← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18274

تيسير الوصول إلى منهاج الأصول

ابن إمام الكاملية

Полный текст (2 009 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

النص) لأنه أصل الإجماع، ولكنه أخره أيضًا عن الإيماء. وجعل في جمع الجوامع أعلى مراتب الصريح: مثل "لعله كذا"، ويليه "لسبب كذا" ويليه "من أجل كذا"، ويليه "كي"، ومثله "إذاً". وجعل ابن السمعاني: "لأجل" و"كي" دون ما قبلهما في الصراحة. الطريق الثاني من الطرق الدالة على علية الوصف: الإيماء. والإيماء لغة: الإشارة الخفية. واصطلاحًا: اقتران وصف بحكم، لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيدًا، قاله ابن الحاجب.

стр. 1542

وقال غيره: هو ما يدل على علية وصف، بواسطة قرينة من القرائن. ويسمى التنبيه أيضًا. وهو خمسة أنواع: النوع الأول: ترتيب الحكم على الوصف بالفاء . وهو أن يذكر حكمًا أو وصفًا، وتدخل الفاء على الثاني منها، سواء كان: هو الوصف أو الحكم، وسواء كان ذلك في: لفظ الرسول ﷺ أو الراوي الفقيه، أو غيره. وإليه أشار بقوله: ويكون أي: الترتيب بإلقاء في الوصف أو الحكم، وفي لفظ الشارع، أو الراوي. مثاله: في دخول الفاء على الحكم في كلام الشارع ﴿والسارق

стр. 1543

والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾. ومثال دخول الفاء على الوصف في كلام الرسول ﷺ : "لا تقربوه طيبًا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا". وتقدم تخريجه. ولم يوجد في كلام الرواي مثال دخول الفاء على الوصف، كما قيل. ومثال دخول الفاء على الحكم في كلام الراوي: "زنى ماعز فرجم". وهو مروي بالمعنى، وحديثه في الصحيحين. لكن مقصود المصنف هذا اللفظ. قال الزركشي: ولم يرد. وقال العراقي: لا يعرف أصلاً بهذا اللفظ. فالأحسن أن يمثل بما رواه أبو داود والترمذي

стр. 1544

والنسائي. عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ "سهى فسجد" وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه الحاكم على شرطهما. قال الآمدي: والوارد في كلام الشارع أقوى في العلية من الوارد في كلام الراوي بلا شك، لاحتمال الغلط، إلا أنه لا ينفي الظهور.

стр. 1545

قال: ويشبه أن يكون تقديم العلة أقوى من عكسه. وجعل المصنف هذا من باب الإيماء، تبع فيه الآمدي. وجعله ابن الحاجب من باب الصريح. ولما كان الترتيب السابق، وهو ما فيه الفاء يقتضي العلية. فرع عليه نفس الترتيب المجرد عن الفاء فقال: فرع: ترتيب الحكم على الوصف يدل على العلية، وإن لم يكن مناسبًا. وقيل: يدل ترتيب الحكم على الوصف إذا كان مناسبًا، ونقل عن

стр. 1546

الآمدي وابن الحاجب. لنا: أنه إذا قيل: أكرم الجاهل وأهن العالم، قبح ذلك عرفًا، وليس قبحه لمجرد الأمر بإكرام الجاهل وإهانة العالم، فإنه أي: الأمر بالإكرام للجاهل، قد يحسن لدينه أو شجاعته أو سوابق نعمه. والأمر بالأهانة قد يحسن لفسق العالم أو بدعته، أو سوء خلقه، ونحو ذلك. وإذا لم يكن القبح لمجرد الأمر، فهو لسبق التعليل إلى الفهم من جعل الجهل علة للإكرام، والعلة علة للإهانة؛ لأن الأصل عدم علة أخرى. وإذا سبق إلى الأفهام التعليل مع عدم المناسبة؛ والفاء، لزم أن يكون حقيقة فيه فإن قيل: الدلالة أي: دلالة الترتيب على الوصف الغير المناسب للعلية في هذه الصورة لا تستلزم دلالته في الكل، أي: في كل الصور، لأن المثال الجزئي لا يصحح القضية للكلية لجواز

стр. 1547

اختلاف الجزئيات في الأحكام. قلنا: الترتيب المذكور إذا دل على العلية في هذه الصورة، يجب أن يدل عليها في جميع الصور دفعًا للاشتراك. إذ لو كان دالاً على غير العلة في بعض الصور لكان مشتركًا بينهما، والأصل عدمه. ونظر فيه من جهة: أن الترتيب من جملة المركبات، وهي غير موضوعة عنده تبعًا للإمام الرازي، فلا توصف حينئذ باشتراك ولا مجاز؛ لأنهما فرع الوضع. تنبيه: إذا ذكر الوصف والحكم كلاهما، كان إيماء بالاتفاق.

