بجميع الأحكام، وأما بعد كمال الدين ونزول الآية، فالعمل) بالقياس متعذر لوجود النص على جميع الأحكام. قلنا: الدليل دل على كون القياس حجة مطلقًا والأصل عدم التخصيص بوقت دون وقت. والمراد من الإكمال في الآية إنما هو إكمال الأصول أي أصول الدين والكليات لا بيان جميع الفروع مفصلة لعدم النص على جميع

стр. 1472

الفروع؛ فيكون القياس حجة في زماننا لإثبات تلك الفروع. الوجه الثالث من الأدلة: أن أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- قال في الكلالة: "أقول برأيي: الكلالة: ما عدا الوالد والولد". رواه البيهقي في سننه. والرأي: هو القياس إجماعًا.

стр. 1473

وعمر -رضي الله تعالى عنه أمر أبا موسى في عهده بالقياس. رواه الدارقطني والبيهقي كما تقدم. وقال عمر ﵁ في الجد: "أقضي برأيي". وقال له عثمان: "إن اتبعت رأيك فسديد وإن تتبع رأي الشيخ قبلك فنعم الرأي كان". رواه بمعناه البيهقي وابن أبي خيثمة. وقال علي -رضي الله تعالى عنه-: "اجتمع رأيي ورأي عمر-

стр. 1474

رضي الله تعالى عنه- في (أمهات الأولاد) أن أعتقهن" إلى آخره. رواه سعيد بن منصور في سننه، عن عبيدة السلماني. ورواه ابن أبي خيثمة من طرق. وقاس ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- الجد على ابن الابن في الحجب للإخوة.

стр. 1475

رواه سعيد بن منصور في سننه. وذكره البخاري تعليقًا مجزومًا به. فثبت صدور القياس بما ذكر وبغيره من الوقائع الكثيرة، المشهورة الصادرة عن أكابر الصحابة وغيرهم، التي لا ينكرها إلا معاند، وهي وإن كانت آحادًا فبينها قدر مشترك، وهو العمل بالقياس، وذلك متواتر، ولم ينكر أحد ذلك عليهم، وإلا أي لو أنكر لاشتهر إنكاره أيضًا. ونقل إلينا، لأنهم نقلوا الاختلاف في الفروع، فالاختلاف في الأصول العظيمة أولى بالنقل. وحيث لم ينقل إلينا، علم أنه لا يوجد وسكوت الباقين من الصحابة الذين كانوا ينقادون للحق، ولا يمنعهم عن الإنكار رغبة ولا رهبة

стр. 1476

مع تكرره وإشاعته وعظمته دليل قطعي على أنهم راضون به، والعلم القطعي حاصل بأن العمل بها كان لظهورها (لا لخصوصيًا) تها كسائر الظواهر، فكان إجماعًا على العمل بالقياس فيكون حجة. قيل: لا نسلم عدم الإنكار، (فقد نقل الإنكار) عمن ذكرتم وعن غيرهم، فإنهم ذموه أيضًا، فقد روى عن بن حميد أن أبا بكر ﵁ قال: "أي أرضي تقلني وأي أسماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله تعالى بغير ما أراد". وروى أبو داود عن علي ﵁: أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف ألى بالمسح من أعلاه".

стр. 1477

وروى الطبراني في معجمه الكبير عن ابن مسعود ﵁: "لا تقيسوا أشياء". وروى مجالد عن عمر ﵁: "إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن" الحديث. قلنا: إنما ذموا وأنكروا حيث فقد شرطه أي شرط القياس، فإن عملهم بالقياس في الصور الغير المحصورة قطعي، فيحمل على القياس الصحيح، والذم على الفاسد توفيقًا بين النقلين وجمعًا بين الأدلة.

стр. 1478

وهنا أسئلة مع أجوبتها في الشرح. هذا: وقول أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- في تفسير القرآن بالرأي. الذي هو منهي عنه، إذ لا مجال للعقل فيه بخلاف الفروع. وم عمر -رضي الله تعالى عنه- حيث ترك الأحاديث وعمل بالقياس ولا شك أن العمل به مشروط بعدم النصوص. الوجه الرابع من الأدلة على وجوب العمل بالقياس: إن ظن تعليل الحكم في الأصل بعلة توجد في الفرع.

стр. 1479

فوجب ظن الحكم في الفرع ضرورة، لوجود ما ظن عليته فيه. وحينئذ يلزم الجزم بثبوت الحكم في الفرع؛ لأن حكم الفرع إذا كان مظنونًا، كان نقيضه هو عدم الحكم موهومًا، والنقيضان لا يمكن العمل بهما، وإلا اجتمعا، ولا يمكن الترك لهما، وإلا ارتفعا، والعمل بالمرجوح وهو العدم الموهوم، مع وجود الراجح وهو الظن، بوجوده فيه ممتنع عقلاً وشرعًا، فتعين العمل بالراجح، وهو الظن بوجود الحكم فيه، ولا معنى لوجوب العمل بالقياس إلا هذا، وفيه نظر مبين في تعريف الفقه. وإنما لم يعمل القاضي بقول شاهد واحد في غير الزنا وشاهدين

стр. 1480

فيه إذا غلب على ظنه الصدق؛ لأن العمل بالظن إنما يجب فيما لا يقتضي القاطع خلافه. أما ما يقتضي القاطع خلافه فلا، بل لا يجوز. والقائلون بعدم حجية القياس في الشرع: احتجوا بوجوه ستة: الأل: قوله تعالى: ﴿يا آيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ فإنه يدل على أن العمل بالقياس منهي عنه، لكونه تقديمًا بين يدي الله ورسوله، لكونه قولاً بغير الكتاب والسنة.

стр. 1481

وكذا قوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. لأن العمل به قول بالظن الذي هو غير العلم لكونه متوقفًا على أمور لا يقطع بوجودها فيكون قولاً بما لا يعلم. وكذا قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾. وقوله تعالى: ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾. دل على اشتمال الكتاب على الأحكام كلها، فالحكم الثابت بالقياس، إن دل عليه الكتاب، لم يجز إثباته بالقياس، لأن شرطه فقد النص، وإن لم يدل عليه الكتاب لم يكن حكمًا شرعيًا فلا يكون القياس الدال عليه حجة. وقوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئًا﴾ دل على أن

стр. 1482

مقتضى القياس ليس بحق؛ لأن القياس ظن فلا يغني شيئًا. قلنا: الجواب عن الآية الأولى: إنه لما أمر الله -تعالى- ورسوله بالقياس لم يكن القول به تقديمًا بين يدي الله ورسوله. ولما كان هذا معلومًا من استدلال المصنف أولاً اكتفى به. والجواب عن الآية الرابعة: أنا لا نسلم أن المراد به القرآن، بل اللوح المحفوظ. وإن سلم، فإنه يستحيل أن يكون المراد منها اشتمال الكتاب على جميع الأحكام الشرعية من غير واسطة. فإنه خلاف الواقع، بل المراد دلالتها عليها من حيث الجملة بوسط أو بغيره وحينئذ فلا يلزم من ذلك عدم الاحتياج إليه؛ لأن الكتاب

стр. 1483

على هذا التقدير لا يدل على بعضها إلا بواسطة إلينا، فيكون محتاجًا إليه. وهذا الجواب يعلم من قول المصنف أولاً جوابًا عن شبهة. قلنا: المراد الأصول لعدم النص على جميع الفروع، فلم يذكره هنا اكتفاء بما تقدم. وأما الجواب عن بقية الآيات: فهو قوله: الحكم مقطوع به لما تقدم من الأدلة، والظن وقع في طريقه الموصل إليه. وتقدم مثله في حد الفقه. وإذا كان القياس مقطوعًا به، فلا يكون تقديمه بين يدي الله ورسوله. الوجه الثاني لهم:

стр. 1484

قوله ﵊: "تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب، وبرهة بالسنة، برهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا". فإنه يدل على أن العمل بالقياس ضلال فلا يجوز. والحديث رواه ابن حزم في رسالته الكبرى عن أبي هريرة ﵁ ولا يقوم به حجة؛ لأن في بعض رواته من كذبه ابن معين.

стр. 1485

وترك أبو حاتم حديثه. وقال أبو زرعة: ليس هو عندي ممن يكذب، وإنما كان يوضع له الحديث فيحدث به. الوجه الثالث لهم: ذم بعض الصحابة له أي القياس، كما مر من غير نكير من الباقين، فكان إجماعًا على منعه. قلنا: الحديث والإجماع على تقدير صحتهما معارضان بمثلهما.