стр. 1548

وهو الذي ذكره المصنف، فإن ذكر أحدهما فقط مثل أن يذكر الوصف صريحًا والحكم مستنبطًا نحو: ﴿وأحل الله البيع﴾. فإن حل البيع وصف له قد ذكر، فعلم منه حكمه وهو الصحة، أو ذكر الحكم، والوصف مستنبط، وذلك كثير منه أكثر العلل المستنبة، نحو حرمة الخمر، فالمختار في جمع الجوامع تبعًا للصفي الهندي: أن الأول: وهو ذكر الوصف إيماء دون الثاني: وهو ذكر الحكم، وله زيادة تحقيق في الشرح. النوع الثاني من الإيماء: أن يحكم الشارع على شخص بحكم عقب علمه بصفة المحكوم عليه

стр. 1549

كقول الأعرابي: واقعت أهلي في رمضان يا رسول الله؟ فقال: "أعتق رقبة". رواه ابن ماجه. وأصل الحديث بغير هذه الصيغة في الكتب الستة. فدل الحديث على أن الوقاع علة للإعتاق، وذلك لأن صلاحية جوابه ﷺ للأعرابي بقوله: "أعتق رقبة". يغلب الظن على كونه جوابًا للأعرابي عن سؤاله، ليحصل غرضه حيث عرض واقعته

стр. 1550

عليه، ولئلا يلزم إخلاء السؤال عن الجواب (وتأخير البيان) عن وقت الحاجة. وحينئذٍ فيكون السؤال معادًا فيه -أي: في الجواب- تقديرًا فكأنه اقعت فكفر. فالتحق هذا النوع م الإيماء بالأول منه في إفادة العلية؛ لأنه في التقدير ترتيب حكم على وصف بلفظ الفاء الذي هو النوع الأول، لكنه دونه في الظهور؛ لأن الفاء هاهنا مقدرة، وهناك محققة، ولاحتمال عدم قصد الجواب، كما يقول العبد: طلعت الشمس، فيقول السيد: اسقني ماء. كل ذلك وإن بعد فليس بممتنع. واعلم أن مثل ذلك إذا حذف عنه بعض الأوصاف، وعلل بالباقي سمي "تنقيح المناط".

стр. 1551

مثاله: (في قصة الأعرابي، أن يقال): كونه أعرابيًا لا مدخل له في العلة، إذ الهندي والأعرابي حكمهما في الشرع واحد، وكذا كون المحل أهلاً، فإن الزنا أجدر به. أو يقال: كونه وقاعًا لا مدخل له، فيبقى كونه إفسادًا للصوم. تنبيه: في أكثر النسخ: "أفطرت يا رسول الله". قال العراقي: وهو سبق قلم، أو أطلق الأعم وأراد به الأخص. فإن الوقاع نوع من المفطرات، وقد أصلح في بعض النسخ على الصواب.

стр. 1552

النوع الثالث من الإيماء: أن يذكر الشارع وصفًا لو لم يؤثر في الحكم، يعني لو لم يكن علة له، أي: علامة عليه، لم يفد ذكره. وحينئذٍ يتعين أن يكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وإلا وقع في كلام الشارع ما لا فائدة له، وهو باطل. ومثل له المصنف بأربعة أمثلة؛ لأنه أربعة أقسام: الأول: إن ذكره واقعًا لسؤال أورده من توهم الاشتراك بين صورتين. مثل ما روي عنه ﵊ أنه امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب، فقيل: له إنك تدخل على قوم وعندهم هرة، زعمًا منه أن الهرة كالكلب في النجاسة. فقيل: إنه ﵊ قال دفعًا لزعمه: "إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات".