стр. 1486

أما الحديث فبحديث معاذ ﵁. وأما الإجماع فبالإجماع على جواز العمل به، فيجب التوفيق بينهما، بأن يحمل الأمر به والعمل، على القياس الصحيح، والنهي وذمه على القياس الفاسد، كما مر. الوجه الرابع لهم: نقل الإمامية عن الشيعة إنكاره، أي إنكار العمل بالقياس عن العترة، أي أهل البيت، وإجماعهم حجة. قلنا: هذا النقل معارض بنقل الزيدية عن الشيعة عن العترة أنهم أجمعوا على العمل بالقياس، هذا وقد تقدم أن إجماع العترة ليس بحجة فالمصنف تنزل).

стр. 1487

الوجه الخامس لهم: أنه أي العمل بالقياس يؤدي إلى الخلاف والمنازعة بين المجتهدين للاستقراء، ولأنه تابع للأمارات، وهي مختلفة، فكيف يجوز العمل به، وقد قال تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا﴾ فوجب أن يكون ممنوعًا. قلنا: الآية إنما وردت في الآراء والحروب لقرينة قوله تعالى: ﴿فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾. وأما التنازع في الأحكام فجائز لقوله -عليه الصلاة السلام- "اختلاف أمتي رحمة". قال الخطابي والبيهقي: روي عن النبي ﷺ (وهو يدل على أن له أصلاً).

стр. 1488

قال الشيخ زين الدين العراقي: وأسنده في المدخل من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: "اختلاف أصحابي لكم رحمة". وإسناده ضعيف. وأجاب في المحصول: بأن هذا الدليل بعينه قائم في الأدلة العقلية، فجوابهم جوابنا. الوجه السادس وعليه اعتمد النظام: أن الشارع فضل بين الأزمنة والأمكنة في الشرف، وبين الصلاة في القصر.

стр. 1489

ففضل ليلة القدر، والأشهر الحرم على غيرها. وفضل مكة والمدينة (وبيت المقدس). وقصره في الرباعية من الصلوات دون غيرها مع استواء الزمان والمكان والصلوات متماثلات في الحقيقة، فلم يجمع بين المتماثلات بل فرق بينها. وجمع بين الماء والتراب في التطهير وهما مختلفان؛ إذ الماء منظف والتراب مشوه فلم يفرق بينهما. وأوجب التعفف، أي غض البصر على الحرة الشوهاء.

стр. 1490

شعرها وبشرتها مع أن الطبع لا يميل إليها، دون الأمة الحسناء التي يميل الطبع إليها، مع أن علة التعفف موجودة في صورة الأمة الحسناء. تنبيه: في أكثر النسخ: وأوجب التعفف على الحرة الشوهاء، (وشرحه العبري هكذ ا: وأوجب التعفف على الحرة الشوهاء) ولم يوجبه على الأمة الحسناء. وهو مطابق لما في أكثر النسخ، وفيه نظر من جهة المعنى. وفي بعض النسخ: "عن" بدل "على". وشرحه الأصفهاني: على ما شرحته أولاًا بناء على ما في بعض النسخ التي فيها "عن"، وعلى النسختين ينبغي أن يشرح كما شرحته أولاً. أما إذا كانت النسخة "عن" فواضح وأما على جعلها "على" فكذلك.

стр. 1491

فإن "على" تأتي بمعنى "عن" وكذلك قطع سارق القليل، دون غاصب الكثير، مع أن تلك العلة موجودة في الغصب، فلم يعتبر استلزام العلة الحكم، وجلد بقذف الزنا، وشرط فيه أي: في إثباته شهادة أربعة، دون الكفر الذي هو أغلظ منه؛ إذ لا يجلد بالقذف به ولا يشترط في إثباته شهادة أربع، فلم يعتبر أولوية القياس.

стр. 1492

وذلك أي: جميع ما تقدم من هذه المعاني ينافي القياس. إذ مداره على إبداء المعنى، وعلى إلحاق صورة بأخرى تماثلها في ذلك المعنى، وعلى التفريق بين المتماثلات، والجمع بين المختلفات لا يأتي ذلك. قلنا: القياس إنما يسوغ الشرع حيث عرف المعنى، أي: العلة الجامعة مع انتفاء المعارض، وغالب الأحكام من هذا القبيل. وما ذكر من الصور، نادر لا يقدح في حصول الظن الغالب.

стр. 1493

هذا، وشيء من ذلك غير معلوم فيما ذكر من الصور (لجواز عدم صلاحية) ما توهتمتوه في المتماثلات جامعًا لكونه جامعًا، أو وجود المعارض له، إما في الأصل أو في الفرع، وإما في الجمع بين المختلفات، فلجواز اشتراك المختلفات، في معنى جامع، هو العلة للحكم في الكل، فإن المختلفات لا يمتنع اشتراكهما في صفات ثبوتية وأحكام. وأيضًا: فيجوز اختصاص كل بعلة تقتضي حكم المخالف الآخر، فإن العلل المختلفة لا يمتنع أن توجب في المحال المختلفة حكمًا واحدًا. المسألة الثانية قال النظام، وأبو الحسين البصري، وبعض الفقهاء، كالإمام أحمد ﵁ والشيخ أبو إسحاق، وأبو بكر الرازي: إن التنصيص من الشارع على العلة في الحكم أمر بالقياس مطلقًا، سواء كانت تلك العلة علة للفعل، كأكرم زيدًا لعلمه، أو علة للترك كحرمة الخمر لإسكارها،

стр. 1494

فيتعدى الحكم إلى غير محل النص، وإن لم يرد ما يوجب التعبد بالقياس؛ لأنه لا فائدة لذكر العلة إلا ذلك. وقال الجمهور: ومنهم الإمام الرازي، والآمدي لا يكون أمرًا مطلقًا بل لا بد من دليل يدل عليه. ونقله الآمدي عن أكثر الشافعية وهو المختار. واكتفى المصنف بالدليل عليه؛ لأنه مشعر باختياره. وفي المستصفى عن النظام: أن التنصيص على العلة يقتضي تعميم الحكم في جميع مواردها بطريق عموم اللفظ لا بالقياس. وفرق أبو عبد الله البصري المعتزلي، بين الفعل والترك، فجعله أمرًا

стр. 1495

به في جانب الترك دون الفعل. لنا: على أن التنصيص على العلة ليس أمرًا بالقياس. أن الشارع إذا قال مثلا: حرمت الخمر لكونها مسكرة. يحتمل أن تكون عليه الحرمة هو الإسكار مطلقًا، حيث يثبت التحريم في كل ما يسكر، ويكون أمرًا بالقياس كما ذهبتم إليه. ويحتمل أن تكون علية التحريم هو إسكارها أي: إسكار الخمر بحيث يكون قيد الإضافة إلى الخمر معتبرًا في العلة، فلا يثبت به التحريم في (كل ما) يسكر، لجواز اختصاص إسكارها بترتب مفسدة عليه، دون إسكار النبيذ.

стр. 1496

وإذا احتمل الأمران فلا يتعدى التحريم إلى غيرها إلا عند ورود الأمر بالقياس، وإذا ثبت ذلك في جانب الترك ثبت في جانب الفعل قطعًا. فإن قيل: الاحتمال الثاني ساقط بحسب العرف، إذ الأغلب على الظن عرفًا عدم التقييد بالمجمل الذي نص على عليته، وإذا ثبت سقوط التقييد في العرف ثبت سقوطه في الشرع. لما روي عنه ﵊: "ما رأه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن". وهذا الحديث لا يعرف إلا موقوفًا. وإذا كان ساقطًا شرعًا كانت العلة هي الإسكار مطلقًا، فكان أمرًا

стр. 1497

بالقياس، ويحتمل أن يريد أن الأغلب في العلل تعديتها دون تقييدها بمحل الحكم بالاستقراء. قلنا: النزاع في أن التنصيص على العلة هل يستقل بإفادة وجوب القياس وما ذكرتم يقتضي أنه لا بد أن يضم إليه أن الغالب عدم تقييد العلة بالمحل فالتنصيص وحده لا يفيد. أو يقول: مجرد التنصيص على العلة لا يلزم منه الأمر بالقياس، ما

стр. 1498

لم يدل دليل على وجوب إلحاق الفرع بالأصل. فإن قيل: الاحتمال الذي ذكرتموه، وهو كون العلة إسكار الخمر، مخصوص بالمثال المذكور، ولا يأتي دليلكم في غيره، مثلاً، لو قال الشارع: علة الحرمة في الخمر الإسكار، لا يدفع الاحتمال الذي فيه التقييد وتثبت الحرمة في كل صورة. قلنا: فيثبت الحكم هنا في كل الصور بالنص لا بالقياس، إذ القياس يقتضي ثبوت الحكم في الفرع بغير النص المثبت لحكم الأصل. وإذا امتنع القياس امتنع الأمر به.