стр. 1553

فلو لم يكن طوفها علة لعدم نجاستها، ودافعًا لسؤال السائل لم يكن لذكره فائدة وكان ذكره عبثًا، لا سيما وهو من الواضحات. وجمع الهرة -بالياء والنون- مع أنها لا تعقل؛ لأن المراد بها من جنس الطوافين. واعلم أن هذا الحديث ذكره في "المحصول"، وهو غير معروف هكذا، فإن قصة دخوله على قوم دون قوم رواها أحمد في مسنده، والذي فيه أنه ﵊ أجاب بقوله: "إن الهرة سبع". وأما قوله "إنها ليست بنجسة" (إلى آخره). فإنما ورد عند إصغاء الإناء لتشرب منه، قاله العراقي. وتقدم تخريجه. قال: ويجاب عن المصنف بأنه لم يذكر هذه القصة، بل اقتصر

стр. 1554

على قوله: "إنها من الطوفين" فاحتمل أن يريد به قوله ﷺ هذا الكلام عقب إصغاء الإناء لهما، كما هو المعروف. والتمثيل به على هذا التقدير أيضًا صحيح، وإن قات منه جعله أحد الأقسام الأربعة التي ذكرها في "المحصول" فإنه ليس فيه دفع سؤال. أورده من توهم الاشتراك بين صورتين. ثانيهما: أن يذكر الشارع وصفًا في محل الحكم لا حاجة إلى ذكره ابتداء، ولا معنى له لو لم يكن علة، مثل ما روي عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: "ما في إداواتك"؟ قال: نبيذ. قال: "ثمرة طيبة وماء طهور". رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، زاد الترمذي: فتوضأ به.

стр. 1555

قال: ولم يروه غير أبي زيد وهو مجهول، ولا يعرف عنه غير هذا الحديث. وقال أبو زرعة، وابن عدي: هو حديث ليس بصحيح. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ صريحًا ما ينافي هذه الرواية.

стр. 1556

وقال العراقي: ضعيف باتفاق المحدثين. فوصف المحل، وهو النبيذ بطيب ثمره وطهورية مائه دليل على بقاء طهورية الماء. قال القرافي: هو غير مطابق؛ لأن ذكره ﵊ طيب الثمرة ليس إشارة إلى العلة في بقاء الطهورية، بل إلى عدم المانع. ثالثها: أن يسأل الشارع عن وصف، فإذا أجاب عنه المسئول عنه، أقره عليه، ثم يذكر بعده حكمًا. وذلك مثل قوله ﷺ لما سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر متساويًا فقال: "أينقص الرطب إذا جف"، قيل: نعم، فقال: "فلا إذن" رواه الأربعة وصححه الترمذي ابن خزيمة والحاكم.

стр. 1557

فنبه على أن النقصان علة منع البيع، وكونه مفهومًا من الفاء، وإذا لا ينافي ذلك، إذ لو قدرنا انتفاءهما لبقي فهم التعليل. رابعها: أن يقر الرسول ﷺ السائل على حكم ما يشبه المسئول عنه، ثم ينبه على وجه الشبه، فيعلم أن وجه الشبه هو العلة، وذلك مثل ما روي من قوله ﵊ -لعمر- رضي الله تعالى عنه- وقد سأل عن قبلة الصائم هل يفسد الصوم من غير إنزال؟ : "أرأيت لو تمضت بماء، ثم مججته"- يعني: لفظته "أكنت شاربه؟ " فقال: لا. فنبه الرسول على ما روي بهذا على أن حكم القبلة في عدم إفسادها للصوم كحكم ما يشبهها، وهو المضمضة.

стр. 1558

ووجه الشبه أن كلا منهما مقدمة لم يترتب عليه المقصود، وهو الشرب والإنزال. تنبيه: قال الزركشي: المحفوظ من هذا الحديث: "أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم" قال عمر: قلت: لا بأس بذلك. قال: "فمه". رواه أبو داود والنسائي، وقال: حديث منكر. وأعله ابن الجوزي "بليث" توهمًا أنه "ابن أبي سليم".

стр. 1559

وإنما هو الليث بن سعد الإمام الجليل ﵁. ورواه البزار في مسنده، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وصححه ابن حبان، وقال الإمام أحمد: حديث ضعيف. قال العراقي: وقوله "أكنت شاربه"؟ ، لا أعرف له أصلاً. وقال شيخ الإسلام: وقد وقع التصريح بأنه الليث بن سعد في رواية أبي داود.