стр. 1499

قال أبو عبد الله البصري: من ترك أكل شيء لأذاه، دل على تركه كل مؤذ بخلاف من تصدق على فقير لفقره، أو لمثوبة. فإنه لا يدل على تصدقه على كل فقير وتحصيل كل مثوبة. وجوابه: أن فهم التعميم في الأول لقرينة التأذي، وكون ترك المؤذي مطلقًا مركوزًا في الطباع، وخصوصية ذلك المؤذي ملغاة عقلاً، بخلاف الأحكام، فإنها قد تختص بمحالها بأمور لا تدرك. المسألة الثالثة القياس إما قطعي، أو ظني، فيكون الفرع بالحكم أولى، كتحريم

стр. 1500

الضرب على تحريم التأفيف، أو مساويًا كقياس الأمة على العبد في السراية، أو أدون كقياس البطيخ على البر في الربا. اعلم أن الكلام هنا في مقامين: أحدهما: القياس، والثاني: الحكم الذي في الأصل. فالقياس الذي هو الإلحاق قسمان: قطعي، وظني. والقطعي: يتوقف على العلم بعلة الحكم، وحصول مثل تلك العلة في الفرع. فإذا علمها المجتهد، علم ثبوت الحكم في الفرع، سواء كان ذلك الحكم مقطوعًا به، أو مظنونًا. ومثل له الإمام الرازي بقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف.

стр. 1501

فإنا نعلم أن العلة هي الأذى، ويعلم وجودها في الضرب، ولكن الحكم هنا ظني؛ إذ دلالة اللفظ -عند الإمام- لا تفيد إلا الظن. فعلى هذا القياس قطعي والحكم ظني. وحاصله: أنا قطعنا بإلحاق هذا الفرع لذلك الأصل في حكمه المظنون. والقياس الظني: هو أن يكون إحدى مقدمتيه أو كلتيهما مظنونة، كقياس السفرجل على البر في الربا. فإن الحكم بأن العلة هي الطعم ليس مقطوعًا به لجواز كونها الكيل أو القوت وإلى هذا كله أشار المصنف بقوله: "القياس: إما قطعي أو

стр. 1502

ظني". أما الحكم الذي في الأصل وهو الثاني، فإن كان قطعيًا، فيستحيل أن يكون الحكم في الفرع أولى منه، كما في المحصول. وإن لم يكن قطعيًا سواء كان القياس قطعيًا أم لم يكن، فثبوت الحكم قد يكون أولى من ثبوته في الأصل، أو مساويًا، أو دونه. فالأول: كقياس تحريم الضرب، على تحريم التأفيف؛ لأن الأذى فيه أكثر. والثاني: كقياس الأمة على العبد في سراية العتق من

стр. 1503

البعض إلى الكل، فهما متساويان في هذا الحكم لتساويهما في علته، وهو تشوف الشارع إلى العتق. وهذان القياسان يسميان بالقياس في معنى الأصل، والقياس الجلي وهو: ما يقطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع. الثالث: وهو الأدون -فهي الأقيسة التي يستعملها الفقهاء في مباحثهم، كقياس البطيخ على البر في باب الربا، بجامع الطعم، فإنه العلة -عندنا- في الأصل، ويحتمل ما قيل: إنها القوت أو الكيل، وليس في البطيخ إلا الطعم فثبوت الحكم فيه أدون من

стр. 1504

ثبوته في البر المشتمل على الأوصاف الثلاثة. فأدونيه القياس من حيث الحم لا من حيث العلة. إذ لا بد من تمامها فظهر بذلك أنه ليس المراد بأدون أن لا توجد فيه العلة بتمامها، بل أن تكون العلة في الأصل ظنية كما مر. وحينئذ فلا اعتراض على المصنف في تقسيمه الفرع إلى أولى ومساو وأدون.

стр. 1505

ولا منافاة بينه وبين قول المحصول: يشترط أن لا يكون بين العلتين تفاوت. تنبيه: جعل المصنف تحريم الضرب، وغيره من أمثلة فحوى الخطاب من القياس يوهم منافاته لما تقدم له أن اللفظ دل بالالتزام وقد مر في المفاهيم تحقيقه وجعله قياسًا. نقله في البرهان عن معظم الأصوليين، ونص عليه الشافعي -رضي الله تعالى عنه- في الرسالة. وقال الصفي الهندي: لا منافاة بينهما، فقد يكون الحكم ثابتًا بالمفهوم وبالقياس معًا. ووجهه بعضهم: بأن المفهوم مسكوت عنه، والقياس إلحاق مسكوت عنه بمنطوق ولكن الأول هوا لمعتمد قاله العراقي فليتأمل.

стр. 1506

قيل: إن تحريم التأفيف يدل على تحريم أنواع الأذى التي منها الضرب عرفًا لأن المنع من التأفيف منقول بالعرف عن موضوعه اللغوي إلى المنع من أنواع الأذى، وإذا كان كذلك، كان تحريم الضرب مستفادًا من النص عرفًا لا من القياس. ويكذبه، أي: يدفعه قول الملك للجلاد، إذا استولى على عدوه: خذ هذا الرجل اقتله ولا تستخف به، فإنه نفى الاستخفاف وأمر بالقتل. ولو ثبت نقل تحريم التأفيف بالعرف إلى تحريم الضرب، لما حسن من الملك ذلك، لكنه حسن، فبطل النقل. فعلم أن تحريم الضرب مستفاد من القياس لا من النص. وفيه نظر فإن الكلام في التأفيف لا في الاستخفاف. ولأن النهي عن الاستخفاف والتأفيف دلالته على تحريم القتل ظاهرة.

стр. 1507

فغاية ذلك أنه صرح بمخالفة الظاهر، والتصريح بخلاف الظاهر جائز، فالأولى أن يجاب بمنع النقل. قيل: تحريم الضرب لو ثبت قياسًا على حرمة التأفيف. لما قال به، أي: بحرمة الضرب منكرة أي: منكر القياس. واللازم منتف، لأن حرمة الضرب متفق عليها. قلنا: القياس القطعي لم ينكر، لأنه لجلائه لا يمكن إنكاره. فلذلك لم يقع الاختلاف فيه، فحرمة الضرب مستفادة من القياس الجلي الذي لم ينكره أحد، وإنما أنكروا القياس الخفي فقط.

стр. 1508

قيل: نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى عرفًا، كقولهم: فلان لا يملك الحبة، فإنه يدل عرفًا على أنه لا يملك درهمًا ولا دينارًا ولا غيرهما. وكقولهم: فلان لا يملك النقير ولا القطمير، فإنه يدل عرفًا على أنه لا يملك شيئًا من غير نظر إلى القياس. (وإذا كان نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى، كان تحريم التأفيف دالاً على تحريم الضرب) عرفًا. فكان تحريم الضرب مستفادًا من الآية لا من القياس. قلنا: أما الأول وهو قولهم: فلان لا يملك الحبة، فلأن نفي الجزء وهو الحبة يستلزم نفي الكل، فدل فيه نفي الأدنى على نفي الأعلى بخلاف التأفيف، فإنه ليس جزء من الضرب، فظهر الفرق بينهما.

стр. 1509

وأما الثاني: وهو قولهم: فلان لا يملك النقير ولا القطمير، فلأ، النقل فيه ضرورة، يعني أنه إنما يدل بحسب العرف على أنه لا يملك شيئًا لضرورة، وهي أن النقير هو النقرة التي في ظهر النواة، والقطمير شق النواة، كما في المحصول. أو القشرة الرقيقة التي عليها، كما في الصحاح. ولا يمكن حملها على الحقيقة، فنقل إلى العرف (وهو عدم تملك شيء) لضرورة امتناع الحمل على الحقيقة، ولا ضرورة هنا، أي: لا ضرورة في دعوى النقل في التأفيف لجواز الحمل على حقيقته اللغوية، فظهر الفرق. المسألة الرابعة

стр. 1510

القياس يجري في جميع الشرعيات، ويجوز التمسك به فيها. حتى في الحدود، كإيجاب قطع النباش، قياسًا على السارق بجامع أخذ مال الغير خفية من حرز. وحتى في الكفارات، كإيجابها على القاتل عمدًا، قياسًا على قتل الخطأ (بجامع القتل) بغير حق.
следующие страницы →