стр. 1560

وكذا في الروايتين المتقدمتين عن الدارمي. وعبد، وكذا صرح به الهيثم بن كليب في مسنده، ووقع في روايته في آخره، فقلت: لا بأس بذلك، فقال: "ففيم". وكذا وقع بهذا اللفظ. وفي رواية عن عيسى بن حماد، ونبه على ذلك أبو داود. (وقال ابن حزم: صحيح).

стр. 1561

النوع الرابع: من الإيماء: أن يفرق الشارع في الحكم بين شيئين بذكر وصف لأحدهما، فيعلم أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وإلا لم يكن لتخصيصه بالذكر فائدة. ومثل له المصنف بمثالين؛ لأنه نوعان: الأول: أن لا يكون حكم الشيء الآخر، وهو قسيم الموصوف (مذكورًا معه) مثل ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة مرفوعًا: "القاتل لا يرث". وفيه إسحاق بن أبي فروة.

стр. 1562

قيل: متروك. وله طرق مبينة في الأصل. ففي الحديث الفرق بين القاتل وبين سائر الورثة، بذكر القتل الذي يجوز أن يكون مؤثرًا في منع الإرث. فعلم كون القتل مانعًا من الإرث. وليس في هذا الخطاب ذكر حكم سائر الورثة. وثانيهما: أن يكون حكم الشيئين مذكورًا في الخطاب، إما بلفظ الشرط، واقتصر عليه المصنف، لأن بقية الأقسام في معناه مثل قوله ﷺ : "إذا اختلف الجنسان

стр. 1563

فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد" رواه مسلم فيعلم منه أن اختلاف الجنسين علة لجواز البيع متفاضلاً. أو تكون التفرقة بلفظ الغاية، كقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾. أو بالاستثناء كقوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون﴾ أو بالاستدراك كقوله تعالى ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾.

стр. 1564

أو باستئناف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر، وتكون تلك الصفة صالحة للعلية. مثاله ما روي عنه ﷺ أنه قال "للراجل سهم وللفارس سهمان". قال الزركشي: ولم يرد من لفظ النبي ﷺ هكذا، وأقرب ما فيه، مبين في الأصل. (ولكن روى الدارقطني والبيهقي عن أبي كبشة الأنماري حديثًا. وفيه أن النبي ﷺ قال: "ألا إني جعلت للفرس سهمين وللراجل سهمًا".

стр. 1565

قال شيخ الإسلام: وهو حيدث غريب، رجاله ثقات، إلا عبد الله ابن بشر تابعي صغير فيه مقال. وذكر هذه الأقسام الخمسة في المحصول). النوع الخامس من الإيماء: النهي عن مفوت الواجب أي: عن فعل يكون مانعًا لما تقدم وجوبه مثل قوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾. فإنه تعالى لما أوجب علينا السعي وقت نداء الجمعة، وكان البيع في ذلك الوقت مفوتًا لهذا الواجب، وقد نهانا عن البيع فيه، علم أن علة النهي مانعًا من السعي الواجب في ذلك الوقت.

стр. 1566

الطريق الثالث من الطرق الدالة على كون الوصف الجامع علة للحكم. وهو الإجماع في عصر من الأعصار على كونه علة، والظن كاف لما تقدم. وإنما يتصور الاختلاف في مثله، بأن يكون الإجماع ظنيًا، كالثابت بالآحاد والسكوتي، أو يكون ثبوت الوصف في الأصل في الفرع ظنيًا. أو يدعي الخصم معارضًا في الفرع. وذلك كتعليل تقديم الأخ من الأبوين، على الأخ من الأب في الإرث، بامتزاج النسبين. فأجمعوا على التقديم: بكونه من الأبوين، على كونه من الأب في

стр. 1567

الإرث، فيقاس عليه تقدمه في ولاية النكاح، والصلاة عليه وتحمل العاقلة بجامع امتزاج النسبين. الطريق الرابع من الطرق الدالة على علية الوصف: وهي المناسبة، وتسمى: الإخالة -بكسر الهمزة، وبالخاء المعجمة- من خال: إذا ظن، لأنه بالنظر إليه يظن أنه علة. ويسمى تخريج المناط. لأنه أبدى مناط الحكم، أي علق علته. وحاصله: تعيين العلة في الأصل بمجرد إبداء المناسبة بينها، وبين الحكم من ذات الأصل لا بنص ولا بغيره كالإسكار للتحريم، فإن النظر في المسكر وحكمه، ووصفه، يعلم منه كون الإسكار مناسبًا لشرع التحريم.

стр. 1568

وعرف في جمع الجوامع المناسبة: بتعيين العلة: بإبداء مناسبة مع الاقتران والسلامة عن القوادح. وأخرج: بإبداء المناسبة، تعيين العلة بالطرد أو الشبه. وأراد بالاقتران: مقارنة الحكم للوصف. وهو من زيادته على ابن الحاجب لبيان اعتماد المناسبة لا لتحقيق ماهيتها وأورد عليه أن معرفة إبداء المناسبة متوقف على معرفتها فكيف يعرف بها. وأجيب بأن المناسبة في التعريف لغوية، بمعنى الملائمة، فلا دور.

стр. 1569

واعلم أنه يتحقق الاستدلال على أن الوصف الذي أبداه هو العلة بعدم ما سواه بطريق السبر. ولا يكفي أن يقول بحثت فلم أجد غيره، وإلا لزم الاكتفاء به ابتداء ولا قائل به. وأما المناسب فهو في اللغة: الملائم.

стр. 1570

وفي الشرع- قال المصنف- ما يجلب للإنسان نفعًا أو يدفع عنه ضررًا. أي: الوصف الذي يقتضي إلى ما يجلب للإنسان نفعًا أو يدفع عنه ضررًا. والنفع: اللذة، أو ما يكون طريقًا إليها. والضرر: الألم، أو ما يكون طريقًا إليه. وقيد بالإنسان لتعالى الرب- تعالى- وتقدس عن الضرر أو الانتفاع ونظر فيه من جهة أن فيه تفسير العلة بالحكم. لأن الوصف المناسب من أقسام العلة، كالقتل يناسب القصاص، والجالب للنفع الدافع للضرر، هو الحكم. كإيجاب القصاص: جالب لمنفعة بقاء الحياة (ودافع لضرر التعدي) وحكى في المحصول التعريف الذي اختاره المصنف عمن

стр. 1571

يعلل أحكام الله- تعالى وقيل المناسب: هو الوصف الملائم لأفعال العقلاء في العادة، أي: يقصده العقلاء لتحصيل مقصود مخصوص. كما يقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة. واختاره في جمع الجوامع، وحكاه في المحصول عمن لا يعلل أحكام الله تعالى، وهو مذهب الأشعري، وهو المعتمد. وقيل: هو وصف ظاهر منضبط يحصل عقلًا من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودًا للعقلاء، واختاره الآمدي وابن الحاجب، والمقصود: إما حصول مصلحة أو دفع مفسدة. وهو- أيك المناسب- حقيقي: إن كانت مناسبته بحيث لا

стр. 1572

يزول بالتأمل. والحقيقي الدنيوي: إن كانت لمصلحة تتعلق بالدنيا. والدنيوي ضروري: إن انتهت مصلحته إلى حد الضرورة. وهو قسمان: - ضروري في نفسه - ومكمل للضروري واقتصر المصنف على الأول، وهو أعلى المراتب في إفادة ظن الاعتبار، وذلك كحفظ النفس بالقصاص، وحفظ الدين بالقتال

стр. 1573

للكفار، وحفظ العقل بالزجر عن المكسرات، وحفظ المال: الذي به المعاش بالضمان على متلفه، وعقوبة السارق والمحارب، وحفظ النسب بالحد على الزنا؛ لأن المزاحمة في الأبضاع مجلبة للفساد والتقاتل، ومفضية إلى اختلاط الأنساب المؤدي إلى انقطاع تعهد الأولاد المنافي لبقاء النوع وهذه هي الكليات الخمس الضرورية التي روعيت في كل ملة. وزاد في جمع الجوامع تبعًا للطوافي.

стр. 1574

سادسًا: وهو العرض. فتحريمه معلوم من الدين بالضرورة وحفظه بحد القذف. ومقتضى كلامه أنه في مرتبة المال. ويحتمل أن يجعل دون الكليات فيكون من الملحق به. القسم الثاني: وهو المكمل للضروري: وذلك كحد قليل المسكر وهو لا يزيل العقل، وحفظ العقل حاصل بتحريم المسكر، وإنما حرم القليل للتتميم والتكميل؛ لأن قليله يدعو إلى كثيره، بما

стр. 1575

يورث النفس من الطرب المطلوب زيادته بزيادة سببه إلى أن يسكر، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. والمناسب مصلحي: إن كانت مصلحته في محل الحاجة. ولم تنته إلى حد الضرورة، ويسمى الحاجي، وهو أيضًا ينقسم إلى قسمين: - حاجي في نفسه. - ومكمل للحاجي. مثال الحاجي في نفسه: البيع والإجارة والقراض والمساقاة.

стр. 1576

فإن المعاوضة: وإن ظنت أنها ضرورية فكل واحد من هذه العقود، ليس بحيث لو لم يشرع لأدى إلى فوات شيء من الضروريات الخمس. قال المحقق: وهذه ليست في مرتبة واحدة، فإن الحاجة تشتد وتضعف، وبعضها آكد من بعض، وقد يكون بعضها ضروريًا في بعض الصور، كالإجارة في تربية الطفل الذي لا أم له ترضعه، وكشراء المطعوم، والملبوس، فإنه ضروري من قبيل حفظ النفس، ولذلك لم تخل عنه شريعة، وإنما أطلقنا الحاجي عليها باعتبار الأغلب. مثال المكمل للحاجي: وجوب رعاية الكفاءة ومهر المثل في الولي

стр. 1577

إذا زوج الصغيرة. فإن أصل المقصود من شرع النكاح وإن كان حاصلًا بدونهما لكنه أشد إفضاء إلى دوام النكاح، وهو من مكملات مقصود النكاح. والمصنف- ﵀ مثل للمصلحي: بقوله: كنصب الولي للصغير لئلا تضيع حقوقه. والظاهر أنه من القسم الأول من الحاجي. والمناسب تحسيني: إذا لم يكن في محل الضرورة ولا الحاجة، ولكن مستحسن في العادات، وفيه تحسين وتزيين، وسلوك منهج أحسن من منهج، وذلك كتحريم القاذورات. فإن نفرة الطباع عنها لخساستها، مناسب لحرمة تناولها حثًا للناس على مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات، والشيم. ومنه سلب العبد أهلية الشهادة، وإن كان ذا دين وعدالة يغلبان

стр. 1578

على ظن صدقه لنقصه عن المناصب الشريفة. وجعل في جمع الجوامع وغيره: التحسيني قسمان: أحدهما: أن لا يعارضه شيء من القواعد، كسلب العبد أهلية الشهادة. ثانيهما: أن يعارض قاعدة معتبرة، كالكتابة. فإنها جوزت لاستحسانها في العادة، مع مخالفتها للقاعدة في امتناع بيع الإنسان ماله بماله. والمناسب الأخروي: كتزكية النفس، من تهذيب الأخلاق ورياضة

стр. 1579

النفوس المقتضية لشرعية العبادات. فإن الصلاة مثلًا وضعت للخضوع والتذلل. والصوم لانكسار النفس بحسب القوى الشهوانية والغضبية، فإذا كانت النفس زكية تؤدي المأمورات وتجتنب المنهيات حصلت لها على السعادة الأخروية. والمناسب الإقناعي: هو الذي يظن في بادئ النظر أنه مناسب، وإذا بحث عنه حق البحث فيزول ذلك الظن، وتظهر عدم مناسبته بالتأمل فيه. مثاله: تعليل تحريم الخمر والميتة بالنجاسة، ثم يقيس عليه الكلب والخنزير. فكونه نجسًا يناسب إذلاله، ومقابلته بالمال في البيع إعزاز، والجمع بينهما متناقض. فهذا وإن كان يظن أنه مناسب، لكنه في الحقيقة ليس كذلك؛

стр. 1580

لأن كونه نجسًا معناه أنه لا تجوز الصلاة معه. وليس بينه وبين امتناع البيع مناسبة. والمناسبة تفيد العلة إذا اعتبرها، أي: اعتبر نفس العلة الشارع فيه، أي: في نفس الحكم. وليس المراد باعتباره أن ينص على العلة، أو يومئ إليها، وإلا لم تكن العلة مستفادة من المناسبة، وذلك كالسكر في الحرمة، فإنه مناسب للتحريم حفظًا للعقل. وعلم أن الشارع لم يعتبر عينة في جنس التحريم، ولا جنسه في عين التحريم، ولا جنسه في جنس التحريم. ولكن اعتبر النوع في النوع، فإن السكر نوع من الوصف، والتحريم نوع من الحكم.
следующие страницы →